← Тараджим

Тараджим · id 29967

أبو هريرة راوية الإسلام

محمد عجاج الخطيب

Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ [أبو هريرة راوية الإسلام] ـ المؤلف: الدكتور محمد عجاج خطيب الناشر: مكتبة وهبة الطبعة: الثالثة، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة ودقَّقه/ توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الطبعة الثالثة: شعبان ١٤٠٣ هـ - يونية سنة ١٩٨٢ م

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثالثة: الحمد لله حمداً كثيراً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، حمداً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الذي بنعمته تتم الصالحات، وتعمُّ الخيرات، سبحانك ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، خير من اصطفى من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد .. فهذه هي الطبعة الثالثة لكتاب «أبو هريرة .. راوية الإسلام» أقدِّمُها إلى أعزَّائي قراء العربية من العلماء والباحثين والطلاب والعاملين في رحاب العلم عامة، وميدان السُنَّة خاصة. وكنت قد أقدمت على الكتابة في الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ إثر الحملة المغرضة التي أثارها حوله وحول مروياته بعض أهل الأهواء، وبعض المغرضين من أعداء الإسلام، الذين قلبوا الحق باطلاً والصدق كذباً، ولم أخض لجج هذا الخصم إلاَّ إنصافاً لهذا الصحابي، ودفاعاً عن السُنَّة، وانتصاراً للحق، وما أنْ ظهرت تلك الطبعة في القاهرة - حماها الله وسائر بلاد الإسلام - سنة ١٣٨٣ هـ - ١٩٦٣ م حتى تداول القُرَّاء الكتاب، وعمَّ انتشاره بين أهل العلم وطلابه، في مصر وخارجها من بلاد العرب والمسلمين، ونفدت تلك الطبعة بعد فترة قصيرة، ثم أعاد بعض الأفاضل طبعه ثانية في لبنان سدّاً لحاجة القراء، ولم أتمكَّن آنذاك من زيادة ما عندي على الطبعة الأولى، لكثرة واجباتي، ونفدت الطبعة الثانية، وكثر طلب الكتاب، فكان لزاماً على أنْ أسدَّ حاجة القراء بإعادة طبعه، بعد أنْ أضفت عليه

стр. 4

في بعض أبحاثه ما رأيته هاماً ومتمماً للفائدة. سائلاً الله أنْ يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه، وأنْ يُحقِّقَ الغاية المرجوة من هذا الكتاب، وينفع به، إنه خير مسؤول، وبالإجابة جدير، وهو ولي التوفيق والسداد. مدينة العين ١٣ ربيع الأول سنة ١٤٠٢ هـ - ٩ يناير ١٩٨٢ م محمد عجاج الخطيب الحسني الدمشقي ***

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه، الذين اتبعوه، فوفقوا أعظم التوفيق في حفظ الرسالة، وأداء الأمانة، ونشر الدعوة، التي خلصت العرب من قيود الوثنية، ومدَّتهم بقوة الإيمان، وحمَّلتهم مسؤولية هداية العالم، فما أنْ فتح العرب الأوائل عيونهم على نور الإسلام، وفهموا القرآن، وأبصروا طريق الحق بعد الضلال، وسعدوا بالمعرفة بعد الجهل - حتى انطلقوا يحملون لواء الحرية، ومشعل النور والعرفان، يضيئون للإنسانية سبيلا، ويوجِّهُون نحو المجد والعزة ركبها، وينقلون العالم إلى السعادة والخير، فكانوا بحق خير أمَّة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. وبعد .. فإنه لم يرق لأعداء الإسلام أنْ يروا هذا الدين، قد صلب عوده، واستوى ساقه، وأثمرت أزهاره، وأينعت ثماره، مما حال بينهم وبين استغلال المسلمين، واستنزاف خيرات بلادهم، وقضى على مصالحهم الاستغلالية، ولم تعد تجدهم وسائل القوة لتحقيق مآربهم والوصول إلى غايتهم، فرأوا أنْ تدسُّوا السم في عقائد المسلمين، ليسلخوهم عنه، فعملوا على تغيير وجه الإسلام وتشويهه بمختلف طرق الدعاية الجذابة، وافتنُّوا في وسائل التبشير المغرية، فشكَّكوا بعض ضعاف القلوب - ممن يحسبون على الإسلام - في تعاليمه وأحكامه، وكان من الصعب عليهم أنْ يعبثوا بالقرآن الكريم الأصل التشريعي الأول، عليهم فحاولوا أنْ يطرقوا باب السُنَّة، فاتهموا كبار نقلتها، وأئمة حُفاظها، لإضعاف جانب عظيم من الحديث النبوي، قاصدين من وراء هذا تشكيك المسلمين

стр. 6

في السُنَّة الطاهرة، ليطرحوها - وهي المفسِّرة المُبيِّنة للقرآن الكريم - فتبعد الشقة بين المسلمين وفهم قرآنهم، ويبدو القرآن غريباً عنهم مع مر الزمن، وبهذا يتم لأعداء الإسلام ما يريدون. وقد شاعت هذه الأفكار في أبحاث بعض المستشرقين، وحملها عنهم بعض من ينسب إلى أهل العلم، وروجها أشياعهم من أهل الأهواء. ولكنا نعلم وجميع المنصفين يعلمون أنَّ السُنَّة انتقلت إلينا جيلاً بعد جيل، على أسلم طرق التثبت العلمي، فقد بذل العلماء قصارى جهودهم في سبيل الحفاظ على السُنَّة، فرحلوا في طلب الحديث، وتحمَّلوا مشاق السفر، وتركوا الأهل والأوطان، وحفظوا الأحاديث بأسانيدها، وذكروا طرق كل حديث، وبيَّنوا نقلته عن الرسول ﷺ ، ومازوا الضعيف من الصحيح، ونقدوا الرُواة، نقداً علمياً دقيقاً، ولم يقبلوا الحديث إلاَّ عن الثقات. وقد أجمعت الأمَّة على عدالة الصحابة، الذين سمعوا من رسول الله ﷺ ، وتخرَّجُوا في حلقاته، وبذلوا النفس والنفيس في سبيل الدعوة إلى الله، وإرساء قواعد الإسلام وحفظ الشريعة الحنيفة. وكان الصحابي الجليل أبو هريرة أحد كبار الصحابة الذين رَوَوْا عن الرسول الأمين - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَأَتَمِّ التَسْلِيمِ - الكثير الطيب، وروى عنه كثير من التابعين، فكان أكثر صحابي روي عنه الحديث عن رسول الله ﷺ ، لذلك وجه إليه أعداء الإسلام، وبعض أهل الأهواء سهام طعونهم فأعلنوها عليه حرباً شعواء لا هوادة فيها، وتحاملوا عليه، واتهموه في بعض ما روى عنه، واستهزأوا ببعض مروياته، حتى أنَّ بعضهم جعله في مصاف الوضَّاعين والكذَّابين، وفي زُمرة أهل الجحيم. وقد هالني أنْ أجد راوية الإسلام تلوكه الألسن المغرضة، وتتناوله أقلام الباطل، فرأيت من واجبي كمسلم أولاً، وكمشتغل في السُنَّة وعلومها

