«آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» (١).
...
مجالسه ونشره الحديث:
كان أبو هريرة يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، وفي مكة المكرمة، كما حَدَّثَ في دمشق، وحفظ عن أهلها، وحَدَّثَ في العراق والبحرين، وكان يُحَدِّثُ حيثما حل، ويفتي الناس بما سمع من الرسول الكريم ﵊ ومن يتتبَّع حديثه يرى أنه قد جعل بيته معهداً للمسلمين يتردَّدُون إليه، ليسمعوا حديث رسول الله ﷺ (٢)، كما كان يستقبل طلاب العلم في أرضه بالعقيق (٣)، ويُحدَّثُهُمْ ويكرمهم، ويدخل السرور عليهم بما أنعم الله عليه من حُسن المعشر، ولطيف الخلق، وكثرة العلم والخير.
وكانت أكثر مجالسه في المسجد النبوي إلى جانب الحُجرة المشرفة، وقد عرف الناس فضله ومكانته، فكانوا يرجعون إليه في كثير من أمورهم، وكان يفتي بوجود علماء الصحابة، وكان بعض الصحابة كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائل عليه، لأنهم عرفوا علمه واتقانه، فعن معاوية بن أبي عياش الأنصاري، أنه كان جالساً مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن بكير، فسأل عن رجل طلَّق ثلاثاً قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، قد جاءتك معضلة، فقال: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلاَثُ تُحَرِّمُهَا» (٤).
стр. 107
ونقل لنا أبو داود عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، سُئِلُوا عَنِ الْبِكْرِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالُوا: «لاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
وروى أبو داود عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا، قَالَ: أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ» (٢). لما رأى عمر الناس يتابعون إيقاع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، استشار الصحابة في أنْ يجيزوها ثلاثاً زجراً لهم. فأوقعها عمر ثلاثاً (٣)، والظاهر من فتوى أبي هريرة أنها كانت بعد أنْ أجرى عمر ﵁ إيقاع الثلاث زجراً للناس.
وكان حُبُّهُ لرسول الله ﷺ يظهر من خلال حديثه عنه، فكان أحياناً يقول: «حَدَّثَنِي الصَّادِقُ المَصْدُوقُ»، وأحياناً: «حَدَّثَنِي خليلي أبو ألقاسم»، ومَرَّةً يقول: «حَدَّثَنِي حَبِيبِي مُحَمَّدٌ ﷺ »، وقد يقول: «قَالَ ﷺ فَتَخْنَقُهُ عَبْرَةُ الذِّكْرَى وَيَنْهَضُ مِنْ مَجْلِسِهِ» (٤).
وكان يبتدئ حديثه بحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ». روى عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: - وكان يبتدئ حديثه بأنْ يقول -: قال رسول الله، أبو القاسم الصادق المصدوق: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٥).
стр. 108
ويصف لنا مُحَمَّدٌ بنِ عُمَارَةَ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ مَجْلِساً لأَبِي هُرَيْرَةَ فَيَقُولُ: أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَفِيْهِ مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيْثِ، فَلاَ يَعْرِفُهُ بَعْضُهُمْ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً. قَالَ: «فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ » (١).
وقد وثق الناس بأبي هريرة وعرفوا مكانته، فكانوا يتواعدون لينطلقوا إليه، فيسمعوا حديثه عن رسول الله ﷺ ، من ذلك ما رواه مكحول قال: «تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قُبَّةٍ من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة، فحدَّثهُم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح» (٢).
وعن محمد بن سيرين «أنَّ أبا هريرة كان يقوم كل خميس فيُحَدِّثَهُمْ» (٣).
وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال: «رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر، ويقول: «حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ»، فلا يزال يُحَدِّثُ حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام فيجلس» (٤).
وقد عرف الصحابة والتابعون سعة علمه، ومكانته من الرسول ﷺ ، فكانوا لا يرونه في مكان إلاَّ اجتمعوا حوله ينهلون من علمه، ولم يقتصر ذلك على المدينة فحسب، بل تعدَّاهُ إلى الشام والعراق، روى الإمام أحمد عن سفيان بن عُيينة قال: قال إسماعين بن أبي خالد،
стр. 109
عَنْ قَيْسٍ،قَالَ: نَزَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالكُوفَةِ، - قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلاَنَا قَرَابَةٌ، قَالَ سُفْيَان وَهُوَ مَوْلَى لأَحْمَس - فَاجْتَمَعَتْ أَحْمَس، قَالَ قَيْس: فَأَتَيْنَاهُ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَأَتَاهُ الْحَيُّ -، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَؤُلاَءِ أَنْسِبَاؤُكَ أَتَوْكَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكَ، وَتُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: مَرْحَبًا بِهِمْ وَأَهْلاً، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلاَثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَاللهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلاً فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً أَغْنَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» (١).
وكان أبو هريرة حريصاً جداً على تبليغ العلم ونشره، وبيان السُنَّة في أية فرصة تسنح له، من هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٢).
وكان أبو هريرة دقيقاً ضابطاً لما يحفظ عن الرسول ﷺ يعزو ما يُحَدِّثُ به عن رسول الله إلى الرسول الكريم ﵊، ويعزو قول غيره إلى قائله، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هَذِهِ مِنْ كَيْسِي» (٣). وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عدَّة منها ما رواه بكير بن الأشج قال: قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ ، وَيُحَدِّثُنَا عن كبعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا، يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب،
стр. 110
وحديث كعب عن رسول الله ﷺ . فاتقوا الله وتحفظو امن الحديث (١)
وقد يؤكِّدُ أحياناً صحة ما يرويه عن رسول الله ﷺ فيقول: «يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَمُهُ» (٢) لأنه على يقين مِمَّا يقول، فقد سمع بأذنه، ووعى قلبه وذكر بلسانه.
وقد يسأله بعض الحضور: أسمعت هذا من رسول الله؟ فيقول: نعم. ويُبَيِّنُ أنَّ ذلك ليس رأيه، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو القارئ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لاَ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَا أَنَا قُلْتُ: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ يَصُومُ» .. «مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْبَيْتِ قَالَهُ، مَا أَنَا نَهَيْتُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مُحَمَّدٌ نَهَى عَنْهُ وَرَبِّ الْبَيْتِ» (٣).
