Полный текст (1 460 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
هنا يبين أقسام المحرَّمات، بدأ بالأُمهات، وكذلك يقاس عليهن الجدّات. وهن الأصول. ثم البنات، وهو الفروع. والمراد بهنّ ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سبباً في ولادتهن. ثم الحواشي القريبة، الأخوات الشقيقات والأخوات لأب ولأم. ثم الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم، وهن العمات والخالات. ثم الحواشي البعيدة من جهة الاخوة، بنات الأخ وبنات الأخت.
ثم يأتي القسم الثاني، وهو ما حُرم من جهة الرضاعة. وهذا النوع من خصائص الاسلام، فلا يوجد مثله في شريعة اخرى من الشرائع. وهنّ الأمهات اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة. وعند مالك وأبي حنيفة يحرم قليل الرضاعة وكثيرها، وحدد بعضُهم الرضاعة بثلاث رضعات فأكثر. ومذهب الشافعي وأحدم خمسُ رضعات مشبعات. وعند الإمامية خمس عشرة رضعة، وبعضهم يقول عشر رضعات، ويشترط ان يكون وقت الرضاعة في مدة الرضاعة، يعني في سن الحولَين.
وأخيرا يأتي القسم الثالث، وهو محرّمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج. وهي اربعة أنواع: أمهات نسائكم، وربائبكم اللات في حجوركم من نسائكم اللات دخلتم بهن، فان عقد عقده على امراة ولم يدخل بها لا تحرم عليه بناتها. وزوجات أولادكم وأولادِهم. وحرم عليكم الجمع بين الأُختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، والضابط بذلك انه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابه بحيث لو كانت احداهما ذكراً لحرم عليه بتلك القرابة نكاح الاخرى.
اما ما قد مضى في الجاهلية فان الله لا يؤاخذكم عليه ان اكلله كان غفورا رحيما.
стр. 282
المحصنات: العفيفات، والمراد الحرائر المتزوجات. ما ملكت أيمانكم: ما سبيتموهن في الحروب. ما وراء ذلك. محصنين: عفيفين. غير مسافحين: المسافحة هي الزنى.
وبالاضافة الى ما سبق حُرم عليكم نكاح المتزوجات عامة الا مَن سَبيتم وملكتم منهم في حرب بينكم وبين الكفار. إن عقد زواجهن السابق ينفسح بالسبي فيصِرن حالالاً لكم بعد استبراء أرحامههن، هذا ما كتب عليكم تحريمه فرضاً مؤكداً من عند الله.
وأحلّ الله لكم ما وراء ذلك من النساء، تتزوجون بأموالكم منهم من تشاؤون، محصِنين أنفسكم، بعيدين عن الزنا والمخادعة. وأيّ امرأة من النساء اللات أُحللن لكم فاستمتعتم بالزواج منها، فأعطوها مهرها الذي اتفقتم عليه عند القعد. ذلك فريضة من الله فرضها عليكم لا تسامح فيها؟ . بيد أنه لا حرج عليكم فيما اذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره، أو تركه كله، أو الزيادة فيه. إن ذلك عائد للزوجين اذا ما تفاهما وعاشا في مودة وطمأنينة. وهذا مايبغيه الشارع الحكيم.
وقد تمسّك الشيعة الإمامية بقوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقالوا ان المراد بذلك هو المتعة، وهي الزواج المؤقت. كما قالوا: ان هذا دليل واضح. ولا تزال المتعة قائمة عندهم، معمولاً بها. يقول الطَّبَرْسي، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية في تفسيره «مجمع البيان» عده هذه الآية: «قيل المرادُ به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معين الى أجل معلوم، عن ابن عباس والسدّي وجماعة من التابعين، وهو مذهب اصحابنا الإمامية الخ» وكذلك يقول شيخ الطائفة العلاّمة ابو جعفر محمد بن الحسن الطُّوسي في تفسيره «التبيان» .
ويقول ابن رشد في «بداية المجتهد» : «وأما نكاح المتعة فإنه تواترت الاخبار عن رسول الله ﷺ بتحريمه، الا انها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم. . . وأكثرُ الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وروَوا انهن كان يحتج لذلك بقوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. . .﴾ الآية وفي قراءاة عنه ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. . .﴾ الخ.
وهذا الذي روي عن ابن عباس، رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار. وعن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفٍ من خلافة عمر ثم نهى عنها عمرُ الناسَ» .
قراءات:
قرأ الكسائي: «المحصنات» بكسر الصاد في جميع القرآن، بمعنى أحصنّ فزوجهن. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «وأُحِلّ لكم» بضم الهمزة وكسر الحاء كما هو في المصحف هنا، والباقون قرأوا «وأحل لكم» بفتح الهمزة والحاء.
