← Тафсир

Тафсир · id 29

تيسير التفسير للقطان

إبراهيم القطان

Полный текст (1 460 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

آيات محكمات: محكمة العبارة لا تقبل الصرف عن ظاهرها. أُم الكتاب: أصله الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود. وأخر متشابهات: محتملات لعدة معان لا يتضح المقصود فيها الا بتدقيق النظر. زيغ: عدول عن الحق. ابتغاء الفتنة: طلبا للفتنة. الراسخون في العلم: المتمكنون منه. لقد أنزل الله عليك القرآن وجعل فيه آيات محكمات، محدّدة المعنى بينه المقاصد، هي الأصل واليها المرجع في الدين والفرائض والحدود. كما جعل فيه آيات متشابهات يدِقُّ معناها على كثير من الناس وتشتبه على غير الراسخين في العِلم. فأما الآيات المتشابهات فقد أُنزلت بحكمته تعالى لتبعث العلماء على تدقيق النظر ودقة الفكر في الاجتهاد. لكن أهل الشك والذين في قلوبهم ميل عن الحق يتّبعون ما تشابه من الآيات رغبةً في اثارة الفتنة. . يؤوّلونها حسب أهوائهم، فيُضلّون وراءهم خلقاً كثيرا. ولا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات الا الله والذين تثبتوا في العلم وتمكنوا منه، وهؤلاء يقولون: اننا نؤمن بالقرآن كاملاً، لا نفرق بين مُحكمة ومتشابهه. وما يعقل ذلك وبفقه حكمته الا ذوو البصائر المستنيرة، والقعول الراجحة. هذا وقد استفاض الحديث حول أن في القرآن محكماً ومشابهاً، وان العلماء أمام هذه المتشابه فريقان: فريق السلف الذي يرى التفويض وعدم الخوض في معناه، وفريق الخلف الذي يرى التأويل وصرف اللفظ عن دلالته المعروفة الى معنى يتفق مع ما دل عليه المحكم. ويعتبرون من ذلك أمثال قوله تعالى «الرحمنُ على العرش استوى» «يد الله فوق أيديهم» «بل يداه مبسوطتان» «والارض جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة والسّماواتُ مطويات بيمينه» فيقولون ان معنى الاستواء هو الاستيلاء. واليد بمعنى القدرة. واليمين بمعنى القوة. وبسطُ اليد بمعنى كثرة المنح والعطاء، الى غير ذلك. وهناك أقوال كثيرة اختلافات كبيرة في هذا الموضوع لا طائل منها ولا فائدة.

стр. 177

ويطلب اولئك العلماء الراسخون في العلم الى الله كان الله ان يحفظهم من الزيغ بعد الهداية. ويهبهم الثبات على الإيمان فيقولون: ربنا لا تجعل قلوبنا تنحرف عن الحق بعد ان هديتنا اليه، وهبْ لنا رحمتك إنك أنت كثير النعم والافضال. وهذا تعليم من الله لنا ان نعرف حدودنا ونقف عندها، ونطلب منه تعالى دائما ان يثبِّتنا على الإيمان فلا يتركنا عرضة للتقلب والنسيان. ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس. . .﴾ وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وذلك لأ، هم لما طلبوا من الله تعالى ان يصونهم عن الزيغ ويخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا بل مايتعلق بالآخرة. فاننا نعلم يا إلَهنا انك جامع الناس للجزاء يوم القيامة. فمن زاغ قلبه بقي العذاب أبداً، ومن منحته الرحمة والهداية بقي في السعادة والكرامة أبدا.

стр. 178

وقود النار (فتح الواو) : الحطب وكل ما يُحرق فيها. الدأب: العادة. بعد ان بين الله لنا الدّين الحق وقرر التوحيد، ثم نوّه بشأن القرآن الكريم وايمان العلماء الراسخين بالمحكم والمتشابه به من آيات شرع يذكر حال أهل الكفر والجحود ويبين أسباب غرورهم باموالهم وأولادهم، فقال ما تفسيره: ان الذين كفروا وجحدوا بنوة محمد ﷺ لن تنجيهم أموالهم الوافرة، ولا أولادهم الكثيرون من عذاب الله يوم القيامة، بل سيكنون حطبا لنار جهنم. ذلك أنهم في تكذيبهم بمحمد وكفرهم بشريعته مثلُ آل فرعون مع موسى، ومثل من كان قبلهم من الأمم مع أنبيائهم، كذّبوا بآيات الله، فنكل بهم وأهلكهم بسبب كفرهم، والله شديد العقاب.

стр. 179

قال يا محمد للكافرين عامة: ستُغلبون أيها الكافرون، وستُحشرون الى جهنم التي ستكون لكم فراشا، وياله من فراش سوء! . وفي سنن أبي داود والبَيْهَقي (في الدلائل) ان رسول الله لما رجع من وقعة بدر، جمع اليهود في سوق قينقاع وقال: يا معشر يهود، أَسلِمموا قبل ان يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد لا يغرّنَك من نفسك ان قتلت نفرا من قريش كانوا أَغْماراً لا يعرفون القتال. إنك والله لو قاتلتنا لعرفتَ انا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ. . .﴾ وقد صدق وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر. لقد كان لكم عبرة ظاهرة في طائفتين من المحاربين التقتا يوم بدر، إحداهما مؤمنة تحارب لإعلاء كلمة الله، والاخرى كافرة تحارب في سبيل الشيطان. فأيد الله المؤمنين ونصَرهم. لقد جعل الكافرين يرونهم ضعف عددهم الحقيقي، وبذلك وقع الرعب في قلوبهم فانهزموا. أليس في هذا النصر عبرة لأصحاب البصائر الرشيدة والعقول السليمة! قراءات: قرأ حمزة والكسائي «سيغلبون ويحشرون» بالياء. وقرأ نافع «ترونهم مثيلهم» بالتاء.

стр. 180

الشهوات: مفردها شهوة. وهي التي فسرها الله في الآية بمعنى جميع ما يشتهي الانسان. الانعام: الابل والبقر والغنم. الخيل المسوّمة: الخيل الحسان المعدّة للركوب والقتال: فُطر الناس على حب التملك واشباع شهواتهم إلى الاستحواذ، كما في محال التمتع بالنساء وكثرة البنين وتركيم قناطير الذهب والفضة واقتناء الخيل الحسان، الانعام العائدة بالربح، والعقار، والاراضي المفلوحة. . ولكن ذلك كله لا يقاس بشيء مما عند الله الذي أعدّه لعباده في الحياة الآخرة. فلا ينبغي للناس ان يجعلوا همّهم في هذا المتاع العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لخير الثواب الآجل، والله عنده حسن المآب. روى البخاري ومسلم عن بان عباس ان النبي ﷺ قال: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنّى ان لكون لهما ثالث، لا يملأ جوفَ ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب» .

