من السماء» (١). «وأهلها خير أهل الأندلس، يسمون عرب الأندلس» (٢)، وقال: «وبها مكتبة عظيمة وخزانة كتبها تشتمل على ستين ألف مجلد، وفي هذه الخزانة مئات من الكتب المخطوطة» (٣).
وينتسب إلى كل من بلنسية ودانية وشاطبة وغيرها من بلاد الأندلس جماعة من أهل العلم لكل فن، ونبغ منهم جماعة ومشاهير في اللغة والتفسير والقراءات والأدب والفقه والحديث والتاريخ وغيره فعدد منهم لسان الدين ابن الخطيب في كتابه «أعمال الأعلام» (٤) وحذا حذوه شكيب أرسلان (٥).
قال لسان الدين ابن الخطيب، وهو يعدد من نبغ في العلم والمعرفة، فقال: «وكان على عهد بيعة هشام بن الحكم مولى أبي داود من الأعلام هضاب راسية، وبحار في العلم زاخرة، وأعلام قولهم مسموع، وبرهم مشروع، وأثرهم متبوع». ثم أحصى عددا كثيرا منهم، فذكر حوالى ثمانية وثلاثين ومائة عالم ووصفهم بالوصف المتقدم.
ومن أهم ملوك بني أمية الذين أقاموا للعلم سوقا نافقة الحكم المستنصر بالله. فكان محبا للعلوم مكرما لأهلها، جماعا للكتب بأنواعها مما لم يجمعه أحد من الملوك قبله.
стр. 37
قال أبو محمد بن حزم عن صاحب خزانته العلمية: «إن عدة الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا ذكر الدواوين فقط».
وأقام للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليه بضائعه من كل قطر.
وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه.
وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط، والإجادة في التجليد، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده».
وكان ذا غرام بالمصنفات، وله ورّاقون بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف، وقلما يوجد كتاب من خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر، في أي فن كان، فاستوسع علمه، ودق نظره وجمت استفادته (١).
ولم يعقب إلا هشاما مولى أبي داود، ولا عقب له ولا لأبيه، وحينئذ فلا شك أن هذه الخزائن من الكتب قد استفاد منها أبو داود، إن لم تكن قد آلت إليه.
يقول أبو العباس القلقشندي ت ٨٢١ هـ: «ويقال: إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن، منها خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس، وكانت من أجل خزائن الكتب أيضا، ولم تزل إلى انقراض دولتهم
стр. 38
باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، فذهبت كتبها كل مذهب» (١).
وذكر خزانة خلفاء العباسيين ببغداد، وخزانة الفاطميين بمصر.
ولما جاء ملوك الطوائف- وكان كثير منهم من أتباع الأمويين- نهجوا على ذلك المنهاج، فكان منهم الكتاب والشعراء، وكذلك كان وزراؤهم، فاتسعت آفاق الفكر وكثر الإنتاج العلمي، فكانت الأندلس روضة من رياض العلم والأدب، فلم يضعف العلم بضعف السياسة، ولم يأفل نجم العلماء كما أفل نجم الأمراء وأصحاب السياسة.
وبلغت الحياة العلمية في بلاد الأندلس نشاطا ملحوظا، فبرز عبد الرحمن ابن محمد بن فطيس ت ٤٠٢ هـ، كان ﵀ من كبار المحدثين وصدور العلماء المسندين، حافظا للحديث، متقنا لعلومه، وله مشاركة في سائر العلوم.
جمع من الكتب في أنواع العلوم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس، وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما، وكان قد رتب لهم على ذلك راتبا معلوما، وكان لا يسمع بكتاب حسن إلا اشتراه أو استنسخه.
ولما توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه، فأقاموا في بيعها مدة عام كامل في المسجد (٢).
وكان المظفر بن الأفطس أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة التجيبي صاحب بطليوس ت ٤٦٠ هـ «كثير الأدب جمّ المعرفة محبا لأهل
стр. 39
العلم جمّاعا للكتب ذا خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه في أدب ومعرفة» (١).
وقال عنه ابن بسام: «كان أديب ملوك عصره من غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق المترجم بالتذكرة، والمشتهر اسمه بكتاب ابن المظفر (المظفري) في خمسين مجلدا يشتمل على فنون وعلوم» (٢).
وكان أبو محمد عبد الله بن حيان الأروشي ت ٤٨٧ هـ ذا همة عالية في اقتناء الكتب وجمعها، جمع من ذلك شيئا عظيما (٣) ذكر ابن علقمة المؤرخ البلنسي ت ٥٠٩ هـ الذي صاحب الأروشي: إن يحيى بن ذي النون صاحب بلنسية أخذ كتب الأروشي من داره، وسيقت إلى قصره، وذلك مائة عدل وثلاثة وأربعون من أعدال الحمالين، يقدر كل عدل منها بعشرة أرباع (٤)، وقيل: «قد أخفى منها نحو الثلث» (٥).
وهذه الخزانة حوت أعظم الكتب. ولما أمر بإخراجها الحاجب واضح من موالي المنصور بن عامر، نهب ما بقي منها عند دخول البربر، وأخذها الناس (٦).
стр. 40
ولا بد أن يكون أبو داود قد نال منها حظا كبيرا، وأن يكون قد استنسخ منها الكثير.
قال ابن عبّاد: سمعت شيخنا أبا الحسن بن هذيل يقول: «كان أبو داود يكتب من ليلته عشرين ورقة كبارا» (١).
بلغت مدينة بلنسية مبلغا كبيرا في تنشيط الحركة العلمية، فقصدها طلاب العلم من كل فج عميق من جميع مناطق الأندلس، بل ومن خارج الأندلس.
فهذا أبو الليث من علماء المشرق دخل الأندلس، ودرس على علماء بلنسية عند ما قدمها سنة ٤٦٤ هـ، حيث قطعت بلنسية شأوا كبيرا في ميدان العلم، فقد تصدرها وقتئذ عدد من العلماء الكبار (٢) كما تتلمذ على أبي الليث عدد من الطلاب ببلنسية (٣).
وكذا صقلّية حيث كان أحد أبنائها ممن تلقى علمه في مصر- وهو أبو محمد جعفر بن علي التميمي الصقلي- قدم الأندلس وبها لقيه أبو داود المقرئ، فسمع منه كتاب أبي بكر بن عزير في غريب القرآن بجامع بلنسية مرتين.
وكذا القيروان، فهذا ابن سعدون القروي ٤٨٥ هـ من القيروان سمع بها وبمصر وبمكة كان من أهل العلم دخل إلى بلنسية، وسمع منه أبو داود المقرئ.
стр. 41
ومن أهل القيروان أيضا الحصري أبو الحسن الفهري القروي المقرئ، ت ٤٨٨ هـ، دخل الأندلس بعد ٤٥٠ هـ، واتصل بعلمائها كأبي العباس النحوي البلنسي وغيره (١).
