← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فصل الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه ردَّ مثله، كما اقترض النبي ﷺ بَكْرًا، وردَّ خيرًا منه (١). وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة (٢). وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وقصة داود وسليمان من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرثَ القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة. ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم (٣) [٢٦٠/أ] بالقيمة. وأما سليمان فحَكَم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمَّنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلَّة الحرث إلى أن يعود. وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان. وقال ربيعة وأبو الزناد (٤): عليه القيمة. فغلَّظ الزهري القولَ فيهما. وقول الزهري وحكم سليمان هو موجَب الأدلة، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 947

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كلِّ وجه متعذِّرًا (١)، فقد دار الأمر بين شيئين: الضَّمانِ بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع، وإن ساوت المضمون في المالية؛ والضَّمانِ بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع. ولا ريب أن هذا أقرب إلى النص والقياس والعدل. ونظير هذا ما ثبت بالسنَّة (٢) واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدَّم تقرير ذلك (٣). وإذا كانت المماثلة من كلِّ وجه متعذرةً حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى [٢٦٠/ب] بالصواب. ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجَب النص. وبالله التوفيق.

стр. 948

الأصل الثالث: أن من مثَّل بعبده عتَق عليه . وهذا مذهب فقهاء الحديث، وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي ﷺ (١) وأصحابه كعمر بن الخطاب (٢) وغيره. فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل. فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها، فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية، ولا تمكن سيدتها من استخدامها حقَّ الخدمة، لغيرتها منها وطمعها في السيِّد، واستشراف السيِّد إليها. وتتشامخ على سيدتها، فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك. والجاني إذا تصرَّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشارع لسيِّدتها بالمثل، وملَّكه الجاريةَ، إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض. وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرِّمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك. فإذا لم ترضَ وعلمت أن الأمة قد فسدت

стр. 949

عليها، ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك= كان من أحسن القضاء أن يغرَّم السيدُ مثلَها، ويملكها. فإن قيل: فاطردوا هذا القياس، وقولوا: إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أنَّ لهم القيمة أو يطالبوه (١) ببدلها. قيل: نعم، هذا موجَب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثِّر. [٢٦١/أ] وإن كان بينهما فرقٌ انقطع الإلحاق، فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي. وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركَّب، إذ لا نصَّ فيه ولا إجماع. فصل وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة، فإن الوطء يجري مجرى الجناية. ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة. فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مثَّل بها. قال شيخنا (٢): ولو استكره عبدَه على الفاحشة عتَقَ عليه، ولو استكره أمةَ الغير على الفاحشة عتقت (٣)، وضمِنها بمثلها، إلا أن يفرَّق بين أمة امرأته وبين غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجَب القياس التسوية. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ

стр. 950

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] فهذا نهيٌ عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين كان له إماء يُكرههن على البغاء. وليس هذا استكراهًا للأمة على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها، وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني، مع أنه يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرِع بعد ذلك. قال شيخنا (١): والكلام على هذا الحديث من أدقِّ [٢٦١/ب] الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه. قال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة. قال: وقد تدبَّرتُ ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح (٢) لا يخالف المنقول الصحيح. بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بدَّ من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمَّن هو دونهم. فإنَّ إدراكَ الصفة المؤثِّرة في الأحكام على وجهها ومعرفةَ المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم. فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم. فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفةً للنصوص، لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل

стр. 951

الدقيقة التي تدل على الأحكام. انتهى. فإن قيل: فهَبْ أنكم خرَّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحدِّ عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك؟ قيل: الحديث لم يتعرَّض للحدِّ بنفي ولا إثبات، وإنما دلَّ على الضمان وكيفيته. فإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: أنها إن كانت أحلَّتها له جُلِد مائةً (١)، وإن لم تكن أحلَّتها له رُجِم بالحجارة (٢)، على القياس. قيل: هو بحمد الله موافق للقياس، مطابق لأصول الشريعة [٢٦٢/أ] وقواعدها؛ فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحدِّ عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرَّمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبهةً دارئةً للحدِّ عنه.

стр. 952

فإن قيل: فكيف تخرِّجون التعزير بالمائة على القياس؟ قيل: هذا من أسهل الأمور، فإن التعزير لا يتقدَّر بقدر معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها. وعمر بن الخطاب قد تنوَّع تعزُيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس (١)، وتارةً بالنفي (٢)، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله ﷺ وأبو بكر (٣)، وتارةً بتحريق حانوت الخمار (٤). وكذلك تعزير الغالِّ، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه (٥).

