← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

كلا: إنه جاءهم بالدين الحق، لكن اكثرهم كارهون للحق، لأنه يخالف شهواتِهم واهواءهم فهم لا يؤمنون به، وذلك لأنه يسلبُهم زعاماتهم والقيم الباطلةَ التي يعيشون بها، فالدفاع عن مصالحهم هو الذي يتستّرون فيه. ومثل هؤلاء كثيرون في الوقت الحاضر يتخذون الدين ستاراً لزعاماتهم ومنافعهم. ثم بين الله ان اتّباع الهوى يؤدي الى الفساد الكبير فقال: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ ولو أن الله تعالى سايَرَ هؤلاءِ فيما يشتهونه ويقترحونه، لفسَدَ هذا النظامُ العظيم الذي نراه في السموات والأرض، واختلّ نظام الكون، وساد الظلمُ والفساد في الخلائق، ولكنّ الله ذو حكمةٍ عالية، وقدرة نافذة. وبعد ان أنْبهم على كراهتهم للحق، ذكر أنه أعرضوا عن أعظم خيرٍ جاءهم فقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ . بل جئناهم بالقرآن الذي فيه فخرُهم وشرفُهم، وهم مع ذلك معرِضون عن هذا الخيرِ العميم، والشرف العظيم، وكان قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] . وهذا هو القول الحقّ، فإن العربَ قبل الإسلام لم تكن أمة متحدة، ولم يكن لها ذكر في التاريخ حتى جاءها الاسلام، فأصبحتْ بفضله تُذكر في الشرق والغرب، وظل ذِكرُها يدوّي في العالم قرونا طويلة. ولما تركت وحدتها ودينها وأعرضت عنه تضاءل ذِكرها وخبا نورها، ولن يقوم لها ذكر إلا برجوعها الى الاسلام، والأخذ بالعلم، ووحدة الصف. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ إنك أيها الرسول لا تسأهلم أجراً على أداء رسالتك، ان أجرَ ربك لك خيرٌ مما عندَهم، وهو خير الرازقين. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو نافع وعاصم: «أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير» كما هو في المصحف، وقرأ حمزة والكسائي: «ام تسأهلم خراجا فخراج ربك» وقرأ ابن عامر «ام تسأهلم خرجا فخرج ربك خير» .

стр. 982

ناكبون: زائغون، عادلون عن الرشاد. للجّوا: لتمادوا فيه. يعمهون: يتحيرون، يترددون في الضلال. استكانوا: خضعوا وذلوا. مبلسون: آيسون من كل خير. انشأ: خلق. ذرأكم في الارض: خلقكم وبثكم فيها. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وأنت يا محمد على الحق الذي لا معدلِ عنه، وتدعو هؤلاء المشركين الى الدين القيّم الموصلِ الى السعادة الأبدية. ﴿وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾ . ان الذين لا يصدّقون بك، ولا يؤمنون بالبعثِ بعد الموت، وبقيام الساعة، لَزائغون عن الحق، ومائلون عن النّهج القويم، وضالّون عن الطريق المستقيم. ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لقد بلغوا في التمرّد والعناد حداً لا يُرجى معه صلاحهم، فلو رحمناهم وأزلنا عنهم ما نزل بهم من ضرر في أبدانهم وقحطٍ في أموالهم - لزادوا كفراً في طغيانهم يتردَّون في الضلال. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ . ولقد عذّبناهم بأنواع كثيرة من العذاب منها قتلُ زعمائهم يوم بدر، والقحطُ الذي أصابهم، وغير ذلك - فما خضعوا لربهم وما تضرعوا، بل أقاموا على عُتُوّهم واستكبارهم. . . . لم ينفع معهم الإنذارُ ولا التحذير. ثم بين الله عاقبة أمرِهم وما يكون من حالهم إذا جاءت الساعة فقال: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ حتى إذا جاء أمر الله، وجاءتهم الساعةُ ووقفوا بين يدي الله، وأخذَهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون - أيِسوا من كل خير وانقطعت آمالهم وخاب رجاؤهم. ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ثم يبين الله تعالى بعض ما أنعمَ على خلقه لعلّهم يتذكرون: كيف تكفرون بالله وهو الذي انشأ لكم السمعَ لتسمعوا الحق! والأبصارَ لتروا الكون وما فيه من عجائب! والعقولَ لتدركوا عظمته فتؤمنوا به! ومع كل هذه النعم فإنكم لم تشكروها ولم تؤدوا واجبها. ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اختلاف الليل والنهار أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ وهو الذي خلقكم وبثّكم في هذه الأرض تستثمِرون خيراتِها، وإليه وحدَه تُحشرون يوم القيامة. وهو الذي يحيي ويميت، وبأمره وقوانينه يتعاقبُ الليلُ والنهار طولا وقصرا، فهل بعد كل هذه الدلائل، وهذه النعم تجحدون!!

стр. 983

أساطير: أباطيل، والاحاديث العجيبة واحدها أسطورة، واسطار، واسطير. الملكوت: الملك، والتدبير. يُجير: يغيث. ولا يجار عليه: لا يعين أحدٌ منه احدا. تُسحَرون: تخدعون عن الحق، لأن السحر تمويه وتخييل وخداع. ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون. . . .﴾ لم يعتبر المشركون بكل هذه الأدلّة الواضحة بل ولا تدبروا الحُجَج، بل قلّدوا أسلافَهم السابقين فقالوا مثل قولهم. قالوامنكرين للبعث: أمنَ المعقول ان نُبعث بعد الموت، وبعد اننصير تراباً وعظاما! لقد وُعِدْنا هذا الوعد، ووُعد آباؤنا من قبلنا بذلك، وما هذا الكلام إلا من أساطير الأمم السابقة، ليس له أصلٌ من الصحة. ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. . . . الآيات﴾ في هذه الآيات الثلاث يجادل اللهُ المنكرين للبعث ويبين اخطاءهم: ١ - قل ايها الرسول: من الذي يملك الأرضَ ومن عليها من الناس وسائر المخلوقات، إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. إنهم ولا شك سيقرّون بالحقيقة ويقولون المالك هو الله. قل لهم حين يعترفون: أفلا تتذكرن فتعلموا أن من قَدَرَ على خلقِ هذا الكون لهو قادرٌ على إحيائكم وبعثكم! ٢ - ثم قل لهم ايضا: من هو ربُّ السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقرون ويقولون الله. قل لهم: أتعلمون ذلك ولا تتقون عقاب ربكم!! ٣ - وبعد ان أقرّوا بأن هذا الكون جميعه مِلك له تعالى بيَّن لهم ﷻ أن تدبير هذا الملك الواسع بيده، وانه مالك كل شيء، فهو المدّبر لنظام العالم بأجمعه، له الحكم المطلق في كل شيء، وهو يحمي بقدَره من يشاء، ولا يمكن لأحد ان يجير أحداً من عذابه. ثم أجاب عن هذا السؤال قبل ان يجيبوا فقال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ . إنهم سيقرون بالحقيقة ويقولون كل شيء لله، فقل لهم: إذنْ كيف تُخدعون وتُصْرَفون عن هذه الحقائق الثابتة، وتنصرفون عن طاعة الله!! ثم بعد كل هذه الاسئلة والمحاورة يجيء التقريرُ الفاصل بقوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ لقد أتيناهم بالدين الحقّ على لسان رسولنا، وهم كاذبون في إنكار ذلك، وفي كل ما يخالف هذا الحق. قراءات: قرأ ابو عمرو: سيقولون الله. والباقون: سيقولون لله.

стр. 984

الغيب: ما غاب عنا. الشهادة: الحاضر الآن. همزات الشياطين: وساوسهم. من ورائهم: من امامهم. برزخ: حاجز. ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . من الحقِّ الي جاء به الرسولُ الكريم من عند ربه معلَناً للناس كافة أن الله تعالى لم يلدْ ولم يولد ولم يتخذْ ولدا، ولم يشاركْهُ في الملك آلهٌ آخر، وبيّن ذلك بدليلين: ١ - إذا لذهبَ كل إلهٍ ما خلق. يستقل كل اله بما خلقه، يصرّفُه حسب ما يريد، فيصبح لكلّ جزءٍ من الكون، او لكل فريقٍ من المخلوقات - قانون خاص، ويحصل التباين في نظام هذا الكون. . . وهذا غير واقعٍ، فنظام الكون منسَّق منتظم ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتِ﴾ [الملك: ٣] . ٢ - ولَعلا بعضُهم على بعض. ولحصَلَ خلافٌ كبير بين الإلهين، وقهر أحدُهم الآخر، وكل هذه الامور غير موجودة. على العكس فإن وحدةَ الكون ظاهرةٌ تشهد بوحدة مكوّنه، بوحدة خالقه، وكل شيء في هذا الكون يبدو متناسقاً منتظماً بلا تصادم ولا نزاع. وبعد ان وضَح الحقّ وصار كفَلَقِ الصبح جاء بما هو كالنتيجة لذلك فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ تنزه الله عما يقوله المشركون مما يخالف الحق. ثم وصف نفسه بصفات الكمال فقال: ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ هو العالم بما غاب عن خلقه من الشاء فلا يرونه ولا يشاهدونه، وبما يرونه ويعملونه، فليس لغيره نم خلْقٍ يستقلّ به، فتنزه اله عما ينسبُه الكافرون إليه من وجود الشريك. ثم بعد أن يقرر هذه الحقائقَ يأمر رسلَه الكريم ان يتوجّه إليه، وان لا يجعله قريناً لهؤلاء المشركين، وأن يستعيذَ به من الشياطين، فلا تثور نفسُه، ولا يضيق صدره بام يقولون: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين﴾ قل: يا رب، إنْ عاقبتَهم وانا أشاهدُ ذلك فإني اسألك ان لا تجعلني مع القوم الكافرين. والرسولُ ﵊ في منجاةٍ من ان يجعلَه الله مع القوم الظالمين حين يحلُّ بهم العذاب، ولكن هذا تعليمٌ له وللمؤمنين ان لا يؤمنوا مكر الظالمين، وان يظلّوا أبداً أيقاظا، يلوذون بحمى الله. روى الإمام أحمد والترمذي «ان النبي ﷺ كان يدعو ويقول:» واذا أردتَ بقومٍ فتنةً فتوفَّني غيرَ مفتون « ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ . ان الله قادرٌ على ان يحقّق ما وعدَ به الظالمين في حياة الرسول ﵊. ولقد أراه بعضَ ما وعدهم في غزوة بدرٍ من قتلِ زعمائهم، وفي غزوة الفتح من النصر العظيم.

стр. 985

ثم أرشده الى ما يفعل بهم إذا لحِقه أذاهم، وهو أن يصبر حتى يأتي امر الله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ استمر يا محمد في دعوتك، وقابلْ إساءتهم بالتي حي أحسن، ومن العفو والصبر والتجاوز عن جهلهم. . . نحن أعلمُ بما يصفوننا به، وبما يصفون دعوتك من سوء وافتراء، وسنجازيهم عليه. رُوي عن أنس رضي الله عن هـ: «يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول له: ان كنتَ كاذباً فإني أسأل الله ان يغفر لك، وان كنتَ صادقاً فإني أسأل الله ان يغفر لي» . ولمّا أدّب الله رسولَه الكريم بأن يدفع بالحسنى أرشده لى ما يقوى به على ذلك، من الاستعاذة من هَمزات الشياطين. ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ وقل أيها الرسول: يا رب، إني ألتجيء اليك من أثر وساوسِ الشياطين، وان يبعثوا إليَّ أعدائك لإيذائي، وان يكونوا بعيدين عني في جميع أعمالي، ليكون عملي خالصاً لوجهك الكريم. أخرج الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمور بن شعيب عن ابيه عن جده قال: «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا كلماتٍ نقولها عند العزم خوف الفزع:» بسم الله، اعوذ بكلماتِ الله التامة من غضبه وعقابه وشرِّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون « ثم أخبر عما يقوله الكافرون حين قُربِ الوفاة، ومعاينة المصير من سؤال الرَّجعة الى الدنيا ليُصلحوا ما كانوا أفسدوا حالَ حياتهم فقال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ سوف يستمر هؤلاء المعاندون على كفرهم، حتى إذا حلّ موعد موتِ أحدهم، ورأى مصيره ندم وقال: يا رب، ردَّني إلى الدنيان لأعملَ عملاً صالحا فيما قصرّت فيه من عبادتك، وما تركت من مالي. ولكن هيهات، فقد فات الأوان، ولن يجاب الى طلبه، وإنما هو كلام يقوله دون فائدة. إن أمامهم حاجزاً بينهم وبين الرجوع الى الدنيا. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص: عالمِ الغيب بالجر. والباقون: عالمُ الغيب بالرفع، على تقدير هو عالم الغيب.

