Полный текст (1 460 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تلك الآيات الواردة بجزاء المحسن ومجازاة المسيء انما هي من عند الله نتلوها عليك يا محّمد مقررة للحق والعدل. والله لايريد ظلماً لأحد من الناس أجمعين، فهو مالك العباد والمتصرف في شئونهم بحسب سنّته الحكيمة التي لا تتغير ولا تتبدل، وإليه مصيرهم أجمعين. والظلم الوارد هنا والذي ينفيه تعالى عن نفسه هو ما ينافي مصلحة العباد من جاجتهم الى العدالة.
стр. 212
إنكم يا أمة محمد، اي مطبقي شريعته حقاً، أفضلُ أمة خلقها الله تعالى لنفع الناس، وستظلون كذلك ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله ايمانا صادقا. . يصدق هذا الوصف على الذين خوطبوا به أولاً، وهم النبي الكريم وأصحابه الذين آمنوا بالله حقا، واعتصموا بحبل الله المتين، ونهوا عن المنكر وأمروا بالمعروف. وقد دام الحال كذلك على كل من جاء بعدهم وطبق تعاليم الإسلام. كما ظلت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الإسلام وبعد عنه، فتفرقت وتمزقت وآلت أحوالها الى ما نراه اليوم.
ولو صدَق اليهود والنصارى في إيمانهم مثلكم لكان خيراً لهم مما هم عليه الآن، ومع هذا فمنهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم، كعبد الله بن سلام، ورهطه، وأكثرُهم فاسقون خارجون عن دينهم وعن حدود الايمان وواجباته.
стр. 213
لن يضروكم الا أذى: أيْ ضرراً يسيراً. يولّوكم الأدبار: يهربوا منكم. ثُقفوا: أينما وجودوا. وباؤوا: رجعوا.
لن يضركم هؤلاء الفاسقون بضرر كبير يلحقكم منهم، وانما هو أذى يسير لا يبقى له أثر، وإن يقاتلوكم ينهزموا فأرّين من لقائكم دون ان يظفروا بشيء، ثم إنهم لا يُنصرون عليكم أبداً ما داموا على فسقهم متمسكين بدينكم.
ولقد أخبر بأنه كَتب عليم الذلة في أي مكان وُجدوا فيه، إلا بعهد من الله وعهد من المسلمين. والعهدُ ما قررته الشريعة اذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء. وهكذا كان حالهم مع المسلمين، فقد كان الرسول الكريم يحسن معاملتهم، وكذلك الخلفاء الراشدون. وكانوا يعيشون مع المسلمين في أحسن حال، ولا زالوا الى اليوم يعيشون متمتعين بكل الحقوق كما نشاهد ذلك في المغرب العربي وما بقي منهم في البلاد الشامية، والعراق وغيرها من بلاد الاسلام. لكنهم غدروا وكادوا. وهذه طبيعتهم. لذلك فإنهم قد استوجبوا غضب الله، وأحاطب بهم المسكنة والصغار، فلقد كفروا بآيات الله الدالة على بنوة محمد، وكانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق. وهذا إخبار عن أسلافهم، لكنهم هم راضون عن ذلك الكفر والقتل بسبب عصيانهم وتمردهم واعتدائهم على حدود الله.
стр. 214
سواء: متساوٍ، يُستعمل للواحد والمثنى والجمع. قائمة: مستقيمة عادلة. آناء الليل: ساعات الليل.
قال ابن عباس وقتادة وابن جريْج: نزلت هذه الآيات لما أسلم عبد الله بن لاسلام وجماعة معه. فقالت احبار اليهود: ما آمن بمحمد الا شِرارنا.
ليس جميع أهل الكتاب متساوين في الأعمال القبيحة والكفر، بل ان فيهم جماعة قويمة السيرة عادلة، آمنوا بمحمد، وهم يقرأون القرآن ساعات من الليل وهم ساجدون، كما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبادرون الى فعل الخيرات. لقد صلحتْ أحوالهم وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، ولن يحرمهم ثواب ما يفعلونه من خير، إنه عليم بالمتقين محيط بأحوالهم.
وفي هذه الآيات ردٌّ على اليهود المتعنتين الذين قالوا لمن أسلم منهم: لقد خسرتم بدخولكم في الاسلام، وفيها اشارة الى المؤمنين وتطمئنٌ لهم أنهم فازوا بالسعادة العظمة والدرجات العليا، كي يزول من صدورهم أثر كلام أولئك الطغاة المتمردين.
стр. 215
الصر: (بالكسر) البرد الشديد.
ان الذين كفروا من أهل الكتاب، ومشركي مكة، وغيرهم من مِثلهم في كل مكان وزمان لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً. ولن تنجيهم من عذاب النار يوم القيامة، فهم خالدون فيها. أما ما ينفقه هؤلاء الكافرون رياءً فهو مثل ريح جليدية قارصة أصابت زرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالانهماك في المعاصي، فأهلكته. لقد كانوا يظلمون أنفسهم بالكفر والتمرد والعناد، فجزاهم الله مغبّة ظلمهم هذا، ولم يظلمهم.
стр. 216
بطانة الرجل: خاصته الذين يعلَمونه باطن أمره، ويكشف لهم اسراره. لا يألونك خبالاً: لا يقصّرون في دفْعكم الى الفساد. ودّوا ما عنتّم: تمنّوا عَنَتَكم، شدة ضرركم.
في هذه الآية وما بعدها تحذير للمؤمنين من مخالطة الكافرين حتى لايطَّلِعوا على أسرارهم.
اسمعوا يا أيها الذين آمنوا: لا تتخذوا أصفياء لكم من غير أهل دينكم، تستعينون بهم، وتُطلعونهم على أسراركم. إنهم لا يقصّرون في مضرتكم وإفساد أموركم، بل يتمنون ان يصيبكم أشد الضرر في دينكم وديناكم. ولقد ظهرتْ أمارات بغضهم لكم في فلتات ألسنتهم وتكذيب نبيكم وكتابكم، أما ما تضمره قلوبهم من الحقد عليكم فهو أعظمُ من ذلك بكثير. ها نحن قد أظهرنا لكم العلامات الواضحة التي يتميز بها العدو من الصديق، فانتبهوا واحذورا.
стр. 217
الكتاب: المراد به هنا جميع الكمتب المنزلة. عضّوا عليكم الأنامل: كنايةً عن شدة الغيظ، والأنامل: أطراف الأصابع. ذات الصدور: الخواطر التي في نفس الانسان.
وهذا تحذير من أولئك الأشرار، واتخاذهم أصفياء للمؤمنين.
ها أنتم أيّها المؤمنون تحبون أولئك الكفار المنافقين لما لبعضكم معهم من قرابة أو صداقة أو مصلحة، وقد نهاكم الله عن اتخاذهم كذلك. انهم لا يبحونكم لتعصّبهم لدينهم. (والسبب في ذلك ان كثيراً من الأنصار كان لهم قرابة أو نسب أو صداقة مع مواطنيهم في المدينة، فلما أسلموا بقي أولئك على كفرهم وعنادهم وكيدهم للإسلام، وبقي المسلمون بطيبة قلوبهم وصفاء نيَّتهم على حالهم السابقة معهم حتى نهاهم الله عن ذلك) .
وإذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان وقالوا آمنّا وصدّقنا بماجاء به محمد، اما حين يفارقونكم فإنهم يكشفون لبعض عن حقيقة أنفسهم ويبرزون شدة العداوة لكم، وقد يعضّون أطراف أصابعهم غيظاً منكم. قل يا محمد: موتوا بغيكم. وهذا دعاء عليهم بازدياد الغيظ حتى يهلكوا.
ان الله عليم بما تخفيه صدورهم من الحقد والحسد، فهم يحزنون اذا أصابكم خير من نصرٍ أو غنيمة، لكنه يفرحون اذا نزلت بكم مصيبة أو لحقكم أذى. ومع ما سبق فإنكم ان تصبروا على أذاهم، وتطبّقوا ما نهيتكم عنه من موالاتهم لن يضركم كيدهم شيئاً. ان الله هنا يدلّكم على ما يُنجيكم من شرور اعدائكم، فعليكم ان تمتثلوا وتطمئنوا الى انه عالم بما يكيدونه لكم، فلا يعجزه ردُّهم عنكم. فثقوا به أيها المسلمون وأطيعوه فيما أمركم وتوكلوا عليه.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: «لاَ يضِرْكم» وفعلُه ضار يضير، وقرأ الباقون بتشديد الراء.