стр. 953

وتعزيرُ مانع الصدقة بأخذِها وأخذِ شطر ماله معها (١)، وتعزيرُ كاتم الضالَّة الملتقطة بإضعاف الغُرم عليه (٢). وكذلك عقوبةُ سارقِ ما لا قطعَ فيه يُضعَف عليه الغُرم (٣). وكذلك قاتل الذمي عمدًا أضعفَ عليه عمر

стр. 954

وعثمان (١) ديته (٢)، وذهب إليه أحمد وغيره. فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي ﷺ : «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» (٣)؟ قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرنا. فإنَّ الحدَّ في لسان الشارع أعمُّ منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدَّرة بالشرع خاصة. والحدُّ في لسان الشارع أعمُّ من ذلك، فإنه يراد [٢٦٢/ب] به هذه العقوبة تارةً، ويراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال. وقال النبي ﷺ : «إن الله حدَّ حدودًا، فلا تعتدُوها» (٤). وفي حديث النوَّاس بن سَمعان الذي تقدَّم في أول الكتاب (٥): «والسوران حدود الله». ويراد به تارةً جنس العقوبة وإن لم تكن مقدَّرةً. فقوله ﷺ : «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» يريد به الجناية التي هي حقٌّ لله. فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحدِّ الجناية؟

стр. 955

قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره، للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط. فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث، وبالله التوفيق. فصل (١) وأما المضيُّ في الحج الفاسد فليس مخالفًا للقياس، فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة، فعلى من شرَع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعًا بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلَّل. ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم يُسقِط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه الله عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه. ونظير هذا: الصائم إذ أفطر عمدًا لم يُسقِط عنه فطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك. ولا يقال له: قد بطل صومك، فإن شئت أن تأكل فكُلْ. بل يجب عليه المضيُّ [٢٦٣/أ] فيه وقضاؤه، لأن الصائم له حدٌّ محدود وهو غروب الشمس (٢). فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها، ثم يعيدها. قيل: من هاهنا ظنَّ من ظنَّ أن المضيَّ في الحج الفاسد على خلاف القياس. والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة، كما

стр. 956

للصائم (١) وقت محدود وهو الغروب. وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرَّم قبل وصوله إليه، كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر، فلا يمكنه فعلُه ولا فعلُ الحج ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيًا في وقتها. وسرُّ الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعلِه، لا يسع غيره؛ ووقت الصلاة أوسع منها، فيسع غيرها، فيمكنه تداركُ فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت. ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه. والله أعلم. فصل وأما من أكل في صومه ناسيًا، فمن قال: «عدمُ فطره ومضيُّه في صومه على خلاف القياس» ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس (٢) أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونسي حتى صلَّى. والذين قالوا: «بل هو على وفق القياس» حجتهم أقوى، لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وثبت عن النبي ﷺ أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ (٣). [٢٦٣/ب] وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرَّمًا فلم يبطل صومه. وهذا محض القياس، فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور.

стр. 957

وطردُ هذا القياس: أن من تكلم في صلاته ناسيًا لم تبطل صلاته. وطردُه أيضًا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطل صيامه ولا إحرامه. وكذلك من تطيَّب، أو لبِس، أو غطَّى رأسه، أو حلَق رأسه، أو قلَّم ظفره= ناسيًا، فلا فدية عليه؛ بخلاف قتل الصيد، فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه. وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف، فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف. وطردُ هذا القياس: أن من فعل المحلوف عليه ناسيًا لم يحنث، سواء حلف بالله، أو بالطلاق، أو بالعتاق، أو غير ذلك؛ لأن القاعدة أن من فعل المنهيَّ عنه ناسيًا لم يُعَدَّ عاصيًا. والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان. فلا يُعَدُّ حانثًا مَن فعل المحلوف عليه ناسيًا. وطردُ هذا أيضًا: أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، بخلاف من ترك شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا، أو ترك الغسل من الجنابة، أو الوضوءَ، أو الزكاة، أو شيئًا من فروض الحج= ناسيًا فإنه يلزمه الإتيان به، لأنه لم يؤدِّ ما أُمِر به، فهو في عهدة الأمر. وسرُّ الفرق أن من فعل المحظور ناسيًا يجعل وجوده كعدمه، ونسيان [٢٦٤/أ] ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعلُ المحظور ناسيًا عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله. فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم، لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات، ولهذا تشترط فيه النية. ولو كان فعلُ المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كترك (١) سائر المحظورات. قيل: لا ريب أن النية في الصوم شرط، ولولاها لما كان عبادة، ولا أُثِيبَ