стр. 7

ثانيا، أنْ أكشف عن الحقيقة مهما تكن نتائجها، غير منحاز ولا متحامل، قاصداً في هذا وجه الله العلي القدير، لأنصف راوية الإسلام أبا هريرة، وأضع الحق في نصابه، فأقدمت على هذا البحث، تحف به الصعاب من كل جانب، وتناولت أمهات المراجع: المخطوط منها والمطبوع، فإذا بصورة أبي هريرة تبدو واضحة صافية، لا شِيَةَ فيها، تشرق بماض مجيد، وبروح سامية وبنفس طيبة لتكوِّن شخصيته العلمية القوية، فيتجلَّى بطلان تلك الطعون التي وجهت إليه من خلال نظرات خاصة، أو أهواء متبعة، أو غايات هدامة، وتتضح مخالفتها للواقع التاريخي، وللحقيقة العلمية، لهذا رأيت أنْ أستكمل دراسة أبي هريرة بتفنيد تلك الشُبهات التي أثيرت حوله على ضوء دراستي إياه، ولما كان الطعن في أبي هريرة ذريعة للطعن في غيره من الصحابة الكرام - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - لتوهين السُنَّة ورفض العمل بها رأيت من الواجب أنْ أمَهِّدَ للبحث بما يقتضيه فكان الموضوع في تمهيد وبابين: التمهيد: تناولت فيه العرب ورسالة الإسلام، ثم تكلمت عن السُنَّة والمقصود بها لغة وشرعاً، ثم بيَّنتُ مكانة السُنَّة من القرآن الكريم، وتماسك الأمَّة بها والمحافظة عليها، والعمل بها، ثم بيَّنت منزلة الصحابة وعدالتهم. وبعد ذلك تكلمت عن حفظ السُنَّة وصيانتها وانتشارها، وأهم ما صُنِّفَ فيها. لأنَّ في هذا ما يرحض عن السُنَّة الطاهرة أدران أعدائها. الباب الأول: وفيه فصلان: الفصل الأول: تناولت فيه حياة أبي هريرة في مختلف مظاهرها، الخاصة والعامة. الفصل الثاني: حياة أبي هريرة العلمية، بيَّنْتُ فيه نشاط أبي هريرة العلمي، وطرق تحمُّلِهِ الحديث ونشره السُنَّة، ومنزلته العلمية، ورأي العلماء فيه.

стр. 8

الباب الثاني: عرضت فيه ما أثاره بعض أهل الأهواء، وبعض الكاتبين والمستشرقين من طُعُونٍ حوله، وناقشتها وبيَّنت وجه الحق فيها. وإني لأرجو الله أنْ أكون قد وفِّقْتُ بهذه الطريقة، لعرض الموضوع بشكل يحقق الغاية منه. وأخيراً لا بد لي من أنْ أتوجه بشكري العميق إلى أستاذي الجليل فضيلة الشيخ علي حسب الله، أستاذ الشريعة الإسلامية والدراسات العليا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فقد تفضَّلَ عليَّ بقراءته هذا البحث، قراءة دقيقة فأفدت من ملاحظاته، مِمَّا شجَّعني على التفكير في طبعه ونشره، دفاعاً عن السُنَّة الطاهرة، وعن رُواتها الأمناء؛ فجزاه الله خير الجزاء. وختاماً .. أرجو كل من يطلع على هذ الكتاب، فيجد فيه ما يحتاج إلى تعديل أو تبديل، أنْ يفيدني بما عنده .. والله الموفق إلى الصواب محمد عجاج الخطيب القاهرة: ١٠ رمضان سنة ١٣٨١ هـ - ١٥ فبراير سنة ١٩٦٢ م. ***

стр. 9

تمهيد: - العرب ورسالة الإسلام. - حول السُنَّة. - السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم. - عدالة الصحابة. - حفظ السُنَّة وانتشارها.

стр. 10

العرب ورسالة الإسلام: منذ أربعة عشر قرناً، بينما كان يعيش العالم كله في ظلام فكري، وتأخر علمي، وظلم اجتماعي، أشرقت في أرض الجزيرة العربية شمس الهداية، وعلت في الأفق تطارد ذاك الظلام، تنير للعالم سبيله، وترسم له طريق التقدم والرقي والنجاح. تلك الشمس شمس النبوة التي حملها محمداً ﷺ ، إذ بعثه الله . ﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٢). وشرفه بالرسالة السامية الخالدة، إلى الناس كافة .. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥). [سبأ: ٢٨] وأمره أنْ يبلِّغ أحكام الإسلام وتعاليمه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٦). ومن فضل الله على الأمَّة العربية أنْ بعث فيهم: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٧).

стр. 11

فأمره أن يدعو أهله وعشيرته، فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال عزَّ من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٢). أمره أن يدعو قومه إلى سبيل الرشاد، ليحملوا عبء تبليغ الرسالة إلى الأمم الأخرى، فيكون لهم شرف المُبَلِّغ الهادي، ويخلد اسمهم أبد الدهر، كما أراد الله للرسول الكريم ﵊، وللأمَّة العربية التي تلقَّت الرسالة، وانطلقت تحرر العالم من الظلم والطغيان، وتوجه مركب الإنسانية إلى شاطئ السلام، وتخرجه من الظلمات إلى النور، سالكة سبيل الهداية والحق، حاملة لواء التحرير ... بعد أنْ تنكب الناس الصراط المستقيم، وتخبَّطُوا في غياهب الجهالة والضلال. إلاَّ أنَّ هداية العرب لم تكن سهلة، بل تحمل الرسول الكريم ﵊ في سبيلها المشاق الكثيرة، وأوذي في جسمه وماله، وأهله وأصحابه ووطنه، وكان يدعو ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً، ويسأل الله السداد والرشاد، متطلِّعاً إلى هداية قومه ليحملوا الرسالة ويؤدُّوا الأمانة. لقد أوحى الله إلى الرسول ﷺ ، وقومه على دين آبائهم، وثنية وأصنام، يسودهم النظام القبلي، وتربط بينهم صلة القرابة والدم، لا يحكمهم نظام عام، بل يخضعون للعادات والأعراف، يدفعهم الشرف والمفاخرة بالأنساب إلى المنافسة في المكارم والمروءات، يعيشون في حلقة الأسرة والقبيلة، في إطار الجزيرة العربية. وكان لحياته تلك أثر بعيد في صفاء نفوسهم، ومحافظتهم على أمجادهم وعاداتهم، وتفانيهم في سبيل مثلهم الأعلى، حتى كانوا يسرفون في ذلك كله، فهم كرام يبذلون ما يستطيعون للضيف، فيبلغون في ذلك حد الإسراف.