стр. 218
غدوت: خرجت مبكرا. تبوِّىء: تُهيّىءُ وتعيّن مراكز القتاتل للمسلمين. الفشل: الضعف والجبن.
وقعة أُحُد
من هذه الآيات الى ستين آية بعدها يعالج التنزيل وقعة أُحُد. ويتخلل ذلك تذكيرُ المؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر، لأنهم اطاعوا الله ورسوله وكانوا يداً واحدة. اما معركة أحد فقد بدأت بالنصر للمؤمنين، وانتهت بالدائرة عليهم، لأنهم عصوا أوامر الرسول ﵊. وكانت المعركة كارثة كادت تمحو المسلمين لولا فضل من الله.
اذكر يا محمد اذ خرجت مبكراً (صباح السبت، سابع شوال، سنة ثلاث للهجرة) تهيّىء امكنة القتال للمؤنين. يومذاك رتب الرسول الناس فجعل الرماة في موضع مرتفع (وهم خمسون رجلا) ، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وأفهمه وأصحابه ان يلزموا مراكزهم، وان لا يفارقوه أبدا مهما كانت نتيجة المعركة. كذلك رتب الفرسان في أماكنهم وعيّن لبقية المقاتلين مراكزهم. ودارت المعركة، وانهزم المشركون، فقال الرماة المسلمون: لقد انهزم المشركون. لذلك تركموا مراكزهم رغم أمر الرسول ألا يرحوها، وقالوا: الغنيمةَ الغنيمة. ولقد نبههم أميرهم الى خطأهم فلم يسمعوا وذهبوا في طلب الغنيمة. بذلك كشفوا ظهر المسلمين. وعندئذٍ جاء خالد بن الوليد، آمر فرسان المشركين، وكرّ وعلى المسلمين من ورائهم وأَعمل فيهم السيف. ورجع المشركون حين رأوا خالداً والفرسان قد احاطوا بالمسلمين، وانقلبت المعركة، وكثر القتل، واستشهد عدد من المسلمين وجُرح النبي ﷺ . وكل ذلك بسبب مخالفة المسلمين لأوامر رسول الله.
اذ همّت طائفتان من جيشك يا محمد ان تجبُنا وترجعا (وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس) فقد تزعزعت نفوسهم عند ما رأوا عبد الله بن أُبيّ، رئيس المنافقين، ينسحب بثلاثمائة رجل. . لكن الله تولاّهما وثبتهما، وصرف الفشل عنهما. فعلى المؤمنين ان يأخذوا من هذا عبرة ويتوكلوا على الله، فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة اذا اطاعوا وثبتوا.
стр. 219
أذلة: جمع ذليل، وهو الضعيف المقهور. ان يمدكم: يرسل لكم مددا. منزلين: من السماء. بلى: حرف جواب يأتي بعد النفي والاستفهام المقترن بالنفي. من فورهم هذا: من ساعتهم هذه. مسوّمين: مرسَلين، أو معلَّمين. ليقطع طرفا من الذين كفروا: يُضْعِفهم بقتل رؤسائهم وصناديدهم. يكبتهم: يخزيهم.
يوم بدر (ثانية) .
جاء التنزيل بهذه الآيات ليذكّر المؤمنين أن الله نصرهم يوم بدرٍ رغم كونهم قلة ضعفاء، لأنهم ثبتوا وصبروا، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا انكم إن تصبروا ينصركم الله دائماً كما نصركم في ذلك اليوم العصيب.
ويقع ماء بدر على مسيرة مائة وعشرين ميلاً الى الجنوب الغربي من المدينة، وكان اللفاء فيها بين المسلمين وكفار قريش يوم الثلاثاء في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. وكان عدد المسلمين ٣١٣ رجلاً معهم ثمانية سيوف فقط ويحمل الباقون منهم قوساً أو عصا عزّلاً. اما المشركون فكانوا نحو ألف مقاتل بكامل أسلحتهم وعُددهم.
وقد أنجز الله وعده في هذه المعركة غير المتكافئة، فكان النصر للمؤمنين رغم قلّتهم وندرة سلاحهم. وبفضل ذلك الانتصار صارت كلمة الايمان هي العليا. كانت بدر مقدمةً لانتصارات متلاحقة عَقَبتها حتى امتد ظل الاسلا م على الجزيرة كلها.
ولقد نصركم الله ببدرٍ حينما كنت يا محمد تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم لتطمئن نفوسكم ان يُعينكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة يرسلهم من عنده مدداً لكم! بلى، ان تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا الله، ويأتِكم اعداؤكم على الفور يرفع ربكم عدد الملائكة الى خمسة آلاف. بذلك يعجّل لكم النصر عليهم ويسهّل عليكم أمركهم. كل هذا بشارة لكم بالغلبة عليهم، ولتسكنَ به قلوبكم، اذ ما النصر الا من عند الله، فهو الذي يدبِّر الأمور على خير السنن وأقوم الوسائل.
وقد نصركم الله يا محمد في ذلك اليوم ليُهلك طائفة من الذين كفروا، (وقد تم فعلاً قتل عدد كبير من صناديد قريش وكبرائهم يوم بدر) أو بذلّهم بالأسر والهزيمة والعار فيرجعوا خائبين. ليس لك أيها الرسول من التصرف في أمر العباد شيء، بل الأمر لله، يقضي فيهم ويحكم بما يشاء، فإما ان يتوب عليهم بالإيمان، أو يعذبهم بالقتل والخزي جزاء ظلمهم لأنفسهم وابتعادهم عن الهدى.
وقد دل قوله الله هذا دلالة لا تقبل التأويل أنه جلّت قدرته قد أمد المسلمين بالملائكة في بعض حروبهم. وقد دلت الروايات الكثيرة، واتفق المسلمون على أن الله أنزل الملائكة يوم بدر لنصرة المؤمنين، واختلفوا في انزالهم يوم أحد، وليس من شك ان الله سبحانه أنزل الملائكة يوم بدر لنُصرة المؤمنين ولكن لا نعلم نوع هذا النصر: هل كان نصراً مادياً كالقتل، أو نصراً معنوياً كتخويف المشركين، وحصول الطمأنينة للمؤمنين؟ الله أعلم ولا يجب علينا البحث والتنقيب عن ذلك، على أنه إذا بحثنا فلن نصل الى يقين.
قراءات:
قرأ ابن عامر «منزلين» بتشديد الزاي، والباقون «مُنزَلين» . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: «مسوِّمين» بكسر الواو، والباقون بفتحها.
стр. 220
لله جميع ما في الكون الواسع يحكم فميهم بما يشاء ويقضي بما أحب، فيتوب على منت شاء من خلقه العاصين فيغفر له، ويعاقب من شاء على جرمه فينتقم منه، لكن الغفران والرحمة من صفاته الحسنى.
стр. 221
الربا: الزيادة، ومعناه هنا الفائدة التي تؤخذ على المال. اضعافا مضاعفة: زيادات متكررة. والسّراء: الرخاء. الضّراء: الشدة والضيق. الكاظمين الغيظ: الذين يضبطون أعصابهم فكيفّون عن الانتقام. الفاحشة: الفعل القبيح الذي يتعدى أثره الى الغير، وظلم النفس هو الشر الذي يقتصر على الانسان وحده.
في هذه الآيات الكريمة ينهانا الله عن التعامل بالربا، كما كانت تفعل اليهود وأثرياء المشركين، فيقول: أيها المؤمنون، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد ان هداكم الله، كما كنتم تفعلون في جاهليتكم. وكانت طريقة التعامل بالربا في الجاهلية، ان يكون للرجل مال على آخر الى أجل، فاذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول المدين: أجّلْ دَينك وأزيدك عليه. فيفعلان ذلك. هذا هو الربا اضعافا مضاعفة، وهو الذي يسمى الآن الربا الفاحش أو الربا المركّب، ويسمى أيضاً ربا النسيئة.
