← Тараджим

Тараджим · id 29967

أبو هريرة راوية الإسلام

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَلِفُلاَنٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ» (١). ... ٦ - مِمَّا رواه الإمام الترمذي: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٢) قال أبو عيسى الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، قَالَ بِإِصْبَعِهِ - وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ - قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المُنْقَلَبِ» (٣).

стр. 142

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ [بُنْدَارْ] قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلاَثَ مِرَارٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١) قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ الحَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَالمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ» (٢). ... ٧ - مِمَّا رواه الإمام النسائي: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ (ابن سعيد) قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لاَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (٣). أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ» (٤).

стр. 143

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، «فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» (١). أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ سَأَلَ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟» فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لا، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» (٢) قال السِنْدي: «ترك ﷺ فِي أَوَّلِ الأََمْرِ الصَّلاَةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَجْرًا لَهُمْ عَن التَّسَاهُلِ فِي الاسْتِدَانَةِ وَعَنْ إِهْمَالِ وَفَائِهَا» (٣) أقول: ولما قويت الدولة الإسلامية وقوي الإسلام في نفوس المسلمين، وتمثَّلُوا هذا الدين الحنيف، كان المسلم إذا استدان لا يستدين إلاَّ عن حاجة، ولا يتساهل بالاستدانة، حينئذٍ رأى الرسول الكريم أنْ تتحمَّل الدولة دين المتوفى، لأنه على يقين من أنَّ المتوفى لم يتمكن من الإيفاء قبل وفاته لفقره وحاجته، وقد كان المسلمون أعِزَّةً كرام النفوس لا يمكن أنْ يستلف أحدهم وفي نيته عدم الوفاء وهذه صورة واضحة للتكافل الاجتماعي، والتعاون بين أبناء الأمَّة الواحدة، ودليل واضح على أنَّ الشريعة الإسلامية تهدف إلى تأمين الكفاية والحياة الكريمة لكل فرد من أفراد الأمَّة. ...

стр. 144

٨ - مِمَّا رواه الإمام ابن ماجه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (١). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَزَلَتْ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢)، قَالَ: «كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» (٣). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (٤). وإلى هنا نكتفي بعرض هذه النماذج من مرويات أبي هريرة، علماً بأنه قد أخرج له أصحاب المسانيد والصحاح جميعاً والحاكم في " المستدرك " وغيرهم كما أسلفنا ...

стр. 145

أصح الطرق عن أبي هريرة: حكى عن ابن المديني أنه من أصح المسانيد (إطلاقاً) حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة (١). وقال سليمان بن داود: «أصح الأسانيد كلها يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة» (٢). وأصح ما يروى من الحديث عن أبي هريرة ما جاء عن: الزُهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. أبي الزناد، عن الأعرج - عبد الرحمن بن هُرمُز - عن أبي هريرة. ابن عون، وأيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (٣). ونضيف إلى هذه الأسانيد ما خرَّجه الشيخ أحمد محمد شاكر واعتبره من أصح ما رُوِيَ عن أبي هريرة لمكانة الرُواة وثناء العلماء عليهم، ولإمامتهم في هذا العلم. وهي: مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة. معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة (٤) ...

стр. 146

الثناء على أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ» (١). وفي رواية: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ» (٢). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبُو هُرَيْرَةَ وِعَاءُ الْعِلْمِ!!» (٣). قال زيد بن ثابت: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ»!! (٤). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنِّي عَنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ , وَكُنْتُ لاَ أَكْتُبُ» (٥). كان عمر بن الخطاب ﵁ قد نهى أبا هريرة من الإكثار عن رسول الله ﷺ ، كما نهى غيره، لأنَّ سياسة عمر وبعض الصحابة الإقلال من رواية الحديث، لأنَّ في الإكثار مظنة الخطأ، وخوفاً من أنْ يشغل الناس بالحديث عن القرآن، ومع هذا فقد سمح عمر ﵁ لأبي هريرة بالتحديث، بعد أنْ عرف ورعه وتقواه.

стр. 147

روى الذهبي عن أبي هريرة قال: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ: أَمَا لاَ، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (١). وفي رواية قال عمر: «حَدِّثْ الآنَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا شِئْتَ» (٢)، وفي رواية أخرى قال: «أَمَا لِي، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (٣). وهذا السماح توثيق لأبي هريرة، من أمير المؤمنين. قال عبد الله بن عمر: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظَنَا بِحَدِيثِهِ» (٤). وَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ، وَجَبُنَّا» (٥). وفي رواية قال ابن عمر: «أَبُو هُرَيْرَةُ خَيْرٌ مِنِّي، وَأَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ». وكان يكثر الترحُّم عليه ويقول: «كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» (٧). قال أُبَيٌّ بن كعب: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَرِيئاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نسَأَلُهُ عَنْهَا» (٨). قالت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ» (٩)،

стр. 148

حين أرسل ابن عمر يستفهم عن حديث الجنازة الذي رواه أبو هريرة. قال طلحة بن عبيد الله: «لاَ نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ» (١). وفي رواية: «قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا» (٢). قال زيد بن ثابت لرجل سأله عن شيء: «عَلَيْكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ» (٣). جاء رجل إلى ابن عباس في مسألة، فقال ابن عباس لأبي هريرة: «أَفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ» (٤). قال مروان بن الحكم: «إِنِّي رَأَيْتُكَ اليَوْمَ حَبْراً» (٥). وذلك حين عاده في مرضه وسمعه يدعو قائلاً: «اللهُمَّ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ، فَأَحِبَّ لِقَائِي». قال كعب الأحبار: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً لَمْ يَقْرَأِ التَّوْرَاةَ أَعْلَمَ بِمَا فِيْهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (٦). وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ » (٧). وذلك يحين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو يُحَدِّثُهُمْ، فلا يعرف بعضهم الحديث، ثم يتراجعون فيه فيعرفونه. قال أبو صالح السمان: «كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد ﷺ » (٨).

стр. 149

وعنه أيضاً قال: «ما أزعم أنَّ أبا هريرة كان أفضلهم - يعني الصحابة - ولكنه كان أحفظ» (١). ويعرف سيرين الأنصاري - أبو محمد ويحيى ابني سيرين - مكانة أبي هريرة، فيبعث بَنِيهِ إليه ليُعَلِّمَهُمْ (٢). وكان صحابة رسول الله ﷺ يومئذٍ كثرة، مِمَّا يدل على شهرة أبي هريرة، وحفظه وإتقانه، ولولا هذا ما بعث إليه أبناءه الذين أصبحوا من أعلام رجال الحديث بعد ذلك .. قال الإمام الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ» (٣). قال الإمام البخاري: «رَوَى عَنْهُ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَكَانَ أَحْفَظَ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ» (٤). قال حافظ المغرب يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر [٣٦٨ - ٤٦٣ هـ]: كَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». وفي (نسخة أخرى من كتابه): «كَانَ أَحْفَظَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُ سَائِرُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، لاِشْتِغَالِ المُهَاجِرِينَ بِالتِجَارَةِ، وَالأَنْصَارِ بِحَوَائِجِهِمْ» (٥). وقال المُؤَرِّخُ علي بن محمد (ابن الأثير) الجزري [٥٥٥ - ٦٣٠ هـ]: «أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَكْثَرُهُمْ حَدِيثاً عَنْهُ» (٦).

стр. 150

ويقول الإمام الحافظ الذهبي [٦٧٣ - ٧٤٨ هـ]: «أَبُو هُرَيْرَةَ الفَقِيهُ المُجْتَهِدُ الحَافِظُ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَكْثَرُهُمْ حَدِيثاً عَنْهُ، أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ اليَمَانِيُّ. سَيِّدُ الحُفَّاظِ الأَثْبَاتِ» (١). وقال في موضع آخر: «أَبُو هُرَيْرَةَ: إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي حَفِظِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الرَّسُوْلِ ﵊، وَأَدَائِهِ بِحُرُوْفِهِ» (٢) وقال أيضاً: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٣). وقال الذهبي: «هُوَ رَأْسٌ فِي القُرْآنِ، وَفِي السُنَّةِ، وفي الفِقْهِ» (٤). وقال: «أَيْنَ مَثَلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حِفْظِهِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ» (٥). ويقول الحافظ ابن كثير [٧٠١ - ٧٧٤ هـ]: «قد كان أبو هريرة مِنَ الصِّدْقِ وَالْحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ» (٦)، وقال: «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ، وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ» (٧). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [٧٧٣ - ٨٥٢ هـ]: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَرْوِي الحَدِيثَ فِي عَصْرِهِ، وَلَمْ يَاْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَحَابَةِ كُلِّهِمْ مَا جَاءَ عَنْهُ» (٨). قال يحيى بن أبي بكر العامري [٨١٦ ٨٩٣ هـ]: «أَبُو هُرَيْرَةَ: كَانَ عَرِيفَ مَسَاكِينَ الْصُّفَّةِ، حُلَفَاءَ الفَقْرِ وَالْصَّبْرِ، وَكَانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ الْلَّهِ ﷺ ، مُلاَزِمًا لَهُ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، لاَ يَشْغَلُهُ عَنْهُ دُنْيَا، وَلاَ أَهْلٌ وَلاَ مَالٌ، وَلِمُلازَمَتِهِ وَخُصُوصِيَّتِهِ

стр. 151

الأُخْرَى فِي الحِفْظِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ الْصَّحَابَةِ رِوَايَةً عَلَى الإِطْلاَقِ وَأَحْفَظهُمْ». وَقَالَ: «وَكَانَ حَافِظاً مُتَثَبِّتاً ذَكِيّاً مُفْتِياً، صَاحِبَ صِيَامٍ وَقِيَامٍ» (١). قال المؤرِّخُ عبد الحي بن أحمد (ابن العماد) الحنبلي [١٠٣٢ - ١٠٨٩ هـ]: «كَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْذِّكْرِ، حَسَنُ الأَخْلاقِ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ حَافِظَ الْصَّحَابَةِ، وَأَكْثَرُهُمْ رِوَايَةً» (٢). وإلى هنا أكتفي بما ذكرته من شهادات رؤوس العلم في أبي هريرة، وإنَّ ثناء العلماء عليه وتوثيقه يحتاج وحده إلى مجلد، وإنَّ مكانة أبي هريرة، وسعة علمه، وكثرة حديثه، وفضله وورعه، وضبطه وإتقانه، لا تخفى على مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، وما سُقْتُهُ من ثناء عليه إنما كان على سبيل الذكرى، وإلاَّ فإني أظلم راوية الإسلام ﵁ وَأَرْضَاهُ - إذا حاولت أنْ أُحَدِّدَ أو أحصر من أثنى عليه، وهل هناك أحد من أهل العلم والمعرفة يجهل أبا هريرة ومنزلته!!؟. ...