стр. 958

عليه؛ لأن الثواب لا يكون إلا بالنية، فكانت النية شرطًا في كون هذا الترك عبادة. ولا يختص ذلك بالصوم، بل كلُّ تركٍ لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيًا لم يأثم به. فإذا نوى تركَها لله، ثم فعَلَها ناسيًا لم يقدح نسيانه في أجره، بل يثاب على قصدِ تركها لله، ولا يأثم بفعلها ناسيًا. وكذلك الصوم. وأيضًا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي ﷺ : «من أكل أو شرب ناسيًا فَلْيُتِمَّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (١). فأضاف فعله ناسيًا إلى الله، لكونه لم يُرِده ولم يتعمَّده. وما يكون مضافًا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد، ولم (٢) يكلَّف به؛ فإنه إنما يكلَّف بفعله، لا بما يفعل فيه. ففعلُ الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير. وكذلك لو احتلم الصائم [٢٦٤/ب] في منامه، أو ذَرَعه القيءُ في اليقظة، لم يفطر. ولو استدعى ذلك أفطر به. فلو كان ما يوجد بغير قصده، كما يوجد بقصده، لأفطر بهذا وهذا. فإن قيل: فأنتم تفطِّرون المخطئ، كمن أكل يظنُّه ليلًا فبانَ نهارًا. قيل: هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف، والذين فرَّقوا بينهما قالوا: فعلُ المخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي. ونُقِل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب، دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك. قال شيخنا (٣): وحجة من قال: لا يفطر في الجميع أقوى، ودلالة

стр. 959

الكتاب والسنة على قولهم أظهر؛ فإن الله سبحانه سوَّى بين الخطإ والنسيان في عدم المؤاخذة، ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطئ والناسي، ولأن كلَّ واحد منهما غير قاصد للمخالفة. وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت الشمس. ولم يثبت في الحديث أنهم أُمِروا بالقضاء، ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك، فقال: أَوَ بدٌّ من القضاء (١)؟ وأبوه عروة أعلم منه، وكان يقول: لا قضاء عليهم (٢). وثبت في «الصحيحين» (٣) أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الحبل (٤) الأسود من الأبيض، ولم يأمر أحدًا منهم بقضاء وكانوا مخطئين. وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر، ثم تبيَّن النهار، فقال: لا نقضي، فإنَّا (٥) لم نتجانف لإثم (٦).

стр. 960

وروي [٢٦٥/أ] عنه أنه قال: نقضي (١). وإسناد الأول أثبت. وصحَّ عنه أنه قال: الخطب يسير (٢). فتأوَّلَ ذلك من تأوَّله على أنه أراد خفة أمر القضاء. واللفظ لا يدل على ذلك. قال شيخنا (٣): وبالجملة فهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس. قلت له: فالنبي ﷺ مرَّ على رجل يحتجم، فقال: «أفطَر الحاجمُ والمحجوم» (٤). ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطِّر، ولم يبلغهما قبل ذلك قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم». ولعل الحكم إنما شُرِع ذلك اليومَ.

стр. 961

فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطرَ الآكل والشارب. فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر، ولا تعرض فيه للمانع. وقد عُلِم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج، فكذلك الخطأ والجهل. والله أعلم (١). فصل (٢) ومما يُظَنّ (٣) أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود. فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجَّلَ امرأته أربع سنين، وأمرها أن تتزوج. فقدِم المفقود بعد ذلك، فخيَّره عمُر بين امرأته وبين مهرها (٤). فذهب الإمام أحمد إلى ذلك. وقال: ما أدري مَن ذهب إلى غير ذلك، إلى أيِّ شيء يذهب؟ (٥) وقال أبو داود في «مسائله» (٦): سمعت أحمد ــ وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ ــ فقال: ما في نفسي [٢٦٥/ب] منه

стр. 962

شيء. هذا خمسةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ أمروها أن تتربَّص. قال أحمد: هذا من ضيق علم الرجل أن لا يتكلَّم في امرأة المفقود (١). وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس. والقياس أنها زوجة القادم بكلِّ حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا، فتكون زوجة الثاني بكلِّ حال. وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك، فقالوا: لو حكَم حاكم بقول عمر في ذلك لنُقِضَ حكمُه، لبعده عن القياس. وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُرَدُّ إلى الأول. وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول. قال شيخنا (٢): من خالف عمر (٣) لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر. وهذا إنما يتبيَّن بأصل، وهو وقفُ العقود إذا تصرَّف الرجلُ في حقِّ الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. والثانية أنها لا تقف، وهو أشهر قولي الشافعي، وهذا في النكاح والبيع والإجارة.