стр. 283
الطول: الغنى والفضل من مال او قدرة على تحصيل الرغائب. المحصنات: الحرائر. الفتيات: الإماء. مسافحات: مستأجَرات للبغاء، وكان ذلك فاشيا في الجاهلية. والأخدان: واحدُها خِدْن، وهو الصاحب تتخذه المرأة سراً كما كان في الجاهلية. العنت: المشقة.
ومن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته المادية على ذلك فَلَهُ ان يتزوج أَمَة من الإماء المؤمنات. والله أعلم بحقيقة إيمانكم فلا تستنكفوا من نكاحهن. فأنتم وهنّ سواء في الدين بعضكم من بعض. فإذا رغبتم في نكاحهن فتزوجوهن بإذن أصحابهن، وأدّوا لهن مهورهن التي تفرضونها لهن، حسب المعروف بينكم في توفية الحق ومهر المثل. واختاروهن عفيفات وزوجات لكم، لا مستأجَرات للبغاء جهراً، ولا متخذاتٍ العشّاق والاصحاب سراً. فإذا اقترفن الزنا بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ. . .﴾ وما اباحة نكاح الاماء عند العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على نفسه إلا تسهيل من الله لكم ورفعٌ للحرج. هذا، وصبرُكم على نكاح المملوكات مع العفة خير لكم، والله كثير المغفرة عظيم الرحمة.
قراءات:
قرأ ابو بكر وحمزة «فاذا احصنّ» بفتح الهمزة والصاد، والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
стр. 284
بعد ان ذكر الشارع احكام النكاح جاء هنا يبين عللها وأحكامها كما هو دأب القرآن الكريم، ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب، وسكون للنفوس. والمعنى إن الله، بما شرعه لكم من الأحكام، يريد ان يبين لكم مافيه مصالحكم ومنافعكم، وان يهديكم مناهج من تقدَّمكم من الأنبياء، كما يريد لكم إن تتوبوا عن جميع أعمالكم السابقة في الجاهلية، فيرجع بكم الى طريق طاعته. والله مطلع على شئونكم، مدبِّر في أحكامه لما يصلح أموركم. انه يريد ان يتوب عليكم فيطهركم ويزكّي نفوسكم، أما الذين يتبعون الشهوات من الكفار والفجرة فإنهم يريدون لكم ان تبعدوا عن طريق الحق وتُمنعوا في ذلك. لقد خلق الله الانسان ضعيفا أمام غرائزه وميوله، ولذلك فإنه بتيسيره عليه في الأحكام إنما يود ان يخفف عنه ويرفع عنه الحرج. هذا هو الشرع الاسلامي الشريف.
стр. 285
اعتنى القرآن الكريم بالمال، والمحافظة عليه، والحث على تحصيله بطرق مشروعة، في كثير من الآيات. وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم، ثم حذّرت من اعطاء السفهاء أموالهم. وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها، وذلك لأن الأموا عنصر لا بد منه في الحياة، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها، من علمٍ، وصحة، واتساع عمران، لا سبيل للحصول عليها الا بالمال.
ولا ريب ان الأموال هنا تشمل أموال الافراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ﴾ بمعنى انه يحرم على الافراد ان يأكل مال بعض بالباطل. ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو ضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية. لذلك يجب ان نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الافراد.
يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق، وقال (أموالكم) فأضافها الى جميع الأمة تنبيهاً الى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا. فاذا استباح أحدهم ان يأكل مال الآخر بالباطل: كالربا والقمار، والرشوة والسرقة، والغش والتسول، وغير ذلك فقد اباح لغيره ان يأكل ماله.
لقد اباح لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال. ثم لما كان المال شقيق الروح، فقد نُهينا عن اتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس. ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . وهذه اشارة بليغة جداً تُبيّن انه: لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل ان يغرس الحقد في القلوب، وكثيرا ما يؤدي ذلك الى القتل والشر فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم. ولا ريب في ان من سلب مال انساب إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول. ﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل أنفسكم فتهلكون. اما من يُقدم على مفعل ما حرم الله ونها عنه، اعتداءً وتجاوزاً لحقه، فسوف يكون جزاؤه يوم القيامة ناراً حامية وعذابا أليما. وعقابه هذا أمرٌ يسير على الله.
стр. 286
الكبائر: جمع كبيرة وهي الذنب العظيم كالشرك بالله وقتل النفس وغير ذلك. السيئات: الذنوب الصغيرة. نكفّر: نمحو، ونغفر، ونعفو.
إن تتركوا عمل الذنوب العظيمة وتبتعدوا عنها نمحُ عنكم ما دونها من السيئات وصغائرها الذنوب، فلا نؤاخذكم بها.
وقد ورد في الصحيحين عن ابي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: ما هي يار سول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق، والسِّحر، وأكل ما اليتيم، وأكل الربا، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنَات المؤمنات الغافلات» .