استقبلت بلنسية كبار علماء قرطبة، فكان لهم تأثيرهم على نشاط الحركة العلمية تعلما وتعليما وبخاصة بعد الفتنة التي ابتليت بها قرطبة، فشهدت هجرة العديد من علماء قرطبة إلى أنحاء من الأندلس، فجاء نصيب بلنسية من ذلك وافرا.
ومن أولئك العلماء الأعلام أبو محمد عبد الله بن أبي دليم الذي روى عنه أبو داود.
فبلغت بلنسية درجة كبيرة من العلم في القرن الخامس الهجري، وتوافد عليها كثير من طلاب العلم، فأبو الحسن لاوي بن إسماعيل المكتب من أهل طرطوشة صحب أبا داود المقرئ، وأخذ عنه القراءات، واعتمد عليه فيها، وسمع منه كثيرا، ولازمه ببلنسية ودانية من سنة ٤٨١ هـ إلى ٤٩١ هـ (٢).
ومن أمثلة وفود علماء من قرطبة إلى بلنسية أو هجرتهم: «الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري ت ٤٦٣ هـ شيخ أبي داود، فتحول إلى شرق الأندلس، وسكن دانية وبلنسية وشاطبة، وبها توفي» (٣).
فكان لأبي عمر ببلنسية نشاط ملحوظ، وأثر بارز في الحياة العلمية.
стр. 42
كما تلقى بعض طلاب قرطبة العلم ببلنسية في القرن الخامس الهجري، بعد أن فقدت قرطبة مركزها المرموق، فمثلا أبو محمد بن حزم ت ٤٥٦ هـ، القرطبي النشأة، كان له مجلس علمي في بلنسية (١).
ومن العلماء الذين أنجبتهم بلاد الأندلس، وكانوا بحورا في العلم، وأسهموا في الحياة العلمية بمؤلفات عديدة:
مكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ، كان إماما في علوم القرآن والقراءات والتفسير والعربية.
ومنهم: الإمام أبو بكر بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي ابن العربي، المولود في ٤٦٨ هـ. صنف كتبا كثيرة في التفسير والحديث والفقه والأصول، ومن أشهرها في التفسير كتاب «أحكام القرآن»، توفي سنة ٥٤٣ هـ.
ومنهم: القاضي عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي الغرناطي.
ولد بغرناطة سنة ٤٨٠ هـ، كان فقيها عالما بالتفسير والحديث والفقه، وكتابه «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» له قيمة عالية عند جميع المفسرين.
والواقع الذي لا شك فيه أن ابن العربي وابن عطية قد استفادا من مؤلفات أبي داود، أو أخذا عن تلاميذ أبي داود.
وكذا إمام القراءات أبو القاسم بن فيّره بن خلف أحمد الرعيني الشاطبي ولد سنة ٥٣٨ هـ كان له اهتمام كبير بمؤلفات أبي عمرو الداني فنظم
стр. 43
التيسير في «حرز الأماني» والمقنع في «العقيلة». ولا شك أنه استفاد من مصنفات أبي داود وتعليقاته وتحريراته على مصنفات شيخه أبي عمرو الداني.
ومن العلماء البارزين في علم هجاء المصاحف والقراءات: أبو عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي ت ٤٢٩ هـ، ألف كتاب علم المصاحف وكتاب الروضة في القراءات، ثم هو شديد التمسك بالسنة ومحاربة البدع.
وغير هؤلاء من علماء اللغة والقراءات والتفسير والحديث لا يأتي عليهم الحصر.
ومن تتبع ذلك في كتاب «الصلة» لابن بشكوال، وكتاب «صلة الصلة» لابن الزبير، وكتاب «التكملة» لابن الأبار، وكتاب «أعمال الأعلام» لابن الخطيب؛ علم ما بلغته الأندلس في النشاط العلمي وما أنتجته قرائح العلماء من الدواوين والمصنفات والكتب.
وقد كتب أبو محمد بن حزم- المعاصر لأبي داود- رسالة في فضل علماء الأندلس تعطي صورة واضحة عن التقدم العلمي، ونقتبس منها ما يلي:
«بلدنا هذا- على بعده من ينبوع العلم، ونأيه من محلة العلماء- قد ذكرنا من تآليف أهله، ما إن طلب مثلها بفارس والأهواز، وديار مضر وربيعة واليمن والشام أعوز
وجود ذلك، على قرب المسافة، في هذه البلاد من العراق، دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها».
ثم يوازن ﵀ بينهم وبين نظرائهم في المشرق، ويقرر أنه لا يوجد رجل من مفاخر الشرق إلا كان له نظير من مفاخر الأندلس، فالبخاري
стр. 44
يناظره بقي بن مخلد، والقفال الشافعي تلميذ المزي بالشرق يقابله قاسم بن محمد بالأندلس.
وهكذا يجري المقابلات، مما يدل أن الأندلس كان بها طائفة من العلماء لا تقل عن نظيراتها في العراق (١).
قال المقري: «وأما حال أهل الأندلس في فنون العلم، فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التمييز».
فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجتهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغا عالة على الناس، لأن هذا عندهم في نهاية القبح» (٢).
ثم قال: «وقراءة القرآن بالسبع، ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقيه رونق ووجاهة، ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك، وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم» (٣).
وكانوا يكرهون الفلاسفة والمنجمين، وينفرون من الفلسفة والتنجيم، ويطلقون على من اشتغل بذلك اسم: «زنديق»، ويرجمونه بالحجارة (٤).
وإن الفن الذي برعت فيه بلنسية، وعرف لها فيه نشاط ملحوظ، هو القراءات، وعلوم القرآن، وهجاء المصاحف. فتهيأ لعلم القراءات في
стр. 45
مدينة بلنسية- موطن أبي داود- عدد كبير من العلماء. وقد لفت انتباهي كثرة القراء الذين ورد ذكرهم في كتاب «الصلة» لابن بشكوال، و «صلة الصلة» لابن الزبير، وكتاب «التكملة» لابن الأبار، و «ذيل التكملة» للمراكشي، وغير ذلك.
ومن كبار الأئمة في القراءات: إمام المقرئين ابن الصيرفي أبو عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ، روى عنه ببلنسية أبو أحمد جعفر بن سعيد بن حلبس، الذي صار هو الآخر إماما في القراءات ومن كبار المقرئين الأندلسيين، وعنه أخذ أبو داود (١) فصارت إليه الرئاسة والإمامة في علم القراءات والتفسير وعلوم القرآن.
