ما يُحقِّقُ مقاصد رسالته. والأخبار في هذا كثيرة جداً منها: أنَّ فَتًى مِنْ قُرَيْش أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي في الزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ وَزَجَرُوهُ فَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ ﷺ : " ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا ". فَقَالَ: " أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ". قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ " قَالَ: لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ. قَالَ: " وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ". ثم ذكر له رسول الله ﷺ أخته ومعمَّته وخالته، وفي كل هذا يقول الفتى مقالته: " لاَ. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ "، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ " قَالَ الرَاوِي: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (١).
لقد اتَّبع الرسول ﷺ أسلوباً جعل الفتى يُدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أنَّ الناس جميعاً لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاهُ هو لذويه، مِمَّا حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه. وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس.
وكان الرسول ﷺ يدعو إلى التيسير دائماً، وينهى عن التنطع في العبادة، والتضييق في الأحكام، وكان في معاملته للمسلمين جميعاً أخاً رحيماً، ومُعلِّماً متواضعاً حليماً، ويظهر ذلك واضحاً من تتبُّع سيرته ﵊. عن السيدة عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبَعْدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا» (٢).
بهذه الروح الطيِّبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله ﷺ يعلِّمُ أصحابه
стр. 37
والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول الكريم والمسلمين حاجب كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يُعَلِّمُ فيه المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبشُّ لهم ويجيبهم، وقد يعترضونه في مناسكه وحَجِّهِ، أو على راحلته، يستفتونه فيُفتيهم، والابتسامة لا تفارق ثغرهُ، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد يكون على منبر مسجده يُبَلِّغُ الناس الإسلام وتعاليمه، ويُفَصِّلُ الأحكامَ ويشرحها .. فينقل السامعون ما تلقَّوْهُ إلى إخوانهم وذويهم ... فإنْ سمع وشاهد ووعى ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أمداً طويلاً، حتى إذا ما شك فيما سمع عاد إلى رسول الله ﷺ ، ليزيل وَهُمَهُ، ويثبته على الصواب، ويردَّهُ إلى الحق.
وقد حرص الصحابة على مجالس الرسول ﷺ ، وأقبلوا على تلقِّي السُنَّة وتطبيقها من قلوبهم صادقين مخلصين، بعد أنْ ذاقوا حلاوة الإيمان، وعرفوا عظمة الإسلام، ورأوا في القرآن المعجزة الكبرى والهداية العظمي، فامتلأت قلوبهم حُباً لله ورسوله، وتفانوا في سبيل دينهم ومبادئهم وحماية قائدهم ومُعَلِّمِهِمْ، وأخبار بذلهم وفدائهم تكلِّلُ جبين التاريخ وتُزَيِّنُهُ، وإنَّ التاريخ ليحفظ تلك المفاخر الخالدة من التضحيات العظيمة النادرة.
بهذه القلوب التي امتلأت بالإيمان، وبهذه الروح السامية والحيوية الدائمة أقدم الصحابة على تلقِّي العلم عن رسول الله الكريم، فكانوا يتعلَّمُون من النبي ﷺ القرآن الكريم آيات معدُودات: يسْتَفِمُونَ معناها، ويتعلَّمُون فِقْهَهَا، ويطبِّقُونه على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وفي هذا يقول أبو عبد الرحمن السُّلَمِي: «حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلَّمُوا من النبي ﷺ عشر آيات لم تجاوزوها حتى يتعلَّمُوا فيها من العلم والعمل .. قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً».
وكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 38
وَسَلَّمَ - حرصاً شديداً، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعاية والتجارة وغيرها، وقد يصعب على بعضهم الحضور دائماً، فيتناوبون مجالسه ﵊، كما كان يفعل عمر ﵁، قال: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ فِي بني أُمَيَّةَ بن زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ... » (١).
ولم يقتصر تعليمه ﷺ على الصحابة وحدهم، بل كان يُعلِّمُ النساء أمور دينهم، ويعقد لَهُنَّ مجالسهُنَّ، ولم يكن ذلك صُدفة أو نادراً، بل خَصَّصَ لَهُنَّ أوقاتاً خاصة يَجْلِسْنَ فيها إليه ويتلقَّيْنَ عنه تعاليم الإسلام، ويسْأَلْنَهُ فيُجيبُهُنَّ، وفي هذا قالت عائشة ﵂:
وكان بعض الوفود يقيم عند الرسول ﷺ ، يتعلَّمُون أحكام الإسلام وعباداته، ثم يعودون إلى أقوامهم يُعَلِّمُونَهُمْ وَيُفَقِّهُونَهُمْ، من هذا ما أخرجه " البخاري " عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا، فَقَالَ: " ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٣).
إنَّ مثل هؤلاء الوافدين الذين أقاموا أياماً خالدة عند رسول الله ﷺ ، لا يمكن أنْ ينسوا ما تلقَّوْهُ منه، بل سيبقى ذلك ثابتاً قوياً في نفوسهم طوال حياتهم.
стр. 39
وإلى جانب هذه الوفود وتلك المجالس، كان المسلمون يتلقَّون السُنَّة عن رسول الله ﷺ من وجوه عِدَّةٍ. منها أنَّ بعض الحوادث التي تقع للرسول ﷺ فيُبَيِّنُ حُكْمَهَا، وينتشر هذا الحُكم بين المسلمين، وبعض الحوادث كانت تقع للمسلمين فيسألون الرسول الأمين عنها فيجيبهم، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلَّقُ بغيره، وجميعها من الوقائع التي تعرض للإنسان في حياته فنرى الصحابة لا يخجلون في ذلك كله، بل يسرعون إلى رائدهم ومُرَبِّيهِمْ ليقفوا على حقيقة تطمئنُّ قلوبهم إليها.
إنَّ هؤلاء الصحابة الذين كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن أمورهم الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجمون عن سؤاله في معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم.
وكان رسول الله ﷺ يُجيبهم على أسئلتهم هذه كلها ويحكم بينهم، ويُبَيِّنُ لهم الحق، وفي تلك الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة كثيرة في مختلف أبواب كتب السُنَّة، وهي تؤلِّفُ جانباً كبيراً من الحديث النبوي. ويبعد أنْ ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها النبي ﷺ ، لأنها جزء من حياة السائل، بل واقعة بارزة من وقائع عمره.
وهناك وقائع شاهد فيها الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - تصرُّفات الرسول ﷺ ، في صلاته وصيامه وحَجِّهِ وسفره وإقامته، فنقلوها إلى التابعين الذين بلَّغُوها من بعدهم، وهي تؤلِّف جانباً عظيماً من السُنَّة، وخاصة هديه ﷺ في العبادات والمعاملات وسيرته ...
مِمَّا سبق اتَّضح لنا كيف تلقَّى المسلمون السُنَّة عن الرسول ﷺ ، وعرفنا الروح التي شملتهم، والدوافع القوية التي حثَّتهم على تلقِّي القرآن والسُنَّة وحفظهما، مِمَّا يسمح لنا أنْ نقول - ونحن واثقون مطمئنُّونَ -:
стр. 40
إنَّ السُنَّة في عهد الرسول ﷺ كانت محفوظة عند الصحابة جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم، وإنْ كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب الآخر، فمنهم المكثر من حفظها، ومنهم المُقِلُّ، ومنهم المتوسط في ذلك، ومن ثَمَّ نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بالسُنَّة، وتكلفوا بنقلها إلى التابعين الذين نقلوها إلى من بعدهم طبقاً لقوله ﷺ لأصحابه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْكُمْ» (١).