стр. 152

الباب الثاني: الرد على الشُبه التي أثيرت حول أبي هريرة: - أبو هريرة وبعض الباحثين. - موقف الصحابة من أبي هريرة.

стр. 153

أبو هريرة وبعض الباحثين: ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته وصُحبته للرسول الكريم ﷺ ، فكان الصاحب الأمين والطالب المُجِدُّ، يدور مع الرسول الكريم ﵊ في حِلِّهِ وترحاله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسُنَّة المُطَهَّرة، وتقواه وورعه، في شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره، وقرأنا كثيراً عن تواضعه وكرمه، ورأينا مواقفه المُشَرِّفَةَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزاله الفتن وحُبَّهُ للجماعة وسيعه للخير، وكشفنا عن روحه الطيِّبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه الكريمة، وزُهده في الدنيا وتفانيه في سبيل الحق، وعرفنا مكانته العلميَّة، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه. ذلكم أبو هريرة الذي صوَّرهُ لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق إلاَّ أنَّ بعض الباحثين لم يسرَّهم أنْ يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أنْ يصوِّرُوهُ صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صُحبته للرسول الكريم ﵊، غايات خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروِي نهمه، وصوَّرُوا أمانته خيانة، وكرمه رياء، وحفظه تدجيلاً، وحديثه الطيِّبَ الكثير كذباً على رسول الله ﵊ وبُهتاناً، ورأوا فقره مطعَناً وعاراً، وفي تواضعه ذُلاًّ، وفي مرحه هذراً، وصوَّرُوا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لوناً من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّباً، وفي قوله الحق انحيازاً، فهو صنيعة الأمويين الذين طووهُ تحت جناحهم فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله ﷺ افتراءًا وزُوراً!!. هكذا أراد أنْ يُصَوِّرَهُ بعض أهل الأهواء، كالنظَّام، والمريسي، والبَلْخي، وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر)

стр. 154

و (شبرنجر) وأغرب من هذا أنْ يطعن فيه وفي السُنَّة بعض من يُنسبُ إلى العلم، فقد عثرتُ أثناء بحثي على كتاب تحت عنوان " أبو هريرة " ألَّفه عبد الحُسين شرف الدين العاملي، وهو إماميٌّ، والإمامية يتَّخذون أبا هريرة هدفاً لكي يُوَهِّنُوا أحاديث أهل السُنَّة ويرفضوها، ويُرَوِّجُوا أخبارهم، وقد لَفَّ لَفَّهُمْ من كان لهم تابعاً مُجَرِّباً على تبعيَّته. ولم أكد أتصفَّحُهُ حتى دهشتُ لما جاء فيه من الافتراءات والطعون، والتأويلات التي لا تتمشَّى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ .. وقد استقى من هذا الكتاب أيضاً محمود أَبُو رِيَّة صاحب كتاب " أضواء على السُنَّة المحمَّدية "، فكان أشدَّ على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، فرأيت من واجبي أنْ أَرُدَّ تلك الشُبُهات التي أثارها بعض أهل الأهواء و المستشرقين وبعض الباحثين، الذين كشفوا عن جوانب من سيرة أبي هريرة، وتركوا الجوانب الأخرى، كما حدث للباحث الأستاذ أحمد أمين، ورأيتُ أنْ أَرُدَّ على بعض ما جاء في كتاب " أبو هريرة " وأتناول خلال ذلك بعض النقاط التي اشترك فيها هؤلاء جميعاً، مُبيِّناً في ذلك كله وجه الحق بالأدلَّة والبراهين، معتمداً على الله طالباً منه التوفيق والسداد. ... مقدمة كتاب " أبو هريرة ": قال عبد الحسين شرف الدين: «هذه دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله ﵌ فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضاً، ولا يسعنا إزاء هذه الكثرة المزدوجة إلاَّ أنْ نبحث عن مصدرها لاتصالها بحياتنا الدينيَّة والعقليَّة اتصالاً مباشراً ولولا ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يُغْنِينَا عن تجشُّم النظر فيها وفيه. ولكن أسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدِّين وأصوله، فاحتجَّ بها فقهاء الجمهور ومُتَكَلِّمُوهُمْ في كثير من أحكام الله وشرائعه ملقين إليها سلاح النظر والتفكير. ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين. وحيث لا دليل على هذا الأصل كما هو مُبَيَّنٌ في محلِّه بايضاح».

стр. 155

أيَّ إفراط كان من أبي هريرة؟ وهو الحافظ الذي عرفناه، والمُفتي الذي احتاجت إليه الأمَّة، بعد وفاة رؤوس الصحابة، وبقي أبو هريرة مع من بقي في المدينة مرجعاً للمسلمين في دينهم وشريعتهم. بعد أنْ انطلق الصحابة في الأقطار الإسلامية يُعلِّمُون أهلها ويُفَقِّهُونهم. وسنتعرَّض للرد التفصيلي على دعواه هذه فيما بعد، ولكن لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ أبا هريرة لم يكن مفرطاً، بل كان كغيره، من علماء الصحابة، يُسْتَفْتَى فَيُفْتِي، ويُسْألُ فيجيب، فلم يكن مفرطاً في عهد الخلفاء الراشدين ولا بعدهم، إنما وثق به القومُ، وعرفوا مكانته، فوضعوه حيث يستحقُّ، فكم من راحل يقطع المسافات ليرى أبا هريرة. وكم من مُقيمٍ يترك كبار الصحابة ويأتيه في مسألة أو حديث عن رسول الله ﵊. فأبو هريرة لم يكثر من عنده، إنما وثق الناس بحفظه فحرصوا على أنْ ينهلوا منه، فما جريرته في ذلك، وقد شهد بعلمه وحفظه ابن عمر وطلحة بن عُبيد الله والزُبير وغيرهم، حتى إنه قال - عندما استكثروا حديثه - «مَا ذَنْبِي إِذَا حَفِظْتُ وَنَسُوا؟». وأما أنَّ الصحاح وسائر مسانيد الجمهور قد أفرطت فيما روته عنه، فهذا ظلم وجور، لا نوافقه عليه، ولا يقبله منه إنسان منصف، ولا يُقِرُّهُ عليه عقل راجح، وأنه حُكْمٌ بلا دليل ولا حُجَّة، فإنَّ الصحاح لم تضمَّ بين دفاتها أي حديث إلاَّ بعد بحث وتنقيب وتمحيص، ومقارنة وتحقيق، يتناول حياة الراوي وسلوكه وحفظه، ولا يؤخذ عن إنسان إلاَّ بعد التحقُّق من عدالته، ولم يكتف ﵃ بهذا، بل كان العقل محله ودوره واعتباره في التحمل، والأداء وحين الحُكم على الرُواة، وعلى الأحاديث. فكان النقد يتناول الرجال والمتن، ولم يكن النقد خارجياً فقط، بل كانوا يعرضون الرواية على القرآن والسُنَّة، حتى يتأكَّدُوا من صحة الخبر، وكان منهم من يجمع الأخبار المتعارضة فيسلك طريق الدراسة والموازنة والتوفيق والترجيح حتى يتبيَّن له وجه الحق والصواب، فلم تكتب الصحاح إلاَّ على أسس علميَّة دقيقة، تتناول السند والمتن على السواء.

стр. 156

ففي هذا الطعن أخطأ المؤلِّفُ طريقه، وتنكب جادَّة الصواب، واتَّهم المسلمين جميعاً بأنهم لم يعرفوا قيمة الصحاح، وفي هذا إنكار شديد للمنهج العلمي الذي نهجه ﵃ للمحافظة على السُنَّة الشريفة، وقد ذاعت شُهرة هذا المنهج وانتشرت في الآفاق، حتى شهد الغرباء عن الإسلام، بل أعداء الإسلام بدقَّة العمل الذي كان عليه حُفاظ الأُمَّة ومُحَدِّثُوهَا، من ذلك ما قاله مرجليوث: «ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم» (١). ولكن المؤلِّفَ لا يذكر هذا ليعمي على المسلمين طريقهم ويشكِّكَهُمْ في كتبهم المعتمة، قبل أنْ يُدلِي بأية حُجَّةٍ أو أنْ يعرض عليهم بعض بحثه، يريد منا أنْ نُسَلِّمَ له بما يقول ويرى، فنحن كقُرَّاء لا نعرف شيئاً عن أبي هريرة وحديثه، لا يمكننا أنْ نحكم عليه ما لم ندرسه دراسة نزيهة مُحرَّرة، نحكم عليه من خلالها. أما أنْ نكون فريسة خَيَالِهِ وأهوائه فهذا خلاف البحث العلمي، وما عهدنا بحثاً توضع نتائجه قبل مناقشته ومحاكمته، فهذا خلاف المنهج العلمي الذي يَدَّعِيهِ. ثم إنه يرى ذلك نتيجة طبيعية للأصل الذي أجمع عليه الجمهور، وهو عدالة الصحابة، ويَدَّعِي عدم وجود دليلٍ على هذا الأصل. إلاَّ أننا أثبتنا صِحَّةَ ما ذهب إليه الجمهور وبَيَنَّا الأدلَّة في ذلك (٢) ثم يقول: «لم يكن لنا بُدٌّ من البحث عن هذا المكثر نفسه، وعن حديثه كَمًّا وكَيْفًا لنكون على بصيرة فيما يتعلَّق من حديثه بأحكام الله فروعاً وأصولاً، هذا ما اضطرَّنَا إلى هذه الدراسة المُمْعِنة في حياة هذا الصحابي - وهو أبو هريرة - في نواحي حديثه، وقد بالغت في الفحص، وأغرقت في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا، وظهر فيه صبح اليقين». لقد تصوَّر أحاديث أبي هريرة موضوعة مكذوبة، وقد تغلغل هذا الوضع في أصول الدين وفروعه، وغفل عنه المسلمون!! لذلك كان من واجبه الدفاع عن الشريعة الغرَّاء، وحمايتها من الأكاذيب والأوهام،