وهناك نوع آخر من الربا هو ربا الفضل، وهو الذيب ورد النهي عنه بالحديث الشريف: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثل بمثل سواء بسواء، ولا تشفوا بعضه الى بعض، اني اخشى عليكم الرماء، يعني الرباء» ومعنى لا تشفوا: لا تزيدوا.
وهذه أول آية نزلت في تحريم الربا. وهو بلاء كبير وشر عظيم، وطالما هدم بيوتاً ودمر مجتمعات. وقد بلغ درجة من الفظاعة في الجاهلية حتى ألجأ بعض الناس ان يرهنوا زوجاتهم لدائنيهم. لهذا حرّمه الاسلام وشدّد في منعه، ولذلك رافق الآية تهديد ظاهر وأمر صريح. فقال تعالى:
﴿واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ اي أطيعوا فيم نُهيتم عنه من التعامل بالربا كيما يكون ذلك سبب فلاحكم في دنياكم وسعادتكم في الآخرة.
ثم عزّز ذلك بقوله:
﴿واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ اي ابتعِوا عنها بامتناعكم عن التعامل بالربا، فإنما هي قد هيئت للكافرين. وقد قال الامام ابو حنيفة ﵀: هذه أخوفُ آية في القرآن، حيث أوعد الله المتعاملين بالربا بالنار المعدَّة للكفارين.
ثم أردف قائلا ومؤكدا، أن أطيعوا الله ورسوله فيما نهيا عنه من التعامل بالربا حتى تُرحموا في الدنيا بصلاح حال المجتمع، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم.
﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ. . .﴾ بادِروا الى العمل الصالح الذي يوصلكم الى مغفرة ذنوبكم، ويُدخلكم جنة واسعة المدى، عرضُها السماوات والأرض سبقَ أن أعدّها الله لمن اتقاه وامتثل أوامره.
стр. 222
بعد ان نهى سبحانه عن الربا من خلال هذه الآيات، وفيها تلوح صورة الغني القاسي القلب الذي يحصر همَّه كله في جمع المال من آية جهة كانت بيّن لنا في هذه الآيات صورة الأغنياء المتقِين الذين ينفقون أموالهم في السرّاء والضراء، ويأخذون بيد الفقراء فيبذلون لهم الأموال ابتغاء مرضاة الله فقال: انهم الذين ينفقون أموالهم إرضاءً لله في حالة الضيق والعسر، وفي حالة الرخاء واليسر. ونحن نعلم ان بذل المال للفقراء والمحتاجين وفي سبيل الله من أهمِّ علامات التقوى. كما ان الشحَّ والبخلَ من علامة عدم التقوى. والتقوى هي السبيل الموصل الى الجنة. وهم أيضا ﴿والكاظمين الغيظ﴾ اي الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه.
ثم أردف تعالى بمزية عظيمة أخرى وهي قوله: ﴿والعافين عَنِ الناس﴾ اي الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك. وتلك منزلةٌ من ضبط النفس وملْكِ زمامها قلّ من يصل إليها. وهي أرقى من كظم الغيظ، اذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، فالله يريدنا ان نكظم غيظنا ونعفو عن نالناس وننسى إساءتهم. وقد روى الطبراني عن أُبيّ بن كعب ان رسول الله قال: «من سرَّه أن يُشرف له البنيان، وتُرفع له الدرجات فليعفُ عمَّن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصل من قطعه» .
﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ اي اولئك الذين يتفضلون على عبادة البائسين يواسونهم ببعض ما أُنعم عليهم.
وإليكم صفةً اخرى من صفات المتقين وهي انهم: اذا فعلوا ذنباً يؤذي غيرهم أو يتعلق بأنفسهم ذركوا عند ذلك وعد الله ووعيده فرجعوا اليه راجعين رحمته تائبين ومستغفرين. وهكذا نجدهم لا يصرّون على ما فعلوا من الذنوب في الحالين. ولهذا قال الرسول الكريم «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الاصرار» .
ان للمتصّفين بماأوردته الآيات الكريمة من الصفات أماناً ونجوة من العقاب، بل لهم ثواب عظيم عند ربهم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يبرحونها، ونعمَ أجر العاملين.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر: «سارعوا» بدون واو.
стр. 223
خلت: مضت. سنن: مفردها سنّة، وهني الطريقة، وتأتي بمعنى الأمم ايضا.
فيكون المعنى: لقد مضى من قبلكم أيها المؤمنون كثير من الأمم السالفة، كذّبوا رسله وجحدوا نبوّته، كعاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط الذين أهلكهم الله بأنواع العذاب، فبقيت لهم آثار في الديار فيها أعظم الاعتبار والاتعاظ، فسيروا في الأرض وانظروا الى آثارهم وديارهم الخاوية وتأملوا ما حلّ بهم. فان أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقِبتُكم الصلاح، وان سلكتم سبيل المكذِّبين مثلهم كان حالكم كحالهم.
والمراد ان مشيئة الله في خلقه تسير على سنن حكيمة، ومن سار عليها ظفر، ومن خرج عنها خسر. وعلى هذا فلا عجب ان ينهزم المسلمون يوم أُحُد، بعد ان ركبهم الغرور وخالفوا النظام الذي عيّنه لهم رسول الله.
وفي الذي تقدم بيان للناس كافة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة. فهو يرشد الى أنَّ سنن الله حاكمة على الانبياء والرسل كما هي حاكمة على سائر خلقه. أما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما تنطبق عليها من الوقائع، فيسيرون على النهج السوي، ويتجنّبون نتائج الاهمال التي تظهر لهم مضرّةُ عاقبتها.
وفي الآية اللاحقة جاء مايسلّي المؤمنين عما أصابهم من الهزيمة في وقعة أُحد ويقول لهم: ان انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنَّة الثابتة بل مجرد حادث عابر.
стр. 224
لا تهنوا: لاتضعفوا. لا تحزنوا: لا تتألموا. الحزن ألم يعرض للنفس اذا فقدت ما تحب. القرح: الجرح، وألم الجرح. نداولها: نصرفها، ونعاقبها فنجعل الغلبة لهؤلاء تارة ولأولئك أخرى. وليمحص: ليطهر. وأصل التمحيص تخليص الشيء مما فيه من عيب. يمحق الكافرين: يُنقصهم.
ولا تضعفوا عن الجهاد في سبيل الله بسبب ما نالكم من القتل والجروح والفشل يوم أُحد، ولا تحزنوا على ما فقدتم من الشهداء في ذلك اليوم. كيف يلحقكم الوهن والحزن، وانتم الغالبون بتأييد الله، جزاء ايمانكم، وحفاظاً للحق الذي تدافعون عن!؟ لقد مضت سُنة الله أن يجعل العاقبة للمتقين.
واني كن قد لحقكم يوم أُحدٍ قتل او جرح، فقد أصاب خصومكم مثلُه. لقد أوقعتم بهم يوم بدر، والأيام دُولة بين الناس. هذه سنة الله في خلقه، يكون النصر لهؤلاء أحياناً ولأولئك أخرى، ولكن الغلبة النهايئة دائما لمن اتبع الحق. ما هو الا اختبار للمؤمنين ليعلم الله الثابتين على الإيمان، وليكرم أناساً بالاستشهاد. كذلك ليخلّص الله أحباءه المؤمنين من الذنوب، ويطهرهم من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان، فيغدون صلاباً على أيديهم يُستأصلوا الكفر كله.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم «قرح» بضم القاف، والباقون بفتح القاف. وهما لغتان.
стр. 225
الجهاد: احتمال المشقة ومكافحة الشدائد. ويكون بالقتال وبذلِ المال في سبيل الله، كما يكون بمجاهدة النفس لشهواتها أو لدفع الباطل ونصرة الحق.
لا يزال الحديث موجّهاً الى من شهد معركة أُحد من المؤمنين. والقرآن يخاطبهم في الآية بصورة السؤال: لا تظنوا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة دون ان يتبين منكم المجاهدون الصابرون الذين تُطهّرهم المحن والشدائد. واعلموا ان طريق الجنة محفوف بالمكاره، زادُه الصبر على مشاق الطريق، فتحمّلوها.