стр. 986

الصور: بوق ينفخ فيه. لا يستاءلون: لا يسأل بعضهم بعضا، كل واحد مشغول بنفسه. موازينه: بما فيها من حسنات او سيئات. المفلحون: الفائزون. تلفح وجوههم النار: تحرقها. كالحون: مكشرّون عابسون. غلبت علينا شِقوتنا: سوء العاقبة، شقاؤنا من كثرة معاصينا. اخسئوا: كلمة زجر، اسكتوا سكوت ذل وهوان. حتى أنسوكم ذِكري: حتى أنسوكم عبادتي. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ اذا جاء موعد البعث دعوناهم الى الخروج من قبورهم بالنفخ في الصور فيقومون مذهولين، لا تنفع أحداً منهم يومئذ قرابة ولا نسب، ولا يسأل بعضهم بعضا. . . . كل امرىء مشغولٌ بنفسه ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وفي ذلك اليوم يكون العمل هو ميزان التقدير، فمن جاء بعملٍ صالح رجَح ميزانُه وفاز فوزاً عظيما، ومن لم يكن له عمل صالح ولا حسنات فقد خفّ ميزانه وخسِر كل شيء وذهب إلى نار جهنم خالداً فيها. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يومئذ تحرق النار وجوه الذين خسروا، وهم فيها معبِسون مكشّرون. نعوذُ بالله منهم، ومن سوء المصير. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هنا يعدلِ الحديثُُ عن اسلوب الحكاية الى الخطاب والمواجهة: لقد كانت آياتي المنزلة تُقرأ عليكم في الدنيا، لكنّكم كنتم تكذّبون بما فيها. فيقولون مقرّين بخطئهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ إننا نعترف إليك يا ربنا بكثرة معاصينا التي أورثتنا الشقاءَ، وكنا بذلك ضالّين عن طرق الهدى. ثم يطلبون من الله أن يخرجَهم من النار ليعملوا صالحاً: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ وذلك بعد ان انسدّ باب التوبة، وانقطع التكليف. فيأتيهم الجوابُ القاطع. ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ اخرسوا واسكتوا أذلاّء مهانين، ولا تكلّموني مطلقا. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ . كيف أرحمكم وأترك عباداً لي آمنوا برسلي والتزموا بما أمرتُهم وقدّموا الأعمالَ الصالحة وكانوا يطلبون الرحمة والغفران في جميع احوالم! ليس من العدالة في شيء ان تكونوا مثلهم في هذا اليومن فلم يكن جُرمكم أنكم لم تؤمنوا فحسب، بل إنكم تماديتم في السخرية منهم. ﴿فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ لقد بلغ بكم السَفَهُ والوقاحة ان تسخَروا من الذين آمنوا وتضحكوا منهم حتى شَغَلَكُم ذلك عن ذكري وطاعتي. ثم بيّن الله ما جازى به أولئك المستضعَفين فقال: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ لقد صبروا فكان جزاؤهم الجنةَ وفازوا بنعيمها خالدين فيها ابدا. قراءات: قرأ اهل الكوفة: غلب علينا شقاوتنا. والباقون: شقوتنا بكسر الشين كما هو في المصحف.

стр. 987

اللبث: الاقامة. العادّين: الحفظة الحاسبين لأعمال البشر. فإنما حسابه عند ربه: جزاؤه. ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العآدين﴾ الله تعالى يعلم كل شيء لكنه يسألهم هنا للتقريع: كما كانات إقامتكم في الدنيا؟ فيقولون لبثنا يوما او بعض يومن فاسأل الحفَظَةَ العارفين لأعمال العباد. ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنكم لم تقيموا في الدنيا الا رَمَقاً قليلا بالقياس الى ما أنتم مقبلون عليه لو كنتم تحسنون التقدير. ثم يعود فيعنّفهم على تكذيبهم بالآخرة فيقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ أظننتم أننا خلقناكم بغير حكمة، وظننتم انكم لا تُبعثون لمجازاتكم!؟ ثم تنتهي السورة بتقرير القاعدة الأولى للإيمان، وهي التوحيد، وإعلان الخسارة الكبرى للمشركين، في مقابل الفوز والفلاح للؤمنين كما افتتحت السورة بذلك. ثم بالتوج الى الله في طلب الرحمة والغفران وهو أرحمُ الراحمين: ﴿فَتَعَالَى الله الملك الحق لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم﴾ العظمةُ لله وحده، هو مالك الملك كله، لا معبودَ بحقٍّ سواه، وهو رب العرش الكريم. وبعد ان ذكر انه الملِكُ الحق، أتبعه ببيان ان من ادّعى ان في الكون إلهاً سواه فقد ادعى باطلا لا دليل عليه فقال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ افتُتحت السورة بفلاح المؤمنين، وختمت بخيبة الكافرين. . . ومن يعبد مع الله آلها آخر لا دليل على صحة الوهيته، يعاقبْه الله على شِركه، وان الكافرين لا يفلحون. وهنا يتناسق مطلع السورة مع ختامها، نسأل الله تعالى حسن الختام. ﴿وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ > وقل أيها النبي بالختام داعياً الله ضارعاً اليه: يا ربّ اغفر لي ذَنبي وارحمني وارحم عبادك. فأنت خير الراحمين.

стр. 988

السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: اوجبنا العمل بها. يرمون المحصنات: يقذفون العفيفات بالزنا. ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامَها، وأنزلنا فيها دلائلَ واضحةً على قدرة الله ووحدانيته، لعلّكم تتعظون فتعملون بهذه التعاليم الإلهية. ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ . تبين هذه الآية الكريمة حدَّ الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة اذا ثبت عليهما ذلك بإقرارهما او بشهادةِ أربعة شهودٍ رأوا ذلك العملَ بأعينهم وحلفوا عليه، فلو كانوا ثلاثةَ شهود لا تثبتُ الجريمة، ولا يقع الحّد. وتنص الآية ان لا ترأفَ عند تنفيذ الحكم. وتطلب ان يكون ذلك بمشهدٍ من الناس، ليكونَ في العقاب ردع لغيرهما من الناس. ويزاد على عقاب الجلد ان يغرَّب الزاني عاماً عن بلّده عند جمهور العلماء، وعند أبي حنيفة أن التغريب عائدٌ الى رأي الإمام ان شاء غرَّبَ وان شاء لم يغرِّب. قراءات: قرأ ابن كثير: رآفة بفتح الهمزة ومدها. والباقون: رأْفة باسكان الهمزة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: فرّضناها بتشديد الراء اي فصّلناها. والباقون: فرضناها بفتح الراء دون تشديد. أما عقوبة الزاني المتزوج فقد ثبتت بالسنّة الشريفة أنها القتلُ رجماً بالحجارة. وكانت العقوبة في أول الاسلام: للمرأة الحبسُ في البيت والأذى والتعبير، وللرجل الأذى والتعيير كما تنص الآية على ذلك من سورة النساء: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ الآيتان ١ ٥، ١٦. ثم نسخ هذا الحكم بهذه اآية. فالاسلام جاء ليحافظ على المصالح المعتبرة وهي خمس: ١ - المحافظة على النفس. ٢ - المحافظة على الدين. ٣ - المحافظة على العقل. ٤ - المحافظة على المال. ٥ - المحافظة على العِرض. فالقتلُ اعتداءٌ على النفس، والردّةُ اعتداء على الدين، وتعاطي الخمر والمخدّرات اعتداءعلى العقل، والسرقةُ اعتداء على المال، والزنا اعتداء على العرض. ﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾ . روى مجاهد وعطاء وغيرهم من المفسّرين أن المهاجرين لما قدِموا المدينة كان فيهم فقراء ليس لهم أموال ولا أقارب في المدينة، وكان فيها عدد من النساء بغايا يؤجّرون انفسهن، وهن يومئذ اخصبُ أهل المدينة عيشا، وعلى أبوابهن رايات للتعريف عنهن، فرغبَ في زواجهن رجالٌ من فقراء المسلمين المهاجرين، وقالوا نتزَّوجُهن الى أن يُغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فنزلت الآية.

стр. 989

وفي هذه الآية زَجرٌ كبير، وإيضاح بأن من يرغب في زواج الزانية فهو زانٍ او مشرك، والزانية لا يرغبُ في زواجها الصالحون من الرجال المؤمنين، وهذا النكاح لا يليق بالمؤمنين فهو محرم عليهم. اما اذا تابت الزانيةُ فيجوز الزواج منها، وكذلك الزاني إذا تاب يجوز ان يتزوج من المؤمنات العفيفات، كما نصّ على ذلك الإمامُ أحمد رضي الله عن هـ. ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأولئك هُمُ الفاسقون إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . والذين يتّهمون العفيفاتِ من النساء بالزنا، ثم لا يُثبتون ذلك بأربعة شهود عدولٍ يشهدون انهم رأوا ذلك بالعين، فعاقِبوهم بالضرب ثمانية جلدة، ولا تقبلوا شهادتهم على أي شيء مدى الحياة، جزاءً على هذه الفِرية الشنيعة. هؤلاء خارجون عن طاعة ربهم، وأصحاب واحدةٍ من الكبائر، الا الذين رجعوا منهم عما قالوا وندموا على ما تكلموا به وتابوا توبةً نصوحا، فان الله يتجاوز عنهم ويغفر لهم.

стр. 990

يرمون أزواجهم: يتهمون زوجاتهم بالزنا. يدرأ عنها العذاب: يدفع عنها الحد. والذين يتهمون زوجاتِهم بالزنا، ولا يستطيعون إثباته بأربعة شهود عدول، فان على الواحد منهم ان يشهد بالله أربعَ شهادات (يعني اربع مرات) انه صادق في هذا الاتهام، ويقول في المرة الخامسة أن عليه لعنةَ الله إن كان من الكاذبين. وعلى الزوجة إذا لم تعترف بهذا الاتهام ان تقفَ وتقول أربع مرات: أشهدُ بالله أن الزوجَ كاذب في اتهامه إياها بالزنا، وتقول في المرة الخامسة إن عليها غضبَ الله إن كان زوجها من الصادقين. وهذا يدفعُ عنها الحد. وفي هذه الحالة يقضي القاضي بالتفريق بينهما الى الأبد، وتحرُم عليه حرمةً مؤبدة، ويسقط عنها الحد، وينتفي نسَب الولد عن الزوج فلا يرثه، ويبقى الولد ابنَ الزوجة فقط هي أمه الشرعية، وليس لها مسكن ولا نفقة وليس لها أيّ حقوق من زوجها. وهذا التشريه من لطف الله وحكمته، فيه ستر للأعراض، وتهدئةٌ للنفوس، واطمئنانٌ للقلوب، وتيسير على الناس. وقد عقّب الله بعد ذلك بقوله الكريم: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ . من فضل الله عليكم ورحمته بكم أن شرع لكم هذه الأحكام الميسّرة، وإلا لكان وقَعَ بينكم شر عظيم. لقد ستر عليكم، ورفع عنكم الحدَّ باللعان، وإن الله توابٌ حكيم. وجواب لولا محذوف تقديره: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: فشهادة أحدهم اربعُ شهادات برفع العين. والباقون: أربعَ شهادات بفتح العين. وقرأ نافع ويعقوب: والخامسة أنْ لعنةُ الله، وأنْ غضبُ الله عليها باسكان النون، ورفع كلمة لعنة. وق ﴿أنافع: وأنْ غَضِبَ الله عيها. وقرأ يعقوب وان غضب الله عليها. والباقون: والخامسة انّ لعنةَ الله. . . . وانّ غضبَ الله، بتشديد ان وفتح لعنةَ وغضب. وقرأ حفص: والخامسةَ ان غضب الله عليها بنصب الخامسة. والباقون بالرفع.