стр. 12

ويأبون العار ولو أدى بأعزِّ ما لديهم إلى الردى، ولهذا وَأَدُوا بناتهم خشية الفقر والزلل. ويحبون الأمجاد والبطولات فتغنَّوا بها ولكنهم ضلوا الطريق، وحرموا العقيدة الموصلة إلى ذلك، ترى العفة والكرامة من أخلاقهم، والكرم والشجاعة من سجاياهم، والحمية والثأر تسير في عروقهم، رضعوا هذا مع لبنهم، وفطروا ونشأوا عليه، فهم لا ينامون على ضيم، ولا يرضون ذلاًَّ أو هواناً، وويل لمن غضب عليه العرب، إذ كانوا يثورون لأتفه الأسباب، يكفي أنْ يستفز القبيلة فرد أهينت كرامته، فتنطلق جميعها كباراً وصغاراً تدفع عنه ما أصابه، لأنَّ كرامة الفرد من كرامة القبيلة، وإلى هذا يمكننا أنْ نردَّ أكثر الغزوات والغارات التي كانت بين القبائل قبل الإسلام. وقد حفظت ذاكرتهم القوية أشعارهم وأنسابهم التي كانت بمثابة سجل تاريخي لهم، وكان كل ذلك من المؤهِّلات التي أعدَّتهم لحمل الرسالة الإسلامية فيما بعد. وإذا كان العرب قد عبدوا الأوثان آنذاك، فإنهم لم يعبدوها على أنها هي الخالقة المدبرة لأمور الكون وشؤونه، بل رأوا فيها التقرب إلى الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) ولم تكن عقائدهم معقَّدة مركبة، كما كانت عليه عقائد سكان البلاد المجاورة من الفرس والهند والروم، بل كانوا أصفياء النفوس، ويمكننا أنْ نقول: إنَّ عندهم فراغاً عقدياً - إذا صح هذا التعبير - تستره تلك العبادات والمعتقدات الأولية، التي لم تقف على قدميها أمام عقيدة الإسلام المتماسكة الكاملة، ولهذا كان العرب يمتازون عن غيرهم من الأمم بتلك الصفات التي أهلتهم فيما بعد لأنْ يكونوا رجال الإسلام، وحملة لوائه إلى العالم. ومع هذا لم يكن من السهل أنْ يستجيب العرب جميعاً إلى دعوة الرسول الكريم بادئ ذي بدء، إذ كان من الصعب أنْ يتركوا دين

стр. 13

آبائهم وأجدادهم، فإذا ما دعاهم إلى الله قال له أقرب الناس إليه: تبّاً لك!! إلهذا دعوتنا؟ وأوذي ﷺ في سبيل دعوته كثيراً، وقاسى الصعاب، ولم يؤمن به إلاَّ نفر قليل: زوجه، وبعض ذويه، وقليل من أهله. وكان لا يفتر عن دعوتهم، ويسخرون منه فيزداد نشاطاً وحيوية وراء أمله، ويصوِّرُهم الله في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢). إلاَّ أنَّ الباطل لا يقوى أمام الحق، فسرعان ما يتقوَّض، ويظهر ضعفه، كما يتلاشى الظلام حين يكون وراءه النور الساطع. ومضى الرسول الكريم ﵊ في دعوته، وصبر الصبر الجميل مُضْطَهَداً حيناً، مستهزَءاً به أحياناً، ومع هذا كان يتمنَّى لقومه الهداية والرشاد، فيطيب اللهُ خاطره، ويُخفِّفُ عنه، مُبيِّناً أنَّ هدايتهم بيده ، فيقول: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣). ويصوِّرُ الله تعالى ضيقه ﷺ في سبيل هداية قومه، فيقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٤). ويؤكِّدُ له أنه على حق، ولا بد من أنْ ينتصر، فيشحذ عزيمته بقوله : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥).

стр. 14

وهكذا بدأ الإسلام يستولي على القلوب في مكة رُويداً رُويداً، ثم انتشر بين بعض سكان يثرب (المدينة المنورة)، وازدياد إيذاء المشركين للمسلمين واضطروهم إلى هجر وطنهم فراراً بدينهم. وفتحت المدينة المنورة صدرها رحباً للمسلمين، وبدأت الدولة الإسلامية تنتظم أمورها برياسة رسول الله ﷺ ، وانتشر خبر الإسلام في أطراف الجزيرة، ولم تمنع أضاليل المشركين العرب من الدخول في دين الله، دين العدالة والمساواة، عقيدة سهلة سامية، إيمان بالله، وطاعة لرسول الله، وعبادات تدخل السعادة والطمأنينة إلى النفوس، نظام يضبط الجماعة ويؤمِّنُ حقوق الأفراد ... كل هذا جعل القبائل العربية تتهافت إلى المدينة من كل حدب وصوب، يعلنون إسلامهم، وعمَّ الإسلام الجزيرة العربية بعد الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وانقلبت مكة والمدينة بل الجزيرة العربية إلى موطن إسلامي متماسك تنبع منه أشعة الهداية لتنير العالم. وقد تم ذلك للرسول الكريم خلال اثنتين وعشرين سنة وبضعة أشهر. وهكذا خرج العرب باعتناقهم هذا الدين الحنيف من نطاق القبيلة الضيق المغلق إلى صعيد الإنسانية الواسع، ومن إطار الصحراء إلى العالم الشاسع، وانقلبت رابطة الدم والقرابة إلى الأخوَّة في الدين، وانتهى نظام القبيلة وحل مكانه نظام الدولة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة، وانتقلت حميَّتُهُم للقبيلة إلى نصرة الحق، والأخذ بيد المظلوم وإنصافه، وأصبح اعتزازهم بالإسلام وبما يقدِّمُونه من تضحيات وخدمات في سبيل ذلك بدلاً من اعتزازهم بالأنساب، واتجه حبهم للأمجاد والبطولات صعداً إلى تحقيق ما يرضي الله ورسوله، وتحوَّلت شجاعتهم وجرأتهم المحصورة في النطاق القبلي إلى شجاعة وجرأة في سبيل نشر الدين الجديد، وتحوَّلَ كرمُهُم الذي بلغ حد السرف إلى إعانة الفقراء وإغاثة الملهوفين، وتزويد الجيوش للدفاع عن معتقداتهم وعن إخوانهم في الدين، وتحرير

стр. 15

الأمم من نير العبودية إلى الحرية وعبادة إله واحد ... فكان الإسلام شرفاً عظيماً لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١). والذكر هو الشرف العظيم، وكان العرب بحق كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). يتبيَّنُ لنا مما ذكرت أنَّ هؤلاء العرب الأشدَّاء، الذين فرضت عليهم الطبيعة الصحراوية حياة خاصة، قد انطوت نفوسهم على خصال طيِّبة، وصفات كريمة، وميول سامية، وراءها دوافع قوية، وحيوية فائقة، ولكنه كان ينقصهم العقيدة الصالحة، التي تُوجِّهُهُم في هذه الحياة، وتؤثر في جميع تصرُّفاتهم، كما كان ينقصهم النظام الحسن، فما أنْ وجدوهما في الإسلام دين الحنيفية السمحة، والفطرة الصافية، حتى كانوا خير حافظ لها، بعد أنْ آمنوا بها، وتجاوبوا معها، وأصبحوا أول داعٍ إليها، ومن ثم فتحوا قلوبهم للرسول الكريم ﵊، وأصغوا إليه، والتفُّوا حوله ينهلون من المعين الذي لا ينضب، ويتلقَّون تعاليم الإسلام من رائده، ليقوموا بدورهم في هداية الناس جميعاً، وهكذا تضافر العامل الفطري الذي تميَّز به العرب مع العامل المكتسب الجديد (الروحي)، فظهر الرعيل الأول الذي حمل مشعل النور والحق إلى العالم، وساهم في تحرير الإنسان من عبودية الظلم والجهل والفقر، وأخذ بيده إلى سبيل السداد والرشاد، ظهر ذلك الرعيل العظيم الذي نقل القرآن الكريم والسُنَّة الطاهرة بكل أمانة وإخلاص. بعد هذا نتكلم عن السُنَّة وتعريفها ومكانتها من القرآن الكريم، وعن الصحابة وعدالتهم بما يُمَهِّدُ لنا السبيل إلى البحث. ...