стр. 963

وظاهر مذهب أحمد التفصيل. وهو أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكُّنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى [٢٦٦/أ] التصرُّف وقف العقدُ على الإجازة بلا نزاع عنده. وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرُّفُ ففيه النزاع. فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها، فإذا تعذَّر عليه معرفةُ أرباب الأموال ويئس منها، فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدَّق بها عنهم. فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيَّرين بين الإمضاء وبين التضمين. وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة، فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرَّف فيها، ثم إن جاء صاحبها كان مخيَّرًا بين إمضاء تصرُّفه وبين المطالبة بها. فهو تصرُّف موقوف لما تعذَّر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرُّف. وكذلك الموصي بما زاد على الثلث، وصيتُه موقوفة على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيَّرون بعد الموت.

стр. 964

فالمفقود المنقطع خبره، إن قيل: إن امرأته تبقى إلى أن يُعلمَ خبرُه= بقيَتْ لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت. والشريعة لا تأتي بمثل هذا. فلما أُجِّلت أربع سنين ولم يُكشفَ خبرُه حُكِم بموته ظاهرًا. فإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرِّق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودًا. وهذا كما ساغ التصرُّفُ في الأموال التي تعذَّر معرفةُ أصحابها، فإذا قدِم الرجل تبيَّنَّا أنه كان حيًّا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرَّف في زوجته [٢٦٦/ب] بالتفريق، فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته. فإن شاء أجاز ما فعله الإمام، وإن شاء ردَّه. وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه. ولو أذن للإمام أن يفرِّق بينهما ففرَّق وقعت الفرقة بلا ريب، وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحًا. وإن لم يُجِزْ ما فعله الإمام كان التفريق باطلًا، فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته؛ فكان القادم مخيَّرًا بين إجازة ما فعله الإمام وردِّه. وإذا أجاز فقد أخرج البُضْع عن ملكه. وخروجُ البضع من ملك الزوج متقوِّم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أنَصِّ الروايتين. والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل. والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلَّق امرأته، ثم رجعا عن الشهادة. فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوِّم. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. وقيل: عليهما مهر المثل. وهو قول الشافعي، وهو وجه في مذهب أحمد. وقيل: عليهما المسمَّى، وهو مذهب مالك. وهو أشهر في نصِّ أحمد (١)، وقد نصَّ على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمَّى. والكتاب والسنة يدلان على هذا القول، فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ [٢٦٧/أ] حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١]. وهذا هو المسمَّى دون مهر المثل. وكذلك (٢) أمر النبيُّ ﷺ زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل (٣). وهو سبحانه إنما يأمر في

стр. 965

المعاوضات المطلقة بالعدل. فحكمُ أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل. والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة. ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يُعلَم أن أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصدُّقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذَّرت عليه معرفته (١)، وكتصدُّق الغالِّ بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذَّر قَسْمُه بين الجيش، وإقرار معاوية (٢) على ذلك وتصويبه له (٣)، وغير ذلك من القضايا؛ مع أن القول بوقف العقود مطلقًا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور. وليس في ذلك ضرر أصلًا، بل هو صلاح بلا فساد (٤)؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره، أو يبيع له، أو يستأجر له،

стр. 966

أو يؤجر (١) له؛ ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضرُّه. وكذلك في تزويج وليّته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه. فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج [٢٦٧/ب] إذا جاء، كما يقف تصرُّفُ الملتقط على إذن المالك إذا جاء. والقولُ بردِّ المهر إليه لخروج (٢) بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو، أو ما أعطاها الثاني؟ وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما يرجع بما مهرها الثاني، لأنها هي التي أخذته. والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو، فإنه الذي يستحقه. وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقَّ له فيه. وإذا ضمن الثاني للأول المهرَ، فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان (٣): إحداهما: يرجع، لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين. بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الأول (٤) ونكاح الثاني، فعليها أن تردَّ المهر؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها. والثانية: لا يرجع، لأن المرأة تستحقُّ المهر بما استحلَّ من فرجها. والأول يستحق المهر بخروج البُضْع عن ملكه، فكان على الثاني.