وربما جلس إلى حُجرة عائشة، فيُحَدِّثُ ثم يقول: يا صاحبة - وفي رواية يا أمه - أتنكرين مِمَّا أقول شيئاً؟ قال ابن عباس: فلما قضت صلاتها، لم تنكر ما رواه، لكن قالت: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ سَرْدَكُمْ (٤). فلم تنكر عليه حفظه، أو سماعه عن النبي ﵊ إنما أنكرت سرده الحديث.
وكان أبو هريرة ﵁ يُبَيِّنُ أهمية فهم ما يسمعه المرء، ومكانة الفقه من الدين، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ». قال أبو هريرة: «لأََنْ أَفْقَهُ سَاعَةً أَحَبُّ إِلَيَّ
стр. 111
مِنْ أَنْ أُحْيِيَ لَيْلَةً أُصَلِّيهَا حَتَّى أُصْبِحَ، وَالْفَقِيهُ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ، وَدِعَامَةُ الدِّينِ الْفِقْهُ» (١).
وكان أبو هريرة يدعو الناس إلى طلب العلم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويُضْفِي إلى ذلك شيئاً من مرحة فتقبله النفوس، وتطمئنُّ له القلوب. من هذا ما رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ - (وقد هاله انشغال الناس في الدنيا) - فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «يَا [أَهْلَ السُّوقِ]، مَا أَعْجَزَكُمْ»!!.
قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لاَ تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ؟».
قَالُوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: «فِي الْمَسْجِدِ» فَخَرَجُوا سِرَاعًا [إِلَى الْمَسْجِدِ]، وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟» قَالُوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلاَلَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَيْحَكُمْ، فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٢).
وكان أبو هريرة حين يعقد حلقات الحديث، يسمح لبعض طلابه بالكتابة عنه، ويكننا أنْ نعتبر هذه الحلقات التي يكتب فيها طلاب أبي هريرة عنه - مجالس إملاء الحديث، التي كثرت في العصور التالية: وقد ثبت أنه أملى على التابعي الثقة بشير بن نهيك السدوسي البصري بعض حديثه، وقرأ بشير ما كتبه عن أبي هريرة عليه قبل أنْ يفارقه (٣).
ويحفظ لنا التاريخ وثيقة تاريخية علمية قيِّمة، لما أملاه أبو هريرة على تلميذه همام بن منبه، المولود سَنَةَ أربعين هجرية، والمتوفَّ سَنَةَ
стр. 112
إحدى وثلاثون ومائة، فقد لقي همام بن منبه أحد أعلام التابعين الثقات الصحابي الجليل أبا هريرة ﵁، وكتب عنه كثيراً من حديث رسول الله ﷺ ، وجمعه في صحيفة أو صحف أطلق عليها اسم " الصحيفة الصحيحة " (١). وربما سَمَّاهَا بالصحيحة على مثال " الصحيفة الصادقة " لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحق لهَمَّام أنْ يُسَمِّهَا بالصحيحة، لأنه كتبها عن صحابي خالط رسول الله ﷺ أربع سنين، وروى عنه الكثير.
وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة، كما رواها ودَوَّنَهَا همَّام عن أبي هريرة ﵁، فقد عثر على هذه الصحيفة الدكتور المُحقِّق محمد حميد الله في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (٢)، ووجدت لهذه الصحيفة نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، تحت رقم (١٩٨١ حديث).
وتزداد ثقتنا بصحيفة همام حينما نعلم أنَّ الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في " مسنده "، كما نقل الإمام البخاري عدداً كثيراً من أحاديثها في " صحيحه " في أبواب شتى.
ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف، أنها حُجَّة قاطعة ودليل ساطع على أنَّ الحديث النبوي كان قد دُوِّنَ في عصر مُبَكِّرٍ خلافاً للخطأ الشائع: أنَّ الحديث لم يُدَوَّنْ إلاَّ في أوائل القرن الهجري الثاني، ذلك لأنَّ هَمَّاماً لقي أبا هريرة قبل وفاته، وقد توفي أبو هريرة سَنَةَ ٥٩ للهجرة، فمعنى ذلك أنَّ هذه الوثيقة العلمية قد دُوِّنَتْ قبل هذه السَنَةِ، أي في منتصف القرن الهجري الأول، وبهذا يكون لأبي هريرة فضل كبير في تشجيع طلاب العلم على تدوين الحديث وحفظه، وتضم صحيفة همام هذه (١٣٨) حديثاً وقد ذكر ابن حجر أنَّ هماما سمع من أبي هريرة نحو أربعين ومائة حديث بإسناد واحد (٣)، وهذا يزيدنا ثقة بهذه الصحيفة، لاتفاق عدد ما جاء فيها من الأحاديث وما ذكره العلماء. وقد رواها عن همام
стр. 113
تلميذه معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق عن معمر ثم هَلُمَّ جَرًّا (١).
...
كثرة حديثه وسِعَةِ علمه:
كان أبو هريرة من أوعية العلم , ومن كبار أئمة الصحابة في الحديث، مع الجلالة والعبادة، والتواضع والورع، ولم يكن أحد أكثر منه حديثاً من أصحاب رسول الله ﷺ إلاَّ عبد الله بن عمرو بن العاص، كما قال أبو هريرة نفسه: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» (١). إلاَّ أنَّ ظروف عبد الله بن عمرو وتنقُّلهُ مع أبيه بين الحجاز ومصر والشام، وعدم استقراره، وانشغاله في العبادة عن التحديث عن رسول الله ﷺ ، جعل ما رُوِيَ عنه أقل مِمَّا رُوِيَ عن أبي هريرة بكثير (٣).
وقد استكثر بعض الصحابة حديث أبي هريرة عن الرسول ﷺ ، حين كانت سياسة الصحابة الإقلال من حديث رسول الله ﵊ كيلا ينصرف الناس عن القرآن، وخوفاً من الخطأ والكذب على رسول الله ﷺ ، وروى عن عمر أنه أمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله، إلاَّ أنه عاد فسمح له حين عرف علمه ومكانته وورعه (٤).
