Полный текст (1 460 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ما يصيبك أيها النبي الكريم من رخاء ونعمة وعافية فهو من فضل الله وجوده، يتفضل به إحساناً منه اليك. أما ما يصيبك من شجدة ومشقة وأذى فهو من نفسك لتقصيرٍ او ذنب.
والخطاب ظاهُره للنبيّ ولكنه تصوير للنفس البشرية عامة، وان لم يقع منه ﵇ ما يستوتجب السيئة. وهذا كله ليعلّمنا ان كل شيء من عند الله، على معنى انه خالقُ الأشياء وواضع النظُم للوصول الى هذا الأشياء بسعي الانسان وكسبه. وأن الانسان لا يقع فيما يسوءه الا بتقصير منه في معرفة السبب والأسباب او مخالفتها. ولقد أرسلناك يا محمد للناس جميعاً، فليس لك دخل فيما يصيبهم من حسنات ولا سيئات، وكفى بالله شهيدا.
стр. 317
حفيظاً: تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم فيها. ويقولون طاعة: أمُرنا طاعة او منا طاعة. بيّت: دبر الأمر ليلاً، والمراد دبروا أمرهم سرّا.
من أطاع الرسولَ فقد أطاع الله، لأنه لا يأمر الا بما أمر ولا ينهى الا عما نهى الله عنه، لذلك كانت طاعته طاعة الله. ومن أعرض عن طاعتك يا محمد على هذا الاعتبار فليس لك أن تُكرهه عليها، لأنك أُرسلت مبشِّراً ونذيرا، ولَم ترسل مسيطراً ورقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم.
رُوي ان النبي ﵊ قال: «من أحبني فقد أحبَ الله، ومن اطاعني فقد أطاع الله» ، فقال المنافقونن: ألا تسمعنون الى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشِرك، قد نهى ان نعبد غير الله ويريد أن نتخذه رَبّاً لكما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. . . .
ويقول هذا الفريق من الناس إذا أمرتَهم بأمر: أمرُك مطاع، وليس لك منا الا الطاعهة، ولكنهم اذا خرجوا من عندك دبّرتْ طائفةٌ منهم أمراً مناقضاً لما أخبرتهم به. واللهُ يحصي عليهم ما يدبرونه في الخفاء، فأعرِض عنهم، وفوّض أمرك الى الله، فهو يكفيك شرهم ولا يضرك احد.
قراءات:
قرأ ابو عمرو وحمزة «بيت طائفة» بالإدغام.
стр. 318
يتدبرون: يتأملون.
أفلا يتدبر اولئك المنافقون ويتفكرون جيداً في القرآن حتى يعلموا حقيقة الرسالة التي يدلّ عليها ويهدي اليها ذلك الكتاب! ما بالهم يعمون عن هذا التناسق الذي في سُوَره وآياته، وتلك الأخبار والأحكام التي جاء بها، والحقائق لتي تصوّرهنا العقائد، وقواعد الشرائع، وسياسة الشعوب والقبائل وضرب الأمثال! كيف يتأتى هذا كله لرجل أمّي: لون كان هذا الكتاب من عند غير الله، لتناقضت معانيه واختلفت أحكامه اختلافاً كثيرا.
стр. 319
اذاعوا به: اذاعوه ونشروه. يستنبطونه: يستخرجونه.
تصوّر هذه الآية حال المؤمنين في المدينة، حيث كونّوا مجتمعاً جديداً. وكان بينهم طائفة تدّعي الاسلام، وهم المنافقون، وطائفة اخرى ممن لم يتركز حالُهم من ضعاف المؤمنين. لذلك كان كل خبر يصِلُهم سيتفزّهم ويطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس، سواء أكان من ناحية الجيش الّذي يغزو ويقاتل العدو، أو من ناحية الأمن الداخلي عندهم. وكان لكثير من المسلمين علاقات جوارٍ او نسب أو صداقة مع اليهود والمنافقين، فكان هؤلاء يستغلّون سذادة المسلمين ويتلقون الأخبار ويشيعونها بين الناس مع زيادة وتغيير وتبديل. لذلك بيّن الله لهم ما ينبغي عمله في مثل هذه الحال، فقال: ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر من القواد وكبار الصحابة لوجدوا عندم العلم الحقيقي بالأمر، لأن لهم الخبرة والدراية، وهم الذين يعرفون كيف يستخرجون خفايا الحقائق بدقة نظرهم.
هذا من جهة سبب نزول الآية. أما حُكمها فإنه عام لجميع المسلمين ودائم في كل زمان ومكان. وفيها تأديب لكل من يحدّث بكل ما يسمع، وكفى بذلك كذبا. وقى روى مسلم عن النبي الكريم أنه قال: «كفى بالمرء كذباً ان يحدّث بك ما سمع» .
ولو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا بهديه في كل زمان ولما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم حكّامهم واستبدّلوا، ولما زال مُلكهم وسلطانهم. ولولا فضلُ الله عليكم بتثبيت قلوبكم على الايمان لاتّبع أكثرُكم الشيطان، ولم ينجُ من إغوائه الا القليل.
هكذا يربّينا القرآن الكريم ويعّلمنا، ليغرس الإيمان والولاء لصالح المسلمين، يحدّده أولو الرأي فيهم لا أولي القوّة والأموال، ويعلّم نظام الجندية في آية واحدة.
стр. 320
التحريض: الحث على الشيء. البأس: القوة. التنكيل: معاقبة المجرم بما يكون فيه عبرة للناس.
اذا أردتَ الفوز والظفر على الأعداء يا محمد فجاهد أعداءَ الله من أهل الشرك وأعرِض عن هؤلاء المنافقين الذين قالوا «لمَ كتبتَ علينا القتال» والذين يتذبذبون فيقولون لك «طاعة» وهم يُضمرون خلاف ما يقولون. انك لست مسئولا الا عن نفسك. ثم ادعُ المؤمنين الى القتال وحرضهم عليه، وعسى الله ان يدفع عنكم شدة الكافرين وبأسهم. إنه أشد قوة منهم، وأشد تنكيلاً بالكافرين.
وقد روي ان الرسول الكريم واعد أبا سفيان بعد أُحدٍ موسم بدرٍ الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد دعا الناسَ الى الخروج. وخرج في شعبان من سنة اربع في سبيعن راكبا، ووافوا الموعد. وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب فرجعوا من مَرّ الظهران.
стр. 321
الشفاعة: السعي في جلب الخير الى الآخرين او دفع الشر عنهم. كِفْل: نصيب. مقيتا: مقتدرا.
بمناسبة تحريض الرسول للمؤمنين على القتال الذي ورد الأمر به، وذِكر المبطئين عنه يقرر تعالى هنا قاعدة عامة في الشفاعة: فالذي يشجّع على القتال ويعاون عليه يكون له نصيب من أجر هذه الدعوة، والذي يثبّط الهمم تكون عليه تبعة سيئةٌ ووزر كبير. ثم إن المبدأ عام في كل شفاعة، فالشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق المسلم وابتُغي بها وجه الله، لا الرشوة كشفاعات هذا العصر، وكانت في امر جائز. اما الشفاعةُ السيئة فما كانت بخلاف ذلك.
وقد وردت أحاديث كثيرة في أمر الشفاعة ومساعدة الناس في بلوغ الحق، فقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ان رسول الله قال: «المسلم اخو المسلم، لا يظلِمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كُربةً فرج الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» .
وروى ابو داود عن أبي أُمامة ان رسول الله قال: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هديةً فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر» وهكذا: الهدية رشوة، اذا كانت لقاء خدمة او لغمط حق بفعل محسوبية.
стр. 322
اصل التحية: الدعاء بالحياة، ثم صارت للسلام.
بعد ان علّمنا الله تعالى طريق الشفاعة الحسنة، وانها الخالصة لله جاءت هذه الآية للتأديب في المعاملة: كيف نسلّم على الناس، وكيف نرد التحية بأحسن منها. ذلك أن التحية في المجتمع علاقة من العلاقات الطيبة التي تدور بها عجلة الحياة بيسر.