ومن العلماء الذين عرف لهم نشاط ملحوظ في القراءات أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعود الأنصاري تصدر للإقراء، فأخذ عنه أبو داود، قراءة نافع من رواية قالون وله تصانيف في علوم القرآن وغيرها منها:
الاختلاف بين نافع من رواية قالون وبين الكسائي من رواية الدوري (٢).
ومنهم أحمد بن علي بن أحمد المقرئ أبو العباس الباغاني. كان من أهل العلم والخط والذكاء، بحرا من بحور العلم.
قال ابن حيان: «كان ربانيا في علوم الإسلام، لم يخلف بعده أحد أعرف منه في علوم القرآن» (٣).
стр. 46
ومن المؤلفات التي كانت تدرس في مدينة بلنسية: مؤلفات أبي عمرو الداني، ومؤلفات أبي داود، ومؤلفات مكي بن أبي طالب، ومؤلفات أبي عمر الطلمنكي، ومؤلفات أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي، وغيرهم.
وكانت تشتمل على جملة من علوم القرآن والتفسير والقراءات وهجاء المصاحف وغيرها من علوم اللغة العربية (١).
وكذا كثر اهتمام علماء بلنسية بالحديث والفقه، إلى جانب التفسير والقراءات واللغة والأدب وغيرها كما تقدم. فهذا ابن الحذّاء أبو عبد الله التميمي الأندلسي ت ٤١٠ هـ المحدث الفقيه، تولى قضاء بلنسية، له عدة تصانيف منها: «الاستنباط لمعاني السنن» و «الأحكام» في عدة أسفار، و «التعريف برجال الموطأ» (٢).
ومن علماء بلنسية ابن الفخار الحافظ أبو عبد الله محمد ت ٤١٩ هـ، أحد أئمة المالكية حافظ للحديث والأثر، قال عنه أبو عمرو الداني: «هو آخر الفقهاء الحفاظ الراسخين العالمين بالكتاب والسنة بالأندلس» (٣).
وكذا ألف عبيد الله بن يوسف بن ملحان ت ٤٣٠ هـ بمدينة بلنسية مجموعا في الفقه، وكان معدودا من أهل العلم والفقه (٤).
стр. 47
ومن المشهورين بالتأليف في الفقه أبو القاسم خلف مولى يوسف بن بهلول المعروف بالبربري ت ٤٤٣ هـ، ألف كتابا في شرح المدونة سماه «التقريب» وانتفع به الطلاب في المناظرة، وكان أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه يقول: «من أراد أن يكون فقيها من ليلته فعليه بكتاب البربري» (١).
أما تآليف الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر ت ٤٦٣ هـ شيخ أبي داود، فيطول ذكرها في هذه العجالة، فكان موفقا في التأليف معانا عليه ونفع الله بتآليفه، ومارس نشاطات علمية في بلنسية، ومثله أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف ت ٤٧٤ هـ له تصانيف مشهورة جليلة، كان أكثر تردده بشرق الأندلس ما بين سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية (٢).
ودرس أبو العباس العذري ت ٤٧٨ هـ صحيح البخاري ومسلم ببلنسية، ودرس عليه عدد كبير من البلنسيين كأبي داود وغيره (٣) والله أعلم.
ب: أهم الأحداث الفكرية في عصر المؤلف:
وقعت مخاصمة ونزاع عنيف في عصر المؤلف كان نعمة على شحذ الأذهان، ودفع الهمم إلى التأليف، وتنشيط الحركة العلمية، وله صلة وثيقة بموضوع الكتاب، بل عدّه بعضهم اللبنة الأولى في موضوع علم الرسم، ويبدو لي أن المؤلف شارك فيه كما سيتبين ذلك في موضعه (٤).
وكان قد أثارها شيخ أبي داود أبو الوليد سليمان الباجي (٥) قال في حق
стр. 48
معجزة أمية الرسول ﷺ قولا استعظمه أهل الأندلس وغيرهم، وتعرّض بسببه إلى امتحان عسير، وأثار جدلا ومناقشات، وذلك أن أبا الوليد الباجي كان يوما بدانية يشرح حديث البخاري في عمرة القضاء الذي رواه البراء بن عازب، وفيه: « ... فلما كتب الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي: «امح رسول الله» قال علي: لا والله لا أمحوك أبدا». فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» (١).
فصوب أبو الوليد الباجي من قال بظاهر الحديث، فقيل له: وعلى من يعود ضمير قوله: «كتب»، فقال: على النبي ﷺ ، فقيل له: وكتب بيده، قال: نعم، ألا ترونه يقول في الحديث: «فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب».
فأثار هذا القول منه ضجة، وتكلم في ذلك من لم يفهم غرضه، وقبّحوا عند العامة ما أتى به، وأسخطوهم عليه، ونسبوا إليه كل تكذيب وتعطيل، وشنّع به بعض الخطباء في الجمع والجماعات.
وفي ذلك يقول عبد الله بن هند الشاعر ضمن قصيدة:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة* وقال إن رسول الله قد كتبا وقد ضمنها خطيب دانية خطبته يوم الجمعة، فأنشدها على رءوس الملأ (٢).
стр. 49
وقد اشتكاه الناس إلى أميرهم، فجمعهم وإياه، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية الكريمة: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذا لّارتاب المبطلون ٤٨ بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلّا الظّالمون ٤٩ (١).
فاستظهر عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: «هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن.
وأما بعد أن تحققت أميته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة من غير معلم، فتكون معجزة أخرى له، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا» (٢).
فالأمي يجوز أن يكتب بعد أميته، والله قد أطلق يد رسول الله ﷺ بالكتابة في تلك الساعة معجزة له.
ونزولا عند رغبة الباجي كتب أمير دانية في المسألة إلى شيوخ إفريقية وصقلية، فجاءت الأجوبة من هناك بتصديقه وتصويب وجهة نظره، وتسويغ تأويله، والثناء عليه، مع إنكار تهجم المتهجمين عليه.
وقد ناصر قوم ما ذهب إليه الباجي، واحتجوا له بما أخرجه ابن أبي شيبة، وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه، قال: «ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ» قال مجاهد: فذكرته للشعبي، فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك.
стр. 50
ومن طريق يونس بن ميسرة عن سهل بن الحنظلية العبشمي أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال: عيينة؟! أتراني أذهب بصحيفة المتلمس، فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها فقال: «قد كتب لك بما أمر لك»، قال يونس بن ميسرة: «فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعد ما أنزل عليه» (١).
وذكر عياض أنه وردت آثار تدل على معرفة الرسول ﷺ حروف الخط، وحسن تصويرها، كقوله لكتابه: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك».
وقوله لمعاوية: «ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم» وقوله: «ولا تمد بسم الله» وأضاف عياض: «هذا وإن لم يثبت أنه كتب فعلا، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء» (٢).