стр. 157

فكان لا بُدَّ له من دراسة أبي هريرة، تلك الدراسة التي كشفت عن وجه الحق - كما يَدَّعِي - إلاَّ أنها دراسة كشفت عن نوايا خبيئة في نفوس أعداء السُنَّة وخصوم الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، دراسة بَيَّنَتْ حقدهم على الصحابة، وعلى أبي هريرة بوجه خاص، ومن يَطَّلِعْ على كتابه هذا، لا يشك في أنه حلقة من سلسلة الأبحاث التي يقوم بها المستشرقون المُتَطَرِّفُونَ، وأتباعهم من المسلمين المُغْرضِينَ، وليس إلاَّ خدمة لأعداء الإسلام، ووسيلة لتصديع جمع المسلمين في وقت كادت كلمتهم أنْ تتَّفق، وأوشكت وحدتهم أنْ تَتِمَّ. ويرى المؤلِّفُ أنه حَلَّلَ نفسيَّةَ أبي هريرة تحليلاً علميًّا حتى فهم «كُنهَهُ وحقيقته من جميع نواحيه) لندركه بحواسنا كلها. كما يرى أنه أمعن النظر في حديثه كَمًّا وكَيْفًا فيقول: «فلم يسعنا - شهد الله - إلاَّ الإنكار عليه في كل منهما». ويكثر الطعن في أبي هريرة وحفظه وكثرة حديثه ويعيب عليه أُمِيَّتَهُ، ثم يقول: «ونحن حين نُحَكِّمُ الذوق الفني والمقياس العلميَّ نجدهما لا يُقِرَّانِ كثيراً مِمَّا رواه هذا المفرط في إكثاره وعجائبه ... ص: ب». وتابع المُؤلِّفُ الحَطَّ من قدر أبي هريرة وأقل ما يقال في الصفحة (ج): «فالسُنَّة أرفع من أنْ تحتضن أعشاباً شائكة، وَخَزَ بها أبو هريرة ضمائر الأذواق الفنية، وأدمى بها تفكير المقاييس العلميَّة، قبل أنْ يُشَوِّهَ بها السُنَّة المُنَزَّهَةَ، ويسيء إلى النبي وأُمَّتِهِ». أجل لقد وخز أبو هريرة بقول الحق ضمائر من يريدون الباطل، وروى عن رسول الله ﷺ ما لا يتَّفق مع أهل الأهواء وعقائدهم، فناصبوه لذلك العداء. والمؤلِّف ينادي بالذوق الفني، والتفكير العلمي، فأيَّ ذوقٍ علميٍّ يريد وأيَّ تفكير يقصد؟ بعد أنْ أجمعت الأُمَّةُ من لَدُنْ رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، على دِثَّةِ الذوق الفني عند المُحَدِّثِينَ في علمهم ومنهجهم، حتى أصبح تَثَبُّتَهُمْ في العلم مضرب الأمثال، لم يتركوا كبيرة

стр. 158

أو صغيرة إلاَّ بَيَّنُوهَا، فعرفوا الصحيح والضعيف والسليم والمعلول، لم تأخذهم في ذلك عاطفة أو هوى، فطبَّقُوا مقاييسهم الدقيقة على الجميع، فكانوا قدوة حسنة في إخلاصهم وأمانتهم، حتى إنَّ الرجل يأبى أنْ يُحَدِّثَ عن أبيه أو أخيه بالرغم من ورعه وصلاحه، ويُبَيِّنَ أمره للناس، من ذلك قول عليٌّ بن المديني في أبيه حين سألوه عنه قال: «سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي»، فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: «هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» (١). كما كانوا يأبون أنْ يُحَدِّثُوا من يرتابون في أمره، وإن كان صالحاً أو ذا منزلة ومكانة، من هذا، ما رواه أحمد بن أبي الحواري قال: «جاء رجل من بني هاشم ليسمع من ابن المبارك فامتنع. فقال الهاشمي لغلامه: قُمْ بنا، فلما أراد الركوب، جاء ابن المبارك، ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن لا ترى أنْ تُحَدِّثَنِي وتمسك بركابي .. !!؟ قال: رأيت أنْ أذل لك بذُلِّي، ولا أذلَّ لك الحديث!!» (٢). هؤلاء جهابذة العلم، ورجال الفن، الذين نقبل حكمهم في أبي هريرة، فلو عرفوا عنه شيئاً ما سكتوا عنه وإنْ كان صحابياً جليلاً، لأنَّ السُنَّة والشريعة لا تُحَابِي أحداً. ولكنهم لم يجدوا ما يأخذونه عليه، بل كان عندهم الثقة الأمين .. على ضوء المقاييس العلمية والأذواق الفنيَّة المُجَرَّدَةِ. ويتابع الكاتب قوله: «فلا يصح في منطق أنْ نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر الإسلام، وروحه الرفيعة المُنادية بالتحرُّر والانعتاق من كبول العقائد السخيفة والخرافات التي يسبق إلى الذهن استنكارها، وإذن فالواجب تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من حديث هذا المكثار». أيُّ دخل شائن لجوهر الإسلام وروحه؟ نحن على استعداد، بل المسلمون جميعاً مُستعدُّون، للدفاع عن الإسلام وتخليصه من

стр. 159

الشوائب، ولكن أيَّ خرافات وسخافات في حديث أبي هريرة؟ وهل يريد منا المؤلف أنْ ننظر إلى تلك الأحاديث من زاوية معيَّنة؟ أم أنه يظن أنَّ الأُمَّة بقيت في غفلة من تلك الأوهام والضلالات، طيلة أربعة عشر قرناً لا تعرف جوهر الإسلام، ولا تميِّزه من خرافاته، لقد طعن في طلائع العلماء وأئمة النقد، واتَّهمهم بالسكوت عن المنكر، وهذا يوجب تأثيم الأمَّة بأجمعها، ولا أظن أحداً يقول هذا!؟ لقد جعل تلك المواكب المتتالية، والأمواج المتتابعة من أبناء الأمَّة، رجال العلم والبحث، خلال تلك القرون الطويلة، ينسون أو يتجاهلون ما ورد عن أبي هريرة من تلك الخرافات التي - يزعمها المؤلف - ليتسنى له الكشف عن ذلك على يدي بحثه العلمي!!! فينقذ به الأمَّة من قيود الجهل والغفلة!! وقد شعر المؤلف بخطر بحثه فقال: « ... أقول هذا وأنا أرى وجوهاً تنقبض دوني، ونفوساً تتقبض مزورة عني. وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أنْ تنقبض وتتقبض أمام حقيقة وضعها البحث على غير ما ألفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم أجمعين أكتعين أبصعين، من غير أنْ تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين التي أخذ النبي صلى الله عليه وآله بها أمَّته، لأنَّ الصُحبة عندهم بمجرده ا حرم لا تنال من اعتصم به معرة ولا يمس بجرح، وإنْ فعل ما فعل، وهذا شطط على المنطق وتمرُّدٌ على الأدلَّة» [صفحة: ج]. كيف لا تتقبَّضُ النفوس الصافية عن الباطل؟ وكيف لا يثور المرء المعتدل للحق إذا ديست حرمته؟ إنه يفتري على الصحابة نقلة الشريعة وحفظها، ويريد منا أنْ نكون في بردٍ وسلامٍ!! ثم من هم الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا وجعلهم الجمهور معصومين؟ لقد بيَّنْتُ فيما سبق أنَّ من اختلف في عدالتهم من الصحابة لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة .. ومع هذا فقد انتصر ابن العربي وبَيَّنَ الحقَّ وأبطل ما ادَّعَاهُ الخصم. ثم يتابع قوله مُبَيِّناً أحوال الصحابة إلى أنْ يقول: «هذا رأينا في حَمَلَةِ الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسُنَّة بَيِّنَتُنَا على هذا الرأي -». ويقول في هامش [صفحة: د]: «لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يُسَمُّونَهُ صحابياً حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين».