هنا يبين لنا ان طريق السعادة في الآخرة هو الصبر والجهاد في سبيل الله. كما أن طريقها في الدنيا هو اتباع الحق والتزام الإنصاف والتزام الإنصاف والعدل بين الناس. فسُنة الله واحدة لا تتبدل.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت. . .﴾ .
وهذا أيضاً خطاب لمن شهد وقعة أُحد من المسلمين، فقد كان كثيرٌ من الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر يلحّون في الخروج الى أحد حيث عسكر مشركو قريش، ليكون لهم يومٌ كيوم بدر. قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل لشهداء بدر من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمَّنوا قتالاً يستشهدون فيه. . فنزلتْ آية: لقد كنتم. . . تتمنون الموت قبل ان تلاقوا القوم، فها أنتم أولاء ترون ما كنتم تتمنّونه وتنظرون اليه، فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم، وما بالكم تحزنون وتضعفون!
وفي ذلك اليوم ثبت جماعة من الصحابة مع الرسول (وكانوا نحو ثلاثين رجلا) وذبّوا عنه الى ان انتهت المعركة، فيما تزعزع كثير منهم وضفعوا. وحين ارتفعت الصيحة ان محمداً قد قُتل كان لها وقعها الشديد على المسلمين، حتى إن الكثيرين منهم فروا مصعِّدين في الجبل، والرسول ﵇ يناديهم وهم مولّون، حتى رجعوا اليه وثبّت الله قلوبهم. وها ينبّهنا القرآ الكريم الى ان الرسول بشرٌ يمكن ان يموت، لكن رسالته تظل باقية الى الأبد.
стр. 226
في غمرة المعركة وساعة المحنة، وحيث انقلبت الكفة ودارت الدائرة على المسلمين قُتل مصعب بن عمير. وكان مصعب يشبه النّبي شبهاً تاما، فنادى قاتلُه: قتلتُ محمداً. في تلك الساعة الحرجة قال أنس بن النضر (وهو عم أنس من مالك) : يا قوم، ان كان محمد قد قُتل فان رب محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول! قاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم شد سيفه وقاتل حتى قُتل.
فالله هنا يخاطب هؤلاء بقوله: ليس محمد إلا رسول قد مضت قبله الرسل، فماتوا وقُتل بعضهم ولم يُكتب لأحد منهم الخلود. وسيموت محمد كما ماتوا، أفإن مات أو قُتل رجعتم على اعقابكم الى الكفر! ان من يرجع الى الكفر في تلك الحال لن يضر الله شيئاً، وانما يضر نفسه، بتعريضها للعاذب.
ويرشدنا الله في هذه الآية الى ان نتّبع الرسول ونسترشد برسالته وهدية ودينه، اما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم. وما يعرض له من حياة وموت فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا لخضوعنا نحن. ذلك ان محمداً بشر مثلنا خاضع لسنن الله.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله. . .﴾
فالموت والحياة بيد الله، ولا يمكن ان تموت نفس إلا بإذن الله، وفي أجل معين يعلمه الله، لا يتقدم ولا يتأخر. لذلك، قد يموت الصغير ويبقى الكبير، ويفتك المرض بالشابّ القوى فيما يعيش المريض العليل. وقد يسلم المقدام في الحرب ويُقتل الجبان. ومن ثم لا عذر للمرء هنا في الوهن والضعف.
وفي الآية تحريض على الجهاد، والذي تركناه اليوم لليهود، فيهم يجاهدون عن وطنهم المزعوم ونحن قاعدون مستسلمون لنكبة وطننا الحق، نريد من الأمم أن تحل قضيّتنا. ألا بئس ما نحن فيه! ما دام الأجل محتوماً، ومؤقتا بميقات، فلماذا هذا الجُبن والخور!
﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا. . .﴾
وم قصَد بعمله حظَّ الدنيا أعطاه الله ثوابها، ومن قصد الآخرة اعطاه الله حظاً من ثوابها وأجزله له، وسيجزي الله الشاكرين لنعمائه، وهم الذين أطاعوه فيما أمرهم به وجاهدوا وصبروا مع النبي ﷺ .
وقد كرر تعالى: قوله: ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ حتى يعلم كل انسان ان الله كريم لا يُضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 227
ربيون: مفرده ربّيّ. الجماعات الكثيرة، وله معنى آخر هو الربانيون، اي العلماء الأتقياء. هنوا: وضعفوا. استكانوا: خضعوا للعدو. الاسراف: مجاوزة الحد في كل شيء.
ما أكثر الأنبياء الذين قاتل معهم جماعات ممن آمنوا بهم فما خافوا ولا ضعفوا ولا خضعوا، ولا ولّوا الأدبار منهزمين، بل ثبتوا وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، والله يحب الصابرين.
فعليكم يا أصحاب محمد ان تعتبروا بحال أولئك الرَّبِّيين وتصبروا كما صبروا. ولذلك طُلب الكيم ان تعرفوا عاقبة من سبقكم من الامم، وتقتدوا بعمل الصادقين منهم، وتقولوا مثل قولهم عند اشتداد الحرب ونزول الكوارث. ذلك انهم مع ثباتهم وصبرهم ضرعوا الى الله بالدعاء قائلين: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وتجاوْز عما يكون منّا من إسراف في أعمالنا، وثبِّتنا في مواطن الحرب، ربّنا وانصرنا على أعداء دينك الذين جحدوا ألوهيتك.
وفي هذا اشارة الى ان الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان، فيما الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح.
اذ ذاك لبّى الله طلبهم بقوله: فآتاهم الله ثواب الدنيا، بالنصر على الأعداء، والسيادة في الأرض، والكرامة في الحياة، والذِّكر الحسن بين الناس؛ وثوابَ الآخرة اذ فازوا برضوان الله ورحمته.
والله تعالى يتلو على نبيّه هذه الآيات ليعلّمنا الاقتداء بالصالحين من الأمم السابقة، ويؤدبنا بأدب المؤمنين مع ربهم، ويُفهمنا أننا اذا أخلصنا حقاً وثبتنا على مبادئنا ثم طلبنا منه النصر فإنه يجيبنا وينصرنا بكرمه وفضله.
قارءات:
قرأ ابن كثير: «كأين» بدون تشديد، والباقون «كأين» بتشديد الياء. والمعنى واحد.
стр. 228
يردوكم على اعقابكم: يرجعوكم الى الكفر. المولى: الناصر والمعين. السلطان: الحجة. المثوى: المأوى، ومقر الانساان.
لا يزال الحديث في معركة أحد، وما حدث يومذاك من بلبلة في الأفكار وإرجاف من المشركين والمنافقين واليهود. فقد انتهزوا جميعاً ما أصاب المسلمين من الهزيمة وأخذوا يثبطون عزائهم، ويخّوِفونهم عاقبة السير مع محمد، ويصورون لهم مخاوف الحرب ضد مشركي قريش وحلفائهم. ونحن نعرف ان نجو الهزيمة لهو أصلح الأجواء لبلبلة النفوس، واشاعة عدم الثقة في القيادة، وتزيين الانسحاب من المعركة. لذلك نجده تعالى بعد ان رغّب المؤمنين في الاقتداء بأنصار الأنبياء الصادقين المخلصين، ينهاهم في الآية نفسها عن متابعة الكفار والمنافقين.
﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ. . .﴾ إن تطيعوا أعداء الله الذين أرجفوا يوم أُحد أن محمداً قد قتل، وانه لو كان رسولاً حقا لما هُزم، فإنهم سيطلبون اليكم ان ترجعوا الى دينكم الذي كنتم عليه، وبذلك تخسرون الدينا والآخرة. وأيّ خسارةأشد من الارتداد عن الايمان الى الكفرِ! اما اذا حدثتم أنفسكم بأنه قد يترتب على الميل اليهم من طرفكم قدرٌ من الحماية والنصر فاعلَموا ان ذلك وهمٌ خادع (وهذا ما يفعله بعض حكام المسلمين مع اميركا في الوقت الحاضر) . ان الله مولاكم، وهو ناصركم ومعين لكم وحاميكم. . فلا تخشوهم، إن الله أعظم الناصرين.