وكان أبو هريرة يُبَيِّنُ أسباب كثرة حديثه فيقول:
«إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللهُ الْمُوعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ
رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ وَإِنَّ أَصْحَابِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَتْ تَشْغَلُهُمْ
стр. 114
أَرْضُوهُمْ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مِسْكِينًا، (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مَلْءِ بَطْنِي) (١) وَكُنْتُ أُكْثِرُ مُجَالَسَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْضُرُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَنَا يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ حَدِيثِي، ثُمَّ يَقْبِضُهُ إِلَيْهِ، فَلاَ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي أَبَدًا» فَبَسَطْتُ ثَوْبِي، - أَوْ قَالَ: نَمِرَتِي - ثُمَّ قَبَضْتُهُ إِلَيَّ، فَوَاللهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ (٢).
وكان يقول: «وَايْمُ اللهِ، لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَدًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾» (٣).
وكان يدعو الناس إلى نشر العلم، وعدم الكذب على رسول الله ﷺ ، من ذلك ما يرويه عن النبي ﵊، أنه قال: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) وعنه أيضاً: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (٥).
وكان أبو هريرة يقول: «مَنْ كَتَمَ عِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» (٦).
стр. 115
هكذا كان يشعر أبو هريرة أنَّ من واجبه أنْ يُفَقِّهَ الناس، ويعلمهم ما سمعه من الصادق المصدوق، ويرى هذا لزاماً عليه، لذلك لم يتوان في هذا المضمار ولم يقصر فيه، بل كان في طليعة المعلمين، سعى لنشر العلم، وأفتى الناس أكثر من عشرين سَنَةً، وكان طلاب العلم وأصحاب المسائل لا ينقطعون عنه، لعلمه الجم، وحفظه الجَيِّدِ، فقد كان من أعلم الصحابة بسُنَّة رسول الله ﷺ ، ويظهر لنا ذلك فيما حدث له مع عمر بن الخطاب ﵁: أَخَذَتِ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١).
ومن هذا ما رواه الوليد بن عبد الرحمن أنَّ أبا هريرة حَدَّثَ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَتَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ» فقال عبد الله بن عمر: «انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّكَ تُكْثِرُ مِنَ الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ »، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك، فقالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ!!» ثم قال: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، إِنَّمَا كَانَ يَهُمُّنِي كَلِمَةٌ من رَسُولِ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ لُقْمَةٌ يُطْعِمُنِيهَا» (٢). وفي رواية: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي
стр. 116
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ بِالوَادِي وَصَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ (١). فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٢).
وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله. وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه، حتى إنَّ بعض الصحابة رَوَوْا عنه لأنه سمع من النبي الكريم ﷺ ولم يسمعوا. من هذا أنَّ رجلاً جَاءَ إِلَى طَلْحَةَ (٣) بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتُكَ هَذَا اليَمَانِيَّ - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - أَهُوَ أَعْلَمُ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ مِنْكُم؟ نَسْمَعُ مِنْهُ أَشْيَاءَ لاَ نَسْمَعُهَا مِنْكُم؟ قَالَ: «أَمَّا أَنْ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ فَلاَ أَشُكُّ، سَأُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّا كُنَّا أَهْلَ بُيُوْتَاتٍ وَغَنَمٍ وَعَمَلٍ، كُنَّا نَأْتِي رَسُوْلَ اللهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ، وَكَانَ مِسْكِيْناً ضَيْفاً عَلَى بَابِ رَسُوْلِ اللهِ، يَدُهُ مَعَ يَدِهِ، فَلاَ نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَلاَ تَجِدُ أَحَداً فِيْهِ خَيْرٌ يَقُوْلُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ مَا لَمْ يَقُلْ» (٤). وقال في رواية: «قَدْ سَمِعْنَا كَمَا سَمِعَ، وَلَكِنَّهُ حَفِظَ وَنَسِينَا» (٥).
وَرَوَى أَشْعَثُ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ (الأَنْصَارِي) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَإِنِّي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي مَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ -» (٦).
стр. 117
ثم إنَّ جرأة أبي هريرة في سؤال الرسول ﵊، أتاحت له أنْ يعرف كثيراً مِمَّا لم يعرفه أصحابه، فكان لا يتأخَّرُ عن أنْ يسأله عن كل ما يعرض له، حيث كان غيره لا يفعل ذلك. قال أُبَيْ بن كعب: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَرِيئاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ نسَأَلُهُ عَنْهَا» (١). كما كان يسأل أصحابه الذين سبقوه إلى الإسلام.
فكان لا يتأخر عن طلب العلم، بل كان يسعى إليه في حياة الرسول ﷺ ، وبعد وفاته، وهو الذي يُرْوَى عنه ﵊: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢). وقد رأينا أبا هريرة يحب الخير ويعمل من أجله، فما أظنه عن خير من هذا النوع، وهو الذي صاحب رسول الله ﷺ لكلمة يعلمه إياها، ولحكمة يعظه بها.
ونراه بعد وفاة رسول الله ﷺ يجالس أصحابه يسألهم ويسألونه، حتى إنه كان يأتي إلى كل من يظن عنده بعض العلم، فقد جَاءَ إِلَى كَعْبٍ يَسْأَلُ عَنْهُ. وَكَعْبٌ فِي الْقَوْمِ. فَقَالَ كَعْبٌ: «مَا تُرِيدُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي». فَقَالَ كَعْبٌ: «أَمَا إِنَّكَ لَمْ تَجِدْ طَالِبَ شَيْءٍ إِلا سَيَشْبَعُ مِنْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ إِلا طَالِبَ عِلْمٍ أَوْ طَالِبَ دُنْيَا». فَقَالَ: «أَنْتَ كَعْبٌ؟». فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَ: «لِمِثْلِ هَذَا جِئْتُكَ» (٣).
وَلَقِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَعْبَ الأَحُبَارِ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، وَيَسْأَلُهُ، فَقَالَ كَعْبٌ: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً لَمْ يَقْرَأِ التَّوْرَاةَ أَعْلَمَ بِمَا فِيْهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ».
وكان أبو هريرة واسع العلم كثير الحديث، يُحَدِّثُ إخوانه وطلابه،
стр. 118
وَقَدْ يَقُوْلُ لَهُمْ: «رُبَّ كِيْسٍ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَفْتَحْهُ - يَعْنِي: مِنَ العِلْمِ -» (١).
وقال أبو هريرة: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ» (٢).