стр. 181

أُؤنبئكم: أخبركم. مطهرة: نظيفة خالية من الدنس. الرضوان: الرضا. القانتين: العابدين، المداومين على الطاعة والعبادة. قل يا محمد للناس الذين زُيّن لهم حب الشهوات التي أسلفنا: أيها الناس، هل أُخبركم بخير من ذلكم وأفضل لكم؟ ان للذين اتقوا ربهم ثواباً عنده: هو جنات ظليلة تجري من تحتها الأنهار، وزوجات خلّصهن الله من كل ما يعيب النساء في الدنيا، ورضاء من الله يتمتعون في ظله بنعيم أكبر. ان الله هو البصير بعباده، الخبير بقراءة أنفسهم، ودخائل أحوالهم. فمن هم هؤلاء؟ إنهنم الذين تتأثر قلوبهم بثمرات ايمانهم، فيقولون: ربنا إنننا آمنّا استجابة لدعوتك، فاغفر لنا ذنوبنا بعفوك، وأبعد عنا عذاب النار. ثم بين أحسن ما امتازوا به من أوصافهم فقال: الصابرين: على أداء الطاعات وترك المحرمات. والصادقين: والصدق هو منتهى الكمال. والقانتين: وهم الذي داوموا على العبادة والطاعة لله تعالى مع الخشوع والخضوع. والمنفقين: اي الذين ينفقون المال في سبيل الله، عن طيب قلب وصدق نية. . والمستغفرين بالأسحار: الذين يتهجدون في آخر الليل، ساعة النوم، حين يشق على النفس القيام. وهو وقت عظيم تكون فيه النفوس صافية والقلوب فارغة عن مشاغل الدنيا. قراءات: قرأ عاصم في رواية أبي بكر «رضوان» بضم الراء في جميع القرآن ما عدا قوله تعالى ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام﴾ في سورة المائدة فإنه قرأها بكسر الراء. والباقون قرأوها بكسر الراء.

стр. 182

القسط: العدل. الدين: مجموعة التكاليف التي يدين بها العباد لله. الاسلام: الخضوع الاستسلام. حاجّوك: جادلوك. الأميّون: مشركو العرب. بعد ان بين جزاء المتقين، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء بيّن لنا هنا أصول الايمان، فقال: شهد الله بما نصبه من الأدلة وأوحاه من الآيات أنهن لا الَه غيره، وانه قائم على شئون خلقه بالعدل، وشهدت بذلك ملائكته الاطهار وأهل العلم. انهو هو العزيز الذي لا يغلِب أحد على أمره، والحكيم الذي شملت حكمته كل شيء. ان الدين عند الله هوة الاسلام، فجمي المال والشرائع التي جاء بها الأنبياء أساسُها التسليم الانقياد والخضوع. اما أهل الكمتاب فقد اختلفوا في هذا الأمر من بعد هذا الامر من بعدما جاءهم اليقين على صحته. ولم يكن اختلافهم عن شُبهةٍ أو جهل، كلا بل من جرّاء التكبر وطلب الجاه والرياسة والمال. ومن يكفر بآيات الله الدالة على وجوب الاعتصام بالدين، ووحدته، وحرمة الاختلاف فيه فان الله ما أسرع ان يحاسبه على ذلك. فإن جادلوك يا محمد في هذا الدين بعد أن أقمتَ لهم الحجج فلا تجارهم، بل قل لهم: اني اخصلت عبادتي لله وحده، انا ومن اتبعني من المؤمنين. وقل لهؤلاء اليهود والنصارى والمشركين من العرب: أسلمتم مثل اسلامي بعد ان ظهرت لكم الدلائل؟ فان اسملموا فقد عرفوا طريق الهدى واتبعوه، وان أعرضوا فليس عليك الا ان تبلّغهم رسالة الله، والله بصير بعباده لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وأعمالهم. قراءات: قرأ الكسائي «أن الدين عند الله الاسلام» بفتح ان والباقون بالكسر.

стр. 183

حبطت أعمالهم: بطلت. أصل البشارة: الخبر السار، وجاء استعمالها هنا على طريق التهكم والسخرية. ان الذين يكفرون بدينك من يهود زمانك يا محمد، وكان اسلافهم يقتلون الأنبياء بغير حق، كما يقتلون الذين يأمورن بالعدل من الناس لن ينالوا خيراً أبداً، بل لك ان تبشّرهم بعنذاب مؤلم في الدنيا والآخرة. هؤلاء هم الذين خسروا أنفسهم وفسدت أعمالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا، فلأنهم لم ينالوا حمداً ولا ثناء من الناس، وأما في الآخرة فلأنهم فعلوا كل ما سبق من الشائنات. لذا فقد أعد لهم الله الخلود في النار، وما لهم من أحد يجنبهم بأس الله وعذابه. قراءات: قرأ حمزة: ويقاتلون الذي يأمرون بالقسط.

стр. 184

النصيب: الحظ. الكتاب: التوراة. يتولى: يعرض. يفترون: يكذبون. لا ريب فيه: لا شك فيه. ألم تعلم يا محمد حال هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من التوراة كيف يُعرضون عن العمل بموجبه حين يُدعون اليه اذا لم يوافق أهواءهم! هذا دأب أرباب الديانات في طور انحلالها واضمحلالها. «روى البخاري عن عبد الله بن عمر ان اليهود جاءوا الى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحمِّهما ونضربهما. فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيه شيئاً. قال لهم عبد الله بن سلام وكان من علمائهم وقد أسلم: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين. فلما جاءوا بها وجدوا فيها آية الرجم، فأمر بهما النبي فرجما» فغضب جماعة من اليهود من ذلك، لأنهم يزعمون ان النار لن تمسّهم الا أياماً معدودات. وقد دفعهم الى ذلك غرورهم بأنفسهم وتكبرهم، حتى لقد صدّقوا ما كانوا يفترون من الكذب على دينهم وما يحرّفون من كتبهم. كيف سيكن حالهم اذا جمعناهم ليوم القيامة، وهو آتٍ لا ريب فيه، حيث توفّى كل نفس جزاء ما علمته من خير أو شر، وبالقسطاس المستقيم!! هناك العدل الكامل، ولا يظلم ربك أحداً.

стр. 185

اللهم: يا الله. تنزع الملك: تخلع الملك. قل يا أيها النبي ضارعاً الى الله: يارب، أنت وحدك مالك كل شيء، تمنح من تشاء الحكْم وتخلع ذلك عمن تشاء، وتهب العزة لمن تشاء من عبادك، وتضرب الذل والهوان على من تشاء. ان بقدرتك الخيرَ كله تتصرف فيه وحدك كما تشاء، وأنت على كل شيء قدير.