стр. 991

الإفك: الافتراء، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب، وأفِك يأفَك: مثل علم يعلم. وأفك الناسَ: كذبهم. العصبة: الجماعة. تولى كبره: تحمل معظمه. إفك مبين: كذب ظاهر. لولا: بمعنى هلا. أفضتم فيه: خضتم فيه. اذ تُلقون بألسنتكم: اذ تتلقون الافك ويتناقله بعضكم عن بعض. بهتان عظيم: كذب محير لفظاعته. تشيع: تنتشر. الفاحشة: الزنا، وكل امر قبيح. ﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . نزلت هذه الآيات العشر في شأن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عن ها، حين رماها أهلُ الافك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ اليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء. وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم ﷺ في أحبّ نسائه اليه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها. وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الاسلامية إلا من شذ. وقد روى حديثَ الافك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير؛ وام رومان ام السيدة عائشة؛ وابن عباس وابي هريرة وابي اليسر. كما رواه عدد من التابعين. والحديث طويل من أراده فليرجعْ الى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما. وخلاصته: ان الرسول الكريم كان إذا اراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه. وفي سنة ستٍ من الهجرة (كما حدّدها ابن هشام في السيرة) خرج الرسول الى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه. فلما انتهى من الغزوة رجع، تقول السيدة عائشة: «حتى اذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة، نزلنا منزلا. ثم نوديَ بالرحيل في الليل، فقمتُ لأقضي حاجة، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت الى رحلي فلمست صدري فاذا عِقدي قد انقطع. فرجعتُ ألتمسه. فحبَسَني ابتغاءه. وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون اني فيه لخفّتي في ذلك الوقت. ورحَلَ الناس. وبعد ان وجدت عقدي جئت الى منزل الجيش فلم أجد أحدا، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي. فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش، فلما ورآني عرفني، فاستيقظت على صوته وهو يقول: إنا لله وانا اليه راجعون. فخمَرتُ وجهي بجلبابي، وواللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه. ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى ادركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول. وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري. فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم.

стр. 992

«وبعد وصولهم الى المدينة، بدأ الناس يتهامسون: ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش، وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين. وبلغ النبيَّ الخبرُ، واضطرب له. وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر. وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى ان نزلت هذه الآيات تبرىء السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا. ان الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين، وهم من المنافقين الموجودين بينكم، لا تظنوا هذه الحاديثة شراً لكم بل هي خير لكم، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين، واظهرت كرامة المبَّرئين منها، ولكل امرىء منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة. ﴿تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها - له يوم القيامة عذابٌ عظيم. وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن اثاثة وهو أقارب ابي بكر الصديق، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين. ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله ﷺ بجَلْدِهم. ﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ . كان مقتضى الإيمان ان تظنوا بمن اتُّهم خيرا عند سماعِ هذه التهمة، وكان عليكم ان تقولوا هذا كذبٌ واضح لا يصدَّق. ثم علل لسحبانه كذب الآفكين ووبخهم على ما اختلقوه واذاعوه فقال: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾ هلاّ جاء الخائضون في الإفك بأربعةِ شهداءَ يشهدون على ثبوت ما قالوه، فإن لم يستطيعوا فهم الكاذبون فيما اتَّهموا به عائشة. ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولولا تفضُّلُ الله عليكم ببيان الأحكام، ورحمتُه لكم في الدنيا بعدم التعجيب بالعقاب، وفي الآخرة بالمغفرة - لنزل بكم عذابٌ عظيم على هذه التهمة الشنيعة. ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾ . فقد تناقلتم هذه التهمةَ بألسنتكم وأشعتُموها بينكم، وتخوضون فيما لم يكن لكم علمٌ بصحته، وتحسبَون ان هذا الأمر هين بسيطٌ لا يعاقِب الله عليه، مع أنه أمرٌ خطير عظيم يعاقِبُ عليه الله اشد العقاب. ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ كان عليكم أن تقولوا حين سمعتموه: إن هذا كذِبٌ واختلاقٌ كبير، وأن تنصحوا بعدمِ الخوض فيه. . . . لأنه غير لائق بكم، وأن تقولوا متعجِّبين من هول هذه الفِرية: سبحانك يا ربّ، نحن ننزهك، إن هذا كذبٌ عظيم.

стр. 993

ثم حذّر الله المؤمنين أن يعوداو لمثل هذا فقال: ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ يعِظُكم الله بهذه المواعظ وينهاكم ان تعودوا لمثل هذه المعصية ابدا، ان كنتم مؤمنين حقّاً، لأن هذه الأعمال تتنافى مع الإيمان الصادق. ﴿وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ويفصّل الله لكم في كتابه الآياتِ الدالةَ على الأحكام ومحاسن الفضائل والآداب، واللهُ واسعُ العلم لا يغيب عنه شيءٌ من أعمالكم وهو الحكيم في كل ما يشرع ويخلق. ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . ان الذين يحبّون ان يُفشوا القبائح ويتهمون بها المؤمنات لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالعقوبة المقررة، وفي الآخرة بالنار، واللهُ عليم بجميع أحوالكم وأنتم لا تعلمون ما يعلمه. ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، لَما بيَّن لكم الأحكامَ ولعَجَّلَ عقوبتكم في الدنيا وكنتم من الهالكين.

стр. 994

خُطُوات: بضم الخاء والطاء، واحدتها خطوة: المسافة ما بين الرِجلين في المشي، والمقصود: وساوس الشيطان. لا يأتلِ: لا يحلف. اولو الفضل: الاغنياء. المحصنَات: العفيفات. الغافلات: سليمات الصدور، اللاتي لا يفكرون في السوء. دينهم الحق: جزاءهم الثابت. ان الله هو الحق: ان الله هو الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء ويبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان. . .﴾ . يا أيها الذين آمنوا، لا تسلكوا سُبُلَ الشيطان، بل احذَروا وساوسه التي تجرّكم الى شاعة الفاحشة والمعاصي بينكم. ومن يتبع الشيطان فقد عصى. . . . لأنه يأمر بكبائر الذنوب. ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام - ما طَهُرَ أحدٌ منكم من ذنوبه ابدا، ولكن الله يطهِر مَن يشاء من خلقه بقبول توبته، واللهُ سميع لما تقولون، عليم بما في قلوبكم. ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . كان أبو بكر الصدّيق ينفق على مسطح بن أثاثه ابنِ خالته، وهو صحابي بدريّ من المهاجرين الفقراء، ولكن هذا كان من المخائضين في حديث الإفك، فحلف أبو بكر ان يقطع النفقة عنه، فنزلت هذه الآية: لا يحلف اصحابُ الفضل من الأغنياء منكم الامتناعَ عن الإنفاق على أقاربهم من المساكين والمهاجرين ولو أساؤوا اليهم، بل عليهم ان يسامحوهم ويصفحوا عنهم. ألا تحبّون أن يستر الله عليكم ويغفر لكم ذنوبكم!! إن الله غفورٌ لذنوب من أطاعه رحيم به. فاستغفرَ ابو بكر ربه وأعاد النفقة على مسح. ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ان الذين يتّهمون المؤمناتِ المتزوجاتِ الشريفاتِ الغافلات عن كل سوء عليهم لعنةُ الله والطردُ من رحمته في الدنيا، ولهم عذابٌ عظيم في الآخرة. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾ . في ذلك اليوم العظيم لا يحتاج الله شهوداً، لأن جوارحَ الانسان تشهد عليه بما كان يعمل. . . الله تعالى يجعلُها تنطق بالحق. وعند ذلك يحاسبُهم الله حساباً دقيقا ويجزيهم على ما عملوا جزاءَ الحق والعدل. عندئذٍ يعلمون أن ما وعدَهم الله هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.

стр. 995

تستأنسوا: تستأذنوا، لأن الاستئذان يحصل به الأنس لأهل البيت. تذكرون: تتعظون. ازكى: اطهر. جُناح. حرج. المتاع: كل ما يُنتفع به من طعام وأثاث ومال. ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ. . . . الآية﴾ . في هذه الآية تأكيدٌ على نفي الريبة عن السيدة عائشة بأجلى وضوح، فقد جرت سُنةُ الله في خلقه على مشاكلة الاخلاق والصفات بين الزوجين، فالطيّبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. . . ورسولُ الله ﷺ من أطيب الطيبين، وكذلك الصدّيقة عائضة يجب ان تكون من اطيب الطيبات على مقتضى المنطق السليم. ﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ. . .﴾ . مبؤون من التهم التي يلصقها بها المنافقون، وقد منَّ الله عليهم بالغفران ورزق كريم عند ربهم في جنات النعيم. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ. . . . الآيات﴾ في هذه الآيات الثلاثة يبن الله تعالى حُكمَ دخولِ المرء بيتَ غيره، وانه لا يجوز لأي انسان ان يدخل بيت غيره الا بعد الاستئذان، فعلى المؤمنين ان لا يدخلوا بيوتَ غيرهم الا بعد ان يستأذنوا ويسلِّموا على أهلها. فإن لم يجدوا فيها أحداً فلا يجوز لهم ان يدخلوها، وان قيل لهم ارجعوا لأننا مشغولون لا نستطيع استقابلكم فيعلهم ان يرجعوا، فان ذلك من فضائل الأخلاق، وحُسنِ المعاشرة، وهو أزكى لهم وأَطهر. ولا بأس ان يدخل المرء بيتاً وضع فيه حاجاتِه ومتاعه، ان كان غير مسكون، وله ان يدخله دون اذن، والله يعلم ما يُظهره الانسان وما يخفيه فليتّقِ الله وليراقبْ نفسه.

