← Тараджим

Тараджим · id 29967

أبو هريرة راوية الإسلام

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (265 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[ج] أبو هريرة وعَلِيٌّ بن أبي طالب ﵄ -: لم يحمل مصدر موثوق بين دفَّتيه ما يثبت أنَّ عَلِيًّا ﵁ كَذَّبَ أبا هريرة أو نهاه عن التحديث، إلاَّ أنَّ بعض أعداء أبي هريرة يستشهدون برواية عن أبي جعفر الإسكافي أنَّ عَلِيًّا لما بلغه حديث أبي هريرة قال: «أَلاَ إِنَّ أَكْذَبَ النَّاسِ - أَوْ قَالَ أَكْذَبَ الأَحْيَاءِ - رَسُولِ اللَّهِ أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ» (١). هذه رواية ضعيفة مردودة لأنها من طريق الإسكافي وهو صاحب هوى دَاعٍ إلى هواه غير ثقة. ومنها ما أروده النَظَّام على أبي هريرة أنَّ عَلِيًّا بلغه قول أَبِي هُرَيْرَةَ: «قَالَ خَلِيلِي، وَحَدَّثَنِي خَلِيلِي» فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «مَتَى كَانَ النَبِيُّ خَلِيلُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» (٢). ومن الغريب أنَّ عبد الحُسين ينقل هذا في كتابه ويعزوه إلى ابن قتيبة (٣)، بينما ينقله ابن قتيبة عن النظَّام ليرُدَّ عليه، وهذا خطأ كبير، إنْ لم يكن تدليساً لا يغتفر مثله مِمَّنْ ادَّعَى البحث العلميَّ والذوق الفني. وَرَدَّ ابن قتيبة قول النظَّام بما مُلخَّصُهُ: أنَّ الخُلَّة بمعنى المصافاة والصداقة درجتان إحداهما ألطف من الأخرى، فمن الخلة التي هي أخص قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٤). وقول رسول الله ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً». وأما الخلة التي تعم هي الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين فقال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٥).

стр. 212

فَعَلِيٌّ ﵁ يقصد النوع الأول فأنكر عليه قوله لأنَّ رسول الله ﷺ لم يتَّخّ خليلاً من هذا النوع ولو اتَّخذ لاتَّخذ أبا بكر ﵁، وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين، والولاية فإنَّ رسول الله ﷺ من هذه الجهة خليل كل مؤمن ووَلِيُّ كل مسلم (١). وهل في هذا تكذيب لأبي هريرة!؟. ومن أعجب ما رأيت في هذا الباب ما ادَّعاهُ النظَّام إذ قال: «وَبَلَغَ عَلِيًّا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَبْتَدِئُ بِمَيَامِنِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي اللِّبَاسِ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَبَدَأَ بِمَيَاسِرِهِ، وَقَالَ: لأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» (٢). وقد نقل هذا الخبر عبد الحُسين، ومِمَّا يؤسف له أنه عزاه إلى ابن قتيبة (٣)، وابن قتيبة بريء منه إنما أورده للردِّ على النظَّام، وهكذا نعود ثانية فنكشف عن عدم الأمانة العلمية التي ثبتت على المؤلف في أكثر من موضع. هل يقبل إنسان يحب عَلِيًّا ﵁، ويرى فيه إمام أهل البيت وحامل راية الحق، وأمير المؤمنين الذي «مع القرآن والقرآن مع عَلِيٍّ لن يفترقا حتى يَرِدَا الحوض على رسول الله، وعَلِيٌّ مع الحق والحق مع عَلِيٍّ يدور معه كيف دار» (٤). هل يقبل إنسان يؤمن بهذا أنْ يصدر عن إمامه مثل هذا الخبر؟. بل هل يُصَدِّقُ مثل تلك الرواية؟. وأغرب من هذه وتلك أنه يورد هذه القصة ليستشهد بها على طعن أمير المؤمنين عَلِيٌّ ﵁، وإنَّ عَلِيًّا بريء من هذا الحادثة، وإني لأؤكد أنَّ هذه الرواية موضوعة وقد صنعتها يد أعداء أمير المؤمنين، بل إنَّ كل من يدَّعِي صحتها نشك في حُبِّهِ لعَلِيٍّ ﵁. وهو الذي ثبت عنه في الصحاح: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، ... فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلا أَتَوَضَّأُ لَكَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -

стр. 213

قُلْتُ: بَلَى، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ: " فَوُضِعَ لَهُ إِنَاءٌ ... ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدَهُ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ (١). وهذا الخبر صحيح يعارض الخبر السابق الضعيف. وإنَّ من الخطأ الذي لا يغتفر، أنْ ينساق المرء وراء ميوله وأهوائه، حتى ينتهي إلى ما يخالف به أصوله وسيرة قدوته. ويستشهد بما يطعن في مرشده ومعلمه، لقد ثبت تمسك عَلِيٍّ ﵁ بسُنَّة رسول الله ﷺ ، فهل يعقل أنْ يخالف سُنَّة الرسول الكريم، لأنه يسيء الظن بأبي هريرة؟ لا يقول هذا أحد قط وإنْ قاله فهو من أعداء عَلِيٍّ ﵁ لا من شيعته. فكان من الخير لعبد الحسين الذي يدَّعي أنه من أتباع المؤمنين أنْ يَعَضَّ على حجر، أو على جمرة حتى يحترق لسانه من أنْ يستشهد بما يخالف الحقيقة والتاريخ. ... [د] أبو هريرة وعائشة: لقد طال العهد بعائشة أم المؤمنين وبأبي هريرة، فاحتاج الناس إليهما كثيراً، فروى عنهما من الحديث ما لم يرو عن غيرهما، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتصدُّقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت (٢) على أبي بكر وعمر وعثمان وعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة ... وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يفتي بها المسؤول، كما استدرك غيرها عليها، كما أنها كانت توجه من يسألها أحياناً إلى من هو أعرف منها في تلك المسألة، وقد ثبت أنها وجَّهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ ﵄ (٣)، وفي كل هذا لم يشعر

стр. 214

الصحابة بغضاضة أو حرج، لأنَّ هدفهم واحد، وهو تطبي الشريعة، وما كان الصحابة يُكَذِّبُ بعضهم بعضاً. إلاَّ أنَّ من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة من النقاش العلميِّ، أو التثبت في الحديث، وجعلوا منه مادة طيبة ينفذون من خلالها إلى مآربهم، ويحقِّقُون غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأنَّ الأمَّة لم تعدم العلماء المخلصين، والساهرين النابهين، الذي بَيَّنُوا الحق من الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه. ومِمَّا أخذه النظَّام على أبي هريرة حديث: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» (١) وإليكم الحديث كما رواه مسلم قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُصُّ (و) يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ». قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (فَذَكَرَهُ) (٣) - لأَبِيهِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ» قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ (٤)، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ: قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 215

قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا: فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ. فهل هذا ينتقص من عدالة أبي هريرة؟ إنَّ عائشة وأم سلمة لم تقولا فيه شيئاً بل رَوَتَافعل رسول الله ﷺ وصومه. ثم إنَّ أبا هريرة عندما بَلَّغُوهُ قول عائشة وأم سلمة، تأكد منهم «أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟»، لم يتأخَّر عن أن يقول: «هُمَا أَعْلَمُ» ويُبَيِّنُ لهم مِمَّنْ سمع ذلك. فأبو هريرة أمين في ذلك كله، إنه لم يُصَّرِّحْ في حديثه قط أنه سمع (١) ذلك من رسول الله ﷺ ، بل كان يقص على الناس ويفتيهم، ومع هذا فإنَّ لقول أبي هريرة وجهات يمكن أنْ أبيِّنها. أولاً: أنْ يكون قوله محمولاً على النسخ، وذلك أنَّ الجماع كان في أول الإسلام محرماً على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أنْ يغتسل أنْ يصوم ذلك اليوم، لارتفاع الحظر، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع من عائشة وأم سلمة صار إليه (٢). ثانياً: أنْ يكون حديث أبي هريرة هذا خاصاً بمن تجنَّب من الجماع

стр. 216

بعد طلوع الفجر فإنه يؤمر بالإمساك، ولا يعتدُّ له بصوم ذلك اليوم (١). ثالثاً: حمل حديث أبي هريرة على كمال الصوم، وأنه إرشاد إلى الافضل وهو الاغتسال قبل الفجر، وقد تركه رسول الله ﷺ لذلك في حديث عائشة وأم سلمة، لبيان الجواز (٢). وبالرأي الأول أقول وإليه أذهب، وإني أراه أقوى الأوجه علماً بأنَّ الرأي الثالث يوفق بين الحديثين من غير أنْ يكون هناك ناسخ ومنسوخ. ذلك هو الحديث ووجهه، إلاَّ أنَّ أَبَا رِيَّة، بعد أنْ ذكر قول عائشة ﵂، ورجوع أبي هريرة. قال: «فلم يسعه إزاء ذلك إلاَّ الإذعان والاستحذاء!! وقال: إنها أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي ﷺ ، وإنما سمعته من الفضل بن العباس، فاستشهد ميتاً، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله ﷺ ، كما قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث "» (٣). نأخذ على أَبِي رِيَّة في هذا التعليق أمرين: الأول: لم يستشهد أبو هريرة ميتاً بل ثبت أنه عزا الحديث إلى الفضل بن العباس، وإلى أسامة بن زيد (٤)، في رواية. وأسامة بن زيد توفي سَنَةَ [٥٤] وفي قول [٥٨ أو ٥٩] والحادثة وقعت في ولاية مروان على المدينة، وكانت قبل سنة [٥٧]، فمن المحتمل أنْ تكون وقعت في حياة أسامة بن زيد قبل سَنَةِ [٥٤]، وإن كانت وفاته على الرواية الثانية فإنها تؤكِّدُ لنا وقوع الحادثة في حياة أسامة، فلا يكون أبو هريرة قد استشهد ميتاً، كما قال أَبُو رِيَّة. الثاني: أنَّ أَبَا رِيَّة عزا الرواية إلى ابن قتيبة، إلاَّ أنَّ القائل هو النَظَّام،