стр. 186

تولج: تدخل. انكل تُدخل بعض الليل في النهار فيقصُر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل بعض النهار في الليل فيطول الليل من حيث يقصر النهار. كل هذا بحكتمك في خلق الكون، فهل من ينكر بعد هذا ان تؤتي االنبوةَ والملك من تشاء! إن تصرّفك بشئون الناس كمثل تصرفك في الليل والنهار. وتُخرج الحيَّ من الميت: كالعالِم من الجاهل والمؤمن من الكافر، والنخلة من النواة، والانسان من النطفة، والطائر من البيضة. وتُخرج الميت من الحيّ: كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر. وترزُق من تشاء بغير حساب: فتهب عطاءك الواسع من تشاء، فلا رقيب يحاسبك. ومن كان هذا شأنه لا يعجزه ان يمنح رسوله وأصفياءه السيادة والسلطان كما وعدهم، اذا هم استقاموا على الطريقة المثلى، وساروا على الصراط المستقيم. قراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر «الميت» بسكون الياء.

стр. 187

الأولياء: جمع ولي: النصير والصديق. تقاة: اتقاء وخوفا. في هذه الآية تحذير كبير من اتخاذ الكافرين أولياء، فالله نبّهنا في الآية السابقة أن نلتجىء اليه، وأفهمنا ان كل شيء بيده، وهنا يحذّرنا من ان نتخذ الكفارين اصدقاء وناصرين: فما دام الله وحده هو مالك الملك، يعزّ ويذل ويعطي ويمنع، فهل يجوز للمؤمنين ان يجعلوا لغير المؤمنين ولاية عليهم؟ ان في يهذا خذلاناً للدِّين واضعافاً للولاية الاسلامية، ومن يسلك هذا المسلك فإن الله يتخلى عنه. ولا يجوز للمؤمن ان يرضى بولاية الكافرين الا مضطرا، فيتقي أذاهم باظهار الولاء لهم. وعلى المؤمنين ان يكونوا في الولاية الاسلايمة، وهي ولاية الله، ولْيحذَروا ان يخرجوا منها الى غير ولايته، فيتولى عقابهم بنفسه، كما هو حاصل اليوم، حيث ألقى طائفة من المسلمين بأنفسهم في احضان أعدائهم وأعداء الله في الشرق والغرب، فأذاقهم الله الذل ونصَر عليهم اليهود. وهو سينصرهم لو رجعوا اليه، لا إلى مطامعهم، ووحدوا صفوفهم، وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله لا في سبيل الكراسي والمناصب.

стр. 188

قل يا محمد للذين أمرتُهم ان لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين: إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتُسرّوه، أو تبدوه بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه يعلمه الله، فهو الذي يعلم جميع اما في السماوات وما في الارض. إياكم ان تُظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به. وفي هذه الآية بيان وايضاح لقوله تعالى: «ويحذِّركم الله نفسَه» اي لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها. . فلا تجسروا على عصيانه.

стр. 189

الأمد: المدة الطويلة. رؤوف: رحيم أشد الرحمة. واحذروا يوم تجدُ كل نفس عملها من الخير أو الشر حاضراً أمامها، فُتسَرُّ بالأول وتتمنى للثاني ان يكون بعيداً عنها حتى لا تراه، خوفاً من العقاب. ويحذّركم الله عقابه اذا خرجتم من ولايته باقتراف الذنوب. كل هذا مع انه رؤوف بعباده واسع المغفرة لهم. ومن رأفته بالناس انه جعل الفطرة الانسانية ميالة بطبعها الى الخير، مبغضة لما يَعْرِض لها من الشر، كما جعل أثر الشر في النفس قابلاً للمحو بالتوبة والعمل الصالح.

стр. 190

ق يا محمد: ان كنتم صادقين في دعواكم أنكم تحبون الله وتريدون ان يحبّكم الله، فاتبعوني فما آمركم به وأنهاكم عنه، لأن كل ذلك من عند الله. إنْ فعلتم ذلك أحبكم الله وأثابكم بالتجاوز عن خطاياكم، وهو كثير الغفران والرحمة لعباده. لكن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان، بل هو اتباعٌ لرسول الله وعملٌ بشريعة اله التي أتى بها نبيه الكريم. ان العمل هو الشاهد والأساس، أما القول وحده فلفظ يصّرفه اللسان كيف شاء، وقد يخدع به الناسَ، لكنه لن يخدع به الله فقد وسع علمُه كل شيء. قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية. فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتّبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأعماله» . وروى انه لما نزل قوله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله. . .﴾ قال عبد الله بن أُبيّ، رأس المنافين: ان محمداً يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا ان نحبّه كما أحبَ النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول﴾ أطيعوا الله باتّباع أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا الرسول باتباع سنته والاهتداء بهديه. فان أعرضوا عنك يا محمد ولم يجيبوا دعوتكم فهم كافرون بالله ورسوله، والله تعالى لا يحب الكافرين أمثالهم.

стр. 191

اصفطى: اختار. الذرية: الأولاد. نذرتُ: أوجبت على نفسي. محرراً: مخصَّصا لعبادة الله. أعيذها بك: أجيرها بك. الرجيم: المطرود من الخير. أنبتها نباتا حسنا: رباها تربية صالحة. كفلها زكريا: جعل زكريا كافلا لها. المحراب: الغرفة، والمسجد، واشرف جهة في المسجد. أني لكِ هذا؟ : من اين لك هذا. بعد ان بين الله تعالى ان الدين الحق هو الإسلام، وان اختلاف أهل الكتاب فيه كان بغياً منهم، وان الفلاح منوط باتّباع الرسول الكريم وطاعته ذكر هنا بعضَ من اختارهم وجعل منهم الرسل الذين يبيّنون للناس طريق الله ومحبته. لقد اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة والرسالة فيهم كما اصطفى محمداً لتبليغ رسالته. فأول هؤلاء الصفوة المختارة آدم أبو البشر، اصطفاه ربه واجتباه. ثم جاء بعده نوح، أبو البشر الثاني. واصطفى ابراهيم وولديه. واختبار آل عمران ومنهم عيسى وأمه. ولقد اختارهم ذريةً طيبة طاهرة، فهم يتوارثون الطُّهر والفضيلة والخير. اذكر أيها النبي حال امرأة عمران حين ناجت ربها وهي حامل بنذْرِ ما في بطنها لخدمة الله تعالى قائلة: يارب، إني نذرت ما في بطني خالصاً لخدمة بيتك، فاقبل من ذلك إنك أنت السميع لكل قول، العليم بكل حال. فلما وضعت بنتا قالت معتذرة تناجي ربها: إني قد ولدت انثى، (وأنت اعلم بما ولدتُ) ، وليس الذكر الذي تمنيت ان أنذره ساناً لبيتك كالأنثى التي وضعتها. ومع هذا فإني غير راجعة عما نويته من النذر. واذا كانت الأنثى غير جديرة بسدانة المعبد فتلكن من العابدات القانتات، إني أجيرها يا ربّ بحفظك ورعايتك من الشيطان الرجيم. فتقبّل الله مريم نذراً لأمها، وأجاب دعاءها. وجعل زكريا كافلاً لها. فكان كلما دخل زكريا عليها محرابها فوجد عندها ألوانا من الطعام لم تكن توجد تلك الأيام قال لها: يا مريم من أين لك هذا والأيام جدب وقحط؟ قالت: هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا، ويرزق من يشاء من الناس بغير عدد ولا إحصاء. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قراءات: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب: «والله اعلم بما وضعتُ» على انه كلامها.