وقد انتشرت السُنَّة في عهده ﷺ ، بما كان له من جِدٍّ ونشاط في تبليغه، وبواسطة أصحابه، ولا ننس أثر أمهات المؤمنين في نشر السُنَّة بين النساء، وأثر بعوثه وولاته ورسله، وما كان لغزوة الفتح من أثر بعيد في نشر بعض السُنن، ثم ما كان لحَجَّةِ الوداع من أثر عظيم وبعيد في نشر كثير من الأحكام والسُنن، كما انتشرت السُنَّة بواسطة الوفود الكثيرة التي قدمت بعد الفتح الأعظم وحَجَّةِ الوداع. كل تلك العوامل كفيلة بنشر السُنَّة وتبليغها المسلمين في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك (٢) ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلاَّ بعد أنْ انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها، وساد ربوعها، وملأ القرآن والسُنَّة صدور أهلها، مصداقاً لقوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
وبعد وفاته ﷺ حرص الصحابة والتابعون على الاقتداء بالرسول والتمسك بسُنَّته، وقوفاً عند وصيَّته ﵊: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» واحتاطوا في رواية الحديث، وتتبَّعُوا آثار الرسول ﷺ ، وأَبَوْا أنْ يخالفوها متى ثبتت عندهم، كما أَبَوْا أنْ ينحرفوا عن شيء، فارقهُم عليه رسول الله ﷺ ، واتَّبعُوا كل سبيل يحفظ السُنَّة المُطَهَّرَةَ من الخطأ والتحريف، فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وتشدَّدّ عمرُ في هذا خشية الخطأ،
стр. 41
لهذا نرى بعضهم - مع كثرة تحملهم عن رسول الله ﷺ - لا يكثر من الرواية آنذاك، وكانوا يتورَّعُون من الرواية عن النبي ﷺ ، وكثيراً ما كان بعضهم تغرورق عيونهم بالدموع عندما يقولون: (قال رسول الله ﷺ )، وكثيراً ما كانوا يقولون بعد الحديث (أو كما قال)، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدْركْت مائَةً وَعشْرينَ من الأَنْصَار من أَصْحَاب مُحَمَّدٍ ﷺ مَا مِنْهُم أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاهُ وَلاَ يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْء إِلاَّ وَدَّ أَََّنَّ أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاهُ» وَفِي رِوَايَة: «يُسْْأَلُ أَحَدُهُمْ الْمَسْأَلَةَ فَيَرُدَّهَا هَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إَِِلَى الأَوَّلِ» (١).
هكذا تشدَّدَ الصحابة في الحديث، وأمسك بعضهم عن روايته كراهية التحريف، أو الزيادة والنقصان في الرواية عن الرسول ﷺ ، لأنَّ كثرة الرواية كانت في نظر كثير منهم مظنة الوقوع في الخطأ، والكذب على رسول الله ﷺ ، وقد نهى رسول الله عن الكذب عليه، وعن رواية ما يُرَى أنه كذب، من ذلك قوله ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وفي رواية: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وقوله ﷺ : «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ» (٢).
وكان الصحابة يخشون أنْ يقعوا في الكذب عامة، فكيف يكذبون على رسول الله ﷺ ؟ ..
وفي هذا يقول الإمام عليٌّ ﵁: «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْه ... » (٣).
وقد طبع جميع الصحابة هذا المنهج، حرصاً منهم على حفظ القرآن والسُنَّة، ومخافة أنْ يشتغل الناسُ برواية الحديث عن القرآن الكريم، وهو
стр. 42
دستور الأمَّة، فأرادوا أنْ يحفظ المسلمون القرآن جيِّداً، ويعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّنَ كله في عهد الرسول ﷺ كالقرآن الكريم، فنهجوا منهج التثبت العلمي ولم يكثروا من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، وقد تشدَّدَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تطبيق هذا المنهج، وعرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجَيِّدَ فسمح لهم بالتحديث.
ويجب ألاَّ يفهم من هذا أنَّ الصحابة امتنعوا عن رواية الحديث، أو عن تبليغه، إنما أَبَوْا أنْ يكثِرُوا من الرواية عند عدم الحاجة، ومفهوم أنه لا يكون إكثار إلاَّ عند عدم الحاجة إلى الإكثار، فكانوا جميعاً يتثبَّتون في الحديث، ويتأنَّوْنَ في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يُحدِّثُون بشيء إلاَّ وهُمْ واثقون من صِحَّةِ ما يَرْوُونَ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تُفضِي إلى ذلك، فاتَّبعُوا منهجاً سليماً يمنع الشوائب من أنْ تدخل السُنَّة النبوية فتُفسدها. وقد اهتمُّوا اهتماماً كبيراً بالسُنَّة النبوية ونشرها، وإنَّ الأخبار التي تُروَى عنهم في هذا الشأن كثيرة جداً، فكان يسأل بعضُهُم بعضاً عن الحديث ويرحلون من أجله، قال ابن عباس: «إِنَّهُ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِيهِ، وَهُوَ قَائِلٌ (١)، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، تُسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ، أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ، فَأَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ ... » (٢).
وروى بعض الصحابة عن بعض ولم يكتفوا بدراسة الأحاديث فيما بينم، بل حَثُّوا على طلبه وحفظه وحضُّوا التابعين على مجالسة أهل العلم والأخذ عنهم، ولم يتركوا وسيلة لذلك إلاَّ أفادوا منها. من هذا ما رُوِيَ عن عمر ﵁ قال: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» (٣) وقال: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ» (٤).
стр. 43
وكان أبو ذَرٍّ مثلاً رائعاً لنشر الحق وتبليغ سُنَّة رسول الله ﷺ ، روى " البخاري " بسنده عنه أنه قال: «لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ - السيف الصارم - عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا» (١)، وما كان أبو ذر بِدَعاً من الصحابة، إنما كان أحد الألوف الذين ساهموا في حفظ السُنَّة ونشرها. وقال أمير المؤمنين عليٌّ بن أبي طالب: «تَزَاوَرُوا وَتَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ لاَ تَفْعَلُوا يَدْرُسُ» (٢).
ووقف عمرو بن العاص على حلقة من قريش فقال: «مَا لَكُمْ قَدْ طَرَحْتُمْ هَذِهِ الأُغَيْلِمَةَ؟ لاَ تَفْعَلُوا، وَأَوْسِعُوا لَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ، وَأَسْمِعُوهُمُ الْحَدِيثَ، وَأَفْهِمُوهُمْ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَوْشَكَ أَنْ يَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ، وَقَدْ كُنْتُمْ صِغَارَ قَوْمٍ فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ كِبَارُ قَوْمٍ» (٣).
وازداد النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين، وانتشرت حلقات العلم في جميع المساجد، في مختلف الأمصار الإسلامية، حتى إنَّ حلقات أبي الدرداء في جامع دمشق كانت تَضُمُّ نيفاً وخمسمائة ألف طالب (٤)، قال أنس بن سيرين: «قَدِمْتُ الْكُوفَةَ قَبْلَ الْجَمَاجِمِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلاَفٍ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ» (٥)، وزاد في رواية فقال: «وَأَرْبَعَمِائَةٍ قَدْ فَقِهُوا» (٦).
كما كانت حلقات العلم تعقد في حِمص وحلب والفسطاط والبصرة والكوفة واليمن، إلى جانب حلقات ينبوع الإسلام في مكة والمدينة، فقد كانت في المدينة كالروضة يختار منها طالب العلم ما يشاء (٧).
стр. 44
وكان التعليم في تلك الحلقات يعتمد على أسُس تربوية هامة، تعتبر من أبرز الأسس في التربية الحديثة (١). ثم ما لبثت أنْ ظهرت دُورُ الحديث في العصور التالية، في معظم البلدان الإسلامية.
وفي عهد التابعين وأتباعهم ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار الإسلامية، ثم ما لبث التابعون أنْ تصدَّرُوا للرواية، وسلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم
من الورع والتقوى، وليس بعيداً ما نقول لأنهم تخرَّجُوا من مدارس الصحابة تلامذة رسول الله ﷺ ، وتثبَّتُوا في قبول الحديث وروايته، وكانت أمام عيونهم وصية الصحابة وكبار التابعين: «إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»، ولهذا كانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث. فنسمع سليمان بن موسى يقول لطاوُوس: «إنَّ رَجُلاً حَدَّثَنِي بَكَيْتٍ وَكَيْتٍ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ مَلِياً فَخُذْ مِنْهُ» (٢)، وكان ابن عون يقول: «لاَ يُؤْخَذُ هَذَا الْعِلْمُ إلاَّ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ» (٣).
وكان يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ الديار المصرية يقول: «إِذا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فانْشُدْهُ كَمَا تُنْشَدُُ الضَالَّةُ، فَإِنْ عُرِفَ، وَإِلاَّ فَدَعْهُ» (٤).
وكانوا لا يأخذون الحديث إلاَّ عن العُدُول الثقات، ولا يأخذون الحديث عن غير أهله، ولا عَمَّنْ لا يعرف ما يُروَى، قال الإمام مالك: «لاَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ سِوَى ذَلِكَ: لاَ يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ، وَلاَ مِنْ سَفِيهٍ مُعْلِنٌ بِالسَّفَهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَرْوَى النَّاسِ، وَلاَ مِنْ رَجُلٍ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلاَ مِنْ رَجُلٍ لَهُ فَضْلٌ وَصَلاَحٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ» (٥) وقال الإمام الشافعي:
стр. 45
«كَانَ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ، وطَاوُوس وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَلاَّ يَقْبَلُوا الْحَدِيثَ إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ، يَعْرِفُ مَا يَرْوِي وَيَحْفِظُ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا المَذْهَبَ» (١).