стр. 996

يغضوا من أبصارهم: يكفّونها عن المحرمات ويخفضونها. الخُمُر: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رسأها. الجيوب: واحدها جيب، وهو فتحة في أعلى القميص. البعولة: الازواج، واحدها بعل. الإربة: الحاجة إلى النساء، يقال أرِب الرجل الى لاشيء اذا احتاج اليه، والاربة والأرَب بفتح الهمزة والراء، والمأربة بفتح الراء بمعنى واحد. الطفل: يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز ان يقال طفل وطفلة واطفال وطفلات، ويقال له طفل حتى يبلغ. لم يظهَروا على عورات النساء: لم يبلغوا حد الشهوة ولا يدرون ما هي. ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ. . . .﴾ في هايتن الآيتين تعليمٌ لنا وتهذيب لأخلاقنا، لأن الإسلام يهدف الى إقامة مجتمع سليم نظيف، وذلك بالحيلولة دون استثارة المشاعر، وابقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً. ذلك أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة مَيْلٌ عميق في التكوين الحيوي، لأن الله قد أناط به امتدادَ الحياة على هذه الارض. والله سبحانه يرشدنا الى أرقى الاخلاق وأسماها لنعيش في أمن وسلام. قل ايها الرسول للمؤمنين: كفُّوا أبصاركم عما حرَّم الله عليكم من عورات النساء ومواطن الزينة منهن، واحفظوا أنفسكم من عمل الفاحشة. ان ذلك الأدبَ أكرمُ بكم واطهرُ وأبعدُ عن الوقوع في المعصية. ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فلا يخفى عليه شيء مما يصدُر منهم من الافعال. وبعد ان أمر المؤمنين بغضّ أبصارهم - أمر المؤمنات كذلك. فقل يا أيها النبي للمؤمنات: عليهنّ ان يحفظن أبصارهن فلا ينظرن الى المحرَّم من الرجال. ويحفظن انفسَهن من الوقوع في الزنا وفتنة الغير. وذلك بستر أجاسمهن ما عدا الوجه والكفّين. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . ولما نهى عن إبداء الزينة أرشدَ الى غخفاء بعض مواضعها فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾ وليضعن الخمارَ على رؤوسهن ليَسْتُرْنَ بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن. ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ. . . .﴾ لا يحلُّ لهنّ ان يُظهرن شيئا من اجسامهن الا لأزواجهن والاقارب الذين يحرُم عليهن التزوج منهم تحريماً مؤبدا مثل آبائهن او آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن من زوجات سابقات، او إخوانهن أو أبناء اخوانهن او ما ملكت ايمانهن من الأرقاء، او من يشتغل عندهن من المسنّين الذي ماتت شهواتهم والاطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ. ثم نهى الله عن إظهار وسوة الحليّ وما يثير الشهوة فقال: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ اطلبْ منهن أيها السرول ان لا يفعلن شيئا يجلب أنظار الرجال الى ما خَفِيَ من الزينة، وكل ما يثير الفتنةَ من المشي غير المعتاد. ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ ارجعوا الى الله والى طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من عاداتِ الجاهلية، والتزِموا آدابَ هذا الدين القويم لتسعدوا في دنياكم وأخراكم. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر: غير أولي الإربة، بنصب غيرَ. والباقون: غير بالجر كما هو في المصحف.

стр. 997

الأيامى: واحدهم أيِّم، وهو غير المتزوج رجلا كان او امرأة، بكرا او ثيبا. يقال: آم الرجل وآمت المرأة اذا لم يتزوجا. منم عبادكم: من عبيدكم. الإماء: جمع أمة وهي المملوكة. والذين يبتغون الكتاب: المكاتبة وهي ان يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من الماء اذا ادَّاه اليه يصبح حرا. الفتيات: الاماء. البغاء: الزنا. التحصن: العفة. مبينات: مفصلات لكل ما تحتاجون. ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . وزوِّجوا من لم يتزوج من رجالكم ونسائكم، وأعينوهم على الزواج، حتى لا يقعوا في المعصية، ويسِّروا الزواج بقدْرِ ما تستطيعون من تقليل المهور، والمساعدة بكل الوسائل. وأعِينوا الصالحين من عبيدِكم وإمائكم على الزواج ليتحصنّوا او يعفُّوا. ولا تنظروا الى فقرِ من يخطُب او فقرِ من تريدون زواجَها، ففي فضل الله ما يغنيهم، واللهُ ذو سعةٍ عليمٌ بكل شيء. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ اما الذين لا يجدون القدرة على مئونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله. وقد ورد في الحديث الصحيح ان النبي ﷺ قال «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء» الباءة: النكاح ومؤنته. الوجاء: الخِصاء، يعني انه يعين على نسيان النكاح. وفي الحديث الصحيح: «ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» أخرجه الترمذي والنسائي. ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق. . . . فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال - على المؤمنين ان يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية. وهكذا كان الاسلام أول من شرع تحرير الرقيق، وقد انتهى نظام الرق الآن. ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب فقال: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم. ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾ كان من عادات الجاهلية ان الرجل يكون عنده غماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال، ليأخذَ أجورهن. وكانت هذه العادة فاشية فيهم. وقد اشتكت بعضُ الجواري الى الرسول الكريم ﵊ فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة. ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ومن يكره غماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ، والذنبُ على المكرِه، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الاكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ لقد أنزلنا اليكم في هذا القرآن آياتٍ واصحةً مبينّةٌ للأحكامٍ، كما أنزلنا اليكم امثلةً من احوال الأمم السابقة، وارشاداتٍ ومواعظَ للذين يخافون الله وهدى وعزاً لمن تولاه.

стр. 998

المشكاة: الكوّة في الحائط غير نافذ يوضع فيها المصباح. الزجاجة: القنديل من الزجاج. دريّ: مضيء متلألىء نسبةً الى الدر. لا شرقية ولا غريبة: يعني في مكان متوسط، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا غريبة فتحرمها أول النهار. الغدوّ: جمع غدوة: الصباح. الآصال: جمع أصيل، وهو المساء. ﴿الله نُورُ السماوات والأرض. . . .﴾ الله مصدرُ النور في هذا الكون، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والايمان. إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر (والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري) ، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء، فهي شرقية غربية، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح. ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ الى الصراط المستقيم. ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ وهكذا، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون، الحسّيُّ منها والمعنوي، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله، والله يوفق من يشاء الى الإيمان، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله. وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها، ولما فيها من الفوائد والنصح والارشاد. وهو سبحانه واسع العلم، محيطٌ بكل شيء، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي احكام الدين وآدابه. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص: دُرّي بضم الدال واتشديد الراء بدون همز. وقرأ ابو عمرو والكسائي: دِريء بكسر الدال والهمزة. وقرأ حمزة وعاصم: دُرِّيءٌ بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: تَوقَّدَ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض. وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي: يُوقَدُ فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف. وقرأ حمزة وأبو بكر: تُوقدُ بضم التاء والدال. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ. . . .﴾ الآية. ذلك النور المشعّ في السموات والأرض يتجلّى في بيوت الله (وهي المساجد) التي تتصل فيها القلوب بالله. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجدُ بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الارض.

стр. 999

أمر الله ان تبنى وتعظَّم وتعمر بذكر الله من رجالٍ لا تَشغَلُهم الدنيا وزخرفها ولا بيوعهم وتجارتهم عن ذكر الله. . فهم يعملون للدنيا في الأسواق والحقول والمصانع، ويعملون للآخرة فيؤدون جميع فروضهم وواجباتهم، فلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا. وهم مع هذا يخافون هولَ يوم القيامة لاذي تضطربُ الأفئدة من شدّته، وتشخَصُ فيه القلوب والأبصار في حيرة ودهشة. والله تعالى مع كل ذلك يطمئِنُ المؤمنين ويبين مآل أمرِهم وحُسْنَ عاقبتهم بقوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إنها بشرى عظيمة للذين آمنوا واحسنوا، فانه بعد أن يجزيهم أحسنَ ما عملوا يزيدُهم من فضله. ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ما أحسنَ هذه البشرى وما اعظم فضل الله. قراءات: قرأ ابن عامر وابو بكر: يسبح بضم الياء وفتح الباء. والباقون: يسبح بضم الياء وكسر الباء.

стр. 1000

السراب: ظاهرة ضوئية سببُها انعكاس الشعاع من الأرض عندما تشتد حرارة لاشمس فيظنه الانسان ماء يجري ويتلألأ على وجه الأرض، وما هو الا وهمٌ لا حقيقة فيه. القيعة: مكان منبسط من الأرض لا نبات فيه ويقال لها القاع ايضا. لُجّيّ: اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره، وبحر لجي: عميق. يغشاه: يغطيه. لم يكد يراها: تصعب رؤيتها. صافات: باسطة اجنحتها في الهواء. المصير: المرجع. ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ. . . .﴾ في هاتين الآيايتنين يبين الله في مقابل ذلك النورِ المتجلِّي في السموات والأرض، المشعّ في بيوت الله والمشرِقِ في قلوب المؤمنين - مجالاً مظلما لا نور فيه، مخيفاً لا أمن فيه، ضائعاً لا خير فيه. . . . ذلك هو حال الذين كفروا. فَمَثَلُ اعمالهم في بطلانها وعدم جدواها كمثل السرابِ الذي يراه الظمآن في الفلاة في شدة حرارة الشمس فيسرع إليه، حتى إذا وصله لم يجد الماء الذي رجا ان يشرب منه. . . ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ يعني ان كل ما عمله هذا الجاحدُ من أعمال خيرٍ تذهب هباء منثورا، وفي يوم القيامة يحاسبُه الله ويفّيه جزاءه وعقابه. فلا يستفيد من أعماله شيئاً، لأنه لم يؤمن بالله والبعث والجزاء. وكما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ. . . .﴾ وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين. فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء، او كهذه الظلمات في البحر العميق، تتلاطم امواجُه ويتراكم بعضها فوق بعض. ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه الى وجهه لما رآها من شدة الظلام. ان قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات، فهي مظلمة، في صدور مظلمة، في اجساد مظلمة. ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض، ومن فوقها السحاب الكثيف. . . . وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات. وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة. وهذا من أكبرِ الأدلة على ان القرآن من عند الله، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية. . . . فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان، فليس له نور يهديه الى الخير، ويدلّه على الصراط المستقيم. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ألم تعلم ايها النبي أن جميع من في هذا الكون يسبِّح بحمد الله تعالى، وان تسبيحَ كل صنف يختلف باختلاف صفاته وخصائصه، وكلٌّ يسبّح بدلالة وجوده وصورته وأحكامه على وجود المصوّر الحكيم، فالعاقل يسبّح بلسان المقال، وغيره يسبّح بلسان الحال، والطير صافات باسطةً أجنحتها في الفضاء تسبّح الله وتحمدُه بلغاتٍ لا نعملها.

стр. 1001

واعلم أن هذا الوجودَ كلَّه حيّ، ولا معنى للوجود بغير حياة، وان الحياة على مقدار إشراق الأنوار العلوية على المخلوقات، فللانسان وللحيوان وللنبات حياة، أي ان هناك نوعاً من الشعور. وهكذا الجماد له نوع من الشعور لا ندركه. وكل هذه المخلوقات تسبح بحمده تعالى. ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وإلى الله المصير﴾ والله تعالى هو مالكُ هذا الكون ومن فيه وصاحبُ السلطان عليهم، وكلُّهم راجعٌ إليه يوم القيامة للحساب والجزاء.

стр. 1002

يزجي: يسوقُ برفق. يؤلف بينه: يجمع بين أجزائه وقطعه. ركاماً: متراكما بعضه فوق بعض. الودق: المطر. من خلاله: من بينه. من جبال: من قطعٍ عظام تشبه الجبال. سنا برقه: ضوء برقه. يذهب بالأبصار: يخطفها لشدة بريقه ولمعانه. يقلّب الليل والنهار: يتصرف فيهما طولا وقصرا. لأولي الأبصار: لأهل العقول والبصائر. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً. . . .﴾ . في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته. . . . انظرُ أيها الرسولُ الكريم السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض، فترى المطرَ يخرج من خلاله. واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم او يضرّهم تبعاً لقوانينه وارادته، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله. وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار، كما في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] . وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال، فانه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام، وهذا من الأدلة الباهرة على إعاجز القرآن الكريم. ولم تُعرف هذه الصورة الا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن. ﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾ انظر أيضاً الى اختلاف الليلِ والنهار وتقلُّبِها بزيادة أحدِهما ونقص الآخر، والى تغير أحوالهما بالحرارة والبرودة. . . . ان في ذلك كله لعبرةً لذوي العقول السليمة، وعظةً لكل من ينظر ويتأمل. ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ. . . .﴾ والله خلقَ كلَّ حيوان يدب على الأرض من الماء، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الانبياء: ٣٠] . ثم بيّن اقسام هذا الحيوان، فمنهم من يمشي على بطنه كالزواحف، ومنهم من يمشي على رِجلين كالانسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام والوحوش. ﴿وَيَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾ من الحشرات التي تمشي على أكثرَ من أربع ارجل، وغير ذلك على اختلاف انواعها. ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ان الله على إحداث ذلك وخلْقِ ما يشاء لذو قدرة، لا يتعذر عليها شيء فالماء هو اصل الانسان، وجسمُ الانسان معظمه من الماء اذ يحتوي على نحو ٧٠% من وزنه ماءً. والماء اكثر ضرورةً للانسان من الغذاء، فبينما يمكن للانسان ان يعيش ستين يوما بدون غذاء لا يمكنه ان يعيش بغير الماء الا ثلاثة ايام الى عشرة على اقصى تقديره. ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ لقد انزلنا عليك يا محمد دلالئلَ واضحةً تبين الأحكام والعظات، والله يوفق الى الخير من يشاء من عباده، ويرشدهم الى الطريق المستقيم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: والله خالق كل دابة. والباقون: والله خلق كل دابة.