ولا يضعْفكم ما أصابكم من خذلان يوم أحد، فنحن سنلقي الرعب في قلوب أعدائكم، جزاءً لهم على إشركاهم بالله في العبادة. وسيكون مقرهم النار، وبئس مقام الظالمين.
стр. 229
تحُسونهم: تستأصلونهم بالقتل. فشلتم: ضعفتم. ليبتليكم: ليختبركم.
في هذه الآية الكريمة والتي بعدها تصوير للمعركة، وعرض كامل لمشهدها، ولتداول النصر والهزيمة فيها، ثم ماتبعها من فرار. ومع ذلك التصوير توجهات قرآنية، وتربية وتعليم بأسلوب قرآني حكيم.
« ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ . ما زال الكلام والخطاب مع الأصحاب الذين كانوا في أُحد. . وكان ﷺ قد وعدهم النصر يومئذ ان امتثلوا أمره. وقد وفى الله لهم بما قاله على لسان نبيه، ذلك ان الرسول ﷺ أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخرة المسلمين، وأوصاهم ان لا يبرحوا مكانهم، حتى ولو رأوا العدو تتخطفه الطير، ووعدهم النصر بهذا الشرط. كان الرماة خمسين رجلاً.
ولما ابتدأت المعركة شرع الرماة يرشقون المشركين، وقية الأصحاب يضربونهم بالسيوف، وقتلوهم قتلاً ذريعاً، حتى انهزوا، وهذا معنى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ، أي تقتلونهم بأمر الله. وفي تفسير ابن جرير الطبري والمراغي وغيرهما ان طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين المعروف بكبش الكتيبة قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون ان الله يعجّلنا بسيوفكم الى النار، ويعجلكم بسيوفنا الى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي الى الجنة، أو يعجلني بسيفه الى النار؟ . فقام اليه علي بن أبي طالب (ع) وضربه فقطع رِجله. وسقط، فانكشفت عورته، فقال طلحة لعلي: انشدك الله والرحم يا ابن عم. . فتركه على (ع) وكبّر رسول الله ﷺ . وقال لعلي أصحابُه: ما منعك أن تجهز عليه؟ . قال: ناشدني الله والرحم. . هذا هو عليٌّ في خلقه، يفيض قلبه بالحنان والرحمة، حتى على أعدى اعدائه الذي برز له شاهراً السيف في وجهه مصمماً على قتاله وقتله.
﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ . بعد أن ولى المشركون الدبر وكانوا ثلاثة آلاف مشرك امتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم. وحين رآها الرماة، وإخوانهم المسلمون ينتهبونها دونهم عصَف بهم ريح الطمع، واختلفوا فيما بينهم، وقال بعضهم: ما بقاؤنا هنا؟ وتجاهلوا وصية النبي وتشديده عليهم بالبقاء. فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير: امكثوا ولا تخالفوا أمر الرسول ﷺ . . ولكن أكثرهم غادروا مواقعهم هابطين الى انتهاب الأسلاب والأموال، وتركوا أميرهم عبد الله في نفر دون لعشرة، والى هذا التنازعه والعصيان يشير قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ﴾ . أما قوله: ﴿مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ فيشير الى انهزام المشركين وغنائمهم.
وكان خالد بن الوليد يحارب النبي ﷺ مع أبي سفيان، وحين رأى مؤخرة المسلمين مكشوفة بعد أن أخلاها الرماة اغتنم الفرصة، وانقضّ مع جماعة من المشركين على البقية الباقية من الرماة، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة، حتى استشهدوا جميعاً، وخلا ظهر المسلمين، ورجع المشركون الى الميدان، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام، وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد ان كانت لهم. .
стр. 230
وهذه النتيجة الحتيمة للتنازع والتخاصم.
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ . وهم الرماة الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة. ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ . وهم الذين ثبتوا مكانهم مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى نالوا الشهادة. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ . أي ردكم عن الكفار بعد أن نصركم عليم بسبب تنازعكم وعصيانكم. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ . أي عاملكم معلامة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان، وصبركم على الشدائد، ويميز بين المخلصين والمنافقين. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين﴾ . وكثيراً ما يخطىء الإنسان عن طيش، ثم يؤوب الى رشده، فيعفوا الله عما سلف منه، أما من عاد فينتقم الله منه.
стр. 231
اذكروا ايها المؤمنون حالكم في تلك اللحظات الرهيبة حين ذهبتم منهزمين لا تلتفتون لأحد من شدة الهرب، والرسول يناديكم ويقول: هلم اليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يَكُرَّ فله الجنة. . وأنتم لا تسمعون لا تنظرون. ولقد جازاكم الله غمّاً متصلاً بغمٍّ من الإرجاف بقتل رسول الله بعد الجرح، والقتلِ الذيب حصل فيكم اذ قُتل منكم سبعون رجلا، وظَفَرِ المشركين حتى صرتم من الدهش يضرب بعضكم بعضا. ولقد فاتتكم الغنيمة التي طمعتم بها، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ما اصابكم من الهزيمة، الله خبير بما تعلمون يعلم مقاصدكم وقادر على مجازاتكم.
стр. 232
يغشى: يغطي. برز: خرج. الى مضاجعهم: الى مصارعهم وقبورهم. ذات الصدور: السرائر.
بعد انت انتهت المعركة ورجع بعض من انهزم من المسلمين ويتجمّعوا حول الرسول الكريم وقف أبو سفيان وصاح: أُعلُ هُبَل، يوم أُحد بيوم بدر، لنا العزّى ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله لعُمر: قل: الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم. فقال ابو سفيان: فيكم محمد؟ قالوا: نعم، قال لقد حدثتْ مُثْلَةٌ لم آمر بها ولم تسؤني، (يعني بذلك ما حدث من التمثيل بجثّة حمزة وغيرها من قتلى المسلمين) ثم قال: الموعد بيننا بدرٌ في العام القابل. فخاف المسلمون ان يذهب المشركون الى المدينة. وفي تلك اللحظة بعث الله النعاس على طائفة المؤمينن الصادقين في إيمانهم تطميناً لقلوبهم، وفي النوم راحة كبرى للأعصاب المرهقة وقت الشدائد.
قال ابو طلحة: غشينا النعاسُ يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
ورفعتُ رأسي فجعلت أَنظر ما منهم يومئذ الا يميد تحت حَجَفته من النعاس. وذلك قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ .
والحجفة: الترس من الجلد.
هذه احدى طائفتي المسلمين الذين قاتلوا يوم أُحد. أما طائفة الايمان المزعزع فقد أذلهم الخوفُ، نولم يكن لهم همٌّ الا انفسهم. وذلك لأنهم كانوا مكذِّبيه بالرسول في قلوبهم، فظنوا بالله الظنون الباطلة وأخذوا يوقولن مستنكرين: هل لنا من النصر والفتح نصيب؟ . لهؤلاء قل يا محمد: الأمر كله لله في النصر والهزيمة. وحتى حين يسألونك فإنهم في الواقع يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون اعلانه لك، فهم يُظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر، لكنهم يبطِنون الإنكار والتكذيب. فلسان حالهم يقول: لو كان أمر النصر بيد اله محمد كما ادعى محمد لما غُلبنا، ولما قُتل من قُتل من أصحابه في هذه المعركة! .
قل لهم يا محمد: لو كنتم في منازلكم وفيكم من كُتِبض عليه القتل الخرجوا الى مصارعهم فقُتلوا. اما الهزيمة فقد جازانا بها للهن ليمتحن ما في صدورنا من الصدق والإخلاص أو عدمه، ويمحصّ ما في قلوبنا من وساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «تغشى» بالتاء، والباقون «يغشى» بالياء. وقرأ أبو عمرو ويعقوب «قل ان الأمر كلُّه» برفع اللام. والباقون بنصبها.
стр. 233
الجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين. استزلهم الشيطان: جرهم الى الخطأ.
ان الذين انهزموا منكم يا معشر المسلمين يوم أحد انما جرّهم الشيطان الى الزلل والخطأ، فعصَوا أمر الرسول وبارحوا المكان الذي أوقفهم فيه على الجبل. لقد رأوا النصر للمسلمين في أول المعركة فهبطوا الى السهل طمعاً في الغنيمة. عند ذلك هاجمهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وقتل من بقي من الرماة وأحدث الخلل في صفوف المسلمين. ولقد فر أكثر المقاتلين، ولم يبق مع النبي الا ثلاثة عشر رجلاً منه خمسة من المهاجرين هم: أبو بكر وعلى وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وثمانية من الأنصار. وقد انهزم بعضهم ولم يعند الا بعد ثلاثة أيام.