لهذا اعتنى ﵃ بمعرفة أحوال الرُواة وبُلدانهم وسماعاتهم، وسألوا عنهم، وتكلَّمُوا في الجرح والتعديل، قال السخاوي: «وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى، ومصابيح الظلام المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيَّأ حصرهم في زمن الصحابة، سرد ابن عدي في مقدمة كاملة خلقاً إلى زمنه (٢٧٧ - ٣٦٥ هـ)، فالصحابة الذين أوردهم: عمر، وعليٌّ، وابن عباس، وعبد الله بن سلاَّم، وعُبادة بن الصامت، وأنس، وعائشة، ﵃ .. وسرد من التابعين عدداً كالشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وابن جُبير، ولكنهم فيهم قليل بالنسبة لمن بعدهم لقلة الضعف في متبوعهم، إذ أكثرهم صحابة عدول، وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلاَّ الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور والمختار الكذَّب» (٢). وكان ﵃ يبيِّنون أحوال الرُواة وينقدونهم ويُعَدِّلُونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملَّكُهم عاطفة، فليس أحد من أهل الحديث يُحَابِي في الحديث أباهُ ولا أخاهُ ولا ولده، سئل زَيْدٌ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ عن أخيه فقال: «لاَ تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي» (٣)، وسئل علي بن المديني عن أبيه فقال: «سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي»، فأعادوا المسألة، فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: «هُوَ الدِّينُ، إِنَّهُ ضَعِيفٌ» (٤).
وكانوا يأمرون طلابهم وإخوانهم أنْ يُبَيِّنُوا أحوال الرُواة، قال عبد الرحمن بن مهدي: «سَأَلْتُ شُعْبَةَ وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ
стр. 46
عَنِ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، فَقَالُوا: انْشُرْهُ فَإِنَّهُ دِينٌ» (١). وقال يحيى بن سعيد: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ، فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالُوا: «أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ» (٢).
وكان النقاد يُدَقِّقُون في حكمهم على الرجال، يعرفون لكل محدث ما له وما عليه، قال الشعبي: «وَاللهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعاً وَتِسْعِينَ مَرَّةٍ وَأَخْطَأْتُ مَرَّةً لَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ» (٣).
وكانت المظاهر لا تغريهم، وكل ما يهمُّهُم أنْ يخلصوا العمل لله، ويصلوا إلى الحق الذي ترتاح عنده ضمائرهم، لخدمة الشريعة، ودفع ما يشوبها، وبيان الحق من الباطل، قال يحيى بن معين: «إِنَّا لَنَطْعَنُ عَلَى أَقْوَامٍ لَعَلَّهُمْ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ» (٤). قال السخاوي: «أَيْ أُنَاسٌ صَالِحُوْنَ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ» (٥).
هكذا بَيَّنَ جهابذة علم الحديث - منذ صدر الإسلام إلى عهد التدوين والتصنيف - أحوال الرُواة: المقبول منهم والمتروك، وأُلِّفَتْ مُصنَّفاتٌ ضخمة في الرُواة وأقوال النُقَّادِ فيهم، حتى إنه لم يعد يختلط الكذَّابون والضعفاء بالعدول الثقات، كما ألِّفت مُصنَّفات ومعاجم خاصة بالضعفاء والمتروكين، وأصبح من السهل جداً على أصحاب الحديث أنْ يُمَيِّّزُوا الخبيث من الطيِّب في كل عصر، وقد بنى النُقَّادُ حكمهم في الرُواة على قواعد دقيقة، فقدَّمُوا للحضارة الإنسانية أعظم إنتاج في هذا المضمار، يفخر به المسلمون أبد الدهر، وتعتزُّ به الأمَّة الإسلامية التي شهد لها كبار العلماء بأياديها البيضاء في خدمة السُنَّة الشريفة، قال المستشرق الألماني «شبرنجر»
стр. 47
في تصدير كتاب " الإصابة " لابن حجر - طبع كلكتا سنة ١٨٥٢ - ١٨٦٤ م -: «لم تكن فيما مضى أُمَّةٌ من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أُمَّةٌ من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر الذي يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل وشؤونهم .. ».
وقد ظهرت تلك المُصَنَّفاتُ منذ أواخر القرن الهجري الثاني وطلائع القرن الثالث.
وإلى جانب هذا فقد التزم العلماء رواية الحديث بأسانيده، وكانوا يتثبَّتُون من صحة الأحاديث بالارتحال إلى الصحابة وكبار التابعين، ويقارنون بين طرق الأحاديث، ومتونها، ويعرفون زيادات الرُواة فيهما، كما قسَّمُوا الأحاديث درجات يعرف بها المقبول من المردود، والقوي من الضعيف.
فلم تصلنا الأحاديث في أمهات مصادرها إلاَّ بعد جهود عظيمة بذلها أسلافنا العظام، الذين خدموا السُنَّة خدمة جليلة، وتفانوا في سبيل حفظها وصيانتها.
وقد هيَّأ الله لحفظ شريعته حفاظاً متقنين ضابطين، نقلوا حديث رسول الله ﷺ ، وحفظوا على الأُمَّة شريعتها ودينها، في مختلف العصور منذ عصر الصحابة إلى ما بعد التدوين وظهور مُصنَّفات الحديث العظيمة، وقد وهب الله تعالى لهؤلاء الحُفاظ حوافظ قويَّة، وإنَّ التاريخ يروي لنا ما كان يحفظه أبو هريرة، وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين التي كانت آية من آيات الذكاء والحفظ، وعبد الله بن عباس الذي اشتهر بسرعة حفظه، حتى إنه كان يحفظ الحديث من مَرَّةٍ واحدةٍ، وقد سمع قصيدة لابن أبي ربيعة عِدَّتُهَا ثمانون بيتاً فحفظها من المَرَّةِ الأولى، وفي الصحابة أمثاله كزيد بن ثابت الذي حفظ معظم القرآن قبل بلوغه، وتعلَّم لغة اليهود في سبعة عشر يوماً، وجابر بن عبد الله، وَأًبِي سعيد الخُدري وغيرهم من أعلام الصحابة في الحفظ والضبط والإتقان.
стр. 48
وفي التابعين نافع مولى عبد الله بن عمر الذي لم يخطئ فيما حفظ وأجمع النُقَّادُ على دقَّة حفظه، وفيهم محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب وابن شهاب الزُهري حفاظ عصرهم، وعامر الشعبي ديوان زمانه، وقتادة بن دعامة السَدُسِيِّ مضرب المثل في سرعة الحفظ والضبط والإتقان، وغيرهم من التابعين.
وأما في عهد أتباع التابعين ومن بعدهم فقد كثر الحفاظ كثرة عظيمة، واتَّسع النشاط العلمي حتى إنه ما كانت تخلو مدينة من كبار الحفاظ الذين تُشَدُّ الرحال إليهم، أمثال سفيان الثوري، والإمام مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، والإمام البخاري، ومسلم، وأبي حاتم الرازي، وأبي زُرعة الرازي وغيرهم من أئمة الحديث وحُفَّاظه.
وقد ساهمت الأقلام والدفاتر في حفظ الحديث إلى جانب حفظه في الصدور، فمنذ عهد رسول الله ﷺ كتب عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته الصادقة بين يديه ﷺ ، كما سمح لغيره مِمَّنْ لا يحفظ بالكتابة كسماحه (لأبي شاه) اليَمَنِي، كما أنَّ كُتَّاب الرسول ﷺ كتبوا بين يديه الكريمتين بعض الأحكام إلى أمرائه ووُلاَّته في البلدان.
وأما ما ورد من نهي عن الكتابة فقد كان خشية التباس القرآن بالسُنَّة، وخوفاً من أنْ ينشغل الناس آنذاك عن القرآن الكريم، وقد سمح الرسول لبعض المتقنين بالكتابة، كما سمح لمن لا يقدر على الحفظ أنْ يكتب، ثم أبيحت كتابة الحديث، ولهذا كان كثير من التابعين يكتبون بين يَدَيْ الصحابة، كما كان عند بعض الصحابة بعض الصُحُفِ التي فيها حديث رسول الله ﷺ ، كالصحيفة التي كانت في قائم سيف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، والصحيفة التي وجدت في قائم سيف أمير المؤمنين عمر ﵁، والكتاب الذي كتبه أبو بكر الصِدِّيقُ لأنس بن مالك في الصدقات التي فرضها رسول الله ﷺ ، كما كان عند
стр. 49
سعد بن عُبادة الأنصاري (- ١٥ هـ) كتاب أو كتب فيها طائفة من حديث رسول الله ﷺ ، وكان مثل ذلك عند أبي رافع مولى الرسول الكريم، وعند غيره، وإنَّ المقام يضيق عن حصر ما كتب في عهد الصحابة والتابعين (١)، ومع هذا لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ صحيفة عبد الله بن عمرو، وهي " الصحيفة الصادقة " قد دُوِّنَتْ في عهد الرسول ﷺ ، ومن أشهر ما دُوِّنَ في عصر الصحابة " صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري " (١٦ ق هـ - ٧٨ هـ) ولعلَّ بعضها دُوِّنَ في عهده ﷺ ، و " الصحيفة الصحيحة " التي أملاها أبو هريرة على همام بن منبه وغيرها من الصحف التي كانت عند عروة بن الزبير، وخالد بن معدان الكلاعي، وأبي قلابة والحسن البصري، وكثرت كتب العلماء حتى بلغت كتب الصحابي الجليل عبد الله بن عباس حِمْلَ بعير، وقد نقلت كتب الزُهري بعد مقتل الوليد بن يزيد الأموي (٨٨ - ١٢٦ هـ) من خزائنه على الدواب، وقد شاع التدوين في مطلع القرن الهجري الثاني بين العلماء، وأصبح من النادر ألا ترى لأحدهم تصنيفاً أو جامعاً فيه بعض أبواب الحديث.