стр. 16

حول السُنَّة: السُنَّة في اللغة هي السيرة حسنة كانت أو قبيحة، وكل من ابتدأ أمراً به قوم بعده هو الذي سَنَّهُ ... قال خالد بن عتبة الهذلي: فََلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أَنتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (١). وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُِ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (٢). وإذا أطلقت السُنَّة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به رسول الله ﷺ ، ونهى عنه، وندب إليه قولاً وفعلاً، ولهذا يُقال في أدلة الشرع الكتاب والسُنَّة، أي القرآن والحديث، ويطلق علماء الحديث لفظ السُنَّة على كل ما يتَّصل بالرسول ﷺ من سيرة، وخُلُقٍ، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثبت ذلك حكماً شرعياً أم لا. وأما علماء أصول الفقه فإنهم يطلقون لفظ السُنَّة على أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت حُكماً شرعياً. وأما علماء الفقه فقد بحثوا عن الرسول ﷺ ، الذي تدلُّ أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وُجُوباً، أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك. فالسُنَّة عندهم كل ما ثبت عن النبي ﷺ ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب.

стр. 17

فأوسع الإطلاقات إطلاق المُحَدِّثِينَ، الذين يقصدون بالسُنَّة كل أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صِفَةٍ خَلْقِيَّةٍ، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتَحَنُّثِهِ في غار حراء، أو بعدها، وسواء أثبت ذلك حُكماً شرعياً أم لا. والسُنَّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي. أما القول فهو أحاديثه التي قالها في مختلف المناسبات، كقوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى ... »، وقوله: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ»، وقوله: «لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَارَ»، وقوله في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». وأما الفعل فهو أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة، مثل وضوئه، وأدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه ﷺ مناسك الحج، وما إلى ذلك. وأما التقرير فكل ما أقرَّهُ الرسول ﷺ ، مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، أو بموافقته وإظهار استحسانه وتأييده، فيعتبر ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقه عليه صادراً عن الرسول ﷺ ، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ رَجُلاَنِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ». وَقَالَ للآخَرِ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». وقد تطلق السُنَّة في مقابلة البدعة، فيقال: «فُلاَنٌ عَلَى سُنَّةٍ» إذا عمل على وفق ما عمل عليه الرسول ﷺ ، سواء أكان ذلك مِمَّا نَصَّ عليه الكتاب أم لم يكن. ويقال: «فلان على بِدْعَةٍ» إذا عمل على خلاف ذلك. والبدعة لغة هي الأمر المُسْتَحْدَثُ، ثم أطلقت في الشرع على كل ما أحدثه

стр. 18

الناس من قول وعمل في الدين وشعائره مِمَّا لم يؤثر عنه ﷺ وعن أصحابه، وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١). وتطلق السُنَّة أحياناً عند المُحَدِّثِينَ وعلماء أصول الفقه على ما عمل به الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السُنَّة أو لم يوجد. ويحتجُّ لذلك بقوله ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٢). ومن أبرز ما ثبت في السُنَّة بهذا المعنى «سُنَّة الصحابة» حد الخمر، فقد كان تعزير الشارب في عهده ﷺ غير محدود، تارة يضربونه نحو أربعين جلدة، وتارة يبلغون ثمانين، وكذا في عهد أبي بكر، فلما كان آخر إمْرَةِ عمر ﵁، ورأى الناس في سعة العيش، وكاد الشرب يشيع بينهم - استشار الصحابة في حدٍّ زاجرٍ، فقال عليٌّ: نرى أنْ تجلده ثمانين، لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المُفترِي جلد ثمانين جلدة، وقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخفِّ الحدود يعني ثمانين، وأجمع الصحابة على هذا، فتحديد الثمانين هو السُنَّة التي عمل عليها الصحابة باجتهاد منهم، حسبما اقتضاه النظر المصلحي. ومن هذا تضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين .. وما أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرَّهُ الصحابة ﵃ وأجمعوا عليه (٣).

стр. 19

وأعني بالسُنَّة ما أراده المُحَدِّثُونَ، وهي ما يرادف الحديث عند جمهورهم وإن كان بعضهم يفرِّقُ بين السُنَّة والحديث، فيرى الحديث ما ينقل عن الرسول ﷺ ، والسُنَّة ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول. والحديث القُدْسي هو كل حديث يضيف فيه رسول الله ﷺ قولاً إلى الله ، كحديث أبي ذر الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا ... » (١). وحديث عبد الله بن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» (٢). والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير (٣). ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه)، وإلى الإله أو الرب، لأنه صادر عن الله ﵎، المتكلم به أولاً،

стр. 20

وأما كونه حديثاً، فلأنَّ الرسول هو المُخْبِرُ به عن الله ، والحاكي له بلفظه ﷺ ولغته. بعد هذا أرى من الواجب أنْ أُبيِّنَ مكانة السُنَّة من القرآن الكريم، لتظهر لنا أهميتها بالنسبة للشريعة الإسلامية ومصادرها التشريعية. ***

стр. 21

السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم: لم يكن للأحكام في عهد الرسول الكريم ﵊ مصدر سوى الكتاب والسُنَّة. ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة للأحكام الشرعية، دون التعرض إلى تفصيلها جميعها، والتفريع عليها، إلاَّ ما كان منها متفقاً مع الأصول العامة ثابتاً بثبوتها، لا يتغيَّر بمرور الزمن، ولا يتطور باختلاف الناس في بيئاتهم وأعرافهم، كل هذا حتى يٌحقِّق القرآن الكريم النهضة الإنساية الشاملة، والرقيَّ الاجتماعي والفكري، وينشر العدالة والسعادة، في كل زمن، ويبقى صالحاً لكل أمَّة مهما كانت بيئتها وأعرافها، فتجد فيه ما يكفل حاجتها التشريعية في سبيل النهوض والتقدم، وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم نجد العقائد والعبادات وقصص الأمم الغابرة، والآداب العامة والأخلاق .. وقد جاءت السُنَّة في الجملة موافقة للقرآن الكريم، تُفَسِّرُ مُبْهَمَهُ، وتُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، وتُقَيِّدُ عامَّهُ، وتشرح أحكامه وأهدافه، كما جاءت بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم، تتمشى مع قواعده، وتحقِّق أهدافه وغاياته، فكانت السُنَّة تطبيقاً عملياً لم جاء به القرآن العظيم، تطبيقاً يتَّخذ مظاهر مختلفة، فحيناً يكون عملاً صادراً عن الرسول ﷺ ، وحيناً آخر يكون قولاً يقوله في مناسبة، وحيناً ثالثاً يكون تصرُّفاً أو قولاً من أصحابه ﷺ ، فيرى العمل أو يسمع القول ثم يُقِرُّ هذا وذاك، فلا يعترض عليه ولا ينكره، بل يسكت عنه أو يستحسنه فيكون منه تقريراً. وهكذا كان رسول الله ﷺ يُبيِّنُ ما جاء في القرآن الكريم، والصحابة يقبلون ذلك منه، لأنهم مأمورون باتِّباعه وطاعته، ولم يخطر ببال امرئ منهم أنْ يترك قول رسول الله ﷺ أو فعله، وقد عرفوا ذلك من كتاب الله تعالى، ففيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ

стр. 22

فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٢)، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥). وقوله : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٦). فأوكل الله بيان أحكام القرآن الكريم إلى رسوله ﷺ . وغير ذلك من الآيات الكريمة. وقال ﷺ : «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٧)، وقال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٨)، وقد أجمعت الأمَّة على العمل بسُنَّة الرسول الكريم. فتقبَّل المسلمون السُنَّة من الرسول ﷺ كما تقبَّلوا القرآن الكريم، استجابة لله وللرسول الأمين، لأنها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم بشهادة الله ورسوله، وإذا اعتبرنا السُنَّة المصدر الثاني، إنما نعتبرها من حيث إنها مفسرة لكتاب الله، مُفَصِّلَةٌ مُجْمَلَهُ، مُبَيِّنةٌ أحكامه ومقاصده، مُفَرَّعة على أصوله وقواعده، لهذا كان الكتاب هو المصدر الأول والسُنَّة هي المصدر الثاني، ومع هذا فإنَّ ما استقلَّت به السُنَّة من أحكام لم ينص عليها القرآن الكريم، وليست بياناً له، ولا تطبيقاً مؤكداً لما جاء في كتاب الله - لا تقل في المنزلة عن

стр. 23

الأحكام التي نص عليها الله في القرآن الكريم، ذلك لأنَّ ما يسُنُّهُ الرسول ﵊ لا يكون إلاَّ حقاً، والله لا يقر الرسول ﷺ على اجتهاد خطأ، بل ينزل الوحي ويُصَحِّحُ له اجتهاده، فكل حكم ثبت من طريق السُنَّة وجب اتِّباعه، لأنه حكم الله لعباده على لسان رسوله. وقد ثبتت عدة أحكام بالسُنَّة من غير أنْ ينُصَّ عليها الكتاب الكريم، كتحريم أكل الحُمُر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمَّتها أو خالتها (١). ولم يفكر مسلم في ترك بعضها لأنها لم تذكر في الكتاب، بل استجاب لذلك جميع المسلمين مُطبِّقين أمر الله في اتِّباع سُنَّة محمد ﷺ ، الذي نزل فيه قول الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢). قال ابن قيم الجوزية: «وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣). فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاماً بأنَّ طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً، سواء أكان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذاناً بأنهم إنما يطاعون تبعاً لطاعة الرسول. فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرول فلا سمع له ولا طاعة» (٤).

стр. 24

فالقرآن والسُنَّة مصدران تشريعيان متلازمان. لا يمكن لمسلم أنْ يفهم الشريعة إلاَّ إذا رجع إليهما معاً، ولا غنى لمجتهد أو عالم عن أحدهما، ولا يجرؤ أنْ يدعى هذا أحد. فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين، من غير أنْ يُبَيِّنَ أوقاتها وأركانها وعدد ركعاتها. فبَيَّنَ الرسول الكريم هذا بصلاته، وتعليمه المسلمين كيفية الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، وفرض الله الحج من غير أنْ يُبَيِّنَ مناسكه، وقد بَيَّنَ الرسول الأمين كيفيته، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). وقد فرض الله تعالى الزكاة من غير أنْ يبين ما تجب فيه من أموال وعروض وزروع، كما لم يبين النصاب الذي تجب فيه الزكاة من كل، وأوكل بيانه للرسول الكريم الذي أوضحه وفَصَّلَهُ بسُنَّته، وغير ذلك من الأحكام التي بَيَّنَتْهَا السُنَّةُ. لهذا كله رأينا الصحابة يلتفُّون حول الرسول ﷺ يشاهدون بعيونهم، ويسمعون بآذانهم وتَعِي قلوبهم، ويتمسَّكون بسُنَّتِهِ ﷺ ، ولا يفرِّقُون بين ما جاء في القرآن وما جاء في السُنَّة، وقد امتثل الصحابة لأوامر الله ورسوله، ونفَّذُوها مخلصين، وحَمَوْا الشريعة بالمال والدماء، في حياته ﷺ وبعد وفاته. وحافظوا على الكتاب الكريم والسُنَّةِ الشريفة وأَبَوْا أنْ يكونوا ذك الرجل الذي ينطبق عليه قوله ﵊: «يُوشِكُ الرَجُلُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بَحَدِيث مِنْ حَدِيثي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَل اسْتَحْلَلْنَاهُ، ومَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّم اللهُ» (٣) بل وقفوا من

стр. 25

السُنَّة موقفاً عظيماً، وردُّوا على كل من فهم ذاك الفهم. روى أبو نضرة عن عمران بن حُصين: «أنَّ رجلاً أتاه فسأله عن شيء، فحدَّثه، فقال الرجل: حدِّثُوا عن كتاب الله ، ولا تحدِّثُوا عن غيره، فقال: إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ»، وعَدَّ الصلوات، وعَدَّ الزكاة ونحوها، ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كِتَابُ اللَّهِ أَحْكَمَ ذَلِكَ، وَالسُّنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (١). ونهج التابعون وأتباعهم والمسلمون من بعدهم سبيل الصحابة في المحافظة على السُنَّة والعمل بها وإجلالها، قال رجل للتابعي الجليل مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٢). وأخبار اقتداء الصحابة بالرسول ﷺ والمحافظة على سُنَّته تفوق الحصر، وسأورد بعضها على سبيل الذكرى. أتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ أبا بكر تطلب سهم رسول الله ﵊ فقال لها: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ ، إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ بَعْدَهُ "، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ». فَقَالَتْ: فَأَنْتَ وَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ (٣). وقال في رواية: «لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ» (٤). وفي وقعة اليرموك كتب القادة إلى عمر بن الخطاب: «إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ» يستمدونه فكان فيما أجابهم: «إِنِّي أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ

стр. 26

نَصْرًا، وَأَحْضَرُ جُنْدًا، اللهُ ، فَاسْتَنْصَرُوهُ , فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ نُصِرَ يَوْمِ بَدْرٍ فِي أَقَلَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَقَاتَلُوهُمْ وَلا تُرَاجِعُونِي» (١). ويرى عمر ﵁ الناس قد أقبلوا على طيِّبات الدنيا مما أحلَّ لهم الله تعالى، فيُذَكِّرهم برسول الله ﷺ فيقول: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ دَقَلا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ» (٢). وقال سعيد بن المسيب: رَأَيْتُ عُثْمَانَ قَاعِدًا فِي الْمَقَاعِدِ «فَدَعَا بِطَعَامٍ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَأَكَلَهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى»، ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ: «قَعَدْتُ مَقْعَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْتُ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَصَلَّيْتُ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٣). وروى الإمام أحمد أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، شَرِبَ قَائِمًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا تَنْظُرُونَ؟ إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا، فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا، وَإِنْ أَشْرَبْ قَاعِدًا، فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَشْرَبُ قَاعِدًا» (٤). وقد اشتهر عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ بمحافظته الشديدة على سُنن رسول الله ﷺ ، فكان الرسول أسوته في كل شيء، في صلاته وحَجِّهِ وصيامه، وفي جميع أحواله (٥)، وكثيراً ما كان يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٦).

