← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 29988

مختصر التبيين لهجاء التنزيل

سليمان بن نجاح

Полный текст (1 911 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- أ - [الجزء الأول] مقدمة بقلم معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على المجمع الحمد لله رب العالمين، أنزل كتابه العزيز، وتكفّل بحفظه إلى يوم الدين. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإنه يسر وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية أن تضع بين يدي الباحثين والمشتغلين بعلوم القرآن الكريم كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح المتوفى ٤٩٦ هـ الذي تم إخراجه ونشره بالتعاون العلمي المثمر بين الوزارة، ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وقد بذل الجانبان جهودا طيبة في تقويم الكتاب وتصحيحه وطباعته. وموضوع هذا الكتاب هو رسم المصحف العثماني، وبيان هجائه الذي كتبت به المصاحف العثمانية، فشمل كتابه هجاء جميع القراءات، مع التركيز على قراءة نافع المدني رحمه الله تعالى وهو من أقدم الكتب المؤلفة في هذا العلم، وأنفسها وأوسعها، فحوى بين طياته جميع هجاء مصاحف الأمصار على ما وضعه الصحابة ﵃ أودع فيه مؤلفه كل ما عرف عن موضوع هجاء المصاحف وما يحتاجه الناسخ للمصحف. فالكتاب يفسح أمام العلماء الطريق في الكشف عن موضوع رسم المصحف وعناية العلماء بتحريره وبيان قواعده، وقد أفاد منه القراء كثيرا، كيف والقراءة مرتبطة برسم المصحف؟ بل هو ركن من الأركان الثلاثة التي يشترطها العلماء لقبول القراءة، كما

стр. 2

- ب - يقول ابن الجزري في النشر (١/ ٩): «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة». ولقد احتل هذا الكتاب منزلة سامية من بين الكتب المؤلفة في علم الرسم، ومؤلفه أبو داود شيخ القراء وإمام الإقراء، من أجلّ أصحاب أبي عمرو الداني، وأنبل تلامذته في علوم القرآن والقراءات، بل فاقه في علم الرسم بشهادة علمائه، فكانوا يقدمون ترجيحات التلميذ وتحريراته عند الاختلاف بينهما. وتتأكد أهمية كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» إذا عرفنا أن ثمة روايات غزيرة رواها العلماء المتقدمون الذين ضاعت مصنفاتهم في هذا الباب، ويحتفظ هذا المختصر بجلّ هذه الروايات المفقودة وينقلها عن أصحابها بأسمائهم وألفاظهم. وأود في هذه المقدمة أن أتقدم بالشكر الجزيل لمحقق الكتاب الدكتور أحمد بن أحمد شرشال على ما بذله من جهد علمي في هذا السبيل، كما أتقدم بالشكر لكل من بذل الجهد في تقويم الكتاب وتصحيحه وطباعته. والوزارة ماضية بإذن الله في دعم المسيرة العلمية التي ترعاها حكومة المملكة العربية السعودية التي ما فتئت تدعم كل ما من شأنه خدمة كتاب الله ورعاية علومه. وندعو الله أن يديم على هذه البلاد عزها وعطاءها الميمون في ظل قائد هذه المسيرة المباركة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني حفظهم الله جميعا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3

مقدمة [مجمع الملك فهد] الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية يحرص على إعداد كل ما يتصل بخدمة كتاب الله وطباعته ونشره، ومن ذلك علوم القرآن المتنوعة تأليفا وتحقيقا مما يعده الباحثون في إدارة الشئون العلمية، أو الأعمال العلمية المعدّة ممن لهم اهتمام وعناية بالقرآن الكريم وعلومه. وقد قام مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بطبع كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح الأموي المتوفى ٤٩٦ هـ الذي قام بتحقيقه والتعليق عليه الدكتور أحمد بن أحمد شرشال وقد تم إخراجه ونشره بالتعاون العلمي المثمر بين وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وذلك بعد دراسته وتقويمه من قبل الشئون العلمية، ويعدّ الكتاب من أنفس الكتب المؤلفة في علم الرسم وتحرير مسائله، كما أن الطراز في شرح ضبط الخراز للإمام أبي عبد الله التنسي- الذي سبق أن طبع بالمجمع- من أحسن الكتب في علم أصول الضبط لكتاب الله الكريم، وهما عمدة النساخ في رسم المصحف ونقطه بالشكل، ومن أهم مصادر اللجنة العلمية التي أشرفت على إعداد «مصحف المدينة النبوية» وقد جاء في تقريرها: «وأخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم ... وقد روعي في ذلك ما نقله الشيخان أبو عمرو الداني وأبو داود سليمان بن نجاح مع ترجيح الثاني عند الاختلاف غالبا» وبهذين الكتابين اكتمل موضوع كتابة المصحف من حيث رسم حروفها وهجائها، ومن حيث إعرابها بالنقط والشكل.

стр. 4

والكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» موسوعة علمية مطولة في موضوع رسم المصحف العثماني وما يتصل بذلك، لا يستغني عنه الباحثون من علماء القراءات، ولا اللجان العلمية التي تشرف على طباعة المصحف في شتى بقاع العالم. ومؤلفه أبو داود سليمان بن نجاح إمام وحجة في علم الرسم، وقد فاق أقرانه، فعلماء الرسم اهتموا بمؤلفاته، وأخذوا بترجيحاته وتحريراته في هذا العلم. إن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف قد هيأ في سبيل ذلك فريق عمل متخصصا في القرآن الكريم وعلومه، ويسرّه أن يتعاون لتنفيذ مهامه المنوطة به مع العلماء الجادين الذين تهيأت لهم إمكانات علمية وقدرات بحثية للنهوض بالواجبات التي ندبوا أنفسهم للقيام بها. وفي هذا العمل الجليل الذي تمت طباعته في مطابع المجمع وتحت إشرافه المباشر، يلمس القارئ تلك العناية العظيمة التي بذلها السلف الصالح في سبيل كتابة القرآن الكريم ورسمه وضبطه، وكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» حلقة مهمة من هذه الحلقات. ومما يزيد من أهمية هذا السفر الجليل هذه الدراسة العلمية المتقنة التي عني بها المحقق لأجلاء غوامض هذا العلم وما يلزمه من التحرير والبحث في بعض مسائله ومشكلاته، ثم يأتي النص محققا على طائفة من النسخ المخطوطة المعتمدة وفق أسلوب العمل المنهجي في تحقيق التراث الإسلامي ونشره. وندعو الله أن يحفظ لهذه البلاد أمنها واستقرارها في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف

стр. 5

شكر إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. أما بعد: فعملا بقول الله : لئن شكرتم لأزيدنّكم (إبراهيم: ٧) فإنني أحمده وأشكره، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأثني عليه الخير كله، فهو المستحق للحمد والثناء بما أنعم وتفضل، ويسر وأعان. ومن إنعامه وإفضاله أن وفقنا لإتمام هذا البحث، وجمع لنا بين شرفين عظيمين: شرف طلب القرآن وعلومه وقراءاته، وشرف المقام في مدينة النبي ﷺ ، وفي أشرف بقعة فيها؛ في مسجده الشريف، ما أعظمها من نعمة! يجب أن نستشعرها، ويستشعرها طلاب العلم، ونسأل الله العظيم الجليل أن يعيننا على أداء حقها، ويرزقنا دوام شكرها، وتبليغ ما حملناه. فهذه الخصوصية لم تتوفر ولن تتوفر في أي بقعة من الأرض، اللهم لك الحمد والشكر، وعلى قدر هذه النعمة والفضل تعظم المسئولية، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وعملا بهدي الرسول ﷺ : «من صنع لكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (١) وقوله أيضا: «من لا يشكر الناس، لا يشكر الله» (٢).