من هذا يتبين ان عملاً بسيطا لا يقدّره الانسان قد يجر الى نبكة كبرى، ويكون بعلمه هذا قد قدّم أعظم مساعدة لعدوه. وهذا ما نحن فيه اليوم، فاننا بتفرقنا ومعادتنا لبعضنا البعض، اما نقدم اعظم خدمة لليهود وحلفائهم، منّا ومن غيرنا.
وفي الآية تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئةَ فتفقد ثقتها في قوتها، ويختلّ توازنها، فَتَبِيتُ عرضةً للوساوس والهواجس. وعندئذ يجد الشيطان طريقه الى هذه النفس فيقودها الى الزلل والخطأ، وتحل بها النكبة والهزيمة. . . .
ولكن الله ادرك أصحاب أُحد برحمته، فلم يدع الشيطان يتسلط عليهم، بل عفا عنهم، ثم أخبرهم بأنه غفور حليم. ونحن نسأل الله تعالى ان يردّنا الى طريقه المستقيم، ويدركنا برحمته فيوحّد كلمتنا ويعيد الينا ثقتنا بأنفنسان، لننظم صفوفنا ونسترد ما اغتُصب من بلادنا.
стр. 234
المراد بالذين كفروا هنا: المنافقون، عبد الله بن أُبي وأصحابه. ضربوا في الأرض: سافروا فيها للتجارة وغيرها. غزى: جمع غاز، محابرون، مجاهدون.
يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن اخوانهم حين سافروا للتجارة والكسب فماتوا، او كانوا غزاة في وطنهم او في بلاد اخرى فقُتلوا: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا ما قتلوا، فقد جعل الله ذلك القول والظن حسرة في قلوبهم. ان الله هو الذي يحي ويميت، وليس للإقامة والسفر مدخل في ذلك. والله مطّلع على ما تعملون، بصير بما تكفرون فيه، لا يخفى عليه شيء مما تكتمون في أنفسكم من وساوس الشيطان.
ثم بشّر من قُتل او مات في سبيل الله بحسن المآل ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ. . وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يُقتل في سبيل الله خيرٌ لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع في هذه الدار الفانية. والحقَّ أقول: لو أننا آمنا إيماناً صادقاً لما خفنا من الموت، ولحاربنا اليهود بعزم وصدق وخلّصنا بلادنا من براثنهم.
ثم حثّنا سبحانه على العمل في سبيله، لأن المرجع اليه فقال:
﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ . فبأي سبب كان موتكم فإنكم راجعون الى الله لا إلى غيره، فيجزي كلاً منكم بما يستحق. فآثِروا ما يقرّبكم إليه من العمل الطيب والجهاد في سبيله، ولا تركنوا الى الدنيا ولذاتها الزائلة، أيها المؤمنون.
قراءات:
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «والله يعلمون» بالياء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي «متم» بكسر الميم. وقرأ غير حفص «خير مما تجعمون» بالتاء.
стр. 235
لنت لهم: ترفّقت بهم. الفظ: الشرس الأخلاق، الجافي العشرة. القلب الغليظ: القاسي الذي لا يتأثر باللطف والرقة. انفض: تفرق: المشاورة: أخذ آراء الذين حولك من العقلاء وذوي الرأي. التوكل: تفويض الأمر الى الله، للثقة بحسن تدبيره، مع أخذ الأهبة واستكمال العدة.
بعد ان أرشد الله المؤمنين من الآيات المتقدمة الى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، اتجه في الخطاب هنا الى الرسول الكريم بهذا التعبير الدقيق اللبق، والمدح العظيم. فهو يريد ان يلطّف الجو بعد معركة أحد، ويخفف مما في نفس الرسول على القوةم الذين كنوا سبباً في تلك النكبة.
ويتوجه سبحانه إلى الرسول بهذه الآية والتي بعدها يطيّب قبله، والى المسلمين يشعرهم بنعمة الله عليهم به، ويذكّرهم رحمة الله الممثلة في خُلقه الكريم.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ من رحمة الله عليك ان عاملتَ أصحابك بعد رجوعهم باللين والرفق، وهذا شيء خصّك الله به، فقد حباك بآداب القرآن العالية وحِكمه السامية، فهانت عليك المصائب. هذا مع انَّ كثيرا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف، اذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولو كنت يا محمد رجلاً خشناً جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك، ونفرت قلوبهم منك، فلم تتم هدايتُهم وارشادهم الى الصراط المستقيم.
هكذا يجب ان تكون أخلاق الزعيم والقائد الحاكم، فان الناس في حاجة الى رعاية فائقة وقلب رحيم، وحلِم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم، لا إلى حاكم، فان الناس في حاجة الى رعاية فائقة وقلب رحيم، وحِلم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم، لا إلى حاكم متعالٍ يتطاول بالغطرسة وادّعاء العظمة في غير حق. وما أرحمَ ما كان قلب الرسول الكريم، وما أجمل ما كانت سيرته مع الناس: ما غضِب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل وَسِعَهم حلمُه وبره وعطفه. وسيرته طافحة بذلك.
﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ ما أحلى هذا الكلام وما أرقّة وأعطفه! وما أعظم قوله سبحانه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ ، فهو نص قاطع في تقرير مبدأ الشورى في الحكم الإسلامي، لا الاستئثار بالسلطة الفردية المتحكمة. وانه لمبدأ عظيم هذا الذي يقرره القرآن بصدد ذلك، وهو المعمول به اليوم عند الأمم الراقية التي سقتنا. اما نحن فقد تأخرنا لأننا أردنا لهذه التعاليم الحكيمة الراشدة، واتّبعنا مبدأ التسلُّط والقهر. واتخذنا اسم «الرعيّة» وكأنه من الرعي للسائمة لا من الرعاية للبشَر.
فاذا عقدت عزمك يا محمد على أمر بعد المشاورة، فامض فيه متوكلاً على الله، ان الله يحب الواثقين به، فينصرهم ويرشدهم الى ماهو خير لهم.
اذنْ فالتوكل يجب ان يكون مقروناً بالسعي والعزم والعمل لا نابعاً من التقصير ورغبة في التخلص من العناء، وإلا فهو تواكلُلٌ يمقُتُه الله.
في الحديث المعروف الذي رواه الترمذي والبهيقي وأبو نعيم وابن أبي الدنيا وابن حبّان. «قال رجل للنبي ﷺ : أعقلُ ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال له الرسول الكريم:» عقِلها وتوكيل «.
وقد سار هذا الحديث مثلاً.
стр. 236
اذا اراد الله نصركم كما حدث يوم بدر، حين عملتم بإرشادات الرسول وثبتُّم في مواقفكم، كما اتكلتم على توفيق الله ومعونته فلن يغلبكم أحد. وإن يُرد خذلانكم ويحرمكم معونته، لعدم اتخاذككم أسباب النصر أو لشيء من التنازع وعصيان القائد فيما أمركم به (كما جرى يوم أحد) فلا ناصر لكم سواه. وعلى الله وحده يجب ان يعتمد المؤمنون.
стр. 237
الغل: الأخذ خِفية كالسرقة، يقال غلّ فلان الغنيمة يغُل غلولاً، وأغل إغلالا خان فيها، وأخذ شيئا منها خفية. تُوفّى: تعطى.
«روي ان هذه الآية نزلت يوم أحد عندما ترك الرماة موقعهم على الجبال طلباً للغنيمة، إذ قالوا: نخشى أن يقول النبي: مَن أخذ شيئاً فهو له، وان لا يقسم الغنائم كما قسمها يوم بدر. فقال لهم الرسول: ألم أعهد اليكم الا تتركوا موضعكم حتى يأتيكم أمري؟ فأجابوا: تركنا بقية اخواننا وقوفا. فقال لهم: بل ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم» .