стр. 27

قيل لعبد الله بن عمر: لا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: « ... إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ ، وَلا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَفْعَلُ» (١) وفي رواية قال: «وَكُنَّا ضُلاَّلاً فَهَدَانَا اللَّهُ بِهِ، فَبِهِ نَقْتَدِي» (٢). والأخبار عن الصحابة والتابعين وأهل العلم من بعدهم كثيرة جداً. نختتمها بهذا الخبر، فقد روى ابن ماجه أنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيَّ، النَّقِيبَ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ، لاَ زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلا نَظِرَةً»، فَقَالَ: لَهُ مُعَاوِيَةُ: «يَا أَبَا الْوَلِيدِ، لا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا، إِلا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ»، فَقَالَ عُبَادَةُ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ»، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: «ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ»، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلِ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الأَمْرُ» (٣). وأولئك صحابة رسول الله الذين لم يرضوا ترك سُنَّةً كان عليها رسول الله ﷺ ، ولم يقبلوا مع السُنَّة رأي أحد مهما كان شأنه، ومهما عَلَتْ مكانته، أولئك الذين حفظوا الحديث النبوي، ووجَّهُوا

стр. 28

الأُمَّة إلى السبيل القويم، وحملوا الأمراء على تطبيق أحكام الشريعة، وأبَوْا أنْ يُماروا في دين الله، صادعين بالحق، لا يخافون فيه لومة لائم. وقد كان لهم الفضل الكبير، والشرف العظيم في حمل أحكام الشريعة وحفظها وتبليغها إلى من بعدهم. ***

стр. 29

عدالة الصحابة: ولمنزلة الصحابة الكريمة، وأمانتهم وإخلاصهم، وحرصهم على الدين وأحكامه، ودفاعهم عنه، أجمع أهل السُنَّة على عدالتهم وتوثيقهم جميعاً إلاَّ من ظهر منه ما يُجَرِّحُ عدالته مِمَّنْ لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (١)، فلا يجوز لأحد أنْ يتعدَّاهُم خشية أنْ يخالف الكتاب والسُنَّة اللذين نصَّا على عدالتهم جميعاً. قال ابن حزم: «نقول بفضل المهاجرين الأولين بعد عمر بن الخطاب ... ثم بعد هؤلاء أهل العقبة - الأنصار الذين بايعوه بيعة العقبة - ثم أهل بَدْرٍ ثم أهل المشاهد مشهداً مشهداً، وأهل كل مشهد أفضل من المشهد الذي بعده حتى يبلغ الأمر إلى الحُديبية، فكل من تقدَّم ذكره من المهاجرين والأنصار ﵃ إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم أنم كلهم مؤمنون صالحون، ماتوا كلهم على الإيمان والهُدَى والبر، كلهم من أهل الجنة، لا يلج أحد منهم النار» (٢). وقال شارح " مسلَّم الثبوت: «إنَّ عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب البدر، وبيعة الرضوان كيف لا وقد أثنى الله تعالى عليهم في مواضع عديدة من كتابه، وبَيَّنَ رسول الله ﷺ فضائلهم غير مَرَّةٍ» (٣). وقد ورد في الصحابة ما يوجب لهم العدالة، ويجعلهم في ذروة الثقة والائتمان، فقد زكَّاهُمْ الله تعالى ورسوله، وتقبَّلت الأُُمَّةُ ذلك بالإجماع من هذا قوله :

стр. 30

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). وقوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٤). تلك آيات كريمة تشهد بفضل ومكانة جميع الصحابة، وهناك آيات أخرى تذكر فضلهم في كثير من المواقف، في الهجرة والجهاد والبذل والغزوات، وإنَّ هذه وتلك أدلة قطعية تنصُّ على عدالتهم، لقد ﵃، ورضوا عنه، فهل بعد ذلك نطلب رضاء الناس عنهم وتعديلهم إياهم؟. وأدلة عدالة الصحابة من السُنَّة كثيرة تشهد بفضلهم جُملة وآحاداً، وقد أفردَتْ كثير من كُتُب السُنَّة أيواباً خاصة في فضل الصحابة. ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ» (٥).

стр. 31

ومنها ما رواه عبد الله بن مغفل وأخرجه الترمذي وابن حبان في " صحيحه ": قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ». وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أفضليتهم كقوله ﷺ : «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» وهو حديث صحيح. وفي رواية: «خَيْرُ النَاسِ». فبعد تعديل الله تعالى ورسوله للصحابة، وإجماع الأمة على عدالتهم لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم ﵊ شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا عليه من دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول ﷺ والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والبذل السخي من الأموال والأرواح في سبيل الله والمحافظة على الدين، والتشدُّد في امتثال أوامر الله تعالى ورسوله، واندفاعهمه العظيم بصدق وإخلاص وتضحية وجْرأة في سبيل ذلك، فنراهم يوم بدر يقتحمون الموت، ويتسابقون لتنفيذ أوامر القائد العظيم محمد ﷺ ، من هذا قول سعد بن عُبادة الأنصاري: «يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا (١) وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ (٢) لَفَعَلْنَا» (٣) فقد بذلوا نفوسهم للذَوْدِ عن حياض الإسلام، وفدوا الرسول ﷺ بأرواحهم، فإذا ما نزل بهم الخطب في غزوة أُحُدْ رأيناهم يتسابقون للدفاع عن رسول الله ﷺ ، هذا أبو دجانة يجعل ظهره ترساً لرسول الله ﷺ حتى أثخنته الجراح، وإلى جانبه

стр. 32

عليٌّ يذُبُّ بسيفه، وسعد بن أبي وقاص يرمي بقوسه حتى كتب لهم النصر ... فكانوا الأبطال الشُجعان في ساحات الوغى، والإخوان الأتقياء الرحماء في ميادين الحياة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١). أولئكم صحابة رسول الله ﷺ ، الذين عَلَتْ نفوسهم، وصَفَتْ قلوبهم، وسمت مُثُلُهُمْ، بعد أنْ ذاقوا حلاوة الإيمان، فحافظوا على الشريعة بكل ما أوتوا من قوة، سراً وعلانية حتى إنا نرى بعض من أخطأ منهم كان يقدم نفسه للرسول ﷺ لينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة، من ذلك ما رواه الإمام مسلم بسنده عن بُرَيْدَةَ قال: «جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ (٢)! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : حَتَى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْ رٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ... ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ». قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 33

«لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ» (١). تلك هي القلوب المؤمنة والنفوس الطيبة الطاهرة، التي تحرص على حفظ الشريعة وتطبيقها، مهما تكن نتيجة ذلك. هؤلاء هم صحابة رسول الله ﷺ ، الذين حفظ لهم التاريخ مآثر خالدة أبد الدهر، وإنَّ رجالاً أوتوا من العزيمة والقوة والتضحية، والورع والتقوى - ما عرفنا - جديرون بكل احترام وحب وتقدير. بل إنَّ حُبَّهُمْ واحترامهم واجب على كل مسلم لما جاء فيهم من آيات كريمة وأحاديث شريفة، ﵃ وَأَرْضَاهُمْ -. قال عبد الله بن مسعود: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالاً، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ» (٢). وقال التابعي الجليل إبراهيم بن يزيد النَخَعي: «لو أنَّ أصحاب محمد ﷺ لم يمسحوا إلاَّ على ظفر ما غسلته التماس الفضل، وحسبنا من إزراء على قوم أنْ نسأل عن فقههم ونخالفهم» (٣) وقد أجمع السلف والخلف من الأمة الإسلامية على فضل وإخلاص وأمانة الصحابة وعدالتهم، وأختتم الكلام في عدالة الصحابة جميعاً بقول الحافظ أبي زُرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ الزَنَادِقَةُ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى» (٣).