وكان أبو الوليد الباجي قد اجتهد في تجلية رأيه للموافقين والمخالفين معا، فصنف رسالته المسماة: «تحقيق المذهب» التي ظهر فيها علمه، وبين فيها وجوه المسألة لمن لم يفهمها، وأوضح أن كتابة الرسول ﷺ لاسمه غير قادح في المعجزة.
وذكر بمن قال بهذا القول من العلماء من أمثال شيخه أبي ذر الهروي (٣)،
стр. 51
وأبي الفتح النيسابوري (١)، وأبي جعفر السمناني (٢).
فقبل رأيه علماء جلة، ورجع عن مخاصمته جماعة وعذروه (٣).
ويبدو لي أن المؤلف أبا داود ناصر شيخه الباجي فيما ذهب إليه، وذلك بتأليفه كتابا سمّاه ابن عياد: «كتاب الكتّاب من الأنبياء والسادات والأشراف والصحابة، ومن كتب منهم للنبي ﷺ ». ويظهر ذلك من وجهين:
الأول من عنوان الكتاب.
والثاني من قول ابن عياد، حيث قال: «وأغرب شيء عنده فيها [أي مؤلفاته]: «كتاب الكتاب من الأنبياء» وذكر اسم الكتاب كاملا.
ولعل وجه الغرابة أن يكون المؤلف أبو داود ﵀ ضمّن كتابه، وقرر فيه أن النبي ﷺ تعلم القراءة والكتابة بعد أن قامت حجته وثبتت معجزته. فقد يكون المؤلف ظاهر شيخه بهذا الكتاب.
إلا أن أقواما آخرين أصرّوا على معارضته، والتشهير به بكل وسيلة، بما فيها تصنيف الرسائل والكتب، فكان من ذلك جزء كتبه الزاهد أبو محمد بن مفوز في الرد على الباجي، كما أن الفقيه أبا بكر بن الصائغ الزاهد كفره بإجازته الكتابة على رسول الله ﷺ ، وعد ذلك تكذيبا
стр. 52
بالقرآن (١).
وحتى تلميذه الملازم له والمتفقه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحاج الهواري المعروف بابن حفاظ الذي كان يميل إلى مذهب شيخه تاب ورجع عن قوله (٢).
وذهب الألوسي إلى ما قاله الباجي، فقال:" ولا يخفى أن قوله ﵊: «إنا أمة لا نكتب ولا نحسب» ليس نصا في استمرار نفي الكتابة عنه ﵊، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث ﵊، وهو وأكثر من بعث إليهم، وهو بين ظهرانيهم من العرب، أميون لا يكتبون ولا يحسبون، فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل: «كتب» بأمر بالكتابة، فخلاف الظاهر، وفي شرح صحيح مسلم للنووي نقلا عن القاضي عياض أن قوله في الرواية التي ذكرناها: «ولا يحسن يكتب فكتب» كالنص في أنه ﷺ كتب بنفسه، فالعدول عنه إلى غيره مجاز، لا ضرورة إليه» (٣).
ورجّحه الدكتور محمد أبو شهبة، وبنى عليه أن الرسم توقيفي، وقال:
«وكفى في هذا دليلا حديث البخاري» واستبعد أن يكون الرسول ﷺ في مثل ذكائه وفطنته وطول مدة إملائه للقرآن أن لا يتعلم الكتابة (٤).
стр. 53
ج: اهتمام علماء الأندلس بهجاء المصاحف وإعرابها بالنقط:
إن من تتاح له فرصة الاطلاع والنظر في المصاحف المخطوطة العتيقة، وطرق رسم هجائها ونقطها والعناية بها، ليقف مبهورا، ويتملكه الإعجاب من الدقة والإتقان، وعجيب الصنع والضبط، سبحان من أنزل هذا الكتاب: إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون [الحجر: ٩].
فالمطابع الحديثة، وما جدّ فيها من مبتكرات تقف عاجزة عن التقليد والمحاكاة عما فعله السلف بأيديهم في مرسوم هجاء المصاحف، وخاصة أهل الأندلس الذين فاقت شهرتهم الآفاق وحفظت لنا كتب التاريخ والتراجم بعض العلماء ممن بلغت شهرتهم في مرسوم هجاء المصاحف الآفاق.
فبلغت عناية أهل الأندلس بمرسوم هجاء المصاحف إلى حدّ الإعجاب والإكبار.
وعدّ المقري ﵀ من فضائلهم اختراعهم للخطوط المخصوصة بهم، فقال: «وكان خطهم أولا مشرقيا»، ونقل عن ابن سعيد قوله: «أما أصول الخط المشرقي، وما تجده له في القلب واللحظ من القبول فمسلم له، لكنّ خطّ الأندلس الذي رأيته، في مصاحف ابن غطوس الذي كان بشرق الأندلس، وغيره من الخطوط المنسوبة عندهم له حسن فائق، ورونق آخذ بالعقل، وترتيب يشهد لصاحبه بكثرة الصبر والتجويد» (١).
стр. 54
قال ابن خلدون: «ولم يزل القراء يتداولون هذه القراءات، وروايتها، إلى أن كتبت العلوم، ودونت، فكتب فيما كتب من العلوم، وصارت كتابة القرآن صناعة مخصوصة، وعلما منفردا وتناقله الناس بشرق الأندلس في جيل بعد جيل وكان علم هجاء المصاحف في هذا العصر مزدهرا، والإقبال عليه كثيرا، ولا أدل على ذلك من وجود وفرة من نساخ المصاحف وكبار القراء، والمصنفين في علم الرسم» (١).
وكان من هؤلاء العلماء المؤلف أبو داود وشيخه أبو عمرو الداني، ومكي بن أبي طالب، وأبو عمر الطلمنكي، وغيرهم.
دخلت المصاحف إلى بلاد المغرب والأندلس مع المسلمين الفاتحين سنة ٩٢ هـ، وكاد يكون لكل قائد مصحفه الخاص؛ قال علم الدين السخاوي:
«قال أنس بن مالك ﵁: أرسل عثمان بن عفان ﵁ إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف خالف الذي أرسل إليهم» (٢).
وهذا عقبة بن نافع فاتح المغرب كان له مصحف نسخه بالقيروان من المصحف العثماني، وهو يحتل المنزلة الثانية بعد المصحف الإمام عند المغاربة فكان متداولا بينهم (٣).
стр. 55
وكان هذا من أسباب شيوع حركة نسخ المصاحف، ومقابلتها بالأمهات. وفي ظروف غامضة لا نعلمها انتقل إلى الأندلس أحد المصاحف العثمانية التي وجهها إلى الآفاق، وظل بجامع قرطبة، وتداوله أهل الأندلس، وله عندهم شأن عظيم، ومقام كبير.
