← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

والنجمُ تستصغر الأبصارُ صورته ... والذنْب للطَّرفِ لا للنّجم في الصِغَر واقرب نجم الينا نجم اسمه: «حَضارِ» بفتح الحاء والضاد وكسر الراء، يبعد عن شمسنا اربع سنوات وربع سنة ضوئية. ولا اريد الاطالة فالموضوع واسع كُتبت فيه مجلداتٌ وتجري فيه ابحاث يوميا. ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ الله وحده هو الذي جعل الليلَ والنهار متعاقَبين يَخْلُف أحدُهما الآخرب، وفي ذلك عظةٌ وذكرى لمن أراد ان يتعظ باختلافهما ويتذكر نعم الله، ثم يتفكر في بديع صنعه، ويشكره على هذه النعم الجلية. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: سُرُجا بالجمع. والباقون سراجا. وقرأ حمزة: ان يذْكُر، باسكان الذال وضم الكاف. والباقون: ان يذّكّر بفتح الذال المشددة والكاف المفتوحة المشددة.

стр. 1017

هونا: برفق ولين: يمشون بسكينة ووقار. الجاهلون: السفهاء. سلاما: مسالمة ومسامحة. غراما: هلاكا. لم يسرفوا: لم يجاوزوا الحدود في النفقة. ولم يقتُروا: لم يضيّقوا على عيالهم بالبخل والشح. قَواما: وسطاً مَتابعاً: مرجعا حسنا. مرّوا كراما: لم يخوضوا باللغو مع الخائضين. لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا: انهم يتفهمون ما يلقى عليهم، ولا يأخذونها بدون فهم. قرة أعين: ما يسر الأعين ويفرحها. واجعلْنا للمتقين إماما: المام يُستعمل للمفرد والجمع. الغرفة: كل بناء مرتفع، والمراد بها هنا الدرجات الرفيعة. ما يَعبأ بكم: لا يعتدّ بكم. دعاؤكم: عبادتكم. لزاما: لازما. ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً. . . .﴾ . ختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة بصفاتِ عباده المؤمنين، وبيّن فيها ما لهم من فاضِل الصفات وكامل الاخلاق التي تميّزوا بها، وكانوا قدوة للعالم حين أعطوا المَثَلَ الأعلى في العدل والمساواة والتسامح. وقد عدّد في هذه الآيات إحدى عشرة صفة مما تَشْرئبّ اليها اعناق العاملين، وتتطلع اليها نفوس الصالحين، الذين يبتغون المثوبة. وهي: ١ - فعباد الرحمن هم المتواضعون لله، يمشُون في سَكينة ووقار غيرَ متكبرين. وليس معنى هذا أنهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس كما يفهم بعضُ الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح، كلا فقد كان رسول الله ﷺ أسرعَ الناس مِشيئةً وأحسَنَها وأسكنها. ٢ - واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما: اذا اعترضهم السفهاءُ وسبّوهم وآذوهم بالقول السّيء لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، فهم حُلماء لا يجهلون، واذا جُهِلَ عليهم حَلِموا ولم يسفهوا. ٣ - والذين يبيتون لربهم سجَّداً وقياماً. والذين يصلّون في الليل، لان العبادة في الليل أبعد عن الرياء. قال ابن عباس: من صلى ركعتين او اكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا. وليست العبادة بالكثرة، ولكنها بالاخلاص والخشوع والنية الصافية. ٤ - والذين يقولون ربَّنا اصرفْ عنا عذابَ جهنم. . . . وهم يغلِّبون الخوف على الرجاء فيسألون الله تعالى ان يبعد عنهم عذاب جهنم وشديد الآلمها. فانها بئس المنزل مستقرا ومقاما. ٥ - والذين إذا أنفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا. . . . ومن صفاتهم العالية الاعتدال في انفاقهم المال، فهم ليسوا بالمبذرين في انفاقهم، ولا ببخلاء على انفسهم وأهليهم، وهم اجواد في مصالح الناس والوطن وعمل الخير. ٦ - والذين لا يدْعون مع الله إلهاً آخر. . . . والذين لا يعبدون غير الله ولا يشركون به احدا، بل يخلصون له العبادة والطاعة. ٧ - ولا يقتلون النفسَ التي حرَّم الله لا بالحقّ. لا يُقْدِمون على هذه الجريمة الكبرى بغير حق، ﴿مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

стр. 1018

[المائدة: ٣٢] . ٨ - ولا يزْنُونَ، ومن يفعلْ ذلك يَلْقَ أثاما. ولا يقدمون على هذه الجريمة القبيحة التي كانت متفشية في الجاهلية. فقد كرمهم الله تعالى بنفي هذه الصفات السيئة عنهم وبذلك كانوا عباد الرحمن حقا. ٩ - والذين لا يشهدون الزورَ، وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كراما. وهذه الصفات من اخلاق عباد الرحمن، فانهم لا يشهدون الشهادة الكاذبة، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو من القول الباطل، ولا يخوضون مع الخائضين. ١٠ - والذين اذا ذُكِّروا بآيات ربّهم لم يَخِرَّوا عليها صُمّاً وعُميانا. والذين اذا ذكّروا بآيات الله واحكامه تلقَّوها بالفهم والوعي الصحيح، ثم نفّذوها وعملوا بها. ١١ - والذين يقولون: ربَّنا هبْ لنا من أزواجنِا وذريّاتنا قُرَّةَ أعينٍ واجعلءنا للمتقين إماما. ويسألون الله تعالى ان يرزقهم الزوجات الصالحات والذرية الطاهرة التي تسر نفوسهم وتقر بها أعينهم، وان يجعلهم ائمة في الخير يقتدي بهم الصالحون، وقد كانوا كذلك. ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً﴾ فعباد الرحمن الذين اتصفوا بهذه الصفات الكريمة الفاضلة لهم الجناتُ وأرفعُ الدرجات لقاءَ صبرهم وجهادهم. وستتلقاهم الملائكة في الجنّة بالتحيّات الزاكيات والتسليم. خالدين فيها ابدا في احسن مكان، وأنعم بال، وأطيب عيش. ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] . ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ ان الله تعالى غنيّ عن العالمين، ولولا هذه الصفوةُ من الناس الذين يعبدونه حقَّ عبادته، وهم أهلُ هذه الصفات السامية - لما كان اللهُ يَعْبَأ بالبشريَّة جميعها. ان الله لا يُبالي بكم إذا لم تؤمنوا، فقد كذَّبتم بدينه، فسوف يعذّبكم عذاباً لازماً لا ينفكُّ عنكم ولا يزول.

стр. 1019

باخع نفسك: مهلكها من شدة الحزن. اعناقهم: رقابهم، والمراد بها هنا الجماعات، من ذِكر: من موعظة. من كل زوج: من كل صنف. طسم: تقرأ هكذا طا. سين. ميم. وتقدم الكلام على هذه الحروف، وهي لبيان ان القرآن المعجِز للبشر رُكبت كلماته منها ومن أخواتها، فمن ارتاب في ان هذا القرآن من عند الله فليأتِ بمثله، ولن يستطيع. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ ان هذا الكلام الذي أوحيتُ به اليك يا محمد هو آياتُ القرآن البيّن الواضح الذي يفصل بين الحق والباطل. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ لعلّك أيها الرسول ستعتل نفسك ان لم يؤمن قومُك برسالتك، هوِّنْ عليك فإن الله سينصرك. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] . ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ان في قدرتنا أن نأتيَهم بمعجزة تُلجئهم إلى الإيمان وتجبرهم عليه، فيخضعون. ويتم ما نرجوه. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ وما يجدد الله لقومك من موعظةٍ وتذكيرٍ إلا جدّدوا إعراضا وتكذيبا واستهزاء. ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لقد كذّبوا بما جئتهم به من الحق فاصبر عليهم، فسيَرَوْن عاقبةَ استهزائهم، وسيحلّ بهم عاجلُ العذاب وآجله في الدنيا والآخرة. وبعد ان بيّن إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم - ذكر أنهم أعرضوا عما يشاهدونه من آياتٍ باهرة فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ؟ كيف اجترأوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابة!! أوَلَم ينظروا ويتأملوا في عجائب قدرته تعالى وخلقِه هذه الأصنافَ التي تسترعي الأنظار، وتبهر الناظرين! . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ان في هذا وأمثاله لمعجزةً عظيمة وعبرةً جليلة ودليلاً على وجود الخالق القدير، ولكنّهم لم يُعمِلوا عقولَهم في النظر في هذا الكون البديع، فما آمنَ أكثرهم، وظلّوا جاحدين. ثم بشّر الله رسولَه بالنصر والتأييد وغلبتِه لأعدائه وإظهاره عليهم فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ ان ربك أيها الرسول لقويٌّ قادر على كل ما يريد، وهو ذو الرحمة الواسعة، فلا يعجِّلُ بعقاب من عصاه، وهو المتفضّل بالرحمة على المؤمنين.

стр. 1020

مرت حلقاتٌ من قصة موسى في سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، عدا اشارات اليها في سورة أخرى. وفي كل سورة تأتي القصة مناسبةً لها، وهنا تبدأ القصة من الآية العاشرة الى الآية ٦٨. اذكر يا محمد لقومك اذ نادى اللهُ موسى وأمَرَه ان يذهب إلى قوم فرعونَ الظالمين ليدعوهم الى دين الله، فقال موسى إني أخاف أن يكذّبوا برسالتي، ولا ينطلق لساني لما فيه من الثقَل، فأرسلْ معي أخي هارون رسولاً يعنني. ولهم عليَّ ذنبٌ حين قتلتُ منهم رجلاً فأخاف ان يقتلوني به. فقال له الله: لن يقتلوك، فاذهبْ أنت وأخوك هارون بآياتي وأنا معكم أستمعُ لما تقولون وأرى ما يجري بينكم. اذهبا وقولا لفرعون إننا رسولا ربِّ العالمين، أرسلَنا اليك لترسلَ معنا بني اسرائيل وتدَعَهم أحرار يعبدون الله. فلما ذهبا الى فرعون وقالا له ما أمرهما الله به، قال فرعون لموسى: يا موسى، ألم نُربِّك في قصرِنا وأنت وليد صغير، ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك حتى كبِرتَ وأصحبتَ شابا، وجنيتَ جنايتك فقتلتَ رجلاً دون ذنبَ!! وأنت الآن تكفر بدِيني، وتنكر نعمتي! فقال موسى: لقد ارتكتبُ جريمتي وأنا ضالّ لا أعرف حدود الله، وفررت منكم لَمّا خفت أن تقتلوني، فوهب الله لي حُكماً وعلماً وجعلني من المرسلين. انك يا فرعون تمنّ عليّ بتربيتك لي، والواقع أن جميع ما أنعمتَ به علي لا يعادل ما ارتكبتَه أنت مع بني اسرائيل من استعبادٍ وقتل وإذلال. قراءات: قرأ يعقوب: ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، بنصب يضيق وينطلق، والباقون بالرفع.