стр. 192

بكلمة من الله: عيسى بن مريم. سيدا: شريفا في العلم العبادة. حصروا: لا يأتي النساء، وهو يحبس نفسه عن كل ما ينافي الفضائل. عاقر: عقيم لا تلد. الآية: العلامة. الا تكلم الناس: لا تستطيع الكلام. الرمز: الاشارة. ولما رأى زكريا ما رآه من نعمة الله على مريم اتجه الى الله داعياً ان يهبه من فضله ولدا طيبا، ايمانا منه بأن الله تعالى يسمع دعاء الضارعين. فاستجاب الله دعاءه ونادته الملائكة وهو قائم يتعبد في محرابه بأن الله يبشّرك بولد اسمه يحيى، ويؤمن بعيسيى ﵇ الذي سيوجَد بكلمة من الله فيكون وجوده معجزة. ان يحيى سيكون سيداً شريفاً عابدا قانتا، وحصوراً بعيدا عن كل الأدناس والشهوات، ونبياً من الصالحين. وكان يحيى ابن خالة عيسى. وعندما سمع زكريا هذه البشرى استبعد ان يكون له ولد وهو عجوز طاعن في السن وامرأته عقيم لا تلد، فردّ عليه الله بأنه متى شاء أمراً أوجَدَ له سببه. فدعا زكريا ربه ان يجعل له علامة لتحقُّق هذه البشرة، فقال: علامة ذلك ان لا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة ومع ذلك تظل تستطيع ان تذكر الله وتسبّحه أثناء تلك الايام الثلاثة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف «فناداه الملائكة» بالإمالمة والتكذير. وقرأ حمزة وابن عامر «ان الله» بكسر همزة إن. وقرأ حمزة والكسائي «إن الله يبشّرُك» بفتح الياء وضم الشين بدون تشديد.

стр. 193

اصطفاك وطهرك واصطفاك: اصفاك الأولى من قِبل أمك حين نذرتْ ما في بطنها. واطصفاك الثانية هداك وخصّك بكرامات عظمى منه ولادة ببي من غيرِ أن يمسكِ رجل. اقنتي: الزمي الطاعة مع الخضوع. واذكر أيها النبي، اذ قالت الملائكة: يا مريم ان الله اختارك واختصك لتكوني أماً لنبي كريم، وطهّرك من كل دنس، وخصك بأمومة عيسى وفضّلك على نساء العالمين. لذلك أطيعي ربك واخضعي له وصلّي دائما مع الذين يعبدونه ويصلّون له. ان هذا الذي قصّه القرآن عليك يا محمد لهو من أنباء الغيب أوحي الله به اليك، مع انك لم تقرأ الأخبار السابقة، ولم تكن حاضراً في بني اسرائيل حين اجتمع كبراؤهم وكل واحد منهم يريد ان يكفُل مريم، حتى اقترعوا على ذلك، ولم تنازعهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف العظيم.

стр. 194

المسيح: لقبٌ لعيسى والكلمة معرَّبة وعيسى ايضا كلمة عبرانية. وجيها: شريفا عاليا. المهد: فراش الصبي الصغير. الكهل: الرجل من الثلاثين الى الخمسين. الكتاب: الكتب المنزلة من عند الله، ويجوز ان يكون المراد به الكتابة. الحكمة: اصابة الحق بالعلم والعمل. التوراة: الكتاب الذي أنزل على موسى. الإنجيل: معهناه «البشرى أو البشارة» وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى. واذكر يا محمد حينما بشّرت الملائكة مريم بولد صالح، اسمه المسيح عيسى بن مريم، خلقه الله بكلمة منه، على غير السنَّة الجارية بين البشر في التوالد، بقوله «كن فيكون» . وقد جعله الله ذا مكانة عالية فيه هذه الدنيا حيث أعطاه النبوة، وفي الآخرة حيث اعطاه علو المنزلة مع الصفوة المقربين الى الله من النبيّين أُولي العزم. وقد ميزه الله بخصائص منها أن كلّم الناس وهو طفل في مهده، كما يكلّمهم وهو رجل كامل الرجولة. فلما سمعت مريم هذا الكلام قالت متعجبة: من أين يكون لي ولد ولم يمسّني رجل! فأَوحى الله اليها انه يخلق بقدرته مثل هذا الخلق العجيب، وانه اذا اراد شيئاً أوجده بقوله كن فيكون. وان الله سوف يعلّم طفلها العلم الصحيح النافع، والتوراةَ التي انزل على موسى والانجيل الذي سيوجه اليه. قراءات: قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب «يعلّمه» بالياء والباقون «ونعلمه» بالنون. الانجيل: كلمة يونانية وردت في القرآن الكريم، معناه «البشرى» وتطلق اليوم على كل من الأناجيل التي تترجِم للمسيح في مجموعة «العهد الجديد» وهي اربعة: متّى ومرقص ولوقا ويوحنا. والاناجيل المتوازية هي الأناجيل الثلاثة (متى ومرقص ولوقا) ، سُميت كذلك لتقاربها من بعضها أكثر من تقاربها مع الانجيل الرابع، انجيل يوحنا، الذي يختلف عنها في غايته. وتسمى مشكلة صلات هذه الأناجيل الثلاثة بعضها ببعض «المشكلة المتوازية» ، ومؤداها أن انجليلي متّى ولوقا يوحيان عناصر غير موجودة في انجيل مرقص. وتتفق هذه الأناجيل الثلاثة في أنها تترجم للمسيح رغم وقوف كل منها في ترجمته عند حد معين، وتوضيح مزية خاصة من مزاياه، مع بعض الاختلاف في بعض الحوادث والتواريخ. أما انجيل يوحنا فهو تأملا لاهوتي في تعاليم المسيح مع الاحتفاظ بالإطار التاريخي الأساسي. وانجيل متّى هو أول كتب العهد الجديد، يعزى الى متّى تلميذ المسيح، وقد وصلنا في الثلث الثاني من القرن الأول للمسيح قبل سنة سبعين. وانجيل مرقص هو ثاني كتب العهد الجديد، وأصغر وأبسط الأناجيل الأربعة. وانجيل لوقا الكتاب الثالث من العهد الجديد، وقد دُوّن في أواخر القرن الاول. وهو الانجيل الوحيد الذي يتكلم عن ولادة المسيح كما يعرض لصَلبه وبعثه، وفيه نصوص لم ترد في الأناجيل الأخرى.