стр. 217

وابن قتيبة بريء من أنْ يفتري على أبي هريرة، إنما ساق قول النَظَّام ليرد عليه: (انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص ٢٨) ومن يتهاون في نسبة الآراء إلى أصحابها على هذا النحو - هل يؤتمن في قول؟ أو يقبل قدحه في أبي هريرة؟!. وأما قول مروان لعبد لرحمن: «عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ». فإنَّ مروان يريد أنْ ينتقم ويثأر لنفسه من أبي هريرة، الذي رَدَّ عليه رَدًّا مُفحماً، حين عارض في دفن الحسن إلى جوار جده، ولعله أراد أنْ يرده إلى الصواب والحق. وليس في كل ما سبق ذكره أي دليل على تكذيب أبي هريرة ﵁، ومنها أنه روى حديثاً في النهي عن المشي بالخف الواحد فبلغ ذلك عائشة فمشت بخف واحد، وقالت: «لأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» (١). فالحديث احتجَّ به النظَّام ليطعن في أبي هريرة، وَرَدَّ ابن قتيبة عليه افتراءه. وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها دخلت في خفها حسكة فمشت في خف واحد وقالت: «لأُحَنِّثَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ... إِنَّهُ يَقُولُ لاَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلاَ خُفٍّ وَاحِدٍ» (٢). هذه الرواية تبيِّنُ سبب مشيها في الخف الواحد. وأما قولها: «لأُحَنِّثَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» فإنه لا يتجاوز باب المزاح والمرح، الذي عُرِفَ به الصحابة. وقد أخرج حديث (النهي عن المشي في خف أو نعل واحدة) الشيخان، كما رواه مسلم عن جابر. ورواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (٣). ويُرْوَى عن عائشة من طريق مندل بن علي بن ليث بن أبي سليم: «أنَّ رسول الله ﷺ ، رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ (٤) نَعْلِهِ فَمَشَى فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ»، ومندل وليث ضعيفان لا حُجَّة فيما نقلا منفردين (٥).

стр. 218

وقد رُوِيَ عنها أنها مشت في خف واحد وقالت: «لأُخُشَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ» (١) فعائشة لم تُكَذِّبْ أبا هريرة، وإنْ صحَّ عنها ما روي من مخالفته فهو مجرد رأي، والرأي لا يعارض السُنن، ثم إنَّ أبا هريرة لم يتفرَّدْ بالحديث. ومن هذا ما رواه ابن شهاب أنَّ عُروة بن الزبير حدَّثه أنَّ عائشة قالت: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٢) فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه وعدم تَرَيُّثِهِ. إنَّ إنكار عائشة ﵂ على أبي هريرة لم يكن مُوَجَّهاً إلى ما يُحَدِّثُ به، إنما أنكرت عليه أنْ يسرد حديث رسول الله ﷺ . ويظهر هذا فيما رُوِيَ عنها: إِنَّمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ» (٤). ولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وبيَّنَتْ، وهي الجريئة الصريحة، فأبو هريرة لم يَكْذِبْ على رسول الله ﷺ ، ولم يخطئ أثناء تحديثه حتى تُكَذِّبَهُ عائشة، فكل ما كان منه أنه كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضير أبا هريرة إذا كان مُتَيَقِّظاَ متنبِّهاً عارفاً لما يروي؟!. قال أبو حاتم بن حبان: «قَوْلُ عَائِشَةَ: " لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ " أَرَادَتْ بِهِ سَرْدَ

стр. 219

الْحَدِيثِ لاَ الحَدِيثَ نَفْسَهُ» (١). قال ابن حجر: واعتذر «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْمَحْفُوظِ فَكَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمَهَلِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ» (٢). ومن العجيب أنَّ بعض الكُتَّابِ الذين ناصبوا أبا هريرة العداء، يستشهدون ببعض الأخبار الضعيفة أو الثابتة التي تدل على خلاف بين أبي هريرة والصحابة، ولا يتعرَّضون للروايات التي تُبَيِّنُ صدقه وأمانته وثناء الصحابة عليه، فهم دائماً ينظرون إليه من جانب واحد ويتناسون الجانب الآخر الذي يُبَيِّنُ علمه ومنزلته بين أصحابه. وجميع ما استشكله هؤلاء قد أجيب عنه إجابة علمية مقنعة، ولولا ضيق المقام، لذكرت جميع ما دار بين عائشة وأبي هريرة ﵄، فحديث «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ» حَلَّلَهُ وأجاب عنه الزركشي وبَيَّنَ الأحاديث المروية في ذلك وبَيَّنَ أنَّ أبا هريرة لم ينفرد به، بل ذكر أيضاً ما يعارضه وبَيَّنَ أنه لا مأخذ على أبي هريرة (٣) كما بَيَّنَ قول أبي هريرة «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا اغْتَسَلَ وَمَنْ حَمَلَهُ تَوَضَّأَ» (٤). ولا بد لي من أنْ أُنْهِي هذه الفقرة عن موقف عائشة من أبي هريرة بمناقشة صاحب كتاب " أضواء على السُنَّة " فيما قاله، قال: «ولما قالت له (لأبي هريرة) عائشة: إنك لتُحَدِّثُ حديثاً ما سمعته من النبي ﷺ أجابها بجواب لا أدب فيه، ولا وقار: إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري وابن كثير وغيرهم: شغلك عنه ﷺ المرآة والمكحلة! وفي رواية - ما كانت تشغلني

стр. 220

عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك!!! على أنه لم يلبث أنْ عاد فشهد بأنها أعلم منه وأنَّ المرآة والمكحلة لم يشغلاها» (١). إنَّ القصة التي يشير إليها الكاتب رواها ابن سعد عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: «إِنَّكَ لَتُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «يَا أُمَّهْ! طَلَبْتُهَا وَشَغَلَكِ عَنْهَا الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ وَمَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْهَا شَيْءٌ» (٢). وروى الذهبي القصة من طريق إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: دَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهُ: «أَكْثَرْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ». قَالَ: «إِيْ - وَاللهِ - يَا أُمَّاهُ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المِرْآةُ وَلاَ المُكْحُلَةُ وَلاَ الدُّهْنُ». قَالَتْ: «لَعَلَّهُ» (٣). وروى نحو هذا ابن عساكر وابن كثير (٤). هل خرج أبو هريرة عن حدود الأدب مع السيِّدة عائشة ﵂!؟ إنه يدافع عن نفسه عندما استكثرت ما يُحَدِّثُ به، فبيَّن لها أنه كان يطلب الحديث وأنها شغلت عما استكثرته من أبي هريرة بحياتها المنزلية، وهو شأن كل امرأة في بيت الزوجية، عليها مسؤوليات كثيرة لا تتيح لها أنْ تسير مع زوجها في كل مكان، أو ترافقه في جميع أنواع حياته.

стр. 221

فلم تُكَذِّبْهُ السيِّدة أم المؤمنين، بل قالت: «لَعَلَّهُ». ونرى الروايات تعيد الضمير في قوله: (شغلك عنه) إلى كثرة الحديث ولكن أَبَا رِيَّةَ أعاده للرسول ﷺ ، لِيُصَوِّرَ شناعة قول أبي هريرة وكيف رأى أدبه خروجاً على الأدب والوقار؟ وهذا لا يليق بالبحث العلمي. أما قوله بعد ذلك (أنه لم يثبت أنْ عاد فشه بأنها أعلم منه). فهذا غير صحيح ولا يقوله إلاَّ متحامل، لأنه لا يوجد أي تعارض بين الروايتين، فهذه القصة تتناول حفظ أبي هريرة وكثرة حديثه، ولم يتراجع أبو هريرة عما رواه، بل سَمِعَتْ منه عائشة دفاعه عن نفسه واقتنعت بما قال. وهناك ما يثبت أنَّ السيِّدة عائشة أم المؤمنين ﵂ لم تنكر على أبي هريرة ﵁ كثرة ما يَرْوِي بل صَدَّقَتْهُ، فقد روى الرامهرمزي بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: «أَدْنُوهُ مِنِّي»، فَأَدْنُوهُ فَقَالَتْ: «أَذَكَّرْتَنِي شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١). وأما القصة الثانية «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ عَلَيْهِ» وتراجع أبي هريرة فقد بيَّنتُ فيما سبق وجهتها، ولا شك أنَّ عائشة أعلم بهذا منه، لأنَّ هذا خاص لم يطَّلِعْ عليه أبو هريرة، فهل في دعوته عن رأيه تكذيب من عائشة له؟ ثم من تعمق في البحث يجد أنَّ أبا هريرة عاد عن فتواه التي بناها على ما أخبره به الفضل بن العباس في رواية وأسامة بن زيد في رواية أخرى. وأنَّ رجوعه هذا لم يكن رجُوعاً عن حديث حَدَّثَ به (٢).

стр. 222

وهذه الأفضلية لأبي هريرة يشكر عليها، لأنه تمسَّك بالحق وعدل عن رأيه. ثم إنَّ السيدة عائشة لم تكن معارضة لأبي هريرة دائماً بل ناصرته في مواقف كثيرة، قالت: «صَدَقَ أَبُو هَرَيْرَةُ»، وقد مَرَّ بنا شيء من هذا في ترجمته وسَيَمُرُّ بعض ذلك فيما يلي. ... [هـ] أبو هريرة وعبد الله بن عمر: عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ الله بن عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ المَقْصُورَةِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله بن عُمَرَ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أبو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ». فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالَتْ، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصَى الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «صَدَقَ أبو هُرَيْرَةَ». فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» (١). وضاق أهل الأهواء ذَرْعاً بحديث أبي هريرة، وحاولوا جَرْحَهُ بكل وسيلة إلاَّ أنهم لم يفلحوا في ذلك. من هذا ما رواه أبو القاسم البلخي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ , أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ» فَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ». قَالَ: «إِنَّ لأِبي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» (٢). واستشهد بهذا صاحب كتاب " أبو هريرة " (٣) مُستدلاًّ به على نقد الصحابة لأبي هريرة.