وقد تبنَّت الدولة رسمياً في عهد عمر بن عبد العزيز تدوين الحديث، فكتب إلى الأمصار يأمر العلماء بجمعه وتدوينه، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبُوهُ فَإِنِّي قَدْ خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ أَهْلِهِ»، وكتب إلى أمير المدينة، أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (- ١١٧ هـ): «اكْتُبْ إِلَيَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَكَ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِحَدِيثِ عَمْرَةَ، فَإِنِّي خَشِيتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابِ أَهْلَهُ».
كما أنَّ ابن شهاب الزُهري (- ١٢٤ هـ) وغيره بجمع السُنن، فكتبوها له، وكان ابن شهاب أحد الأعلام الذين شاركوا في جمع الحديث والكتابة، قال: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ الْسُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَراً دَفْتَراً، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٍ دَفْتَراً».
стр. 50
وقد تبيَّن لي من متابعة بحث التدوين أنَّ عبد العزيز بن مروا والد عمر بن عبد العزيز حين ولي إمرة مصر - كتب إلى مُحَدِّثِ حِمْصْ التابعي الجليل كثير بن مُرَّة الحضرمي، الذي أدرك سبعين بدرياً من الصحابة - أنْ يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ إلاَّ حديث أبي هريرة فإنه كان عنده، ولا يظن بكثير إلاَّ أن يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده، ولا يظن بكثير إلاَّ أنْ يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده من حديث أبي هريرة وما عند كثير. ويكون ما فعله الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد هذا - من العناية بالحديث ومطالبة العماء في الأمصار المختلفة بكتابته والجلوس لمدارسته - ليس إلاَّ امتداداً لما شرع فيه أبوه من قبل.
ولم يلبث تيار النشاط العلمي، وكتابة الحديث أنْ يطالع العالم بمُدوَّنات حديثية مختلفة، على يدي علماء النصف الأول من القرن الهجري الثاني، وقد ظهرت هذه المُصنَّفات في أوقات متقاربة في مختلف مناطق الدولة الإسلامية.
وأول من صنَّف بالبصرة الربيع بن صُبيح (- ١٦٠ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (- ١٥٦ هـ)، وحماد بن سلمة (- ١٧٦ هـ)، وصنَّف سفيان بن سعيد الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) بالكوفة، ومعمر بن راشد (٩٥ - ١٥٣ هـ) باليمن، والإمام عبد الرحمن عمرو الأوزاعي (٨٨ - ١٥٧ هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ) بخراسان، وهُشَيْم بن بشير (١٠٤ - ١٨٣ هـ) بواسط، وجرير بن عبد الحميد (١١٠ - ١٨٨ هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥ - ١٩٧ هـ) بمصر كما لا أشك في أنَّ الليث بن سعد المصري الفقيه الإمام المشهور (- ١٧٥ هـ) كان قد جمع وصنَّف، لما عرف عنه من نشاط علمي واسع وصلة دائمة بعلماء المشرق الإسلامي. ثم تلاهم كثير من أهل العلم في عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان هذا التصنيف بالنسبة إلى جمع الأبواب وضمِّها إلى بعضها في مؤلف.
стр. 51
أو مصنَّف أو جامع، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد، فقد سبق إليه التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي (١٩ - ١٠٣ هـ).
وكان معظم تلك المُصنَّفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما هو واضح في " موطأ الإمام مالك بن أنس " الذي يضمًّ ثلاثة آلاف مسألة وسبعمائة حديث.
ثم رأى بعض الحفاظ أنْ تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فأُلِّفتْ المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها، خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، تجمع فيها أحاديث كل صحابي - ولو كانت في مواضيع مختلفة - تحت اسم مسند فلان، ومسند فلان، وهكذا.
وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (١٣٣ - ٢٠٤ هـ)، وتابعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنَّف أسد بن موسى (- ٢١٢ هـ)، وعبيد الله بن موسى العبسي (- ٢١٣ هـ) وغيرهم، واقتفى آثارهم أئمة الحفاظ كأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١ هـ) وإسحاق بن راهويه (١٦١ - ٢٣٨ هـ)، وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦ - ٢٣٩ هـ) وغيرهم.
ويعتبر مسند الإمام أحمد - وهو من أتباع أتباع التابعين - أَوْفَى تلك المسانيد وأوسعها. وكان هؤلاء الأئمة والحُفاظ قد جمعوا الحديث ودَوَّنُوهُ بأسانيده، واجتنبوا الأحاديث الموضوعة، وذكروا طُرُقاً كثيرة لكل حديث، يتمكَّنُ بها رجال هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مِمَّا لا يتيسَّرُ لكل طالب علم، فرأى بعض الأئمة الحُفاظ أنْ يُصنِّفُوا في الحديث الصحيح فقط، فصنَّفُوا كتبهم على الأبواب، واقتصروا فيها على الحديث الصحيح، ومن أجل ذلك تكبَّدُوا عناء السفر، والرحلة في طلب الحديث والبحث، ولقاء الشيوخ العدول الثقات الضابطين، ومن يطَّلع على سير بعض أئمة الحديث وحفاظه يدرك الجهود العظيمة التي بذلت في سبيل حفظ السُنَّة. وهكذا ظهرت " الكتب الستة " في
стр. 52
ذلك العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنَّف الصحيح الإمام البخاي ثم تبعه بعض أئمة عصره، ومن تلاهم، وسنذكر لمحة موجزة عن مؤلفي " الكتب الستة " وكتبهم:
١ - الإمام البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ ه ـ): (١)
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه (٢) الجُعفي البخاري، أمير المؤمنين في الحديث. ولد يوم الجمعة (١٣ شوال سَنَةَ ١٩٤ هـ) في مدينة بُخَارَى، وأول سماعه الحديث سَنَةَ (٢٠٥ هـ)، وحفظ تصانيف عبد الله بن المبارك وهو صغير، وسمع مرويات بلده من محمد بن سلاَّم، والمسندي، ومحمد بن يوسف البيكندي، ورحل مع أمه وأخيه حاجًّا سَنَةَ (٢١٠ هـ)، فألَّف بالمدينة كتاب " التاريخ الكبير "، وهو مجاور قبر النبي ﷺ ، وزاد على هذا الكتاب مرتين في آخر حياته، ورحل البخاري إلى شيوخ الحديث وأئمته، فذهب إلى بغداد، والبصرة، والكوفة، ومكة، والشام، وحِمص، وعسقلان، ومصر، وكتب عن أكثر من ألف رجل، وكان رأساً في الذكاء، رأساً في العلم، والورع والعبادة.
وكان البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وكان وساع المعرفة غزير العلم، قال لسليم بن مجاهد: « ... ولا
стр. 53
أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلاَّ عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثاً عن الصحابة أو التابعين إلاَّ ولي في ذلك أصل أحفظه حفظاً عن كتاب الله أو سُنَّة رسول الله ﷺ ».
وأخباره مع شيوخه وأهل العلم، وأخبار حفظه وإتقانه كثيرة جداً نكتفي منها بما حصل له عندما قدم بغداد.
كان صيت البخاري قد ذاع في مختلف البلدان، وعندما قدم بغداد أراد أهل الحديث امتحانه فعمدوا إلى مائة حديث، فقبلوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن ذاك، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ليلقوها عليه في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، ثم سأله عن آخر. فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه.
ثم انتدب آخر من العشرة، فكان حاله معه كذلك إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك، ولما فرغوا من إلقاء الحديث عليه، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني مثل ذلك إلى أنْ فرغ، فأقر له الناس بالحفظ والضبط والإتقان.