وَكَانَ يَقُولُ: «لَوْ أَنْبَأْتُكُمْ بِكُلِّ مَا أَعْلَمُ لَرَمَانِي النَّاسُ بِالْخَرْقِ وَقَالُوا أَبُو هُرَيْرَةَ مَجْنُونٌ» (٣). وفي رواية: «لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا فِي جَوْفِي لَرَمَيْتُمُونِي بِالْبَعْرِ». وَقَالَ الْحَسَنُ - رَوِاي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -: «صَدَقَ وَاللَّهِ .. لَوْ أَخْبَرَنَا أَنَّ بَيْتَ اللَّهِ يُهْدَمُ وَيُحْرَقُ مَا صَدَّقَهُ النَّاسُ» (٤).
وفي رواية قال: «يَقُولُونَ أَكْثَرْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَنْ لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَمَيْتُمُونِي بِالْقَشْعِ - يَعْنِي بِالْمَزَابِلِ - ثُمَّ مَا نَاظَرْتُمُونِي» (٥).
وأبو هريرة في هذا لا يكتم علماً ينتفع به، ويشهد على ذلك قوله السابق «مَنْ كَتَمَ عِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»، وهو الذي قال: «لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ» (٦).
مِمَّا سبق يتبيَّنُ لنا أنَّ أبا هريرة قد بَثَّ في الناس وعاء مِمَّا سمع من رسول الله ﷺ ، ولم يبث الوعاء الآخر خوفاً من أنْ يُكَذِّبَهُ الناس، أو يرموه بالقشع، أو يتهموه بالجنون .. وإنَّ المرء ليتساءل عن ذلك الوعاء الذي يحفظه أبو هريرة، ولا يُحدِّثُ منه، فما هو ذلك العلم الذي لم يبثه أبو هريرة؟ وترى هل خَصَّهُ رسول الله ﷺ دون الأُمَّة بذلك؟ نفهم من حديث أبي هريرة أنَّ الرسول الكريم ﵊ حَمَّلَهُ نوعين من العلم، كل نوع لو كتبه إنسان لكان جراباً كبيراً،
стр. 119
أحدهما بثه والثاني لم يبثثه، أما أنْ يكون رسول الله ﷺ قد اخْتَصَّ أبا هريرة بشيء من الأحكام، فغير معقول، لأنه ينافي تبليغ الرسالة، وأمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وهل ما اختصه به من الآداب؟ فبعيد جداً لأنَّ الرسول ﷺ ، إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومنعه ذلك عن الأمَّة ينافي تبليغ الرسالة أيضاً، فليس من المتصور أنْ يلقن الرسول الكريم، بعض ما يتعلق بالأخلاق والآداب أبا هريرة، ويترك الأمَّة من غير أنْ يفيدها بشيء من هذا، من هنا يتأكد لنا أنَّ الوعاء الثاني الذي لم يبثثه أبو هريرة لم يكن فيه ما يتعلق بالأحكام ولا بالآداب والأخلاق ويُرَجَّحُ أنْ يكون بعض ما يتعلق بأشراط الساعة، أو بعض ما يقع للأمَّة من فتن، وما يليها من أمراء السوء، وَيُقَوِّي هذا عندي أنَّ أبا هريرة، كان يكني عن بعض ذلك، ولا يصرِّحُ به خوفاً على نفسه مِمَّنْ يسيئه ما يقوله كقوله: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السِّتِّينَ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ» (٢) وقوله: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» (٣). كما كان يدعو «اللَّهُمَّ لاَ تُدْرِكْنِي سَنَةُ سِتِّينَ» (٤).
ولا بد من أنْ نُنَبِّهَ إلى أنه ليس في حديث أبي هريرة هذا، أي دليل على أنَّ للدين ظاهراً وباطناً، ولا يجوز لأحد أنْ يتَّخذه ذريعة لذلك، حتى ينتهي إلى التحلل من الدين ومخالفة أوامره.
وقد حرص أبو هريرة على أنْ يُحَدِّثَ الناس بما يعرفون، حتى لا يكذِّب اللهَ ورسولَهُ، إذا أخبر القوم بما لا تتصوَّره عقولهم (٥)، وقد
стр. 120
روى البخاري عن عَلِيٍّ ﵁ قوله: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» (١).
أجل لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً من أبي هريرة، ولكنه كان حذراً، لا يُحَدِّثُ إلاَّ بما ينتفع به الناس، ويخشى أنْ يُتَقَوَّلَ عليه ما لم يقل، أو أنْ يضع السامعون ما يُحدِّثُ به في غير مواضعه، لذلك أبى أنْ يُمْلِي على مروان بن الحكم حديثه كله، عندما طلب منه مروان - في ولايته على المدينة - أنْ يكتب حديثه. وقال له: أبو هريرة: ارْوِ كما روينا، فلما أبى عليه تحيَّنَ له مروان فرصة مناسبة، وأقعد له كاتباً ثقفاً، ودعاه، فجعل أبو هريرة يُحَدِّثُهُ، ويكتب ذلك الكاتب، حتى استفرغ حديثه، ثم قال مروان: «تَعْلَمُ أَنَّا قَدْ كَتَبْنَا حَدِيْثَكَ أَجْمَعَ؟»، قَالَ: «وَقدْ فَعَلْتَ!!؟» قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَاقْرَؤُوْهُ عَلَيَّ».فَقَرَأُوهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَمَا إِنَّكُمْ قَدْ حَفِظْتُمْ، وَإِنْ تُطِعْنِي تَمْحُهُ، - قَالَ الراوي -: «فَمَحَاهُ» (٢).
...
حفظ أبي هريرة:
رأيت أنَّ أُفْرِدَ هذه الفقرة، تحت عنوان «حفظ أبي هريرة» لنعرف ضبطه لما يرويه، ومقدار تثبُّته في حفظ حديث رسول الله ﷺ ، وَرُسُوخِ قدمه، وجلال قدره، وكان من الممكن إدراج هذا
стр. 121
فيما سبق مِمَّا ذكرته في كثرة حديثه وسِعَةِ علمه، إلاَّ أنَّ كثرة الحديث وسِعَةِ العلم قد لا تدلان على قوة الحفظ والاتقان، فقد يكون الراوي كثير الحديث غير ضابط لما يروى، فإذا اجتمع العلم الكثير، والحفظ المتقن، كان ذلكغاية ما يتمنَّى أولو العلم.