وفي جعل الإسلام تحيته «السلامُ عليكم» لأنه دين السلام، فهو حتى حين يدعو الى القتال فإنما يدعو لإقرار السلام في الأرض.
وأذا حيّاكم أَحدٌ بتحية فردوا بأحسن منها أو بمثلها، فملن قال لكم: السلام عليكم، أجيبوا: وعليكم السلام ورحمة الله.
هذا وإلقاء سُنة: وردُّوه واجب.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ «من سلّم عليك من خلْق الله فاردد عليه وان كان مجوسياً، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ » .
﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ انه تعالى رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحلية ويحاسبكم على ذلك. وفي هذا اشارة الى تأكيد امر هذه الصلة بين الناس.
стр. 323
جمعت هذه الآية الكريمة التوحيد، والايمان بالعبث والجزاء في الدار الآخرة، وهما الركنان الأساسيان للدّين. وبعد أن مهّد الشارعُ بذكر هذه القواعد الثابتة بنى على ذلك احكاماً شتى في تعامل المسلمين مع غيرهم كما سيأتي.
الله لا إله الا هو، ولا سلطان لغيره، فلا تقصّروا في عبادته. انه سبعثكم بعد موتكم ويحشركم الى موقف الحساب والجزاء يوم القيامة، وهو يوم آتٍ لا ريب فيه، ولهذا لا تشكّوا في حديثه فإن لا قول أصدق من قوله.
стр. 324
الفئة: الجماعة. أركسهم: ردهم الى حكم الفكرة، واصل الرَّكس رد الشيء مقلوباً. تولّوا: أعرضوا. أولياء: نصراء، جمع وليّ. ميثاق: عهد. حضرت صدروهم: ضاقت. السلم: الاستسلام.
هذه أحكام في معاملة المسلمين لغيرهم، وهي بعض القواعد التي أنشأها الاسلام لأول مرة في تاريخ البشرية وفي مجال المعاملات الدولية. وبفضْلها يُقيم المجتمع المسم علاقاته مع غيره من المجتمعات الاخرى على اساس العدالة. وقد وردت هذه القواعد متفرقة في سورة القرآن الكريم، فحرص عليها المسلمون وطبقوها.
أما غير المسلمين فإنهم بدأوا في سَنِّ القانون الدولي في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد نزول القرآن بعشرة قرون. ومن المؤسف أن كانت جميع القوانين التي سُنّت والمنظمات التي أوجبت مجردَ أدواتٍ تختفي وراءها الأطماع الدولية، لا أجهزة لأحقاق الحق. وأكبرُ شاهد على ذلك الآن هي المنظمة الدولية الكبرى «هيئة الأمم» ، فإنها لم تحلّ اية قضية، ولم ترعَ حقاً من حقوق الأمم المهضومة، بل ظلّت لعبة في يد الدول الاستعمارية لحماية مصالحها.
والآية هنا تعالج قضايا المنافقين، والذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، والمحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين أو بحرب قومهم وهم على دينهم، والمتلاعبين بالعقيدة الذين يُظهرون الإسلام إذا قدِموا المدينة الكفرَ اذا عادوا الى مكة.
مالكم ايها المسلمون حِرتم في المنافقين وانقستم فئتين لاختلافكم حول كفكرهم! ان الأدلة تتظاهر على ذلك فما يسوغ لكم ان تختلفوا في شأنهم أهم مؤمنون أم كافرون؟ ولا بصدد وجوب قتلهم أم لا؟
وهؤلاء الذين اختلف المسلمون في أمرهم هم فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين وهم كاذبون. وكان المؤمنون في أمرهم فرقتين: واحدة ترى انهم يُعَدّون من الموالين، فيجوز ان يستعان بهم على المشركين، وأخرى ترى ان يعامَلوا كما يعاملُ غيرهم من المشركين. وقد حسم الله الخلاف في ذلك وأمر المسلمين ان يبتّوا في أمر ككفرهم، فإنه هو قد أركسهم. ومن ثم: كيف تختلفون أيها المسلمون في شأنهم واللهُ قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشر والشِرك! ليس في استطاعتكم هداية من قدّر الله ضلاله، ولن تجدوا له طريقا الى الهداية على الإطلاق.
إنكم تودّون هداية هؤلاء المنافقين فيما هم لا يقنعون منكم إلا بأن تكفروا مثلهم، وحتى يُقضى على الاسلام الذي أنتم عليه. . فاحذروا غوائل نفاقهم.
﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ. . .﴾
اذا كانت هذه حالهم فلا تتخذوا منهم مناصرين لكم، ولا تعبتروهم منكم حتى يؤمنوا ويهاجروا مجاهدين في سبيل الاسلام. بذلك تزول عنهم صفة النفاق. فإن أعرضوا عن ذلك، وانضمّوا الى أعدائكم فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم. أياكم أن تتخذوا منهم ولياً يتولّى شيئاً من أموركم، ولا نصيرا ينصركم على اعدائكم.
ثم استثنى من هؤلاء أولئك الّذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين فيدخلون في عهدهم. كما استثنى الذين هم في حيرة من أمرهم، قد وقفوا على الحياد، مسالمين لا يقاتلون قومهم معكم ولا يقاتلونكم انتم فهؤلاء جميعا لا يجوز قتالهم. هذا هو مبدأ الاسلام كما جاء صريحا في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا﴾ .
﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ .
لو شاء تعالى لجعلهم يحاربونكم، ولكنه رحمَكم بأن صرفهم عن قتالكمم. فإذا اعتزلوكم ولم يقاتلوكم فليس لكم من حق في الاعتداء علَيهم، ولا يسوغ لكم قتالهم.
стр. 325
ثقفتموهم: وجتموهم. السلطان المبين: الحجة الواضحة.
ستجدون طائفة أخرى منافقة شريرة كالطائفة السابقة، لكنها ليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم معكم ميثاق. وهؤلاء فريق من المنافقين كانوات يُظهرون الإسلام للرسول وأصحابه ليأمنوا القتل والسباء. اما الحقيقة فإنهم كفار. يعلم ذلك منهم قومهم. وكان هؤلاء يأتون النبي فيُسْلِمنون رياءَ ثم يرجعون الى قريشٍ فيرتكسون في الأوثان، يريدون ان يأمنوا ههنا وههنا.
﴿كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾
كلما دعاهم قومه الى الشِرك بالله ارتدّوا، فصارو مشركين مثلهم. فأمر الله بقتالهم ان لم يصلُحوا. . أي إذا لم يعتزلوكم ويلتزما الحياد على الأقل: خُذوهنم واقتلوهم حيث وجدتموهم فلا علاج لهم غير ذلك.
стр. 326
تحرير رقبة: عتق عبد رقيق مؤمن. الدية: مبلغ من المال يدفعه القاتل لأهل القتل.
في هذه الآية الكريمة أحكام لعلاقات المسلمين بعضهم ببعض، وفيها أحكام تتناول ثلاثة حالات من القتل الخطأ. وهو المفروض ان يكون بين المسلمين، لأن المسلم لا يجوز ان يقتل أخاه المسلم أبداً، ولا قَتْلَ إلا في حدٍّ أو قَصاص.
فالحالة الأولى: أن يقع القتل خطأً على مؤمن أهلُه مؤمنون في دار الاسلام. في هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة، وان تؤدى دِيَة، أي مبلغ من المال (حدّده النبي بمائة من الإبل أو ألف دينار) إلى اهل التقيل لتسكن ثائرة نفوسهم، وتعوّضهم عما فقدوه من نفع المقتول. هذا الا اذا عفا أهله وعفّوا عن الدية، وهو أقرب الى جو التعاطف والتسامح في المجتمع الاسلامي.
وأما عِتق الرقبة فإنه تعويضٌ للمجتَمع المسلم عن القتيل المفقود، فمن أعدم نفساً مؤمنة تكون كفّارته أن يوجِد نفسا. والعتقُ كأنه إيجادٌ من جديد. فالإنسان حر، ولا يكمل وجوده إلا مع حريته. وفي هذه دليل كبير على ان الإسلام جاء ليحرّر لا ليسترقّ.