стр. 1003

يتولى: يعرض ولا يطيع. مذعنين: منقادين. أفي قلوبهم مرض: فسادٌ وبغض يحملهم على الضلال. ارتابوا: شكوا. يحيف: يجور. جهد أيمانهم: اقصى غايتها. فان تولّوا: فان تتولوا بحذف التاء، أصلُه تتولوا. الحديث في هذه الآيات الكريمة عن المنافقين الذي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيقولون: آمنّا بالله والرسول وأطعْنا أوامرهما، ثم يفعلون ضدّ ما يقولون، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين. فاذا طُلبوا الى التحاكم أمامَ رسول الله فيما يتنازعون فيه أَبَوا وخافوا ان يحكمَ عليهم. اما اذا عرفوا الحق في جانبهم فإنهم يأتون الى الرسول مسرعين ليحكم بينهم. لماذا يقفون هذا المقوف، هل هم مرضى القلوب بالكفر والنفاق؟ أم يشكّون في عدالة الرسول الكريم؟ ام يخافون ان يجور عليهم الله ورسوله؟ كل هذا لم يحصل، بل هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق. وبعد ان نفى عن المنافقين الإيمانَ الحقَّ بيَّن صفاتِ المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وأولئك هُمُ المفلحون﴾ . فأما المؤمنون حقاً الصادقون فِعلاً فإنهم إذا طُلبوا الى التحاكم بمقتضى ما جاء عن الله الى رسوله قالوا مطيعين: سمعْنا وأطعنا الأمر، وأولئك هم المفلحون. ومن يطِع الله ورسولَه فيما أمرا به وتركِ ما نهيا عنه، وخشيَ الله وغضبه - فأولئك هم الفائزون في الدنيا والأخرة. ثم بعد المقابلة بين المنافقين والمؤمنين يعودُ لاستكمال الحديث عن المنافقين: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أقسم المنافقون بالأيمان المغلّظة لئن أمرتَهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد معك ليخرجون، قل لهم: لا تحلِفوا، إن طاعتكم معروفة لنا، فهي طاعة باللسان فحسب، والله تعالى خبير لا تخفى عليه خافية من اعمالكم فلا يحتاج الى حلف او توكيد. ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول. . . .﴾ قل لهم ايها الرسول: أطيعوا الله وأطعيوا الرسول طاعة صادقة، فإن أعرضوا ولم يمتثلوا، فإنما على الرسول ما حمّله الله من أمر التبليغ، وعليكم ما حمّلكم من التكليف والطاعة. إنكم ان تطيعوا الرسول تهتدوا الى الخير، وما عليه الا التبليغ الواضح. قراءات: قرأ حفص: «يتقْه» باسكان القاف، والباقون: «يتقِهِ» بكسر القاف والهاء. قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: ويتقهي بكسر القاف ومد الهاء.

стр. 1004

ليستخلفنهم: يجعلهم خلفاء في الحكم على هذه الارض. وليمكننّ لهم دينهم: يثبت لهم الاسلام الذي ارتضاه لهم دينا. ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات. . . .﴾ وعد الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم العاملين المجاهدين لجعل الاسلام هو الحاكمَ في الأرض - أن ينصرهم ويجعلهم حكام الأرض، كما فعل مع المؤمنين الذين سبقوهم. كما وعدهم ان يرسِّخَ دعائم دينهم الذي ارتضاه لهم، وان يبدِّل حالهم من الخوف الذي عاشوا فيه عند بداية الإسلام الى أمنِ واستقرار وعز، وبشرط ان يعبدوا الله وحده. وقد تحقق هذا الوعدُ لأسلافنا، وهو قائمٌ الى الأبد إذا نحن أقمنا على شرطِ الله بأن نصدُق في إيماننا، ونسيرَ على منهاج ديننا. ان وعدَ الله حقٌّ قائم وشَرْطَ الله حق معروف، ومن أوفى بعهِده من الله.!؟ والذين كفروا بعد هذا الوعد الصادق، هم الخارجون المتمرّدون، وحسابهُم على الله. ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة. . . .﴾ وبعد الوعد الصادق للمؤمنين بالنصرِ واستخلافِهم في الأرض يأتي الأمرُ بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة عن طيب خاطر لمستحقّيها، واطاعة الرسول ﵊ في سائر ما أمرنا اللهُ به حتى يكون لنا رجاءٌ في رحمته ورضوانه. ثم بين الله بعد ذلك أن الكافرين لا قيمة لهم، وانه سيحلُّ بهم العذاب، ولا يجدون مَهْرَباً مما أوعدهم به ربهم، وأن مصيرهم النار وبئس القرار. قراءات قرأ أبو بكر: كما استخلف، بضم التاء وكسر اللام. والباقون: كما استخلف بفتح التاء واللام. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا يحسبن بالياء. والباقون: لا تحسبن بالتاء. وقرأ ابن كثير وابو بكر: وليبدلنْهم باسكان النون. والباقون: وليبدلنّهم بالتشديد.

стр. 1005

ما ملكت ايمانكم: العبيد والاماء. الحلم: بضم اللام وسكونها، البلوغ. تضعون ثيابكم: تخلعونها. الظهيرة: وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار. العورة من الجسم: كل ما يستحي الانسان ان يظهرهُ من جسمه. ثلاث عورات: ثلاث مرات في الاوقات التي تستريحون فيها. جناح، بضم الجيم: اثم. طوافون عليكم: يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة. القواعد من النساء: العجائز الكبار في السن. لا يرجون نكاحا: لا يطمعون بالزواج. التبرج: اظهار المحاسن. في هذه الآيات توجيهٌ للمؤمنين وتربيةٌ وتعليم إلى اللّياقة الاجتماعية في محيط الأسرة، وذلك أن اندماجَ الخدم والصبيان في أسَرهم قد يتجاوز بهم الاحتشامَ في المخالطة فيدخلون على الكبار دون استئذان في هذ الاوقات الثلاثة المذكورة في الآية. وظراً لأنها أوقات خلوة وحرية شخصية ويتحلل الانسان فيها من لباس الحشمة، جاء القرآن الكريم بتشريع الاستئذان في تلك الاوقات بالنسبة لمن ذكرتُهم من الهدم والصبيان حتى لا يطلعوا على ما يعتبر سراً لا يستساغ إظلاعهم عليه، إذ هو كالعورة التي ينبغي سترها. وفي هذا توجيه لأعضاء الأسرة المؤمنة الى اتخاذ الملابس اللائقة لمقابلة بعضهم البعض، حتى تظل كرامتهم مصونة، وحريتهم مكفولة وآدابهم مرعية، فالقرآن الكريم جاء ليعلّمنا ويوجهنا الى الخير وفضائل الاخلاق وحسن المعاشرة. وكان الخدم والصبيان والعبيد قبل هذا يدخلون على بعضهم دون استئذان. وهناك روايات عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عن هـ، وأسماء بنت مرثد وغيرهما ان بعض الخدم دخل عليهم في بعض هذه الاقوات فتأذوا من ذلك فنزلت هذه الآيات، وهناك احاديث كثيرة في هذا الموضع. بيّن الله تعالى في هذه الآيات ان على الاطفال والخدم ان يستأذنوا للدخول على الكبار في ثلاثة اوقات من اليوم هي: قبل الفجر، وعند الاستراحة وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء. وفيما عدا ذلك يمكن ان يدخلوا دون اذن. أما اذا بلغ الاطفال سن البلوغ فعليهم ان يستأذنوا كما يفعل الكبار على كل حال. واما النساء الكبار في السن اللاتي لا مطمع لهن في الزواج، فلا جناح عليهن اذا تحللن من بعض الملابس في بيوتهن، واذا تعففن باللباس الساتر فانه خير لهن، والله سميع بما يجري بين الناس، عليم بمقاصدهم لا تخفى عليه خافية. قراءت: قرأ الجمهورك ثَلاثُ عورات بضم الثاء، وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي: ثَلاثَ عورات بفتح الثاء.

стр. 1006

الحرج: الضيق، ومعناه هنا الإثم. ما ملكتم مفاتحه: ما كان تحت تصرفكم. الصديق: يطلق على الواحد والجمع. جميعا: مجتمعين. اشتاتا: متفرقين. في هذه الآيةِ الكريمة توجيهٌ للمؤمنين لتنظيم العلاقاتِ والمعاشرة والمخالطة بين الأقارب والاصدقاء، فقد سمح الله للمؤمنين أن يأكلوا مع أصحابِ العاهات من عُمْيٍ وعُرجٍ ومرضى من هذه البيوت التي سمّاها، يدخلونها مجتمعين او متفرقين. وعليهم إن ارادوا دخولها ان يسلِّموا على أهلِها إن كانوا موجودين، او يسلِّموا على انفسهم ان لم يكن في البيت احد. وهذه التحية تحية مشروعة مباركة، بها تطيبُ النفوس. وعلى هذا النحو يوضح الله لنا آياته لعلّنا نعقِلها ونتفهّم ما فيها من الأحكام والعظات لنعمل بها، ونِعْمَ الأدب والمؤدب.

стр. 1007

امر جامع: امر هاميستدعي ان يجتمع الناس عليه للتشاور والتداول. لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضا: لا تنادوا الرسول باسمه: يا محمد، بل عظموه وقولوا: يا رسول الله. يستللون منكم. . .: يخرجون خفية. لواذا: متسترين يلوذ بعضهم في بعض. يخالفون عن امره: يخرجون عن طاعته. ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ. . . .﴾ كما أمَرَ اللهُ تعالى المؤمنين بالاستئذان عند الدخول - أمَرَهم هنا بالاستئذان عند الخروج، وفي هذا تعليمٌ وتأديبٌ لنا جميعا. ان المؤمنين حقاً اذا كانوا مع الرسول ﵊ في امر مهمٍ من أمور المسلمين، كتشاوُرٍ في أمر الحرب، او ما ينفع المسلمين - فلا يحقّ لهم ان ينصرفوا الا بعد استئذانه ومشورته، فمن التزم بهذا فهو من المؤمنين الكاملين، ويحق للرسول أن يأذَنَ لمن يشاء منهم كما تقتضي المصلحةُ التي اجتمعوا عليها، ويستغفر للمستأذنين. فقد حدث حين بدأ المسلمون بحفر الخندق عندما غزتهم قريشُ ومن معها من العرب - وكان في مقدمتهم الرسول الكريم - أنّ بعضَ المنافقين أخذوا يتسلّلون من ذلك المكانِ ويذهبون الى أهلِهم، اما المؤمنون فقد ثبتوا معه، وكان من يريد ن يذهب الى قضاء حاجة يستأذن الرسول الكريم ﵊، فإن قضى حاجته عاد إلى مكانه وعمله. ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ . وعندما تخاطبون الرسولَ الكرمين فلا تنادوه باسمه: «يا محمد» مثلاً، أو يا أبا القاسم، وإنما خاطبوه بياء أيها الرسول، واحترموه غاية الاحترام، باللين من القول وخفض الجناح. ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ والله تعالى يعلم عِلم اليقين الّذين ينصرفون متسلّلين بدون إذن حتى لا يراهم الرسول، فليحذَرِ الذين يخالفون أمرَ الله أن يصيبَهم بلاءٌ من الله او عذاب أليم. ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض. . . .﴾ واعلموا أيها الناسُ أن هذا الكونَ وما فيه مِلْكٌ لله وحده لا شريك له، ويعلم كل ما تعلمون، وسترجعون غليه فينبئكم بكل ما عملتموه من خير او شر، وسيجازيكم عليه، واللهُ بكل شيء عليم. وهكذا ختمت السورة بتعليق القلوب والابصار بالله، وتذكيرها بخشيته وتقواه، والحمد لله أولاً وآخرا، ونسأله التمام على خير.