قال ابن بشكوال: «أخرج هذا المصحف من قرطبة، وغرّب منها، وكان بجامعها الأعظم ليلة السبت ١١ شوال سنة ٥٥٢ هـ في أيام أبي محمد عبد المؤمن بن علي الخليفة الموحدي، ويقال: إنه أحد المصاحف التي بعث بها عثمان ﵁».
قال ابن عبد الملك: لعله الشامي. وأنكره أبو القاسم التجيبي السبتي، فقال: «أما الشامي فهو باق بمقصورة جامع بني أمية بدمشق، وعاينته هناك سنة ٦٥٧ هـ، كما عاينت المكي بالقبة اليهودية، وهي قبة التراب» (١).
قال المقري: قلت: عاينتهما مع الذي بالمدينة سنة ٧٣٥ هـ، وقرأت فيها.
قال النخعي: لعله الكوفي أو البصري.
قال المقري: «وأقول: اختبرت الذي بالمدينة، والذي نقل من الأندلس، فألفيت خطهما سواء».
ثم آل أمره إلى بني عبد الواد ملوك تلمسان (٢).
стр. 56
أقول: إن الاختلاف في تعيينه ونسبته لا يقلل من أهمية وجوده.
فالشيء المؤكد أنه مصحف عتيق، قابله أهل الأندلس بالتجلة والاحترام، ونسخوا منه مصاحف، وقابلوها عليه.
ومن اهتمام أهل الأندلس بالمصاحف ورسمها وإعرابها بالنقط وعنايتهم بشأنها أن كان لهم نساخ مهمتهم نسخ المصاحف وإعرابها بالنقط والشكل، ونشرها بين الناس حسبة لله تعالى، وإن كان بعضهم اتخذها صنعة. وأذكر بعض العلماء الذين اشتهروا بمرسوم خط المصاحف وكتابتها، وإعرابها بالنقط والشكل. فمن علماء هجاء المصاحف البارعين في مرسوم خطها:
أحمد بن عبد الوالي بن أحمد الرعيني أبو جعفر. كان متقنا لتجويد القرآن، وقال صاحب" الإحاطة": «وكان ممن تطوى عليه الخناصر معرفة بكتاب الله، وتحقيقا لحقه وإتقانا لتجويده، كان يكتب المصاحف، فقال: «والله ما كتبت قط يميني إلا كتاب الله، فأحب أن ألقاه على سجيتي بتوفيقه إن شاء الله وتسديده» (١).
ومنهم إبراهيم بن مبشر بن شريف البكري، يكنى أبا إسحاق، وكان يقرئ في دكانه قرب المسجد الجامع بقرطبة، وينقط المصاحف، ويعلم المبتدئين (٢).
стр. 57
ومنهم أحمد بن محمد بن سليمان بن عصام، من أهل بلنسية يكنى أبا جعفر، سمع أبا بكر بن نمارة، وصحبه، وأخذ عنه القراءات وكان يكتب المصاحف، ويجيد ضبط حروفها (١).
ومن العلماء البارزين الذين كان أهل الأندلس يتنافسون في ابتياع المصاحف منهم:
أحمد بن عمر بن أبي الشعري الوراق المقرئ، يكنى أبا بكر. كان أهل قرطبة يعتمدون عليه في القراءات، ويأخذون عنه، وكان يكتب المصاحف، وينقطها، وكان الناس يتنافسون في ابتياعها لصحتها، وحسن ضبطها وخطها. توفي بعد سنة ٣٥٠ هـ (٢).
ومنهم حسن بن عبد الله بن عبد العزيز بن إسماعيل التجيبي، من أهل بلنسية، ويكنى أبا علي، يعرف بالقشتليوني، نسبة إلى قرية بغرب بلنسية، أخذ عن تلميذ أبي داود أبي الحسن بن هذيل، كان يكتب المصاحف وينقطها (٣).
ومنهم: خلف بن سليمان، يعرف بابن الحجام، من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، وكان يكتب المصاحف وينقطها، أخذ ذلك عن أبي الحسن الأنطاكي، توفي سنة ٣٩٧ هـ (٤).
стр. 58
وممن كان أهل الأندلس يتنافسون فيما يكتب:
خلف بن عمر، من أهل الأندلس جزيرة شقر، وسكن بلنسية، يكنى أبا القاسم، ويعرف بالأخفش، كان ورّاقا محسنا ضابطا، يتنافس الناس فيما يكتبه ويغالون به (١).
وممن أفنى عمره في هجاء المصاحف ونقطها:
سليمان بن إبراهيم بن أبي سعد بن يزيد بن أبي يزيد بن سليمان بن أبي جعفر التجيبي، يكنى أبا الربيع، من أهل طليطلة، وكان خطاطا بارع الخط في المصاحف، وأفنى عمره في كتابتها من أول نشأته بقرطبة إلى أن مات سنة ٤٤٠ هـ (٢).
ومنهم: سليمان بن إبراهيم بن محمد بن خالد الأنصاري الأندلسي، كان يكتب المصاحف ويجيدها، كان حيا سنة ٥٣٥ هـ (٣).
ومن أبرعهم في هجاء المصاحف: محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أبي الفوارس من أهل قرطبة. قال ابن الأبار: «حكى القبشي أنه كان من أكتب الناس للمصاحف» وقال: «يحكى عنه أنه كان يكتب المصحف في جمعتين أو نحوهما (٤)».
ومنهم: محمد بن الحسن بن إبراهيم الأنصاري من أهل غرناطة يعرف
стр. 59
بابن بداوة، يكنى أبا عبد الله، وكان من أبرع الناس خطا، وأجودهم ضبطا لكتاب الله (١).
ومنهم: محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد العزيز من أهل:
«مرسية» يكنى أبا القاسم، وولي الصلاة والخطبة في جامع بلده.
وكان يكتب المصاحف، ويجيد نقطها، ويعرف رسمها، مع براعة الخط، وحسن الوراقة، توفي ٦٣٣ هـ (٢).
ومنهم: محمد بن عبد الله بن خيار المكتب من أهل: «ميورقة» يكنى أبا عبد الله، كان يعلم القرآن، ويكتب المصاحف، ويؤم الناس في صلاة الفريضة بمسجده من داخل قرطبة، توفي ٦٢٣ هـ (٣).
وكان من أبرع الناس في هجاء المصاحف ومرسومها، والمعول عليه في ضبطها وتصحيحها: محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن مفرج بن سهل الأنصاري، من أهل بلنسية- موطن أبي داود- يعرف بابن غطوس. ويكنى أبا عبد الله، يروي عن ابن هذيل- تلميذ أبي داود- كان يكتب المصاحف وينقطها، وانفرد في وقته بالإمامة في براعة رسم هجاء المصاحف وجودة ضبطها، ويقال: إنه كتب ألف نسخة من كتاب الله ، ولم يزل الملوك فمن دونهم يتنافسون فيها في عصره، وكان قد آلى على نفسه ألا يخط حرفا من غيره ولا يخلط به سواه
стр. 60
تقربا إلى الله، وتنزيها لتنزيله.