وهنا معنى قوله تعالى:
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ .
والحالية الثانية: ان يقع القتل خطأ على مؤمن في دار الحرب وأهلُه محاربون للإسلام. وفي هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قُتلت، لكنه لا يجوز أداء الدية لقومه المحاربين، خشية ان يستعينوا بها على قتال المسلمين. ولا مجال هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم أعداء للمسلمين.
وهذا معنى قوله تعالى:
﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ .
والحالية الثالثة: ان يقع القتل على رجل قومُه معاهدون للاسلام. وهنا يجب تحرير رقبة مؤمنة، ودفع الدية كاملة الى أهله. فالله سبحانه قد حرَّم قتل المعاهد كما حرم قتل المؤمن.
ويقول بعض المفسّرين في هذه الحالة الثالثة اذا كان المقتول خطأ هو المؤمن فقط، وجبت الدية وعتق الرقبة.
فمن لم يجد رقبة يفتديها أو عجز مالُه عن ذلك وجَبَ عليه صيام شهرين متتابعين، وذلك من باب «توبة من الله» شرعها لكم، ليتوب عليكم ويطهّر نفوسَكم من التهاون الذي يفضي إلى القتل الخطأ.
﴿وكان لله عليما حكيما﴾ والله عليم بأحوال النفوس وما يطهّرها، حكيم فيما شرعه من الاحكام والآداب التي تضمن إرشادكم الى سعادة الدارين.
стр. 327
وردت الحالات الثالاث المتقدمة في قتل الخطأ. أما الآن فنحن أمام القتل العمد. وهو أكبر جريمة في الدنيا، وكبيرةٌ لا تكفّر عنها دية ولا عتق. وانما جزاء مرتكبها عذابُ جهنم الأليم، والطرد من رحمة الله. وفي ذلك تهديد ووعيد لمن أقدم على هذه الجريمة واقترف هذا الذنب العظيم الذي قرنه الله تعالى بالشِرك به في كثير من الآيات. منها قوله تعالى ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾ [الفرقان: ٦٨] .
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً، فمن ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله أولُ ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» .
وفي حديث الترمذي والنّسائي عن بان عمرو: «لَزوالُ الدنيا أهونُ عند الله من قتلِ رجل مسلم» .
ان من قتل مؤمنا متعمّدا مستحلاًّ ذلك القتل، فجزاؤه على جريمته البشعة ان يدخل جهنم خالداً فيها، إنه يستحق عضب الله وأن يطرده الله من رحمته، وقد اعد له عذابا عظيماً.
قال ان القيّم: لما كان الظلم والعدوان منافَيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسلهن، وأنزل كتبه فهو من أكبر الكبائر عند الله، ودرجتُه في العظمة بحسب مفسدته في نفسه. لذا صار قتل الانسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده.
وقد قال بعض العلماء ومنه ابن العباس: ان القاتل عامداً متعمداً لا تُقبل توبته، وسخلَّد في النار. وقال آخرون: إذا تاب ورجع الى الله تُقبل توبته، لأنه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ . وهذا هو الذي يتمشى مع قواعد الاسلام.
стр. 328
الضرب في الارض: السير فيها بالسفر، للجهاد او التجارة. في سبيل الله: الجهاد. تبيَّنوا: تثَّبتوا تأنّوا. ألقى اليكم السلم: استسلم وانقاد. عرض الحياة الدنيا: حطام الدنيا من مال وغيره. مغانم: جمع مَغْنَم: رزق وفضل كثير، وما يغننم في الحرب.
بعد أن بيّن الله في الآيات السابقة أحكام قتل الخطأ والقتل العمد ينبّه المؤمنين ويحذرهم في هذه الآية من نوع قتلِ خطأٍ كان يحصل أحياناً. فيأمر المسلمين اذا خرجوا غزاة ألا يبدأوا بقتال أحدٍ أو قتله حتى يثبتوا من واقعة، وعليهم ان يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان، فمن نطَقَ بالشهادتين في تلك الحال قُبل منه.
وروى البخاري والترمذي عن ابن عباس قال: «مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي وهو يسوق غنماً له فسلّم عليهم، فقالوا ما سلّم علينا الا ليتعوّذ منا، فعمدوا اليه فقتلوهن وأتَوا بغنمه النبيّ، فنزلت الآية» ومعناها:
«يا أيها الذين آمنوا إذا ذهبتم للجهاد فاحترِسوا ان تقتلوا المؤمنين وأنتم لا تعلمونهم. ان عليكم أن تتثبَّتوا في قتل من اشتبه أمره عليكم لتعلموات أمسلم هو أم كافر» .
ولا تقولوا لمن استسلم لكم ولم يقاتلكم وأظهرَ لكم الاسلام إنك لست بمؤمن، فتقتلوه طمعاً في ما معه من حطام الدنيا. . إن عند الله ارزاقاً كثير لكم ونعماً لا تحصى. لقد كنتم على الكفر قبل ان هداكم الله بمنّه وكرمه، فكونوا على بينة من الأمر الذي تُقدِمون عليه. لا تأخذوا بالظن، فالإسلام يكتفي بظاهر القول. وليس لكم ان تفتشوا عما في القلوب. إن الله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء.
وفي هذا الآية وعيد لنا وتحذير شديد من الوقوع في ميثل هذا الخطأ. وهو أشدُّ في حال من نحكم بتكفير من يخالفنا من اهل القِبلة. أما الحرب من أجل الغنائم فقط فأمرٌ مرفوض.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» بالتاء والثاء في الموضعين، والباقون فتبينوا كما هو هنا. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة «ألقى اليكم السلم» بدون ألف.
стр. 329
الضرر: المرض والعاهات التي يعجز صاحبها معها عن الجهاد كالعمى والعرج. الحسنى: الحنة.
هنا حثٌّ للمسلمين المتخلّفين في دار الكفر والحرب على الهجرة الى دار المسلمين، ليجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، فتقوى صفوف المسلمين ويكثر عددهم.
لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم، مساوين للّذين يبذلون أموالهم أو يعرّضون أنفسهم للقتل في سبيل الحق. فالمجاهدون هم الذين يحمون الأمة والدين والبلادَ لا القاعدون، الا اذا كان القعود لعذر يمنع من الخروج للقتال، فيرفع اللوم. المجاهدونه افضلُ درجة. ومع هذا فقد وعد الله الفريقين العاقبةَ الطيبة والجنة في الدار الآخرة: ﴿وكلاً وعدَ الله الحسنى﴾ . وفضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين الّذين لم يجاهدوا، غير أصحاب العاهات والأعذار.
ثم بيّن الله تلك الدرجة، فإذا بها ما ادّخره تعالى لعباده من المنازل الرفيعة التي يقصُر عنها الحصر، ومغفرةٌ من لدنه تكفّر ذنوبهم الكثيرة، ورحمة يخصّهم بها زيادة على ذلك. وكان الله ولا يزال شأنه الغفران والرحمة لمن أطاع، أو عصى ثم تاب توبة نصوحاً.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر والكسائي: «غير أولي الضرر» بنصب الراء من غير. والباقون «غير» بالرفع.
стр. 330
توفاهم: تتوفّاهم، تقبض أوراحهم. مأواهم: مسكنهم.
ان الذين تقبض الملائكة أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بتركهم الهجرةَ من دار الشرك الى دار الاسلام سوف نسألهم في أي شيء كنتم من أمر دينكم، ولماذا لم تهاجروا؟ فإن قالوا: كنا مستضعَفين بين المشركين يمنعوننا من الايمان بالله، واتباع رسوله، أجابهم الملائكة: ألم تكن أرضُ الله واسعة؟ لماذا لم ترحلوا الى دار الإسلام حيث تستطيعون ان تعبدوا الله وتتبعوا نبيه؟ ان مثل هؤلاء الذين قِدروا على الهجرة ولم يهاجروا مأواهم جهنم يُعذَّبون فيها وساءت مصيرا.