стр. 1008

تبارك: عظمت بركته، والبركة كثرة الخير لعباده بإنعامه عليهم. الفرقان: القرآن، وسمي الفرقان لانه فرق بين الحق والباطل. على عبده: على محمد بن عبد الله ﷺ . الافك: الكذب. افتراه: اختلقه. فقد جاؤا ظلما: قالوا باطلا. زورا: كذبا. أساطير الاولين: خرافات الأمم السابقة. اكتتبها: نقلها غن غيره. تُملى عليه: تلقى عليه ليحفظها. بُكرةً وأصيلاً: صباحا ومساء. تعالى الله عما سواه، صاحب البركة العظيمة، نزّل القرآنَ الذي يَفْرُق بين الحق والباطل على عبده محمد ﷺ ، لينذرَ به الناس جميعا، ويبلّغه للعالم كله، ليجعلوه منهاج حياتهم في جميع امورهم. ثم وصف نفسه بأربع صفات انفرد بها فقال: ١ - الذي له مُلكُ السمواتِ والأرض: له السلطانُ القاهر عليهما، وهو وحدَه المالك المتصرف في هذا الكون، وله السيطرة المطلقة فيه. ٢ - ولم يتّخذ ولداً، وهو منزَّه عن اتخاذ الولد، والتناسلُ من نواميس الخلق لامتداد الحياة، والله تعالى باقٍ لا يفنى، قادر لا يحتاج. ٣ - ولم يكن له شريكٌ في المُلك، والدليل على ذلك وَحدة هذا الكوْن، ووحدة نظامه ووحدة التصريف، ولو كان له شريكٌ لاختلّ النظام وتعدد. ٤ - وخلقَ كل شيء فقدّره تقديرا، وهذه هي الصفةُ الرابعة التي انفرد بها سبحانه. فقد خلق كل شيء في هذا الوجود وقدَّره تقديراً دقيقا منظَّما بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام. وقد أثبت العلمُ الحديث ان كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وَفْقَ نظامٍ دقيق ثابت لا يقدِر عليه الا خالق قدير مبدع. ويُظهر تقدُّمُ العلم للناس إعجاز القرآن الكريم ومعنى قوله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ . ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً﴾ مع كل هذه الأدلة الظاهرة اتخذ المشركون أرباباً لهم ضِعافاً عاجزين، لا يقدِرون ان يخلقوا شيئاً، وهم مع ذلك مخلوقون، ولا يستطيعون ان يدفعوا عن انفسهم الضرر، ولا جلْبَ الخير لها. وكذلك لا يستطيعون إماتة أحدٍ ولا إحياءه، ولا بعثاً من القبور. فهل يستحق هؤلاء ان يُعبَدوا؟ ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ. . . .﴾ وزعم الجاحدون أن هذا القرآن ليس من عند الله، وان النبيّ ﵊ جاء به من عنده ونَسَبه الى الله، أعانه على وضعه جماعةٌ من أهل الكتاب ممن أسلموا، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ . لقد كذبوا في مقالهم، وظلموا وزوّروا الحقيقة، ولو أنه من عند محمدٍ نفسه لاستطاع كثير من الفصحاء أن يأتوا بمثله!! وقد تحدّاهم أكثر من مرة أن يأتوا بسورةٍ من مثله فلم يستطيعوا. . . . ولا يزال التحدي قائما. ثم أمعنوا في الكذِب والافتراء بأن قوماً آخرين أعانوه عليه كما قال تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . وقالوا ايضا: إن القرآن ليس إلا خرافاتِ الأولين الماضين نَقَلَها محمّد ان قُرئت عليه صباحاً ومساء حتى يحفظها ويقولها للناس. فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ قال لهم أيها النبي: ان هذا القرآن أنزله الله الذي يعلم الأسرارَ الخفية في السماوات والارض، الرحيمُ الغفور.

стр. 1009

مسحورا: مغلوبا على عقله، مخدوعا. الأمثال: الأقاويل العجيبة. فضلّوا: فبقوا متحيرين في ضلالهم. أعتدنا: هيأنا. سعيرا: ناراَ شديدةاللهب، يعني جهنم. أذا رأتهم: إذا قربوا منها وكانت بمرأى منهم. سمعوا لها تَغيظاً: غلياناً وهيجانا عظيما. وزفيرا: وتنفسا شديدا. مقرّنين: مقيدين بالسلاسل. ثبورا: هلاكا. سخِر المشركون من النبي الكريم، وقالوا: انه لا يتميز عنا بشيء، بل هو مثلُنا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فهل الانبياء مثل البشر؟ لو كان رسولاً لأنزل الله معه مَلَكاً من السماء يساعده على الإنذار والتبليغ، او يُنزّل الله عليه كنزاً يُنفِق منه، او يكون له سبتان يأكل منه. ثم زادوا في تعنُّتِهِم فقال الجاحدون: إنكم تتبعون رَجلا سُحِرَ فاختلّ عقلُه فهو لا يعي ما يقول. انظر ايها النبي كيف ضربوا لك الأمثال، وقالوا عنك إنك مخدوعٌ بما يتراءى لك. بذلك ضلّوا عن طريق الهدى، وصاروا حائرين لا يدرون ماذا يقولون. ثم رد الله عليهم بما اقترحوه من الجَنّة والكنز فقال: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً. . . .﴾ . تعالى الله وتزايد خيره، وهو قادرٌ على ان يجعل لك في الدنيا أحسنَ مما اقترحوا، جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ وقصوراً عاليات، لكنّه أراد ان يكون ذلك لك في الآخرة، والآخرةُ خير وأبقى. ثم انتقلَ من ذلك الى كلامهم في البعث وإنكار أمر الساعة وما ينتظرهم فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾ . ولقد أتَوا بأعجبَ من هذا كله، وهو تكذيبُهم بيوم القيامة. وهم يتعلّلون بهذه المطالب ليصرِفوا الناس إلى باطلهم، وقد أعدَدْنا لمن كذّب بيوم القيامة ناراً مستعرة شديدة الحرارة واللهب، اذا قربوا منها ورأتهم من مكان بعيد سَمِعوا غليانها وأصواتَ زفراتها التي تملؤهم بالرعب. واذا أُلقوا في مكانٍ ضَيّق منها مقرونةً أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل - نادَوا هنالك طالبي هلاكهم ليستريحوا من العذاب. فيقال لهم توبيخاً: لا تطلبوا هلاكاً واحدا، بل اطلبوه مِرارا، فلن تجدوا خلاصاً مما أنتم فيه. ثم يعرض في المقابل ما وعد الله المتقين لتزدادَ حسرةُ المكذبين وندامتهم: ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد. . . .﴾ . قل ايها النبي للكافرين: هل هذا العذابُ خير من جنة الخلد التي أعدّها الله للمتقين، ثواباً لهم يجدون فيها جزاء ما قدموه!؟ قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر وابو بكر: ويجعلُ لك قصورا برفع لام يجعل. والباقون: يجعلْ بالجزم.

стр. 1010

ضلّ السبيل: خرج عن طريق الهدى. نسوا الذِكر: تركوا ما ذكِّروا به من القرآن وهدى النبي الكريم. بورا: هالكين. يقال رجل بور وأمرأة بور، وجماعة بور. فما تستطيعون صَرفا ولا نصرا: فلا تقدرون على رفع العذاب، ولا نصر أنفسكم. فتنة: ابتلاء واختبار. بعد ان ذكر الله ما أعدّ للمكذّبين الجاحدين يوم القيامة من العذاب الأليم، وما أعدّ للمتقين من النعيم في جنات الخلد - بيّن هنا أحوال الكافرين مع من عبدوهم من دون الله، وأن هؤلاء المبعوداتِ تكذّبهم فيما نسبوه اليها. فيوم القيامة يحشُر الله المشركين مع من عبدوهم من دون الله مثل عيسى بن مريم وعُزير والملائكة فيسألهم ويقول لهم: أأنتم أضللتم عبادي فأمرتموهم أن يعبدوكم، أم هم الذين ضلّوا باختيارهم؟ فيقولون: سبحانك، ما كان يحقّ لنا ان نطلب من أحدٍ ان يتخذ إلهاً غيرك، لكن هؤلاء الذين أنعمتَ عليهم بالرزق الكثير (هم وآباؤهم) أطغاهم ذلك، ونسوا شكرك والتوجّه إليك وحدك، وبذلك كانوا قوماً خاسرين. فيقال للمشركين الذين عبدوا غير الله: إن الذين عبدتموهم قد كذّبوكم، فاليوم لا تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم، ولا تجدون من ينصركم ويخلّصكم منه، ولْيعلمِ الناسُ جميعا ان من يَظْلِم بالكفر والطغيان - نعذبه عذابا شديدا. ثم يّرد الله تعالى على الذين اعترضوا على رسالة محمد ﷺ بكونه بشَرا، وانهم يريدون ملائكة تأتي بالرسالة، فيقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ . اذا كان المشركون لا يعجبهم ان تكون رسولاً لأنك تأكل الطعامَ وتمشي في الاسواق، فإن تلك سُنّةُ الله في المرسَلين من قبلك. . . . كلّهم كانوا رجالاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ [يوسف: ١٠٩] . ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ وامتحنّا بعضَكم ببعض. وهذا صراعٌ طويل طويل منذ بدءِ العالم ولا يزال مسمر. اصبروا إنَّ الله مطّلع على كل شيء، ويجازي كلاً بما عمل. وهو البصير بحال الصابرين وحال الجازعين. قراءات قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص: ويوم يحشرهم بالياء، والباقون: يوم نحشرهم بالنون. وقرأ ابن عامر: فنقول بالنون، والباقون: فيقول بالياء. وقرأ حفص: فما تستطيعون بالتاء، والباقون: فما يستطيعون بالياء. اللهم اجعلنا من الصابرين على أذى السفهاء، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واعفُ عنا وارحمنا واثبتنا على الإيمان.