стр. 223

وذكر الأستاذ أحمد أمين هذا الحديث في معرض كلامه عن عدم توسُّع المُحَدِّثِينَ في النقد الداخلي للأحاديث، وعدم تعرُّضهم كثيراً لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع، وعدم تَعَرُّضِهِمْ كثيراً لبيئة الراوي الشخصية، وما قد يحمله منها على الوضع وهكذا ... ثم قال: ومن هذا القبيل (١) ما يروى عن ابن عمر وساق الحديث: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» قالوا: كان أبو هريرة يروي هذا الحديث هكذا «إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فيزيد كلب زرع. فَقِيلَ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لأِبي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»، وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي. وهناك أشياء منثورة من هذا القبيل، ولكنها لم تبلغ من الكثرة والعناية مبلغ النقد الخارجي» (٢). لقد تسرَّع هؤلاء في الحكم على أبي هريرة وعلى حديثه، وحملوا كلام ابن عمر على أنه طعن في أبي هريرة، والواقع غير ما ذهبوا إليه، وليس في قول ابن عمر تكذيب لأبي هريرة، فكل ما في الأمر أنَّ أبا هريرة حفظ هذا الحديث لأنَّ عنده زرعاً. وهذا ما ذهب إليه النووي في شرحه للحديث. وقال ابن عساكر: «قَوْلٍ ابْنِ عُمَرَ هَذَا (إِنَّ لأِبي هُرَيْرَةَ زَرْعًا) لَمْ يُرِدْ بِهِ التُّهْمَةَ لأََبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنََّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَفِظَ ذَلِكَ لأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَصَاحِبُ الحَاجَةِ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا ... أَبُو سُلَيْمَانَ أَحْمَدَ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ قَالَ: قَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَسُرُّهُ فِي قَوْلِهِ ولَمْ يُوَفَّقْ بِحُسْنِ الْظَّنِّ بِسِعَة، أَنَّ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا أُخْرِجَ قَولُهُ هَذَا مَخْرَجً الْطَّعَنِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَّهُ ظَنَّ بِهِ الْتَّزَيُّدَ فِي الرِّوَايَةِ لِحَاجَةٍ كَانَتْ إِلَى حِرَاسَةٍ الزَّرْعِ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْوِيهِ لاَ يَذْكُرُ فِيْهِ كَلْبَ الزَّرْعِ، قَالَ أَبُوْ سُلَيْمَانَ: ... وَإِنَّمَا ذَكَرَ

стр. 224

ابْنُ عُمَرَ هَذَا تَصْدِيْقاً لِقَوْلِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ، وَتَحْقِيقاً لَهُ، وَدَلَّ بِهِ عَلَىَ صِحَّةِ رِوَايَتِهِ وَثُبُوْتِهَا، إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ صَدَقْتَ حَاجَتَهُ إِلَىَ شَيْءٍ كَبُرَتْ عِنَايَتُهُ بِهِ وَكَثُرَ سُؤَالُهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ جَدِيْرٌ بِأَنْ يَكُوْنَ عِنْدَهُ هَذَا الْعِلْمُ وَأَنْ يَكُوْنَ قَدْ سَأَلَ رَسُوْلَ الْلَّهِ ﷺ عَنْهُ لِحَاجَةٍ كَانَتْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ. يَدُلُّ عَلَىَ صِحَّةِ ذَلِكَ فُتْيَا ابْنِ عُمَرَ بِإِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ كَلْبِ الزَّرْعِ بَعْدَمَا تَبِعَهُ خَبَرُ أَبِي هُرَيرَةَ» (١). وإذا أبى الباحثون هذا التفسير، فماذا يقولون في رواية ابن عمر نفسه التي ذكر فيها كلب الزرع؟؟!! روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي الْحَكَمِ الْبَجَلِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا غَيْرَ كَلْبِ زَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» فَقُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: «إِنْ كَانَ فِي دَارٍ وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ الَّذِي يَمْلِكُهَا» (٢). وفي رواية: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «وَكَلْبَ حَرْثٍ»؟ فَقَالَ ابْنِ عُمَرُ: «أَنَّى لأََبِِي هُرَيْرَةَ حَرْثٌ!؟» (٣) فابن عمر لم يتَّهم أبا هريرة بأنه كذب على رسول الله ﷺ لأنَّ عنده زرعاً، بل هذه الرواية تنفي ما ذهب إليه أحمد أمين، ومع هذا فقد ثبت عن ابن عمر قوله: «إِنَّ لأِبي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» ولكنه لم يذهب بقوله مذهب الطاعن المُكَذِبَ بل ثبت روايته برواية أبي هريرة لأنَّ أبا هريرة حفظ تلك الرواية التي تشمل بعض أحواله. وهذا الحديث رواه الإمام مسلم من طريق الإمام مالك، ورواه أيضاً من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وفي آخره: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنِ عُمَرَ): قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ» ورواه من طريق

стр. 225

سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وفي آخره قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ»، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ. وروى أيضاً حديث أبي هريرة من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: وفي آخره: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ». فهذه الروايات تدل على أنَّ ابن عمر لم يكن ينكر على أبي هريرة روايته، وإنما كان يروي كل منهما ما سمع، بل إنَّ ابن عمر روى عن أبي هريرة الزيادة التي (جاءت) في روايته، ولم يكن هؤلاء الرجال الصادقون المخلصون يُكَذِّبُ بعضهم بعضاً، بل كانت أمارتهم الصدق والأمانة ﵃ (١). ولم تكن هذه الزيادة نتيجة دافع نفسي أو عامل شخصي كما ظن وذهب إليه الأستاذ أحمد أمين، وما كان أبو هريرة ليكذب على رسول الله ﷺ ولو كان في ذلك نجاته. ... [و] أبو هريرة وابن عباس: ذكر عبد الحسين مؤلف كتاب " أبو هريرة " من الأحاديث التي عارض فيها الصحابة أبا هريرة، أنَّ أبا هريرة روى عن رسول الله ﷺ : أَنَّ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» فلم يأخذ ابن عباس بخبره وَرَدُّهُ صريحاً، قال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ» (٢). وذكر نحوه أبو رِيَّةَ عن ابن مسعود (٣) وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ» قال الإمام الزركشي: وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا اغْتَسَلَ وَمَنْ حَمَلَهُ تَوَضَّأَ» فبلغ ذَلِكَ عَائِشَة ﵂ فَقَالَتْ أََوَ نَجَسٌ مَوْتَى الْمُسْلِمِيْنَ وَمَا عَلَى رَجُلٍ لَوْ حَمَلَ عُوداً». قال البيهقي في ذلك: «الروايات المرفوعة في هذا الباب من أي هريرة غير قوية، لجهالة رُواتها، وضعف بعضهم» والصحيح أنه موقوف

стр. 226

على أبي هريرة (١). اهـ. فإنْ صَحَّ عنه ذلك فهو رأي وليس في ذلك كذب على رسول الله ﷺ ، كما ليس في ذلك تكذيب الصحابة له. ... [ز] أبو هريرة والزبير: ذكر أبو رِيَّةَ جزءاً من خبر الزبير مع أبي هريرة وهو قوله: «صَدَقَ، كَذَبَ» ولم ينقل بقية الرواية التي تكشف عن وجه الحق، لذلك أسوق ما رواه أبو القاسم البلخي الذي حاول الطعن في أبي هريرة قال: قال ابن أبي خيثمة وحَدَّثَنَا هارون بن معروف حَدَّثَنَا محمد بن سلمة حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق عن عمر - أو عثمان بن عروة عن أبيه يعني عروة بن الزبير قال: قال أبي الزبير: «يا بني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ قال: فأدنيته منه فجعل أبو هريرة يُحَدِّثُ بينما جعل الزبير يقول صدق، كذب، صدق، كذب، قال: قلت: يا أبت ما قولك صدق كذب، قال: يا بُنَيَّ ... أما أنْ يكون سمع هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ فلا شك، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه» (٢) هل في هذا الخبر تكذيب لأبي هريرة كما ظن البلخي وأبو رِيَّةَ؟. والزبير لم يعترض على سماع أبي هريرة أو عدم سماعه، بل سَلَّمَ بالسماع، ولم يشك فيه، إنما قال عندما سمع أحاديث أبي هريرة الكثيرة إنه يضع بعضها على غير ما يجب أنْ يوضع، ولا ضير على أبي هريرة في ذلك،

стр. 227

ولا سبيل للطعن في صدقه. لأنه لم يتقوَّل على رسول الله ما لم يقل، ومعنى قوله: صدق، كذب (أصاب، وأخطأ) كما سأُبَيِّنُهُ بعد قليل وليس في الخطأ كذب وخاصة في هذا المقام. ... [ح] أبو هريرة ومروان بن الحكم: (١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ شَمَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرَّ عَلَيْهِ مَرْوَانُ، فَقَالَ: «بَعْضَ حَدِيثِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ حَدِيثَكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». ثُمَّ رَجَعَ (مروان)، فَقُلْنَا: الآنَ يَقَعُ بِهِ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ رَزَقْتَهَا ... » الحديث. اهـ (٢)، قال مروان لأبي هريرة: «بَعْضَ حَدِيثِكَ - أَوْ حَدِيثَكَ»، يريد به الإنكار على أبي هريرة في كثرة روايته. وكان بعض الصحابة، وبعض الوُلاَّة ينكرون عليه، ثم يضطرُّون إلى علمه وحفظه، فيسألونه أو يقرُّون له بما روى، كما صنع مروان هنا، وغيره في روايات كثيرة، وما كانوا يظنون بصدقه الظنون، ولا كانوا يتَّهمونه في حفظه وأمانته ﵁ (٣). تلك صورة حقيقية لما دار بين أبي هريرة وبعض الصحابة، وهي لا تعدو ما كان يحصل بين الصحابة من نقاش حول تحرِّي الحق، ومعرفة الصواب، إذ لم يكن الصحابة يُكَذِّبُ بعضُهُم بعضاً، بل يُبَيِّنُ بعضهم خطأ بعض، وكانوا سرعان ما يعودون إلى الحق ويدورون معه حيث دار. وإذا صدر عنهم ألفاظ (الكذب) فإنما يقصدون بها الخطأ والغلط، لا التكذيب والافتراء، وكان هذا يقع كثيراً بين الصحابة ولا يرون فيه