стр. 1021

ثعبان مبين: ظاهر بلا تمويه. الملأ: أشراف القوم. فماذا تأمرون: بماذا تشيرون. أرْجه وأخاه: أخّره وأخاه ولا تقتلهما. حاشرِين: اجعل رجال الشرطة يحشرون السحرة من جميع البلاد. قال فرعون يسأل موسى في تجاهل وهزء: أيّ شيء يكون ربُّ العالمين الذي تدعو اليه؟ فأجابه موسى بالصفة المستملة على الربوبية: إنه ربُّ السماوات والأرض ورب هذا الكون الهائل، ﴿إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ . فالتفتَ فرعون الى مَن حوله ليصرفَهم عن التأثر بقول موسى وقال لهم: ألا تستمعون الى ما يقوله موسى، إنه يدعوكم الى عبادة إلهٍ لا عهدَ لنا به، ولا قاله احد نعرفه. فقال موصى: هو ربكم وربّ آبائكم الاولين: فلما لم يستطع فرعون ان يردّ على ما جاء به موسى ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ . ولكن موسى لم يسكت ومضى يصدَعُ بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة فقال: ﴿قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . اني ادعوكم إلى عبادة إلهِ هذا الكون العظيم ان كان لكم عقول تفكر وتتدبر في الأمور. فقاطعه فرعون قائلا: إنِ اتخذتَ إلها غيري أسجنُك وتكونُ من المعذبين. فقال موسى: أتفعل ذلك ولو جئتك ببرهانٍ عظيم يدلّ على صدقي فيما اقول؟ فقال فرعون: فأتِ بالذي يشهد بنبَّوتك إن كنت صادقاً في دعواك. وهنا كشف موسى عن معجزتيه: ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ ظاهر حي يخيف، وأخرج يده من جيبه فاذا هي بيضاء مع أن موسى أسمر البشرَة. عندئذٍ أحسّ فرعون بضخامة المعجزة فأسرع يقاومها، واخذ يتملّق الذي حوله ويخوّفهم من موسىن فقال لمن حوله: ان هذا ساحرٌ كبير، يريد ان يستميل إليه قلوبكم لتؤمنوا به، فيكثر بذلك أتباعه ويأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ ماذا اصنع به؟ فأجابوه بقولهم: أخِّرْه مع أخيه، واضربْ لهما موعِدا، واجمع له كل سحرة دولتك، لينازلوه في يوم معيّن، تجمع فيه الناس ليشاهدوا هذه المبارة.

стр. 1022

الميقات: الوقت المحدد. يوم معلوم: يوم العيد كما جءا في سورة طه يوم الزينة. وعزة فرعون: قسمٌ بقوته وعظمته. تلقَفُ: تبتلع. يأفكون: يكِذبون بقلب الحقائق، بكيدهم وسحرهم. من خلاف: قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس بالعكس. لا ضير: لا ضرر. منقلبون: راجعون. ذُكرت هذه المبارة في سورة الأعراف وسورة طه وفي هذه، السورة وخلاصتها: ان فرعون وقومه أرادوا ان يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا ان يُتمَّ نورَه ولو كره الكافرن. فلما جاء السحرةُ في اليوم المعيّن من مختلف اقاليم مصر العليا - وكانوا ابرع الناس في فنّ السحر وأشدَّهم خِداعا وتمويها - طلبوا من فرعون الأجرَ ان هم غَلَبوا، فأجابهم الى ما طلبوا، وزادهم بأنه سيجعلهم من بطانته المقربين اليه. وابتدأت المباراة. . . . فقال موسى للسَحَرة: ألقوا ما تريدون إلقاءه من السحر. فألقَوا حبالهم وعصيَّهم. وخيِّل للناس المجتمعين انها تسعى. وأقسموا بعزّة فرعون انهم الغالبون. فألقى موسى عصاه فإذا بها تبتلع كل ما ألقوه، وما خدضعوا بن أعينَ الناس. وانتهت المباراة بغلبة موسى لهم، وعرف السحرة ان هذا الذي جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو معجزة نبيّ، فسجدوا وقالوا: آمنا بربّ العالمين، ربّ موسى وهارون. فقال فرعون وقد اخذه الغضب: وأخذ يهدد السحرة ويتوعدهم ويقول: انه لكبيرُكُم الذي علَّمكم السحرَ. ان موسى هذا هو الذي علّمكم هذا لاسحر، وقد تواطأتم معه، فلسوف تعلمون ما سأفعله بكم وبه، لأقطَعَنَّ أيديَكم وأرجُلكم بشكل متخالف، ولأصْلبنَّكم على جذوع الشجر. فقالوا جميعا: لا ضرر، افعلْ ما تريد، فإن المرجع إلى الله، وهو لا يُضيع أجر من احسنَ عملا، وإنا لنرجو ان يغفر لنا خطايانا، لأننا اول من آمن بدين موسى. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر وروح: أأمنتم بهمزتين، والباقون: آمنتم. قرأ حفص: تلقف بسكون اللام وفتح القاف دون تشديد. والباقون: تلقف بفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة.

стр. 1023

سرى وأسرى: سار ليلا. متبعون: يتبعكم فرعون وجنوده. الشرذمة: الجماعة القليلة من الناس، والشرذمة: القطعة من الشيء جمعها شراذم. غائظون: جمع غائظ، وهو الذي يفعل ما يغضب. حَاذرون: جمع حاذر وهو الذي يكون يقِظا محترزا. مقام كريم: القصور العالية، والمنازل المريحة والنعمة الوافرة. اورثناها: ملّكناها لهم. مشرقين: وقت شروق الشمس، تراءى الجمعان: تقابلا ورأى كل منهما الآخر. لمدرَكون: سيدركوننا. انفلق: انشق. الفِرق: بكسر الفاء الجزء. الطود: الجبل. أزلفنا: قربنا. ثم: هناك. لآية: لعظة وعبرة. وأوحى الله الى موسى ان يَسْرِيَ ببني إسرائيل ليلاً ويخرج من مصر، وان يمضيَ بهم حيث ما يؤمر. ففعل. كذلك أعلمه الله ان فرعون سيتبعهم. وبالفعل، فقد أرسل فرعون الى جميع المدائن بمصر يقول لهم: ان موسى ومن معه شِرذمة قليلة قد أغاظونا بإيمانهم بموسى وربه، فعليكم جميعا ان تحذَروهم. وخرج فرعون بجيوشه ليلحقوا بموسى ومن معه، وتركوا تلك البلاد وما فيها من نعيم، ومنازِل وقصورٍ وجنات. ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ يعني أنه أخرج بني إسرائيل من ذلك النعيم، واورث بني اسرائيل جناتٍ وعيوناً مماثلة لها في ارضٍ غيرها، ولا يمكن ان يكون بنو اسرائيل عادوا الى مصر وورثوها واقاموا بها. ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ ولحقَ فرعون وجنوده موسى ومن معه عند شروق الشمس. فلما رآهم قوم موسى خافوا وقالوا: أردكَنا فرعون!! فقال موسى: لا تخافوا إن معي ربي وهو سيَهديني الى الصواب، ويرشدّني الى طريق النجاة. فأوحى الله الى موسى أن اضرِبْ بعصاك البحر، فضربه، فانفلق البحر قسمين عظيمين كل قسم كالجبل. وسار موسى وقومه ونجضوا، وتبعهم فرعون وجيشه فانطبق عليهم الماء فغرقوا جميعا. وفرعونُ كما تقدم هو امنفتاح بن رعمسيس، وجسده موجود الآن في المتحف المصري يشاهده الناس. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ان في هذا الذي حدثَ في البحر لمعجزةً وعبرة لمن اراد ان ينتفع. لكنّ اكثرَهم لم يؤمنوا ولم يعتبروا مع ما رأوا من الآيات العظام والمعجزات الباهرات. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ يتكرر هذا التعقيب في هذه السورة ثماني مرات في ختام كل قصة قراءات: قرأ أهل الكوفة وابن عامر: «حاذرون» بالف بعد الحاء. والباقون: حذرون. وقرأ حفص: معيَ ربي بفتح الياء، والباقون: معي ربي بسكونها.

стр. 1024

اتلُ عليهم: أخبرهم، واقرأ عليهم. عاكفين: ملازمين على عبادتها ومواظبين. يوم الدين: يوم القيامة. حُكما: علما بالخبر والعمل به. لسانَ صدق: ذكراً جميلا بين الناس. يوم يُبعثون: يوم القيامة. في هذه الآيات الكريمة عرضٌ لقصة إبرهيم والحِجر ومريم والأنبياء والحج، وكانت القصة في كل سورة مناسبةً لسياقها العام، وعُرِض منها ما يتفق مع موضوع السورة. وخلاصتها: أخبرْ يا محمد الناس قصة ابراهيم إذ قال لأبيه وقومه: أي شيء هذا الذي تعبدونه؟ قالوا: نعبد أصناماً ونلتزم طاعته ونواظب على ملازمتها. فقال ابراهيم: هل تسمعكم هذه الأصنام حين تدعونها، وهل تضركم او تنفعكم؟ قالوا: لا يفعلون لنا شيئا من ذلك، ولكننا وجدْنا آباءنا يعبدونها فقلّدناهم فيما كانوا يفعلون. قال ابراهيم: هل فكّرتم فيما تفعلون وما تعبدون، انتم وآباؤكم، بأن هذه الأصنام أهلٌ للعبادة؟ انني عدو لهذه الأصنام، فأنا اعبد رب العالمين الذي خلقني وتكفّل برعايتي، وهداني الى الدين الذين يدلّني على أسلوب الحياة الصحيح. انه هو الذي يسّر لي الرزقَ وأنعم عليّ بالطعام والشراب، وهو الذي ينعم علي بالشفاء إذا مرضتُ. . (الم يقل والذي يُمرْضني، بل قال واذا مرضتُ، وهذا من الأدب مع ربه) . . . . وهو الذي يميتني اذا حلّ أجَلي، والذي يحييني مرةً أخرى للحساب والجزاء، وأما أطمع ان يغفر لي ذنوبي يوم القيامة. ثم توجه ابراهيم الى ربه بالدعاء فقال: يا رب، امنحني عِلماً أسير على هداه، ووفّقني لأنتظمَ في عداد الصالحين، واجعل لي ثناءً حينا، وذِكراً جميلاً يبقى أثره بين الناس الى يوم القيامة. واجعلني يا ربّ من عبادِك الذين يدخلون جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الكافرين، ولا تُذلّني يوم القيامة، يوم لا ينفعُ أحداً مالُه ولا أولاده لا من جاء الله بقلبٍ سليم من كل كفر ورياءٍ ونفاق.