стр. 195

وانجيل يوحنا هو الكتاب الرابع في العهد الجديد، وضعه الرسول يوحنتا، وهو يختلف عن الأناجيل الثلاثة المذكورة في مادته وتعالميه. وقد أورد الدكتور محمد وصفي في كتابه: «المسيح والتثليث» أسماءً لسبعة وثلاثين انجيلا، منها انجيل برنابا، وهو مطبوع في مصر، وحديثاً في طبعة أنيقة في بيروت. وقد اقتنيته، وفيه نصوص كثيرة تخالف الأناجيل الأربعة مخالفة جوهرية. وفيه بشارة صريحة بسيدنا محمد ﷺ ولكن المسيحين لا يعترفون به ويقولون إنه مزيف. وفي كتاب الدكتور محمد وصفي «المسيح والتثليث» نصوص صريحة في مخالفة الأناجيل الأربعة لبعضها البعض واضحة جدا، وكذلك هنا اختلاف بين طبعات الكاثوليك وطبعات البروتستانت. وقد قال (فاستس) في القرن الرابع وهو من علماء (ماني كيز) : إن الانجيل المنسوب الى متّى ليس من تصنيفه. وقال (اشلاير ماخر) في كتابه «الأبحاث عن انجيل لوقا» : ليس انجيل لوقا الا كتاباً مختلفة كتبت في أزمنة غير معينة على أيدي قوم مجهولين. وبعض الفرق المسيحية كالفرقة الموسونية والفرقة الابيونية وفرقة يوني تيرن اسقطت البابين الأول والثاني من انجيل لوقا، مع وجود الاختلاف الكبير بين كتابيهما وكتاب لوقا الحالي كذلك. وقال العلامة الألماني رويس: ان انجيل يوحنا مجرد رأي لأحد المسيحين نَزَعَ فيه الى بيان رأيه الخاص فيما أتعى به المسيح ﵇. ولقد أكد (استارولن) ان انجيل يوحنا ليس إلا كتاباً كتبه بعض الطلبة من مدرسة الاسكندرية. وقد استبعد مسيو (موريس فرن) في دائرة المعارف البريطانية، كون الأناجيل الثلاثة المعزوة الى متى ومرقص ولوقا من تصنيفهم، وحين وصل الى الكلام عن انجيل يوحنا قال: لا شك انه كتابٌ دخيل مزوَّر أراد ان يوجد تناقضاً بين أقوال القديسَين متى ويوحنا. . . ومن أراد الاستزادة فعلية ان يرجع الى كتاب الدكتور محمد وصفي «المسيح والتثليث» وكتاب «إظهار الحق» للشيح رحمة الله الهندي. وكل هذه الأقوال والانتقادات من علماء المسيحية أنفسهم. ونحن نعتقد أن هذه الأناجيل كلها محرَّفة، مؤلفوها مجهولون، وان الانجيل الصحيح الكامل منفقود كما جاء في القرآن الكريم.

стр. 196

الأكمه: الذي وُلد أعمى. البرص: داء خبيث يُحدث بياضاً في الجلد ويجعله يتقشر، ويسبب للمصاب به حكَاً مؤلما. لقد خلق الله عيسى ابن مريم على حال خاصة وبعثه رسولاً الى بني اسرائيل مستدلاًّ على صدق رسالته اليهم بمعجزات من الله قائلا: لقد جئتكم بهذه المعجزات من عند الله، فأنا أصوِّر لكم من الطين مثل صورة الطير ثم أَنفخ فيها فتحيا طيوراً عادية باراردة الله، وأشفي الأعمى فيعود بصيرا، والأبرص فيبرأ من دائه، بل وأُوحيي الموتى، وكل ذلك بإذن الله وارادته. وأُخبركم بما تدّخرون في بيوتكم من مأكول وغيره. ان كل هذه المعجزات إنما أظهرها الله على يديّ حجةً قاطعة على صحة نبوّتي وصدق رسالتي إليكم لعلّكم تؤمنون بي وتصدّقونني. لقد جدئتكم مصدّقاً لشريعة توراة موسى لا ناسخاً لها ولا مخالفاً لشيء من أحكامها، لأخفّف عنكم بعض الأحكام المشددة فيها، فأُحِل لكم بعض الذي حُرم عليكم فيها. ومن واجبكم ان تخشوا الله وتطيعوني، فهو ربي وربكم، فاعبدوه وأخلصوا له الطاعة. فليس ما أمرتكم به الا الطريق السويّ الذي أجمع عليه الرسل كلهم قبلي، لأنه هو الموصلُ الى خير الدنيا والآخرة. من هذا يتبين ان عيسى ﵇ نبيّ مرسَل، لم يدّع أنه إلَه او ابن الإلَه. قراءات: قرأ أهل المدينة ونافع «فيكون طائرا باذن الله» ، وقرأ نافع «اني اخلق» بكسر همزة ان.

стр. 197

أحس: شعر وأدرك. الانصار: الاعوان المناصرون. الحواريون: مفرده حواريّ وهو صفي الانسان وناصره. المكر، من العبد: تدبير سيء خفي، ومن الله: إبطال تدابيرهم السيئة. فلما شعر عيسى من قومه اليهود إصراراً على نكران رسالته وتكذيباً لمعجزاته وصُدوفاً رغم كل ما قدمه لهم من نصائح ومواعظ قال لأتباعه وتلاميذه: من الذين ينصرونني باتّباعي، وينصرفون الى تأييد الله ودينه وروسله؟ فقال خاصة أصحابه: نحن أنصار دين الله ومحبوه، لقد آمنّا بك وبرسالتك من عنده، فاشهد علينا أيها الرسول أنّا مؤمنون بدعوتك، منقادون لربّك، مخلصون في عبادتنا له. وقد طلبوا شهادة عيسى لهم لأن الرسل يشهدون لأممهم يوم القيامة، ثم تضرّعوا الى الله بقولهم: ربنا، آمنا بما أنزلتَ واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين لرسولك بالتبليغ، وعلى بني اسرائيل بالكفر والجحود. أما الذين أعرضوا عن عيسى من قومه فقد طفقوا يكيدون ليه ويمكرون في تلفيق شيء يحاربون به دعوته، لكن الله أبطل كيدهم فلم ينجحوا، واللهُ أحكم المدبِّرين وأقواهم.

стр. 198

واذكر أيها النبي اذ قال الله: يا عيسى، اني متسوفٍ ِأجَلَك، لن أدعَ أحدا يقتلك، ثم ارفعك الى محل كرامتي، فتنجوا من أعدائك. اما الذين ابتعوك ولم ينحرفوا عن دينك فسأجعلهم أقوى من الذين لم يهتدوا بهديك الى يوم القيامة. واخيراً ترجعون إليَّ جميعاً يوم القيامة فأقضي بينكم في الذي تنازعتم فيه من أمر الدين، وأدازي كلاًّ بما يستحق. أما الذين كذّبوك فأعذبهم عذاب الخزي والنكال بتسليط الأمم عليها في الدنيا، وبنقمتي عليهم في الآخرة. ولن يجدوا من ينصرهم من عذابي الأليم في ذلك اليوم. وأما الذين تقلبّوا رسالتك وهتدوا بهدي الله، حين أقرّوا بنبوّتك وما جئتهم به من الحق فَسأُوفّيهم أجرهم كاملاً غير منقوص. هذه أخبار مريم وعيسى وبني اسرائيل والحواريين التي نود ان نقرئها ايّاك يا محمد باعتبارها بعض القرآن الحكيم الذي يبين وجوه العِبر في الأخبار والحِكم، فيهدي المؤمنين الى اتباع ربهم. وأنت ترى أن فيها حجة بالغة على من حاجّك من وفد نجران، ويهود بني اسرائيل. قراءات: قرأ حفص ورويس «فيوفيهم» بالياء كما هو هنا. والباقون «فنوفيهم» بالنون.