стр. 228

جَرْحاً ولا إهانة، ولا يُخرجون من قيل له ذلك من العدالة والصدق، من ذلك ما قالته أسماء بنت عُميس لعمر بن الخطاب: «كَذَبْتَ يَا عُمَرُ» (١)، وكان ذلك في عهد رسول الله ﷺ ، فهل يُتَصَوَّرُ من أسماء أو غيرها أنها تعني التكذيب بمعنى الافتراء؟ إنها تعني الخطأ ولا شك. وقد بيَّن ابن قتيبة معنى إنكار الصحابة على أبي هريرة فيما ذكره من الأخبار والوقائع، فلم يكن قط بمعنى الإكذاب، ولم يقولوا له إنك تكذب على رسول الله ﷺ ، أو تضع أو تفتري أ وتختلق، إنما خالفوه أحياناً وليس هذا من باب التجريح، ومِمَّا قاله ابن قتيبة عن الصحابة وأحوالهم: «وَأَخَافُ أَنْ يُشَبَّهَ لِي كَمَا شُبِّهَ لَهُمْ، فَأُعْلِمُكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْطِئُونَ لاَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِخِدْمَتِهِ وَشَبَعِ بَطْنِهِ، وَكَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَشْغَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ الْوَدِيِّ وَلاَ الصَّفق بِالأَسْوَاقِ، يُعَرِّضُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي التِّجَارَاتِ وَيَلْزَمُونَ الضِّيَاعَ فِي أَكْثَرِ الأَوْقَاتِ، وَهُوَ مُلاَزِمٌ لَهُ لاَ يُفَارِقُهُ، فَعَرَفَ مَا لَمْ يَعْرِفُوا، وَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظُوا - أَمْسَكُوا عَنْهُ» (٢). وبعد هذا، فإنَّ عَبْدَ الحُسَيْنَ ينكر إمساك الصحابة عن أبي هريرة عندما عرفوا منزلته كما روى ابن قتيبة ويرى أنَّ دفاعه إنما كان جزافاً لا يصغى إليه (٣). هذا ما يريده مؤلف كتاب " أبو هريرة " لأنَّ الحق لا يوافق هواه، ولا يعجبه إلاَّ أنْ يستشهد بروايات الإسكافي المتروكة، التي يُجَرِّحُ فيها أبا هريرة. ويدَّعِي بعد ذلك أنَّ الإمام أبا حنيفة وأصحابه كانوا يتركون حديث أبي هريرة إذا عارض قياسهم كما فعلوا في حديثه عن المصراة وهي البقرة أو الشاة أو الناقة يجمع اللبن في ضرعها ... إذ روى أنَّ رسول الله ﷺ : «لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، مَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخَطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً

стр. 229

مِنْ تَمْرٍ» فلم يأبهوا بحديثه هذا وقالوا: أبو هريرة غير فقيه وحديثه هذا مخالف للأقيسة بأسرها، فإنَّ حلب اللبن من التعدي، وضمان التعدِّي يكون بالمثل أو القيمة والصاع من التمر ليس واحداً منهما إلى آخر كلامهم (١). وهذا ما ذكره الأستاذ أحمد أمين (٢) كما استشهد أبو رِيَّةَ بنحو هذا عن الحنفية، وذكر مسألة المصراة (٣). وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة ورفض قبول ذاك الادِّعاء وأكَّدَ أنه غير مقبول وغير مرضي وقال: «فقد قدمنا ذكر من أثنى عليه ووثقه، وذكرنا من روى عنه وأصدقه» (٤). وقد ذكر الذهبي مسألة المصراة وداع فيها عن أبي هريرة، وأوجب العمل بحديثه، وَبَيَّنَ أنَّ عمل الحنفية وسائر الأئمة بخلاف هذه الرواية عن الحنفية، وَبَيَّنَ أنَّ الحنفية قدَّمُوا خبر أبي هريرة على القياس، وكذلك فعل الإمام مالك، وَبَيَّنَ أنَّ أبا حنيفة قد ترك القياس لما هو دون حديث أبي هريرة بل الدليل أقوى منه، وقد فَنَّدَ الدكتور مصطفى السباعي ما ادَّعَاهُ الأستاذ أحمد أمين من تقديم الحنفية القياس على الخبر إذا عارضه، وأنهم فعلوا هذا في أحاديث أبي هريرة، وأنهم يعدُّونه غير فقيه، وَرَدَّ على ذلك رَدًّا علمياً جليلاً كشف فيه عن الحق، ودحض هذه الرواية بالحُجَّةِ القوية والأدلة الواضحة، ولولا ضيق المقام لذكرت ذلك هنا (٦).

стр. 230

لقد تبيَّن لنا مِمَّا عرضناه أنَّ أبا هريرة يم يكن محل تكذيب من الصحابة والتابعين، ولم يثبت قط أنَّ أحداً اتهمه بالكذب، والوضع واختلاق الأحاديث على رسول الله ﷺ ، بخلاف ما ادَّعاه أهل الأهواء وبعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) و (شبرنجر) وكل ما كان بينه وبين بعض الصحابة لم يعد باب التحقيق العلمي، ولم يتناول قط عدالته وصدقه وأمانته، وإذا رََدَّ عليه بعضهم فإنما رَدُّوا بعض ما كان يفتي به، مِمَّا علمه من حديث رسول الله ﵊، فكان خلافهم في فهم الحديث، لا في الحديث نفسه حيث نسبته إلى النبي ﷺ أو عدم نسبته، وكان اعتراضهم على (فتواه) لا على (حديثه) ولم يكن هذا خاصاً بأبي هريرة، بل حديث كثيراً بين الصحابة. وهناك فرق كبير بين رَدِّ (الفتوى) وَرَدِّ (الحديث)، و (الخطأ) و (التكذيب)، فشتان ما هما. وقد ثبت أنَّ أبا هريرة أفتى في مسائل دقيقة في حضرة ابن عباس وغيره، وعمل الصحابة ومن بعدهم بحديثه في مسائل كثيرة - تخالف القياس - كما عملوا كلهم بحديثه عن النبي ﷺ أنه قال: «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ خَالَتِهَا» (١). فلو شك أحد في صحة حديثه أو في صدقه لتركوا حديثه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل. هذا وقد عرفت الأمَّة مكانته ومنزلته، وقبلوا حديثه، وظهر لنا ذلك واضحاً كالشمس في رابعة النهار. وقد سبق أنْ بيَّنت ثناء الصحابة والتابعين والأئمة عليه وأُكَرِّرُ هنا قول الإمام الذهبي فيه «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٢). إلاَّ أنَّ مؤلف كتاب " أبو هريرة " لم يأبه بكل هذا، واستنتج من تلك المناقشات العملية كذب أبي هريرة، ورأى ما دار بينه وبين بعض الصحابة

стр. 231

دليلاً قاطعاً على تجريحه، فقال: «وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له، وقد تقرَّر بالإجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض، على أنه لا تعارض هنا قطعاً، فإنَّ العاطفة بمجردها لا تعارض تكذيب من كَذَّبَهُ من الأئمة. أما أصالة العدالة في الصحابة فلا دليل عليه، والصحابة لا يعرفونها، ولو فرض صحتها فإنما يعمل على مقتضاها في مجهول الحال، لا فيمن يُكَذِّبُهُ عمر وعثمان وعلي وعائشة، ولا فيمن قامت على جرحه أدلة الوجدان، فإذا نحن من جرحه على يقين جازم» (١). إلاَّ أنَّ زعمه هذا رددناه بالحُجج الدامغة، فانهار ما ادَّعاه أمام الصرح الشامخ الذي يحمي عدالة أبي هريرة، وتحطمت سهامه الواهية على الحصن المنيع الذي بناه أبو هريرة بصدقه وأمانته واستقامته، فلم يجد ثغرة ينفذ منها، أو ثلماً يدس في هواه، فراح يشكِّكُ الناس في مرويات أبي هريرة، ويستشهد ببعض الأحاديث التي وردت في " الصحيحين " عنه، متَّخذاً طعنه في أبي هريرة وتجريحه إياه، مطيَّّة وذريعة للتشكيك في ما ورد في " الصحيحين " عامة، يريد من قُرَّائِهِ بل من الناس جميعاً أنْ لا يثقوا بالكتب التي أجمعت الأمَّة على صحتها، وتلقَّتها بالقبول، ولم يجد إلى ذلك سبيلاً، إلاَّ أنْ يذكر بعض الأحاديث التي تتعلق بالأمور الغيبية، ويحاول أنْ يُحَكِّمَ العقل البشري فيها، يوازن بينها وبين الواقع، من ذلك حديث خلق آدم [ص ٥٦] فَيُحَمِّلُ ألفاظه ما لا تحتمل، ويفسِّرُهُ تفسيراً لا يقبله العقل والذوق السليم، ويسوق غيره من الأحاديث التي تتناول بعض أحوال يوم القيامة، كرؤية الله تعالى [ص ٦٤]، والنار [ص ٧٠]، وينكر ما جاء في حديث استجابة الله تعالى الدعاء في الثلث الأخير من كل ليلة [ص ٧٢] وَيُحَمِّلُ ألفاظه ما لا تحتمل، فالحديث (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعاً «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ... » الحديث. اهـ.