ثم استثنى جلّ ذِكره المستضعَفين حقيقةً، من الرجال والنساء والولدان، فهم لا يستطيعون الهجرة، فبيّن ان عسى الله ان يعفوا عنهم لعذرهم الواضح واللهُ عفوّ غفور.
وقد روى المحدِّثون في سبب نزولها روايات عدة منها: قال ابن عباس: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول اللهن كرهوا ان يهاجروا، وخافوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفي بعض الروايات تسميةٌ لعدد منهم، مثل: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، وعلى بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة بن الأَسود، والعاصي بن منبه بن الحجاج وغيرهم.
وتقول الروايات أنهم قُتلوا جميعاً او أكثرهم.
وعلى كل حال فإن حُكم الآية باقٍ، ينطبق على كل من خذل المسلمين او قصّر في نصرهم وساعدَ الكفار.
стр. 331
مراغما: مكاناً ومأوى يصيب فيه الخير ومعيشة حسنة. وقع أجره على الله: ثبت اجره عند الله ووجب.
ومن يهاجر في سبيل الله، ولنصرة دينه، يجد في الارض مأوى يصيب فيه الخير وسعة الرزق والنجاة من الاضطهاد. هذا وعدٌ من الله تعالى للمهاجرين في سبيله. اما من يموت في الطريق مهاجراً الى الله ورسوله، قبل وصوله، فقد وعده الله بالأجر العظيم، مكافأة له على ترك وطنه لاقامة دينه واتباع رسوله.
وقد ذكر العلماء ان من سار لأمر فيه منفعةٌ كطلبِ علمٍ وحجٍّ وكسبٍ حلال مات قبل الوصول الى مقصده فله مثل هذا الحكم.
стр. 332
اذا ضربتم في الأرض: سافرتهم فيها. جناح: ذنب. ان تقصروا من الصلاة: ان تصلوا ركعتين بدل الاربع.
هنا يبين تعالى حكم الصلاة في حالة الخوف، فيرخّص لنا أن نصلّي ركعتين بدلاً من اربع. وهذه رخصة لنا من الله في حالة الجهاد والخوف من العدو. وهي تدل على أن الصلاة لا تُترك أبداً، بل يجب ان تؤدى مهما كان الامر خطيرا. وهو يشير الى ان اقامة الصلاة في ساحة المعركة، وفي اوقات الخوف سلاح عظيم يقوّي معنوية المسلمين ويزيدهم اطمئناناً الى النصر. ومع هذا فانه يجب الحذر من الأعداء، لأنهم لا يقصّرون في فتنتكم، فالحراسة متعينة عليم آنذاك حتى لا يغدروا بكم.
стр. 333
قضيتم الصلاة: أديتموها. كتابا موقوتا: فرضاً محدود الاوقات.
اذا كنت ايها الرسول في جماعتك وقامت صلاة الجماعة فلا تنسوا الحذر من الاعداء. . دع طائفة منهم تصلي معك فيما تقف الطائفةُ الأخرى قبالة العدو يحرسون اخوانهم المصلّين. وعلى المصلّين ان يكونوا يقظين ويحملوا اسلحتهم ولا يتركوها وقت الصلاة، يفعلون ذلك استعداداً لمواجة وحيطة من الغدر.
﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ .
اذا سجدوا المصلّون معك فليكنْ الّذين يحرسونكم من خلفكم، لأن الساجد أحوجُ ما يكون للحراسة حين السجود. فاذا انقضت الركعة الأولى تقوم الجماعة التي صلّت وتقف مكان الجماعة الحارسة، وعند ذلك تأتي الجماعة الأخيرة فتصلي معك ركعة كذلك. وهنا يكون الإمام قد أتم صلاته فيسلّم وعندئذ تأتي الطائفة الأولى فتصلّي الركعة الثانية وتسلّم، بينما تحرسها الجماعة الثانية، ثم تجيء الجماعة الثانية فتصلّي الركعة الثانية وتسلم. بذلك يكون الجميع قد صلّوا بإمامة الرسول. وهكذا يفعل كل إمام وقائد عند الخطر.
واحذروا أيها المؤمنون فإن أعداءكم يتمنّون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم أثناء صلاتكم، فيحملوا عليكم حملة واحدة علّهم يصيبون منكم غرّة فيقتُلون وينهبون.
ولا إثم عليكم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطرٍ أو مرض من جراح، لكن عليكم في جميع الأحوال ألا تغفلوا. إن عدوّكم لا يغفل عنكم ولا يرحمكم.
﴿إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ بما هداكم اليه من أسباب النصر، بأخذ الأهبة والحذر والاعتصام بالصبر والصلاة.
وقد قال بالصلاة على الصفة أوردناها عدد كبير من فقهاء الصحابة منهم: علي، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمرو، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة وابو موسى الأشعري. ومن فقهاء الأمصار: مالك، والشافعي وغيرهما. وفي كتب الفقه خلاف كبير في صفة هذه الصلاة لا مجال لذكره هنا.
فاذا أديتم الصلاة على هذه الصورة فاذكروا الله تعالى في أنفسكم قائمين محاربين، وحتى نائمين، فان ذلك يقوّي القلوب ويطمئنها ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ . فاذا زال الخوف وأمِنتم فادوا الصلاة كاملة، فلقد فرضها الله في أوقات معينة، يحافظ الناس عليها ولو لم تكن موقوتة لأمكن إهمالها اذ يؤديها كان انسان اذ ذاك على هواه. وهي تعلمنا النظام ونحن أحوج ما نكون الى النظام.
стр. 334
ولا تهنوا: لا تضعفُوا. ابتغاء: طلب. تألمون: تتألمون.
لاتضعُفوا في طلب الكافرين الذين اعلنوا عليكم الحرب، واستعدوا لقتالكم، فإذا كنتم أنتم تتألمون من الحرب وشدّتها وما تجلب من ويلات، فإنهم هم أيضاً يتألمون مثلكم. فكلكم بشر. والفرق بينكم وبينهم أنكم على الحق، ترجون من الله رضاه ونصره، وهم على الباطل، لا يرجون شيئاً. والله تعالى عليم بأعمالكم وأعمالهم، حيكم يجازي كل واحد بما يعمل. وقد سبق له وقرر ان النصر لكم ما دمتم عاملين بهدْيه سائرين على الطريق القويم.
стр. 335
بما أراك الله: بما عرّفك وأوحى إليك. خصيما: مخاصما، مدافعا عنهم. يختانون أنفسهم: يخوفونها. خوانا: كثير الخيانة. يستخفون: يستترون. يبيتون: يدبّرون ويزوّرون، بيّت الأمر: دبره بالليل.
نزلت هذه الآيات والتي بعدها إثر حادث سرقة قام به طعمة بن أبيرق، الأنصاريُّ، ثم ذهب مع بعض أقربائه الى النبيّ وقالوا: يا نبي الله، صاحبنا بريء، وانما الذي سرق الدرع فلانُ اليهودي. وقد وُجدت الدرع في بيت زيد بن السمين هذا فعلا. وعند ذلك برّأ الرسول الكريم طعمة، وعذَره على رؤوس الاشهاد.
ولما جاء صاحب الدرع المسروقة الى النبي يكلّمه في أمر السارق انّبه النبيُّ وقال له: «عمدتَ الى أهل بيتٍ يُذكَر منهم إسلام وصَلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بيّنة!» قال قتادة بن النعمان، وهو من أقارب صاحب الدرع: لما سمعتُ ما قال الرسول الكريم ورجعتُ ولَوددت أني خرجتُ من بعض مالي ولم أكلّم رسول الله في ذلك الأمر. فنزلت هذه الآيات تبيّن الحقيقة، وكانت درساً قاسياً وعظيماً لإحقاق الحق والفصل في الأمر وابعاد الظلم عن اليهودي. وقد بيّن كتابُ الله أن الحق أحقُّ ان يُتبع. . اذ ظهر بعدُ أن طعمة قد سرق الدرع ثم خبأها عند اليهودي. وبإنزال هذه الآيات أعطى الله درساً بليغاً للمسلمين فَحْوا أن مهمة هذا الدين تحقيق العدالة بين الناس جميعا، لا يحابي مسلماً ولا يمالىء حاكما ولا شريفا.