ونحن الآن بين يَدَيْ حفظ أبي هريرة راوية الإسلام، ومُحَدِّثِ الأُمَّة في القرن الأول، الذي حفظ على الأمَّة حديث رسول الله ﷺ ، كما قال عب الله بن عمر.
لقد دعا له رسول الله ﷺ بالحفظ، وبسط له رداءً كان على ظهره، وحدَّثَهُ، ثم أمره أنْ يضُمَّهُ إليه، فلم ينس بعد ذلك مِمَّا حدَّث رسول الله ﷺ شيئاً، وكان أبو هريرة، يدعو الله أنْ يهبه علماً لا ينسى، فأمن له رسول الله ﷺ .
وقد عرفنا حرصه على الحديث النبوي، حُبَّهُ العظيم للرسول الكريم، الذي وجد عنده الخير كله، فانكبَّ على طلب العلم، من بيت العلم ومنزل الوحي، ومعين المعرفة، وتعلَّق بهذا طيلة حياة الرسول ﷺ ، وبعد وفاته، فكان يحاول أنْ يعي كُلَّ ما يُحَدِّثُ به رسول الله ﷺ ، وفي ذلك يقول أبو هريرة: «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي، وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِّي فِيهِنَّ» (١).
فقد اجتمع لأبي هريرة عاملان عظيمان هُمَا حُبُّهُ للرسول الكريم وتعلقه به، واندفاعه وراءه في سبيل كلمة يعلِّمُهُ إياها، أو حكمة ينتفع بها، ونحن نعلم ما لهذا العامل النفسي من أثر بعيد في تثبيت تلك الأحاديث في نفس طالبها، والعامل الآخر هو دعاء رسول الله ﷺ له بالحفظ، وتشجيعه إياه على ذلك، ونحن نعلم ما لأثر المُرَبِّي والمُعَلِّمِ في توجيه طلابه وتفوُّقهم ونجاحهم، فكيف يكون توجيه معلم الإنسانية وتشجيعه، وخاصة من حيث إنه رسول رب العالمين!!؟ فقد تعاضد
стр. 122
هذان العاملان ليجعلا من أبي هريرة راوية الإسلام حافظ السُنَّة، وإني أومن بالأثر العظيم الذي تركه دعاؤه ﷺ في نفس أبي هريرة على طلب الحديث بنفس صافية وعزيمة قوية، وهِمَّةٍ عاليةٍ، أومن بذلك إيمان اليقين، وإنَّ سيرته وحياته تؤكِّدان ذلك.
وما كان أبو هريرة ليكتفي بما يسمع من رسول الله ﷺ ، في نهاره أو ليله، بل كان يراجع حديثه ﵊، ويُكرِّرُ في المسجد، وفي الطريق، وفي بيته، ليلاً ونهاراً، لأنه يرى في ذلك نوعاً من أنواع العبادة، قال أبو هريرة ﵁: «جَزَأْتُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: ثُلُثًا أُصَلِّي، وَثُلُثًا أَنَامُ، وَثُلُثًا أَذَكَرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
وهذا عامل ثالث من عوامل تثبيت الحديث في صدر أبي هريرة وحفظه، وذاك غاية ما يفعله المتعطِّشُون للعلم المُحِبُّون له، الساعون وراءه، فكيف بأبي هريرة الذي عرفنا عزيمته وإقدامه على حديث رسول الله ﷺ !؟.
ويذكر لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يُثْبِتُ اتقانه وحفظه، فيقول: «دَعَا مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَأَجْلَسَنِي خَلَفْ الْسَّرِيرِ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ، دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ» (٢)!!.
ومن هذا أيضاً أنه لقي رجلاً، فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ سُورَةٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي. فَقُلْتُ: أَلَمْ تَشْهَدْهَا؟
стр. 123
قَالَ لَهُ: بَلَى. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنِّي أَدْرِي، قَرَأَ بِسُورَةِ كَذَا وَكَذَا» (١).
وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم (٢).
...
حَضُّهُ على صيانة الحديث من الكذب:
أجل لقد كان أبو هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، ويحرص على نشره، ومع هذا فإنه كان حريصاً حرصاً شديداً على ألاَّ يدخل حديث رسول الله ﷺ ما ليس منه، وألاَّ يكذب أحد على الرسول الكريم، لهذا كان كثيراً ما يُحَذِّرُ الناس من ذلك، ويُنذرهم بعذاب الله تعالى، ويُذَكِّرَهُمْ بقول رسول الله ﷺ ، فَيَمُرُّ فِي السُّوقِ فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ .. مَنْ كَانَ يَعْرِفُنِي فَأَنَا الَّذِي عَرَفْتُمْ , وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٣).
...
أبو هريرة والقرآن الكريم:
مِمَّا لا شك فيه أنَّ أبا هريرة سمع القرآن الكريم من الرسول ﷺ كما سمع منه الحديث، وكان يتلو منه في أكثر أوقاته، وبخاصة في صلواته ليلاً، التي كان يُحْيِي به ثلث ليله (٤).
وعرض أبو هريرة القرآن الكريم على الصحابي الجليل أُبَيْ بن كعب سَيِّدُ القُرَّاء، وأخذ عنه: الأعرج، وأبو جعفر وطائفة (٥).
وكان أبو هريرة ﵁ شيخ شيوخ نافع صاحب القراءة المشهورة. قال ابن حزم ﵀: وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: الْقِرَاءَةَ الْمَعْرُوْفَةَ بِنَافِعٍ بْنِ أَبِيْ نُعَيْمٍ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. قَرَأَ عَلَىَ يَزِيدَ الْقَعْقَاعِ،
стр. 124
وَعَبَدَ الْرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، وَمُسْلِمٍ بْنِ جُنْدُبٍ الْهُذَلِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاحٍ. هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدَ الْلَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ بْنِ أَبِيْ رَبِيْعَةَ الْمَخْزُوْمِيِّ. هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ عَنْ أُبَيٍّ بْنِ كَعْب (١).
قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ مُسْلِمِ بنِ جَمَّازٍ: «سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْكِي لَنَا قِرَاءةَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٢) يُحَزِّنُهَا شِبْهَ الرِّثَاءِ» (٣).