стр. 232

ويثور الكاتب قائلاً: «تعالى الله عن النزول والصعود والمجيء والذهاب والحركة والانتقال ... » وقد كان هذا الحديث والثلاثة التي قبله مصدراً للتجسيم في الإسلام، كما ظهر في عصر التعقيد الفكري، وكان من الحنابلة بسببها أنواع من البدع والأضاليل ولا سيما ابن تيمية ... [ص ٧٣]. ويذكر قصته الشهيرة على منبر دمشق. إنَّ المؤلف حَمَّلَ ألفاظ هذه الأحاديث على ظاهرها حتى وصل إلى نتيجة التجسيم، كما فعل (المُشَبِّهَةُ)، ولما كان التشبيه مخالفاً لعقيدة جمهور المسلمين، أنكر صحة الحديث وهو رأي (الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة) (١) وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: «حُكِيَ عَنْ الْمُبْتَدِعَة رَدّ هَذِهِ الأَحَادِيث، وَعَنْ السَّلَف إِمْرَارهَا، وَعَنْ قَوْم تَأْوِيلهَا وَبِهِ أَقُول ... وَالْحَاصِل أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: إِمَّا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَنْزِل أَمْره أَوْ الْمَلَك بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ اِسْتِعَارَة بِمَعْنَى التَّلَطُّف بِالدَّاعِينَ وَالإِجَابَة لَهُمْ وَنَحْوه» (٢). أقول إنَّ حمل ألفاظ اللغة على الحقيقة صرفت إلى المجاز، وهذا كثير في اللغة، فكما تقول: خرجت المدينة تستقبل الحُجَّاجَ، وتقصد بذلك أكثر أهل المدينة، كذلك يجب أنْ تقول في مثل هذا الحديث وفي الآيات التي استدلَّ بها (المُشبِّهة) على رأيهم كآية (الاستواء) وغيرها. ويلزم من إنكار هذه الأحاديث لما فيها من التجسيم والتشبيه - على رأي المؤلف - إنكار جميع الآيات التي بهذا المعنى، ولا يقول بهذا مسلم، فكما صرفت ألفاظ تلك الآيات إلى المجاز تصرف ألفاظ بعض الأحاديث أيضاً إلى ذلك، لأنَّ بعض الأحاديث جاءت على سُنن ونهج القرآن الكريم. وإذا أبى أنْ تُصرف هذه الألفاظ إلى المجاز قلنا له: يلزم من هذا أن تسير المدينة - في مثالنا - بأبنيتها ومساجدها وبيوتها وأشجارها، وهذا لا يعقل ولا يتصور، وهو خلاف العادة والعرف لذلك وجب صرفه إلى المجاز، من غير أنْ نَرُدَّ ذلك الأصل اللغوي، الذي

стр. 233

عليه العرب، أدباؤهم وفصحاؤهم وعامَّتهم منذ عرفه التاريخ. وعلى هذا الأصل نحمل بعض آيات القرآن الكريم وبعض أحاديث الرسول الأمين ﷺ . وبمثل هذه الاعتراضات يرد بعض الأحاديث، التي تتعرض لأحوال الأنبياء - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَسَلاَمُهُ -، والملائكة، وفي كل هذا لا يكف أذى لسانه عن أبي هريرة، فيستهزئ به تارة، ويزدريه أخرى، ويشتمه حيناً، ويتهكَّم عليه أحياناً ... ويتَّهمه بالتزوير مرة (١)، وبالهراء والهذر مراراً (٢)، وذهب المؤلف إلى التشكيك في الأحاديث التي ساقها، والتي لم يخف منها على العلماء شيء، فبيَّنُوا صِحَّتَهَا ومعانيها ومناسباتها، وقارنوا ما رُوِيَ منها عن أبي هريرة بمرويات غيره - ولم يكن هذا خاصاً لحديث أبي هريرة، بل عامًّا لجميع الأحاديث - ولم يثبتوها في كتبهم إلاَّ بعد تحقيق ودراسة علمية عميقة. ثم إنَّ المؤلف خلال بحثه وعرضه لأكثر تلك الأحاديث، لم يتخلَّ عن هواه، فكان يرى أنَّ بعضها من وضع أبي هريرة لِيُرْضِي به الأمويِّين، من ذلك ما رواه عنه فقال في [ص ١١٨]: «أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً: " اللهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ». الحديث، ويرى أنَّ أبا هريرة «وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلُّفاً إليه، وتقرُّباً إلى آل أبي العاص، وسائر بني أمية، وتداركاً لما ثبت عن النبي ﷺ ، من لعن جماعة من منافقيهم، وفراعنتهم إذ كانوا يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فسجل عليهم رسول الله ﷺ بعلنه إياهم في كثير من مواقفه المشهودة خزياً مؤبَّداً، ليعلم الناس أنهم ليسوا من الله ورسوله في شيء فيأمن على الدين من نفاقهم» [ص ١٢٣، ١٢٤].

стр. 234

هذه إحدى الروايات المطلقة (١)، التي ورد فيها إيذاء أو سب الرسول ﷺ ، وقد وردت روايات أخرى مقيَّدة بيَّنت المراد من الروايات المطلقة، فقد جاء في رواية عنه ﵊: «فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً» (٢)، ولم يذكر أحد من العلماء أنَّ أبا هريرة وضع هذا الحديث إرضاء لمعاوية. وماذا يقول عندما يعلم أنَّ عائشة أم المؤمنين وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك (٣) ﵃ قد رَوَوْا هذا الحديث أيضاً؟ فهل وضعوه إرضاء لمعاوية!! أظن أنه لا يقول هذا أحد يعرف للصحابة منزلتهم وفضلهم وجليل قدرهم. ثم إنَّ هذا الحديث ورد في حديث طويل، حين داعب رسول الله ﷺ يتيمة عند أم أنس بن مالك، وقال لها: «لَقَدْ كَبِرْتِ، لاَ كَبِرَ سِنُّكِ» فظنَّت اليتيمة أنَّ رسول الله ﷺ قد دعا عليها، فاستفهمت أم أنس من الرسول عن ذلك فقال فيما قاله: «فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، مِنْ أُمَّتِي، بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤). فإنَّ دعاءه ﵊ أو سبه لمؤمن ليس بأهل لذلك، يكون أجراً وطهراً له، وهذا من باب تلطف رسول الله ﷺ بأمَّته، وقد ذكر الإمام النووي بعض المقصود من هذا الحديث، فقال: «أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي وَصْلِ كَلامِهَا بِلاَ نِيَّةٍ كَقَوْلِهِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ وعَقْرَى حَلْقَى وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ " لاَ كَبِرَتْ سِنُّكِ " وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ لاَ " أَشْبَعَ

стр. 235

اللَّهُ بَطْنَهُ "» (١) ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف ﷺ أنْ يصادف شيء من ذلك إجابة. فسأل ربه ، ورغَّب إليه أنْ يجعل ذلك رحمة وكفَّارة وطهوراً وأجراً وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ولا لعَّاناً (٢). وإلى جانب هذا، فإنَّ حديث رسول الله ﷺ هذا يطمئن بأنَّ رسول الله ﷺ لا يقصد بما يجري على لسانه مِمَّا اعتاده العرب في كلامهم أذى ولا شتماً، وإنما يرجوه أنْ يكون رحمة وأجراً. هذه إحدى الصور التي يُعَلِّلُ بها سبب وضع أبي هريرة لحديث رُوِيَ في " الصحيحين "، وهو الذي ادَّعَى في كتابه أكثر من مَرَّّةٍ (التجرُّد العلمي والذوق الفني)، يكذِّبُ الصحابة، ويُفَسِّقُ بعض المسلمين، بل يُكَفِّرُهُمْ من غير دليل ولا برهان، فأي تجرُّد هذا؟ وأي تحقيق وبحث نزيه في مثل هذا!!؟ ثم يقول المؤلف: «وقد كان ﷺ رأى في منامه كأنَّ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره كما تنزو القردة، فيردون الناس على أعقابهم القهقرى، فما رؤي بعدها مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي، وقد أنزل الله تعالى عليه قرآناً يتلوه آناء الليل وأطراف النهار:» ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٣). قال في الهامش هي الآية [٦] من الإسراء. [ص ١٢٤]. وعزا حديث (المنام) إلى الحاكم الذي صحَّحه على شرط الشيخين، إلاَّ أنَّ الحاكم متساهل في تصحيحه، ولو سلمنا صحة (المنام) فما هي علاقته