стр. 6

ومن أكبر المعروف وأعظمه أن تيسر للطالب تكاليف العلم وكفايته مئونة الطلب، وتوفير أسبابه في أعظم بقعة على وجه الأرض. لذا أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى القائمين على هذه الجامعة الإسلامية المباركة، التي تقدم لطلابها العلوم النافعة الخالية من الشوائب على المنهج الصحيح هدي السلف الصالح من الكتاب والسنة، ولا شك أن هذه نعمة كبرى على طلاب هذه الجامعة، حيث زودوا بملكة يميزون بها بين المعارف البشرية، والمذاهب والنحل، وبين الوحي المنزل في الكتاب والسنة، وحينئذ يصبحون في منعة وحصانة من أساليب الغزو الفكري ومظاهر الحضارة البرّاقة. فأزجي شكري وتقديري إلى الجامعة الإسلامية بعامة، وإلى كلية القرآن الكريم بخاصة على رعايتها لي في دراسة القرآن وعلومه، وما هيأته لي من سبل الراحة، والتفرغ للتحصيل فكفتني هم تبعات الحياة، نسأل الله العظيم الجليل أن يوفق القائمين عليها ويسدد خطاهم على طريق الخير. ثم إني أتوجه بالشكر الجزيل إلى المشرفين على هذه الرسالة: الشيخ عبد الفتاح المرصفي- اللهم اغفر له وارحمه- والدكتور/ محمد سالم محيسن. وتوج هذا الإشراف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عمر الأمين وكيل الكلية، أحسن الله إليه وجزاه الله خيرا. وأقدم شكري وخالص تقديري إلى مشايخي في كلية القرآن الكريم، نسأل الله العظيم الجليل أن يمن علينا وعليهم بالعافية والستر، وحسن الخاتمة، ونسأله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل آمين، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 7

مقدمة الدراسة مدخل: إن العناية بكتابة القرآن، ونشره بين الناس سنة نبوية كريمة، ورثها علماء المسلمين عن الرسول ﷺ ، فكان ﷺ قد اتخذ كتابا للوحي، منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. وكان كلما أنزل عليه شيء من القرآن، يدعو كتاب الوحي، فيمليه عليهم، ويحدد لهم مواضع الآيات في السور، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (١). وكان ﷺ يحث أصحابه على كتابة القرآن، ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب عنّي شيئا سوى القرآن فليمحه» (٢). وهكذا لم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن كتب القرآن كله بين يديه على العسب (٣) واللخاف (٤) والرقاع (٥) وقطع الأديم والأكتاف وغيرها مما كان متيسرا في عصرهم. ثم توالت كتابة القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، حيث كتب القرآن كله في نسخة موزعة في صحف فحفظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمر بن الخطاب بعده، ثم حفظتها حفصة بنت عمر بعد وفاة أبيها.

стр. 8

وفي عهد عثمان بن عفان ﵁ كان أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وهكذا أهل كل بلد يقرءون بقراءة من حلّ به من الصحابة. وعند ما التقوا في فتح أرمينية اختلفوا في وجوه القرآن، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمع به أهل العراق، وهؤلاء يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فخطّأ بعضهم بعضا (١)، فأفزع حذيفة بن اليمان اختلافهم، فأسرع إلى عثمان بن عفان وقال له: «يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى» (٢). ووقع مثل ذلك في المدينة النبوية بين متعلمي القرآن ومعلميه، فتعاظم عثمان ذلك، فخطب الناس وقال: «أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا ... ». ثم قال: «اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما» (٣). وطلب الصحف من حفصة، واعتمد عليها في استنساخ مصاحف عدة، وأرسلها إلى الأمصار، ومع كل مصحف قارئا. وهذه المصاحف هي التي اصطلح العلماء بعد ذلك على تسميتها ب «المصاحف العثمانية» نسبة إلى الخليفة عثمان بن عفان، لأنها كانت بأمره وإرشاده وليست بخطه، وإنما هي بخط زيد بن ثابت بطريقة خاصة

стр. 9

وبرسم مخصوص مجرد من النقط والشكل. وقد صارت أصلا لما كتب بعد ذلك من مصاحف إلى يومنا هذا. ولارتباط القراءة بخط المصاحف تتبع القراء هجاء المصاحف. قال أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ): «وإنما نرى القراء عرضوا القراءة على أهل المعرفة بها وتمسكوا بما علموا منها مخافة أن يزيغوا عما بين اللوحين بزيادة أو نقصان، ولهذا تركوا سائر القراءات التي تخالف الكتاب ولم يلتفتوا إلى مذاهب العربية فيها إذا خالف ذلك خط المصحف، وإن كانت العربية أظهر بيانا من الخط، ورأوا تتبع حروف المصاحف وحفظها عندهم كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها» (١). وحينئذ لاحظ علماء القراءات هيئة هذا الرسم، وخاصة تلك الحروف التي تميزت بزيادة أو حذف أو بدل فوصفوها رواية بالعد والوزن والوصف الدقيق، وترجمة عملية بنسخ المصاحف على وفقها، ومطابقة لها. ومن هؤلاء المبرّزين في هجاء المصاحف أبو داود سليمان بن نجاح المتوفى سنة ٤٩٦ هـ روى الرسم علما وعملا بتأملاته ومشاهداته للمصاحف في كتابه الكبير المسمى ب «التبيين لهجاء مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁» ضمنه إلى جانب هجاء المصاحف كثيرا من علوم القرآن، إلا أن ضخامته حدّت من انتشاره وتداوله لفتور الهمم، وميل الناس إلى الاختصار، فسأله طلاب العلم أن يختصره، فأجابهم إلى ذلك، ففصل الرسم وحده في كتاب، واقتصر عليه، وسماه «المختصر» وهو كتابنا هذا الذي بين أيدينا، والذي قمت بتحقيقه وخدمته وإخراجه، بعد أن ظل قرونا من الزمن حبيسا في المكتبات الخطية، فكاد يندرس ويندثر.