стр. 160

فالوضَّاعُون لا نعفيهم من الجرح وإنْ أطلق عليهم لفظ الصحابة، لأنَّ في إعفائهم خيانة لله ولرسوله ولعباده ... وعلى هذا فقد اتَّفقنا في النتيجة وإنْ قضى الالتواء في المقدمات شيئاً من الخلاف، فإنَّ الجمهور إنما يعفون أبا هريرة، وسَمُرَةَ بن جُندب، والمغيرة، ومعاوية وابن العاص، ومروان، وأمثالهم تقديساُ لرسول الله لكونهم في زُمرة من صُحبه صلى الله عليه وآله ونحن إنما ننتقدهم تقديساً لرسول الله ولسُنَّتِهِ صلى الله عليه وآله شأن الأحرار في عقولهم مِمَّنْ فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم». [صفحة: د]. إنَّ بحثه هذا عن أبي هريرة سيُبَيِّنُ مقدار محافظته ودفاعه عن السُنَّة، فالدفاع عن رسول الله ﷺ ، وتقديس رسول الله ﷺ لا يكون في طعن أصحابه وتكذيبهم، والافتراء عليهم، والاستهزاء بهم، وهو القائل: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي» و «احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي» ثم إنه بعد ذلك يُبيِّنُ أنَّ كتابه هذا وضعه مخلصاً للحق، ولا يريد من أحد أنْ يقبض وجهه [صفحة: هـ] ثم يقول: «لا نقصد بهذا الكتاب - شهد الله - أنْ نصدع هذه الوحدة المتواكبة المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة وإقامتها على حرية الرأي والمعتقد، لتكون الوحدة على هذا الضوء للغاية وأدلَّ على القصد. شهد الله أنَّ كتابه معول هدَّامٌ في بناء الوحدة، وعامل لتفريق كلمتها، وتشتيت شملها، وأنَّ حرية الرأي والمعتقد التين يراهما، إنما هما الفوضوية والعصبية والهوى بعينه، تحت أسماء مغرية برَّاقة، فهل الحرية والذوق الفني والكرامة العقلية خاصة بفئة معيَّنة، وخاضعة لمقاييس شخصية تتبدَّلُ حسب الميول والأهواء؟ أم أنَّ الكرامة العقلية والتفكير العلمي مجرَّد الدفاع عن مبدأ مهما كان نصيبه من الصواب والخطأ؟؟ لا أظن أحداً أنْ يوافق على مثل هذا، فالتفكير العلميُّ والذوق الفنيُّ يكونان على أسس ثابتة لا تتأثر بنزعة أو هوى، أسس عامة شاملة لا تنظر النظرة الخاصة الضيِّقة، أسس مبنيَّة على منهج علميٍّ سليم.

стр. 161

ثم يسرد الكاتب ألواناً موجزة مما سنعرض له بما يتناسب وهذه الرسالة الموجزة. أتحرَّى الحق، غير منحاز إلى فئة أو متأثر بهوى، أبحث ما جاء في كتابه وأشير أحياناً إلى ما ذكره بعض الطاعنين في أبي هريرة إذا ما اقتضى الأمر، لاشتراك المؤلف وبعض الطاعنين في فكرة ورأي .. ، وستكون هذه الدراسة على ضوء ما عرفناه من حياة أبي هريرة، وعلمه في الباب السابق، ولن أبادل الطاعنين استهزاءهم وازدراءهم لأبي هريرة، بازدراء مثله، ولن أَرُدَّ شتائمهم وسبابهم وافتراءاتهم بمثل ما فعلوا، لأنَّ المنهج العلمي يأبى هذا كله. ... ١ - اسمه ونسبه: يقول الكاتب: «كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً. لا يحاط ولا يضبط في الجاهلية والإسلام. وانما يُعرف بكُنيته. وينسب إلى دَوْسٍ» [صفحة ٢]. أراد أنْ يَغُضَّ من قدر أبي هريرة، ويغمز نسبه لأنه لم يكن معروفاً في الجاهلية، ولاختلاف الناس في اسمه، ومتى كان الاختلاف في اسم إنسان يشينه أو يسقط عدالته؟ ويكفي أنْ نعرفه بكنيته كما عرفنا أبا بكر وأبا عُبيدة وأبا دُجانة الأنصاري، وأبا الدرداء، الذين اشتهروا بكُناهم وعابت أسماؤهم عن كثير من الناس .. ولم نسمع في يوم من الأيام أنَّ الحسب والنسب يقدم صاحبه في المفاضلة العلمية أو يؤخِّرُهُ. ثم إنه اشتهر بكُنيته من صغره وعرفه الناس جميعاً بذلك، فما يضيره أنْ يعرف بكنيته ويختلف اسمه؟ والاختلاف في الاسم طبيعي وبدهي لا في أبي هريرة وحده بل في كل إنسان عرف بكنيته منذ نعومة أظفاره، ولم هذه الحملة وإيهام القارئ بأنَّ اسمه لا يحاط به ولا يضبط؟ ومَرَدُّ الخلاف فيه إلى ثلاثة أسماء (عُمير وعبد الله وعبد الرحمن) كما قال ابن حجر (١) وقد اختلف في

стр. 162

اسم غيره على أكثر من ذلك ولم ير فيهم عيباً أو مطعناً بسبب ذلك!!. ثم يقول: «وكنى أبا هريرة بِهِرَّةٍ صغيرة كان مغرماً بها، ولعلَّ من غرامه بها حَدَّثَ عن رسول الله ﵌ أنَّ امرأة دخلت النار في هِرَّةٍ ربطتها» [صفحة ٣ - ٤]. إنَّ أبا هريرة الطفل الصغير الذي كان يرعى غنم أهله، ويداعب هرَّته في نهاره ويضعها في شجرة أثناء الليل، ما كان يظن ولا يتوقَّعُ أنْ تصبح كنيته سبب مهانته وازدرائه، فأيُّ عار لأبي هريرة في كُنيته وأيُّ إثم اقترفه حين لقَّبه أهله بذلك. ثم نحن أمام زعم خطير من المؤلف، فإما يتَّهمه أنه يضع حديث الهرَّة على رسول الله، أو أنه سمعه فحدَّث به، فإنْ كانت الأولى، فمعاذ الله أنْ يجرؤ أبو هريرة ويكذب على رسول الله ﷺ في سبيل هِرَّتِهِ التي رافقته في صغره، ثم إنَّ الحديث قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وابن ماجه. وصحيح أنَّ راويه في مسلم أبو هريرة وحده وأما البخاري فلم ينفرد به أبو هريرة بل رواهُ أيضاً عن رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر وأسماء بنت أبي بكر (١)، فهل هؤلاء شاطروا أبا هريرة في كذبه!!؟ أم أنَّ لهؤلاء هِرَراً حملتهم على وضع مثل حديث أبي هريرة!!!؟ إنَّ الحقيقة تَرُدُّ هذا الافتراض والتخمين الذي تَصَوَّرَهُ المؤلف. وإذا كان المؤلف يقصد الثانية وهي سماع أبي هريرة الحديث والتحديث به، فأيَّ جريمة يقترفها من يُبَلِّغُ حديث رسول الله ﷺ ، وهو الذي حضَّ الصحابة على نقل وتبليغ حديثه؟ فهل يؤخذ على أبي هريرة أمر منكر في هذا!!؟ أم أنَّ المؤلف نظر من زاوية خاصة إلى راوية الإسلام فكانت لا تعكس عليه إلاَّ ما في نفسه من الظلمات؟. نحن في موضع الحكم على صحابي، بل على إنسان له شعوره وكرامته،

стр. 163

وحقوقه الاجتماعية - أقول هذا بِغَضِّ الطرف عن مكانه وشرف الصُحبة - والحكم على إنسان مهما كان شأنه صعب يحتاج إلى روية، وبحث وتنقيب، وعقل وتفكير، لأننا إذا طعنَّا فيه يعني ذلك أننا حرمناه من جميع حقوقه الاجتماعية، والثقافية والسياسية وغيرها، ورفضنا كل ما يصدر عنه وتركنا كل ما رواه أو قاله، وإنْ حكمنا بعدالته نكون قد اعترفنا له بكل حقوقه وأقررنا وقبلنا مروياته، ولهذا وجب علينا أنْ نتجرَّد، لنرضي الله ونكون مع الحق الذي أمرنا باتِّباعه وتطبيقه، وإنْ كان في هذا غضب أصحاب الأهواء والغايات. ... ٢ - نشأته وإسلامه: قال الكاتب: «نشأ في مسقط رأسه (اليمن) وشب ثمة حتى أناف على الثلاثين، جاهلياً لا يستضئ بنور بصيرة، ولا يقدح بزناد فهم، صعلوكاً قد أخمله الدهر ويتيماً أزرى به الفقر، يخدم هذا وذاك وتي وتلك، مؤجراً نفسه بطعام بطنه حافياً عارياً. راضياً بهذا الهوان ... » أترك القارئ الأمين يحكم على هذا النص ويستنتج منه روح ونفسية الكاتب الذي وضع نفسه قاضياً أو حَكَماً لينصف الإسلام في شخصية أبي هريرة، ويضع أبا هريرة حيث يليق به. أيها الناس .. هل من إنسان متجرِّد للحق وحده يقبل أنْ يقال في أبي هريرة هذا .. بعد أنْ رأى الصورة الصادقة التي لم يخالطها هوى، أو تعتريها رغبات نفس حقودة، أو طائفية موروثة!!؟؟. نحن نقبل الذوق الفني والقياس العلمي الذي ادَّعَاهُ الكاتب في مقدمة كتابه، فنقول: متى كان الجهل يسقط العدالة؟ وهل كان جميع الناس في الجاهلية متعلِّمين أو علماء؟ ألم يكن كثير من الصحابة أُمِيِّينَ جاهلين قبل الإسلام فشرح الله صدورهم للإيمان، وثبته في قلوبهم، فغدوا سادات زمانهم، وعلماء عصرهم، وأساتذة أُمَّتِهِمْ.