стр. 236

بالآية؟ ثم إنَّ القرآن الكريم كله لا يحمل بين دفتيه آية كاملة بهذا اللفظ، والآية [٦٠] من سورة الإسراء، لا السادسة كما ذكر، تختلف في ختامها، فليس فيها ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بل ﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، فحسنا الظن به وقلنا من المحتمل أنْ يكون هذا خطأ مطبعياً، إلاَّ أنه لم يشر إلى شيء في جدول الخطأ والصواب من كتابه، فلم يعد ينفع معه حسن الظن به، فتأكد لنا أنه يثبت هذا متيقناً من صحته؛ فهو يُحَرِّفُ الكلم عن مواضعه، ويبدِّلُ كلام الله تعالى كما يشاء، وأغرب من هذا أنه يستشهد بالآية الكريمة على أنها نزلت من أجل ذلك (المنام)، وأنَّ الشجرة الملعونة في القرآن هي الأسرة الأموية أخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريَّته وعتيهم في أمَّته .. !! لا نعلم مصدراً موثوقاً يروي هذا!! فمن الأميرن الذي نقل لعبد الحُسين ذلك المنام؟ ومن الذي أخبره عن الشجرة الملعونة؟؟ وكل ما يذكره المؤلف عن مصادره في هذا قوله: «والصحاح فيه متوافرة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة»!! شهد الله أني أُحِبُّ عَلِيًّا وأهله وعترته حُبًّا لا ينازعني فيه كثير مِمَّنْ يزعمون حُبَّهُ من شيعته في هذا العصر، لا أقول هذا مُتعصِّباً لنسبنا المتصل به، ولا تحزُّباً إليه، بل لأنه من أفضل الصحابة والخلفاء الراشدين ولحُبِّ رسول الله ﷺ ، إيَّاهُ، وليده الكريمة الطيبة في الدفاع عن الإسلام .. فأي شيء عند عترته الطاهرة!؟ وقد قال ﵁: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ، صَحِيفَةٌ فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ وَأَشْيَاءٌ مِنْ الْجِرَاحَاتِ فَقَدْ كَذَبَ ... » (١). بعد هذا لا يمكننا أنْ نقبل هذا التأويل للآية الكريمة، ولا يمكننا أنْ نثق بذلك الإخبار عن الشجرة الملعونة التي ذكرها المؤلف. وكل ما جاء في هذا الموضوع في أشهر التفاسير: أنَّ هذه الآية الكريمة تتناول جانباً مِمَّا جاء في ليلة المعراج المبارك، والرؤيا المقصودة هنا «ما عاينه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ

стр. 237

وَالسَّلاَمُ - ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء حسبما ذكر في فاتحة السورة الكريمة» (١). «﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] عطف على الرؤيا ... » (٢). ولم يذكر أحد قط أنَّ هذه الشجرة هي الأسرة الأموية - اللهم إلاَّ ما ذكره عبد الحسين - والشجرة تلك التي «تنبُت في أصل الجحيم في أبعدِ مكان من الرحمة، أي وما جعلناها إلاَّ فتنةً لهم حيث أنكروا - (المشركون) - ذلك وقالوا إنَّ محمداً يزعُم أنَّ الجحيمَ يحرُق الحجارةَ ثم يقول ينبُت فيها الشجرُ ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً ... » (٣). فماذا نقول في مؤلف ينتحل على الله ما لم يسمع به إنسان، ويفسِّرُ الآيات بهواه، ويزعم أنَّ هذا يتهم راوية الإسلام أبا هريرة!! أنَّ جميع ما وجَّهَهُ من الطعون إلى أبي هريرة، لو وجهت إليه أضعاف مضاعفة، ما وفَّت رَدًّا على دعواه في تلك الصفحة من كتابه. ويتابع المؤلف سرده بعض الأحاديث التي رواها أبو هريرة، ويحاول الطعن فيها والتشنيع على راويها، وينتهي به تحقيقه واستنتاجه، إلى أنَّ مسند أبي هريرة في حكم المرسل لا يصلح حُجَّة ولا يقوم دليلاً، [ص ٢٥٠] ضارباً عمل الأمَّة بحديث أبي هريرة من لدن الصحابة إلى عهدنا عرض الحائط، مُخَطِّئاً العلماء والفقهاء، بل مُخَطِّئاً الصحابة أنفسهم الذين حملوا عنه حديثه وعملوا به. فكان مُخْطِئاً في بحثه، ضالاً في نتائجه غير دقيق في استنباطه واستنتاجه. وقد أداه إلى ذلك هواه وتعصُّبه واعتماده على الروايات الضعيفة (٤)، والكتب غير الموثوقة، ونظرته الضيِّقة التي جعلته يرى في أبي هريرة الرجل المُتَّهم دائماً بل الرجل المتلبِّسَ بالجُرم الثابت. لذلك كانت نتائجه أحياناً تسبق بحثه واستنتاجه وحكمه، وكثيراً ما كان يتأوَّلُ بعض النصوص ويُحَمِّلُهَا ما لا تحتمل حتى انتهى إلى أنَّ رسول الله قد أخبر عنه بأنه

стр. 238

من أهل النار (انظر صفحة ٣١٠ و ٣١٥ من كتابه)، ويفسِّرُ بعض الأخابر بما تمليه عليه عواطفه، وقد أشرت إلى هذا فيما سبق، كما أنه حَمَّلَ أبا هريرة وِزْرَ الوَضَّاعِينَ الذين استغلُّوا كثرة حديثه، ووضعوا بعض الأخبار على لسانه، وكل ذلك بَيَّنَهُ رجال النقد. وإني أدعو العلماء المُنصفين إلى استقراء مرويات أبي هريرة - أجمع ما لدينا " مسند الإمام أحمد " - فإنهم لن يجدوا له حديثاً يخالف فيه الأصول العامة للشريعة أو يتفرَّد بحديث شاذ ينكر عليه، وما من حديث استشهد به الكاتب إلاَّ عرف المحدِّثون والنُقَّادُ فيمته، وما من شُبهة أوردها على أبي هريرة أو على مروياته إلاَّ رَدَّهَا الحُفَّاظُ، وأزالوا أشكالها وبَيَّنُوا حقيقتها، حتى أسفر وجه الحق، ونجا أبو هريرة من تلك الأعاصير المصطنعة التي عصفت حوله، ومن تلك الأمواج الغدَّارة التي تلاطمت على قدميه. فبقي صامداً أبد الدهر يحترمه الجمهور، ويعرفون مكانته ومنزلته، وارتدَّت تلك الهجمات الضالة على أعقابها خامدة مكتومة الأنفاس تَجُرُّ وراءها ذيول الخزي والانكسار، ولم تزل بعض بقايا هؤلاء تحمل لواء مهاجمة أبي هريرة واتِّهامه، إلاَّ أنهم قِلَّةٌ لا يذكرون، ولن يستطيعوا أنْ يخدشوا من عدالة أبي هريرة، أكثر مِمَّا يخدش طفل صغير في جبل شامخ بظفره. ولا بُدَّ لي من أنْ أشير هنا إلى ما كتبه مؤلف كتاب " أضواء على السُنَّة المحمدية " حول أبي هريرة زيادة على ما جاء في كتاب عبد الحُسين شرف الدين. لقد ذكر الكاتب أكثر ما كتبه صاحب كتاب " أبو هريرة " إذ كان من مراجعه الأساسية، وقد أثنى عليه في كتابه في أكثر من موضع (١)، ودعم آراءه وأقواله بما جاء في " دائرة المعارف الإسلامية " (٢) عن (شبرنجر) و (جولدتسيهر)، وكان أكثر طعناً في أبي هريرة من أستاذه، وأسلط لساناً، وأشدَّ منه في استهزائه وازدرائه إياه. فلم ير صحبته للرسول - صَلََّى اللهُ

стр. 239

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلاَّ من أجل أكله وشربه، وقد صوَّرهُ طفيلياً جشعاً نهماً، يقف على الأبواب، ويتصدَّى لأصحابه في الطريق حتى إنهم لَيَنْفِرُونَ منه أحياناً، ولَقَّبَهُ بـ (شَيْخِ المُضَيْرَةِ) اعتماداً على ما استقاه من كتب الندماء والظرفاء، وكتب الأدب التي رآها مصدراً حسناً للسُنَّةِ!!! (١)، ويجمع من الأخبار صحيحها وسقيمها من غير أنْ يُمَحِّص فيها، مثال ذلك ما رواه (أبو نعيم في " الحلية "، قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: «وَيْلٌ لِي مِنْ بَطْنِي، إِذَا أَشْبَعْتُهُ كَظَّنِي، وَإِنَّ أَجَعْتُهُ سَبَّنِي» (٢). ذكر هذه الرواية دون أي تعليق لأنها تُؤَيِّدُ ما زعم. إلاَّ أنَّ راوي هذا الخبر ضعيف مردود، لأنَّ فرقد هذا ليس من أصحاب الحديث. وإليكم أقوال العلماء فيه: قال أيوب السختياني: «ليس بشيء ولم يكن صاحب حديث». قال علي بن المديني عن يحيى القطان: «ما يعجبني التحديث عنه». قال الإمام أحمد: «إنه رجل صالح ليس بقويٍّ في الحديث لم يكن صاحب حديث». قال يحيى بن معين: «ليس بذاك، وقال مَرَّةً: ثقة ... ». قال البخاري: «في حديثه مناكير». قال النسائي: «ليس بثقة». قال يعقوب بن شيبة: «رجل صالح ضعيف الحديث جداً». قال أبو حاتم الرازي: «ليس بقويٍّ في الحديث ... ». وأما ابن حجر فلم يذكر سماعه من أبي هريرة (٣)، وأقول إنَّ سماعه غير محتمل لأنه توفي سَنَةَ إحدى وثلاثين ومائة وأبو هريرة توفي في أبعد الأقوال سَنَةَ تسع وخمسين، فمتى سمعه ووعى عنه، ولو سلَّمنا سماعه، فإنه غير ثقة.

стр. 240

وقال ابن حبان: «فيه غفلة، ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل وهو لا يعلم ويسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به» (١). وأمثال هذه الرواية كثير في كتابه سأتعرض لبعضها بعد قليل. ... هل كان أبو هريرة تلميذاً لكعب الأحبار ؟: (٢). وكما اتَّهمه عبد الحُسين (٣) بالأخذ عن كعب الأحبار اتَّهمه أيضاً أبو رية بذلك، وهَوَّلَ هذا الزعم، وصوَّرهُ مؤامرة دبَّرها كعب الأحبار لِبَثِّ الإسرائيليات في الدين الإسلامي، وجعل أبا هريرة مطيَّة له من أجل ذلك، ويرى أيو ريَّة أنَّ كعباً «قد سلَّط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه ويُنيِّمَهُ ليلقِّنه كل ما يريد أنْ يبثَّهُ في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له في ذلك أساليب غريبة وطرق عجيبة» [ص ١٧٢]. ويرى أبو ريَّة أنَّ كعباً كن يثني على أبي هريرة وعلى معرفته لما في " التوراة "، ليثق الناس به ويأخذوا عنه حديثه الذي يلقِّنَهُ إياه كعب. هكذا يتصوَّرُ أبو ريَّة، ويرى أبا هريرة ألعوبة في يد كعب يأخذ عنه ويدَّعِي أنه سمع من الرسول!!! ما كان لكعب ولا لغير كعب أن يشتري ضمير أبي هريرة الذي عرفناه في أمانته وصدقه وإخلاصه. وحاول أنْ يستشهد ببعض الأحاديث ليدعم زعمه إلاَّ أنه لم يوفَّق في واحد منها (٤).