стр. 199

المَثَلَ: الحال الغريبة. الامتراء: الشك. الابتهال: الملاعنة، ثم شاع استعماله في الدعاء. «روي في سبب نزول هذه الآية ان وفد نجران وعلى رأسهم السيد العاقب قالوا لرسول الله ﷺ : مالك تشتم صاحبنا؟ قال: ما أقول؟ قالوا: هل رأيت إنساناً من غير أب، ان كنت صادقاً فأرنا مثله. فأنزل الله تعالى ﴿ان مثَلل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ اي إن شأنه في خلق الله اياه على غير مثال سابقٍ كشأن آدم، فقد خلقه من تراب من غير أُمٍ ولا أب. بل ان خلْقَ آدم أغربُ وأعجب. ذلك ان الله قادر على صنع المعجزات اليت لا تدركها عقولنا، فهو اذا اراد شيئا إنما يقول له كن فيكون. هذا هو الحق من ربك يا محمد في خلق عيسى، لا ما اعتقده النصارى من انه إلَه، ولا ما زعمه اليهود من انه ابن يوسف النجار. دعهم في ضلالهم، واثبُت على يقينك ولا تكن من الشاكّين. وإذا جادلك اليهود في شأن عيسى بعد هذا التنزيل فقل لهم: تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ندعوا ان يصب الله لعنته على الكاذبين. وقد روي أن النجرانيّين لما دُعوا الى المباهلة قالوا لسيّدهم العاقب: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، وها قد جاءكم بالفصل في أمر عيسى. والله ما باهلَ قوم نبياً الا هلكوا، فإن أبيتم أن تبقوا على دينكم فوادِعوا الرجل وانصرفوا. فأتوا رسول الله محتضناً حفيده الحسين، والحسن وفاطمة وعليّ يشمرون خلفه وهو يقول لهم: أذا انا دعوت فأَمِّنوا فملا رآهم كبير النصارى قال لقومه: إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى ان يزيل جبلاً لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا» . «وفي صحيح البخاري ومسلم ان العاقب والسيّد أتيا رسول الله فأراد ان يلاعنهما. فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعنَنا لا نفلح أبدا، فقالا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أمينا، فقال: قم يا أبا عبيدة، أنت أمين هذه الأمة» . وفي هذا التحدي ما يدل على قوة يقين صاحبه ويقته بما يقول، اما امتناع نصارى نجران عن المباهلة فدليلٌ على شكّهم في موقفهم وكونهم على غير بينة فيما يعتقدون.

стр. 200

القصص: الحديث، الخبر والبيان. تولوا: أعرضوا. ان ما نقصّه عليك ايها النبي الكريم هو الخبر اليقين فلا تلتفت الى ما يفتريه اليهود على عيسى وأمه، ولا الى ما يزعمه النصارى من تأليه وبنوّة، فالحقّ الذي لامريةَ فيه انه ليس هناك إلَه غير الله، وانه تعالى هو ذو العزة الذي لا يغالبه فيها أحد، والحكمةِ التي لا يساويه فيها أحد حتى يكون شريكا له في ألوهيته، أو نِدّاً في ربوبيَّتهِ. فإن أعرضوا عن الحق الذي تعرضه عليهم، ولم يقبلوا عقيدة التوحيد التي جئتبها، فهم مفسدون، والله أعلم بحال هؤلاء، ولسوف يجازيهم على سيئات أعمالهم.

стр. 201

أهل الكتاب: اليهود والنصارى. كلمة سواء: كلمة عدل وإنصاف. بعد ان بيّن الله تعالى لنا حقيقة الأمر في قضية عيسى وكيف عرضها محمد في دعوته الى التوحيد والإسلام، وكيف عاند أهلُ الكتاب تلك الدعوة حتى اضطر النبي الى دعوتهم الى المباهلة، فخافوا وأحجموا عنها طلب من رسوله الكريم ان يدعوهم هنا الى أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا. فقل يا محد: يا أهل الكتاب، تعالوا الى كلمة عادلة اتفقت عليها الرسل والكتب التي أُنزلت من عند الله، وهي ان لا نعبد الا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دونه، ولا نطيع أحداً غيره في تحليل أو تحريم. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة، وأبوا إلا ان يعبدوا غير الله، فقولوا لهم ايها المسلمون: اشهدوا باننا منقادون لأحكام الله، ولا نعبد أحداً سواه. «روي عن عدّي بن حاتم قال: أتيت رسول الله وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ من سورة براءة: ﴿اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله﴾ . فقلت له: يا رسول الله، لم يكونوا يعبودنهم، قال:» أما كانوا يحللون ويحرّمون، فتأخذون باقوالهم؟ «قلت: نعم فقال:» هو ذاك «» يعني أَن هذا التحريم والتحليل يجعلهم بمثابة الأرباب.

стр. 202

روى الطبري عن ابن عباس قال: «اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان ابراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: بل نصرانيا. فأنزل الله تعالى ﴿ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ. . .﴾ الآية. يا أهل الكتاب، لما تتنازعون وتجادلون في دين ابراهيم، كلٌّ منكم يدعي أن أبرهيم كان على دينه هو؟ ان ابراهيم له شريعة خاصة، وهو سابق في الوجود على التوراة والانجيل، فكيف يكون على شريعة واحدة منهما! أليست لكم عقول تدركون بها بطلان هذا الكلام الذي يناقض الواقع!! ها أنتم جادلتم في أمر موسى وعيسى الذي لكم بهما معرفة كما تزعمون فكيف تجادلون في أمر ابراهيم، ولا ذكر لدينه وشريعته في كتبكم؟ من اين علمتم انه كان يهودياً أو نصرانيا؟ إن الله يعلم حقيقة ما تنازعتم فيه، اما انتم فلا تعلمون من هذا شيئاً.

стр. 203

ان ابراهيم اتفق اليهود والنصارى والمشركون على تعظيمه لم يكن على مّلة أحد مهنم:، بل كان مائلاً عن ذلك، مسلماً لله مخلصاً له، وما كان من المشركين. اما أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته فهم الذين أجابوا دعوته في زمنه فوحّدوا الله مخلصين، والنبي محمد والذين آمنوا معه، أهل التوحيد الخالص، وهو دين ابراهيم، واللهُ ناصرٌ المؤمني بالتأييد والتوفيق.