إنا أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن حقاً وصِدقاً كي تحكم بين الناس بما اعلمك الله به من الاحكام، فلا تكن مدافعاً عن الخائنين، ولا تتهاون في تحرّي الحق. واستغفر الله يا محمد مما يعرِض لك من شئون البشر وأحوالهم، خشية ان تميل الى من تراه أقوى حجّةً من خصمه.
وبعد ان شدّد سبحانه في صورة انقطاع الناس عن هذه الجرائم، بيّن انه غفور لمن استغفره، ريحم بعباده، يقبل منهم التوبة والرجوع اليه دائماً.
﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾
لاتدافع ايها النبي عن هؤلاء ولا تساعدهم، فان الله لا يحب من اعتاد الخيانة، وألفتْ نفسه اجتراح السيئات والكذب. ان هؤلاء يستترون يخياناتهم من الناس، ولا يستترون من الله. لقد غفلوا عن أنه لا تخفى عليه خيانتهم، بل بلغ من جهلهم انهم يدبرون التهم الباطلة للأبرياء علّهم يلقون بالجريمة عن ظهورهم. والله عليم بكل شيء، محيط بالأسرار، وهم تحت عينه وفي قبضته.
стр. 336
اذا كنتم تدافعون عنهم في الدنيا، فمن يجادل اللهَ ويدافع عنهم يوم القيامة! يومذاك يكون الخصم والحاكم هو الله، وهو محيط بأعمالهم، فلن يستطيع ان يدافع عنهم أمامه احد. وهنا تحذير كبير لك من تحدثه نفسه ان يساعد مجرما، او يعين خائنا مهما كان.
стр. 337
بعد تلك الحملة الغاضبة على الخونة، والعقاب الشديد للمنافحين عنهم والمجادلين تأتي هذه الآية الكريمة وتقرر ان باب التوبة مفتوح عند الله. ونحن نجد هذا الاسلوب في القرآن الكريم يتكرر، يؤكدُه الكتاب بعد كل تهديد ووعيد لئلا تَقْنَنطوا من رحمةِ الله. والمعنى: إن من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه بارتكاب المعاصي، ثم يستغفر الله ويطلب عفوه يجد الله تعالى غفاراً لذنوبه، قابلاً لتوبته رحيماً متفضلا عليه.
стр. 338
الاثم: الذنبْ المتعمد. الخطيئة: الذنب غير المتعمد. البهتان: الكذب على الغير الذي يجعله حائرا.
تعود مضار الذنوب على من يفعلها، لأن الله يعلم ما ارتكب الفاعل، ويعامله بمقتضى حكمته، فمن يعمل ذنبا فانما يضر نفسه وعليه يعود ضرره.
ومن يكسب ذنباً خطأ او اثما متعمّداً ثم يبرّىء نفسَه بأن ينسبَه الى رجل بريء فقد اقترف ذنبين: احدهما الكذب والافتراء باتهام الأبرياء، والثاني الذنبُ الواضح المبين.
هنا يرسم لنا القرآن الكريم ميزان العدالة الذي يحاسب الله بمقتضاه كل فرد على ما جنى، وفي الوقت نفسه يفتح باب التوبة على مصراعيه. فالتوبة مقبولة دائماً.
стр. 339
لولا أن تفضّل الله عليكم يا محمد بالوحي، ورحِمَك ببيان حقيقة الواقع لأرادت جماعة من المتحكمين اليك ان يضلّوك عن سلوك العدل، ولكنهم في الواقع لا يضلون الا أنفسهم، فالله قد أوحى إليك ببيان الحقيقة قبل ان يطمعوا في صَرْفك عنه، وذلك لتقيم اركان العدل والمساواة، وتنقذ البريء، ولو أنه يهوديّ من أعداء الا سلام.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾
لقد عَصَمَك الله من الناس ومن اتّباع الهوى، وأنزل عليك القرآن ميزاناً للحق، وآتاك الحكمة من لجنه كي تبيّن للناس مقاصد الدين وأسراره، وعلّمك من الشرائع والاحكام ما لم تكن تعلمه من قبل. وكان فضله عليكم عظيماً حين أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم النبيّين.
стр. 340
النجوى: الحديث بالسر. المعروف: عمل الخير. ابتغاء مرضاة الله طلباً لرضاه. يشاقق الرسول: يعاديه. نولَّه ما تولى: نجعله واليا لما اختار من الضلال.
لا خير في كثيرٍ من تَناجي اولئك الذين يُسّرون الحديثَ من جماعة طُعْمة، فقد أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي بالسرقة. كذلك لا خير في كل من كان على شاكلتهم، من الذين يتناجون بالإثم والعدوان ويدبّرون المكائد للمسلمين.
وانما الخير في التناجي بالبِرّ والتقوى، كأمرٍ بصدقه او عمل معروف، او قيام بإصلام ذات البين. ومثلُ هذا ان يجتمع الرجل بأخيه المسلم فيقول: ان فلاناً بحاجةٍ فهيّا لنساعده، او قم معي الى دار فلان فقد بلغني وبين جاره نزاعاً، وغير ذلك من اعمال الخير. فهذه من الأمور الحسنة المطلوبة شرعا.
وقد ورد في الحديث عن النبي ﵇: «أفضَلُ الصدة إصلاحُ ذات البَين» ومن يفعل هذا الخير لوجه الله وطلبِ مرضاته فان الله سيؤتيه الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
قراءات:
قرأ حمزة وابو عرمو «فسوف يؤتيه» بالياء.
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرسول﴾
ومن يجعل من الرسول شقاقاً، بارتداده عن الإسلام، واظهار عداوته له ومن بعد ما ظهرت له الهداية، نتركُه وما اختار لنفسه، ونَكِلُه الى ما توكل عليه، ثم نُدخله النار يوم القيامة، وساءت مصيراً.
ذُكر في سبب نزول هذه الآيات ان بشير أبيرق ارتد عن الاسلام والتحق بالمشركين ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى﴾ . وبعضهم يقول إنه منافقا. وبعض الرواياتن تقول ان طعمة هرب والتحق بالمشركين. . والعبرة هنا بعموم النَص، فالحكم ينطبق على كل من يكيدون للاسلام، او يرتدون عنه، او يشاقّون الرسول ﵊.
стр. 341
الدعاء: الطلب، ولكن يدعون هنا بمعنى يعبدون، لأن من عبد شيئاً دعاه عند الحاجة. اناث: معناها معروف، والمراد هنا اللات والعزى ومناة، لأن أسماءها مؤنثة، وقيل: المراد بالإناث الأموات، لأن العرب تصف الضعيف بالأنوثة. المريد: بفتح الميم، مبالغة في العصيان والتمرد اللعن: الطرد والاهانة. النصيب المفروض: الحصة الواجبة. الأماني: جمع أمنية. البتك: القطع. المحيص: المهرب، والميم فيه زائدة، لأنه مصدر حاصَ بحيص، يقال: وقع في حَيْصَ بَيْصَ، أي في أمر يعسر التخلص منه.
﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ . تجد تفسيرها في الآية ٤٨ من هذه السورة، ولا اختلاف بين النصبين إلا في التتمة، حيث اقل هناك: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾ وقال هنا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ والمعنى واحد. وهنا نتعرض للتكرار في القرآن، من جديد، فنورد ما قاله صاحب «تفسير المنار» عند تفسيره لهذه الآية:
«ان القرآن ليس قانوناً، ولا كتاباً فنياً، يذكر المسألة مرة واحدة، يرجع اليها حافظها عند ارادة العمل بها، وانما هو كتاب هداية. . وانما ترجى الهداية بايراد المعاني التي يراد ايداعها في النفوس في كل سياق يعدها ويهؤها لقبول المعنى المراد، وانما يتم ذلك بتكرار المقاصد الاساسية. ولا يمكن أن تتمكن دعوة عامة إلا بالتكرار، ولذلك نرى أهل المذاهب الدينية والسياسية الذي عرفوا سنن الاجتماع وطبائع البشر وأخلاقهم يكررون مقاصدهم في خطبهم ومقالاتهم التي ينشرونها في صحفهم وكتبهم» .