وكان بعض المنافقين قد اشاعوا ان الغنائم يوم بدر قد اختفت، واتهموا الرسول الكريم انه اخفاها. فكذّبهم الله. والمعنى هنا:
لا يجوز لنبي ان يخون في الغنائم، لأن النبوة أساسها الأمامنة. وفي هذا نفي الخيانة عن جميع الأنبياء. لقد عصمهم الله من الغلول والخيانة لأن النبوة أعلى المناصب الانسانية، فصحابُها معصوم عن كل ما فيه دناءة وخسة. اما الناس فقد يقع منهم ذلك، فمن فعله أتى بما غل به يوم القيامة، ليفتضَح فيه أمره ويزيد به عذابه.
﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ يومذاك تعطى كل نفس جزاء ما علمت وافيا تاما، لا تلقى ظلماً بقصان في الثواب او زيادة في العقاب.
«روى عبد الله بن احمد عن عبادة بن الصامت ان رسول الله ﷺ قال: اياكم والغُلول، فان الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أَدُّوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب البعيد، في الحاضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. إنه لَينجي الله ﵎ به من الهم والغم. وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائم» .
وهناك أحاديث كثرة في هذا الموضوع.
وقد علمتْ هذه الآية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية السلف الصالح من المسلمين حتى أتوا بالعجب العجاب:
حُملتع الغنائم الى عمر بن الخطاب بعد القادسية، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقوَّمان بثمن فنظرَ رضي الله عن هـ الى ما أدَّاه الجندُ في غبطة وقال: «ان قوماً أدوا هذا لأمِيرهم لأمناء» .
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب: «ان يُغَل» على البناء للمفعول، والمعنى على هذه القراءة ما صح لنبي أن ينسب الى الغلول أو يخونه أحد، أما عند قراءاتها «يغُل» بفتح الياء وضم الغين فالمعنى المقصود ان يخون في الغنائم.
стр. 238
باء: رجع. مأواه: منزله.
أردف الله تعالى بهذه الآية ليبين أن جزاء المطيعين ليس جزاء المسيئين: أفمن اتقى وسعى في تحصيل رضا الله بالعمل الطيب والطاعة التامة مثلُ الذي باء بغضب عظيم من الله بسبب عصيانه وغلوله وخيانته!! كلا، ان منزل العاصي الذي غلّ وخان هو جهنم، وساءت منقلبا.
والحق ان كلاً ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة ومنازل متفاوتة، حسب الأعمال الحسنة أو السيئة. ولا يعلم هذه الدرجات الا من أحاط بكل شيء علما، لأه ﷻ هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
стр. 239
يزكيهم: يطهرهم. الكتاب: القرآن. الحكمة: السنَّة، والمعرفة بجميع أنواعها.
لقد مرّ نظير الآية في سورة البقرة، الآية١٢٩.
بعد أن نفى الله الغلول والخيانة عن النبي الكريم على أبلغ وجه أكد بذلك بهذه الآية فأبان نه قد تفضل على المؤمنين بأن يبعث فيهم رسولا منهم، وُلد في بلدهم فعرفوه حق المعرفة ولم يروا فيه طوال حياته الا الصدق والأمانة حتى فاز بلقب محمد الأمين. وقد جاء هذا الرسول يتلو عليهم آيات الله الدالة على القدرة والوحدانية، ويوجه النفوس الى الاستفادة منها والاعتبار بها.
ها كما جاء محمد ليزكّيهم، أي يطهّرهم من العقائد الزائفة، ويطهر بيوتهم وأعرضهم ومجتمعهم من دنس الجاهلية وشِركها. كذلك جاء يعلّمهم القرآن والكتابة والقراءاة بعد ان كانوا أُميّين ضالين.
«وعلى أية حال، فقد تضمنت هذه الآية الأمور التالية:
٠١ ان الرسول احسان من الله الى الخلق، لأن الرسول ينقلهم من الجهل الى العلم، ومن المذلَة الى الكرامة، ومن معصية الله وعقابه الى عطاعته وثوابه.
٠٢ ان هذا الاحسان قد تضاعف على العرب بالخصوص لأن محمداً ﷺ منهم، يباهون به جميع الأمم.
٠٣ انه يتلو عليهم آيات الله الدالة على وحدانيته، وقدرته وعلمه وحمكته.
٠٤ انه يطهّرهم من أرجاس الشرك والوثنية، ومن الاساطير والخرافات والتقاليد الضارة، والعادات القبيحة.
٠٥ يعلّمهم الكتاب أي القرآن الذي جَمَعَ كلمتهم، وحفظ لغتهم، وحثّهم على العلم ومكارم الأخلاق، ويعلمهم الرسول أيضاً الحكمة، وهي وضع الأشياء في مواضعها، وقيل: ان المراد بها هنا الفقه. .»
يقول جعفر بن أبي طالب الصاحبي الجليل مخاطباً النجاشي عندما لجأ اليه المسلمون في أول بدء الدعوة: «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا الى الله وحده لنوحّده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرَرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل ما اليتيم، وقذف االمحصنات، وأمرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرَنا بالصلاة والزكاة والصيام» .
стр. 240
لا ينبغي ان تعجبوا وتجزعوا مما حل بكم يوم أُحُد من ظهور المشركين عليكم، وقتْل سبعين رجلاً منكم، فلقد أصبتم منهم مِثْلَيْها يوم بدر بقتل سبعين رجلاً منهم وأسر سبعين آخرين. اذن كان نصركم في بدر ضِعف انتصار المشركين في أحد.
وقد كان سبب تعجبهم ان بعضهم قال: نحن ننصر دين الله وفينا رسوله، وهم ينصرون الشرك بالله، ومع ذلك يُنصرون علينا؟ فرد الله عليهم بهذه الآية بقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ ، و ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ اي أن الذي أصابكم انما هو من عند أنفسكم: لقد خالفتم الرسول في أمور كثيرة، فقد كان من رأيه البقاء في المدينة ومحاربة المشركين فيها اذا هاجموا، لكنكم تحمستم وأردتم الخروج للقاء العدو. ثم إنكم تنازعتم الرأي فيما بينكم. ثم كانت الطامة الكبرى بمخالفة الرماة منكم أمر الرسول ونزولهم عن الجبل. . كل هذه المخالفات أدّت الى الهزيمة. والله قادر على كل شيء، ومن مقتضى قدرته ان تنفُذ سُنَنُه، وأن تمضي الأمور وفق حكمة وارادته، وألا تتعطل سُنّته التي أقام عليها الكون والحياة.
стр. 241
وكل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى جمعُكم وجمع المشركين في أحد إنما وقع بإذن الله وارادته، وليُظهر للناس ما عَمِله من أيمان المؤمنين حقا. إن هزيمتكم لم تقع مصادفة ولا عبثاً ولا سدى، فكل حركة محسوبٌ حسابها في تصميم هذه الكون، هي في مجموعها تجري وفق السنن والقوانين الثابتة التي فرضها الله لحكمةٍ مدبَّرة يجري كل شيء في نطاقها.
стр. 242
وكما يُظهر اللهُ حال المؤمنين من قوة الايمان وضعفه، واستفادتهم من المصائب حتى لا يعودوا الى أسبابها، يُظهر حال المنافقين (من أمثال عبد الله بن أبي سلول) ويفضح موقفهم يوم أُحد. وقد كشفهم الله على حقيقتهم يومذاك، اذا انصرفوا ورجعوا الى المدينة. وتبعهم ابو جابر السلمي من الصحابة يناديهم وقول لهم: تعالوا قاتِلوا في سبيل الله. فأجابوه: لو نعلم انكم ستلقون قتالاً في خروجكم لذهبنا معكم. لقد كانوا غير صادقين في ذلك، بل إنهم في مقالتهم هذه أقرب الى الكفر منهم الى الايمان. وما كان اعتذارهم الا على وجه الخديعة والاستهزاء، يقولون بأفواههم «ليس هناك حرب» مع أنهم يعتقدون في قلوبهم أنها واقعة. ومع ذلك فقد أصروا على الارتداد.
ثم أكد الله كفرهم ونفاقهم بقوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ من الكفر والكيد للمسلمين وتربُّص الدوائر بهم. ثم مضى يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس:
стр. 243
ارأوا: ادفعوا.