خرج البخاري في آخر حياته إلى قرية (خَرْتَنْكْ) وهي على فرسخين من سمرقند، وتوفي بها في (٣٠ رمضان سَنَةَ ٢٥٦ هـ) ﵀.
الجامع الصحيح:
صنَّف الإمام البخاري كتابه في ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سَنَةٍ، وما وضع فيه حديثاً إلاَّ وصلى ركعتين وقال: «جَعَلْتُهُ حُجَّةً بَيْنِي وَبِيْنَ اللهِ ».
وعِدَّةُ أحاديث صحيح البخاري (٧٢٧٥) حديثاً بالمكرَّرة، وبحذف
стр. 54
المُكَرَّرُ منها أربعة آلاف حديث، وقد سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل من أهل عصره.
ويعتبر " صحيح البخاري " أصحَّ كتاب بعد كتاب الله . وقد أجمعت الأمَّة الإسلامية على عظيم منزلته، فكان منا محل حفظ وعناية ودراسة وتقدير. وكان يقرأ على الناس في المحافل العامة بالقاهرة في شهر رمضان زمن المماليك، وتقام احتفالات كبيرة عند ختام قراءته، وكان الناس في الجزائر يحلفون بـ " البخاري " وكتاب " الشفاء " للقاضي عياض، وفي الصعيد كان " صحيح البخاري " شفاء الأسقام، يحلف الناس به، ويحترمونه، والحلف به عظيم لا يقل عن الحلف بالقرآن الكريم، ولا يزال " صحيح البخاري " في منزلة عالية جليلة في الصعيد حتى الآن.
وكانت فرق الجُند التي تستحلف على " صحيح البخاري " عند الخدمة في الجيش ببلدان المغرب - تُسَمَّى البُخارية.
وللبخاري مؤلفات حديثية كثيرة أشهرها " التاريخ الكبير " في ثماني مجلدات (١)، و " التاريخ الصغير " (٢) وكتاب " الضعفاء " (٣)، و " الأدب المفرد " (٤)، وله مُصَنَّفاتٌ في علل الحديث، وأسامي الصحابة، والكُنَى تبلغ عشرين مؤلفاً ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري ".
...
٢ - الإمام مسلم (٢٠٤ - ٢٦١ ه ـ): (٥):
هو حُجَّة الإسلام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القُشيري النيسابوري،
стр. 55
صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة (٢٠٤ هـ) وقيل سَنَةَ (٢٠٦ هـ)، كان أول سماعه سَنَةَ (٢١٨ هـ) وقدم بغداد مراراً، وكان آخر قدومه إليها سَنَةَ (٢٥٩ هـ)، ولقي كثيراً من شيوخ الحديث وحُفاظه أثناء رحلاته إلى الحجاز، والعراق، والشام، ومصر وغيرها، وتردَّدَ على الإمام البخاري كثيراً عندما قدم البخاري نيسابور، وعرف فضله وغزير علمه، وروى عن كثير من أئمة الحُفاظ منهم: يحيى بن يحيى، والقعنبي، وأحمد بن يونس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه شيخ البخاري وغيرهم، وروى عنه كثير من أهل العلم منهم: ابن خُزيمة، ويحيى بن صاعد، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وكان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان يُقَدِّمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
وتوفي الإمام مسلم يوم (٢٥ رجب سَنَةَ ٢٦١ هـ) في (نصر آباد) من قُرى نيسابور. ﵀.
وقد صَنَّفَ الإمام مسلم " صحيحه " من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وفيه بأسقاط المُكَرَّرِ نحو أربعة آلاف حديث. وكتابه أصح كتاب بعد " صحيح الإمام البخاري "، ولكل من " الصحيحين " فوائد عظيمة من حيث كثرة الطرق وجمعها، وترجمة الأبواب وغير ذلك مِمَّا بَيَّنَتْهُ كُتُبُ الشروح وعلوم الحديث.
وللإمام مسلم مؤلفات كثيرة غير " الصحيح " منها: كتاب " الأسماء والكُنَى "، وكتاب " التمييز "، وكتاب " العلل "، وكتاب " الوحدان، وكتاب " الأفراد "، وكتاب " الأقران "، وكتاب " أولاد الصحابة "، وغير ذلك من الكتب المفيدة في الحديث وعلومه (١).
...
стр. 56
٣ - أبو داود السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥ ه ـ): (١):
هو الإمام الثبت سَيِّدُ الحُفاظ سليمان بن الأشغث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، صاحب " السنن " المشهورة. ولد أبو داود سَنَةَ (٢٠٢ هـ)، وطلب العلم صغيراً، ثم رحل إلى الحجاز والشام ومصر، والعراق والجزيرة، وخُراسان، ولقي كثيراً من أئمة الحُفاظ، فسمع من القعنبي، وأبي الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، وكان أبو داود من العلماء العاملين، وشبَّهَهُ بعض الأئمة بالإمام أحمد، وكان على درجة عظيمة من العبادة والعلم والورع.
وكان قد دخل بغداد مراراً، وآخر مَرَّةٍ دخلها سَنَةَ (٢٧٢ هـ)، ودعاه أمير البصرة أخو الخليفة المُوَفَّق أنْ يقيم بالبصرة، بعد فتنة الزنج، لتعتمر من العلم بسببه، حين يأتيه طلاب الحديث من كل حدب وصوب، فنزل بها، وتوفي في (١٦ شوال سَنَةَ ٢٧٥ هـ).
وقد صنَّف أبو داود " سُننه " على أبواب الفقه، واقتصر فيها على السُنن والأحكام، فلم يذكر الأخبار والقصص والمواعظ، قال: «كتبتُ عن النبي ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ضمَّنتُها هذا الكتاب». وقال: «ما ذكرت في كتابي حديثاً أجمع الناس على تركه». وكان قد عرض كتابه على الإمام أحمد فاستحسنه. وقد أثنى عليه كثير من أئمة هذا العلم، وهو أول كتاب بعد " الصحيحين ". وله مؤلفات في هذا العلم الجليل.
...
٤ - الإمام الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩ ه ـ): (٢)
هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي،
стр. 57
ولد بعد سَنَةِ مائتين في قرية (بوج) من قُرى تِرْمِذْ على نهر جيحون، وطلب العلم صغيراً، ورحل في سبيل ذلك إلى العراق والحجاز وخُراسان وغيرها، ولقي كبار أئمة الحديث وشيوخه، منهم الإمام البخاري، ومسلم، وأبو داود، وسمع من بعض شيوخهم مثل قتيبة بن سعيد، ومحمد بن بشار وغيرهما. وروى عنه خلق كثير.
وقد شهد له معاصروه وأهل العلم بالحفظ والضبط والإتقان، وكان على جانب عظيم من الزهد والورع، بكى حتى عمي، وبقي ضريراً سنين آخر عمره. وقال له البخاري: «مَا انْتَفَعْتُ بِكَ أَكْثَرَ مِمَّا انْتَفَعْتَ بِي». وتوفي بترمذ ليلة الاثنين (١٣ رجب سَنَةَ ٢٧٩ هـ) وله سبعون سَنَةً ﵀.
وقد جمع الترمذي الفقه إلى جانب علمه بالحديث وعلله ورجاله وعلومه، ويظهر هذا واضحاً في كتابه " الجامع الصحيح " المعروف بـ " سُنن الترمذي "، وكتابه هذا من أحسن الكتب، وأكثرها فائدة وأقلَّها تكراراً، قال الترمذي ﵀: «عَرَضْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ فَرَضُوا بِهِ، وَاسْتَحْسَنُوهُ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ».
وللترمذي كتاب: " الشمائل "، و " العلل "، و " التاريخ "، و " الزهد ".
...
٥ - الإمام النَسَائِي (٢١٥ - ٣٠٣ ه ـ): (١)
هو الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخُراساني، النَسَائي بفتح النون نسبة إلى بلدة خراسان. ولد
стр. 58
سنة (٢١٥ هـ)، وطلب الحديث صغيراً، ورحل إلى قتيبة بن سعيد وله خمس عشرة سَنَةً (٢٣٠ هـ) وأقام عنده سَنَةً وشهريْنِ، وسمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النصر المروزي، وأمثالهم، ورحل إلى الحجاز والعراق، ومصر، والشام والجزيرة، وبرع في هذا الشأن، وتفرَّد بالمعرفة والإتقان، وعلو الإسناد، واستوطن مصر وحَدَّثَ عنه كثيرون، وكان كثير العبادة في الليل والنهار مُتمسِّكاً بالسُنَّة، ورعاً مُتحرِّياً. والراجح بالنسبة لوفاته أنه خرج من مصر في شهر ذي القعدة سَنَةَ (٣٠٢ هـ) وتوفي بفلسطين بالرملة يوم الاثنين (١٣ صفر سَنَةَ ٣٠٣ هـ)، ودُفِنَ ببيت المقدس، ﵀.