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ . كان أهل الجاهلية يزعمون ان الملائكة بنات الله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملاائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء: ٤٠] . وقد حملهم هذا الاعتقاد على أن يتخذوا تماثيل يسمونها أسماء الاناث، كاللات والعزى ومناة، ويرمزون بها الى الملائكة التي زعموا انها بنات الله. . ومع الزمن تحولت تلك الأصنام عندهم إلى آلهة تخلق وترزق. . وهكذا تتحول وتتطور زيارة قبور الأولياء عند الاعراب والعوام من تقديس المبدأ الذي مات عليه صاحب القبر الى الاعتقاد بأنه قوة عليا تجلب النفع، وتدفع الضرر.
﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ . أي ان عبادة المشركين للاصنام هي في واقعها عبادة الشيطان نفسه، لأنه هو الذي أمرهم بها فأطاعوه.
﴿لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ . المعنى ان الشيط
ان قال لله، جل وعز: ان لي سهماً فيمن خلقتَهم لعبادتك، وقلت عنهم فيما قلت: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، وان هذا السهم فرض واجب لي يطعيني ويعصيك. والآن: ان ظاهر الآية يدل على ان الشيطان سخص حقيقي، وانه يخاطب الله بقوة وثقة، فهل الكلام جارٍ على ظاهره، أو لا بد من التأويل؟ .
стр. 342
نقل صاحب «تفسير المنار» عن أستاذه الشيخ محمد عبده ان في كل فرد من أفراد الانسان استعداداً لعمل الخير والشر، ولاتباع الحق والباطل، والى هذا الاستعداد أشار سبحانه بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] ، وان النصيب المفروض للشيطان من الاسنان هو استعداده للشر الذي هو أحد النجدين. وعليه يكون لفظ الشيطان كناية عن هذا الاستعداد.
الشيطان والعلم الحديث:
لقد سيطرت فكرة الشيطان على عقول الناس يوم كان العلم مجرد كلمات تقال، وسطورٍ تملأ صفحات الكتب، ولا تتجاوزها الى العمل الا قليلا ً، أما اليوم فقد أصبحت فكرة الشيطان بشتى تفاسيرها أسطورة بعد أن صار العلم مقياساً لكل حقيقة، وأساساً لكل خطوة يخطوها الانسان، وقوة في كل ميدان، حتى إنه يطير الى القمر والمريخ، يخاطب أهل الأرض من هناك؟ .
على هذا التساؤل نقول:
لانظن أحداً يهوّن من شأن العلم، ولا كونه قوة وثروة، فحاجة الناس اليه تماماً كحاجتهم الى الماء والهواء. . ولكن لا أحد يجهل ان العلم استعداداً للخير والشر، فهو حين يوجَّه الى الخير ينتج الطعام للجائعين، والكساء للعراة، والعلاج للمرضى، وحين يوجه الى الشر يقتل ويدمر. . والشر هو الركيزة الأولى لسياسة الشيطان الذي نعنيه. وقد أصبح العلم اليوم في يد السياسة تتجه به الى الفتك والهدم، والسيطرة والاستغلال.
ولقد تضاعف نصيب الشر أو الشيطان مهما شئت فعبر بتقديم العلم وتطوره. كان أعوان الشر والاستعمار فيما مضى يتسلحون بقوة العضلات، أما الآن، وبعد ان بلغ العلم من الجبروت ما بلغ فإنهم يتسلحون بالذرة والصواريخ واسلحة الحرب الكيماوية. وهم لا ينسون إشعال حرب نفسية من الدسائس، يخططونها لأتباعهم، لكما اهتزت كراسيّهم بفعل رغبة الشعوب في التحرر وفعل الخير لأوطانهم.
﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ اضلال الشيطان للانسان أن يزين له الحق باطلاً، والخير شراً، أو يوهمه انه لا حق ولا خير في الوجود، ولا جنة ولا نار، وفي الحديث: «خلق ابليس مزيناً، وليس اليه من الضلالة شيء» أما تمنية الشيطان للانسان فهو يخيل اليه ادراك ما يتمناه رغم انه باطل، ويؤمله في النجاة يوم الحساب، وما الى ذلك من الأماني الكاذبة، والسعادة الموهومة.
﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله﴾ . كان العرب في الجاهلية يقطعون آذان بعض الانعام، ويوقفونها للأصنام، ويحرّمونها على أنفسهم، ويأتي التفصيل عند تفسير ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب﴾ من سورة المائدة.
وبعد ان كان الشر أو الشيطان يأمر حزبه في عصر الجاهلية يقطع آذان الانعام وتغيير خلق الله أصبح يأمرهم بالقاء قنابل النابالم على النساء والأطفال في فيتنام، والقنبلة الذرية على المدن ك «هيروشيما» و «ناكازاكي» لافناء خلق الله.
﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ . حيث يصبح ضحية الأهواء والشهوات، وأسير الأوهام والخرافات. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً﴾ . حيث سار بهم على طريق التهلكة بعد ان زين لهم انه سبيل النجاة، فالزاني أو شارب الخمر مثلاً يخيل اليه انه يتمتع باللذائد، وهو في واقعه يتحمل أعظم المضار دنيا وآخرة.
﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ . أي ان حزب الشيطان من المشركين والمفسدين لا نجاة لهم من عذاب الله. .
стр. 343
قيلا: قولا.
بعد ان بيّن اله احوال الذين يتبعون أهواءهم وملذّاتهم بإغواء الشيطان، ويتخذون آلهة غير الله، وذكر ان عاقبتهم الخسران في الدنيا ومأواهم جهنم في الآخرة بيّن هنا عاقبة أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالحاً وهي فوزهُم من الله بجنات وارفة، فيها انهار جارية، يتمتعون فيها بنعمي خالد. هذا وعد من الله، ووعدُ الله لا يكون إلا حقا، وهل أصدقُ من الله وعدا.
стр. 344
الأماني: ما يتمناه الانسان، وغالبا ما تكون خيالاً لا حقيقة. ولياً: يلي أمره ويدافع عنه. نقيرا: شيئا تافها، والنقير لغةً ما يكون على نواة التمرة. الحنيف: المستقيم لأنه مائل عن الزيغ والباطل. خليلاً: صديقاً محبا.
يقرر في هذه الآيات الكريمة قاعدة الاسلام الكبرى في العمل والجزاء، وهي: ان ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً الى الأمانّي بل الى أصل ثابت، وسنّة لا تتخلّف. إنه قانون تستوي أمامه الأمم، لا يحابي أحداً، ولا تُخرق له القاعدة. ان صاحب السوء مجزيّ بالسوء، وصاحب الحسنة مجزيّ بالحسنة. وليس فضلُ الدين وشرفه ولا نجاة اهله ان يقول القائل منهم: ان ديني أفضل وأكمل، فالجزاء على قدر العمل، لا بالتمني والغرور. انه ليس بما تتمنّون أيها المسلمون، ولا بما يتمناه اليهود والنصارى. فالأديان لم تشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتساب اليها دون العمل. انما النجاة من العذاب بالايمان والعمل الصالح.
فمني عمل عملاً سيئا يُجزَ به، ولن يجد له وليّا غير الله يدفعت عنه الجزاء، ولا نصيرا ينقذه مما يحل به.
ومن يعمل عملاً صالحاً، سواء كان ذكرا او انثى، وهو مطمئن القلب بالايمان يدخل الجنة، لا يظلمه ربه شيئاً ولا يُنقص من علمه قليلاً او كثيرا.
وقد أردف سبحانه بعد ذلك ذِكر درجات الكمال فبيّن: أن اساس عمل الخير منبعث من الاعتقاد السليم، وانَّ أحسنَ الدين ان يُخلص المرءُ فيجعل وجهه وعقله ونفسه لله، لا يطلب الا رضاه. بذلك تستقيم مداركه فيدرك رسالة الرسل. وقد عبّر سبحانه عن توجُّه الانسان لله بالوجه، لأن الوجه أعظمُ مظهرٍ لما في النفس من إقبال واعراض، وشرود وكآبة، وذلك مرآة لما في السريرة.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي المِلّة التي كان عليه إبراهيم في ابتعاده عن الوثنية وأهلها، وعند سيدنا ابراهيم تلتقي الوحدة الدينية للمسلمين واليهود والنصارى، فاتّبِعوا طريقَ من أكرمه الله فاتخذه خليلاً.