стр. 967

وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود. وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض الأئمة: لو حكَم به حاكمٌ نُقِضَ حكمُه. وهو مع هذا أصحُّ الأقوال وأجراها (١) في القياس، وكلُّ قول قيل سواه فهو خطأ. فمن قال: إنها تعاد إلى الأول بكلِّ حال، أو تكون مع الثاني بكلِّ حال= فكلا القولين خطأ، إذ كيف تعاد إلى الأول، وهو لا يختارها ولا يريدها، [٢٦٨/أ] وقد فُرِّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده، فالحقُّ في ذلك للزوج. فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور. وأما كونها زوجةَ الثاني بكلِّ حال مع ظهورِ زوجها وتبيُّنِ أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام، فهو خطأ أيضًا، فإنه مسلمٌ لم يفارق امرأته، وإنما فُرِّق بينهما بسببٍ ظهر أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه فكيف لا تُردُّ إليه امرأته، وأهلُه أعزُّ عليه من ماله؟ وإن قيل: حقُّ الثاني تعلَّق بها. قيل: حقُّه سابق على حقِّ الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحقَّ الثاني أن تكون زوجة له. وما الموجب لمراعاة حقِّ الثاني دون الأول؟ فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. ولهذا تعجَّب أحمد ممن خالفه. وإذا (٢) ظهر صحةُ ما قاله الصحابة وصوابُه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثلُ أبي حنيفة ومالك والشافعي،

стр. 968

فلَأن يكون الصوابُ معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى. قال شيخنا (١): وقد تأمّلتُ من هذا الباب ما شاء الله، فرأيتُ الصحابة أفقهَ الأمة وأعلمَها. اعتبِرْ هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط. فالمنقول فيها عن الصحابة [٢٦٨/ب] هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس. وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجودَ الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة. وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجَلِّ العلوم. وإنما يعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام. والله أعلم. انتهى (٢). فصل ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس: مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمَّى «مسألة الزُّبْيَة».

стр. 969

وأصلها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبيةً للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوَى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالثُ رابعًا، فقتلهم الأسد. فرُفِع ذلك إلى علي بن أبي طالب (١) وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وقال: أجعل الدية على مَن حضَر رأس [٢٦٩/أ] البئر. فرُفِع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «هو كما قال». رواه سعيد بن منصور في «سننه»، ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصنعاني (٢) عن علي (٣). فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفًا على خلاف القياس (٤). والصواب أنه مقتضى القياس والعدل. وهذا يتبيَّن بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمونٍ ومهدَرٍ سقط ما يقابل المهدر، واعتُبِر ما يقابل المضمون؛ كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا، أو حيوانًا= سقط ما يقابل حقَّه، ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه. وكذلك لو اشترك اثنان في إتلافِ مال أحدهما أو قتلِ عبده أو حيوانه سقط

стр. 970

عن المشارك ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقسطه. وكذلك لو اشترك هو وأجنبيٌّ في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان. وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجرُ أحدهم فقتَله، فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط، ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين. هذا مذهب الشافعي، واختيار صاحب «المغني»، والقاضي أبي يعلى في «المجرَّد» (١). وهو الذي قضى به عليٌّ في مسألة القارصة والواقصة. قال الشعبي: وذلك أنَّ ثلاثَ جوارٍ اجتمعن، فركبت إحداهن على عنق الأخرى، فقرَصت الثالثةُ المركوبةَ، فقمَصَت (٢)، فسقطت الراكبة [٢٦٩/ب] فوقَصت (٣) عنقها، فماتت. فرُفِع ذلك إلى عليٍّ، فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة، لأنها أعانت على قتل نفسها (٤). وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوطُ الثلاثة فوقه مِن فعله. وجنايتهُ على نفسه تُسقِط (٥) ما يقابله وهو

стр. 971

ثلاثة أرباع الدية. وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله وإنما تولَّد من التزاحم فلم يُهدَر. وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذبِ مَن قبله له، وجذبه هو لثالث، ورابع. فسقط ما يقابل جذبَه، وهو ثلثا الدية، واعتُبِر ما لا صنع له فيه، وهو الثلث الباقي. وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذبِ مَن قبله له، وجذبِه هو للرابع، فسقط فعلُه دون السبب الآخر، فكان لورثته النصف. وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محض، فكان لورثته كمال الدية. وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم. فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر، وهذا خلاف القياس. الثاني: أنَّ هذا هَبْ أنه يتأتى (١) لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتَّى لكم [٢٧٠/أ] في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد، فهو كما لو تجاذبوا، فغرقوا في البئر؟ قيل: هذان سؤالان قويَّان. وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك، وإنما تسبَّب إليه. والحاضرون تسبَّبوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبُّب الجاذب؛ لأنه ألجئ إلى الجذب. فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر، فنفَضه عنه لئلا يقتله، فمات، فالقاتل هو الملقي. وأما السؤال الثاني، فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب. ففي مسألة