قال الذهبي ﵀: «وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي " طَبَقَاتِ القُرَّاءِ "، ... وَذَكَرْتُهُ فِي " تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ "، فَهُوَ رَأْسٌ فِي القُرْآنِ، وَفِي السُّنَّةِ، وَفِي الفِقْهِ» (٤).
...
أبو هريرة والفتوى:
لم يكن أبو هريرة راوية للحديث فقط، بل كان من رؤوس العلم في زمانه، في القرآن والسُنَّة والاجتهاد، فإنَّ صُحبته وملازمته لرسول الله ﷺ ، أتاحت له أنْ يتفقَّهَ في الدين، ويشاهد السُنَّة العمليَّة، عظيمها ودقيقها، ويحفظ عن الرسول الكريم الكثير الطيب، فتكوَّنتْ عنده حصيلة كثيرة، من الحديث الشريف، وقد اطَّلع على حلول أكثر المسائل الشرعية، التي كانت تُعْرَضُ للمسلمين في عهده ﵊ كل ذلك هيَّأ أبا هريرة، لأنْ يفتي المسلمين في دينهم نيفاً وعشرين سَنَةُ، والصحابة كثيرون آنذاك. ويذكر لنا زياد بن مينا، أنه كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، مع أشباه لهم يفتون بالمدينة، ويُحَدِّثُونَ عن رسول الله ﷺ من لَدُنْ توفي عثمان إلى أنْ توفوا. قال: هؤلاء الخمسة إليهم صارت الفتوى (٥).
стр. 125
وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر، وأفتى فيها في مسألة المُطَلَّقة طلقة، ثم يتزوَّج بها آخر، ثم بعد الدخول فارقها، فتزوَّجها الأول. هل تبقى عنده على طلقتين - كما هو قول عمر وغيره من الصحابة، ومالك و الشافعي، وأحمد في المشهور عنه - أو تلغى تلك التطليقة، وتكون عنده على الثلاث، كما هو قول ابن عباس، وابن عمر وأبي حنيفة، ورواية عن عمر، بناء على أنَّ إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث، كما هدمت إصابته لها الثلاث.
فالأول مبنيٌّ على أنَّ إصابة الزوج الثاني، إنما هي غاية التحريم الثابت بالطلاق. فهو الذي يرتفع، والمطلَّقة دون الثلاث لم تحرم، فلا ترفع الإصابة منها شيئاً.
وبهذا أفتى أبو هريرة، فقال له عمر: «لَوْ أَفْتَيْتَ بِغَيْرِهِ، لأَوْجَعْتُكَ ضَرْباً» (١).
وقد سأله قوم يُحَرِّمُونَ عن مُحِلِّينَ أهدوا هلم صيداً، فأمرهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بذلك، فقال له: «لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ هَذَا، لأَوْجَعْتُكَ» (٢).
وقد أفتى أبو هريرة في مسائل دقيقة، مع مثل ابن عباس (٣) وعمل الصحابة ومن بعدهم ﵃ بحديث أبي هريرة، في مسائل كثيرة، تخالف القياس، كما عملوا كلهم بحديثه عن النبي ﷺ : «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا»، كما عمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما بحديثه، أنَّ «مَنْ أَكَلَ نَاسِياً، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ»، وهو مخالفف للقياس، كما عمل الإمام مالك بحديثه: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ» في غسل الإناء سبعاً، مع أنَّ القياس عنده: أنه لا يغسل لطهارته عنده (٤).
стр. 126
وهكذا تصدَّرَ أبو هريرة في المدينة للفتوى والاجتهاد يسأله الناس فيجيبهم، ويستفتونه فيُفتِيهم، ويستشهدونه على حديث رسول الله ﷺ فيشهد لهم. من هذا ما رواه البخاري بسنده عن أَبي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ (١).
ويسأله مروان بن الحكم عن صلاة رسول الله ﷺ على الجنائز فيجيبه (٢).
وعرف الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم منزلته ومكانته، فكانوا يحتجُّون بعمله واجتهاده، من هذا ما رواه الإمام مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» (٣).
ومن هذا أيضاً ما رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد، أنه قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ. فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٤).
وأختم هذا بما قاله الإمام مالك: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وأَبَا هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ. الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ. وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ (٥).
من هذا يتبيَّنُ لنا أنَّ أبا هريرة كان أحد أعلام الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -
стр. 127
عليهم جميعاً، في الفتوى والاجتهاد، وأنه لا يقل في ذلك عن عبد الله بن عمر، و عثمان بن عفان وغيرهما من كبار الصحابة، وأنه كثيراً ما كانت تتلاقى فتاواه بفتاوى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
ولسعة علمه، وإتقانه وحفظه، وفضله ومكانته، وورعه وتقواه كثر الناس عليه، في عصره ينهلون من علمه، ويعملون به، وبقي علماً لمن بعده يقتدى به ويهتدى بسيرته ..
وكان أبو هريرة في فتواه يقتدي بالرسول ﷺ ، ويحرص على تتبُّع حديثه ﵊ وأحكامه وفتاواه، من هذا ما رواه أبو داود بسنده عَنْ هِلالِ بْنِ أُسَامَةَ، أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ سَلْمَى مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجُلَ صِدْقٍ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعَهَا ابْنٌ لَهَا فَادَّعَيَاهُ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَرَطَنَتْ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ، زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، وَرَطَنَ لَهَا بِذَلِكَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي لا أَقُولُ هَذَا إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ»، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» (١).
стр. 128
ومن ذلك أيضاً ما رواه الإمام مالك، أنه بلغه عن المُقبري، أنه قال: سئل أبو هريرة عن الرجل تكون عليه رقبة، هل يعتق فيها ابن الزنا، فقال أبو هريرة: نعم ذلك يجزي عنه (١).
وسبق أنْ ذكرنا بعض نماذج من فتاواه، عندما تكلمنا عن تمسُّكه بالسُنَّة، وعن مجالسه.
وإنَّ المقام يضيق بنا عن حصر فتاواه ﵁، ولن نُفرِّط في القول فنّدَّعِي أنه كان من المكثرين في الفتيا، بل كان من المتوسطين في ذلك، كما ذكره الإمام محمد بن حزم، قال: «وَالْمُتَوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الْفُتْيَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ... فَهَؤُلاَءِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ مِنْ فُتْيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ صَغِيرٌ جِدًّا» (٢).