стр. 1011

لا يرجون: لا يخافون ولا يتوقعون. واستكبروا في أنفسِهم: تكبروا، تمكن الكبر من نفوسهم. وعتَوا عتواً كبيرا: تمردوا، وتجاوزا حد كبيرا في الظلم. لا بشرى لهم: سوف يكون ذلك اليوم مصدر ازعاج لهم لا بشارة فيه. حِجراً محجورا: تعبير تقوله العرب عندما ينزل بهم مكروه، ومعناه نسأل الله ان يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا. وقدمنا الى ما عملوا: ونأتي الى ما عملوه. هباء منثورا: غبارا متفرقا لا قيمة له. خيرٌ مستقرا: افضل مكان يُستقر فيه. وأحسن مقيلا: وأحسن مكان للراحة والقيلولة. وقال الذين ينكرون البعث، ولا يتوقّعون لقاءنا: لماذ لا تُنَزَّلُ علينا الملائكةُ فيخبرونا بأن محمداً صادقٌ فيما يدّعي؟ ولماذا لا نرى الله فيخبرنا بأنه أرسلك؟ لقد استكبروا ووضعوا أنفسَهم في مكانٍ لا يستحقونه، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان. ثم بين الله انهم سيَلْقَون الملائكة يوم القيامة، ولكن ذلك اليوم لن يسرَّهم ولن يكون لهم فيه بشارة، وسوف يقولون لهم: لا بشرى لكم اليوم. ويومئذٍ يقولون: ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ حراماً محرَّماً، وهي جملة تقال اتقاءً للشر والأعداء، وذلك لا يعصمهم من العذاب. ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ ويوم القيامة نأتي الى ما عملوه من الخير فنحرِمُهم ثوابه ونجعلُه كالغبار المتطاير في الهواء، لا قيمةَ له ولا وزن. ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ وفي المقابل ستكون منازلُ اهل الجنة في ذلك اليوم خيراً من منازل المشركين، فهي أحسن الأماكن للاستقرار الدائم، وأعظمها راحةً وسعادة. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً. . . .﴾ في ذلك اليوم يختلف كل نظام هذا العالم الذي نراه، فتنفرج السماءُ ويُحشر الناس جيمعا. وعند ذلك تنزل الملائكةُ، ويكون المُلك لله وحده، ويكون اليوم شديدا عسيراً على الجاحدين. يومئذ يتحقق الظالمون انهم كانوا على الباطل، فيعَضُّ الظالمُ منهم على يديه من الندم ويقول متمنيا: يا ليتني اتبعتُ الرسُل وآمنت بهم. ثم ان ذلك الظالم يتحسّر ويأسف ويقول: يا ليتني لم أصادقْ ذلك الصاحبَ الذي أضلَّنين وأبعدني عن الخير، وعن ذكر الله بعد ان يسَّره الله لي. لقد خذلني الشيطان. ولكن هذا كله لن ينجيه من العذاب.

стр. 1012

جملة واحدة: دفعة واحدة. لنثّبت به فؤادك: لنقوّي به قلبك. ورتّلناه ترتيلا: نزلناه على مهل، بعضُه إثر بعض. بمثل: بنوع من الكلام. تفسيرا: ايضاحا. يُحشرون على وجوههم: يسحبون عليها. وزيرا: معينا له برأيه. فدمّرناهم تدميرا: أهلكناهم ومحقناهم محقا. الرسّ: الفساد، والبئر المطوّية بالحجارة. أصحاب الرس: طائفة من ثمود. وقرونا: جماعات. تبّرنا تتبيرا: أهلكناهم. القرية التي أُمطرت مطر السوء: هي سَدَوم، قرية قوم لوط. لا يرجون: لا يتوقعون. نشورا: بعثنا للحساب والجزاء. هنا يقول الرسول شاكيا الى الله ان قومه هجروا القرآن ولم يلتفتوا الى ما فيه من هداية. فأجابه الله تعالى يسلّيه بأن هذا ليس دأب قومك فحسب، بل إن كثيراً من الأمم قد فعلوا مع رسُلهم مثل، فلا تجزع يا محمد واصبر كما صبروا، وسينصرك الله عليهم، وكفى بالله هادياً لك وناصراً لدينك. وقال الكافرون: لو كان القرآن من عند الله حقاً لأنزله جملةً واحدة. فردّ الله عليهم مقالتهم، وبيّن لهم فوائدَ إنزاله منجَّماً، ومنها تثبيتُ قلب النبي ﷺ بتيسير الحفظ، وفهم المعنى، وضبط الألفاظ. ثم وعده بأنهم كلما جاؤوا شبُبهةٍ أبطلَها بالجواب الحق، والقول الفصل الذي يكشِف وجه الصواب، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ وفرّقناه آية آية: على مهل وتؤدة. ثم بين الله حال المشركين الذين يحشَرون يوم القيامة وهم في غاية الذل ويُسحبون على وجوههم الى جهنم في أسوأ حال، واضيق مكان. ثم اردف بعد ذلك بقصص بعض الأنبياء مع أممهم الذين كذّبوا فحلّ بهم النَّكالُ والوبال ليكون في ذلك عبرة للمكذبين. فذكر خمس قصص: قصة موسى مع فرعون وقومه، وقصة نوح وقومه، وقصة هود مع قومه عاد، وقصة صالح مع قومه ثمود، وصاحاب الرسّ. وأوردَ كيف اهلكهم جميعاً كما أهلكَ بين ذلك أمماً كثيرة. ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ . لقد أنذرْنا هؤلاء كلهم وذكرنا لهم العظاتِ والأمثال، لكنّهم لم يتعظوا، فأخذناهم بالعذاب ودمّرناهم تدميرا. وهؤلاء قريشُ، يمرّون في أسفارهم الى الشام على قرية قوم لوطٍ التي أمطرنا عليها شرَّ مطر وأسوأه، أفلم يروْها فيتّعظون بما حل بأهلها؟ ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ إنهم لم يتعظوا بها لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء ولا يتوقعون أنهم سيُنْشَرون من قبورهم يوم القيامة.

стр. 1013

اتخذ إلهه هواه: اتبع هواه وشهواته. وكيلا: مؤكَّلا به. واذا رآك المشركون يقولون مستهزئين: أهذا الذي بعثه الله إلينا رسولاً نتبعه ونسير وراءه!؟ ها هو بحُسنِ بيانه وفصاحته يكاد يزحزحنا عن آلهتنا لولا صبرُنا وتمسّكنا بها. سيعلم هؤلاء حين ينزل بهم العذابُ من هو الضالّ ومن هو المهتدي. ﴿﴾ انظر يا محمد في حال الذي اتّبع شهواتِه حتى جعلها إلها له، انك لا تستطيع ان تدعوه الى الهدى، ولا أن تكون عليه حفيظاً ووكيلا. وهل تظنّ أن اكثرهم يسمعون حقّ السماع ما تتلو عليهم أو يعقِلون ما تتضمنه المواعظ التي تلقيها عليهم! إنهم كالبهائم، لا همّ لهم إلا الأكل والشرب ومتاع الحياة الدنيا، بل هم شرٌّ من البهائم وأضلُّ سبيلا.

стр. 1014

ألم تَرَ: الم تنظر. الى ربك: الى صنع ربك. مد: بسط. الظل: الخيال. ساكنا: ثابتا على حاله لا يزول. دليلا: علامة. قبضناه قبضا يسيرا: قليلا قليلا. لباسا: ساترا. سباتا: سكونا. نشورا: بعثا وحركة. بُشْرا: مبشرة. بين يدي رحمته: الرحمة هنا المطر، يعني ان الرياح تأتي مبشرة بالمطر. بلدة ميتا: ارضا لا نبات فيها. أناس: الناس. كُفورا: كفرانا للنعمة وجحودا لها. مَرضجَ البحرين: خلطهما ببعض. عذْب فرات: حلو سائغ للشرب. ومِلح أُجاج: مالح شديد الملوحة. برزخا: حاجزا. حِجرا محجورا: لا يبغي احدهما على الآخر، ولا يفسد المالح العذب. نسبا: ذكورا ينسب اليهم. وصهرا: إناثا يصاهَر بهن. انظر الى صنع ربك كيف بسَط الظلَّ، وجعل الشمس سبباً لوجوده، كما جعله مرافقاً لنور الشمس، فإن مالت طال، وان ارتفعت في السماء قصُر، ثم يقبضه تدريجا. وهو الذي جعل الليلَ ساتراً ومظلِما، والنومَ راحة وهدوءاً، كما جعل النهار مجالاً للسعي والعمل. إنه الله. . هو الّذي جعل الرياح تسوق الغيوم مبشِّرة برحمتِه من المطر، وبهذا الماء الطهور يحيي الأراضيَ التي لا نبات فيها، ومنه تشرب الأنعام والناس. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ لقد كررنا هذا القولَ (وهو ذِكر إنشاء السحاب وإنزال المطر) على الناس ليعتبروا، ولكن اكثر الناس أبَوا إلا الكفر والعناد. وهناك رأيٌ ثانٍ في تفسير هذه الآية ومعناه: وهذا القرآن قد بيّنَا آياته وصرّفناها ليتذكر الناس ربهم، وليتَّعظو ويعملوا بموجبه. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ إنا عظّمناك ايها الرسول بهذا الأمر، وجعلناك مستقلا بأعبائه، فاجتهد في دعوتك. ولا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه، وجاهدْهم بتبليغ رسالتك جهاداً كبيراً. ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ . ومن آثار نعمة الله على خلْقه ان خَلَقَ البحارَ نوعين، منها عذبٌ سائغ للشاربي، ومنها مالح شديد الملوحة، وجعل البَحْرَين متجاورين، لكنّ بينهما حاجوزاً بحيث لا يطغى المالح على العذب فيفسده. وهو الذي جعلَ الماءَ جزءاً من مادة الانسان، وخلقه من النطفة ثم جعل الناس ذكورا واناثا، ذوي قرابات بالنسبَ أو المصاهرة، والله قديرٌ فعال لما يريد.

стр. 1015

ظهيرا: مظاهرا، يعاون الشيطان على ربه. البروج: منازل الشمس الاثنا عشر: الحمَل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ. . . .﴾ تقدم في الآية ١٨ من سورة يونس. ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ يُعين أهلَ الباطل على أهلِ الحق. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ . تقدمت نفس الآية في سورة الاسراء ١٠٥. ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ قل لهم أيها الرسول: لا مطمعَ لي في أموالكم، ولا أريد منكم أجراً، إلا من شاء منكم ان يتقرّب إلى الله ويهتدي ويسلُكَ سبيل الحق. . . . فأجرُه على الله. وتوكلْ في كل أمورك على الله الحيّ الباقي الذي لا يموت، وسبِّحْ بحمده، والله يعلم كلا ما يعلمه العباد وهو خبير بها، ومجازيهم عليها يوم القيامة. ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض. . . . الرحمن﴾ تقدمت الآية في سورة الاعراف ٥٤ وسورة يونس ٣. ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ في هذه الآية الكريمة توجيه علميّ من الله الى ضرورة البحث والتنقيب فيما يمكن بحثه من مظاهر الكون ونظُمه المختلفة للوقوف على أسرار قدرة الله في إبداع الكون. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ اذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون غير الله: اعبدوا الرحمن، قالوا: لا نعرف من هو الرحمن حتى نسجد له. أتريدنا ان نطيعَك ونعصي آباءنا فيما كانوا يعبدُون؟ وازادوا عن الإيمان بُعدا. ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ تعالى الله وتزايد فضله، إذ جعل في السماء نظاماً من النجوم تمر أمامها الشمس، وهي كأنها منازل لها في دورانها اثناء السنة. وكل ثلاثة منها تؤلف فصلاً من فصول السنة، فبرجُ الحمَل والثور والجوزاء لفصل الربيع، والسرطان والأسد والسنبلة للصيف، والميزان والعقرب والقوس لفصل الخريف، والجدي والدلو والحوت لفصل الشتاء. والشمس هي النجم الوحيد في عالمنا الذي نعيش فيه، أما بقية الكواكب التي تدور حولها مثل الارض وعطارد والزهرة والمريخ وزحل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو - فكلّاه كواكب غير مضيئة تستمد نورها من الشمس. وكذلك القمر فالمشس سِراج، والقمر منير يتلألأ بالنور من ضياء ذلك السراج. ونحن نوجد في النظام الشمسي: الشمس وما يدور حولها من الكواكب المذكورة، من اتباع المجرّة التي يسميّها العوام «دَرْبَ التبّانة» . وهي سَديم لولبي عدسي الشكل قُطره اكثر من مئتي الف سنة ضوئية، وسماكته نحو عشرين الف سنة ضوئية. وهذا كلام كالخيال. وتشتمل هذه المجرّةُ على ملايين النجوم المختلفة الحجم والحرارة والسرعة والضوء. والواقع ان شمسنا بحجمها وعظمتها - لهي متوسطة الحجم والسرعة والنور بالنسبة الى النجوم التي في هذه المجرة، فهناك نجوم اكبر بكثير من شمسنا، ولكنها تظهر صغيرة لبعدها.