стр. 1025

أُزلفت:: قربت. وبُرّزت: بضم الباء وتشديد الراء المكسورة: جُعلت ظاهرة. الغاوين: الضالين عن طريق الحق. كبكبوا: ألقوا على وجوههم مرة بعد اخرى. نسوّيكم: نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة. ولا صديق حميم: ولا صديق خالص الود. فلو ان لنا كرّة: لو ان لنا رجعة ثانية الى الدنيا. وقُرّبت الجنةُ وهيئت للسعداء الذين أطاعوا الله وآمنوا برسُله واتبعوا دينه، كما أُظهِرت جهنّم للضالين الجاحدين، وقيل لهم: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل يستطيعون إنقاذكم اينتصرون لأنفسهم؟ انكم وإياهم جميعاً في النار. ثم أُلقوا في الجحيم على وجوههم. فلما احتشدوا جميعاً في جهنّم أخذوا يتخاصمون مع أربابهم، فقالوا لهم: واللهِ إنّا كنا في الدنيا ضالّين باتّباعكم حين أطعناكم وسوّيناكم برب العالمين. وما أضلَّنا الا المجرمون من أعوانكم. . . . ونحن ليس لنا اليومَ منيشفع فينا ويُخرجنا منهذه النار، ولاصديقَ يحمينا منها! يا ليتنا نعودُ الى الدنيا فنؤمن بالله ونكفر بكم. ان فيما ذكِر من نبأ ابراهيم لعظةً وعبرة لمن أراد ان يتعظ ويعتبر، وما كان اكثرُ قومِك يا محمد من المؤمنينَ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾

стр. 1026

نذير: مخبر مع تخويف من العاقبة، ضد البشير. من المرجومين: بالحجارة، رجمه يرجمه رجما: قتله بالحجارة. فافتح بيني وبينهم: فاحكم بيني وبينهم. الفلك: السفينة، للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث. المشحون: المملوء، شحن السفينة: ملأها. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ جاء التعبير بأنهم كذّبوا جميعَ المرسَلين لأنهم كذبوا نوحا. اذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تحذَرون بطش الله بكم؟ اني لكم يا قومي رسولٌ امين، فاتقوا الله واطيعوني وتبعوا ديني. أنا لستُ أطلب منكم أجرا، وما أجري الا على رب العالمين. قالوا: انؤمن لك يا نوح ولم يؤمن الا البسطاء وأراذل القوم!؟ قال نوح: إن لي ظاهرَ احوالهم، ولا أعلم ما في باطنهم. إني أقبَلُ كل من يؤمن بديني، وحسابهم على الله، وما انا بطاردهم ما داموا مؤمنين، فلستُ الا نذيراً أُبلّغ عن ربي. فهدده قومه وقالوا له: لئن لم ترجعْ عن دعواك هذه لنرجمنَّك كالمجرمين. قال نوح: يا ربّ غن قومي كذّبوني ولم يبقَ لي أملٌ في اصلاحهم، فاحكم بيني وبينهم ونجّني ومن معي من المؤمنين. فأجاه الله ومن معه في سفينته المشحونة بالخلْق والدوابّ، وأغرق قومه الآخرين الذين لم يؤمن منهم الا القليل. ان فيما ذكره القرآن من نبأ نوح لحجةً على صدقِ الرسُل وقدرة الله، وما كان أكثر الين تتلو عليهم يا محمدُ هذا القَصص مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ . قراءات: قرأ يعقوب: واتباعك الارذلون. وقرأ الباقون: واتبعك الارذلون.

стр. 1027

عاد: قبيلة. رِيع: بكسر الراء وفتحها: المكان المرتفع. آية: قصرا عاليا. تعبثون: تفعلون ما لا فائدة فيه. مصانع: قصورا وحسونا منيعة. لعلكم تخلدون: كأنكم خالدون في هذه الدنيا. بطشتم: اختذهم بالعنف. جبارين: متسلطين بلا رأفة ولا شفقة. أمدّكم: سخر لكم. الوعظ: الكلام اللين بذكر الوعد والوعيد. خلق الأولين: عاداتهم التي كانوا تقدمت قصة عادٍ في سورة الأعراف مفصَّلة، وفي سورة هود، وفي سورة المؤمنون بدون ذكر اسم هود وعاد. وتُعرَض هنا مختصرةً، وتبدأ كما بدأت قصة نوح وقومه. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾ . اذ قال هود لقومه: أل تخافون الله وتحسبون حساباً لبطشِهِ؟ إني لكم رسولٌ أمين. وأكرر لكم القول أنِ اتقوا الله وأطيعوني فيما أبلّغكم من عند الله، وما أريد منكم أجرا، انّ أجريَ على الله رب العالمين. أتشيدون بكل مكانٍ مرتفع من الأرض بناءً شامخا تتفاخرون به وتعبثون فيه بالفسق والفجور! وتتخذون القصورَ المشيدة والحصونَ المنيعة كأنكم خالدون في هذه الدنيا! وإذا اخذتُم قوماً في حربٍ اخذتموهم بعنف الجبابرة دون شفقة او رحمة! اتقوا الله الذي أمدّكم بالأنعام والاولاد وجناتٍ تحيط بها العيون، فأنا اخاف عليكم عذاب يوم القيامة. قالوا: إننا لدعوتك مكذّبون، سواء علينا أوعظتَنا ام لم تعِظنا. نحن لن نطيع امرك، لأننا نتّبع أخلاق آبائنا وما كانوا يعملون، وما نحن بمعذَّبين عليهم كما تنذرنا به. فكذّبوه، فأهلكناهم. ان في ذلك لآيةً يتناقلها الناس، وما أكثر الذين تتلو عليهم يا محمد نبأ عاد بمؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ . قراءات قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: ان هذا الا خُلْق الأولين بضمّ الخاء وسكون اللام وقرأ الباقون: خَلَق بفتح الخاء واللام.

стр. 1028

ضيم: الطلع: اول ما يطلع من الثمر في اول تكوينه. هضيم: ناضج لين. تنحتون: تحفرون البيوت في الصخر، وهو موجود الى الآأن في مداين صالح. فارهين: نشطين فرحين. من المسحَّرين: الذين سُحروا حتى ذهبت عقولهم. شِرب: نصيب. عقروها: ذبحوها. وقبل ان يذبحوا الناقة كانوا يقطعون قوائمها، وهذا هو العقر. تقدمت قصة صالح مع قومه في سورة الأعراف وفي سورة هود. وكانوا يسكنون بالحِجر وهي المحلّة التي تسمى الآن «مداين صالح» في شمال الحجاز. وكذّب قوم ثمود نبيّهم صالحا، اذ قال صالح لقومه يا قومي: الا تخشَون ربك؟ إني رسول منه اليكم، فاحذَروا الله وأطيعوني، ولا أيد منكم اجرا، فأجري على الله رب العالمين. اتظنّون انكم تُتْركون في دياركم آمنين، وانتم على ما أنتم عليه من الكفر والظلم؟ وترتعون في جناتٍ وعيون وزرع ونخلٍ ثمرُها يانعٌ لطيف، وتنحتون من الجبال بيوتا مترفين نشطين؟ خافوا الله وأطيعوني أنا، ولا تطيعوا الّذين اسرفوا على أنفسِهم بالشِرك واتباع الهوى، فهم يفسدون في الارض ولا يصلحون. قالوا: ما انتض إلا من المسحورين، وما انت الا رجل مثلنا فأتِ بمعجزة ان كنت من الصادقين. قال: ان معجزتي هذه الناقة، لها نصيبٌ من الماء في يومٍ لها ولكم نصيب مثلُه في يوم آخر. اتركوها ولا تمسّوها بسوء فيعذّبكم الله عذابا شديدا. فعقروها ثم ندموا على ما فعلوا خوفاً من العذاب. فأخذهم العذابُ، وجاءتهم صيحة عظيمة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. إن في ذكر قصتهم لدلالةً على قدرة الله على اهلاك الكافرين، وما كان اكثر قومك ايها الرسول بمؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ . قراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: فَرِهين بدون الف، وقرأ الباقون: فارهين: بالف بعد الفاء.

стр. 1029

أخوهم: في البلد والسكنى، وكان لوط غريباً من ارض العراق وهو ابن أخ ابراهيم. الذكران: جمع ذكر. عادون: متعدّون. المخرَجين: الذين نطردهم. القالين: المبغِضين. الغابرين: الباقيون. تقدمت قصة لوط في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الحجر. أرسل الله لوطاً إلى قومٍ يسكنون في منطقة البحر الميت، أخفضِ بقعة في العالم، وهي واقعة في وادي الاردن. وكانت مدينة سَدُوم وما حولها من القرى عامرة بالخيرات. فدعاهم لوط الى عبادة الله، وَتركِ أقبح عادةٍ كانوا يعملونها وقال لهم! ألا تتقون الله وتخافون عذابه: ان الله قد أرسلني إليكم وانا أمين على رسالته، فاتقوا الله واطيعوني، لا اريد منكم أجرا انما أجري من عند الله. انكم يا قومُ دون الناس جميعاً تفعلون الفاحشة بالذكور وتتركون ما خلق الله لكم من النساء! فأجابوه: يا لوط، إما ان تتركنا مع شهواتنا وتترك دينَك او نخرجك من بلادنا. فقال لهم: إني لعملكم هذا من المبغضين. فلما يئس منهم توجّه الى ربه وقال: يا رب، نجّني وأهلي مما يعملون. فنجاه الله مع أهله، إلا زوجته العجوز التي كفرت بدينه. ودمر الله الآخرين كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ .

стр. 1030

الأيكة: الشجر الكثيف، وهي غَيضة قرب مَدْيَنَ في شمال الحجاز. المخسرِين: هم الذين يأخذون من الناس اكثر ما لهم. القسطاس: الميزان. لا تعثوا: لا تفسدوا. لا تبخسوا الناس أشياءهم: لا تنقصوا حقوق الناس. الجبلّة: الطبيعة والخلقة، يقال جُبل فلان على كذا: خُلق. كسفا: قطعا، جمع كسفة. الظلّة: السحابة التي جاءت بالعذاب. تقدمت قصة شعيب في سورة الأعراف، وفي سورة هود. وكان اصحاب الأيكة يسكنون في غايةٍ قرب «مدين» أرسل الله اليهم شُعيباً فكذّبوه. ونصحهم وقال لهم: أوفوا الكيلَ وزِنوا للناس دون زيادة او نقصان، ولا تنقصوا حقوق الناس، ولا تفسدوا في الارض بقتل الناس وقطع الطرقات، اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم. فقالوا له: أنت رجل مسحور مختلّ العقل، ولستَ الا بشراً مثلنا، ونحن نعتقد أنك كاذب، لم يرسلك الله إلينا. اسقطْ علينا قطعاً من السماء ان كنت من الصادقين! فقال لهم: ان رب عليم بما تَعملون من سيئات، وبما تستحقونه من العذاب. فكذّبوهن فأهلكهم الله بتسليط الحر الشديد، وأظلّتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأسقطها الله عليهم ناراً فاهلكتهم جميعا، في يوم شديد الهول. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ . انتهى قصص الانبياء. . . . ويلاحَظ انه لم يأت القصص حسب التواريخ والاقدمية، وقد جاء اكثرها مختصرا حسب سياق السورة. والمقصود بذلك كله هو الانذارُ والتذكير، وتسلية الرسول الكريم ﵊. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: اصحاب ليكة بدون الف. والباقون: الأيكة.