وقد جمع شيخ الإسلام تقي الدين السُبكي جزءًا سمَّاهُ " فتاوى أبي هريرة " (٣).
...
أبو هريرة والقضاء:
لم ينقل أنَّ أحداً من الخلفاء أو الأمراء وَلَّى أبا هريرة قضاء المدينة
стр. 129
أو غيرها، ولكن لا بد أنه نظر في بعض القضايا حينما ولي البحرين لعمر ﵁، والمدينة لمعاوية ومروان، وليس بعيداً أنْ يرجع إليه بعض المتخاصمين في قضية لم يقتنعا فيها بحكم القاضي، فيعيد النظر فيها، ذلك لأنه لم يكن منصب قاضي المظالم قد أفرد القاضي المظالم بعد، بل كان ينظر في المظالم الخليفة أو الأمير، ثم ما لبثت محكمة المظالم أنْ تبلورت في عهد عبد الملك بن مروان (١).
ولا شك في أنه إذا جاء إلى أبي هريرة متظلم أنصفه، لأنه كان مسؤولاً عن أمور رعيته أثناء إمارته.
ومع أنه لم ينقل إلينا أنه ولي القضاء لأحد، فإنَّ البلاذري يذكر أنه ولي قضاء البحرين (٢)، كما أننا نرى في بعض الأخبار أنه فصل في بعض القضايا، من هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ، فَقَالَ: لأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، «مَنْ أَفْلَسَ، أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٣).
...
شيوخه ومن روى عنه:
روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وروى عن بعض الصحابة منهم: أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، والفضل بن عباس بن عبد المطلب، وأُبَيُّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة أم المؤمنين، وبصرة بن أبي بصرة.
стр. 130
الصحابة الذين رَوَوْا عنه:
منهم ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد الله الأنصاري (١)، وأبو أيوب الأنصاري (٢).
التابعون الذين رَوَوْا عنه:
لقد رُوِيَ عن أبي هريرة خلق كثير فيهم أئمة التابعين، وأعلامهم في الحديث والفقه، منهم إبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ الزهري - ويقال: عبد الله بن إبراهيم - وإسحاق مولى زائدة، وأسود بن هلال، وأغر بن سليك، والأغر أبو مسلم، وأنس بن حكيم، وأوس بن خالد، وبُسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبشير بن كعب، وبعجة بن عبد الله الجُهيني، وبكير بن فيروز، وثابت بن عباس، وثابت بن قيس الرزقي، وثور بن غفير، وجبر بن عُبيدة، وجعفر بن عياض، وجمهان (٣) الأسلمي، والجلاس، والحارث. والحارث بن مخلد، وحريث بن قُبيصة، والحسن البصري، وحصين بن اللجلاج - ويقال: خالد. ويقال: قعقاع - وحصين بن مصعب، وحفص بن عامر بن عمر، وحفص بن عبد الله بن أنس، والحكم بن مينا، وحكيم بن سعد، وحميد بن عبد الرحمن الزُهري، وحميد بن عبد الرحمن، وحميد بن مالك، وحنظلة بن علي، وحيان بن بسطام والد سليم.
وخالد بن عبد الله، وخالد بن غلاق، وخباب صاحب المقصورة، وخلاس، وخيثمة بن عبد الرحمن.
وذهيل بن عوف.
وربيعة الجرشي، ورميح الجذامي.
وزرارة بن أوفى (٤)، وزفر بن صعصعة - بخلف - وزياد بن ثوب،
стр. 131
وزياد بن رباح، وزياد بن قيس، وزياد الطائي، وزيد بن أسلم - مرسل - وزيد بن أبي عتاب.
وسالم العمري، وسالم بن أبي الجعد، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى البصريين، وسُحيم الزهري، وسعد بن هشام، وسعيد بن الحارث، وسعيد بن أبي أبي الحسن، وسعيد بن حيان، وسعيد المقبري، وسعيد بن سمعان، وسعيد بن عمرو الأشدق، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن ابي هند، وسعيد بن يسار، وسليمان الأغر، وسلمة بن الأزرق، وسلمة الليثي، وسليمان بن حبيب المحاربي، وسليمان بن سنان، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان.
وشتير - وقيل سمير بن نهار -، وشداد أبو عمار، وشريح بن هانئ، وشفيُّ بن ماتع، وشقيق بن سلمة، وشهر بن حوشب، وصالح بن درهم، وصالح بن أبي صالح، وصالح مولى التوأمة، وصعصعة بن مالك، وصهيب العتواري.
والضحاك بن شرحبيل، والضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم، وضمضم بن جوش، وطارق بن مخاشن ... وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وعامر بن سعد البجلي، وعامر الشعبي ... وعبد الله بن عُتبة الهذلي، وعبد الله بن عمرو القاري، وعبد الله بن فروخ، ... وعبد الرحمن بن ابي عمرة، وعبد الرحمن بن غنم، وعبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، وعبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن مروان، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ... وعروة بن الزبير ... وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي علقمة، وعطاء بن يسار ... وعمار بن أبي عمار مولى بني هاشم، وعمر بن الحكم بن رافع، وعمر بن خلدة قاضي المدينة، وعمر بن دينار ... وعنبسة بن سعيد بن العاص ... وعوف بن الحارث رضيع عائشة.
والقاسم بن محمد، وقُبيصة بن ذؤيب ... وكثير بن مرة، والمحرر بن أبي هريرة ... ومحمد بن سيرين ... ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد
стр. 132
ابن مسلم الزُهري - ولم يلحقه - ومحمد بن المنكدر، ومروان بن الحكم، ومضارب بن حزن، ومكحول - ولم يره - ... وميمون بن مهران، ومينا مولى عبد الرحمن بن عوف، ونافع بن جُبير، ونافع بن عباس مولى أبي قتادة، وهمام بن منبه، الذي أملى عليه أبو هريرة صحيفته المشهورة ...
ويحيى بن جعدة، ... ويحيى بن أبي صالح، ... ويزيد بن هرمز ... ويعلى بن مرة، ويوسف بن ماهك.