стр. 972

الزبية ليس للرابع فعلٌ البتة، وإنما هو مفعول به محض، فله كمال الدية. والثالث فاعل ومفعول به، فأُلغي ما يقابل فعلَه واعتُبر فعلُ الغير به، فكان قسطه نصف الدية. والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد، والمجذوبُ جاذبٌ لآخر؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلثُ السبب، وهو جذبُ الأول له، فله ثلث الدية. وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسبُّبًا، وربعُه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّه ربع الدية. وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته. وهذا هو خلاف القياس، لأن الدية شُرِعت مواساةً وجبرًا، فإذا كان الرجل هو القاتلَ لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعلُه بنفسه مضمونًا، كما [٢٧٠/ب] لو قطَع طرفَ نفسه أو أتلفَ مال نفسه. فقضاءُ عليٍّ أقرب إلى القياس من هذا بكثير. وهو أولى أيضًا من أن يُحمَل فعلُ المقتول على عواقل الآخرين، كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق: أنه يلغى فعلُ المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين. وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحمُّلها. وكلا القولين يخالف القياس، فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين ﵁. وهو أحسن أيضًا (١) من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث، وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول

стр. 973

بالكلية. فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس، فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابعُ لم يَجْنِ على أحد فلا شيء عليه. فهذا قد تُوُهِّمَ (١) أنه في ظاهر القياس أصحُّ من قضاء أمير المؤمنين، ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم؛ إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه، فإن الحاضرين ألجؤوا الواقفين بمزاحمتهم لهم، فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسَروا [٢٧١/أ] من حيث ينبغي جبرُهم. ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل الله سبحانه لكلِّ مصاب حظًّا من الجبر، وهذا أصلُ شرعِ حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له. وأيضًا فالثاني والثالث كما هما مجنيٌّ عليهما، فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جذَباه، فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض، فألغى ما قابل فعلَ كلِّ واحد بنفسه، واعتبر جناية الغير عليه. وهو أيضًا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة، ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول، ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة؛ وإن كان له أيضًا حظٌّ من قياس تنزيلًا لسبب السبب منزلة السبب. وقد اشترك في هلاك (٢) الرابع الثلاثة الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول. ولكن قول عليٍّ أدقُّ وأفقَهُ.

стр. 974

فصل ومما يُظَن أنه يخالف القياس: ما رواه عليُّ بن رباح اللَّخْمي أن رجلًا كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، فخرَّ البصير، ووقع الأعمى فوقه، فقتله. فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بعقل البصير على الأعمى. فكان الأعمى يدور في الموسم، ويُنشد: يا أيها الناس لقيتُ منكَرا هل يعقِل الأعمى الصحيحَ المُبْصِرا خرَّا معًا كلاهما تكسَّرا (١) وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير، وشريح، وإبراهيم النخعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد. وقال بعض الفقهاء: القياس [٢٧١/ب] أنه ليس على الأعمى (٢) ضمان البصير، لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه.

стр. 975

ولذلك (١) لو فعله قصدًا (٢) لم يضمنه بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى. ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانٌ بقصده. قال أبو محمد المقدسي في «المغني» (٣): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع. والقياسُ حكمُ عمر، لوجوه (٤): أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره. الثاني: أنه (٥) قد يكون قوده له مستحبًّا أو واجبًا. ومَن فعَلَ ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمانُ ما تولَّد منه. الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان: إذن الشارع، وإذن الأعمى. فهو محسِن بامتثال أمر الشارع، محسِن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل. وأما الأعمى فإنه سقط على البصير، فقتله، فوجب عليه ضمانه؛ كما لو سقط إنسان من سطح على آخر، فقتله. فهذا هو القياس. وقولهم: «هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه»، فهذا لا يوجب

стр. 976

الضمان (١)؛ لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع. وقولهم: «ولذلك (٢) لو فعله قصدًا لم يضمنه»، فصحيحٌ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع. فالقياس المحض قول عمر. وبالله التوفيق. فصل ومما (٣) أشكل على جمهور الفقهاء [٢٧٢/أ] وظنوه في غاية البعد عن القياس: الحكم الذي حكم به عليُّ بن أبي طالب في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرَعَ بينهم فيه (٤). ونحن نذكر هذه الحكومة، ونبيِّن مطابقتها للقياس. فذكر أبو داود والنسائي (٥) من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت

стр. 977

جالسًا عند النبي ﷺ ، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، قد وقعوا على امرأة في طهر واحد. فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا (١). ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقرع بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية. فأقرع بينهم، فجعله لمن قرَع. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسه أو نواجذه. وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح، ولا يحتج بحديثه. لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلُّهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أُتي عليٌّ بثلاثة ــ وهو باليمن ــ وقعوا على امرأة في طهر واحد،