стр. 10

وترجع صلتي بكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح إلى الأيام الأولى من مراحل البحث لرسالتي الأولى، عند ما قمت برحلة علمية إلى كل من مصر وتونس والمغرب بحثا وجمعا للمصادر والمراجع، فشاء الله أن أظفر بنسختين مختلفتين من الخزانة الحسنية بالمغرب. واشتدت صلتي بالكتاب، واستهواني موضوعه ومنهجه، ومما زاد في عزمي وحزمي على تحقيقه، زيادة صلتي به حيث كان مصدرا أصيلا لكتاب: «الطراز في شرح ضبط الخرّاز» موضوع رسالتي السابقة، فكان يصحبني وفي صحبتي طيلة مدة البحث من أوله إلى آخره. وحينئذ عرفت مضامينه ومراميه، وعرفت أصوله وفروعه وعرفت أنه أحق بأن تبذل فيه الجهود، وتنفق فيه الأعمار. وبما أن الرسم يتعلق بذات حروف الكلمة حذفا وإثباتا وقطعا ووصلا، والضبط يتعلق بما يعرض لهذه الحروف من حركة وسكون، وذلك وصف للحرف، وهو موضوع رسالتي الأولى. وبما أنه لا بد للصفة من موصوف، فكان لا بد لي أن أتطرق لبيان هذا الموصوف، وهو الرسم. فأردت بهذا الاختيار تكملة موضوع رسالتي السابقة الذي تناولت فيه إعراب المصحف بالنقط والشكل، فيكون موضوع هذه الرسالة في رسم هجاء المصاحف، وبه يكتمل موضوع كتابة المصاحف، من رسم هجائها وضبط حروفها لحاجة أحدهما إلى الآخر.

стр. 11

وحينئذ يتوفر للمكتبة القرآنية كتاب محقق في إعراب المصحف بالنقط والشكل، وهو المسمى ب «الطراز في شرح ضبط الخرّاز» للإمام التنسي وكتاب محقق في رسم هجاء المصاحف وهو المسمى ب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل». وعلى كلا الكتابين اعتمد نساخ المصاحف، وستلاحظ ذلك في خاتمة المصاحف في الشرق والغرب، والحمد لله على التمام والكمال. ومما يزيد في أهمية معرفة هجاء المصاحف بيان معرفة اختلاف القراء في بعض الأحرف. ولن يتسنى لقارئ القرآن معرفة بعض الأحرف التي اختلف فيها القراء إلا بعد معرفة رسم هذه الأحرف. وهو باب مهم في القراءة، ولذلك نجد الكتب المؤلفة في القراءات وشراح الشاطبية خصت فيها بابا لذكر مرسوم المصاحف. قال الإمام أبو العباس المهدوي: «كانت الحاجة إليه كالحاجة إلى سائر علوم القرآن، بل أهم، ووجوب تعليمه أشمل وأعم، إذ لا يصح معرفة بعض ما اختلف القراء فيه دون معرفته (١)» أي رسم هجاء المصاحف، كما هو واضح في وقف حمزة وهشام وغيرهما على بعض الحروف. وقال ابن القاصح: «ويحتاج القارئ إلى معرفة الرسم في ذلك، فيقف بالحذف على ما رسم بالحذف، وبالإثبات على ما رسم بالإثبات» (٢).

стр. 12

ثم إنه لم تقتصر أهمية الرسم العثماني على كتابة المصاحف وإعرابها بالشكل فحسب، كما يظن بعض القاصرين، بل إن أهميته تجلت عند بعض اللغويين والنحويين والمفسرين، فضلا عن القراء، فيتخذون من وسائل الترجيح رسم المصحف والاحتجاج به في اللغة والإعراب والصرف، ويظهر ذلك جليا عند سيبويه وأبي إسحاق الزجاج وابن خالويه وابن جني وأبي جعفر الطبري ومكي بن أبي طالب وأبي عمرو الداني، وجمهور كثير من المفسرين (١). فتجاوزت أهمية الرسم المصاحف إلى اللغة العربية إعرابا وصرفا واشتقاقا. ولذلك ذكر النحويون علم الخط في كتب النحو لضرورة ما يحتاج إليه، ولأن كثيرا من الكتابة مبنية على أصول نحوية، ففي بيانها بيان لتلك الأصول ككتابة الهمزة على نحو ما يسهل به، وهو باب من النحو كبير (٢)، بل إن كثيرا من مسائل النحو تستفاد من الرسم ويستغنى به عن النحو والشكل. والحق أن لموضوع الرسم شأنا عظيما، لأنه يكشف بعض النواحي في مسألة نشأة الكتابة العربية، ومن هنا كان لكتاب أبي داود سليمان بن نجاح قيمة كبيرة، لأنه يفسح أمام الباحثين مجالا رحبا في موضوع كتابة اللغة، وطريقة رسم هجاء المصاحف.

стр. 13

ثم إن المؤلف أبا داود لم يعتن بمؤلفاته أحد ولم يسبق أن حقق له كتاب، كما لم يعتن أحد بحياة المؤلف، بل لم يعرف من كتبه إلا هذا، لذا أحببت أن أسهم في إحياء هذا الكتاب الذي كاد يندرس، وبإبراز جوانب مهمة عن شخصية أبي داود العلمية وآثاره ومؤلفاته، فكان جديرا بالدراسة والتقويم والتحليل، فالمؤلّف والمؤلّف كلاهما وصف بالإمام والحجة، فكتابه «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» إمام الكتب، وحجة فى موضوع هجاء المصاحف. والمؤلّف أبو داود إمام القراء والإقراء، وحجة في هجاء المصاحف، فإليه المرجع وبه القدوة، ولم يدانه أحد في صناعته هذه نظرا لمكانته في هذا العلم ورسوخه فيه، وكثرة اشتغاله بالنسخ والإقراء والتأليف والتصنيف طوال حياته. فأردت أن أزيح صفحة النسيان عن علم من أعلام الأندلس المعتبرين، فكان جديرا بأن يلحق بأقرانه كالداني، ومكي، والطلمنكي، والمهدوي، وغيرهم. ولو لم يكن من فوائد هذه الرسالة، إلا أنها تعرف هذا العلم أبا داود سليمان بن نجاح، وتبرز معالم شخصيته وآثاره العلمية، لكان ذلك كافيا. وقد شاهدنا كثيرا من الباحثين نالوا درجة علمية على تناولهم هذا الجانب من الدراسة فقط. فكيف بدراسة يضاف إليها تحقيق ديوان من دواوين المؤلف أبي داود المهمة، ومن أمهات كتب هجاء المصاحف التي ضن بها الزمن. لذا فإن دراستي للمؤلف، وتحقيق كتابه سوف تكون بإذن الله بكرا، والفضل لله وحده.