وأبو إدريس الخولاني، وأبو إسحاق مولى بني هاشم، ... وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو جعفر المدني - فإنْ كان الباقر فمرسل - ... وأبو رزين الأزدي، وأبو زرعة البجلي، وأبو سعيد المقبري، ... وأبو صالح السمان، ... وأبو عثمان النهدي، ... وأبو مدله مولى عائشة، وأبو يونس مولى أبي هريرة ... وابن مكرز - شامي -، وكريمة بنت الحسحاس، وأم الدرداء الصغرى، وآخرون كثيرون، وهؤلاء بعض من روى عن أبي هريرة، وأحاديثهم في " الكتب الستة " (١).
قَالَ الْبُخَارِيُّ: «رَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» (٢).
...
عدة ما رُوِيَ عنه من الحديث:
سبق أنْ ذكرت أنَّ أبا هريرة أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله ﷺ ، ولن نستغرب هذا بعد أنْ عرفنا حُبَّهُ وملازمته للرسول ﷺ ، وحُبَّهُ للعلم، وحرصه على طلب الحديث، وجرأته في السؤال، وتكراره ومذاكرته حديث رسول الله ﷺ ، في كل فرصة تسنح له، وجِدُّهُ واجتهاده ونشاطه، ولن نستغرب كثرة ما رُوِيَ عنه، بعد أنْ عرفنا حرصه على نشر الحديث وتبليغه،
стр. 133
وحَضِّهِ الأمَّة على التمسك بالسُنَّة النبوية، واقتداءه بالرسول ﷺ في جميع أحوله، وتحديثه في الشام والعراق والبحرين، والحجاز، وبعد أنْ عرفنا منزلته ومكانته وفضله، وكثرة الرُواة عنه، لهذا كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وكان محل عناية وتقدير واحترام من جميع المسلمين قديماً وحديثاً.
وقد أخرج أحاديثه كثير من أئمة الحفاظ، فأخرج له أصحاب المسانيد، والصحاح، والسُنن، والمعاجم، والمصنَّفات، وما كان من كتاب معتمد في الحديث، إلاَّ فيه أحاديث عن الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁.
وتتناول أحاديثه معظم أبواب الفقه: في العقائد، والعبادات، والمعاملات، والجهاد، والسير، والمناقب، والتفسير، والطلاق، والنكاح، والأدب، والدعوات، والرقاق، والذكر والتسبيح ... وغير ذلك.
روى الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " [٣٨٤٨] حديثاً وفيها مُكَرَّرٌ كثير باللفظ والمعنى، ويصفو له بعد حذف المُكَرَّرٌ خير كثير (١).
وروى له الإمام بقي بن مَخْلَدْ (٢٠١ - ٢٧٦ هـ) في " مسنده " [٥٣٧٤] خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً (٢).
وروى له أصحاب " الكتب الستة " والإمام مالك في " موطئه " [٢٢١٨] ألفي حديث، ومائتين وثمانية عشر حديثاً مِمَّا اتَّفقوا عليه وانفردوا به (٣).
له في " الصحيحين " منها [٦٠٩] ستمائة وتسعة أحاديث، اتفق الشيخان: الإمام البخاري، والإمام مسلم عن [٣٢٦] ثلاثمائة وستة وعشرون حديثاً
стр. 134
منها. وانفرد الإمام البخاري بـ[٩٣] بثلاثة وتسعين حديثاً، ومسلم بـ[١٩٠] بتسعين ومائة حديث (١).
وعلى هذا يكون له في " السنن الأربعة " وفي " موطأ الإمام مالك [١٦٠٩] ألف وستمائة وتسعة أحاديث. مِمَّا اتَّفقوا عليه وانفردوا به.
وكان الحافظ أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي البصري (- ١٦٢ هـ) قد صنَّف مسنداً كبيراً ما صُنِّفَ مسند أحسن منه - لكنه لم يُتِمّضهُ - وقيل إنَّ نسخة لمسند أبي هريرة عنه شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء (٢).
وقد جمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري المُتَوَفَّى سَنَةَ (٢٨٢ هـ) مسند أبي هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا (٣).
وقد أفرد الإمام الحافظ مسند الدنيا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ) مسند أبي هريرة في مصنف (٤).
بعد هذا نذكر نماذج من مروياته وبالله التوفيق.
نماذج من مروياته:
لقد عرفنا كثرة حديث أبي هريرة، وعرفنا قوة حفظه وضبطه وإتقانه، وكنتُ أتمنَّى لو يتَّسع المقام لدراسة مروياته في أمهات كتب السُنَّة، وموازنة طرقها ومناقشتها، ومقارنتها بمرويات غيره من الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً - لما في ذلك من فائدة علمية عظيمة، تزيدنا ثقة برواية الإسلام وحفظه وإتقانه وسِعَةِ علمه، ولكن هذه الدراسة تحتاج إلى عشرين مجلداً أو يزيد، وإذا كان من الصعب القيام بهذه الدراسة على صفحات هذا الكتاب، فإننا لن نحرم من عرض نماذج مِمَّا رواه عن الرسول ﷺ .
стр. 135
مِمَّا أخرجه له أشهر الحفاظ في كتبهم. وسأكتفي بعرض ثلاثة أو أربعة أحاديث، مِمَّا أخرجه له كل إمام من أئمة الحفاظ في مُصَنَّفِهِ متوخِّياً في هذا تناول عدة أبواب من تلك الكتب، ومع هذا فإنَّ هذه النماذج لا تعدو صورة مُصَغَّرة جداً لمرويات أبي هريرة.
١ - مِمَّا أخرجه الإمام مالك في " الموطأ ":
مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (١).
مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» (٢).
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا» (٣).
حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (٤).
...
أصح الطرق عن أبي هريرة:
حكى عن ابن المديني أنه من أصح المسانيد (إطلاقاً) حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة (١).
وقال سليمان بن داود: «أصح الأسانيد كلها يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة» (٢).
وأصح ما يروى من الحديث عن أبي هريرة ما جاء عن:
الزُهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
أبي الزناد، عن الأعرج - عبد الرحمن بن هُرمُز - عن أبي هريرة.
ابن عون، وأيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (٣).
ونضيف إلى هذه الأسانيد ما خرَّجه الشيخ أحمد محمد شاكر واعتبره من أصح ما رُوِيَ عن أبي هريرة لمكانة الرُواة وثناء العلماء عليهم، ولإمامتهم في هذا العلم. وهي:
مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة.
إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة.
معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة (٤)
...