قال صاحب التكملة: «فما حنث فيما أعلم، وأقام على ذلك حياته كلها خالفا أباه وأخاه في هذه الصناعة التي اشتهروا بها وكان معروفا فيها وفي إبداعها، آية من آيات خالقه مع الخير والصلاح، والانقباض عن الناس، والعزوف عنهم، رأيته على هذه الصفة، واستفدت منه بعضا من مرسوم الخط، وتوفي حوالي ٦١٠ هـ» (١).
ومنهم: محمد بن محمد بن واجب القيسي، من أهل بلنسية، كنيته أبو عبد الله، وكان صنيع اليد في هجاء مرسوم المصاحف، بارع الخط، صاحب تهذيب وإتقان وتجويد. توفي سنة ٥٨٦ هـ (٢).
ومنهم: محمد بن محمد بن يحيى بن خشين، من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا عبد الله، كان يكتب المصاحف، ولم يكن أحد من أهل زمانه يدانيه في المعرفة بنقطها، والبصر برسمها مع حسن الخط، والإتقان، حافظا للأشعار والأخبار توفي في حدود ٦٣٠ هـ (٣).
وممن برع في مرسوم هجاء المصاحف:
محمد بن موفق المكتب مولى أبي علي بن ابن أم الحور من أهل بلنسية- موطن أبي داود- يعرف بالخراط- وكنيته أبو عبد الله، سمع من تلميذ أبي داود ابن هذيل توفي في سنة ٥٦٣ هـ. كان صناع اليد عارفا بمرسوم الخط في المصاحف، معروفا بالضبط حسن الوراقة، يغالى فيما يكتب مع
стр. 61
التجويد والإتقان (١).
ومن العلماء الدين برزوا في براعة هجاء المصاحف ومرسوم خطها، محمد بن موسى بن حزب الله. أبو عبد الله، ويعرف بابن جلادة من أهل بلنسية. روى عن أبي الحسن بن هذيل تلميذ المؤلف أبي داود، وكان يكتب المصاحف ويضبطها. قال ابن الأنبازي: «ويتنافس فيما يوجد بخطه منها إلى اليوم، ووقفت على بعضها بضبطه سنة ٥٥٩ هـ» (٢).
ومنهم: موسى بن عيسى بن خليفة اللخمي، أبو عمران الفخار القرطبي. كان يكتب المصاحف توفي ٦٢١ هـ (٣).
ومنهم: نصر المصحفي النقاط من أهل طليطلة، كان يقرئ القرآن وينقط المصاحف (٤).
وحتى نساء أهل الأندلس لم يعدمن هذه الصنعة: كتابة المصاحف ونقطها، فاحترفت مئات من نساء أهل الأندلس نسخ المصاحف وإعرابها بالنقط وغيرها من الكتب، وكن يبعنها إلى الورّاقين بسبب ما تميزن به من الجودة والمهارة والإتقان في الكتابة (٥).
أورد عبد الواحد المراكشي ت ٦٤٧ هـ نصا يبين أن من نساء أهل الأندلس من كنّ ينسخن المصاحف فقال: «حكى ابن فياض في تاريخه
стр. 62
في أخبار قرطبة، قال: كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟» (١).
ومنهن: عائشة بنت أحمد بن محمد بن قادم ذكرها أبو حيان في المقتبس لم تكن في جزائر الأندلس في زمانها من تعدلها فهما وعلما وأدبا وشعرا، وفصاحة وعفة وجزالة وحصافة. وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف والدفاتر، وتجمع الكتب، وتعنى بالعلم، ولها خزانة علم كبيرة حسنة وماتت عذراء لم تنكح وتوفيت سنة ٤٠٠ هـ (٢).
ومنهن: فاطمة بنت زكريا بن عبد الله الكاتب المعروف بالشبلاري مولى بني أمية كانت كاتبة جزلة، استكملت أربعا وتسعين تكتب على ذلك الكتب الطوال وتجيد الخط (٣).
ومثلها في العناية بالمصاحف ونقطها السيدة البهاء بنت الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية. كانت خيرة عابدة زاهدة شديدة الرغبة في الخير، وكانت تكتب المصاحف وتحبسها، وإليها ينسب المصحف الذي بربض الرصافة توفيت في سنة ٣٠٥ هـ (٤).
والمتأمل في النصوص المتقدمة يلاحظ أن هؤلاء الذين قاموا بنسخ المصاحف على مرسوم الهجاء العثماني لم يكونوا خطاطين فحسب، بل
стр. 63
كانوا من علماء القراءات والرسم والضبط إلى جانب الصلاح والتقوى والورع، يتقربون بعملهم هذا إلى الله ، على العكس في زماننا هذا، حيث يتولى نسخ المصحف خطاط لا يعرف غير تحسين الخط وتهذيبه وزخرفته. والذي يتولى نسخ المصحف يجب أن يكون عارفا بمذاهب علماء الرسم وقواعده عالما بالقراءات والأحكام مع الخير والصلاح والتقوى والورع مع احتساب ذلك عند الله. والمؤلف أبو داود نفسه حث على رعاية الخط، لأن الخطأ فيه خطأ في التلاوة.
قال: «فيحتاج الناسخ أن يراعي هذا الباب كله حسب ما بيناه، في أول كتابنا هذا، ويترك فسحة مكان الهمزة وحركتها، وأن لا يقع في حرج ويوقع غيره في أعظم من ذلك، إذا كان جاهلا بالخط أو مستهزئا بالأمر، وغير مراع لما يجب عليه من ذلك» (١).
ومن كلام العرب في ذلك:
الخط أحد اللسانين، وحسن الخط أحد الفصاحتين، (٢) والله أعلم.
стр. 64
الفصل الثاني حياة أبي داود
стр. 65
اسم المؤلف ونسبه
: اسمه: سليمان بن أبي القاسم نجاح (١).
كنيته: أبو داود.
نسبه: ينسب إلى المؤيد بالله، فيقال: مولى المؤيد بالله أمير المؤمنين هشام بن الحكم. قال ابن عياد (٢) (ت ٥٧٥ هـ): «وأصل أبي داود من بلنسية، وهو معدود من أهلها وولاؤه في بني أمية، وهو سليمان بن أبي القاسم نجاح من أهل بلنسية يكنى أبا داود، ونجاح أبوه كان مولى المؤيّد بالله هشام أمير المؤمنين؛ لأن هشام بن عبد الرحمن هو الذي أعتق نجاحا أبا سليمان» (٣).
стр. 66
ونسبه تلميذه إبراهيم بن سهل العبدري إلى بني أمية، فقال:
«سليمان بن أبي القاسم الأموي».