стр. 14

وقد حظي باهتمام الناسخين وجه الرسم الذي اتبعه الإمام أبو داود في «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» فطبعت به مصاحف عدة في الشرق والغرب بروايات مختلفة، بل ورد عن الناسخين ترجيح مذهب أبي داود عند ما يختلف مع شيخه أبي عمرو الداني. يقول نساخ المصاحف: «وقد روعي في ذلك ما نقله الشيخان أبو عمرو الداني، وأبو داود سليمان بن نجاح مع ترجيح الثاني عند الاختلاف». هذا الكلام وقع من نفسي موقعا حسنا، فقوي عزمي أن أختار هذه الشخصية الراجحة، وأنتسب إليها، والحمد لله على فضله وإحسانه. فلمكانة هذا الكتاب العظيم كان اعتزازي بالانتساب لتحقيقه، ولمكانة مؤلفه كان اختياري لدراسته. ثم إن هذا الكتاب حفظ لنا روايات وأقوالا للعلماء المتقدمين الذين لم تصلنا مؤلفاتهم، مثل روايات نافع بن أبي نعيم المدني، وأبي عبيد القاسم ابن سلام، وحكم بن عمران الناقط الأندلسي، وعطاء بن يزيد الخراساني، ونصير بن يوسف النحوي، ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وغيرهم ممن كانوا أئمة في القراءات وهجاء المصاحف. فكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» حفظ لنا بعضا من هذه الروايات، وأقوال المتقدمين؛ لأن كل ما ألّف في موضوع هجاء المصاحف، وإعرابها بالنقط والشكل في العصور المتقدمة يعد في عداد المفقود أو المهمل. وحينئذ يعد الظفر بكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» وإخراجه- والحالة هذه- كنزا وثروة علمية تسد فراغا كبيرا، ونقصا حاصلا،

стр. 15

لنساخ المصاحف، وإعرابها بالنقط والشكل، وكيفية ذلك، ونورا سطع على المهتمين بالمصاحف ونساخها، والفضل لله وحده، ثم لمؤلفه ﵀، ولهذه الجامعة الإسلامية التي أتاحت لي الفرصة لمتابعة هذا الكتاب بالتحقيق والتصحيح. يضاف إلى ذلك غزارة المادة العلمية التي اشتمل عليها كتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل»، فلم أعلم كتابا أوسع وأجمع لهجاء المصاحف من هذا الكتاب حسب علمي واطلاعي، فإنه سفر ضخم من أسفار هجاء المصاحف، بل إنه من أكبر الكتب المؤلفة في ذلك، ضمّنه مؤلفه ما رواه عن شيوخه المتقدمين، وأضاف إليه ما رآه وشاهده في المصاحف العتيقة المظنون بها الصحة والمتابعة لمصاحف الأمصار. روى الإمام أبو داود هجاء المصاحف عن المصاحف المنتسخة من الإمام، التي بعث بها الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ إلى مكة والبصرة والكوفة والشام والمصحف الذي جعله لأهل المدينة والمصحف الإمام. فأورد في كتابه هذا وصفا دقيقا لجميع هجاء مصاحف الأمصار المنتسخة من الإمام. ومن ثم لم يكن مغاليا ولا مبالغا عند ما وصف كتابه هذا بالإمام، فقال: «ونجعله إماما» فهو حقا إمام الكتب في وصف هجاء مصاحف الأمصار، بلا منازع. وكان بعض علماء الرسم لا يعتد ببعض المصاحف ولا يعول عليها، ويحتج بالمصاحف التي اطلع عليها أبو عمرو الداني وأبو داود، ويردّ ما عداها.

стр. 16

قال حسين الرجراجي (ت ٨٩٩ هـ): «إذ لا حجة بالمصاحف الموجودة بين أيدينا اليوم، وإنما الحجة بالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ﵃، وهي التي اطلع عليها أبو عمرو الداني، وأبو داود وغيرهما من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الشأن» (١). فهذه شهادة من عالم بالرسم بأن أبا داود حجة في هجاء المصاحف. ثم إنه اشتمل على موضوعات إلى جانب هجاء المصاحف كبيان السور المكية والمدنية، وعد الآي والقراءات، والأجزاء والأحزاب، وكل ما يحتاج إليه نساخ المصاحف. ثم إن منهجه الفريد الذي اتبعه في وصف هجاء المصاحف على نسق المصحف الشريف يسهل الرجوع إلى موضوع الكلمة القرآنية في موضعها من السورة. ثم إن دقته في وصف هذه الأحرف القرآنية بالعد والوزن والتقطيع لم تعهد عند غيره. فدوّن المؤلف في كتابه هذا وصفا دقيقا لطريقة رسم الكلمات كما وردت في مصاحف الأمصار، فاستوعب فيه الرسم استيعابا لا مثيل له. ثم منهجه الفريد الذي لاحظته وأنا بصدد قراءته لمست فيه ميزة لم تعهد عند غيره، فالمؤلف كلما ذكر تعليلا للقراءة أو توجيها للرسم، فإنه يردفه، ويعقب عليه بقوله: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه» إشعارا منه بأن التعليل والتوجيه لا معول عليه، فهو تابع للرواية والنقل والسماع، وإن كان يوافق ذلك وجها في العربية فصيحا أو أفصح.

стр. 17

ثم يلتمس التوجيه والتعليل بعد متابعة الرواية. فكان يكثر من قوله: «هذا مع اتباعه من قرأ عليه لقوله ﷺ : «اقرءوا كما علمتم»، ومن قوله: «اتباعا للمرسوم، ولمن أخذنا ذلك عنه، إذ ليس للقياس طريق في كتاب الله ، وإنما هو سماع وتلقين». فهذا دأبه في كتابه «مختصر التبيين لهجاء التنزيل». ومما يدل على أهمية الكتاب أن المؤلف ﵀ يربط القراءة بالمصاحف، وهو أمر خلت منه جميع الكتب المؤلفة في هجاء المصاحف. فالمؤلف ﵀ جمع بين رواية هجاء المصاحف ورواية القراءة ويقرن بينهما، ولم تعهد هذه الطريقة عند غيره فيما أعلم. فكان يقول مثلا: «وكتبوا في مصاحف أهل المدينة والشام: سارعوا وكذا قرأنا لهم، وفي سائر المصاحف: وسارعوا وبذلك قرأنا لهم». فهذا الربط يدل دلالة قطعية على أنّ قبول القراءة لا بد أن يكون موافقا لهجاء أحد مصاحف الأمصار. وكذا لمست في كتابه السهولة واليسر، وعدم التكلف والتعصب سواء كان ذلك فيما يتعلق بالشكل، أو المحتوى أو بما ذهب إليه واختاره، فعباراته ولغته سهلة، وأسلوبه خال من الغريب والإغراق في استعمال الوحشي من الألفاظ. كما ظهرت هذه السهولة واليسر في اختياراته وترجيحاته، ويتجلى ذلك في بعض الكلمات حيث يروي رواية مخالفة لما تلقاه ورواه عن شيوخه فلا يردها بل يحترمها، ويحسن العمل بها، أو يحسن الوجهين

стр. 18

معا، أو يختار وجها، ولا يمنع من الوجه الآخر، ومن حين لآخر كان يقول «فليكتب الكاتب ما أحب من ذلك فهو في سعة». ومما رغبني فيه ما لمسته من التقصير الواضح في خدمة الكتب المؤلفة في هجاء المصاحف، فقد زهد الناس فيها، وهجروا هذه المصنفات، إذ تخلو المكتبات الإسلامية خلوا تاما من هذا النوع نتيجة للإهمال، فصار رسم المصحف نسيا منسيا، وضاعت أغلب الكتب المؤلفة، ولا سيما الأصول منها. وكاد هذا الأصل يندرس ويندثر، والله المستعان. فمثل هذا السفر عزّ أن يجود الزمن بمثله، وعهدي بنساخ المصاحف أنهم كانوا يعتمدون عليه بواسطة النقل والاقتباس من الكتب، وشراح المورد لعدم توفر نسخه عند أهل المشرق. لذا يعد إخراجه من الأهمية بمكان، والله الموفق.