وإلى جانب علمه بالحديث وعلومه، كان فقيهاً، شافعي المذهب، وله مناسك على مذهب الإمام الشافعي. قال علي بن عمر الحافظ: «أَبُو عَبْدِ الْرَّحْمَنِ الْنَّسَائِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَىَ كُلِّ مَنْ يُذْكَرُ فِيْ زَمَانِهِ فِي هَذَا العِلْمِ».
وقد صَنَّفَ " سُنَنَهُ " ولم يخرج فيها عن راوٍ أجمع النُقَّادُ على تركه، فكانت " السُنن الكبرى "، التي قدّمها إلى أمير الرملة. فقال له: أكل ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربهما. فقال له: فاكتب لنا الصحيح منه مجرداً. فاستخلص من " السُنن الكبرى " " السُنن الصغرى " وسمَّاهَا " المُجتبى من السُنن "، وقيل " المُجْتَنَى "، والمعنى واحد. و " السُنن الصغرى " أقل السُنن حديثاً ضعيفاً، ولهذا كانت برتبة " سنن أبي داود " أو دونا بقليل، ولم يذكر في " المجتبى " من السنن، كل حديث تكلم في إسناده بالتعليل. وله عدَّةَ مؤلفات سوى " السُنن " منها " الضعفاء والمتروكون " طبع بالهند سَنَةَ (١٢٣٥ هـ).
***
стр. 59
٦ - الإمام ابن ماجهْ (٢٠٩ - ٢٧٣ ه ـ): (١)
هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجهْ الربعي، صاحب " السُنن " و " التفسير " و " التاريخ " ومُحَدِّثُ قزوين في عصره. ولد سَنَةَ (٢٠٩ هـ) وسمع من أئمة عصره، ورحل إلى العراق والحجاز ومصر والشام وغيرها من البلاد. وتوفي في (٢٢ رمضان سَنَةَ ٢٧٣ هـ) وصَلَّى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دفنه أخوه أبو بكر، وعبد الله , وابنه عبد الله.
قال أبو يعلى الخليلي: «ابْنُ مَاجَهْ ثِقَةٌ، كَبِيرٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مُحْتَجٌّ بِهِ، لَهُ مَعْرِفَةٌ وَحِفْظٌ».
صنَّف ابن ماجه " سُننه " فجمع فيها الصحيح والحسن والضعيف والواهي، لهذا لم يدخلها بعضهم في " الكتب الستة " وأول من اعتبرها سادس الكتب الصحيحة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي (- ٥٠٧ هـ) في كتابه " أطراف الكتب الستة " ومن العلماء من جعل " الموطأ " أحد " الكتب الستة ". ومع هذا فلـ " سنن ابن ماجه " فوائد كثيرة كما قال الذهبي: «سُنَنُ أَبِي عَبْدِ الْلَّهِ كِتَابٌ حَسَنٌ، لَوْلاَ مَا كَدَرَهُ أَحَادِيثَ وَاهِيَةً، لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ».
وقد خدم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي هذه السُنن وأحصى أحاديثها فكان جملة أحاديث " سُنن ابن ماجه " (٤٣٤١) حديثاً. من هذه الأحاديث (٣٠٠٢) حديثاً أخرجها أصحاب " الكتب الخمسة " كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها (١٣٣٩) حديثاً هي الزوائد على ما جاء في " الكتب الخمسة ". وبيان الزوائد:
أولاً - ٤٢٨ حديث رجالها ثقات، صحيحة الإسناد.
ثانياً - ١٩٩ حديث حسنة الإسناد.
ثالثاً - ٦١٣ حديث ضعيفة الإسناد.
стр. 60
رابعاً - ٩٩ حديثاً واهية أو منكرة، أو مكذوبة.
ولهذا كان على الباحث ألاَّ يأخذ بحديث من " سُنن ابن ماجه " إلاَّ بعد معرفة درجته، وقد سَهَّلَ الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي على الباحث التحرِّي والبحث بخدمته هذا الكتاب، فجزاه ا لله عن المسلمين وأهل العلم كل خير.
كانت تلك لمحة سريعة موجزة حول " الكتب الستة " ومؤلفيها، وهي لا تعدو قصد التعريف بتلك المصنَّفات الحليلة وبأصحابها، وأما القول في منهج مصنِّفيها وترتيب كتبهم وشروطهم فإنه يحتاج إلى كتاب خاص بذلك.
وقد لقيت هذه الكتب عناية كبيرة من أهل العلم بالشرح والاختصار والاستخراج عليها، وما إلى ذلك ..
وهناك كتب جليلة في الحديث سوى ما أسلفنا ذكره من الموطآت والمسانيد والصحاح، ككتب الإمام ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، والبغوي، وغيرهم من أئمة الحديث في العصور المختلفة.
وقد طال بنا المطاف إلى راوية الإسلام، فنكتفي بذلك، لننتقل إلى موضوعنا المقصود أولاً، والله ولي التوفيق.
***
стр. 61
الباب الأول: أبو هريرة:
الفصل الأول: حياته العامة
الفصل الثاني: حياته العلمية
стр. 62
الفصل الأول: حياته العامة:
- نسبه والتعريف به.
- هيئته وأوصافه الجسمية.
- نشأته قبل الإسلام.
- إسلامه وهجرته.
- إسلام أمه.
- ملازمة رسول الله ﷺ .
- التزام أبي هريرة السُنَّةَ.
- فقره وعفافه.
- كرم أبي هريرة.
- ولايته في عهد عمر ﵁.
- أبو هريرة وفتنة عثمان بن عفان ﵁.
- أبو هريرة في عهد عليٍّ ﵁.
- أبو هريرة أمير المدينة.
- أبو هريرة والجهاد في سبيل الله.
- مرح أبي هريرة ومزاحه.
- قبس من أخلاقه.
- مرض أبي هريرة.
- وفاته.
- أسرته.
стр. 63
- نسبه والتعريف به:
أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر من ولد ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، فهو دوسي نسبة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر وهو شنوءة بن الأزد، والأزد من أعظم قبائل العرب وأشهرها، وتنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن كهلان بن العرب القحطانية (١).
ولأبي هريرة أخ يقال له «كريم»، وابن عمه أبو عبد الله الأغر، وخال أبي هريرة سعد بن صبيح بن الحارث بن سابى بن أبي صعب بن هنية، كان في الجاهلية لا يأخذ أحداً من قريش إلاَّ قتله بأبي أزيهر الدوسي، وكان أبو أزيهر قد قتله هشام بن المغيرة المخزومي لمطله إياه بمهر أخته (٢).
كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس - وقيل غير ذلك - فسمَّاهُ رسول الله ﷺ (عبد الرحمن) ...
وأمه ميمونة بنت صخر، وقيل أميمة (٣).
اشتهر أبو هريرة بكُنيته، حتى غلبت عليه على اسمه فكاد ينسى، وأظن هذا كان سبب الاختلاف في اسمه.
وسئل أبو هريرة: لم كنيت بذلك؟ قال: كنيت أبا هريرة لأني وجدت هِرَّةً فحملتها في كُمِي، فقيل لي أبو هريرة. ورُوِيَ عنه أنه قال: وجدت هِرَّةً وحشية، فأخذت أولادها فقال لي أبي: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته فقال: أنت أبو هريرة.
стр. 64
وقد كان يرعى غنم أهله وهو صغير، ويداعب هِرَّتَهُ في النهار، فإذا جَنَّ الليلُ وضعها في شجرة، حتى إذا كان النهار أخذها ولعب بها، وفي " صحيح البخاري " أنَّ النبي ﷺ قال له: «يَا أَبَا هِرٍّ» كما ثبت أنه قال له: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». وكان يقول: «لاَ تُكَنُّونِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ النَبِيَّ ﷺ كَنَّانِي أَبَا هِرٍّ. وَالذَكَرُ خَيْرٌ مِنَ الأُنْثَى».
...
هيئته وأوصافه الجسمية: (١)
كان أبو هريرة رجلاً آدم بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يخضب شيبه بالحُمرة، وكان أبيض ليناً لحيته حمراء، ورآه خباب بن عروة وعليه عمامة سوداء.
...
نشأته قبل الإسلام:
لا نعرف شيئاً كثيراً عن أبي هريرة قبل إسلامه، إلاَّ ما كان يرويه عن نفسه، فقد ولد في اليمن، ونشأ فيها، يرعى غنم أهله، ويخدمهم، كما نشأ أترابه، نشأة القبيلة والبادية، تلك النشأة العربية الخالصة.