وفي هذا الآية رد قاطع على كل من حدّثته نفسه بأنه هو أحسن من غيره، أو دينه أحسنُ من دين غيره، دون ان يعمل عتملاً صالحا ويؤمن إيماناً كاملا. فقد كانت اليهود والنصارى يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ودينُنا خير دين. ولعل فكرة الاستعلاء هذه راودت بعض المسلمين فقالوا نحن خير أمة أُخرجت للناس، وأن الله متجاوز عما يقع منّا على أساس من ذلك. . .
لقد جاء هذا النص يردّ هؤلاء وهؤلاء الى الصواب، فهناك عند الله ميزان واحد هو إسلام الوجه لله، مع الاحسان واتباع ملة ابراهيم.
فأحسنُ الدين هو هذا الاسلام، ملة ابراهيم، واحسن العمل هو الاحسان، والإحسانُ ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
стр. 345
ان كل ما في السموات والأر ملك له، وهي من خلْقه مهما اختلفت صفات أفرادها. انها مملوكة له خاضعة لأمره، وهو مهيمن على كل شيء، يعلم علم إحاطةٍ بكل ما يعمل الانسان، ويجازيه بمقتضاه.
стр. 346
يستفتونك: يطلبون منك بيان الحقيقة. يفتيكم: يبين لكم ما أشكلَ عليكم. المستضعفين: الضعفاء من اليتامى والولدان.
إنهم يطلبون منك يا محمد بيان ما غمُض من أحكام النساء، والمراد بهن هنا اليتيمات. كان من عادة العرب في الجاهلية اذا كانت عند أحدهم بنت يتيمة صار وليها ووارثها، ورغب في تزوّجها ليأخذ مالَها. وقد تكون غير جميلة ولها مال ولا يتزوجها ولا يزوجها من أحد. . خشية ان يُحرم من مالها؟ فجاءت الآية هنا تدعو الى ترك عادات الجاهلية. فالرجل الذي عنده يتيمة يريد ان يتزوجها يجب عليه ان يدفع لها مهراً كالمرأة الغريبة عنه. واذا لم يرغب في زواجها فليتركها تتزوج من غيره. كما بيّنت الآية أنه يجب توريث الضعفاء من الأولاد الصغار والنساء واعطاؤهم حقوقهم كاملة. ثم رغَّب الله تعالى المؤمنين في العمل بما فيه فائدة لليتامى، وذكّرهم انه عالِمٌ لا يعزب عن علمه شيء، وهو مجازيهم بما يعملون.
والخلاصة: ان الذي يتلى عليهم في الضعيفَين، المرأة واليتيم، هو ما تقدّمَ في أول السورة، لذلك يذكّرهم الله بتلك الآيات المفصّلة ليتدبّروها ثم يعملوا بها. وهو بذلك كله يريد استئصال عادات الجاهلية والممقوتة، ويضع عوضاً منها تقاليد انسانية راقية يبني عليها المجتمع الاسلامي العظيم.
стр. 347
نشوزاً: تجافيا وترفّعاً وإعراضا. وأحضِرت الأنفس الشُّح: جُبلت النفوس على البخل، والشحُّ أشدّ البخل.
إن خافت الزوجة من زوجها إهمالاً لشئون الأسرة وجفاءً لها وعدم اقبال عليها، كأن يقلّل من محادثتها او غير ذلك فيجب عليها ان تتريَّث. فلعلّه يكون مشغولا، او يواجه بعض المشاكل في عمله. ومن الأفضل لها أن تصارحه وتسعى في المصالحة معه، ولا بد لأحد الطرفين ان يتنازل قليلا عن بعض حقوقه. والصلحُ خير من الفِراق، ورابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ. ولما كان الرجل هو الأقوى فإن عليه ان يعاشر زوجته بالمعروف وان يتحرى العدل معها قدر المستطاع.
﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾
ان النفوس عرضة للبخل، فينبغي ان يكون التسامح بينهما كاملا، لأنهما قد ارتبطا بميثاق الزوجية العظيم. ثم رغب الله تعالى في بقاء الرابطةِ الزوجية جهد المستطاع فقال: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ، ليعني: إن تحسنوا العشرة فيما بينكم ايها الأزواج وتتقوا أسباب النشوز والإعراض فان الله سوف يجازي من أحسن منكم ويثيبه على ذلك.
стр. 348
فتذروها: فتتركوها. المعلّقة: التي ليست مطلَّقة ولا ذات بعل. من سعته: من غناه.
مهما حرصتم على العدل والمساواة بين الزوجات، حتى لا يقع ميل الى احداهن، فلن تستطيعوا ذلك. وحتى لو قدرتم عليه لما قدرتم على إرضائهن به. فالعدل الكامل ههنا في حكم المستحيل. اذ لا بد ان يميمل الزوج بقلبه الى واحدة أكثر من الأخرى. . من ثَم رفع الله عنكم ذلك، وما كلّفك الا العدلَ فيما تستطيعون بشرط ان تبذلوا فيه وسعكم، لان الميل القلبي لا يملكه المرء.
وقد كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل: ثم يقول: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تُلمْني فيما تملك ولا أملك» ، يعني القلب.
﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل﴾
اذا كان العدل الكامل غير مستطاع فعليكم ألا تميلوا كل الميل الى من تحبون منهن وتعرضوا عن الأخرة، فتتركونها كأنها ليست زوجة، ولا مطلّقة. وعليكم ان تصلحوا في معالمة النساء وتتقوا ظلمهنن ولا تفضّلوا بعضهن على بعض فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة، والله يغفر لكم ما لا يدخل في اختياركم كالحبّ وزيادة الإقبال.
ثم يبين الله تعالى ان الفراق قد يكون فيه الخير ان لم يكن هناك وفاق.
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾
اذا لم يُمكن الإصلاح واستحكمتِ النفرة، فان التفريق أفضلُ إذ ذاك. والله تعالى يعني كليهما من سعة رحمته وفضله. الأرزاق بيده، وهو واسع الرحمة، وحكيم فيما شرع من الأحكام.
стр. 349
بعد أن أمر سبحانه بالعدل في شؤون المرأة والإحسان لليتامى والضعفاء والمساكين بيّن هنا أنه قد أمرنا بكل ذلك، لا لأنه يستفيد منه او أنه بحاجة الى اعمال العباد، فهو مستغن عن جميع المخلوقات، وإنما أمرَنا بالعدل حتى نزداد إيماناً وعملاً صالحا. لذلك ترى انه كرر كونه مالك السماوات والأرض ومَن فيهن ثلاث مرات ليعلموا ذلك علم اليقين.
إن لبّ الدين هو الخضوع لخالق هذا الكون، والاعتراف بسلطانه المطلق على كل ما في السماوات والأرض أبرزَ وصيّته لكل من أنزل عليهم كتاباً من عنده فقال ما معناه: وصّينا أهل الديانات السماوية ووصيانكم أنتم يا معشر المسلمين أن تخافوه وتعبدوه.
﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾
لا يخلّ بسلطانه شيء. وهو غنيّ عنكم. . ومع ذلك، فإنه يحمد لكم إيمانكم. ثم كرر ذلك ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض. . .﴾ فهو المسيطر والمدبّر، وكفى ان يكون هو المتولّي أمرَ هذا الكون العظيم لينتظم، والناس كي يعبدوه ويفوضوا أمورهم اليه.
ثم بيّن لمن يكفرون مآل شأنهم في ملك الله، وذكَر قدرته على الذهاب بهم والمجيء بغيرهم فقال ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً﴾ اي أنه قادر على إفنائكم من الوجود، وايجاد قوم آخرين من البشر وهو اذ يوصيهم بتقواه لا يضره شيء اذا لم يسمعوا الوصية ان ذلك لن يُنقص من ملكه شيئاً، وانما يوصيهم بالتقوى لصلاح حالهم.