стр. 164

وغريب كيف استنتج هذا الكاتب عدم فهم أبي هريرة؟ هل استعمل معه مقاييس الحفظ والذكاء؟ أم أنَّ هذا قدح ضمير وتحليق خبير؟ أم أنه إبداع بلا تفكير!!؟. وما يضر أبا هريرة إذا لم ينتشر صيته في الآفاق، وهل كان وحده كذلك أم أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وأكثر الصحابة كانوا غير معروفين قبل الإسلام؟ وهل يجرؤ امرؤ أنْ يسلب عدالة هؤلاء وغيرهم لأنَّ شهرتهم لم تطر في مشارق الأرض ومغاربها قبل أنْ يكونوا مسلمين؟. أما أنه يرمي أبا هريرة بالتصعلك فهذا ما لا نرضاه منه ولا من غيره، فإن كان يريد بها ما يفهمه عوام عصرنا، من الدناءة والخِسَّةِ وانحطاط القدر والتطفُّل، فيكون قد حكم عليه من غير دليل ولا حُجَّةٍ، وإنْ كان يريد بها الفقر والفاقة - وهو المعنى اللغوي - فلا داعي لتكرار كلمة (الفقر) ثانية في جملة واحدة، وهذا لا يليق بمن يتصدَّرُ لكتابة والحكم، لأنَّ في الإطالة ما يصدُّ النفس، ويسيء إلى الذوق، والكاتب لا يحب أنْ يجرح أذواق قُرَّائِهِ، لأنه يحب الذوق الفني السليم، فتعيَّنَ أنَّ مراده المعنى الأول، وهو أَمَرُّ وَأَدْهَى. أجل .. لم يكن أبو هريرة غنياً، ولا أرستقراطياً، إنه أحد ملايين الفقراء الذين عاشوا كراماً رغم الفاقة والحرمان. ومتى كان الفقر رذيلة أو عاراً؟ إننا لم نسمع في عصر من العصور بسقوط عدالة إنسان، أو احتقاره بسبب فقره، وأنَّ مثل هذا الحُكم لا يصدر إلاَّ في بيئة مادية، يعيش أبناؤها مُتْرَفِينَ مُبَذِرِينَ .. أو في مجتمع تحكمت به عادات الأرستقراطية وحفنة أعرافها وتقاليدها .. وما كنا نظن أنْ يحكم الكاتب على أبي هريرة بالمهانة والازدراي لكونه فقيراً، لأننا على علم يقين بأنه ليس واحداً مِمَّنْ ذكرنا، وهو الذي قال في مقدمة كتابه: «إنما يحكم بما أمر الله ورسوله، ويتبع في بحثه الحق»، فعلى أيِّ أساس بنى حكمه هذا!!؟ أو السُنَّة ما يجعل الفقر عيباً أو عاراً؟ .. كَلاَّ .. فها هو يجانب المنهج العلميَّ الذي وضعه لنفسه.

стр. 165

ثُمَّ هل في عمل أبي هريرة وسعيه - كي لا يكون عالةً على قومه - عيبٌ؟ وهل كان العمل في يوم من الأيام عاراً؟. وأغرب من هذا أنه يأخذ على أبي هريرة (حفاه) ويَدّعِي (عُرْيَهُ) راضياً بهذا الهوان. أقول هل كان جميع الناس ينتعلون الأحذية والنعال؟ ومتى كان مقياس العدالة الانتعال أو عدمه؟ ونحن في القرن العشرين ما سمعنا في يوم من الأيام بسقوط عدالة حاف، أو ثبوت عدالة منتعل!! والحُفاة كثيرون. فالناس سواء حفاتُهُم ومنتعلوهم، وإنما المفاضلة في التقوى وحُسْن الخُلُق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١). وإني لأعجب من ادِّعائه (عُرْيَ) أبي هريرة، وأتساءل كيف استنتج هذا؟ ومن نقل إليه ذلك؟. ثم هل في كل ما سبق هوان وذُلٌّ لأبي هريرة ﵁. ثم يقول الكاتب: «لكن لما أظهر الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله في المدينة الطيِّبة بعد بَدْرٍ وَأُحُدْ والأحزاب وبعد اللتيا والتي. لم يكن لهذا البائس المسكين حينئذ مذهب عن باب رسول الله صلى الله عليه وآله فهاجر إليه بعد فتح خيبر فبايعه على الاسلام. وكان ذلك سَنَةَ سبع للهجرة بانفاق أهل الاخبار. أما صحبته فقد صَرَّحَ أبو هريرة ـ في حديث أخرجه البخاري ـ بأنها كانت ثلاث سنين» [صفحة: ٥]. لقد سبق أنْ بَيَّنْتُ أنَّ الفقر والمسكنة لا يحطان من قدر المرء ومكانته إلاَّ عند من أعمت المادة قلوبهم، ولم يكن دخول الجنة مشروطاً باللُّبس والبذخ. «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (٢). ولعل المؤلف يَرُدُّ هذا الحديث لأنَّ راويه أبو هريرة. ثم أنَّ أبا هريرة أسلم قبل خيبر على يد الطفيل بن عمرو (٣) وإنما هاجر

стр. 166

إلى رسول الله ﷺ أيام فتح خيبر، فأكرمه الرسول ﷺ وأسهم له كما في إحدى الروايات، وأشار أبو هريرة حينذاك على رسول الله ﷺ أنْ لا يقسم لأبان بن سعيد بن العاص، لأنه قاتل ابن قوقل (١). وابن قوقل هو النعمان صحابي استشهد يوم أُحُدْ. فهذا دليل على أنَّ أبا هريرة كان قد أسلم قبل خيبر وكان يتتبَّعُ أخبار المسلمين قبل هجرته إلى المدينة، وأنه من ذوي الرأي يتقدَّمُون به غلى رسول الله ﷺ ، ولو سلَّمنا جدلاً بأنه أسلم يوم خيبر، أنعيبُ عليه إسلامه هذا؟ ألم يُسْلِمْ بعد خيبر خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن أبي طلحة وغيرهم؟. وأما صُحبته ثلاث سنوات كما قال أبو هريرة نفسه، فهذا من باب التقريب لا من باب الحصر، فأبو هريرة لم يعلم أنه سيأتي في آخر الزمان من يُحْصِي عليه أيام صُحْبَتِهِ، ويتتبَّعَ مَنَاقِصَهُ ويزدريه لفقره، ويرى في هذا لوناً من الهوان والذُلِّ. وإذا عرفنا أنَّ غزوة خيبر كانت في (مُحَرَّمْ) من السَنَةِ السابعة، أيْ في أول تلك السَنَةِ واستمرَّت الغزوة نحو ثلاثين يوماً، وأنَّ أبا هريرة قدم المدينة على أشهر الروايات أيام فتح خيبر، ورأى رسول الله ﷺ عقبها أي في العشر الأول في صفر، وأنَّ وفاة رسول الله ﵊ كانت يوم الاثنين (١٣ ربيع أول سنة ١١ للهجرة الموافق ٨ يونيو سنة ٦٣٣ م) (٢) - إذا عرفنا ذلك - تَبَيَّنَ أنَّ أبا هريرة قد تشرَّف بصُحبة رسول الله ﷺ أربع سنوات وثلاثة وثلاثين يوماً. وإذا أراد أبو هريرة من تصرحه بالسنوات الثلاث الحصر، يكون قد رفع من صُحبته وملازمته للرسول ﷺ ما قضاه في البحرين مع العلاء بن الحضرمي سَنَةَ ثمانٍ للهجرة. ...

стр. 167

٣ - على عهد النبي ﷺ -: وصفه بالفقر وأنه من أهل الصُفَّة الذين لا مأوى ولا معين [صفحة: ٥ - ٨] ونسي أو تناسى أنْ يُبَيِّنَ أنَّ أهل الصُفَّة كانوا أضياف الإسلام، وقفوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله وطلب العلم، وكانوا صلة بين الرسول ﷺ وأصحابه وعامة المسلمين، فإذا ما أراد أنْ يُبلِّغَ تنزيلاً أو يجمع المسلمين دعا بعض أهل الصُفَّة لينادُوا في المسلمين ويجمعوهم، وكان أكثرهم من المهاجرين وفيهم كرام الصحابة، وكان يحبهم رسول الله ﷺ ويكرمهم، وكثيراً ما كان يأكل معهم. ثم عرض الكاتب جوع أبي هريرة وفقره، وملازمته رسول الله ﷺ بشبع بطنه، وفي هذا كله لم ير براءة أبي هريرة وصفاء نفسه وحُسن سريرته، بل حاول أنْ يعرضه على القارئ عرض الفقير البائس، المنقطع المتشرِّدِ الذي يستجدي الصحابة ويلازم الرسول فقط ليشبعه، لم ير في ذلك حرصه على العلم فيما في يَدَيْ رسول الله ﷺ ، وصَوَّرَهُ الجائع المتماوت من جوعه، يريد فُتاتَ الموائد، ويطلب الحياة الدنيا، وأغمض الكاتب عينيه عن الروايات الثانية التي تُبَيِّنُ حقيقة ملازمته للرسول ﵊، وزُهده في الدنيا وانقطاعه لخدمة رسول الله ﷺ طلباً للعلم، وقد سأله رسول الله: «أَلاَ تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ؟» فقال أبو هريرة: «أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ». ثم ذكر الكاتب ثناء أبي هريرة على جعفر بن أبي طالب لأنه كان للمساكين عوناً يكرمهم ويُواسِيهِمْ، ويختتم هذه الفقرة بقوله: «وما زالت الصُفة موطن أبي هريرة الذي يطمئن إليه ليلاً ونهاراً، لا يأوي إلى ما سواها حتى ارتحل النبي صلى الله عليه وآله من هذه الدار الفانية، ولحق بالرفيق الأعلى، وقبل ذلك لم يقم أبو هريرة بشيء يعود عليه بشبع بطنه سوى