وقد توفي والده وهو صغير، فنشأ يتيماً، وقاسى شظف العيش، حتى مَنَّ الله عليه بالإسلام فكان له فيه الخير كله. وأخبار أبي هريرة في تلك الفترة قليلة، لا نفيد من تتبعها شيئاً بقدر ما نفيد من معرفة أخباره في الإسلام.
...
إسلامه وهجرته:
كان الطُفيل بن عمرو الدوسي رجلاً شريفاً مليئاً كثير الضيافة، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه، وما أنْ عرفت قدومه إلى مكة بعد نبوؤة محمد ﷺ حتى انطلق إليه رجال منها يقولون له:
стр. 65
«إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرَّق جماعتنا، وشتَّتَ أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرِّقُ بن الرجل وأبيه ... » أرادوا بهذا أنْ يصُدُّوهُ عن الإسلام، واقتنع الطفيل بقولهم ونوى ألاَّ يسمع رسول الله ﷺ حتى لا يؤخذ بسحره كما ادَّعُوا ...
وذهب الطفيل إلى الكعبة، وإذا برسول الله ﷺ يُصلِّي، فسمع كلامه فأعجب به، وأبَى الله إلاَّ أنْ يفتح قلبه للإيمان، وذهب مع الرسول الكريم إلى داره فعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن، فشعر بحلاوة الإيمان، و طلب من الرسول أنْ يدعو له، وأن يجعل الله له عوناً في حمل الإسلام إلى قومه ودعوتهم إليه، فقال ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً» فوقع له نور بين عينيه، فقال: يا رسول الله .. أخشى أنْ يقول قومي هي مثلة، فرجع النور إلى طرف سوطه، فكان يضيء في الليل، ولهذا لُقِّب بذي النور (١).
وعاد الطفيل إلى قومه فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه فأجابه أبو هريرة وحده، وأبطأ عليه قومه، فعاد إلى رسول الله ﷺ وأخبره بإبطاء قومه، وقال له: ادع عليهم. فقال ﷺ : «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً» وفي رواية: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَائْتِ بِهَا»، وقال له: «اخْرُجْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وارْفِقْ بِهِمْ»، فخرج إلى قومه فلم يزل بأرض دوس يدعوها حتى هاجر رسول الله ﷺ بمن أسلم من قومه، ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزل المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقوا رسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين، وقال الطفيل: «قلنا يا رسول الله .. اجعلنا ميمنتك، واجعل
стр. 66
شعارنا مبرور، ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور» (١).
هكذا أسلم أبو هريرة قديماً وهو بأرض قومه، على الطفيل بن عمرو، وكان ذلك قبل الهجرة النبوية، وأما هجرته من اليمن إلى المدينة فقد كانت في ليالي فتح خيبر، ورواية أبي هريرة لهجرته توكِّدُ لنا قدم إسلامه.
قال أبو هريرة: خرج النبي ﷺ إلى خيبر وقدمت المدينة مهاجراً، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة - وكان استخلفه - فقرأ في السجدة الأولى بسورة «مريم»، وفي الآخرة «ويل للمطففين» (٢) فقلت في نفسي: «ويل لأبي فلان - لرجل كان بأرض الأزد - وكان له مكيالان، مكيال يكيل به لنفسه ومكيال يبخص به الناس» (٣). وفي رواية: «ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، إلاَّ وكان له مكيالان. مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس» (٤).
وقد ثبت في " صحيح البخاري " أنه ضلَّ غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله ﷺ ، وأنه جعل ينشد:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
فلما قدم على رسول الله ﷺ طلع غلامه، فقال له ﵊: «هَذَا غُلاَمُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»!! فقال: «هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ» (٥).
وقد لازم النبيَّ ﷺ إلى آخر حياته، وقصر نفسه على خدمته، وتلقَّى العلم الشريف منه ﷺ ، فكان يدور
стр. 67
معه ويدخل بيته، ويحج ويغزو معه، يده في يده، يرافقه في حله وترحاله، في ليله ونهاره، حتيى حمل عنه العلم الغزير الطيب.
...
إسلام أمه:
أسلم أبو هريرة وهاجر إلى رسول الله ﷺ إلاَّ أنَّ أمه بقيت على الشرك، وكان يدعوها إلى الإسلام فلا تستجيب , وأصابه من الهمِّ والحزن ما أصابه، كلما دعاها إلى الإسلام، تأبى عليه، فيزداد همَّهُ وحزنه.
وفي يوم دعاها إلى الإسلام فأسمعته في رسول الله ﷺ ما يكره، وهنا نفسح لأبي هريرة المجال ليُحدِّثنا عما في نفسه، فيقول: جئت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلتُ: يا رسول الله، إني كنت أدعو أم أبي هريرة إلى الإسلام فتأبى عَلَيَّ، وإني دعوتُهَا اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أنْ يعدى (١) أم أبي هريرة إلى الإسلام، ففعل. فجئت البيت، فإذا الباب مجاف، وسمعت خضخضة الماء (٢)، وسمعت حسي، فقالت: كما أنت (٣)، فلبست درعها، وعجلت عن خمارها، ثم قالت: ادخل يا أبا هريرة، فدخلت، فقالت: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، فجئت أسعى إلى رسول الله ﷺ أبكي من الفرح، كما بكيت من الحزن، فقلت: أبشر يا رسول الله .. فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أم أبي هريرة إلى الإسلام، ثم قلت: يا رسول الله .. ادع الله أنْ يُحَبِّبَنِي وأمِّي إلى المؤمنين والمؤمنات، وإلى كل مؤمن ومؤمنة، فقال: اللهم حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمه إلى كل من مؤمن ومؤمنة، فليس يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلاَّ أحبَّني (٤).
стр. 68
لقد فرح أبو هريرة بإسلام أمه فرحاً شديداً، وبقي وفيًّا لها بارًّا بها يخدمها كل حياته، ولم يفارقها أبداً، حتى أنه لم يحجَّ حتى ماتت لصُحبتها (١).
...
ملازمته رسول الله ﷺ -:
صحب أبو هريرة رسول الله ﷺ أربع سنوات، في حله وترحاله، كان يدخل بيته، ويحضر مجالسه، وقد اتَّخذ الصفة مقاماً له (٢).
كان رجلاً مسكيناً يخدم رسول الله ﷺ على ملء بطنه، يتنقَّل بين الصحابة يقرئونه القرآن، وجعله رسول الله ﷺ عريف أهل الصُفَّة، فإذا أراد الرسول ﷺ أنْ يجمعهم لطعام حضر، تقدَّم إلى أبي هريرة ليدعوهم ويجمعهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم (٣).
وكان أبو هريرة يحب رسول الله ﷺ حباً شديداً، ففي يوم رفع رسول الله ﷺ الدرة ليضربه بها، فقال أبو هريرة: «لأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ; ذَلِكَ بِأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا، وَأَنْ يُسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعْوَتُهُ» (٤).
وبينما كان المسلمون يحملون اللَّبَنَ إلى بناء المسجد، ورسول الله ﷺ معهم، رآه أبو هريرة وهو عارض لبنة على بطنه، فظن أنها شقت على رسول الله ﷺ فاستقبله قائلاً:
стр. 69
ناولنيها يا رسول الله، فقال ﷺ : «خُذْ غَيْرَهَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ» (١).
وكان يحب من أحبه رسول الله ﷺ ، فقد لقي أبو هريرة الحسن بن علي ﵄ فقال له: «أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ»، فَرَفَعَ القَمِيصَ وَقَبَّلَ سُرَّتَهُ (٢).
لم يفارق أبو هريرة رسول الله ﷺ ، إلاَّ حين بعثه مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، ووصَّاهُ به، فجعله العلاء مؤذِّناً بين يديه، وقال له أبو هريرة: «لا تَسْبِقْنِي بِـ (آمِينَ) أَيُّهَا الأَمِيرُ» (٣).
وستبدو لنا ملازمة أبي هريرة للرسول ﷺ من خلال دراستنا لذلك نكتفي بهذا القدر هنا.
كما أرسله ﷺ مع قُدامة لأخذ جزية البحرين، فقد وجَّه رسول الله ﷺ كتاباً إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين فقال: «أما بعد ... فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة، فادفع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك والسلام». وكتب أُبَيٌّ (٤).