قال الذين تخلّفوا عن القتال ورجعوا الى المدينة، في شأن اخوانهم الذين خرجوا وقُتلوا: لو أنهم أطاعونا وقعدوا مثلنا لنجَوا من القتل كما نجونا. وهكذا لم يكتفِ المنافقون بالتخلف والاعتذار الكاذب، وما أحدثه ذلك من رجة وبلبلة في النفوس، بل راحوا يثيرون الحسرة في قلوب أهل الشهداء بعد المعركة. فرد الله تعالى عليهم رداً قاسياً دحض حجتهم وأبان كذبهم، كما وبخهم على ما قالوا فأبلغ نبيَّه ان يتحداهم ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، اي ادفعوا عن أنفسكم الموت ان كان الحذَر يمنع من القدَر كما تزعمون.
стр. 244
هنا شرح الله حقيقةً من أعظم الحقائق التي تبشّر المؤمنين وتحفزهم على الجهاد في سبيل الله، وهي ان الذين قُتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتاً بل هم أحياء عند ربهم في عالم آخر غير هذا العالم، قد شرّفهم ربهم في تلك الحياة وأكرمهم بها. وهي حياة غيبية لا ندركها نحن، يُرزقون فيها رزقاً طيبا يعلمه الله، وتتألف وجوههم من السرور بما أعطاهم، كما يستبشرون بخلاص اخوانهم الذين تركوهم في الدنيا مقيمين على منهج الايمان والجهاد، وانه لا خوف عليهم من مكروه ولا هم يحزنون لفوات محبوب. إنهم يستبشرون بنعمة الله فتتألف وجوههم بالبشر والسرور بما أعطاهم ربهم من نعمة الشهادة ونعيم الجنة وعظيم الكرامة، انه لا يضيع أجر المؤمنين جميعا.
قراءات:
قرأ ابن عام: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ﴾ بشديد التاء مع الكسرة.
стр. 245
القرح: الجرح، والمراد هنا كل ما أصاب المؤمنين من مشقات في وقعة أُحد وما تكبدوه من الخسائر. حسبنا الله: كفانا الله. فانقلبوا: فرجعوا.
في هذه الآيات وصف عظيم للمؤمنين الصادقين، وهم الذين لبّوا دعوة الرسول الى استئناف الجهاد من بعد ما أصابهم من جرح وآلام يوم أُحُد. لقد اتقوا عصيان ربهم ورسوله الكريم، فاستحقوا الأجر العظيم على ما قاما به من جليل الأعمال.
«وذلك ان أبا سفيان وأصحابه، لما رجعوا من أحد، ندموا وهمُّوا بالرجوع حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين. فبلغ ذلك رسولَ الله، فأراد ان يُرهبَهم ويريهم القوة من نفسه وأصحابه، فندب أصحابه للخروج في أثر أبي سفيان، وقال: لا يخرجنّ معنا الا من حضر يومنا بالأمس. وهكذا خرج مع جماعة من أصحابه وفيهم عدد من الجرحى قد تحاملوا على أنفسهم، حتى بلغوا مكانا سامه» حمراء الأسَد «. وعندما سمع أبو سيفيان بخروج النبي وأصحابه في طلبه، خشي العاقبة، فأسرع في جماعته منقلباً الى مكة» .
وهنا يقول:
ان هؤلاء الذين خوّفهم الناس بأن قالوا لهم: إن اعداءكم قد جمعوا لكم جيشاً كثيفا فخافوهم، لكنهم لم يضعفوا، بل ازدادوا ايماناً بالله وثقة من نصره، كما أجابوا: ليس يهمَّنا هؤلاء الذين جمعوا الجموع، فالله معنا ان ينصرنا على قلّتنا وكثرتهم، ثم خرجوا مع رسول الله للقاء العدو، لكنهم لم يلقوه لأنه أسرع خائفا الى مكة، فرجعوا بدورهم الى المدينة مع الرسول هؤلاء قد فازوا بنعمة السلام، واطاعهة رسوله. وبذلك ربحوا في تجارتهم ولم يمسَسْهم سوء.
روى البيهقي عن ابن عباس ان عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ ثم باعها، فربح مالاً، فقسمه بين أصحابه، فذلك من فضل الله.
стр. 246
ان الذي وسوس الى أعوانه ان يقولوا: ان الناس قد جمعوا لكم، لهو الشيطان. لقد أراد أن يخوّفكم بأوليائه وأنصاره المشركين ويوهمكم ان المشركين أولو قوة وبأس شديد، فمن مصلحتكم ان تقعدوا عن لقائهم. لا تخافوا أيها المؤمنون من أبي سفيان وأنصاره، ولا ترهبوا جمعهم، بل خافوني وأطيعوا أوامري لأنكم أوليائي وأنا وليُّكم، متكفل لكم بالنصر والظفَر ما ظَلَلْتم صادقين في ايمانكم قائمين بما يفرضه عليكم هذا الايمان.
стр. 247
يتجه الخطاب الى الرسول الكريم بهذه الآية ليسلّيه، كما سلاّه في كثير من الآيات، عما يُحزنه من إعراض الكافرين عن الايمان. ذلك ان بعض المنافقين أظهروا كفرهم وصاروا يخوّفون المؤمنين ويقولون لهم: ان محمداً طالب مُلك، فتارة يكون الأمر له وتارة عليه، ولو كان رسولا من عند الله ما غُلب. ومن شأن هذه المقالة ان تنفِّر الناس من الاسلام. فقال الله: لا تحزن أيها النبي الكريم من مسارعة المنافقين وبعض اليهود الى نصرة الكافرين بكل ما أُوتوا من الوسائل، انهم لن يضرّوك والمؤمنين معك شيئاً. اما عاقبة هذه المسارعة الى الكفر فهي وبال عليهم: فالله يريد الا يجعل لهم نصيباً من ثواب الآخرة بل ان يذيقهم عذاباً عظيماً.
стр. 248
نُملي لهم: نُمهلهم. اثما: ذنبا.
ولا يحسبنّ هؤلاء الكفارون ان إمهالَنا لهم حين نمد في أعمارهم ونهيّىء لهم أسباب النعيم في حياتهم الدنيا هو خير لهم، كلا، ان اطالة العمر وسعة الرزق دون إيمان ولا عمل صالح يُفْضِيان بهم الى الاستمرار في المعاصي. . ومن ثَم استحقاق ما أعد الله لهم من عذاب مهين مقابلَ ما كنوا فيه من مقام ومكانة ونعمة.
стр. 249
يميز ويُمييٍِّز معناهما واحد وقرىء بهما، يجتبي: يختار.
يبين الله تعالى هنا ان الشدائد هي محكّ صدق الايمان، ولذلك يقول: ما كان الله ليترككم يا معشر المؤمنين على ما أنتم من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكاليف والشدائد. بذلك يَظهر المنافق الخبيث والمؤمن الطيب الصادق الايمان. ولم يكن من شأنه تعالى أن يُطلع الناس على الغيب، فلو فعل ذلك لأخرج الانسان من طبيعته. لذا جرت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد، كما تم أُحد، حيث ابتلى المؤمنين بظهور العدو عليهم، جزاء ما فعلوا من المخالفة. وقد قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ .
ولكن الله يصطفي من رسُله من يشاء، فيطلعه على ما يشاء من الغيب، فيعلم ذلك الرسول المؤمنَ من المنافق. أما أنتم يا أصحاب محمد ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ الذين ذكرهم في كتابه. وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب وتتقوا الله بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به، لفكم أجر عظيم لا يقدَّر ولا يوصف.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «يُمَيِّز» بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها والباقون: «يَمِيز» بفتح الياء وكسر الميم.
стр. 250
سيطوَّوقون ما بخلوا: سيُلزمون به لزوم الطوق للأعناق.
كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد، وهنا شرع يحثُّ على بذل المال في سبيل ذلك. ولمال بطبعه عزيز جدًّا على الناس، حتى ان بعضهم لَيفدي نفسه من أجل ماله. لذلك ذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله على الجهاد، واللهُ يرث الأرض والسماوات، ويبقى الملك له وحده.
قراءات:
قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بالتاء كما هو هنا، والباقون «يعملون» بالياء.
следующие страницы →