стр. 1031

الروح الأمين: جبريل ﵇: جبريل ﵇. على قلبك: عليك وعلى روحك. زُبُر الاولين: كتب الاقدمين. الآية: الدليل والبرهان. الأعجمين: كل من لا يتكلم العربية. سلكناه: ادخلناه. بغتة: فجأة. منظَرون: مؤخرون. ذِكرى: تذكرة وعبرة. ما ينبغي لهم: لا يقدرون عليه، ولا يتيسر لهم. لمعزولون: لممنوعون. بعد ان اختتم سبحانه هذا القصص، وبيّن ما دار بين الأنبياء واقوامهم من الجدل، وذَكَرَ انه قد أهلك المكذّبين، فدالت دولةُ الباطل وانتصر الحق (وفي ذلك كله تسلية لرسوله الكريم) - وعد الله رسولَه بأنه منتصر على قومه مهما آذوه ولقي منهم من الشدائد: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٢] . بعد ذلك بين الله تعالى ان هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحيٌ من عنده أنزله على عبده ورسوله بلسان عربيّ مبين، لينذر به ويبشّر عباده، وان ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الانبياء الذين بشروا به كما جاء على لسان عيسى بن مريم ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . وان العلماء من بني اسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال تعالى: ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الاعراف: ١٥٧] . وان قومك ايها الرسول سمعوا القرآن وعرفوا فصاحته، وأدركوا انه معجز لا يعارَضُ بكلام مثله، ومعهذا لم يؤمنوا به فلو أنّا انزلناه على بعض الاعجمين فقرأه عليهم لكفروا به. ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ بيَّنا لهم القرآن ودخل قلوبهم ولم يؤمنوا به. وهم لا يؤمنون به كفرا وعنادا منهم، حتى يأتيهم عذاب الله بغتة وهم لا يشعرون، فيتمنون عند ذلك ان يؤخَّروا حتى يؤمنوا. ولكن هيهات. . . فات الاوان. فقد جرت سنة الله ان لا يُهلك قوماً الا بعد ان يبعث فيهم مبشّرين ومنذرين. ثم ردّ على مشركي قريش الذين قالوا: ان لمحمدٍ تابعاً من الجنّ يخبره كما يخبر الكهف فقال: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ يذكّرونهم وينذرونهم، وما كان شأننا الظلم فنعذّبَ أُمه قبل ان نبعث اليها رسولا. وما تنزلت الشياطينُ بهذا القرآن، وما يجوز لهم، وما يستطيعون. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر وحمزة والكسائي: نزّلَ به الروحَ الأمينَ بتشديد الزاي المفتوحة ونصب الروح الامين، والباقون: نَزَلَ به الروح الامين: بفتح الزاي دون تشديد، ورفع الروح الامين. وقرأ ابن عامر: اولم تكن لهم آيةٌ، بالتاء ورفع آية، اسم تكن. والباقون: اولم يكن لهم آيةً بالياء ونصب آية، خبر يكن.

стр. 1032

فلا تدعُ مع الله الها آخر: لا تعبد غير الله. واخفضْ جناحك: ترفّق بمن اتبعك من المؤمنين، وكن ليِّناً معهم. وتقلُّبك في الساجدين: يراك مع المصلين حين تصلّي. أخلِص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، كما يدعوك قومك، فإن فعلت ذلك كنتَ منن المعذَّبين وانذر أقرب الناس اليك من عشريتك. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ قريشا، وأتى» الصَّفا «فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس اليه، فقال: يا بني عبدِ المطّلب، يا بني فِهر، يا بني لؤي، ارأيتم لو أخبرتكم ان خيلاً بسفح هذا الجبل تريد ان تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدز فقال ابو لهب: تباً لك سائر اليوم، اما دعوتنا الا لهذا» ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ . ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ ألنْ جانبك، وترفّق مع المؤمنين. ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فإن عصاك من انذرتَهم من العشيرة وغيرهم فلا ضير عليك، وقد أديت ما أُمرت به، وقل لهم اني بريء منكم ومن شِرككم بالله. وتوكل على الله وفوِّض جميع امورك اليه، وهو الذي يراك حين تقوم للعبادة، ويراك وانت تصلّي بين المصلين، انه هو السميع لدعائك وذكرك، العليم بنيتّك وعملك انت وجميع العباد واقوالهم وأفعالهم.

стр. 1033

انبئكم: أخبركم. كل أفّاك: كل كذاب، أثيم: مجرم كثير الذنوب. يُلقون السمع: يصغون اشد الاصغاء الى الشياطين، فيتلقون منهم. الغاوون: الضالون. في كل واد يهيمون: في كل مكان يسيرون وراء خيالاتهم. أيّ منقلَب: اي مرجع ومآب. لقد اتهمت قريش النبيَّ ﷺ ان الشياطين هي التي توحي اليه القرآن، فردّ عليهم ان الشياطين لا تُنَزل على الانبياء، بل على الكذّابين الآثمين المنحرفين الذين تلقي اليهم الإفكَ والكذب، وهم كاذبون يختلقون من عندهم ما يقولونه لأتباعهم. وأنّ الشعراء يتّبعهم الضالون الحائدون عن الطريق القويم، ألم تَرَ أنهم يجرون وراء خيالهم في ضروب من القول، ويقولون ما لا يفعلون! ولما وصف الشعراء بهذه الاوصاف الذميمة استثنى منهم المؤمنين المتصفين بالصفات الحميدة من الايمان، والعمل الصالح، والقول الصادق، وعدمِ هجاءِ الناس واختلاق الاقوال السيئة مثلَ حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم رضوان الله عليهم. والى هذا اشار بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ . روى ابن جرير: «انه لما نزلت هذه الآية جاء حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب ابن مالك الى رسول الله ﷺ وهم محزونون وقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ وقال: انتم. ثم تلا ﴿وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً﴾ وقال: انتم. ثم ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ وقال: انتم. . . . يعني بردّهم على المشركين، ثم قال لهم رسول الله:» انتصِروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والامهات « ثم ختم الله السورة بالتهديد العظيم، والوعيد الشديد للكافرين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ سيعلم الظالمون أي مصيرٍ ينتظرهم من الهلاك والشرّ والعذاب.

стр. 1034

يعمهون: يتحيرون، ويترددون في الضلال. الأخسَرون: أشد الناس خسرانا. طاسين: هكذا يقرأ هذان الحرفان، وتقدم الكلام في المراد من فواتح السور، وان الأصح انها جاءت تنبيهاً الى سر الاعجاز في القرآن مع الاشارة الى انه من جنس ما يتكلمون ولتنبيه الاذهان للاستماع اليه. ﴿تِلْكَ آيَاتُ القرآن وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ هذه الآيات التي انزلتها اليك ايها الرسول هي آيات القرآن، وهو كتاب واضح بيّن لما تَدبره وفكر فيه انه من عند الله. ﴿هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا الكتاب هو الدليل الذي يهدي الناسَ الى سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو يشير المؤمنين بأن اله سيُدخلهم جناتٍ لهم فيها نعيم مقيم. ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هذا وصفٌ للمؤمنين بأنهم آمنوا بالله، وعملوا الأعمالِ الصالحة، فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وآمنوا ايمانا صادقا بيوم القيامة والبعث والجزاء، فالايمان وحده لا يكفي. ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ . اما الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء فقد زينّا لهم أعمالَهم السيئة، ومددْنا في غَيِّهم فهم يترددون في ضلالهم، فلهم في الدنيا سوءُ العذاب بقتلِهم وأسْرِهم، وهم في الآخرة أعظمُ خسراناً مما هم فيه في الدنيا، لنه عذابٌ مستمر لا ينقطع.

стр. 1035

لتلقَّى: لتعطى، لتلقَّن. آنست: أبصرت. بشهاب: بشعلة نار. قبس: قطعة من نار. تصطلون: تستدفئون. جان: حية سريعة الحركة. ولّى مدبرا: هرب راجعا. ولم يعقّب: لم يرجع، ولم يلتفت. من غير سوء: يعني ان يده صارت بيضاء من غير مرض كالبرص ونحوه. آيات: معجزات دالة على صدقك. مبصِرة: واضحة، بينة. حجَدوا بها: كذّبوا بها. استيقنتْها انفسُهم: علمتُ علما يقينا انها من عند الله. علوّا: ترفعا واستكبارا. ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ وانك أيها الرسولُ لتتلقى القرآن وتتعلّمه من عند الله، الحكيم بتدبيرِ خلقه، العليم بأخبارهمن وما فيه خير لهم. وما هو من عندك كما يزعم الجاحدون. واذكر ايها الرسول لقومك خبراً عن موسى وهو عائد من «مَدْيَن» الى مصر ومعه زوجته، وكانا يسيران ليلاً فاشتبه عليهما الطريقُ، والبرد شديد. فرأى موسى ناراً فقال لأهله: سآتيكم منها بخبرٍ عن الطريق، أو آتيكم بشعلةٍ لعلّكم تستدفئون بها من البرد. فلما وصل المكان الذي رأى فيه النارَ ناداه الله: إن الله باركَ من في مكان النار ومن حولَها. (واللهُ منزّهٌ عن مشابهة المخلوقين) يا موسى: إني انا الله المستحقّ للعبادة وحده، العزيزُ الذي لا يُقهر، الحكيم في أقواله وأفعاله. . . . أَلقِ عصاك. فلما ألقاها رآها تهتز وتنقلب الى حيّة عظيمة. فهرب موسى منها ولم يلتفت وراءة من شدة الخوف. فطمأنه الله بقوله: لا تخفْ، ان المرسَلين لا يخافون وأنا معهم. لكنّ من ظلم وعمل شيئا غير مأذون فه، ثم بدّل حُسناً وتابَ بعد هفوة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وأخلْ يَدك في جيبك تخرجْ بيضاء من غير بَرَصٍ او مرض. وكان موسى أسمر البشرة. اذهبْ إلى فرعونَ وقومه في تسع آيات انهم كانوا قوماً خارجين عن امر الله. والآياتُ التسع هي: فلْق البحر، والطوفان، والجراد، والقملَّ، والضفادع، والدم، والجدْب، والعصا، وإخراج اليد بيضاء من غير سوء. فلما جاءت هذه الآيات واضحةً ظاهرة الى فرعون وقومه قالوا: هذا سِحر، وكذّبوا بها ظلمات واستكبارا، فانظر ايها النبي كيف كانت عاقبة المفسدين. هذا عرضٌ سريع لقصة سيدنا موسى التي تكررت في الأعراف وطه والإسراء والشعراء يعرضها ليسلّي رسوله ﷺ . قراءات: قرأ اهل الكوفة: بشهابٍ قبسٍ، بالتنوين. والباقون: بشهابِ قبسٍ.