стр. 978

فقال لاثنين: أتقِرَّان لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا. فجعل كلَّما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت له القرعة، وجعل (١) عليه ثلثي (٢) الدية. فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فضحك حتى بدت [٢٧٢/ب] نواجذه (٣). وقد أُعِلَّ هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلًا. قال النسائي: وهذا أصوب. قلت: وهذا ليس بعلة، ولا يوجب إرسالًا في الحديث، فإن عبد خير سمع من علي، وهو صاحب القصة. فهَبْ أن زيد بن أرقم لا ذكر له في المتن، فمن أين يجيء الإرسال؟ وبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث. فذهب إلى القول به

стр. 979

إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد (١). وكان الشافعي يقول به في القديم (٢). وأما الإمام أحمد فسئل عنه فرجَّح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحبُّ إلي (٣). وهاهنا أمران. أحدهما: دخول القرعة في النسب. والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه. وكلٌّ منهما بعيد عن القياس، فلذلك قالوا: هذا من أبعد شيء عن القياس. فيقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مرجِّحٍ سواها من بينة أو إقرار أو قافة. وليس ببعيد تعيينُ المستحق بالقرعة في هذه الحال، إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى. ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة، فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرَّد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأما أمر الدية فمشكل جدًّا، فإن هذا ليس بقتل يوجب الدية، وإنما هو تفويت [٢٧٣/أ] نسبه بخروج القرعة له. فيمكن أن يقال: وطءُ كلِّ واحدٍ صالحٌ لجعل الولد له، فقد فوَّته كلُّ واحد منهم على صاحبه بوطئه، ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم. فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار مفوِّتًا لنسبه عن (٤) صاحبيه، فأُجري ذلك مجرى إتلاف الولد، ونُزِّل الثلاثة منزلة أب واحد، فحصة المتلِف منه ثلث الدية، إذ قد عاد الولد له، فيغرم لكلٍّ من

стр. 980

صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلث الدية. ووجه آخر أحسن من هذا: أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوقِ الولد به وجب عليه ضمانُ قيمته. وقيمة الولد شرعًا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته وهي ثلثا الدية. وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه. فإتلافُ الولد الحرِّ عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم. ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة لما فات رقُّهم على السيد بحريتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرِقَّاء له. وهذا من ألطف ما يكون من القياس وأدقِّه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم. وقد ظن طائفة أن هذا أيضًا على خلاف القياس، وليس كما ظنوه (١)، بل هو محض الفقه، فإن الولد تابع للأم في الحرية والرق، ولهذا ولدُ الحرِّ من أمة الغير رقيق، وولدُ العبد من الحُرَّة حُرّ. قال الإمام أحمد (٢): إذا تزوج الحُرُّ بالأمة رقَّ نصفُه، وإذا تزوج [٢٧٣/ب] العبدُ بالحرة عتَق نصفُه. فولد الأمة المزوَّجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرِقَّاء لسيدها، ولكن لما دخل الزوج على حرية المرأة دخل على أن يكون أولاده أحرارًا، والولد يتبع اعتقاد الواطئ، فانعقد ولده أحرارًا. وقد فوَّتهم على السيد، وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، ولا تفويتُ حقِّ أحدهما بأولى من حق صاحبه. فحفِظ الصحابةُ الحقَّين، وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية الأولاد وإن كانت أمهم رقيقة؛

стр. 981

لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهم رقَّهم لم يدخل على ذلك. ولم يضيِّعوا حقَّ السيد، بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده، وأعطَوا العدل حقَّه؛ فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبًا لا بالقيمة. ثم وفوا العدل بأن مكَّنوا المغرور من الرجوع بما غرِمه على من غرَّه؛ لأن غُرمه كان بسبب غروره. والقياس والعدل يقتضي أن من تسبَّب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرِمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسبب، وإتلافُ المتسبِّب (١) كإتلاف المباشر في أصل الضمان. فإن قيل: وبعد ذلك كلّه، فهذا خلاف القياس أيضًا. فإن الولد كما هو بعض الأم وجزء منها، فهو بعض الأب. وبعضيَّتُه للأب أعظم من بعضيَّته للأم. ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) [٢٧٤/أ] خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر. وإذا كان جزءً من الواطئ وجزءً من الأم فكيف كان ملكًا لسيِّد الأم دون سيِّد الأب؟ ويخالف القياس من وجه آخر، وهو أن الماء بمنزلة البَذْر، ولو أن رجلًا أخذ بذرَ غيره، فزرَعه في أرضه، كان الزرع لصاحب البذر، وإن كان عليه أجرة الأرض. قيل: لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن إنما تكوَّن وصار مالًا متقوِّمًا في بطن الأم. فالأجزاء التي صار بها