التزام أبي هريرة السُنَّةَ:
كان أبو هريرة يسير على هُدَى الرسول الأمين، ويقتدي به، ويُحِّذِرُ
стр. 70
الناس من الانغماس في ملاذ الدنيا وشهواتها (١)، لا يفرق في ذلك بين غني وفقير، أو بين حاكم ومحكوم، يرشد الأمة إلى الحق والصواب، ها هو ذا يَمُرُّ بقوم يتوضَّأون فيقول لهم: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمَ ﷺ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» (٢)، ويسألونه عن القراءة في الصلاة، فيقول: «كُلُّ صَلاةٍ يُقْرَأُ فِيهَا، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا، أَخْفَيْنَا عَلَيْكُمْ» (٣)
ودخل أبو هريرة دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهِيَ تُبْنَى، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: «يَقُولُ اللهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (٤).
وكان لا يقبل مع حديث رسول الله ﷺ أو مع سُنَّته شيئاً، ولا يرضى أنْ يضرب لها الأمثال، ومن ذلك ما قاله لرجل: «يَا ابْنَ أَخِي إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا، فَلاَ تَضْرِبْ لَهُ الأَمْثَالَ» (٥)
وكان يقول: «ثَلاَثٌ أَوْصَانِي بِهِنَّ خَلِيلِي ﷺ ، لاَ أَدَعُهُنَّ أَبَدًا: الْوَتْرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، وَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٦).
حقاً إنَّ أبا هريرة لم يدع ذلك (٧)، فقد سأله عثمان النهدي: كيف
стр. 71
تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثاً (١)، كما كان يصوم الاثنين والخميس (٢).
وكان أحياناً يصوم مع بعض أصحابه، ويجلسون في المسجد، يقولون: نطهر صيامنا (٣).
قال أبو رافع: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، صَلاةَ الْعَتَمَةِ - أَوْ قَالَ: صَلاةَ الْعِشَاءِ - فَقَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٤)، فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!؟ فقال: سَجَدْتُ فِيهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَاهُ (٥). وواضح أنَّ السجود المقصود هو سجود التلاوة في الآية الكريمة ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٦).
وكان يحب التطهر ويخشى الوقوع في المعصية،حتى أنه خشي على نفسه - وهو شاب في أول عهده بالرسول ﷺ أنْ يقع بالزنا، فقال: يا رسول الله ... إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِيَ الْعَنَتَ، وَلاَ أَجِدُ طَوْلاً أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى قَالَ ثَلاَثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ» (٧)
أي كتب عليك ما أنت عليه، فاستسلم لذلك، أو لا تستسلم له، وليس هذا من باب التخيير بل من باب الردع، ليحمل أبا هريرة على الصبر، وعلى حفظ نفسه، ومهما يكن هذا الخبر، فإنه يدل على ورع أبي هريرة وتقواه، وحرصه على التزام طاعة الله ورسوله، وخشيته من الزلل في المعاصي فتقدم مضحياً بشهوته وبنفسه ليرضى عنه الله ورسوله، ولما عرف من رسول الله ﷺ حكم ما سأله، امتثل لأمره، والتزم الصبر والعبادة.
стр. 72
كان يخشى الله كثيراً سراً وعلانية، فإذا مَرَّتْ به جنازة، يقول: «رُوحِي فَإِنَّا غَادُونَ، أَوِ اغْدِي فَإِنَّا رَائِحُونَ، مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ، يَذْهَبُ الأَوَّلُ وَيَبْقَى الآخِرُ لا عَقْلَ لَهُ!!؟» (١).
وكان حريصاً على الاقتداء برسول الله في جُلِّ أعماله وتصرُّفاته وذكره وعبادته، من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن الزهري عن أبي سلمة: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيَقُولُ: «إِنِّي أَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢).
ومن هذا أيضاً ما رواه الترمذي بسنده عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وَفِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ (٣)، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ!؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا» (٤).
ومن ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، أيصلي أحدنا في ثوب؟ قال: أولكلكم ثوبان!؟ قال أبو هريرة: أتعرف أبا هريرة! يصلي في ثوب واحد، وثيابه على الشجب (٥).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ؟ قَالَ: «أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَتَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ» (٥).
ونرى أبا هريرة يُحَدِّثُ مَنْ حوله عن رسول الله ﷺ : «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدَكُمْ جَارُهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ فَلاَ يَمْنَعْهُ، فَلَمَّا
стр. 73
حَدَّثَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» (١). لقد حدَّثهم في حسن الجوار ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم مُعرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا ومعاملة الجار جاره، وحين رآهم معرضين اشتدَّ عليهم وأبى ألاَّ يعملوا طبقاً للسُنَّة وأحكامها وإنَّ قوله هذا وشدَّته، لا تقلُّ عن شِدَّة الفاروق عمر ﵁، وما أجمل عضبه لله ورسوله، الذي ظهر في عبارته «وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ». ومعنى قوله هذا: أنها كانت على ظهورهم وبين أكتافهم لا يقدرون أنْ يعرضوا عنها، لأنهم حاملوها (٢).
واختلف الفقهاء: أهذا حق على الجار لجاره واجب؟ أم هو أدب؟.
قال الخطابي في " المعالم " (٣٤٨٧) من " تهذيب السنن ": «عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يَذْهَبُونَ فِي تَأْوِيلِهِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيْجَابٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَحَسُنِ الْجَوَارِ، إِلاَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ رَآهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ يَقْضُوا بِهِ عَلَى الجَارِ وَيُمْضُوهُ عَلَيْهِ إِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ» (٣). وقد أوصى الله ورسوله بالجار خيراً، لهذا كان على الجار أنْ يحسن جوار جاره، وأرى في مذهب الفقهاء ومذهب الإمام أحمد ما فيه مصلحة المسلمين جميعاً، وإنْ حمل الأمر فيه على الندب والأدب لا يمنع القاضي من أنْ يحكم بوجوب غرز الخشبة إذا وجد في ذلك مصلحة لأحدهما لا تضر بمصلحة الآخر.
وعن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَجُلٌ: كَمْ يَكْفِي رَأْسِي فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا». قَالَ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ؟ قَالَ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ».
وكان يسيئه أنْ يرى بعض المُصَلِّينَ يتأخَّرُون يوم الجمعة في حضورهم إلى الجامع حتى يخطب الإمام، فيقول: «لأَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ،
стр. 74
خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ، حَتَّى إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (١)، وفي قوله هذا دعوة المصلين إلى الحضور في أول الوقت، عملاً بالسُنَّة الشريفة، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا فَاسْتَمَعُوا الذِّكْرَ» (٢)، وإلى جانب العمل بهذا الحديث، فإنَّ قول أبي هريرة صادر عن نفس طيِّبة، مرهفة الحسن، تشعر بشعور الآخرين، وتراعي إحساسهم، فقد أدرك ما في تخطي رقاب الناس من إزعاج المصلِّين، وإضاعة بعض الفائدة عليهم، فقال مقالته تلك.
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ». قَالَ أَبُو السَّائِبِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ؟ قَالَ أَبُو السَّائِبِ: فَغَمَزَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذِرَاعِي، فَقَالَ: «يَا فَارِسِيُّ، اقْرَأْهَا فِي نَفْسِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ... » (٣). لقد أبى أبو هريرة إلاَّ أنْ يقف عند حديث رسول الله ﷺ ويؤمره في جميع أحواله،
стр. 75
وحض الناس على الاقتداء بالرسول الكريم، وعلى العمل بسُنَّته الطاهرة. وكان يطبق ذلك على نفسه وأهله، فقد سمع من الرسول ﷺ قوله: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ» (١)، فكان هذا ديدنه، يصوم النهار، ويقوم الليل، يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته فتقوم ثلثه، ثم توقظ هذه ابنته لتقوم ثلثه (٢)، هكذا كانوا يتناوبون العبادة في الليل. وقد شهد بذلك ضيوفه وإخوانه، الذين خالطوه وعرفوه، وعاشوا معه.
وكان ورعاً تقياً يحب التقرُّب إلى الله، وكثيراً ما كان يقابل المسيء بالحُسنى، من هذا أنَّ زنجيَّة كانت له، قد غمتهم بعلمها، فرفع عليها يوماً السوط، ثم قال: «لَوْلاَ القِصَاصُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَغْشَيْتُكِ بِهِ وَلَكِنِّي سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ أَحْوَجَ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ، اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للهِ ».
وكان لأبي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حُجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعاً، وإذا دخل صلى فيها جميعاً (٤).
وكان يكثر من التسبيح والتكبير في أطراف النهار والليل، وكان يُسبِّحُ كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: «أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي» (٥)، وكان يكثر الاستعاذة بالله من النار، ويُذَكِّرُ الناس بالله ، ويحثَّهُمْ على طاعته (٦).
وكثيراً ما كان يُحَذِّرُ الناس من فساد الزمان، فيقول: إذا رأيتم