стр. 204

ود الشيء: أحبه. طائفة: جماعة. أحبت طائفة من الأحبار والرؤساء ان يوقعوكم في الضلال بإلقاء الشبهات التي تشكّك في دينكم، وتردّكم الى ما كنتم عليه من الكفر، وهم الخاسرون من عملهم هذا بإصرارهم على الضلال. لكنهم لا يشعرون بسوء حالهم، ولا يدركون ان عاقبة سعيهم هذا لاحقة بهم. وقد نزلت هذه الآية عندما حاول بعض أحبار اليهود ان يدعوا حذيفة وعمَارا ومعاذ ابن جبل الى اليهودية.

стр. 205

تلبسون: تخلطون. يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بما ترونه من البراهين الواضحة الدالة على صدق نبوة محمد وأنتم في قرارة نفوسكم تشهدون بأنها حق! ولماذا تخلطون الحق الذي جاء به النبيّون من عند الله والبشارة بنبيٍّ من بني اسماعيل بالباطل الذي لفقه أحباركم ورؤساؤكم؟ لماذا تكتمون شأن محمد وهو مكتوب عندكم في التوراة والانجيل وأنتم تعلمون أنكم تفعلون ذلك عناداً وحسدا!

стр. 206

وجه النهار: أوله. الفضل: الزيادة. وقالت جماعة من أهل الكتاب لاخوانهم: يا هؤلاء، آمِنوا بالذي أُنزل على محمد، في الصباح واكفروا آخر النهار. بذلك قد تستطيعون ان تفتنوا اصحابه فيرجعوا عن دينهم. روى ابن عباسٍ أن جماعة من اليهود قالوا بضعهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أُنزل على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيّة حتى نُلبِّسَ عليهم دينهم، فقد يقلّدوننا في ذلك، فيرجعون عن دينهم. فأنزل الله هذه الآيات. وقد حذّر الله نبيه من مكر هؤلاء، وأطلعه على سرّهم حتى لاتؤثر هذه الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين. وقالوا أيضاً ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ، أي لا تُذعنوا إلاّ لمن كان من أهل دينكم يهوديا، خشية أن يدَّعيَ أحد أنه أوتي مثل ما عندكم أو يحتجّ عليكم عند ربكم، فقل لهم يا محمد: ان الهدى يأتي من عند الله يختاره لمن يشاء، وكذلك الفضلُ من عنده يمنّ به على من يشاء من عباده، فليس الهدى مقصورا على شعب بعيْنه ولا فرد بذاته. ان فضل الله واسع ورحمته عامة، لا كما يزعم اليهود بأنهم شعب الله المختار.

стр. 207

القنطار: مائة رطل والمراد هنا العدد الكثير. الأميون: غير اليهود، وهنا العرب. ليس علينا في الأميين سبيل: لا مؤاخذة علينا مهما اغتصبنا من حقوقهم. بعد أن بيّن الله سلوك أهل الكتاب في الاعتقاد، بيّن لنا هنا سلوكهم في المال المعاملات، فقال: ان منهم طائفة تشاكس المسلمين وتكيد لهم ليرجعوا عن دينهم، وأخرى تستحلّ أكل أموالهم. وهي تزعم ان توارتهم لم تنههم الا عن خيانة بني اسرائيل وحدهم. لكن ليس عاماً، فمنهم أفراد كعبد الله ابن سلام، استودعه قرشيّ الفاً ومائتي أوقية من الذهب فأداها اليه. ومع هذا فان اغلب اليهود يستحلّون مال كل من لم يكن يهودياً. ينطلقون في ذلك من زعم أن غيرهم من العرب محتقر، فلا حقوق لهم، وليس على اليهود ذنب في أي إجرام يأتونه ضدهم. وهذه حال إسرائيل في الوقت الحاضر. ومعها النصارى المتهّودون في امريكا، وعملاؤهم من الحكام في دول أخرى. روى ابن جرير في التفسير، قال: «بايع اليهودَ رجال من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضَوهم ثمن بضاعتهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم غيّرتم دينكم الذي كنتم عليه. وادّعوا أنه وجدوا ذلك في كتابهم» . وروى عن سعيد بن جبير ان النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: «كذب أعداءًُ الله: ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فانها مؤداة الى البر والفاجر» . ويقولون على الله الكذب متعمّدين في ذلك، لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابهم التوراة، وهي بين أيديهم، وليس فيها خيانة غير اليهود ولا أكل أموالهم بالباطل. بل إن في كتابهم «عليكم في الأميين سبيل» ، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات. ومن أدى حق غيره في وقته وخاف فلم يُنقص ولم يماطل، فانه يكون من الذي أحبهم الله مع المتقين. والقرآن لا يظلم اليهود بهذا القول، فإن التلمود عندم مقدّس أكثر من التوراة، وفيه جاءت هذه النصوص. يقول الدكتور روهلنج في كتابه «الكنز المرصود في قواعد التملود» ترجمة الدكتور يوسف نصر الله: «لم يكتفِ اليهود بما جاء في توراتهم من تعاليم خبيثة تبيح الغدر والمكر وسفك الدماء، فأخذ الربيّون والحاخامات يفسرون التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يرضي غرائزهم الشريرة ونزوعَهم الى عمل المنكرات واستعلاءهم على بقية أجناس البشر. . . الخ. . .» ويقدّس اليهود التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة. وهم يرون أن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت، وانه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة وحدها، لأن أقوال علماء التملود أفضل مما جاء في شريعة موسى.

стр. 208

وقد أورد الدكتور روهلنج في كتابه المذكور نخبة من تعاليم التملود تفضح اليهود وتبين فساد عقيدتهم، ومنها ما معناه «» ليس علينا في الأميّين سبيل «هذه. ومن النصوص التي أوردها الدكتور روهلنج ما يأتي:» الاسرائيلي عند الله أرفع من الملائكة، فاذا ضرب أميّ اسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلَهية، ويستحق الموت. ولو لم يُخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض ولما خُلقت الأمطار والشمس. والفرق بين درجة الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب «. وهذا ما يطبقه النصارى المتهّودون في اوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر. أما نصارى العرب فمواطنون لنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وهناك نصوص كثيرة تقشعر منها الأبدان، فمن أراد الزيادة فليرجع الى كتاب» الكنز المرصود «وأمثاله. قراءات: قرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمروا» يؤده «و» لا يؤده «باسكان الهاء، وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهما. وكذا روي عن حفص. وقرأ الباقون بإشباع الكسرة في الهاء.