فتسميته بالأموي؛ لأنه كان من موالي بني أمية، وكانت كلمة الأموي تطلق على الأموي من الصلب وعلى موالي الأمويين، وأبو داود كان أبوه نجاح مولى وأعتقه هشام (١).
وينسب تارة إلى المؤيد بالله، فيقال: «أبو داود المؤيدي» (٢).
وينسب تارة أخرى إلى هشام، فيقال: «أبو داود الهشامي» (٣).
وهاتان النسبتان قليلتا الاستعمال، ولم تشتهرا اشتهار الأولى، مع أن المنسوب إليه هو شخص واحد وهو هشام بن الحكم المؤيد بالله كما بينته في مقدمة التنزيل. ونسبه عبد الرحمن بن خلدون إلى موالي مجاهد العامري، ولم يذكر هذه النسبة غيره، فقال: «أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد العامري» والأولى أشهر، وبها يعرف (٤).
مولد المؤلف أبي داود
أجمعت المصادر على أن مولده سنة ثلاث عشرة وأربعمائة من الهجرة.
قال ابن بشكوال: وقرأت بخط شيخنا أبي عبد الله بن أبي الخير (٥)،
стр. 67
قال: «وكان مولده سنة ثلاث عشرة وأربعمائة» (١) ولم يعلم له مخالف وكانت داره ببلنسية في الجنوب منها عند دار ابن صخر (٢).
وفاة المؤلف أبي داود
أجمعت المصادر على أن وفاته كانت في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وقد حدد ذلك ابن بشكوال فيما نقله عن شيخه، فقال: وقرأت بخط شيخنا أبي عبد الله بن أبي الخير: توفي أبو داود سليمان بن نجاح يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر، ودفن يوم الخميس لصلاة العصر بمدينة بلنسية، وشيّع جنازته خلق كثير، وذلك في رمضان لست عشرة ليلة خلت منه سنة ست وتسعين وأربعمائة» (٣).
وصلى عليه الشيخ إسماعيل بن مهلهل صاحب الصلاة والخطبة بجامع بلنسية (٤). ودفن بمقبرة باب بيطالة (٥) ببلنسية، ولم يذكر ذلك أحد، وإنما استقرأته من ترجمة زينب بنت محمد بن محرز الزهري التي تدعى عزيزة.
فقال المراكشي: «ودفنت لصلاة العصر بمقبرة باب بيطالة بمقربة من قبر أبي داود سليمان بن نجاح» (٦).
стр. 68
وأنشد أبو داود أبياتا في مرض موته يرجو الله أن يعفو عنه ويغفر له. قال الإمام أحمد بن محمد السلفي ت ٥٧٦ هـ (١):
«سمعت أبا نصر الفتح بن خلف بن عبد الله المقرئ الخبري بالثغر يقول: دخلنا على أبي داود سليمان بن نجاح المقرئ المؤيدي في مرض موته، فأنشد لأبي إسحاق القباب المؤدب، قال أبو نصر: وقد أنشدنيه القباب نفسه ببلنسية، فقال أبو داود:
يا أكرم الكرماء يا من لم يزل* يولي الجميل ويستر العصيانا إنّ الكريم متى ألمّ بداره* ضيف قراه البرّ والإحسانا وأحلّ دارك مذنبا متذمما* فاجعل قراي العفو والغفرانا إني جعلت إلى علاك وسيلتي* وشفيعي التوحيد والقرآنا أعلى ظنوني أن عفوك شامل* أهل الذنوب فلم تزل رحمانا (٢) غفر الله لنا وله، والله أعلم.
стр. 69
أسرة المؤلف أبي داود
لا نعرف شيئا عن أسرة المؤلف أبي داود سليمان بن نجاح سوى لمحات لا تكاد تكوّن صورة كاملة عن أسرته؛ من ذلك ما ذكره ابن عياد (ت ٥٧٥ هـ) فقال: «أخبرني الشيخ أبو الحسن بن هذيل، قال: أخبرني أبو داود أنه كان يقرأ عليه ببلنسية رجل يعرف بأحمد بن محرز، قال:
وكان فتى فاضلا مقلا، قال: فقال أبو داود يوما: أتحب أن أزوجك ابنتي، قال: فخجل الفتى من ذلك، وذكر له حاجة تمنعه من ذلك قال:
فزوجها منه، ونظر لها في دار ومال وأثاث عن مهرها وزفها إليه» (١).
ترجم لها المراكشي فقال: أسماء بنت أبي داود سليمان بن أبي القاسم نجاح، بلنسية أكثرت عن أبيها، وشاركته في بعض شيوخه، وهي التي زوجها بأحمد بن محرز، فتى
كان يقرأ عليه، فأعجبه سمته، فزوجها منه كما سيأتي ذكره في تلاميذه (٢).
ولها أخ من أبيها سماه المراكشي: محمد بن أبي داود سليمان بن نجاح، وذكر أنه روى عن أبيه، فقال: «روى عن أبيه» ولم يزد على ذلك (٣).
стр. 70
شيوخ المؤلف أبي داود
توفر للإمام أبي داود سليمان بن نجاح طائفة من العلماء والحفاظ، وكلهم من ذوي التصانيف في مختلف العلوم، وكل منهم وصف بالعلم والفضل، ونعت بالرواية والدراية.
وقد ألف فهرسة في ذكر مشايخه ومروياته رواها ابن خير الإشبيلي ت ٥٧٥ هـ فقال:
«فهرسة الشيخ الفقيه أبي داود سليمان بن نجاح المقرئ، روايتي لها عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن هذيل» (١).
وهي من الفهارس الجامعة لروايات الشيوخ وتواليفهم. وهذه الفهرسة لم نتوصل إلى العثور عليها، وإذا قدر أن وجدت فسوف تضيء لنا بعض الجوانب الغامضة من حياة أبي داود سليمان بن نجاح.
ولقد جردت من كتب التاريخ والتراجم الأندلسية واستخرجت منها طائفة من شيوخه ومجموعة كبيرة من طلابه وتلاميذه.
ومن أهم شيوخ أبي داود سليمان بن نجاح ما يلي:
١ - أحمد بن الحسن بن عثمان الغساني. من أهل: «بجاية» المرّية، وسكن دانية، يكنى أبا عمر، ويعرف بابن أبي رئال، بالهمز وكسر الراء، ولي قضاء دانية لمجاهد العامري وجرت له مساءلات مع أبي عمران الفاسي وطبقته، فوضع مائة مسألة في فنون شتى، وكان فقيها نظارا له
стр. 71
حظ من الأدب والشعر، وهو أحد شيوخ أبي داود المقرئ حدّث عنه بتلك المسائل المائة.
قال ابن الأبار: قرأت نسبه وبعض خبره بخط ابن عياد، وتوفي في حدود ٤٤٠ هـ (١).