стр. 19

هذا، وبعد النظر في مجموع المادة العلمية، ودراستها وتصنيفها، اقتضى ذلك تقسيم البحث قسمين: الدراسة، وتحقيق نص الكتاب. القسم الأول: الدراسة جعلت الدراسة في بابين ومقدمة وخاتمة. فالمقدمة: تناولت فيها أهمية الرسم والعناية به وأسباب الاختيار، وخطة البحث. والخاتمة: سجلت فيها أهم نتائج هذا البحث، وما أسفر عنه من ثمرات ويتلو ذلك نصائح وتوجيهات. الباب الأول: عصر المؤلف وحياته وجعلته في فصلين. الفصل الأول: عصر المؤلف وتناولت فيه المبحثين الآتيين: الأول: الحياة السياسية الثاني: الحياة العلمية والفكرية وأبرزت فيها الجوانب الآتية: أ- النشاط العلمي. ب- أهم الأحداث الفكرية. ج- اهتمام علماء الأندلس بهجاء المصاحف.

стр. 20

الفصل الثاني: حياة المؤلف وتناولت فيه اسمه ونسبه، ومولده ووفاته، وأسرته، وشيوخه ومدى تأثره بهم، وتلاميذه ومدى تأثرهم به، ومؤلفاته، ومكانته العلمية وثناء العلماء عليه. الباب الثاني: نشأة علم هجاء المصاحف وتطوره وجعلته في فصلين: الفصل الأول: ظهور علم هجاء المصاحف وتطور التأليف فيه وتناولت فيه تعريف الرسم لغة واصطلاحا، وأقسام الخط، ونشأة علم الرسم العثماني، ومصادر التأليف في هجاء المصاحف، والمؤلفات فيه، وأقوال العلماء في وجوب اتباع الرسم العثماني، وفي فصاحة الرسم وبلاغته. الفصل الثاني: دراسة الكتاب وتحليله وتقويمه. وتناولت فيه إثبات اسم الكتاب، وإيهاما يجب رفعه، وسبب تأليفه، وإثبات نسبته لمؤلفه، ومنهجه وأسلوبه، ومصادره في كتابه، وتقويم الكتاب، من حيث: قيمته العلمية، وأثره فيمن بعده، ومقارنته بغيره، وملاحظات عليه أو الدراسة النقدية. وخصصت المبحث الأخير لوصف النسخ المخطوطة للكتاب.

стр. 21

القسم الثاني: تحقيق نص الكتاب ويشتمل على ما يلي: نسخت أولا نسخة «ب» نسخا كاملا حسبتها أتقن النسخ وأحسنها، ثم لما انتهيت منها اتضح لي أن نسخة «أ» أتقن منها وأصح نسخة من النسخ الست التي ظفرت بها. فأعدت النسخ من «أ» كاملا، وألغيت الأولى لأمور ذكرتها في وصف نسخة «أ» وجعلت «ب» تالية ل «أ». وحاولت تقويم النص وإخراجه بصورة مرضية باعتمادي على مقابلة النسخ، وإثبات الفروق في الحاشية، ووضعت السقط بين قوسين معقوفين من باقي النسخ الأخرى، واتبعت في ذلك طريقة الترجيح. ونسبت الآيات القرآنية إلى سورها، ورسمتها بالرسم العثماني، وضبطت الهمزات المحققة بالأصفر، والهمزات المسهلة باللون الأحمر، وعلامات الابتداء بألف الوصل باللون الأخضر، وجعلت الحركات والسكون وجميع الملحقات باللون الأحمر ليتميز الرسم من الضبط، ومحافظة على تجريد المصحف. وضبطت الآيات القرآنية وفق قراءة نافع من رواية ورش، إلا في بعض المواضع التي تحتاج إلى بيان الضبط على القراءة الأخرى حسب سياق المؤلف. وذكرت في الحاشية قراءات الأئمة العشرة. وخرجت القراءات من مصادرها المعتمدة. وخرجت الأبيات الشعرية التي استشهد بها المؤلف وهي قليلة جدا. وحاولت التوفيق بين رسم المشارقة والمغاربة، واخترت مذهبا وسطا أحيانا يوافق مذهب المشارقة فأرجحه، وأحيانا يوافق مذهب المغاربة

стр. 22

فأرجحه لعلل وحجج ذكرتها في مواضعها. وترجمت للأعلام الذين وجدت لهم تراجم. وناقشت بعض الحروف التي سكت عنها المؤلف في الحاشية، وبينت وجه الصواب في ذلك، مقدما الحجة على مذهب المشارقة، ومذهب المغاربة. وربطت بين أجزاء الكتاب، ومواضعه، وأحلت المتقدم على المتأخر، والمتأخر على المتقدم، وسلكت في ذلك مسلك المتقدمين، حيث كانوا يحيلون على المسائل والأبواب والفصول، ولم يذكروا الصفحة، فنحوت هذا النحو اقتداء بهم فأحلت على الآيات القرآنية، وهو أنفع من ذكر الصفحة. واتبعت في عزو الآيات القرآنية إلى سورها العدد المدني الأخير اقتداء بالمؤلف واتباعا لمذهبه. وبينت في الحاشية مذاهب علماء العدد الإجمالي للسورة، لأن المؤلف اقتصر على مذهب المدني الأخير. وناقشت المؤلف في بعض المسائل التي خالف فيها، وقابلت كلامه بكلام العلماء، وبينت فيها وجه الصواب بأدلة ونصوص كما سيتبين ذلك في قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم». وجعلت فهارس للكتاب مساعدة للقارئ على الوصول إلى ما يريده. والحمد لله أولا وآخرا، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 23

قسم الدراسة الباب الأول في عصر المؤلف وحياته الفصل الأول: عصر المؤلف الفصل الثاني: حياة المؤلف

стр. 24

الفصل الأول عصر المؤلف أولا: الحياة السياسية ثانيا: الحياة العلمية والفكرية: أ- النشاط العلمي ب- أهم الأحداث الفكرية ج- اهتمام علماء الأندلس بهجاء المصاحف

стр. 25

أولا: الحياة السياسية: ينسب أبو داود سليمان بن نجاح إلى هشام المؤيد بالله بن الحكم، فيقال: المؤيدي أو مولى المؤيد بالله، لأنه أعتق أباه نجاحا. فعاش المؤلف فترة من حياته في ظل هذا الأمير، والفترة الأخرى في ظل ملوك الطوائف. واتسمت الحياة السياسية في هذه الفترة بسمات مميزة، فقد وهن نظام الحكم الأموي، وتضاءل نفوذ خلفائه، وأعقب ذلك سقوط الدولة الأموية في الأندلس وظهرت بعدها دويلات وجماعات. عند ما ورث هشام بن الحكم المؤيد بالله سنة ٣٦٦ هـ الحكم أخذت الأمور تتدهور في البلاد، فكانت بداية الفتن والفساد، وذلك لأنه بويع، وهو صغير لم يبلغ الحلم بعد (١). فاستطاع محمد بن عبد الله بن أبي عامر (٢) الذي كان قد وصل إلى مرتبة الوزارة في آخر أيام الحكم (٣)، أن يقفز إلى الحكم، ويستبد بالأمر، واستقل بالأمر، وكان ذا عقل ورأي وشجاعة وبصر بالحروب والجهاد والفتوحات، فتغلب على هشام وحجره، واستولى على الدولة،