стр. 168

القعود في طريق المارة ينزع إليهم بجوعه، لا تحفزه مهمة، ولا يذكر في حرب ولا في سلم». هكذا أراد أنْ يختم الكاتب حياة أبي هريرة في عهد رسول الله، مهيناً ذليلاً يستجدي أكف المارة. أمن العدالة؟ أم من الحق؟ أم من الوجدان العلميِّ والذوق الفنيِّ الذي يَدَّعِيهِ الكاتب أنْ يُصَوِّرَ أبا هريرة بهذه الصورة؟ أبو هريرة الصحابي الذي ترك الدنيا وراءه، وهاجر إلى رسول الله حُبًّا في الإسلام وطاعة لله، ولازم النبي الكريم أربع سنوات لا يريد منه إلاَّ العلم الطيِّب الكثير، أبو هريرة الذي ترك الدنيا لأهلها ووقَّفَ نفسه للعلم وخدمة الرسول ﷺ مقابل كلمات يعلِّمُهُ إيَّاها ومواعظ يؤدِّبُهُ بها. أبو هريرة الذي عرفنا عِفَّةَ نفسه وكرم أخلاقه وشهامته يوم أراد عمر أنْ يُوَلِّيهِ على البحرين فأبى أنْ يقبلها بعد أنْ نزعت منه، يُصَوِّرُهُ الكاتب الأمين تلك الصورة التي لا يرضاها له حق بل لا ينفيها الواقع والتاريخ. ... ٤ - على عهد الخليفتين: يقول الكاتب في [الصفحة ١٤ - ١٥]: «ألممنا بأخبار الخليفتين، واستقرأنا ما كان على عهدهما، فلم نجد لأبي هريرة ثَمَّةَ أثراً يذكر، سوى أنَّ عمر بعثه والياً على البحرين سَنَةَ إحدى وعشرين، فلما كانت سَنَةَ ثلاث وعشرين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولم يكتف بعزله، حتى استنقذ منه لبيت المال عشرة آلاف زعم أنه سرقها من مال الله في قضية مستفيضة». ويحيلُنا الكاتب إلى " العقد الفريد ". أما أنه ألمَّ بأخبار الخليفتين، واستقرآ ما كان على عهدهما، فلم يجد لأبي هريرة أثراً يذكر، فهذا مُجَرَّدُ زعم وادِّعاءٍ، فإنَّ أبا هريرة اشترك في حروب الرِدَّةِ في عهد أبي بكر ﵁، فقد روى الإمام أحمد ما دار بين أبي بكر وعمر عن أبي هريرة وفيه: «فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 169

يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " وَاللهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رَشَدًا» (١). وكان يعتزُّ بموقف أبي بكر ﵁ ويُثْنِي عليه. فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: «وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَوْلاَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ مَا عُبِدَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: مَهْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَّهَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي خَشَبٍ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: رُدَّ هَؤُلاَءِ، تُوَجِّهُ هَؤُلاَءِ إِلَى الرُّومِ وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَوْ جَرَتِ الْكلاَبَ بأَرْجُلِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَدَدْتُ جَيْشًا وَجَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلاَ حَلَلْتُ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَّهُ أُسَامَةَ، فَجَعَلَ لاَ يَمُرُّ بِقَبِيلٍ يُرِيدونَ الارْتِدَادَ إِلاَّ قَالُوا: لَوْلاَ أَنَّ لِهَؤُلاَءِ قُوَّةً مَا خَرَجَ مِثْلُ هَؤُلاَءِ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَكِنْ نَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا الرُّومَ، فَلَقَوُهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَرَجَعُوا سَالْمِينَ فَثَبَتُوا عَلَى الإِسْلامِ» (٢). وفي عهد عمر ﵁ اشتغل في طلب العلم والتعليم ورافق أمير المؤمين في حَجِّهِ، وحدَّثه حديث الريح عندما اشتدَّتْ بهم حين لم يذكر أحد من أصحاب رسول الله ﷺ آنذاك شيئاً فيها (٣)، كما اشترك في وقعة اليرموك كما أسلفنا، فلم يحمل ذكر أبي هريرة في عهد الخليفتين الراشدين إلاَّ أنَّ الكاتب لم يُلِمَّ بأخبارهما كما ادَّعَى، وأما ولايته على البحرين والرواية التي ذكرها ابن عبد ربه من غير سَنّدٍ، ويستشهد بها المؤلف فيقول: «ثمّ دعا أبا هريرة، فقال له: علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين. ثم بلغني انك ابتعت أفراساً بألف دينار

стр. 170

وستمائة دينار. قال - أبو هريرة -: كانت له أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت، قال: حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده. قال: ليس لك ذلك. قال: بلى والله وأوجع ظهرك، ثم قال إليه بالدرة فضربه حتى أدماه، ثم قال: ائت بها، قال: أحتسبها (١) عند الله، قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأدَّيْتَهَا طائعاً، أجئت من أقصى حجر البحرين (٢). يجيء الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ مارجّعَّت (٣) بك أميمة إلاَّ لرعية الحمر» (٤). رأى المؤلف هذه الرواية توافقه فاستشهد بها، ولم يذكر الرواية التي بعدها مباشرة، فليس في تلك ضرب عمر لأبي هريرة، بل فيها رَدُّ أبي هريرة على عمر حين قال له: «يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَسَرَقْتَ مَالَ اللَّهِ؟» قال أبو هريرة: «مَا أَنَا عَدُوُّ اللَّهِ وَلاَ عَدُوُّ كِتَابِهِ، لَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا ... ». إنَّ ما استشهد به المؤلف مُجَرَّدٌ من السند، فلو كان لروايته في الأصل سند أمكننا أنْ نتعرَّف من خلاله مقدار صحَّتها، بينما وردت الرواية الثانية التي لم تنص على ضرب عمر لأبي هريرة في مراجع كثيرة جداً باسانيد صحيحة في " حلية الأولياء " و " طبقات ابن سعد " و " تاريخ الإسلام " و " الإصابة " و " عيون الأخبار "، وقد ذكرت هذا في ترجمته، فهذه الرواية التي استشهد بها المؤلف ترد لأنها تخالف روايات أصح منها. ولو فرضنا صِحَّتها، فإنَّ الرواية الثانية التي تلتها وليس فيها ضرب عمر لأبي هريرة، بل فيها مناقشة أبي هريرة عمر، وبيان طريق أمواله التي جمعها، وردِّهِ اتهامه الذي وجَّهه إليه؛ أقول إنَّ هذه الرواية تُصَحِّحُ ما قبلها، وتُلقِي ضوءاً عليها إذ فيها «فَقَبَضَهَا - الدَّرَاهِمَ - مِنِّي فَلَمَّا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ اسْتَغْفَرْتُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ». إنَّ أبا هريرة يستغفر لأمير المؤمنين الذي شاطرهُ ماله، وهو يعلم

стр. 171

أنَّ ما أخذه الأمير منه إنما هو عطاياه وأسهمه، ومع هذا لم يحقد على عمر ﵁ بل شعر في نفسه أنه مظلوم، فراح يستغفر لأميره .. هذا إذا اعتبرنا صِحَّةَ الرواية، عِلْماً بأنَّ الروايات الأخرى تقول: «قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قُلْتُ: خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَغَلَّةٌ وَرَقِيقٌ لِي، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ». فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ (١). وفي بعضها: «أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» (٢) وأُرَجِّحُ أنَّ عمر ﵁ شاطره ماله، كما شاطر غيرَهُ من الأمراء، إلاَّ أنه لم يضربه، وفي الحقيقة إنَّ ابن عبد ربه يقول: «ولما عزل عمر أبا موسى الأشعريّ عن البصرة وشاطره ماله وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله، وعزل الحارث بن كعب بن وهب وشاطره ماله ... ودعا أبا موسى ... ثم دعا أبا هريرة» (٣). وقاسم عمر سعد بن أبي وقاص ماله حين عزله عن العراق (٤)، فعُمَر لم يتَّهِمْ أبا هريرة ولم يشاطره ماله وحده بل تلك كانت سياسته مع وُلاَّته، كي لا يطمع امرُؤٌ في مال الله، ويحذر من الشُبُهات، وكان يعزل وُلاَّته، لا عن شُبْهَةٍ، بل من باب الاجتهاد وحُسْنِ رعاية أمور المسلمين، فلما عزل «المغيرة بن شُعبة عن كتابة أبي موسى، قال له: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمين؟ قال ك لا عن واحدة منهما، ولكنِّي أكره أنْ أحمل فضل عقلك على العامة» (٥). وكتاب عمر ﵁ إلى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ يؤكِّدُ سياسته مع جميع وُلاَّته وعُمَّاله فقد جاء في كتابه: «سِرْ إِلَى عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ - وكان والياً على البصرة - فَقَدُ وَلَّيْتُكَ عَمَلَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ تَقَدَمُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحُسْنَى لَمْ أَعْزِلْهُ اَلاَّ يَكُونُ عَفِيفًا صَلِيبًا شَدِيدَ الْبَأْسِ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَغْنَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ

стр. 172

مِنْهُ فَاعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ، وَقَدْ وَلَّيْتُ قَبْلَكَ رَجُلا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ تَلِيَ وُلِّيتَ، وَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَلِيَ عُتْبَةُ فَالْخَلْقُ وَالأَمْرُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ... » (١). أما أنه ضربه فإنه غير معقول لأنَّ عمر ﵁ يعرف مكانته ومنزلته، وأما أنه أهانه وقال له: «استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين»، فالواقع يُكَذِبُ هذا لأنَّ جميع المسلمين تحسَّنتْ أحوالهم أيام عمر، وكثر عطاؤهم عندما فتحت البلاد المجاورة فأغدقت عليهم الغنائم والأموال الكثيرة، وإلى جانب هذا لم يرد في الروايات الصحيحة المعتمدة شيء من ذلك. وهناك ما يدل على عدم اتهام عمر لأبي هريرة، ويدل على استقامته وأمانته، وهو أنَّ أمير المؤمنين عاد إلى أبي هريرة، وطلب أنْ يستعمله ثانية على البحرين فأبى. وأنَّ هذه الرواية تَتِمَّةَ ما نقله الكاتب. إلاَّ أنه حذفها كي لا يظهر بطلان ما يَدَّعِيهِ، ولِيُتِمَّ طعنه في أبي هريرة وفيها «فقال لي بعد ذلك: ألا تعمل؟ قلت: لا. قال: قد عمل من هو خير منك يوسف - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ -. قلتُ: يوسف نبيّ وأنا ابن أميمة، أخشى أن يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي» (٢). هذا النص تتمة الذي رواه الكاتب وأبى أنْ يثبته للحقد الذي في نفسه على راوية الإسلام، وهذا النص يؤكِّدُ عدم ضرب عمر لأبي هريرة إذ لو صح أنه ضربه لقال له أبو هريرة: لن أعود بعد أنْ شتم عِرْضِي وضرب ظهري. وهكذا ثبتت براءة أبي هريرة مِمَّا تجنَّاهُ عليه الكاتب. ... ٥ - على عهد عثمان: [ص ١٦ - ١٧]: لقد رأينا موقف أبي هريرة يوم الدار، وكيف حث الناس على الدفاع عن أمير المؤمنين، إلاَّ أنَّ عثمان ﵁ منعهم من القتال

стр. 173

وأجمعت كل الروايات على وجود أبي هريرة بين دافع عن عثمان ﵁ يوم الدار. إلاَّ أنَّ المؤلف يصوِّرُهُ بالمنتهز المستغل لتلك الفتنة من أجل تحقيق مآربه وغاياته، فيقول بعد ذلك: «وبهذا نال نضارة بعد ذبول ونباهة بعد خمول»، ويقول: «وكان أبو هريرة على علم بأنَّ الثائرين لا يطلبون إلاَّ عثمان ومروان، وهذا شجَّعه على أنْ يكون في المحصورين». لا أدري كيف قرأ سريرة أبي هريرة واطَّلع عليها، وليس لنا إلاَّ الظاهر، فقد كان محصوراً في الدار مع عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين فكل افتراض يفترضه بالنسبة لأبي هريرة يفترض بالنسبة لمن كان معه فهل يقبل المؤلف هذا لسيِّدَيْ شباب أهل الجنة!؟. ثم يقول: «ومهما يكن فقد اختلس الرجل هذه الفرصة فربحت صفقته وراجت سلعته، وأكبَّ بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه فلم يألُ جُهداً في نشر حديثه والاحتجاج به. وكان ينزل فيه على ما يرغبون». ثم استشهد بأحاديث موضوعة على أبي هريرة وحَمَّلَهُ وِزْرَ وضعها وهو لا يَدَ له فيها. وعلَّق في هامش [صفحة ١٨ و ١٩]: «أنَّ أولياء أبي هريرة يحيلون الآفة بها على رُواة في أسانيدها». ويأبى هو إلاَّ أنْ يجعل أبا هريرة وضَّاعاً وألعوبة في أيدي الأمويِّين، والأمويُّون لم يظهروا بعد ... !؟. ... ٦ - على عهد عَلِيٍّ [صفحة ٢١ - ٢٦]: بَيَّنْتُ فيما سبق اعتزال أبي هريرة جميع ما جرى من حوادث بعد استشهاد عثمان ﵁، إلاَّ أنَّ المؤلف يأبى إلاَّ أنْ يعتمد على روايات ضعيفة ليشرك أبا هريرة في بعض الحوادث، وليته يكتفي بذلك، بل يعرض ما يريد مستهزئاً مُزدرياً. فيقول: «خَفَتَ صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين، واحتبى برد الخمول، وكاد أنْ يرجع إلى سيرته الأولى، حيث كان هيان بن بيان، وصلعمة بن قلعمة قعدا عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه بل كان وجهه ونصحته إلى أعدائه».

стр. 174

ثم ساق رواية واهية مفادها أنَّ معاوية أرسل أبا هريرة والنعمان بن بشير ليفاوضا عليًّا ويأخذا قتلة عثمان إلى معاوية، لتجتمع كلمة المسلمين بعدها. وأقام النعمان بن بشير عند عليٍّ وعاد أبو هريرة إلى معاوية وأخبره بما حدث في محاولتهما. قال المؤلف: «فأمره معاوية أنْ يعلم الناس ففعل ذلك وعمل أعمالاً ترضي معاوية» وهذه الرواية لم ترو بسند صحيح قط ولم أجدها إلاَّ في " نهج البلاغة ". ثم إنْ صَحَّتْ الرواية فهل يعاب على أبي هريرة أنْ يكون وسيط خير وداعياً إلى جمع كلمة المسلمين!!؟ وأما ما ذكره ابن قتيبة من قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعليٍّ ﵄ ومناصحتهما معاوية لحقن دماء المسلمين ثم اتصالهما بعليٍّ ﵁ من أجل قتلة عثمان، فإنها تدل على اعتزال أبي هريرة الفتنة ومحاولة جمع كلمة المسلمين بالرغم من ضعف هذه الرواية (١). ثم يقول الكاتب: «وحين جد الجد، وحمى وطيس الحرب، ورد على أبي هريرة من الهول ما هزم فؤاده وزلزل اقدامه، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأنَّ العاقبة ستكون لعليٍّ. فضرب الأرض بذقنه، قابعاً في زاويا الخمول يثبط الناس عن نصرة أمير المؤمنين بما يُحَدِّثُهُمْ به سراً وكان مِمَّا قاله يومئذ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ» [صفحة ٢٤]. هل بعد هذا النص شك في أنَّ الكاتب متحامل على أبي هريرة؟ إنه يدَّعي البحث العلمي والذوق الفنيَّ، ثم يسيِّرُهُ هواهُ أنَّى يشاء ضارباً بما ادَّعى عرض الحائط!! ويأبى أنْ يقبل ما دلَّ من النصوص على اعتزال أبي هريرة جميع الحوادث، التي دارت بين عليٍّ ومعاوية ﵄. ويحاول الكاتب أنْ يستنتج من غزوة بسر بن أرطأة الحجاز واليمن قبول أبي هريرة ولاية المدينة. فيقول: «وفي ختام هذه الفظائع أخذ

стр. 175

(بُسر) البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة، فعندها باح أبو هريرة بما في صدره واستراح بُسْرُ بن أرطأة بمكنون سره، فوجد بسر منه إخلاصاً لمعاوية ونُصحاً في أخذ البيعة له من الناس فولاَّهُ على المدينة حين انصرف عنها وأمر أهلها بطاعته» [صفحة ٢٥]. وهذا لم يثبت قط وقد بيَّنْتُ الصواب فيما سبق من حياة أبي هريرة (١). ... ٧ - على عهد معاوية [صفحة ٢٦ - ٣١]: قال الكاتب: «نزل أبو هريرة أيام معاوية الى جناب مريع، وأنزل آماله منه منزل صدق، لذلك نزل في كثير من الحديث على رغائبه، فحدَّث الناس في فضل معاوية وغيره أحاديث عجيبة». ثم تكلم عن وضع الحديث في عهد الأمويِّين وكثرة الكذب على رسول الله ﷺ . وادَّعى أنَّ أبا هريرة كان في الرعيل الأول من هؤلاء فحدَّث بأحديث منكرة ذكرها ابن عساكر وغيره، وساق أحاديث موضوعة لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وضعها أتباع الأمويِّين بعد عهد معاوية، نكاية بأتباع أمير المؤمنين عليٍّ ﵁، وجميع ما ادَّعاهُ يعرف أهل السُنَّة مفتريه ووُضَّاعه، ويقول الكاتب [صفحة: ٢٩ - ٣١]: «غير أنهم لم يجعلوا الآفة فيها من أبي هريرة نفسه إنما جعلوها مِمَّنْ نقلها عنه .. وكذلك فعلوا في سائر ما صنعته يدا أبي هريرة مِمَّا ضاق ذرعهم .. وله في " صحيحي البخاري ومسلم " أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا المنوال». إنَّ الكاتب يتَّهم أبا هريرة اتِّهامين خطيرين؛ الأول أنه تشيَّع لنبي أمية، والثاني أنَّ حُبَّهُ لبني أمية حمله على وضع الحديث لهم (أي الكذب على رسول الله ﷺ ). ولهذا يعقد فصلين من كتابه ليُبَيِّنَ (أيادي بني أمية عليه) ثم (تطوُّرُهُ

стр. 176

في شكر أياديهم) وسَنَرُدُّ هذين الاتِّهامين بنقض حُجَجِهِ، وبيان وجه الحق في ذلك فنبدأ بِرَدِّ الشبهة الأولى. أولاً - هل تشيَّع أبو هريرة للأمويِّين ؟: إنَّ أهل العلم جميعاً يعلمون أنَّ أبا هريرة كان مُحبًّا لأهل البيت ولم يناصبهم العداء قط، ومشهور عنه أنه تمسَّك بسُنَّة رسول الله ﷺ . فكان يحب من أحبه رسول الله ﵊ وأبو هريرة هو الذي كشف عن بطن الحسن بن علي ﵄ وقال: «أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ»، وَقَبَّلَ سُرَّتَهُ (١). ثم إنَّ أبا هريرة لم يكن دائماً على صلة حسنة بمعاوية، فقد كان يعزله عن المدينة ويُعَيِّنُ مروان بن الحكم، ومن العجيب أنْ يدَّعِي إنسان نهل من العلم بعضه أنَّ أبا هريرة يكره عليًّا وأهله، بعد أنْ سمع ما دار بين مروان بن الحكم وأبي هريرة، حين أراد المسلمون دفن الحسن مع النبي ﷺ . فكان مِمَّا قاله: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بوالٍ، وَإِنَّ الْوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ ... »!! (٢) ولكن الكاتب المتحامل على أبي هريرة والذي امتلأ قبله ضغناً وحِقداً عليه يرى هذا مُجَرَّدَ رياءٍ ومُؤامرة مُدَبَّرَةٍ بينهما.!! (٣) ونرى أبا هريرة ينكر على مروان بن الحكم في مواضع عِدَّةٍ، فهل هذا الإنكار أيضاً من باب المؤامرات التي يُدَبِّرُها مرواة وأبو هريرة لمخادعة العامة - كما زعم مؤلف كتاب " أبو هريرة "؟، لقد أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يقول الله : «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ

стр. 177

كَخَلْقِي! فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (١) وأبطأ مروان بن الحكم يوماً بالجمعة فقام إليه أبو هريرة فقال له: «أَتُظَلُّ عِنْد ابْنَة فُلاَنٍ تُرَوِّحَُِك بِالمَرَاوِحِ وَتَسْقِيَك الْمَاءَ الْبَارِدَ، وَأَبْنَاء الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يُصْهَرُونَ مِنَ الْحَرِّ؟ لََقََدْ هَمَمْتُ أََنْ أَفْعَلَ وَأَفْعَلَ»، ثُم قَال: «اسْمَعُوْا مَن أَمِيرِكُمْ» (٢). فهل هذا موقف المُتشيِّع لبني أمية، النازل على رغباتهم في الحديث، الدَّاعي لهم!! أم أنَّ هذا موقف ملتزم الحق؟ إنه أنكر على الأمير تأخُّرهُ، وحفظ له حقه فأمر المسلمين بالسماع إليه. وهذا دليل آخر على مكانة أبي هريرة بين المسلمين. فلو كان حقيراً مهيناً ما سمع منه المسلمون وما تحمَّله مروان. ومع هذا فإنَّ المؤلف لكتاب " أبو هريرة " قد يرى في هذه القصة لوناً جديداً من المؤامرات لتثبيت ملك الأمؤيِّين كما يتخيَّلُ المؤلفُ أبا هريرة في تفكيره وعلمه وذوقه الفنيَّ، واستنتاجه واستقرائه .. !! وكان يجدر بالمؤلف أنْ يتَّهِمَ أبا هريرة بالتشيُّع لأهل البيت، لما رُوِيَ عنه عن رسول الله ﷺ في مناقبهم ومدحهم مِمَّا ورد في صحاح السُنَّة المُطَهَّرَةِ (٣)، وهذا أولى له من أنْ يتتبَّع الأحاديث الضعيفة، والموضوعة على أبي هريرة في مدح الأمويِّين، ليتَّهمه بموالاتهم وتأييدهم، بالرغم من وضوح وضع تلك الأحاديث، ومعرفة الكَذَبَةِ الواضِعِين لها. وجلاء أمرها .. ولو كان أبو هريرة مُتَشَيِّعاً للأمويِّين لأَبَى أنْ يروي بعض فضائل أهل البيت، وبوجه خاص فضائل أمير المؤمنين عليٍّ ﵁، ولكن شيئاً من هذا لم يقع، وكان أبو هريرة أسمى وأعلى من أنْ يكتم حديث رسول الله ﷺ ، لميل أو هوى، وأرفع من أنْ يكذب على حبيبه الصادق المصدوق محمد ﷺ ، وإننا

стр. 178

نراه يروي في فضائل عَلِيٍّ ما لا يخفى، من هذا ما أخرجه الإمام مسلم في " صحيحه " بسنده عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ». قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: «امْشِ، وَلاَ تَلْتَفِتْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ». قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: «قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (٣). إننا نرى المُنصفين من أهل العلم لم يتَّهِمُوا أبا هريرة - لروايته هذا الحديث - بالتشيُّع لعليٍّ ﵁، وبالعداء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأبو هريرة لا يتحزَّبُ لأحد ولا يمالئ أحداً، ولا يسير وراء هوى مُتَّبعٌ أو شهوة جامحة، إنما هو ذلك الصحابي العظيم الذي عرفنا استقامته وعدالته، وتقواه وورعه وأمانته. وقد تصوَّر المؤلف جميع ما بين يدي أبي هريرة من نعمة وخير هي أفضال الأمويِّين عليه، وإكرام منهم له، لما بذله في سبيل تدعيم مُلْكِهِمْ!! ونسي أو تناسى أنَّ أبا هريرة كان يحب العمل إلى جانب حبه للعلم، ونسي ما كان له من أعطيات وتجارة، كما نسي أنه ولي البحرين الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وَبَيَّنَ له مورد ماله الذي جاء به، بل رأى أنَّ جميع ما بين يديه من منح بني أميَّة له، فهم الذين كَسَوْهُ الخزَّ، وألبسوه الكتان، وبنوا له في العقيق قصراً، وهو الذين زوَّجُوهُ بُسرةَ بنت غزوان، أخت الأمير عُتبة بن غزوان، ويستشهد لذلك بما رواه مضارب بن حزن

стр. 179

حين سمع أبا بكر يُكَبِّرُ في الليل، قَالَ مُضَارِبُ بنِ حَزْنٍ: «بَيْنَا أَنَا أَسِيْرُ تَحْتَ اللَّيْلِ، إِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَأُلْحِقُهُ بَعِيْرِي، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: مَا هَذَا التَّكْبِيْرُ؟ قَالَ: شُكْرٌ. قُلْتُ: عَلَى مَهْ؟ قَالَ: كُنْتُ أَجِيْراً لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِعُقْبَةِ (١) رِجْلِي، وَطَعَامِ بَطْنِي، وَكَانُوا إِذَا رَكِبُوا سُقْتُ بِهِمْ، وَإِذَا نَزَلُوا خَدَمْتُهُمْ، فَزَوَّجَنِيْهَا اللهُ!! فَهِيَ امْرَأتِي» (٢). فأبو هريرة يشكر الله على نعمه وتوفيقه لزواجه من بُسرة، وأي شيء في هذا؟ أي شيء أكثر من طيب نفس أبي هريرة وصفائها، ورضائها بما قسم الله له. واحترامه لأنعم الله تعالى، وتوضعه وتذكره ما كان عليه وإقراره بفضل الله عليه. ولكن المؤلف استغلَّ طيب نفس أبي هريرة للتشهير به، ورأى في كل ذلك مادة غزيرة يشوِّهُهَا كما يحب ويرضى. وفي هذا كله يرى أنَّ الأمويِّين استعبدوه بِبِرِّهِمْ «فملكوا قياده، واحتلُّوا سمعه وبصره وفؤاده، فإذا هو لسان دعايتهم في سياستهم، يتطوَّرُ فيها على ما تقتضيه أهواؤهم .. » [صفحة ٣٥]. هكذا أراد المؤلف أنْ يُصَوِّرَ أبا هريرة، الذي عرفنا اعتزاله الفتن، وسيره مع الحق، ومناصحته للمسلمين، وحُبه لأهل البيت. وهكذا يأبى الله إلاَّ أنْ يُقَوِّضَ ما حاكه أعداء أبي هريرة من شُبُهات ضدَّهُ، ويكشف النقاب عن وجه الحق، ليزهق الباطل، وصدق اللهُ العظيم إذ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (٣). ... ثانياً: هل وضع أبو هريرة الأحاديث كذباً على رسول الله ؟: لقد افترى المؤلف على أبي هريرة افتراءات لا يتصوَّرُها إنسان من مستشرق متجاهل أو من عدوٍّ متحامل، قال: «فتارة يفتئتُ الأحاديث

стр. 180

في فضائلهم، ... وتارة يُلَفِّقُ أحاديث في فضائل الخليفتين، نزولاً على رغائب معاوية وفئته الباغية، إذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوَصِيِّ وآل النبي ... وحسبُك حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سَنَة براءة - وهي سَنَةُ تسع للهجرة - وحديثه في أنَّ عمر كان مُحْدِثاً تكلِّمه الملائكة (١). وقد اقتضت سياسة الأمويِّين في نكاية الهاشميِّين تثبيت هذين الحديثين وإذاعتهما بكل ما لمعاوية وأعوانه .. من وسيلة أو حيلة .. حتى أخرجتهما الصحاح .. وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جرياً على مقتضى تلك السياسة كقوله: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ أَوْ تَرد إِلاَّ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمُقَدّس .. » [صفحة: ٣٦ - ٣٧]. لقد سيطر على المؤلف هواهُ، حتى أصبح لا يرى في أبي هريرة إلاَّ الكذوب الوضَّاع، فتنكب سبيل الحق، وقذف الصحابة بالكذب، وتجاهل ما أجمع عليه المؤرِّخُون الثقات، واعتمد على روايات الضعفاء، فكان كلام الطبرسي عنده كالتنزيل الحكيم، وضرب بصحاح الكتب عرض الحائط، فيحاول طمس الحق، وتحريف الصواب، وإنني قبل أنْ أجيب عن زعمه أنَّ الرسول ﷺ عزل أبا بكر عن ولاية الحج أتساءل كيف حبست الشمس أو ردت لأمير المؤمنين عليٍّ ﵁؟ وهل أمسكت الشمس عن الغروب ليتمكَّن ﵁ من أداء صلاة العصر في وقتها؟ إنَّ هذه معجزات لا تكون في كل وقت، ولا يمن الله بها إلاَّ على رسله!! ثم لِمَ تُرد الشمس له أو تمسك، ويمكنه أنْ يقضي الصلاة!! والصحاح لم تذكر شيئاً عن هذا الخبر، فأترك المؤلف أنْ يُبَيِّنَ لنا كيف حبست الشمس ومتى كان ذلك علناً نفيد منه؟ لقد ادَّعَى هذا قبله ابن المطهر الحلي، ورد عليه ابن تيمية ردًّا قوياً، وبَيَّنَ كذب هذا الادِّعاء (٢).
следующие страницы →