стр. 1036

منطِق الطير: لغته. حشر: جمع. يوزعون: يمنعون من الفوضى ويسيرون بانتظام. لا يحطمنّكم: لا يهلكنكم. أوزِعني: يسِّر لي شكر نعمتك. ذُكرت قصةُ داود في تسع سورة هي: سورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام والإسراء والأنبياء وسورة النمل، وسبأ، وص، وورد ذكر سليمان في سبع سور هي: البقرة والنساء والأنعام والأنبياء والنمل وسبأ، وص. وجاء ذكر داود هنا فقط، وبُسطت قصةُ سليمان بتوسع في هذه السورة اكثر مناه في اية سورة اخرى، وركزت على قصة سليمان مع الهدهدِ وملكةِ سبأ، ثم مشهد موكبه العظيم، وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب، وبذلك سُميت السورة «سورة النمل» وذلك من الآية ١٥ الى الآية ٤٤. ولقد اعطينا داود وسليمان عِلما، فَحَمِدا الله على ما أولاهما، وفضّلهما بذلك على كثير من المؤمنين. ويتبين لنا من الآية الكريمة فضلُ العلم وشرفه وشرف أهله، وأن الإسلام قام على العلم كما ورد في اول ما نزل منه: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ. . . .﴾ وفي آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ سورة المجادلة. وقد آل الحكمُ والنبوة من داودَ إلى سليمان ابنه، الذي أخبرَ الناسَ تحدُّثاً بنعم الله عليه بأنه أثوتي فَهْمَ لغة الطير، وانه مُنح من جميع النعم قسطاً وافرا، وان هذا الذي آتاه الله لهو الفضل الكبير. وقد دلّت الابحاث الحديثة على ان لكل جماعةٍ من الطير طريقة خاصة تتفاهم بها الأفراد. وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يتلاحقون، حتى اذا مروا بوادٍ فيه نمل كثير قالت نملة لجماعتها: يا معشر النمل، ادخلوا مساكنكم لا يهلكنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم. فسمعها سليمان فتبسم ضاحكا متعجباً من قولها، وسأل الله تعالى ان يلهمه شكره على ما انعم عليه وعلى والديه من عِلم وملك، وان يوفقه للعمل الصالح الذي يرضاه، وان يدخله في رحمته وكرمه وفضله ويجعله من جملة عباده الصالحين. وقد كتب كثير من الكتاب والباحثين عن معيشة النمل ونظامها، وما لها من عجائبض في معيشتها وتدبير شئونها، ومثابرتها على العمل. وانها تتخذ القرى في باطن الارض، وتخزن قوتها لأيام الشتاء.

стр. 1037

تفقّد الشيء: سأل عنه وطلب معرفة احواله. بسلطان مبين: بحجة واضحة. أحطتُ بما لم تحط به: علمتُ أشياء لا تعرفها. سبَأ: ابو قبيلة من اليمن، ومملكة ظهرت في شرق المنطقة المعروفة الآن باسم صِرواح ومأرِب فسميت البلاد باسمها، واليها تنسب اللغة السبئية والديانة السبئية. بنبأ: بخبر عظيم. العرش: سرير الملك. فصدّهم عن السبيل: منعهم عن طريق الحق والصواب. يُخرج الخبء: يخرج المخبوء من كل شيء. وتفقد سليمان جماعةَ الطير التي تجتمع عنده فلم يجد الهدهد، فقال: أين الهدهد، فقال: أين الهدهد، اين غاب عني؟ ثم توعده بالعذاب اذا لم يجدْ سبباً يبرر به غيبته، او يأتِهِ بحجّة واضحة تظهر له عذره. وجاء الهدهد بعد غياب قليل وقال لسليمان: علمتُ ما لم تعلم، وجئتك من دولة سبأ بخبرٍ ذي شأن عظيم. إني وجدتُ في سبأ امرأةً تحكمهم، أوتيتْ من كل شيء يحتاج اليه الملوك في تَرَفِهم، ولها عرش عظيم. وهي وقومها يعبدون الشمس ولا يعبدون الله، لقد زيَّن الشيطانُ لهم عبادتعهم وأبعدهم عن دين الله فهم لا يهتدون، وأمَرَهم ان لا يسجدوا لله الذي يُخرج كل شيء مخبوء في السماوات والأرض، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾ . وهنا موضع سجدة. قراءات: قرأ ابن كثير: «اوليأتينَّني» بنونين، والباقون: «او ليأتينّي» بنون واحدة. قرأ عاصم: «ومكَث» بفتح الكاف. والباقون: «ومكُث» بضم الكاف وهما لغتان. وقرأ ابن كثير: وابو عمرو «من سبأَ» بتفح الهمزة على انه ممنوع من الصرف، والباقون: «من سبأ» بالتنوين والجر.

стр. 1038

تولّ عنهم: تنحّ، ابعد عنهم. ماذا يرجعون: ماذا يدور بينهم. الملأ: اشراف القوم. ألاّ تعلو عليَّ: الا تتكبروا. مسْلِمين: منقادين. افتوني: أشيروا علي. ما كنت قاطعةً أمراً: ما كنت لأعملَ أي شيء. حتى تشهَدون: حتى تحضرون. أراد سليمان ان يختبر الهدهد: أصادق هو ام كاذب.؟ فأعطاه كتاباً ليوصله الى ملكة سبأ، واسمُها بلقيس. ذهب الهدهد بالكتاب وألقاه على سريرها، فاخذته فإذا به: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ . لم ترِد الملكة ان تستبدّ بالجواب، شأن بعض الملوكن فجمعتْ رجال دولتها وأشراف القوم وأطلعتْهم على الكتاب. فأخذتهم العِزّةُ وثارت فيهم الحماسة وقالوا: ﴿قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمر إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ . وكانت الملكة عاقلةً فنظرت في الأمر بعين الفطنة، ولم تغترّ بما أبداه رجالها من الحماسة وقالت لهم: ان دخول املوك المدنَ والقرى فاتحين ليس من الأمور الهّينة، وليس أثره بالسّهل على أهلها. (وكان من عادات الفاتحين قبل الاسلام ان يستعبِدوا المغلوبين، ويذبحوا رجالهم ويستحييوا نساءهم ويفسدوا الحرث والنسل) . وعرضتْ عليهم رأياً آخر وجدته أقربَ الى حلّ هذه الأزمة التي أتتها من حيثُ لم تحتسِب، ذلك ان تُرسلَ إلى سليمان بهدية تصانعه بها، وتطلب مودّته، ثم تنظر ماذا يرجع به رسُلُها الى سليمان.

стр. 1039

لا قِبل لهم بها: لا طاقة لهم بمقاومتها. صاغرون: مهانون محتقرون. العرش: سرير الملك. العِفريت من البشر: الخبيث الماكر، ومن الشياطين: المارد. قال الذي عنده علمٌ من الكتاب: رجل أعطاه الله علماً خاصا، وقوة روحية. قبل ان يرتد اليك طرفُك: قبل ان تطرف عينك، والمراد هو السرعة الفائقة. ليبلوَني ربي: ليختبرني ربي. فلما جاء رسلُها الى سليمان بالهدية لم يَقبلْها وقال إنه ليس في حاجةٍ إلى اموالهم لما عنده من الثروة والملك، كما توعّدهم بأنه سيرسل الى بلادهم جنوداً لا طاقة لهم بهم، وان اقبة ذلك إخراجُهم من بلادهم أذِلَّةً صاغرين. فلما جاء الخبر من الرسُل الى الملكة وعلمت عظَمةَ سليمان وقوة ملكه - أشفقت على قومها. فأجمعت أمرها على الذهاب إليه في بعض أشراف قومها وتوجهت الى القدس بهدية عظيمة. ولمّا علم سليمان باعتزام ملكه سبأ زيارته، شيّد لها صَرحاً عظيما، ومرَّدَ أرضَه بالزجاج: وهذا شيء لا عهد لأهل اليمن بمثله. ولما قربت من ديار سليمان أراد ان يفاجئها بشيء يَبْهَرُها، كأن ترى بعينها ما لم تر من قبلُ في الاحلام، وهو أن يأتيها بعرشِها الجميل ليكون جلوسُها عليه في ذلك الصرح. فسأل جنوده عن قويّ يأتيه بذلك العرش: فانتدب له عفريت من الجن وقال: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ إني لقادر على ذلك وأمين على كل ما في العرش من جواهر وحلي. وقال رجل ﴿عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وكان الأمر كما قال. فجاء به ووُضع في الصرح الذي هُيِّىء لاستقبالها. فلما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه قال: الحمد لله. . . . هذا من فضلِ ربي ليختبرني أأشكر ام اكفر. . ومن شكَر الله ففائدة الشكر تعود اليه، ومن جَحد ولم يشكر فان الله غنيّ عن العباد وعبادتهم، كريم بالإنعام عليهم وان لم يعبدوه. اما الطريقة التي جيء بها بالعرض فشيءٌ لم يأت تفصيل له بخبر صحيح، وهو معجزة خارقة للعادة، كبقية المعجزات نسلّم بها تسليما. وأهل القصص وبعض المفسرين يذكرون ان سليمان تزوّج منها وجاءه منها ولد، ويزعم ملوك الحبشة أنهم أبناء سليمان من الولد الذي ولدته من سليمان، لكن هذا زعمٌ منهم. قراءات: قرأ حمزة ويعقوب: اتمدونّي بنون واحدة مشددة. الباقون: اتمدونني بنونين.

стр. 1040

نكّروا لها عرشها: غيِّروا فيه. صدّها: منعها. الصرح: كل بناء مرتفع. حسبته لجّة: ظننته ماء. ممرَّد: ذو سطح املس. من قوارير: من زجاج وتحته الماء. وقال سليمان لجنده: نكِّروا لها عرشها ببعض التغيير في مظاهره. وسنرى هل تعرفه ام لا. فلما جاءت ورأت العرش قِيل لها: أهكذا عرشك؟ فقالت: كأنه هو. وقال سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ منقادين لله ولحكمه. وهذا قول اكثر المفسرين، وبعضهم يجعل عبارة: ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ من قول بلقيس ويكون معنى الكلام: وأوتينا العِلم بكمال قدرة الله وصِدق نبوتك من قبلِ هذه المعجزة بما شاهدناه وبما سمعناه، وكنا منقادين لك من ذلك الحين. ثم ذكر سبحانه ما منعها من إظهار ما ادّعت من الاسلام الى ذلك الحين فقال: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ولقد صرفها عن عبادة الله ما كانت تعبده من آلهة غير الله تعالى، فانها كانت تعبد الشمس، وكانت من قوم كافرين. ﴿قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾ ولما أرادت دخول الصرح والوصولَ الى العرش رأت ماءً يتموّج، فيه انواع من حيوان البحر ودوابه. فكشفت عن ساقيها لئلا تبتلّ أذيالها بالماء، كما هي عادة من يخوض الماء. فقال لها سليمان: إن ما تظنّينه ماءً ليس بالماء، بل هو صرح أملسُ مكوَّن من زجاج: فراعها ذلك المنظر، وعلمت ان مُلكها لا يساوي شيئا بجوار ملكِ سليمان، فقالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .

стр. 1041

فريقان: طائفتان. طائفة مؤمنة، واخرى كافرة. يختصمون: يتنازعون. السيئة: العقوبة. الحسنة: الرحمة. اطّيرنا: تشاءمنا. طائركم: ما يصيبكم من الخير والشر. تفتنون: تختبرون. المدينة: الحِجر، مداين صالح. الرهط: النفر من الثلاثة الى التسعة. تقاسموا: حلفوا. لنبيتنّه: نهجم عليه بغتة ليلا. وليّه: أقرب الناس اليه. مهلك اهله. أهلاك أهله. دمرناهم: أهلكناهم. خاوية: خالية. ولقد بعثنا الى قوم ثمود أخاهم صالحاً، فقال لهم اعبدوا الله، فإذا هم طائفتان يختصمون: جماعةُ تؤمن بالله، واخرى كافرة، هي الأكثرُ والأقوى. فقال صالح لقومه: لِمَ يستعجلون طلبَ العذاب قبل الرحمة؟ هلاّ تستغفرون ربكم لعله يرحمكم! قالوا: إننا تشاءمنا بك وبمن اتبعك. (وأصلُ التطيرُّ: ان العرب كانوا اذا خرجوا مسافرين فمرّوا بطائر وزجروه فان طار الى جهة اليمين تيمّنوا به، وان مرّ الى جهة اليسار تشاءوموا به) . قال لهم صالح: ان سببَ تشاؤمكم هو كفركم بالله، فقد اراد الله ان يختبركم ليعرف من منكم سيؤمن، ومن يكفر. وكان في مدينة صالح تسعةُ رجال من المفسِدين، طواغيتُ لا يسلم من شرهم احد، تحالفوا على مباغتته ليلاً وقتله هو واهله، وان يقولوا لوليّ دمه: لا علم لنا بمن قتلهم. ومكَر هؤلاء مكرهم، ودبّر الله ردّ كيدهم في نحرهم وهم لا يشعرون، فكان عاقبة مكرهم ان دمّرهم الله أجمعين. وتلك بيوتُهم خالية. والمشركون من مكة يمرّون بهذه البيوت المدمرة الخاوية ولكنهم لا يعتبرون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: لتبيّتنّه واهله ثم لتقولن، بالتاء، وقرأ مجاهد: «ليبيتنه» بالياء، والباقون: لنبيتنه. . . . بالنون. وقرأ عاصم: مهلك اهله، بكسر اللام، وقرأ ابو بكر: مهلك بفتح الميم واللام. والباقون: مهلك بضم الميم وفتح اللام.

стр. 1042

ذُكرت قصة لوط في عدد من السور: في سورة الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل هنا، والتحريم، وذلك باختلافٍ يسير وبعضها يكمل بعضا. وخلاصة ما جاء هنا ان لوطا قال لقومه: ويلكم، أتأتون الفاحشة بالذكور وبعضكم ينظر الى بعض، وتأتون الذكور وتتركون النساء!! إنكم قوم جاهلون بنتائج ما سيحدُث لكم من هلاكٍ ودمار وعذاب في الآخرة. فما كان جواب قومه الا ان قال بعضهم لبعض: اطردوا لوطاً ومن آمن معه من بلادكم، إنهم اناس يتطهرون. فأنجاه الله وأهلَه والمؤمنين به الا امرأته التي كانت من الكافرين، ثم دمر بلادَهم، وامطر على أولئك المفسدين مطر عذابٍ ونقمة.

стр. 1043

عباده الذين اصطفى: الأنبياء ﵈: حدائق: بساتين. ذات بهجة: ذات منظر حسن يبتهج به من يراه: يَعدلِون: يميلون عن الحق وينحرفون حيث يجعلون لله عديلا. قرارا: مستقرا. خلالها: بينها. الرواسي: الجبال. حاجزا: فاصلا بينهما. الرياح بُشرا: مبشرة بالرحمة، أي المطر. قل يا محمد: الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اختارهم لرسالته، وجَمْعِ المتقين المصلحين واسأل معارِضيك: أي الآلهة أفضل، الله ام الاصنامُ التي يعبدونها وهي لا تضر ولا تنفع؟ . اسألهم أيها الرسول: من خَلَق السمواتِ والأرض على ما يهما من ابداع وحكمة، وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبت به بساتينَ جميلة تسرّ الناظرين، ما كنتم تستطيعون ان تنبتوا شجرها؟ ولكن الكفار يعدلِون عن الحق والإيمان، ويميلون الى الباطل والشرك. اسألهم ايها الرسول: من الذي جعلَ الأرضَ للاستقرار عليها، وخلق وسطها انهارا، وخلق عليها جبالا تمنعها من الميل، وجعل بين الماء العذبِ والماء المالح فيها فاصلاً يمنع امتزاج احدهما بالآخرة، هل هناك إله مع الله؟ بل اكثرهم لا يعلمون. واسألهم ايها الرسول: من يجيب المضطرَّ اذا دعاه ويكشف عنه السوء، ويجعلكم خلفاء في الأرض تتصرفون فيها، هل هناك اله مع الله؟ ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ . اسألهم أيها الرسول: من يهديكم في ظلُمات البرّ والبحر وأنتم لا تدرون اين تذهبون، ومن يرسل الرياح مبشِّرة بمطر هو رحمة من الله؟ أهناك إله مع الله تعالى يصنع ذلك ﴿وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . واسألهم ايها الرسول: من ينشىء الخلق ابتداءً ثم يوجده بعد فنائه كما كان، ومن يرزقكم من السماء والارض، هل هناك إله مع الله يفعل ذلك؟ قل ايها الرسول: ﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . قراءات: قرأ الجمهور: قليلاً ما تذكرون بالتاء. وقرأ ابن عمرو وهشام وروح: قليلا ما يذكرون. بالياء.

стр. 1044

أيان يُبعثون: متى يبعثون للحساب والجزاء. ادّراك: تدراك تلاحق. في شكل: في حيرة. عَمُون: عميان. أساطير: خرافات. رَدِف لكم: لحق بكم. تكنّ: تخفي. قل ايها الرسول للناس: لا يعلم جميعُ من في السموات والارض الغيبَ غير الله وحده، ولا يعرفون متى يبعثون من قبورهم يوم القيامة. ثم اكّد الله جهلهم بهذا اليوم فقال: ﴿بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة﴾ بل تلاحقَ عليمُهم في الآخرة من جهل الى شك وحيرة، بل هم في ضلالة وجهلٍ عظيم من أمرها. وقال الذين كفروا: أإذا استحالت اجسادُنا الى تراب نحن وآباؤنا، هل نخرج من قبورنا لحياة اخرى؟ لقد وعدنا الرسلُ هذا ووعدا آباءنا قبلنا، لكنّ هذا خرافات القدماء يتناقلونها. ثم أمر رسوله الكريم ان يرشدهم الى وجه الصواب مع التهديد والتوعيد فقال: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين﴾ تقدم مثل هذه الآية في آل عمران ١٣٧. ثم سلّى رسوله ﵊ على ما يناله من عماهم عن السبيل القويم الذي يدعو اليه فقال: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ . وتقدمت هذه الآية في النحل ١٢٧. ويقول الكافرون: متى يتم الوعد المنذِرُ بحلول العذاب ان كنتم صادقين؟ . ﴿قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قل ايها الرسول: عسى ان يكون قد لحق بكم وقرُب منكم بعض ما تستعجلونه من العذاب. ثم بين الله السبب في ترك تعجيل العذاب فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ان ربك لهو المنعِم المتفضل على الناس جميعاً بتأخير عقوبتهم ليتوبوا، ولكن اكثر الناس لا يشكرونه على ذلك. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ان الله يعلم كل ما يفكر فيه الانسان ويكتمه في صدره، وكلّ ما يعلنه من الأقوال والأفعال. ثم بين ان كل ما يحصل في هذا الوجود محفوظٌ في كتاب واضح دقيقٍ لا يغادر كبيرةً ولا صغيرة الا أحصاها. قراءات: قرأ الجمهور: بل ادّراك بتشديد الدال المفتوحة بعدها الف. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ابو جعفرن: بل أدْرك باسكان الدال وبدون الف بعدها.

стр. 1045

وقع: حدث وحصل. القول: مجيء الساعة. فوجا: جماعة. يُوزَعون: يمنعون ويجمعون ويزجرون. ان هذا الكتاب الذي أُنزل على محمد يبين لبني إسرائيلَ حقيقةَ ما جاء في التوراة من عقائدَ وأحكام وقصص، ويردّهم الى الصواب فيما اختلفوا فيه. وهو مصدرُ هداية للمؤمنين، ورحمة لمن صدَّق به وعمل بما فيه، يرحمهم به الله من الشك والقلق والحَيرة. وبعد ان ذكر فضله وشرفه أتبعه دليلَ عدله فقال: ﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ العزيز العليم﴾ فهو يفصِل بين الناس جميعاً يوم القيامة بعدله، وهو العزيز الذي لا يُرَدُّ قضاؤه، العليم بأفعال العباد واقوالهم. ثم امر رسوله الكريم ان يتوكل عليه وحده في جميع اموره، فانه كافيه كلَّ ما يهمه، وناصرُهُ على اعدائه، لأنه على الحق الواضح: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ . ثم يمضي في تسلية الرسول ﷺ وتأسيته على جموح القوم ولجاجهم في العناد واصرارهم على الكفر فيقول ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ . انك ايها الرسول لا تستطيع هدايتهم، لأنهم كالموتى في عدم الوعي، وكالصم في فقدان السمع فليسوا مستعدّين لسماع دعوتك، فلا أمل في استجابتهم للدعوة، ولا في قبولهم للحق. ثم اكّد ما سلف وقطع اطماعه في ايمانهم فقال: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ ولا تستطيع ان تهديَ الى الحق من عميتْ ابصارُهم وبصائرهم، ولا يمكنك ان تُسمع الا من يقبل الايمان بآياتنا فانهم هم الذين يسمعون منك ويؤمنون برسالتك. وبعد ان ذكر الله ما يدل على كمال علمه وقدرته، وأبان إنكان البعث والحشر والنشر، ثم فصّل القولَ في إعجاز القرآن الكريم، ونبه بذلك الى إثبات نبوة محمد لله - ذَكَرَ بعض أشراط الساعة، وبعض مشاهدها، ومقدِّمات القيامة وما يحدث من الاهوال حين قيامها، فذكر خروج دابةٍ تكلِّم الناسَ وتبين للذين لا يؤمنون بآيات ربهم أنهم على الباطل. وانه حينئذ ينفخ في الصور فيفزع من في السموات والأرض الا من شاء الله فيثبتهم ويطمئنهم، وكل المخلوقات يأتون الى ربهم صاغرين. قراءات: قرأ ابن كثير: ولا يَسمع الصمُّ بفتح الياء ورفع الصم. والباقون: ولا تُسمع الصمَّ، بضم تاءِ تسمع ونصب الصم. وقرأ حمزة وحده: وما انت تهدي العُمْي.