стр. 241

والمشهور عن أبي هريرة أنه كان يعزو كل ما يُحَدِّثُ به عن غير النبي ﷺ إلى قائله، فبالأحرى أنْ يبيِّن حديث كعب، وما يقوله له كعب، ولا يمكن لإنسان أنْ يتصوَّر أبا هريرة الذي روى حديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» عن الرسول ﷺ ثم يكذب على لسان الرسول ﵊، وينسب ما يقوله كعب إلى النبي ﷺ ، وخاصة أنَّ كعب الأحبار لم يلق النبي ﵊. فإنْ كان أبو هريرة وابن عباس قد سمعا من كعب وَرَوَيَا عنه فإنما رَوَيَا أخبار الأمم الماضية وعَزَوَاهَا إليه. وربما يكون بعض السامعين قد خلط بين ما يروي أبو هريرة عن النبي ﷺ ، وما يرويه من القصص عن كعب، ويثبت ذلك ما قاله [بُسْرٌِ بنِ سَعِيدٍ]: «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُوْمُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيْثَ رَسُوْلِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ » (١). فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أيُّ حرج أو مانع وقد سمح رسول الله ﷺ بذلك فقال: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ»، ولكن ليس لأحد أنْ يزعم أنه كان يسب ما يُحَدِّثُ به عن كعب إلى الرسول ﷺ ، وقد بان وجه الحق فيما رويناه من أنَّ بعض من كان يسمع ذلك كان يخطئ في نسبة ما سمع من أبي هريرة إلى الرسول ﷺ ... فما جريرة أبي هريرة في ذلك؟. والغريب من أمر المؤلف أنه يتعجَّبُ من بعض الأحاديث التي يرويها أبو هريرة ويوافقه عليها كعب، ويستشهد بما يؤيِّدها من " التوراة ". مثال ذلك، قوله: «وإليك مثلاً من ذلك نختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول

стр. 242

بنا القول: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ عَامٍ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] ". ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: " صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد " ... » (١). ما وجه الإنكار لهذا الحديث، وقد رواه عن النبي ﷺ عدد من الصحابة، وأخرجه الأئمة الأعلام في الصحاح والسُنن والمسانيد والمُصنَّفات، ورواه عن هؤلاء الصحابة خلق كثير من التابعين، فهل خدع كعب في قوله هذا؟ أم أنَّ هناك غايات وراء الميول والأهواء التي حملت أمثال هؤلاء على النيل من السُنَّة ورُواتها للتشكيك فيها بمجانبة البحث العلميِّ حيناً وبالتدليس والكذب أحياناً. هذا الحديث الذي أنكره، حديث الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام في الجنة ولا يقطعها، رواة الأئمة الأعلام وسأذكر أكثرهم لا على سبيل الحصر: رواه أحمد عن أبي هريرة في " مسنده ". ورواه مسلم عنه في " صحيحه ". ورواه البخاري عنه في " صحيحه ". ورواه عبد الرزاق عنه في " مُصَنَّفِهِ ". ورواه ابن جرير الطبري عنه في " تفسيره ". ورواه الترمذي عنه في كتابه " الجامع الصحيح ". وسمعه من أبي هريرة الأعرج، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وهمَّام بن منبه، ومحمد بن زياد، والمقبر، ومحمد بن سيرين، وأبو الضحاك،

стр. 243

ومحمد بن عمرو بن أبي سلمة، وعبد الرحيم بن سليمان، وزيادة مولى بني مخزوم. وروى هذا الحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ ، وأخرجه البخاري عنه في " الصحيح "، وابو داود الطيالسي في " المسند "، وأبو يعلى الموصلي في " المسند " أيضاً. وروى هذا الحديث أيضاً أبو سعيد الخُدري وسهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ . وأخرجه عنهما البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (١). قال ابن كثير: «فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ، لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ، وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ» [" تفسير ابن كثير " طبعة المنار: ص ١٨٧ و ١٨٨، جـ ٨]. وأخرج حديث أبي هريرة أيضاً: ابن أبي شيبة في " المصنَّف "، وهنَّاد في " المسند "، وعبد الرحمن بن حُميد في " المسند "، وابن المنذر في " تفسيره "، وابن مردويه في " تفسيره ". وأخرج حديث أنس أيضاً: أحمد في " المسند "، والترمذي في " جامعه "، وابن جرير في " التفسير "، وابن المنذر في " التفسير "، وابن مردويه في " التفسير ". وأخرج حديث أبي سعيد الخُدري أيضاً ابن مردويه في " تفسيره ". وروى ابن عباس الحديث موقوفاً عليه، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه في " تفسيريهما " (٢). وروت أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق هذا الحديث وأخرجه الترمذي (٣).

стр. 244

بعد كل هذا هل من سبيل لاتِّهام أبي هريرة ﵁؟ أيتَّهِمُُهُ الكاتب لأنه روى بكل أمانة ما سمعه من النبي ﷺ كما سمع غيره وروى!!؟ أصبح واضحاً لكل ذي لُبٍّ أنَّ الطعن في أبي هريرة مقصود لذاته، وفي سبيل توهين السُنَّة وزعزعة ثقة الناس برُواتها ... وكل هذا لا يستقيم على منهج البحث، ولن يتحقَّق شيء منه لمن أبغض الصحابة إشباعاً لميله وهواهُ ... لم يبق لإنكار الكاتب هذا الحديث على أبي هريرة، أم أنه ينكره لضخامة الشجرة، أو لسير الراكب مائة عام في ظلها؟ أم أنه أنكر عليه كل هذا لأنه لم يعهد في حياته مثلها؟. هل يريد الكاتب أنْ ينفي كل ما لم يتصوَّره عقله وتفكيره؟ إنْ أراد هذا وجب عليه أنْ ينفي كثيراً من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها، أو ينفي كثيراً مِمَّا جاء في القرآن الكريم. بل عليه أنْ يترك جانباً عظيماً من اللغة العربية، ذلك لأنَّ بعض ما جاء في السُنَّة من ألفاظ وعبارات، إنما جاء على نسق وسُنن ما حكاه القرآن الكريم من عبارات سِيقَتْ من باب المجاز لا من باب الحقيقة، تخاطب الإحساسات النفسية والنفوس البشرية لتتصوَّر عظمة ما يمثله القرآن الكريم من الثواب والعقاب ... لذلك وجب علينا أنْ نصرف الألفاظ والعبارات التي لا تطابق الحقيقة إلى المجاز، فللعدد معنى خاص لا يتناول غيره، وقد أجمع المُفسِّرون على أنَّ بعض ما ذكره من الأعداد في القرآن الكريم إنما جاء لا للحصر، وكذلك ما جاء في السُنَّة - في مثل هذا المقام - من العبارات الكثيرة التي لا تتناول حقيقة العدد. وهنا إنما ورد للتكثير وبيان إتساع ذلك الظل الذي أعدَّهُ الله تعالى للمؤمنين، فمن الخطأ أنْ يجعل المؤلف الحقيقة والواقع ميزاناً لتلك الألفاظ التي وردت من باب المجاز، لأنه في ذلك سيجانب القواعد المُسَلَّمَةَ في اللغة، ويقع معها في أخطاء فادحة، لا يقرُّهُ عليها أحد، ويلزم من هذا عدم فائدة الاستعارات والكنايات، والمجازات العقلية، التي

стр. 245

تُشَكِّلُ جانباً عظيماً في تراثنا الأدبي، ما دام المؤلف سيصرف كل لفظ إلى حقيقته!! ثم إنَّ العلم الحديث يُرَجِّحُ أنَّ لفظ هذا الخبر من باب الحقيقة لا من باب المجاز، فإذا عرفنا أنَّ سرعة الضوء [٣٠٠,٠٠٠] ثلاثمائة ألف كيلومتراً في الثانية، وأنَّ ضوء كثير من الكواكب والنجوم يستغرق وصوله إلينا ساعات ضوئية، ومنها ما يستغرق أياماً بل عشرات السنين الضوئية ... وإذا تذكَّرنا إلى جانب هذا قوله تعالى: ﴿ ... وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١). وقوله ﷺ في وصف الجنة: «فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (٢) إذا تذكَّرنا كل هذا، أدركنا أنه ليس في هذا الحديث ما يثير العجب العجاب، ولا ما يستدعي الإنكار على راويه، بل نزداد إيمانا بصحة هذا الخبر الذي أيَّدَهُ النقل والعقل والمقاييس العلمية ... ولن أطيل في هذا مع أبي رِيَّة، بل أترك للدكتور طه حُسين أنْ يُبَيِّنَ رأيه في بعض ما ذكره المؤلف في كتابه، علماً بأنَّ كلمة الدكتور طه حسين كلمة ثناء على المؤلف وعلى كتابه، وقد نشر المؤلف بعض هذه الكلمة - بعد أنْ رفع منها سقطاته التي أخذها عليه الدكتور طه حسين - في كراسة صغيرة كشهادة قيِّمة في كتابه (٣)!!!