стр. 26

وملأ القلوب مهابة وخوفا، ولم يخرج إلى جهاد إلا عاد منتصرا. وقدّم رجال البربر وزناتة (١)، وأخّر رجال العرب، وأسقطهم من مراتبهم وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذ الكتب والمخاطبات والأوامر باسمه، ومحا رسم الخلافة بالجملة، ولم يبق لهشام المؤيد بالله من رسوم الخلافة أكثر من الدعاء على المنابر. ولما توفي المنصور بن أبي عامر عام ٣٩٢ هـ خلفه ابنه الملقب بالمظفر، أبو مروان عبد الملك، فجرى على سنن أبيه في السياسة والغزو، وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين في خير وخصب وعز إلى أن مات في صفر ٣٩٩ هـ (٢). وقام بتدبير دولة هشام المؤيد بالله أخو المظفر عبد الرحمن، وتلقب بالناصر لدين الله المعروف ب: (شنجول (٣)). وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، فانخرم النظام وشرع الفساد، وتمرد وفسق، واستقل بالملك. ثم عنّ له أن يستأثر بما بقي من رسوم الخلافة، فطلب من هشام المؤيد بالله أن يوليه عهده (٤)، فأجابه هشام مكرها، وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحل والعقد، وكان

стр. 27

يوما مشهودا، فكتب عهده (١) فنقم عليه أهل الدولة، وكره ذلك الأمويون والقرشيون، وغصوا بالأمر، وأجمعوا أمرهم، فوثبوا عليه، فقتلوه وخلعوا هشاما المؤيد بالله سنة ٣٩٩ هـ. وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار بن أمير المؤمنين الناصر لدين الله من أعقاب الخلفاء، ولقبوه بالمهدي بالله، وذهبت الدولة العامرية كأن لم تكن (٢). وكان محمد بن هشام قد نقم على البربر، وأظهر كراهيتهم، فكان يذمهم في مجالسه، لأنهم ظاهروا المنصور بن أبي عامر، وأصبحوا شيعة لبنيه من بعده، فأمر محمد بن هشام ألا يركبوا، ولا يتسلحوا. ولما رأى البربر ما دهاهم من محمد بن هشام، انضموا إلى هشام بن سليمان الناصر لدين الله، وسموه الرشيد فزحفوا معه على قرطبة، وحاصروا فيها محمد بن هشام، فكانت الكرة لمحمد بن هشام، وقبضوا على هشام بن سليمان وأخيه، فضربت أعناقهما. فأقام البربر سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر لدين الله، فبايعوه، وسموه المستعين بالله (٣) فقدم بهم قرطبة، فبرز إليهم محمد ابن هشام، فكانت الهزيمة عليه وهلك من خيار الناس وأئمة المساجد ومؤذنيها خلق كثير. وقتل بعض العبيد محمد بن هشام في وقعة أخرى

стр. 28

فرجعت الخلافة إلى هشام بن الحكم المؤيد بالله، وجلس للناس وجددت له البيعة. ثم دخل المستعين بالله سليمان بن الحكم قرطبة عنوة سنة ٤٠٣ هـ، فتنازل هشام عن الخلافة، وسلم الأمر للمستعين بالله. واستمر المستعين بالله على ولاية قرطبة حتى قتله علي بن حمود يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة ٤٠٧ هـ (١). وبقتل المستعين بالله انتهت دولة بني أمية من الأندلس، وآل الأمر إلى أناس آخرين، كل واحد استقل بإقليم وادعى الولاية له، وتلقب بألقاب الخلافة، وهو ما يعرف بعصر ملوك الطوائف. (٢) ومن أهمها: ١ - دولة بني زيري بغرناطة، أقامها البربر سنة ٤٠٣ هـ وسقطت سنة ٤٨٣ هـ. ٢ - الدولة الحمودية بقرطبة ومالقة والجزيرة الخضراء، وقد أقامها بنو حمّود الشيعة في عهد المستعين بالله الأموي، وسقطت سنة ٤٥٠ هـ. ٣ - الدولة الهودية بسرقسطة، أقامها بنو هود من العرب سنة ٤٣٠ هـ، وسقطت سنة ٥٣٦ هـ، وقد قامت على انقاض دويلة بني تجيب، التي قامت سنة ٤٠٨ هـ. ٤ - الدولة العامرية، أقامها موالي بني عامر ببلنسية سنة ٤١٢ هـ بعدها بعام ولد أبو داود، وسقطت سنة ٤٧٨ هـ.

стр. 29

٥ - الدولة العبادية، أقامها بنو عباد بإشبيلية سنة ٤١٤ هـ وهم من أسرة عربية من لخم من ولد النعمان بن المنذر. وقد سقطت سنة ٤٨٤ هـ (١). ٦ - دولة بني صمادح، وهم من البربر، أقاموا دولتهم بالمرية قبل سنة ٤٢٠ هـ، وسقطت سنة ٤٨٤ هـ. ٧ - دولة بني الأفطس، قامت ببطليوس سنة ٤٢٢ هـ وسقطت سنة ٤٨٧ هـ. ٨ - دولة بني جهور، قامت بقرطبة، بعد سقوط الخلافة الأموية سنة ٤٢٢ هـ، وسقطت في أيدي بني عبّاد سنة ٤٦١ هـ. ٩ - دولة بني ذي النون، أقامتها بطليطلة قبيلة بربرية من هوّارة سنة ٤٢٧ هـ، واضمحلت بنكبة سقوطها في يد ألفونس السادس قائد القشتاليين سنة ٤٧٨ هـ (٢). وسوف أتكلم عن البلدان التي استوطنها أبو داود، وقرأ وأقرأ بها وهي دانية، وبلنسية. أولا: دانية: كان لدانية شأن في زمن عبد الرحمن الأول الأموي، ولكن تعاظم شأنها في أيام ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة؛ إذ جاءها مجاهد العامري مولى عبد الرحمن بن المنصور أبو الجيش الموفق، فاستولى على دانية والجزائر الشرقية، في أول الفتنة التي حصلت بقرطبة، وتسمى بالموفق.