стр. 34

حفظ السُنَّةِ وانتشارها: لقد نزل القرآن الكريم مُنَجَّماً على محمد ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عاماً، والرسول الأمين يُبَلِّغُ قومه ومن حوله، يُبَيِّنُ أحكام القرآن، ويوضِّحُ آياته، ويفصل تعاليم الإسلام، ويطبِّقُ نظامه، فكان مُعلِّماً وحاكماً وقاضياً ومُفتياً وقائداً طيلة حياته ﵊، كان المرجع الأول والأخير في جميع أمور الأُمَّة وأحوالها، فكل ما يتعلَّقُ بالأمَّة الإسلامية في جميع شؤونها، دقيقها وعظيمها، وكل ما يتناول الفرد والجماعة في مختلف نواحي حياتهم، مِمَّا لم يرد في القرآن الكريم فهو من السُنَّة، العمليَّة أو القوليَّة أو التقريرية، ومن ثَمَّ نجد بين أيدينا أحكاماً وآداباً وعبادات وقُرُبات شرعت وطبقت خلال ربع قرن، فلم توضع السُنَّة دُفعة واحدة - كما يتصوَّرُ بعضهم - كمجموعة من الشرائع الوضعية، أو الأحكام الخلقية، التي يمليها بعض الحكماء والوُعَّاظ، وإنما شرعت لتربية الأمَّة دينياً واجتماعياً وخُلُقياً وسياسياً في السلم والحرب، في الرجاء والشِدَّةِ، وتتناول النواحي العلميَّة والعمليَّة، فلم يكن من السهل أنْ ينقلب الناس آنذاك فجأة، ويتحوَّلوا بين عشيَّة وضُحاها عن تعاليمهم القديمة، وديانتهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى الإسلام في نُظُمِهِ وعقائده وتعاليمه وعباداته. لقد تدرَّج القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة المستحكمة، ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، وثبت بالتدريج أيضاً العقائد الصحيحة، والعبادات والأحكام، ودعا إلى الآداب السامية، والأخلاق الفاضلة الحميدة، وشجَّع الذين التفُّوا حول الرسول الكريم يُبيِّنُ القرآن ويُفتي الناس، ويفصل بين الخُصُوم، ويُقيم الحدود، ويُطبِّقُ تعاليم القرآن، وكل ذلك سُنَّةٌ. وكان الرسول ﷺ قد اتَّخذ دار الأرقم مقرًّا له ولأصحابه حين كانت الدعون سِرِّيَةً، وفيها تلقَّى المسلمون تعاليم الإسلام الأولى، وحفظوا ما تنزَّل من القرآن، ثم ما لبث أنْ أصبح منزل الرسول

стр. 35

- ﷺ في مكة معهد المسلمين الذي يتلقَّون فيه القرآن الكريم، وينهلون من معين السُنَّة على يَدَيْ رسول الله ﷺ . وكان الصحابة يستظهرون آيات القرآن، ويتدارسونها فيما بينهم، ليثبتوا ما سمعوا من رسول الله ﷺ ، وقد يتذاكرون تفسير ما تَلَقَّوْهُ، وما تفسيره إلاَّ شرح رسول الله ﷺ وهو الحديث. فحفظ الحديث النبوي كان مُتمشِّياً جنباً إلى جنب مع حفظ القرآن الكريم من الأيام الأولى لظهور الإسلام. ثم أصبح المسجد فيما بعد المكان المعهود للعمل والفتوى والقضاء إلى جانب العبادة وإقامة الشعائر الدينية، وعرض الأمور العامة على المسلمين، واستنفار الجيوش، واستقبال الوفود. ومع هذا لم يقتصر تبليغ الرسول ﷺ على مكان محدود ولا على مناسبة معيّنة، فقد كان يُسْتَفْتَى في الطريق فيُفتِي، ويسئل في المناسبات فيجيب، يُبَلِّغُ الأحكام في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتَّسع لذلك. وإلى جانب هذا كانت له مجالس علميَّة كثيرة، يتخوَّلُ فيها أصحابه بالموعظة، فإذا جلس جلس إليه أصحابه حلقاً حلقاً (١) وعن أنس بن مالك ﵁ قال: « ... إِنَّمَا كَانُوا إِذَا صَلَّوُا الْغَدَاةَ قَعَدُوا حِلَقًا حِلَقًا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَعَلَّمُونَ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ» (٢). ولم يكن رسول الله ﷺ ضنيناً بالعلم على أصحابه، بل كان يكثر مجالستهم، يعلِّمُهُم ويزكيهم. وكان الرسول الكريم مثالاً رائعاً في تربية الأُمَّة، يخاطب الناس بما يُدركونه، فيُفْهِمُ البدويَّ الجافي بما يناسب جفاءه وقسوته، ويفهم الحضري بما يلائم حياته وبيئته، كما كان يراعي تفاوت المدارك، وانتباه أصحابه، وقدرهم الفطرية والمكتسبة، ويستعمل من الأساليب النظرية والعمليَّة

стр. 36

ما يُحقِّقُ مقاصد رسالته. والأخبار في هذا كثيرة جداً منها: أنَّ فَتًى مِنْ قُرَيْش أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي في الزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَزَجَرُوهُ فَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ ﷺ : " ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا ". فَقَالَ: " أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ". ثم ذكر له رسول الله ﷺ أخته ومعمَّته وخالته، وفي كل هذا يقول الفتى مقالته: " لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ "، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ الرَاوِي: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١). لقد اتَّبع الرسول ﷺ أسلوباً جعل الفتى يُدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أنَّ الناس جميعاً لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاهُ هو لذويه، مِمَّا حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه. وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس. وكان الرسول ﷺ يدعو إلى التيسير دائماً، وينهى عن التنطع في العبادة، والتضييق في الأحكام، وكان في معاملته للمسلمين جميعاً أخاً رحيماً، ومُعلِّماً متواضعاً حليماً، ويظهر ذلك واضحاً من تتبُّع سيرته ﵊. عن السيدة عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبَعْدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا» (٢). بهذه الروح الطيِّبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله ﷺ يعلِّمُ أصحابه