стр. 1046

الم يروا: الم يعلموا. ليسكنوا فيه: ليستريحوا فيه. مبصرا: ليبصروا فيه ويسعوا وراء معاشهم. الصُّور: البوق. داخرين: أذلاء صاغرين. جامدة: ثابتة في اماكنها. الحسنة: كل عمل صالح نافع. السّيئة: كل عمل مخالف للدين والنظام. فكُبَّتْ وجوهُهم: القيت منكوسة. البلدة: مكة. الم يعلموا ويشاهدوا بأنسهم انا جعلنا الليل للراحة والهدوء، والنهار واضحا للسعي وراء معاشهم وتدبير امورهم، ان في ذلك لآيات دالةً على وجود الله ورحمته للمؤمنين. ويوم ينفخ اسرافيل في البوق ويدعى الناس للحساب يَفْزَعُ الناس ويخافون من هول ذلك اليوم الا من يشاء الله من المؤمنين فيطمئنهم ويجعلهم في امان. في ذلك اليوم ترى الجبال فتحسبها ثابتة، مع انها تسير بسرعة هائلة كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] ، ذلك من صنع الله الذي اتقن كل شيء وابدعه، انه سبحانه كامل العلم بما يتصل الناس. ثم بين حال السعداء والاشقياء يومئذ فقال: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الذي يعملون في الدنيا الأعمالَ الصالحة آمنون في ذلك اليوم، ولهم خير مما قدموا، أما الذين كفروا وجحدوا واساؤوا التصرف فانهم يكبّون على وجوههم في النار، ويقال لهم هذا جزاء ما كنتم تعملون. ثم تأتي خاتمة السورة بتوجيهات قدسيّة من الله لرسوله الكريمِ والمؤمنين، وبتنبيه المشركين الى ما هم فيه من الغفلة وسوءِ الحال، فيقول الرسول ﵊: انما أُمِرتُ أن أعبد ربَّ هذه البلدة «مكة» الذي حرّمها الله (حتى ينبه المشركين بأنهم على خطأ في عبادة الاصنام، وتركِ عبادة رب البيت الذي له ملك كل شيء) وأُمرت ان اكون من المسلمين له المخلصين في عبادتي وديني، وان اتلو هذا القرآن على الناس، فمن اهتدى فإنما يهتدي لخير نفسه، ومن ضلّ فلست عليه حسيباً وانما أنا منذِرٌ للناس. وقل يا محمد: الحمد لله على ما افاض عليّ من نعم، وسيريكم ربكم آياته فيكشف لكم في الدنيا عن آثار قدرته، وفي الآخرة عن صدق ما اخبركم به فتعرفونها حق المعرفة، وما هو بغافل عما يعمل المشركون. والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1047

نتلو عليك: ننزل عليك، نقصّ عليك. من نبأ: من خبرعجيب. شِيعا: فرقاً مختلفة. نمنّ: نتفضل. نمكّن لهم: نقويهم ونجعلهم الحاكمين. هامان: وزير فرعون. طاسين ميم، هكذا تقرأ. . وهي حروف صوتيه سبقت لبيان ان القرآن المعجز يتألّف من هذه الحروف التي يتألف منها حديثكم، ولتنبيه السامعين. والمعنى: ان هذه الآياتِ التي نوحيها إليك أيها الرسول آياتُ القرآن الواضح، وفيها نقصّ عليك بعض أخبار موسى وفرعون بالحقّ ليعتبر المؤمنون بما فيه. ان فرعون تعاظَمَ في نفسه، وجاوز الحدّ في ظلمه، واستكبر في مصر، وفرّق أهلها فجعلهم فِرقاً وطوائف، يصطفي بعضهم ويسخّر البعض الآخر. لقد كان يستضعف بني إسرائيل، فيذبح الذكور من أولادهم ويستبقي الاناث، ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ . وأراد الله ان يتفضّل على الذين استضعّفهم فرعونُ في الأرضِ، وان يمكّن لهم سلطانَهم، ويثبتَ لفرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخشونه من ذَهاب مُلكهم على يد مولود من بني اسرائيل. قراءات قرأ حمزة والكسائي: ويرى فرعونَ وهامان: بالياء وفرعون مرفوع وهامان كذلك. وقرأ الباقون: ويُري فرعونَ وهامانَ بضم النون، ونصب فرعون وهامان.

стр. 1048

وأوحينا الى أم موسى: ألهمناها. اليمّ: البحر والمراد هنا نهر النيل. حَزنا: الحزن بفتح الحاء والزاي، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي. . . الغم ولمكروه من الشدة. قرة عين: فرح وسرور لنا. فراغا: خاليا من القعل. وان كادت لتبدي به: كادت تذهب الى آل فرعون وتعرّف نفسها بأنها أمه. ولولا ان ربطنا على قلبها: لولا ان ثبتناها وجعلناها تصبر. قُصّيه: اقتفي أثره وتتبعي خبره. فبصرت به عن جُنب: فأبصرته عن بعد وكأنها لا تريد ان تتبع أثره. وهم لا يشعرون: لا يدرون أنها اخته. حرّمنا عليه المراضع: جعلناه لا يقبل ان يرضع من غير امه. يكفلونه: يضمنون رضاعته وتربيته. ولما وُلد موسى في أثناء تلك المحنة ألهمنا أمه أن تُرضعه وتخفيَه ما استطاعت الى ذلك سبيلا، وقلنا لها: إن خِفتِ عليه فألقيه في النيل، في صندوق، ولا تخافي عليه ولا تحزني، فنحن سنردّه اليك، وسيكون من الانبياء المرسلين. فالتقطه آل فرعون وجاؤوا به الى سيّدتهم، امرأة فرعون، فأحبّته تلك المرأة وقالت لزوجها: لا تذبحْه، بل اتركه ليكون لنا مصدر سرور وفرح. كانوا لا يدرون أنه سيكون لهم عدواً وسببَ حزنٍ كبير، بإبطال دينهم وزوال مُلكهم على يديه. . ان فرعون ووزيره هامان وجنودهما كانوا مجرمين. ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ بما قدّر الله في شأنه. وصابح فؤادُ أم موسى فارغاً من العقلِ خوفاً على ابنها لوقوعه في يد فرعون، حتى إنها كادت تذهبُ الى آل فرعون وتعرِّف نفسَها بانها امه، لولا ان ثبّتها الله بالصبر. وقالت لأخته: اقتفي أثر أخيك، وتتبعي خبره عن بعدٍ وهم لا يشعرون بك. ولم يقبل موسى ان يرضع من أي امرأة، فقال اخته لآل فرعون: هل ادّلكم على امرأة ترضعه وتقوم بأمره وتنصح في خدمته؟ ووافقوا. وهكذا ارجعناه الى امه لتطمئنّ الى وعدِنا ويذهب عنها الحزن، ولتعلم ان وعد الله حق، وانه سيكون من المرسَلين. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: حُزنا بضم الحاء وسكون الزاي. والباقون: وحَزنا: بفتح الحاء والزاي وهما لغتان.

стр. 1049

بلغ أشدّه: استكمل قوته وكفاية نموه. استوى: اعتدل وكمل عقله. حُكما: حكمة. المدينة: مصر. على حين غفلة: في وقت لا يتوقعون دخوله، من شيعته: من بني قومه. من عدوه: من الاقباط. فاستغاثه: طلب العون منه. فوكزه: ضربه بجمع يده. فقى عليه: فقتله. بما أنعمتَ عليّ: اقسم بنعمك علي. ظهيرا: معينا. يترقب: ينتظر ما يناله من اذى. استنصره: طلب نصره. يستصرخه: يطلب الاغاثة بصوت مرتفع. لغويٌّ مبين: ضال كبير. ان يبطش: ان يسطو عليه بعنف. فلما بلغ موسى رشده واكتمل نموه، واستوى جمسا وعقلاً آتيناه حكمة ومعرفة وعلما، وكذلك نكافىء كل محسن. ودخل موسى المدينةَ على حين غفلةٍ في وقت ليس من المعتاد الدخولُ فيه، فوجد رجلّين يقتتلان: أحدهما من بني دينه، والآخر من الاقباط. وحين استغاث به الذي من جماعته، ضرب موسى القبطيَّ بجُمعِ يده فقى عليه من غير قصد، فقال: هذا من عملِ الشيطان، إنه عدوٌّ مضلٌّ ظاهر العداوة. ثم قال موسى متضرعا الى الله نادما على ما فعل: ربّ اني ظلمتُ نفسي بعملي هذا فاغفْر لي. فغفر الله له، إنه غفور رحيم. قال موسى: يا رب، بحقّ إنعامك عليّ بالحكمة والعلم وَفِّقْني للخير والصواب، ولن أكون بعدَ هذا معيناً للمجرمين. وأصبح في مصر خائفاً يترصد وقوع القصاص به. فإذا صاحبُه الذي استنجد به بالأمس يستغيث به ثانية، فقال له موسى: إنك شرير ضالّ. ودفعته الغيرة عليه حتى هم ان يبطِش به فقال له الرجل: يا موسى، اتريد ان تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس؟ أتريد ان تكون طاغية في الأرض من الجبابرة السفاكين لا الخيّرين!!

стр. 1050

أقصى المدينة: من ابعد مكان فيها. يسعى: يسرع. الملأ: أشراف القوم ووجوههم. يأتمرون بك: يتشاورون في امرك. يترقب: يلتفت يمنة ويسرة. توجَّه تلقاء مدين: ذهب الى جهة مدينة مدين، وهي بأرض الحجاز محاذية للبحر الاحمر. سواء السبيل: أوسط الطرق وأسهلها. ولما ورد ماءَ مدين: لما وصل مكان الماء في مدين. تذودان: تمنعان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء. أُمة: جماعة. ما خطبكما: ما شأنكما. حتى يصدر الرِعاء: حتى يسقي الرعيان وينصرفون. الرعاء والرعاة والرعيان بمعنى واحد. تولّى الى الظل: ذهب الى الظل. الاستحياء: شدة الحياء. ليجزيك: ليعطيك أجرَ ما سقيت لنا. وقصّ عليه القصص: أخبره بخبره وقصته. أنكحك: أزوجّك. على ان تأجُرني ثماني حجج: على ان تكون عندي أجيراُ مدة ثمان سنين. فان أتممت عشرا فمن عندك. فان زدت وبقيت عندي مدة عشر سنين فهذا من فضلك. وما اريد ان اشقّ عليك: لا اريد ان ادخل عليك مشقة. ايما الأجَلين قضيت: اي أجل قضيته ثماني سنين او عشراً. فلا عدوان عليّ: لا حرج علي. والله على ما نقول وكيل: شهيد. وجاء رجلٌ من شِعيته من أقصى المدينة مسرعاً، فقال: يا موسى، ان زعماء القوم يتشاورون في أمرك ليقتلوك. اخرج من مصر، إني لك من الناصحين. فخرج منها موسى وهو خائف يترقب أن يلحقه أحدٌ منهم، ضارعا الى الله ان ينجيه من الظالمين. ولما توجه الى «مدين» لعله يجد فيها مأمناً سأل ربه ان يهديه طريقَ الخير والنجاة. وهناك في مَدْيَنَ وجد ماءً، وكان عليه جماعة كبيرة يسقون مواشيهم. ووجد امرأتين في ناحيةٍ تمنعان اغنامهما ان ترد الماء، فسألهما عن شأنهما، ولماذا لا ترِدان الماء؟ قالتا: لا نستطيع ان نسقي حتى ينصرف الرعاة، وأبونا شيخ كبير فتولى موسى سقي غنمهما ثم انصرف الى الظل، وسأل ربه ان يسوق اليه رزقاً من خيره لأنه لا يملك شيئا. وبعد برهة جاءت إحدى الفتاتين تسير في حياء، وقال له: إن أبي يدعوك ليعطيَك أجْرَ ما سقيتَ لنا. فلما ذهب معها الى ابيها وقص عليه قصة خروجه من مصر، قال له الشيخ: لا تخفْ، نجوتَ الآن من القوم الظالمين. قالت احدى الفتاتين، يا أبتِ، استأجرْه ليكون راعياً لغنمنا، إنه خير من تستأجر، فهو قوي وأمين. فعرض عليه أبوهما ان يزوّجه واحدة من ابنتيه على ان يؤجِّره نفسَه مدةَ ثماني سنين، فان أتمها عشراً كان ذلك من فضله. فقبل موسى الشرط، وعاهده على الوفاء به، وقال: أي مدة من المدّتين أقضيها في العمل أكون وفيتك عهدك فلا اطالَب بزيادة عليها، والله شاهد على ما نقول. لم يُذكر اسم الشيخ الكبير هذا في القرآن، ويقال إنه ابن أخِ شُعيب النبي، اذ ان موسى لم يدرك النبي شعيبا على الصحيح. قراءات: قرأ ابو عمرو وابن عامر: حتى يصدرُ ارعاء بفتح الياء وضم الدال. والباقون: حتى يصدر بضم الياء وكسر الدال.