стр. 30

وبعد وفاته عام ٤٣٦ هـ خلفه ابنه علي بن مجاهد، واستمر في حكمها حتى غلبه عليها أحمد بن سليمان بن هود، والي سرقسطة. ودامت ولاية ابن هود عليها حتى سقطت بأيدي قوات المرابطين حين دخولهم الأندلس عام أربعة وثمانين وأربعمائة (١). ثانيا: إمارة بلنسية: في عهد الطوائف في عصر المؤلف أبي داود أصبحت بلنسية في بداية القرن الخامس الهجري مملكة مستقلة شأن العديد من مدن الأندلس، توالى على حكمها عدد من الأمراء، ثم تسلط عليها القشتاليون إلى أن استعادها المرابطون. يبدأ هذا العهد بإعلان الفتيان أو المماليك العامرية استقلالهم بحكم بلنسية على يد مجاهد العامري حول سنة ٤٠١ هـ، وأعقبه مبارك ومظفر العامريان سنة ٤٠٥ هـ اللذان تلقبا بلقب الإمارة، واستقلا بشئونهما عن قرطبة. استمر الفتيان العامريان بحكم بلنسية من سنة ٤٠٥ هـ إلى سنة ٤٠٨ هـ، فاهتمّا بها، وبنيا سورا على بلنسية وحصناها، مما لفت أنظار الناس إليها، فلحق بها عريف كل صنعة، وجلبت إليها كل ذخيرة، ورحل الناس إليها من كل قطر، وما زالت حالتها على الاستقرار والهدوء حتى مات مبارك، ثم تلاه مظفر (٢). فاتفق أهل بلنسية على تقديم لبيب الصّقلبيّ من سنة ٤٠٨ إلى ٤١١ هـ

стр. 31

فأحدث فيهم أحداثا كثيرة فخلعوه (١). ثم آلت تلك النواحي إلى سيطرة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر الذي تلقب بالمنصور، واستمرت إمارته من سنة ٤١٧ هـ إلى سنة ٤٥٢ هـ (٢). فخلفه ابنه عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر الملقب بالمظفر، واستمرت ولايته من سنة ٤٥٢ إلى سنة ٤٥٧ هـ، ثم لم تلبث بلنسية أن أصبحت جزءا من مملكة طليطلة سنة ٤٥٧ هـ تحت زعامة المأمون يحيى ابن ذي النون من سنة ٤٥٧ هـ إلى سنة ٤٦٧ هـ. ثم استعادت استقلالها على يدي أبي بكر أحمد بن أبي عبد الله محمد «ابن روبش» ابن عبد العزيز عام ٤٦٧ هـ، واستمرت إلى سنة ٤٧٨ هـ، فتولى أمرها أبو عمرو عثمان بن أبي بكر أحمد بن محمد ابن عبد العزيز في صفر عام ٤٧٨ هـ إلى شوال منه. ثم تولى القادر بن ذي النون من سنة ٤٧٨ إلى سنة ٤٨٥ هـ، وحينئذ بدأ النفوذ القشتالي غير المباشر في بلنسية، وينتهي بثورة أهل بالنسية على القادر وقتله في سنة ٤٨٥ هـ (٣). ثم تولى أبو أحمد بن جعفر بن عبد الله بن حجاف المعافري سنة ٤٨٥ هـ وانتهت إمارة بلنسة في سنة ٤٨٧ هـ.

стр. 32

ثم يبدأ النفوذ القشتالي المباشر في بلنسية في نهاية جمادى الأولى ٤٨٧ هـ عند ما دخلها القمبيطور (١) وجنوده في إثر انعقاد صلح بينه وبين أهل بلنسية، بعد حصار طويل. وينتهي النفوذ القشتالي في ١٥ رجب ٤٩٥ هـ باستعادة المرابطين لبلنسية وتعميرها. شهدت هذه المدة (٤٧٨ - ٤٩٥ هـ) أحداثا جساما وأهوالا لا يمكن تصورها من القتل والتحريق والتخريب والحصار أصاب أهل بلنسية منها بلاء عظيم (٢). ومن أهم حكام إمارة بلنسية (٤٠١ - ٤٨٧ ه ـ): ١ - مجاهد العامري «٤٠١ - ٤٠٥ هـ». ٢ - مبارك ومظفر العامريان «٤٠٥ - ٤٠٨ هـ». ٣ - لبيب الصقلبي (٣): «٤٠٨ - ٤١١ هـ». ٤ - المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر «٤١٧ هـ ٤٥٢ هـ». ٥ - المظفر «نظام الدولة» عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر «٤٥٢ - ٤٥٧ هـ».

стр. 33

٦ - المأمون يحيى بن ذي النون «٤٥٧ - ٤٦٧ هـ». ٧ - أبو بكر أحمد بن أبي عبد الله محمد (ابن روبش) ابن عبد العزيز «٤٦٧ - ٤٧٨ هـ». ٨ - أبو عمرو عثمان بن أبي بكر أحمد بن محمد بن عبد العزيز «صفر ٤٧٨ إلى شوال منها». ٩ - القادر بن ذي النون «٤٧٨ - ٤٨٥ هـ». ١٠ - أبو أحمد جعفر بن عبد العزيز بن عبد الله بن حجاف المعافري «٤٨٥ - ٤٨٧ هـ».

стр. 34

ثانيا: الحياة العلمية والفكرية في عصر المؤلف: أ: النشاط العلمي: كان لدانية شأن، ولكن تعاظم شأنها في أيام ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة؛ إذ جاءها مجاهد العامري أبو الجيش (١)، فقد باين سائر الملوك في العلم والمعرفة، قال ابن الخطيب: «لم يكن في الأحرار، ولا في الموالي أثبت قدما منه في العلم لا سيما علم العربية، فإنه تحقق به إلى ما يتصرف من علم القرآن قراءته ومعانيه، وغريبه وتفسيره». وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه، وأتت إليه العلماء من كل صقع، فاجتمع بفنائه جملة من مشيختهم ومشهور طبقاتهم؛ كأبي عمرو المقرئ، وابن عبد البر، وابن معمر اللغوي، وابن سيده، فشاع العلم في حضرته، حتى فشا في جواريه وغلمانه، فكان له من المصنفين عدة يقومون على قراءة القرآن، ويشاركون في فنون من العلم» (٢). قال ياقوت الحموي: «وكانت قاعدة ملك أبي الجيش مجاهد العامري، وأهلها أقرأ أهل الأندلس، لأن مجاهدا كان يستجلب القراء، ويفضل عليهم، وينفق عليهم الأموال، فكانوا يقصدونه، ويقيمون عنده، فكثروا في بلاده» (٣) وألفوا له تواليف مفيدة في سائر العلوم.