стр. 209

يتوعد الله تعالى في هذه الآية الناكثين للعهد المخْلِفين للوعد، بالحرمان من النعيم، وبالعذاب الأليم، وبأنهم لن يسمعوا منه تعالى كلمة عفوٍ ولا مغفرة. فالذين يشترون بعد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا من عرَض هذه الحياة الدنيا أو الدنيا كلها لن يكون لهم نصيب عند الله ولا قبول. بل لسوف يُعرِض عنهم يوم القيامة ولا يغفر لهم آثامهم، ولهم عذاب أليم. وهذا يشمل كل من خان الأمانة، أو نكث بالعهد، أو حلف على شيء وهو كاذب. ومن هذا القبيل من يتفق مع آخر على بيع سلعة، فيزيده انسان آخر في ثمنها فيبيعها للثاني وينقض اتفاقه مع الأول. وكذلك من يخطب فتاة، فيعاهده أبوها على تزويجها له نظير مهر مقدّر بينهما، فيأتي آخر بمهر أكثر فيزوجها له. ومثلُه من يحلف ببراءته من دَين عليه. وقد قال النبي الكريم «من حلَف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلمٍ لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» . روى ابن جرير ان هذه الآية نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحُييّ بن أخطب، الذين حرّفوا التوراة وبدّلوا نعت رسول الله وحُكم الأمانات وغيرها فيها وأخذوا على ذلك الرشوة.

стр. 210

بيضا الوجوه: سرورها وفرحها. سواد الوجوه: مساءتها وخزيها. متى يكون ذلك العذاب العظيم للذين تفرقوا واختلفوا؟ سيكون ذلك يوم القيامة عندئذٍ تبيضٌّ بالسرور وجوه المؤمنين لما تعلم من حسن العاقبة، وتسودُّ بالكآبة والحزن وجوه الكافرين، ويقال لهم: أكفرتم بعد أن فُطرتم على الإيمان وجاءتكم البينات عليه! إذنْ ذوقوا العذاب الحق جزاءَ كفركم. أما الذين ابيضّت وجوههم سروراً فإنهم يدخلون الجنة التي أعدها الله لهم وجعلهم فيها خالدين.

стр. 211

تلك الآيات الواردة بجزاء المحسن ومجازاة المسيء انما هي من عند الله نتلوها عليك يا محّمد مقررة للحق والعدل. والله لايريد ظلماً لأحد من الناس أجمعين، فهو مالك العباد والمتصرف في شئونهم بحسب سنّته الحكيمة التي لا تتغير ولا تتبدل، وإليه مصيرهم أجمعين. والظلم الوارد هنا والذي ينفيه تعالى عن نفسه هو ما ينافي مصلحة العباد من جاجتهم الى العدالة.

стр. 212

إنكم يا أمة محمد، اي مطبقي شريعته حقاً، أفضلُ أمة خلقها الله تعالى لنفع الناس، وستظلون كذلك ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله ايمانا صادقا. . يصدق هذا الوصف على الذين خوطبوا به أولاً، وهم النبي الكريم وأصحابه الذين آمنوا بالله حقا، واعتصموا بحبل الله المتين، ونهوا عن المنكر وأمروا بالمعروف. وقد دام الحال كذلك على كل من جاء بعدهم وطبق تعاليم الإسلام. كما ظلت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الإسلام وبعد عنه، فتفرقت وتمزقت وآلت أحوالها الى ما نراه اليوم. ولو صدَق اليهود والنصارى في إيمانهم مثلكم لكان خيراً لهم مما هم عليه الآن، ومع هذا فمنهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم، كعبد الله بن سلام، ورهطه، وأكثرُهم فاسقون خارجون عن دينهم وعن حدود الايمان وواجباته.

стр. 213

لن يضروكم الا أذى: أيْ ضرراً يسيراً. يولّوكم الأدبار: يهربوا منكم. ثُقفوا: أينما وجودوا. وباؤوا: رجعوا. لن يضركم هؤلاء الفاسقون بضرر كبير يلحقكم منهم، وانما هو أذى يسير لا يبقى له أثر، وإن يقاتلوكم ينهزموا فأرّين من لقائكم دون ان يظفروا بشيء، ثم إنهم لا يُنصرون عليكم أبداً ما داموا على فسقهم متمسكين بدينكم. ولقد أخبر بأنه كَتب عليم الذلة في أي مكان وُجدوا فيه، إلا بعهد من الله وعهد من المسلمين. والعهدُ ما قررته الشريعة اذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء. وهكذا كان حالهم مع المسلمين، فقد كان الرسول الكريم يحسن معاملتهم، وكذلك الخلفاء الراشدون. وكانوا يعيشون مع المسلمين في أحسن حال، ولا زالوا الى اليوم يعيشون متمتعين بكل الحقوق كما نشاهد ذلك في المغرب العربي وما بقي منهم في البلاد الشامية، والعراق وغيرها من بلاد الاسلام. لكنهم غدروا وكادوا. وهذه طبيعتهم. لذلك فإنهم قد استوجبوا غضب الله، وأحاطب بهم المسكنة والصغار، فلقد كفروا بآيات الله الدالة على بنوة محمد، وكانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق. وهذا إخبار عن أسلافهم، لكنهم هم راضون عن ذلك الكفر والقتل بسبب عصيانهم وتمردهم واعتدائهم على حدود الله.

стр. 214

سواء: متساوٍ، يُستعمل للواحد والمثنى والجمع. قائمة: مستقيمة عادلة. آناء الليل: ساعات الليل. قال ابن عباس وقتادة وابن جريْج: نزلت هذه الآيات لما أسلم عبد الله بن لاسلام وجماعة معه. فقالت احبار اليهود: ما آمن بمحمد الا شِرارنا. ليس جميع أهل الكتاب متساوين في الأعمال القبيحة والكفر، بل ان فيهم جماعة قويمة السيرة عادلة، آمنوا بمحمد، وهم يقرأون القرآن ساعات من الليل وهم ساجدون، كما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبادرون الى فعل الخيرات. لقد صلحتْ أحوالهم وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، ولن يحرمهم ثواب ما يفعلونه من خير، إنه عليم بالمتقين محيط بأحوالهم. وفي هذه الآيات ردٌّ على اليهود المتعنتين الذين قالوا لمن أسلم منهم: لقد خسرتم بدخولكم في الاسلام، وفيها اشارة الى المؤمنين وتطمئنٌ لهم أنهم فازوا بالسعادة العظمة والدرجات العليا، كي يزول من صدورهم أثر كلام أولئك الطغاة المتمردين.

стр. 215

الصر: (بالكسر) البرد الشديد. ان الذين كفروا من أهل الكتاب، ومشركي مكة، وغيرهم من مِثلهم في كل مكان وزمان لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً. ولن تنجيهم من عذاب النار يوم القيامة، فهم خالدون فيها. أما ما ينفقه هؤلاء الكافرون رياءً فهو مثل ريح جليدية قارصة أصابت زرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالانهماك في المعاصي، فأهلكته. لقد كانوا يظلمون أنفسهم بالكفر والتمرد والعناد، فجزاهم الله مغبّة ظلمهم هذا، ولم يظلمهم.
следующие страницы →