стр. 37

والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول الكريم والمسلمين حاجب كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يُعَلِّمُ فيه المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبشُّ لهم ويجيبهم، وقد يعترضونه في مناسكه وحَجِّهِ، أو على راحلته، يستفتونه فيُفتيهم، والابتسامة لا تفارق ثغرهُ، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد يكون على منبر مسجده يُبَلِّغُ الناس الإسلام وتعاليمه، ويُفَصِّلُ الأحكامَ ويشرحها .. فينقل السامعون ما تلقَّوْهُ إلى إخوانهم وذويهم ... فإنْ سمع وشاهد ووعى ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أمداً طويلاً، حتى إذا ما شك فيما سمع عاد إلى رسول الله ﷺ ، ليزيل وَهُمَهُ، ويثبته على الصواب، ويردَّهُ إلى الحق. وقد حرص الصحابة على مجالس الرسول ﷺ ، وأقبلوا على تلقِّي السُنَّة وتطبيقها من قلوبهم صادقين مخلصين، بعد أنْ ذاقوا حلاوة الإيمان، وعرفوا عظمة الإسلام، ورأوا في القرآن المعجزة الكبرى والهداية العظمي، فامتلأت قلوبهم حُباً لله ورسوله، وتفانوا في سبيل دينهم ومبادئهم وحماية قائدهم ومُعَلِّمِهِمْ، وأخبار بذلهم وفدائهم تكلِّلُ جبين التاريخ وتُزَيِّنُهُ، وإنَّ التاريخ ليحفظ تلك المفاخر الخالدة من التضحيات العظيمة النادرة. بهذه القلوب التي امتلأت بالإيمان، وبهذه الروح السامية والحيوية الدائمة أقدم الصحابة على تلقِّي العلم عن رسول الله الكريم، فكانوا يتعلَّمُون من النبي ﷺ القرآن الكريم آيات معدُودات: يسْتَفِمُونَ معناها، ويتعلَّمُون فِقْهَهَا، ويطبِّقُونه على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وفي هذا يقول أبو عبد الرحمن السُّلَمِي: «حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلَّمُوا من النبي ﷺ عشر آيات لم تجاوزوها حتى يتعلَّمُوا فيها من العلم والعمل .. قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً». وكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 38

وَسَلَّمَ - حرصاً شديداً، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعاية والتجارة وغيرها، وقد يصعب على بعضهم الحضور دائماً، فيتناوبون مجالسه ﵊، كما كان يفعل عمر ﵁، قال: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ فِي بني أُمَيَّةَ بن زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ... » (١). ولم يقتصر تعليمه ﷺ على الصحابة وحدهم، بل كان يُعلِّمُ النساء أمور دينهم، ويعقد لَهُنَّ مجالسهُنَّ، ولم يكن ذلك صُدفة أو نادراً، بل خَصَّصَ لَهُنَّ أوقاتاً خاصة يَجْلِسْنَ فيها إليه ويتلقَّيْنَ عنه تعاليم الإسلام، ويسْأَلْنَهُ فيُجيبُهُنَّ، وفي هذا قالت عائشة ﵂: وكان بعض الوفود يقيم عند الرسول ﷺ ، يتعلَّمُون أحكام الإسلام وعباداته، ثم يعودون إلى أقوامهم يُعَلِّمُونَهُمْ وَيُفَقِّهُونَهُمْ، من هذا ما أخرجه " البخاري " عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا، فَقَالَ: " ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٣). إنَّ مثل هؤلاء الوافدين الذين أقاموا أياماً خالدة عند رسول الله ﷺ ، لا يمكن أنْ ينسوا ما تلقَّوْهُ منه، بل سيبقى ذلك ثابتاً قوياً في نفوسهم طوال حياتهم.

стр. 39

وإلى جانب هذه الوفود وتلك المجالس، كان المسلمون يتلقَّون السُنَّة عن رسول الله ﷺ من وجوه عِدَّةٍ. منها أنَّ بعض الحوادث التي تقع للرسول ﷺ فيُبَيِّنُ حُكْمَهَا، وينتشر هذا الحُكم بين المسلمين، وبعض الحوادث كانت تقع للمسلمين فيسألون الرسول الأمين عنها فيجيبهم، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلَّقُ بغيره، وجميعها من الوقائع التي تعرض للإنسان في حياته فنرى الصحابة لا يخجلون في ذلك كله، بل يسرعون إلى رائدهم ومُرَبِّيهِمْ ليقفوا على حقيقة تطمئنُّ قلوبهم إليها. إنَّ هؤلاء الصحابة الذين كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن أمورهم الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجمون عن سؤاله في معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم. وكان رسول الله ﷺ يُجيبهم على أسئلتهم هذه كلها ويحكم بينهم، ويُبَيِّنُ لهم الحق، وفي تلك الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة كثيرة في مختلف أبواب كتب السُنَّة، وهي تؤلِّفُ جانباً كبيراً من الحديث النبوي. ويبعد أنْ ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها النبي ﷺ ، لأنها جزء من حياة السائل، بل واقعة بارزة من وقائع عمره. وهناك وقائع شاهد فيها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - تصرُّفات الرسول ﷺ ، في صلاته وصيامه وحَجِّهِ وسفره وإقامته، فنقلوها إلى التابعين الذين بلَّغُوها من بعدهم، وهي تؤلِّف جانباً عظيماً من السُنَّة، وخاصة هديه ﷺ في العبادات والمعاملات وسيرته ... مِمَّا سبق اتَّضح لنا كيف تلقَّى المسلمون السُنَّة عن الرسول ﷺ ، وعرفنا الروح التي شملتهم، والدوافع القوية التي حثَّتهم على تلقِّي القرآن والسُنَّة وحفظهما، مِمَّا يسمح لنا أنْ نقول - ونحن واثقون مطمئنُّونَ -:

стр. 40

إنَّ السُنَّة في عهد الرسول ﷺ كانت محفوظة عند الصحابة جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم، وإنْ كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب الآخر، فمنهم المكثر من حفظها، ومنهم المُقِلُّ، ومنهم المتوسط في ذلك، ومن ثَمَّ نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بالسُنَّة، وتكلفوا بنقلها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من بعدهم طبقاً لقوله ﷺ لأصحابه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْكُمْ» (١). وقد انتشرت السُنَّة في عهده ﷺ ، بما كان له من جِدٍّ ونشاط في تبليغه، وبواسطة أصحابه، ولا ننس أثر أمهات المؤمنين في نشر السُنَّة بين النساء، وأثر بعوثه وولاته ورسله، وما كان لغزوة الفتح من أثر بعيد في نشر بعض السُنن، ثم ما كان لحَجَّةِ الوداع من أثر عظيم وبعيد في نشر كثير من الأحكام والسُنن، كما انتشرت السُنَّة بواسطة الوفود الكثيرة التي قدمت بعد الفتح الأعظم وحَجَّةِ الوداع. كل تلك العوامل كفيلة بنشر السُنَّة وتبليغها المسلمين في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك (٢) ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلاَّ بعد أنْ انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها، وساد ربوعها، وملأ القرآن والسُنَّة صدور أهلها، مصداقاً لقوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣). وبعد وفاته ﷺ حرص الصحابة والتابعون على الاقتداء بالرسول والتمسك بسُنَّته، وقوفاً عند وصيَّته ﵊: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» واحتاطوا في رواية الحديث، وتتبَّعُوا آثار الرسول ﷺ ، وأَبَوْا أنْ يخالفوها متى ثبتت عندهم، كما أَبَوْا أنْ ينحرفوا عن شيء، فارقهُم عليه رسول الله ﷺ ، واتَّبعُوا كل سبيل يحفظ السُنَّة المُطَهَّرَةَ من الخطأ والتحريف، فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وتشدَّدّ عمرُ في هذا خشية الخطأ،
следующие страницы →