стр. 35

وقال علي بن بسام المتوفى ٥٤٢ هـ: «كان مجاهد فتى أمراء دهره، وأديب ملوك عصره، لمشاركته في علم اللسان، ونفوذه في علم القرآن، عني بذلك من صباه، ولم يشغله عن ذلك شاغل حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من دفاتر العلوم خزائن جمة». وكانت دولته أكثر الدول خاصة، وأسراها صحابة، لانتحاله العلم والفهم، فأمّه جماعة العلماء، وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه، واجتمع عنده من طبقات علماء قرطبة وغيرها جملة وافرة» (١). وذكر العلامة ابن خلدون أن أبا داود سليمان بن نجاح كان من مواليه، فحينئذ لا شك أنه استفاد منه ومن كتبه (٢). وموطن أبي داود الأصلي هو بلنسية، ولد فيها وتوفي فيها، وكانت مركزا من مراكز العلوم. وهي شرق الأندلس، وهي حاضرة من حواضر الأندلس الكبرى، وما زالت هذه المدينة منذ أن خيم عليها الإسلام إلى أن تقلص ظله عنها دار علم، وتفكير وفضل غزير، ونعيم وملك كبير، وكانت دائما معقل العروبة، ومركز العربية، وموطن بحث وتحقيق، ومحط تصنيف وتنميق، وفيها من كل نزعة عربية صحيحة وكل عرق في العرب عريق (٣). وقال شكيب أرسلان: «وكان الأقدمون يقولون: إن بلنسية قطعة نزلت

стр. 36

من السماء» (١). «وأهلها خير أهل الأندلس، يسمون عرب الأندلس» (٢)، وقال: «وبها مكتبة عظيمة وخزانة كتبها تشتمل على ستين ألف مجلد، وفي هذه الخزانة مئات من الكتب المخطوطة» (٣). وينتسب إلى كل من بلنسية ودانية وشاطبة وغيرها من بلاد الأندلس جماعة من أهل العلم لكل فن، ونبغ منهم جماعة ومشاهير في اللغة والتفسير والقراءات والأدب والفقه والحديث والتاريخ وغيره فعدد منهم لسان الدين ابن الخطيب في كتابه «أعمال الأعلام» (٤) وحذا حذوه شكيب أرسلان (٥). قال لسان الدين ابن الخطيب، وهو يعدد من نبغ في العلم والمعرفة، فقال: «وكان على عهد بيعة هشام بن الحكم مولى أبي داود من الأعلام هضاب راسية، وبحار في العلم زاخرة، وأعلام قولهم مسموع، وبرهم مشروع، وأثرهم متبوع». ثم أحصى عددا كثيرا منهم، فذكر حوالى ثمانية وثلاثين ومائة عالم ووصفهم بالوصف المتقدم. ومن أهم ملوك بني أمية الذين أقاموا للعلم سوقا نافقة الحكم المستنصر بالله. فكان محبا للعلوم مكرما لأهلها، جماعا للكتب بأنواعها مما لم يجمعه أحد من الملوك قبله.

стр. 37

قال أبو محمد بن حزم عن صاحب خزانته العلمية: «إن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط». وأقام للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليه بضائعه من كل قطر. وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه. وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط، والإجادة في التجليد، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده». وكان ذا غرام بالمصنفات، وله ورّاقون بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف، وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر، في أي فن كان، فاستوسع علمه، ودق نظره وجمت استفادته (١). ولم يعقب إلا هشاما مولى أبي داود، ولا عقب له ولا لأبيه، وحينئذ فلا شك أن هذه الخزائن من الكتب قد استفاد منها أبو داود، إن لم تكن قد آلت إليه. يقول أبو العباس القلقشندي ت ٨٢١ هـ: «ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن، منها خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجل خزائن الكتب أيضا، ولم تزل إلى انقراض دولتهم

стр. 38

باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، فذهبت كتبها كل مذهب» (١). وذكر خزانة خلفاء العباسيين ببغداد، وخزانة الفاطميين بمصر. ولما جاء ملوك الطوائف- وكان كثير منهم من أتباع الأمويين- نهجوا على ذلك المنهاج، فكان منهم الكتاب والشعراء، وكذلك كان وزراؤهم، فاتسعت آفاق الفكر وكثر الإنتاج العلمي، فكانت الأندلس روضة من رياض العلم والأدب، فلم يضعف العلم بضعف السياسة، ولم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم الأمراء وأصحاب السياسة. وبلغت الحياة العلمية في بلاد الأندلس نشاطا ملحوظا، فبرز عبد الرحمن ابن محمد بن فطيس ت ٤٠٢ هـ، كان ﵀ من كبار المحدثين وصدور العلماء المسندين، حافظا للحديث، متقنا لعلومه، وله مشاركة في سائر العلوم. جمع من الكتب في أنواع العلوم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما، وكان قد رتب لهم على ذلك راتبا معلوما، وكان لا يسمع بكتاب حسن إلا اشتراه أو استنسخه. ولما توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه، فأقاموا في بيعها مدة عام كامل في المسجد (٢). وكان المظفر بن الأفطس أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي صاحب بطليوس ت ٤٦٠ هـ «كثير الأدب جمّ المعرفة محبا لأهل

стр. 39

العلم جمّاعا للكتب ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة» (١). وقال عنه ابن بسام: «كان أديب ملوك عصره من غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق المترجم بالتذكرة، والمشتهر اسمه بكتاب ابن المظفر (المظفري) في خمسين مجلدا يشتمل على فنون وعلوم» (٢). وكان أبو محمد عبد الله بن حيان الأروشي ت ٤٨٧ هـ ذا همة عالية في اقتناء الكتب وجمعها، جمع من ذلك شيئا عظيما (٣) ذكر ابن علقمة المؤرخ البلنسي ت ٥٠٩ هـ الذي صاحب الأروشي: إن يحيى بن ذي النون صاحب بلنسية أخذ كتب الأروشي من داره، وسيقت إلى قصره، وذلك مائة عدل وثلاثة وأربعون من أعدال الحمالين، يقدر كل عدل منها بعشرة أرباع (٤)، وقيل: «قد أخفى منها نحو الثلث» (٥). وهذه الخزانة حوت أعظم الكتب. ولما أمر بإخراجها الحاجب واضح من موالي المنصور بن عامر، نهب ما بقي منها عند دخول البربر، وأخذها الناس (٦).

стр. 40

ولا بد أن يكون أبو داود قد نال منها حظا كبيرا، وأن يكون قد استنسخ منها الكثير. قال ابن عبّاد: سمعت شيخنا أبا الحسن بن هذيل يقول: «كان أبو داود يكتب من ليلته عشرين ورقة كبارا» (١). بلغت مدينة بلنسية مبلغا كبيرا في تنشيط الحركة العلمية، فقصدها طلاب العلم من كل فج عميق من جميع مناطق الأندلس، بل ومن خارج الأندلس. فهذا أبو الليث من علماء المشرق دخل الأندلس، ودرس على علماء بلنسية عند ما قدمها سنة ٤٦٤ هـ، حيث قطعت بلنسية شأوا كبيرا في ميدان العلم، فقد تصدرها وقتئذ عدد من العلماء الكبار (٢) كما تتلمذ على أبي الليث عدد من الطلاب ببلنسية (٣). وكذا صقلّية حيث كان أحد أبنائها ممن تلقى علمه في مصر- وهو أبو محمد جعفر بن علي التميمي الصقلي- قدم الأندلس وبها لقيه أبو داود المقرئ، فسمع منه كتاب أبي بكر بن عزير في غريب القرآن بجامع بلنسية مرتين. وكذا القيروان، فهذا ابن سعدون القروي ٤٨٥ هـ من القيروان سمع بها وبمصر وبمكة كان من أهل العلم دخل إلى بلنسية، وسمع منه أبو داود المقرئ.
следующие страницы →