стр. 982

كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تكوَّن في أحشائها من لحمها ودمها. ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلًا، بل كان كما سمَّاه الله ماءً مهينًا لا قيمة له. ولهذا لو نزا فحلُ رجل على رَمَكةِ آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين. وهذا بخلاف البذر فإنه مال متقوِّم، له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعَسْبُ الفحل لا يعاوض عليه، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس. فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب! قيل: قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية والرق. وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعًا وقدرًا، [٢٧٤/ب] فإن الأب هو المولود له، والأم وعاء وإن تكوَّن فيها. والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه، ونسخته (١)، والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده. فيقال: فلان بن فلان، ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف، ولفسد نظام العباد. فإن النساء محتجبات مستورات عن

стр. 983

العيون، فلا يمكن في الغالب أن تعرف عينُ الأم، ليُشهد (١) على نسب الولد منها. فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت وفسدت، وكان ذلك مناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة. ولهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم، لا بأمهاتهم. قال البخاري في «صحيحه» (٢): «باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة». ثم ذكر حديث: «لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (٣). فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعًا للأم، والنسب تبعًا للأب. والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرَّق الله بينه، أو يفرِّق بين ما جمع الله بينه. فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم، والولاءُ لُحمةٌ كلُحمة النسب! قيل: لما كان الولاء من آثار الرِّقِّ وموجباته كان تابعًا له في حكمه، فكان لموالي الأم. ولما كان فيه شائبة النسب، وهو لُحمةٌ كلُحمته، رجع إلى موالي الأب عند [٢٧٥/أ] انقطاعه عن موالي الأم، فرُوعِيَ فيه الأمران، ورُتِّب عليه الأثران.

стр. 984

فإن قيل: فهلا جعلتم الولد في الدين تابعًا لمن له النسب، بل ألحقتموه بأبيه تارةً وبأمه تارةً! قيل: الطفل لا يستقلُّ بنفسه، بل لا يكون إلا تابعًا لغيره. فجعله الشارع تابعًا لخير أبويه في الدين تغليبًا لخير الدِّينَين، فإنه إذا لم يكن له بدٌّ من التبعية لم يجُز أن يتبع مَن هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن؛ فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه. فإن قيل: فاجعلوه تابعًا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت، وصار السابي (١) أحقَّ به. قيل: نعم، وهكذا نقول سواء. وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ونصَّ عليه أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وقد أجمع الناس على أنه يُحكَم بإسلامه تبعًا لسابيه إذا سُبي وحده. قالوا: لأن تبعيته قد انقطعت عن أبويه وصار تابعًا لسابيه. واختلفوا فيما إذا سُبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب (٣): أحدها: يُحكَم بإسلامه. نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين، وهي المشهورة من مذهبه. وهو قول الأوزاعي. والثاني: لا يحكم بإسلامه، لأنه لم ينفرد عن أبويه.

стр. 985

والثالث: أنه إن سُبي مع الأب تبعه في دينه. وإن سُبي مع الأم وحدها فهو مسلم. وهو قول مالك. وقول الأوزاعي وفقهاء الثغر (١) أصح وأسلم من [٢٧٥/ب] التناقض، فإن السابي قد صار أحقَّ به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم. فلا فرق بين كونهما في دار الحرب، وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين. بل انقطاعُ تبعيته لهما في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة شوكتهما وخوف معرَّتهما. فما الذي يسوِّغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه أسيران في أيدي المسلمين، ومنعَه من ذلك وأبواه في دار الحرب؟ وهل هذا إلا تناقض محض؟ وأيضًا، فيقال لهم: إذا سُبي الأبوان ثم قُتلا، فهل يستمرُّ الطفل على كفره عندكم، أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم: أنه يستمر على كفره كما لو ماتا. فيقال: وأيُّ كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثِّر بين أن يُقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكون (٢) المعنى الذي حُكم بإسلامه لأجله إذا سُبي وحده زائلًا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين؟ وأيضًا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك سابٍ واحدٍ، أو يكون معهما في جملة العسكر؟ فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك. وإن اعتبرتم الثاني، فمن المعلوم انقطاعُ تبعيته لهما واستيلائهما عليه، واختصاصُه بسابيه، ووجودُهما بحيث لا يُمَكَّنان منه ومن تربيته وحضانته.
следующие страницы →