стр. 1051

قضى الأجل: اتم المدةَ المتفق عليها. آنس: أبصر. جذوة: جمرة ملتهبة. تصطلون: تستدفئون. البقعة المباركة: المكان الذي بارك الله فيه. جانّ: حية سريعة الحركة. ولم يعقّب: لم يرجع. اسلك يدَك: أدخِلها. الرهب: المخافة، الخوف. فلما أتم موسى المدة التي اتفق عليها مع عمه حنّ الى وطنه، فاستأذن بالرحيل وسار بزوجته وما معه من الغنم التي حصل عليها من صهره عائدا الى مصر. وكان الجو باردا، وقد أظلم الليل، فضلّ موسى الطريق. وبينما هو كذلك رأى ناراً من ناحية جبل الطور، فقال لزوجته: امكثي، اني رأيت ناراً، لعلّي آتيك منها بخبر عن الطريق، او آتيك بشيء من النار تستدفئين بها. فلما وصل الى المكان الذي رأى فيه النار، سمع مناديا من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة يقول له: يا موسى، إني انا الله ربّ العالمين. . ألقِ عصاك. فألقاها موسى. فلما رآها تهتز كأنها حيّة هرب منها ولم يرجع اليها. فناداه ربّه: أقدم يا موسى ولا تخفْ، إنك من الآمنين. أدخِل يدك في جيبك تخرج بيضاءَ من غير مرض ولا عيب، (وكان موسى اسمر اللون) ، هاتان معجزتان من الله، تواجه بهما فرعونَ وقومه. ولما اعترى موسى الخوفُ من العصا وأخذته الدهشةُ من شعاعِ يده - أمره ربه ان يضع يدَه على صدره ليزول ما به من الخوف فقال: ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾ . قال ابن عباس: كل خائف اذا وضع يده على صدره زال خوفه. قراءات: جذوة: مثلثة الجيم وقرىء بها جميعا. وقرأ حفص: من الرَهْب بفتح الراء وسكون الهاء. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو: من الرَهَب بفتح الراء والهاء. وقرأ حفص: من الرَّهْب بفتح الراء وسكون الهاء. والباقون: من الرُهْب بضم الراء وسكون الهاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فذانّك بتشديد النون، والباقون: فذانِك: بكسر النون دون تشديد.

стр. 1052

رداءا: معينا. يصدقني: يوضح ما أقوله، ويجادل عني المشركين. سنشدّ عضُدك: سنقوّيك ونعينك بأخيك. ونجعل لكما سلطانا: قوة وغلبة. مفترى: مختلّق. ومن تكون له عاقبة الدار: ومن الذي يفوز. قال موسى: يا رب لقد قتلتُ من قوم فرعونَ نفساً، فأخاف ان يقتصّوا مني. . . . إن أخي هارون ألإصحُ مني لساناً فأرسلْه معي معينا يُصدِّقني بحجتي ويجادل عني، لأأني أخاف ان يكذّبوني. هذا كما أن لساني لا يطاوعني عند المجادلة. قال الله: سنُعينك ونقوّيك بأخيك هارون، ونجعل لكما قوةً وحجة دافعة فلا يصلون إليكما. . . . اذهبا بآياتنا اليهم، فأنتما ومن اتبعكما الغالبون. قراءات: قرأ نافع: رِداء بكسر الراء وفتح الدال بغير همز. والباقون: رداءا بكسر الراء وسكون الدال بعدها همزة. وقرأ عاصم وحمزة: يصدقُني: بضم القاف. والباقون: يصدقني بسكون القاف.

стр. 1053

هامان: وزير فرعون. صرحا: قصرا عاليا. اطّلع: أصعد واتطلع من فوقه. فنبذناهم: طرحناهم. يدعون الى النار: يدعون الى الكفر الموجب الى النار. لعنة: طرداً من الرحمة. من المقبوحين: المخزيين المهلكين. القرون الأولى: قوم نوح وهود وصالح. بصائر: أنوارا تهدي قلوبهم. وقال فرعون عندما عجز عن محاجّة موسى: يا أيها القوم، ما علمت لكم إلهاً غيري كما يدّعي موسى، فاعملْ يا هامان لي بناءً عالياً أصعد وأرى اله موسى ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ . واستكبر فرعون وجنودُه في أرض مصر. . . بغير الحق، وحسِبوا أنهم لا يُرْجَعون الينا حتى يلاقوا جزاءهم. فأخذْنا فرعونَ وجنوده فألقيناهم في البحر حين تعقبوا موسى ومن معه حتى يمنعوهم من الخروج من مصر. . . . فانظر يا محمد كيف كانت عاقبة الظالمين. وجعلناهم دعاةً يدعُون إلى الكفر الذي يؤدي الى النار ﴿وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ﴾ وجعلنا اللعنة تتبعهم في هذه الدنيا، وهم يوم القيامة من المهلكين. ولقد أنزلْنا التوراةَ على موسى بعد ما أهلكنا الأممَ التي سبقتْهم من الكافرين نوراً للناس ينصرون به الحق، وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون. قراءات: قرأ ابن كثير: قال موسى، والباقون: وقال موسى بالواو. وقرأ حمزة والكسائي: ومن يكون له عاقبة الدار بالياء، والباقون: ومن تكون بالتاء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: لا يَرجِعون بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: لا يُرجَعون بضم الياء وفتح الجيم.

стр. 1054

بجانب الغربي: هو جبل الطور في سيناء. قضينا: عهِدنا اليه وكلفناه أمرنا ونهينا. فتطاول عليهم العمُر: طال عليهم الأمد الذي بينهم وبين القرون الماضية. ثاويا: مقيما. وصّلنا لهم القولَ: انزلنا متواصلا بعضه اثر بعض. وما كنتَ يا محمد حاضراً بجانب الوادي الغربي الذي وقع فيه الميقاتُ وأعطى الله فيه ألواحَ التوراة إلى موسى حين عهد إليه امرَ النبوة، فكيف يكذّب قومُك برسالتك وانت تتلو عليهم انباء السابقين!؟ . لقد كان ذلك منذ قرونٍ طويلةِ انقطعت فيها الرسالاتُ وطال الزمن فأتينا بك لقومك لتنذرَهم برسالتك، وما كنتَ مقيماً في «مدين» حتى تخبرَ أهلَ مكة بأنبائهم، ولكنّا أرسلناك وأخبرناك بقصصهم واخبارهم. ولم تكن ايها الرسول حاضراً في جانب الطور حين نادى الهُ موسى واصطفاه لرسالته، ولكن الله أعلمَكَ بهذا القرآنِ رحمةً منه بك وبأمتك، لتبلّغه قوماً لم يأتهم رسول من قبلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ . وحتى لا يقول قومك حين تصيبهم كارثةٌ بسبب كفرهم: يا ربّ، إنك لم ترسلْ إلينا رسولاً يبلّغنا فنتبعه ﴿وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ فأزحْنا العذرَ وبعثناك ايها الرسول اليهم. فلما جاء محمد بالحق قالوا تمرداً وعنادا: هلاّ أوتيَ مثلَ ما أوتيَ موسى من المعجزات الحسيّة حتى نؤمن به! ويلهم، ألم يكفُروا بموسى كما كفروا بك! وقالوا إنما انتما ساحران ينصر أحدُكما الآخر ويعاونه. ثم امر رسوله ان يتحدّى قومه أن يأتوا بكتابٍ أهدى من القرآن والتوراة للبشرَ وأصلحَ لحالهم فقال: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ثم توعّدهم لأنهم لم يستطيعوا ان يأتوا بالكتاب فقال: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ومن أضلُّ ممن اتبعَ هواه بغيرِ هدى من الله! ان الله لا يهدي الذين يظلمون أنفسهَم بالتمادي في اتباع الهوى. قراءات قرأ اهل الكوفة: سِحران بغير الف يعني القرآن والتوراة. الباقون: ساحران: يعني موسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.

стр. 1055

مسلمين: منقادين لله. يدرأون: يدفعون: اللغو: ما لا فائدة فيه. لا نبتغي الجاهلين: لا نطلب صحبتهم. قال ابن اسحاق: قدِم جماعة من النصارى على رسول الله ﷺ بمكة من الحبشة فوجدوه في المسجد، فجلسوا اليه وكلّموه وسألوه، ورجال من قريش حول الكعبة. فلما فرغوا من اسئلتهم عما أرادوا دعاهم الرسولُ الى الله تعالى وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعيُنهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوا الرسول، وعرفوا منه ما كان يوصَف لهم في كتابهم من أمره. فاعترضهم أبو جهل ونفرٌ من قريش وحاولوا ان يصدّوهم عن إيمانهم. وأغلظوا لهم القول. فقالوا لهم: سلامٌ عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه. وقال بعض المفسرين: إنهم نصارى من أهل نَجران. والحق، أن بعض أهلِ الكتاب من النصارى يؤمنون بهذا القرآن، ويقولون: إنه الحقُّ من ربنا، بشّرنا الله به من قبلِ ان ينزل القرآن. . . . هؤلاء يعطيهم اللهُ أجرهم مرتَين نتيجةَ صبرهم على اذى الناس، وإيمانِهم، وايثارهم العملَ الصالح، وأنهم يقابلون السيئة بالعفو والاحسان، وينفقون في سبيل الله مما أعطاهم من اموال وخيرات، وإذا سمعوا الباطل من الجاهلين انصرفوا عنهم، وقالوا: لنا أعمالُنا ولكم اعمالكم، سلام عليكم لا نريد مصاحبة الجاهلين.
следующие страницы →