وبقدر ما يؤكد الاسلام كرامة الانسان على الله وتفضيله على كل ما في الكون يقرّر هَوانَهُ على الله حين يكفر ويتجبّر، ويدّعي خصائص الألوهية.
стр. 350
يختم الله هذه الآيات بتوجيه القلوب الطامعة في الدنيا وحدها الى أنّ فضل الله أوسع، فعنده ثواب الدارين معا. فعليكم ان تطلبوها معا، لا ان تقصُروا طلبكم على الأدنى وتتركوا الاعلى والأبقى. ان الجمع بينهما هيّن ميسور، والله سميع لأقوال عباده بصير بجميع أمورهم.
وهكذا نجد ان الدين الاسلامي تكفّل بسعادة الحياة في الدارين، وقد حقّقها للمسلمين في صدر الاسلام. ولو استقام المسلمون على سنّة كتابهم لا ستردوا مكانتهم التي بهرت العالم قروناً طويلة.
стр. 351
القسط: العدل. قوامين بالقسط: عاملين على اقامة العدل. فلا تتّبعوا الهوى أن تعدِلوا: فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا. وان تلووا: وان تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق بأن تحاولوا كتمانها. او تعرضوا: تمتنعوا.
بعد ان حثّ الشارع على العدل والمساواة في النساء واليتامى والضعفاء، عمّم الأمر هنا بالعدل بين الناس جميعا. والعدل أحد مبادىء الاسلام الهامة، فهو نظام الوجود، والقانون الذي لا يختلف النظر فيه.
يا أيها المؤمنون. . كونوا مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته. أدّوا شهاداتهم لوجه الله ولو على أنفسكم او والديكم او اقاربكم. وان كان المشهود عليه غنياً أو فقيرا فلا تمتنعوا عن أداء الشهادة احتراماً لغناه، ولا رحمةً به لفقره. ان الله أَولى بالنظر الى حال الغني والفقير منكم، فلا تتبعوا أهواءكم كراهةَ ان تعدِلوا. وإن تلووا ألسنتكم لإخفاء معالم الحق او تمتنعوا عن الشهادة فإن الله يعلم ذلك، وسوف يجازيكم عليه بالحق.
يا أيها المؤمنون، آمِنوا بالله، ورسوله محمد، والقرآن الذي أوحاه إليه، وبما أنزله على من جاؤا قبل محمد من المرسلين. إن من يكفر بالله وملائكته وكتبه جميعاً ورسُله ويوم البعث قد ضلّ عن الغاية التي يجب ان يبلغها الانسان من الكمال.
قراءات:
قرأ نافع وابن كثير وابو بكر وابو عمرو وعاصم والكسائي «وان تلووا» كما هو هنا في المصحف، وقرأ حمزة وابن عارم «وان تلوا» يعني وان وَليتم اقامة الشهادة. وقرأ نافع والكوفيون: الذي نزَلَ، الذي نزَلَ، والذي أنزلَ، بفتح النون والهمزة، والباقون «نُزل» و «أنُنزل» بضم النون والهمزة.
стр. 352
ان الذين آمنوا من اليهود بموسى، ثم كفروا حين غاب فعبدوا العِجل، ثم آمنوا بعد ان عاد اليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد لن يغفر الله لهم ما يفعلونه من شر، ولن يهديهم الى الحق. ذلك لأن أرواحهم قد دنست وقلوبهم قد عميت فلم يتوبوا، ولأن غفران الله يقتضي توبة واقلاعاً عن الشر، وهدايته تكون لمن يتجهون الى الحق ويطلبونه، لا للمتردّدين المضطرين في معتقدهم.
وبشِّر أيها النبيّ المنافقين (والبشارة هنا سخرية منهم) بأن الله قد أعدّ لهم عذاباً مؤلماً يوم القيامة. ذلك لأنهم يتخذون الكافرين أصدقاء ونصراء من دون المؤمنين، اعتقادا منهم ان الغلبة ستكون من نصيبهم. والصحيح ان العزة لله وحده، يؤتيها من يشاء، ومن اعتز بغير الله ذل.
стр. 353
يتربصون بكم: ينتظرون وقوع أمرٍ بكم. ألم نستحوذ عليكم: الاستحواذ هو الاستيلاء.
لقد أوصاكم الله في القرآن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون او يستهزؤون ألا تجلسوا معهم. اهجروهم الىأن يخوضوا في حديث آخر، فإن ظللتم معهم وهم على تلك الحالة كنتم اذنْ مثلهم في الكفر. وهذا تهديد لكل من يسمع تنقّصاً في الدين او القرآن ولا يستطيع تغييره ثم لا يترك المجلس. ان الله جامعٌ المنافقينَ والكافرين وكلَّ من يقعد معهم في جهنم جميعاً.
اولئك المنافقون ينتظرون ما يحدث لكم من خير أو شر، فإن نصَركم الله قالوا: الم نكن معكم باعتبارنا من جماعتكم؟ وان كان للكافرين الظفرُ عليكم منُّوا عليهم وقالوا لهم: ألم نمنحكم مودتنا ونمنعكم من المؤمنين؟ فاعرفوا لنا هذا الفضل وهاتوا نصيبنا مما اصبتم.
والله تعالى يحكم بينكم وبين هؤلاء المنافقين يوم القيامة، ولن يجعل للكافرين سبيلاً للغلب على المؤمنين ما دام هؤلاء متمسكين بدينهم متبعين لأوامره ونواهيه.
стр. 354
يخادعون الله: يحاولون خداعه. كُسالى: جمع كسلان. يراؤون الناس: يعملون من أجل أن يرام الناس هم لا يؤمنون. مذبذبين: مترددين لا يستقرون على حال.
ان المنافقين يحسبون انهم يخدعون الله ويخفون عنه حقيقة أمرهم، وهو يكشف خداعهم لا محالة، فيُمهلهم يرتعون في شرهم، ثم يحاسبهم على ما يفعلون. واذا قام هؤلاء المنافقون إلى الصلاة قاموا متثاقلين بدون رغبة ولا ايمان. إنهم يخشون الناس فيوهمونهم انهم مؤمنون، كما يعملون الاعمال الطيبة لمجرد الرياء، حتى يراهم المؤمنون ويظنوهم منهم. وهم لا يذكرون الله الا نادرا، ويظلّون مذبذبين تارة مع المؤمنين وتارة مع الكافرين، لأنهم طلاب منافع، ومن قضت سُنته تعالى ان يكون ضالاً عن الحق، فلن تجد له سبيلا للهداية.
стр. 355
الدرك: بسكون الراء وبفتحها الطبقةُ من جهنم. اعتَصموا بالله: لجأوا اليه.
يا أيها المؤمنون لا تتتخذوا الكافرين أحبابا وانصاراً لكم من دون المؤمنين، أتريدون ان تجعلوا لله حجةً عليكم بأنكم منافقون؟ .
إن المنافقين في سفلى طبقاتت جنهم، لأنهم شر أهلها. . فقد جمعوا بين الكفر والنفاق، ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشّهم. ولن تجد لهم يا محمد نصيراً ينقذهم من العذاب. ولا ينسحب ذلك على الذين رجعوا عن النفاق ولاذوا بالله وأخلصوا لدينه، فأولئك يعدُّون من المؤمين، وقد أعدّ لهم جزاءً عظيماً في الدنيا والآخرة.
ماذا ينال الله من تعذيبه إياكم ان شكرتم وآمنتم؟ إنه لا يعذّب احداً من خلقه انتقاماً منه، ولا طلبنا لنفع، ولا دفعاً لضرٍ وانما يعاقب المجرمين لإصلاحهم وتطهيرهم، وهو شاكر لعباده عمل الخير، كما يعلم حالهم من خير أو شر.
قراءات:
قرأ الكوفيون «الدرك» بسكون الراء والباقون «الدرك» بفتح الراء وهم لغتان.
следующие страницы →