стр. 1016

والنجمُ تستصغر الأبصارُ صورته ... والذنْب للطَّرفِ لا للنّجم في الصِغَر واقرب نجم الينا نجم اسمه: «حَضارِ» بفتح الحاء والضاد وكسر الراء، يبعد عن شمسنا اربع سنوات وربع سنة ضوئية. ولا اريد الاطالة فالموضوع واسع كُتبت فيه مجلداتٌ وتجري فيه ابحاث يوميا. ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ الله وحده هو الذي جعل الليلَ والنهار متعاقَبين يَخْلُف أحدُهما الآخرب، وفي ذلك عظةٌ وذكرى لمن أراد ان يتعظ باختلافهما ويتذكر نعم الله، ثم يتفكر في بديع صنعه، ويشكره على هذه النعم الجلية. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: سُرُجا بالجمع. والباقون سراجا. وقرأ حمزة: ان يذْكُر، باسكان الذال وضم الكاف. والباقون: ان يذّكّر بفتح الذال المشددة والكاف المفتوحة المشددة.

стр. 1017

هونا: برفق ولين: يمشون بسكينة ووقار. الجاهلون: السفهاء. سلاما: مسالمة ومسامحة. غراما: هلاكا. لم يسرفوا: لم يجاوزوا الحدود في النفقة. ولم يقتُروا: لم يضيّقوا على عيالهم بالبخل والشح. قَواما: وسطاً مَتابعاً: مرجعا حسنا. مرّوا كراما: لم يخوضوا باللغو مع الخائضين. لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا: انهم يتفهمون ما يلقى عليهم، ولا يأخذونها بدون فهم. قرة أعين: ما يسر الأعين ويفرحها. واجعلْنا للمتقين إماما: المام يُستعمل للمفرد والجمع. الغرفة: كل بناء مرتفع، والمراد بها هنا الدرجات الرفيعة. ما يَعبأ بكم: لا يعتدّ بكم. دعاؤكم: عبادتكم. لزاما: لازما. ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً. . . .﴾ . ختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة بصفاتِ عباده المؤمنين، وبيّن فيها ما لهم من فاضِل الصفات وكامل الاخلاق التي تميّزوا بها، وكانوا قدوة للعالم حين أعطوا المَثَلَ الأعلى في العدل والمساواة والتسامح. وقد عدّد في هذه الآيات إحدى عشرة صفة مما تَشْرئبّ اليها اعناق العاملين، وتتطلع اليها نفوس الصالحين، الذين يبتغون المثوبة. وهي: ١ - فعباد الرحمن هم المتواضعون لله، يمشُون في سَكينة ووقار غيرَ متكبرين. وليس معنى هذا أنهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس كما يفهم بعضُ الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح، كلا فقد كان رسول الله ﷺ أسرعَ الناس مِشيئةً وأحسَنَها وأسكنها. ٢ - واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما: اذا اعترضهم السفهاءُ وسبّوهم وآذوهم بالقول السّيء لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، فهم حُلماء لا يجهلون، واذا جُهِلَ عليهم حَلِموا ولم يسفهوا. ٣ - والذين يبيتون لربهم سجَّداً وقياماً. والذين يصلّون في الليل، لان العبادة في الليل أبعد عن الرياء. قال ابن عباس: من صلى ركعتين او اكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا. وليست العبادة بالكثرة، ولكنها بالاخلاص والخشوع والنية الصافية. ٤ - والذين يقولون ربَّنا اصرفْ عنا عذابَ جهنم. . . . وهم يغلِّبون الخوف على الرجاء فيسألون الله تعالى ان يبعد عنهم عذاب جهنم وشديد الآلمها. فانها بئس المنزل مستقرا ومقاما. ٥ - والذين إذا أنفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا. . . . ومن صفاتهم العالية الاعتدال في انفاقهم المال، فهم ليسوا بالمبذرين في انفاقهم، ولا ببخلاء على انفسهم وأهليهم، وهم اجواد في مصالح الناس والوطن وعمل الخير. ٦ - والذين لا يدْعون مع الله إلهاً آخر. . . . والذين لا يعبدون غير الله ولا يشركون به احدا، بل يخلصون له العبادة والطاعة. ٧ - ولا يقتلون النفسَ التي حرَّم الله لا بالحقّ. لا يُقْدِمون على هذه الجريمة الكبرى بغير حق، ﴿مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

стр. 1018

[المائدة: ٣٢] . ٨ - ولا يزْنُونَ، ومن يفعلْ ذلك يَلْقَ أثاما. ولا يقدمون على هذه الجريمة القبيحة التي كانت متفشية في الجاهلية. فقد كرمهم الله تعالى بنفي هذه الصفات السيئة عنهم وبذلك كانوا عباد الرحمن حقا. ٩ - والذين لا يشهدون الزورَ، وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كراما. وهذه الصفات من اخلاق عباد الرحمن، فانهم لا يشهدون الشهادة الكاذبة، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو من القول الباطل، ولا يخوضون مع الخائضين. ١٠ - والذين اذا ذُكِّروا بآيات ربّهم لم يَخِرَّوا عليها صُمّاً وعُميانا. والذين اذا ذكّروا بآيات الله واحكامه تلقَّوها بالفهم والوعي الصحيح، ثم نفّذوها وعملوا بها. ١١ - والذين يقولون: ربَّنا هبْ لنا من أزواجنِا وذريّاتنا قُرَّةَ أعينٍ واجعلءنا للمتقين إماما. ويسألون الله تعالى ان يرزقهم الزوجات الصالحات والذرية الطاهرة التي تسر نفوسهم وتقر بها أعينهم، وان يجعلهم ائمة في الخير يقتدي بهم الصالحون، وقد كانوا كذلك. ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً﴾ فعباد الرحمن الذين اتصفوا بهذه الصفات الكريمة الفاضلة لهم الجناتُ وأرفعُ الدرجات لقاءَ صبرهم وجهادهم. وستتلقاهم الملائكة في الجنّة بالتحيّات الزاكيات والتسليم. خالدين فيها ابدا في احسن مكان، وأنعم بال، وأطيب عيش. ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] . ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ ان الله تعالى غنيّ عن العالمين، ولولا هذه الصفوةُ من الناس الذين يعبدونه حقَّ عبادته، وهم أهلُ هذه الصفات السامية - لما كان اللهُ يَعْبَأ بالبشريَّة جميعها. ان الله لا يُبالي بكم إذا لم تؤمنوا، فقد كذَّبتم بدينه، فسوف يعذّبكم عذاباً لازماً لا ينفكُّ عنكم ولا يزول.

стр. 1019

باخع نفسك: مهلكها من شدة الحزن. اعناقهم: رقابهم، والمراد بها هنا الجماعات، من ذِكر: من موعظة. من كل زوج: من كل صنف. طسم: تقرأ هكذا طا. سين. ميم. وتقدم الكلام على هذه الحروف، وهي لبيان ان القرآن المعجِز للبشر رُكبت كلماته منها ومن أخواتها، فمن ارتاب في ان هذا القرآن من عند الله فليأتِ بمثله، ولن يستطيع. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ ان هذا الكلام الذي أوحيتُ به اليك يا محمد هو آياتُ القرآن البيّن الواضح الذي يفصل بين الحق والباطل. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ لعلّك أيها الرسول ستعتل نفسك ان لم يؤمن قومُك برسالتك، هوِّنْ عليك فإن الله سينصرك. ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] . ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ان في قدرتنا أن نأتيَهم بمعجزة تُلجئهم إلى الإيمان وتجبرهم عليه، فيخضعون. ويتم ما نرجوه. ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ وما يجدد الله لقومك من موعظةٍ وتذكيرٍ إلا جدّدوا إعراضا وتكذيبا واستهزاء. ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لقد كذّبوا بما جئتهم به من الحق فاصبر عليهم، فسيَرَوْن عاقبةَ استهزائهم، وسيحلّ بهم عاجلُ العذاب وآجله في الدنيا والآخرة. وبعد ان بيّن إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم - ذكر أنهم أعرضوا عما يشاهدونه من آياتٍ باهرة فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ؟ كيف اجترأوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابة!! أوَلَم ينظروا ويتأملوا في عجائب قدرته تعالى وخلقِه هذه الأصنافَ التي تسترعي الأنظار، وتبهر الناظرين! . ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ان في هذا وأمثاله لمعجزةً عظيمة وعبرةً جليلة ودليلاً على وجود الخالق القدير، ولكنّهم لم يُعمِلوا عقولَهم في النظر في هذا الكون البديع، فما آمنَ أكثرهم، وظلّوا جاحدين. ثم بشّر الله رسولَه بالنصر والتأييد وغلبتِه لأعدائه وإظهاره عليهم فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ ان ربك أيها الرسول لقويٌّ قادر على كل ما يريد، وهو ذو الرحمة الواسعة، فلا يعجِّلُ بعقاب من عصاه، وهو المتفضّل بالرحمة على المؤمنين.

стр. 1020

مرت حلقاتٌ من قصة موسى في سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، عدا اشارات اليها في سورة أخرى. وفي كل سورة تأتي القصة مناسبةً لها، وهنا تبدأ القصة من الآية العاشرة الى الآية ٦٨. اذكر يا محمد لقومك اذ نادى اللهُ موسى وأمَرَه ان يذهب إلى قوم فرعونَ الظالمين ليدعوهم الى دين الله، فقال موسى إني أخاف أن يكذّبوا برسالتي، ولا ينطلق لساني لما فيه من الثقَل، فأرسلْ معي أخي هارون رسولاً يعنني. ولهم عليَّ ذنبٌ حين قتلتُ منهم رجلاً فأخاف ان يقتلوني به. فقال له الله: لن يقتلوك، فاذهبْ أنت وأخوك هارون بآياتي وأنا معكم أستمعُ لما تقولون وأرى ما يجري بينكم. اذهبا وقولا لفرعون إننا رسولا ربِّ العالمين، أرسلَنا اليك لترسلَ معنا بني اسرائيل وتدَعَهم أحرار يعبدون الله. فلما ذهبا الى فرعون وقالا له ما أمرهما الله به، قال فرعون لموسى: يا موسى، ألم نُربِّك في قصرِنا وأنت وليد صغير، ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك حتى كبِرتَ وأصحبتَ شابا، وجنيتَ جنايتك فقتلتَ رجلاً دون ذنبَ!! وأنت الآن تكفر بدِيني، وتنكر نعمتي! فقال موسى: لقد ارتكتبُ جريمتي وأنا ضالّ لا أعرف حدود الله، وفررت منكم لَمّا خفت أن تقتلوني، فوهب الله لي حُكماً وعلماً وجعلني من المرسلين. انك يا فرعون تمنّ عليّ بتربيتك لي، والواقع أن جميع ما أنعمتَ به علي لا يعادل ما ارتكبتَه أنت مع بني اسرائيل من استعبادٍ وقتل وإذلال. قراءات: قرأ يعقوب: ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، بنصب يضيق وينطلق، والباقون بالرفع.
следующие страницы →