٢ - أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث بن أنس بن فلذان بن عمران بن منيب بن زغيبة بن قطبة العذري يعرف بابن الدلائي من أهل المرية، يكنى أبا العباس.
رحل إلى المشرق مع أبويه، وجاوروا بيت الله الحرام أعواما جمة وسمع من جماعة من المحدثين من أهل العراق والشام الواردين على مكة ورجع إلى الأندلس، وكان معتنيا بالحديث ونقله وروايته وضبطه، مع ثقته، وجلالة قدره، وعلو إسناده.
حدّث عنه من كبار العلماء أبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم وأبو الوليد الوقشي، وجماعة من كبار الشيوخ، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ (٢).
وكانت له مجالس يتصدر فيها في بلنسية يدرس طلبة العلم. وكتب أبو داود بخط يده صحيح البخاري ومسلم، وقرأهما على أبي العباس العذري مرات، واحتفل في تقييدهما، حتى صار كل منهما أصلا يقتدى به (٣).
стр. 72
٣ - إشراق السويداء مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون القرطبي الكاتب. سكنت بلنسية. أخذت عن مولاها أبي المطرف العربية واللغة والآداب أيام إقامته بقرطبة ثم انتقلت بانتقاله عنها، وكانت قد فاقته في كثير مما أخذته عنه، وأحسنت في كل ما تناولته، وكان لها تقدم في العروض، وبالعروضية كانت تشتهر.
أخذ عنها العروض أبو داود المقرئ، وقرأ عليها الكامل لأبي العباس المبرد وأمالي أبي علي القالي، قال: «وكانت تحفظ الكتابين ظهرا تنصهما حفظا، وتتكلم عليهما» (١).
٤ - جعفر بن سعيد بن محمد بن حلبس المقرئ. من أهل بلنسية يكنى أبا محمد، روى عن أبي عمرو المقرئ، وكان له اختصاص بصحبته سمع منه ببلنسية، وأبو عمرو إذ ذاك يرتاد بلدا يستوطنه ثم سمع منه بعد ذلك بدانية.
وأقرأ القرآن ببلده، وعنه أخذ أبو داود سليمان بن نجاح، واختلف إليه، وقرأ زمانا عليه، وصحبه رجل إلى أبي عمرو في السماع منه، والأخذ عنه سنة ثمان وثلاثين
وأربعمائة. وبقراءته سمع التيسير من تأليفه (٢).
٥ - جعفر بن علي بن محمد التميمي الصقلي يعرف بابن القطاع، ويكنى أبا محمد، سمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي، وغيره، وقدم الأندلس، وبها لقيه أبو داود المقرئ، فسمع منه كتاب أبي بكر بن عزير
стр. 73
في غريب القرآن (١) بجامع بلنسية مرتين.
وكان من أهل المعرفة الكاملة باللغة والآداب، والشعر مقدم في ذلك، كانت له حلقة بجامع بلنسية لتدريس علوم القرآن واللغة.
قال صاحب التكملة: «بعض خبره من أبي داود» (٢).
٦ - الحسين بن محمد بن سكرة أبو علي الصدفي الحافظ. إمام كبير، قرأ على عبد السيد بن عتاب، وقرأ عليه الحسين بن محمد بن عريب، استشهد سنة ٥١٤ هـ (٣).
سمع أبو داود بمنزله بدانية من أبي علي رياضة المتعلمين لأبي نعيم في سنة ٤٩١ هـ إثر قدومه من المشرق، وسمعها معه جماعة من تلاميذ أبي داود.
وأجازه أبو داود في رواية لبعض تآليفه عنه فتدبجا (٤) وكان ذا دين وورع، وإكباب على العلم، ويد طولى في الفقه، فخلف كتبا نفيسة، وأصولا متقنة، تدل على حفظه وبراعته، وكان ابن سكرة يقابل أصوله بأصول أبي داود (٥) فهو منه تلميذ أقرب منه إلى الشيخ.
стр. 74
٧ - خلف بن أحمد بن بطال البكري من أهل بلنسية، يكنى أبا القاسم، روى عن أبي عبد الله الفخار، والقاضي أبي عبد الرحمن بن جحّاف، وأبي بكر محمد بن يحيى الزاهد، وغيرهم.
حدّث عنه أبو داود المقرئ، وكان فقيها أصوليا من أهل النظر والاحتجاج لمذهب مالك وتردد بالمشرق، وله مؤلفات حسان، وتوفي سنة ٤٥٤ هـ (١).
٨ - سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي أبو الوليد.
كان فقيها محدثا محققا حسن التأليف له تصانيف مشهورة جليلة، منها المنتقى في شرح الموطأ، واختصر منه كتاب الإيماء وكتاب السراج، والمقتبس والمهذب وغيرها، فسمع منه المؤلف أبو داود، وكتب بخط يده كتاب البخاري في عشرة أسفار، وكتاب مسلم في ستة أسفار، وقرأهما معا على الباجي، واختلف في تقييدهما حتى صار كل منهما أصلا يقتدى به.
ولد سنة ٤٠٣، وتوفي بالمرية سنة ٤٧٤ هـ (٢).
٩ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن جحّاف المعافري القاضي ببلنسية، كنيته أبو المطرف، من أهل بيت علم وجلالة ورئاسة يتداولون القضاء، سمع الحديث من خلف بن هانئ. روى عنه ببغداد أبو الفتح نصر بن الحسن الشاشي، وروى عنه أبو داود سليمان بن نجاح.
стр. 75
وتوفي في سنة ٤٧٢ هـ (١).
١٠ - عبد الله بن أبي دليم، يكنى أبا محمد. سكن بلنسية، وسمع بطرطوشة من أبي القاسم خلف بن هانئ العمري. روى عنه أبو داود بن نجاح سمع منه أحاديث خراش بن عبد الله (٢) في سنة ٤٣٦ هـ، وكان إذ ذاك ابن ثمانين عاما، وله نشاط علمي في بلنسية.
قال صاحب التكملة: قرأت ذلك بخط أبي داود (٣).
١١ - عبد الواحد بن محمد بن موهب التجيبي الأندلسي يكنى أبا شاكر المعروف بابن القبري نسبة إلى مدينة قبرة من أعمال الأندلس.
يعد من ألمع الوجوه العلمية والأدبية، فقد كان فقيها محدثا أديبا خطيبا شاعرا له باع طويل في العربية والنظر والجدل، نشأ بقرطبة، وخرج منها في الفتنة، فسكن شاطبة بشرق الأندلس، حيث تولى المظالم والأحكام، كما تولى الصلاة ببلنسية وتوفي في سنة ٤٥٦ هـ (٤).
١٢ - عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني القرشي الأموي المعروف في زمانه بابن الصيرفي شيخ مشايخ المقرئين، ولد سنة