стр. 246

فبعد أنْ تكلم الدكتور عن الكتاب وموضوعه وجهود مؤلفه قال (١): «وهذا كله سجله المؤلف في كتابه ولكنه لم يبتكره من عند نفسه وإنما هو شيء كان المُتقنون من علماء المسلمين يقولونه ويُذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما ... » ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه في بعض المواطن، ولست أريد أنْ أذكر هذه المواطن كلها للإسراف في الإطالة، وإنما أكتفي بضرب الأمثال: فمنها مثلاً هذه المؤامرة التي دُبِّرَ فيها مقتل عمر بن الخطاب ﵀، وشارك فيها كعب الأحبار وهو يهودي أسلم أيام عمر، والرُواة يُحَدِّثُونَنَا بأنَّ كعباً هذا أنبأ عمر بأنه مقتول في ثلاث ليالٍ، فلما سأله عمر عن ذلك زعم أنه يجده في " التوراة "، فدهش عمر لأنَّ اسمه يذكر في " التوراة " ولكن كعباً أنبأه بأنه لا يجد اسمه في " التوراة " وإنما يجد صفته. ثم غدا عليه في اليوم الثاني لهذا الحديث فقال له: بقي يومان. ثم غدا عليه في اليوم الثالث فقال له: مضى يومان وبقي يوم وإنك مقتول من غد، فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك العبد الأعمى فطعنه وهو يُسَوِّي الصفوف للصلاة، والمؤلف يؤكِّد أنَّ عمر إنما قتل نتيجة لمؤامرة دَبَّرَهَا الهُرْمُزَانُ وشارك فيها كعب، ويؤكد أنَّ هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلاَّ الجهلاء. وأريد أنْ أؤكِّدَ أنا للمؤلف أني أنا أحد هؤلاء الجُهلاء، لأني أشك في

стр. 247

هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه، ولا أراها إلاَّ وهماً، فقد قتل ذلك العبد المشؤوم نفسه قبل أنْ يسأل، وتعجَّل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أنْ يسأل، وعاش كعب الأحبار هذا سبعة أعوام أو ثمانية دون أنْ يسأله أحد أو يتَّهمه أحد بالاشتراك في هذا المؤامرة، وكان كثيراً ما يدخل على عثمان، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص فأقام فيها حتى مات سَنَةَ اثنتين وثلاثين للهجرة، فمن أين استطاع المؤلف أنْ يؤكِّد وقوع هذه المؤامرة أولاً، ومشاركة كعب فيها ثانياً، مع أنَّ المسلمين قد غضبوا حين تعجَّّلَ عبيد الله بن عمر حين قتل الهُرمزان جهلاً عليه، ولم يقدِّمه إلى الخليفة، ولم يقم عليه البيِّنة لأنه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه. وقد ألحَّ جماعة من المسلمين من أصحاب النبي ﵊ على عثمان أنْ يقيم الحَدَّ على عبيد الله لأنه قتل مسلماً دون أنْ يقاضيه إلى الإمام، ودون أنْ يُثْبِتَ عليه قتل عمر بالبيِّنة، فعفا عنه عثمان مخافة أنْ يقول الناس: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم. وعدَّ الثائرون على عثمان هذا العفو إحدى أغلاطه، و كان عَلِيٌّ حين تولى الخلافة مزمعاً معاقبة عُبيد الله على فعلته تلك، ولكنه هرب من عَلِيٍّ ولجأ إلى معاوية، فعاش في ظله، وقُتل في موقعة صِفِّينْ، ولم يسأل عثمان كعباً عن شيء. ولم يتَّهمه أحد بشيء وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير عليها، فعاش فيها حتى مات فلم يسأله معاوية عن شيء، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذي ألحَّ فيه المؤلف حتى لعن كعباً ولم يكن له ذلك فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم، والمعروف كذلك أنَّ لعن المسلمين غير جائز. ومثل آخر في الصفحة [١٥٤] حين زعم أنَّ أبا هريرة ﵀ لم يصاحب النبي محبَّة له أوطلباً لما عنده من الدين والهُدَى، وإنما صاحبه على ملء بطنه، كان مسكيناً وكان النبي ﷺ يطعمه، والمؤلف يروي لإثبات ذلك حديثاً رواهُ أحمد بن حنبل ورواه البخاري ولكن مسلماً نفسه روى هذا الحديث نفسه عن أبي هريرة ونص الحديث عند مسلم أصرح وأوضح من نصه عند البخاري وابن حنبل، فقد كان

стр. 248

أبو هريرة يقول فيما روى مسلم أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه، وفرق بين من يقول إنه كان يخدم ومن يقول إنه كان يصاحب، وحسن الظن في هذه المواطن شر من سوئه، وما أظن أبا هريرة أقبل من اليمن مع من أقبل منها إلى النبي ﷺ ، لا ليؤمن به ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملأ بطنه عنده. هذا إسراف في التأويل وفي إساءة الظن. والمؤلف شديد على أبي هريرة شِدَّةً أخشى أنْ يكون قد أسرف فيها شيئاً. فنحن نسلِّمُ أنَّ أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي، وأنَّ عمر شَدَّدَ عليه في ذلك، وأنَّ بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه، وأنه أخذ كثيراً عن كعب الأحبار، وكان المؤلف يستطيع أنْ يُسَجِّلَ هذا كله تسجيلاً موضوعياً كما قال، ودون أنْ يقحم فيه غيظاً أو موجدة، فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدباً فيظهر شخصيته بما ركب فيها من الغضب والغيظ والموجدة، وإنما يكتب علماً يتَّصل بالدين، وأخص مزايا العلماء ولا سيما في هذا العصر أنهم ينسبون أنفسهم حين يكتبون العلم أنهم يبحثون ويُقَرِّرُونَ بعقولهم لا بعواطفهم. فمن الظلم لأبي هريرة أنْ يقال إنه لم يصاحب النبي إلاَّ ليأكل من طعامه والذي نعلمه أنه أسلم وصلى مع النبي وسمع منه بعض أحاديثه، فليقل فيه المؤلف أنه لم يصاحب النبي إلاَّ ثلاث سنين، وقد روى من الحديث أكثر مِمَّا روى المهاجرون الذين صحبوا النبي بمكة والمدينة، وأكثر من الأنصار الذين صاحبوا النبي منذ هاجر إلى المدينة حتى آثره الله بجواره، وهذا يكفي للتحفُّظ والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من الحديث. وأخرى أريد أنْ أثبتها هنا هي أنَّ المؤلف يقول في حديثه الطويل عن أبي هريرة أنه لحرصه على الأكل ورغبته ي الطيبات كان يأكل عند معاوية ويصلِّي مع عَلِيٍّ ويقول: إنَّ الأكل مع معاوية أدسم أو بعبارة أدق إنَّ المضيرة عند معاوية أدسم - والمُضَيْرَةُ لون من الحلوى - وإنَّ الصلاة مع عَلِيٍّ أفضل.

стр. 249

وأريد أنْ أعرف كيف كان يجتمع لأبي هريرة أنْ يأكل عند معاوية، ويصلِّي مع عَلِيٍّ، وقد كان أحدهما في العراق والآخر في الشام، أو أحدهما في المدينة والآخر في الشام إلاَّ أنْ يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب، إذن لاتَّهَمَهُ أحد الفريقين بالنفاق والتَجَسُّسِ. وإنما هذا كلام قيل في بعض الكتب وكان يجب على الأستاذ المؤلف أنْ يتحقَّق منه قبل أنْ يثبته. فهذا أيسر ما يجب على العلماء. وبعد ... فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أنَّ الأحاديث التي يرويها الأفراد والآحاد كما يقول المُحَدِّثُونَ لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن وحده ومن أجل ذلك لا يستدل المسلميون بهذه الأحاديث على أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحياناً على الأحكام الفرعية في الفقه، وعلى فضائل الأعمال ويستعان بها على الترغيب في الخير والتخويف من الشر. وكل هذه الأحاديث التي اعتمد عليها المؤلف في المواضع التي ضربنا لها الأمثال إنما هي أحاديث رواها الأفراد والآحاد فهي لا تفيد قطعاً ولا يقيناً، فما باله يرغب عن الإفراط في الثقة بهذه الأحاديث، ثم يستدل بها هو ليتهم الناس بأشياء لا سبيل له إلى إثباتها. وملاحظة أخيرة أختم بها هذا الحديث الذي أراه على طوله موجزاً، وهي أنَّ المؤلف قد أخذ في كتابه وهو مؤمن فيما يظهر بأنه لن يظفر برضا الناس عنه ولن يظفر برضا فريق من رجال الدين خاصة، فعرَّض بهم أحياناً، واشتدَّ عليهم أحياناً أخرى، ووصفهم بالجمود حيناً وبالتقليد حيناً، وبالحشوية أحياناً، فأغرى هؤلاء الناس بنفسه وسلطهم على كتابه، وخيَّل إليهم أنه يبغضهم، ولا يراهم أهلاً للبحث القيِّم، والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم، ولو أنه صبر حتى يخرج كتابه ويقرأه الناس، ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا الصبر خيراً له وأبقى عليه. ويثني على جهوده بكلمات معدودة ثم يقول: «ولا بأس عليه من هذه

стр. 250

الهنات» (١) التي أشرت إلى بعضها، فالذين يبرؤون من النقص والتقصير أو الهفوات أحياناً لا يكادون يوجدون، وصدق بشار حين قال: إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظئمت وأي الناس تصفو مشاربه طه حسين ... وأختم البحث بكلمة لابن خزيمة (٢) يدافع فيها عن أبي هريرة ويبيِّنُ أصناف الطاعنين فيه، فتظهر من خلالها منزلة أبي هريرة ومكانته، وفي هذا مسك الختام. قال ابن خزيمة: «وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ مَنْ قَدْ أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الأَخْبَارِ: - إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ الَّتِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ - الَّذِي هُوَ كَفْرٌ - فَيَشْتُمونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ؟ - وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.
следующие страницы →