وقد وردت أحاديث كثيرة بتعداد الكبائر، وهي في بعضها سبع، وبعضها تسع، والحقيقة انه لا حصر لها.
وقال بعض العلماء: كل ذنب رتّب عليه الشارع حداً أو صرّح فيه بوعيد فهو كبيرة.
وفي هذا الآية الكريمة فرَجٌ كبير على المسلمين، والعلماء يقولون: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
قراءات:
قرأ نافع: «مدخلاً» بفتح الميم.
стр. 287
التمني: تشهِّي حصول الأمر المرغوب فيه. من فضله: من احسانه ونعمه المتكاثرة.
في هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن التحاسد وتمنّي ما فضّل الله به بعض الناس من المال والجاه ونحوه، مما يجري فيه التنافس. وذلك ليطهُر المجتمع الاسلامي ظاهراً وباطناً.
ان الله كلفّ كلاً من الرجال والنساء أعمالاً، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، فعلى المسلم الحقيقي ان يعتمد على مواقبه وقواه في كلم مطالبة، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل اليه كسبه. واسألوا إحسانه وإنعامه فان خزائنه مملوءة لا تنفد، ولاتتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فُضل عليكم.
وقو روى الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله «سلوا الله من فضله، فان الله يحبّ ان يُسأل، وأفضلُ العبادة انتظارُ الفَرج» .
قراءات:
قرأ ابن كثير والكسائي «وسلوا» .
стр. 288
موالي: جمع مولى وهو بمعنى الوالي الذي يتولى غيره. ومعناه: لكل انسان جعلنا ورثة يرثونه. الذين عقد ايمانكم: الازواج، فان كلاً من الزوجين له حق الإرث بالعقد.
ولكل من الرجال والنساء جعلنا مستحقين لتركتهم يرثونهم، وهم الوالدان والأقربون من الأصول والفروع والحواشي والازواج، والذين عَقَدَ المتوفى لهم عقداً مقتضاه ان يرثوه اذا مات من غير قرابة، وينصروه اذا احتاج الى نصرتهم في مقابل ذلك. وكان هؤلاء أربعة أنواع:
الأول: عقد ولاء العتق، وهو النظام الذي يصبح بمقتضاه الرقيق بعد عتقه بمنزلة العضو في أسرة معتقِه، اذا مات ولم يترك أحدا من عصبته.
الثاني: عقد الموالاة، وهو ان يأتي غير العربي فيرتبط بعقد مع عربي فيصبح بمنزلة عضو في أُسرة مولاه. وهذا يرثه اذامات بدون وارث.
الثالث: العقد الذي عقده الرسول بين المهاجرين والانصار وكانوا بذلك العقد يتوارثون.
الرابع: كأن يعاقد الرجلُ الرجلَ ويقول: «ترثني وأرثك» . ثم أبطل الاسلام معظم هذه العقود وجعل الميراث سببه القرابة.
قراءات:
قرأ غير الكوفيّين: ﴿عاقدت أيمانكم﴾ .
стр. 289
قواموا: يقومون عليهن ويهتمون بأمرهن وجميع شئونهن. قانتات: عابدات بخضوع وسكون. نشوزهن: عصيانهن، وتورفّعهن على أزواجهن. البغي: الظلم.
في هذا الآية الكريمة تنظيم لشئون الأُسرة، وتحديد اختصاص أعضائها. فللرجال حق الصيانة والرعاية للنساء والقيام بشئونهن، كي يمكن المرأة ان تقوم بوظيفتها الفطرية وهي الحمل وتربية الاطفال وهي آمنة مكفيّة ما يهمّها من أمور أرزاقها وحاجاتها.
ثم فصّل حال النساء في الحياة المنزلة وبين أنهن قسمان: فالنساء الصالحات مطيعات للأوزاج حافظات لما يجري بينهن وبينهم في الشؤون الخاصة بالزوجية، وكذلك بحفظ بيوتهن وأموال أزواجهن، خضوعاً لأم الله في ذلك. والذي يُرزق واحدة منهن يعيش في نعيم مقيم.
والقسم الثاني: الزوجات اللاتي تظهر منهن بوادر العصيان والترفع، وتخافون ألاّ يقمن بحقوق الزوجية، فانصحوهن بالقول الليّن المؤثر واعتزِلوهن في الفراش. واذا لم ينفع ذلك كله عاقبوهن بضرب خفيف غير مبرّح، فان رجعن الى طاعكم فلا تبغوا عليهِنَّ ولا تتجاوزوةا ذلك الى غيره.
﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ ان سلطان الله علكيم فوق سلطانكم على نسائكم، فاذا بغيتم عليهن عاقبكم.
стр. 290
الشقاق: الخلاف.
كان الحديث في الآية السابقة عما اذا كان الخلاف من الزوجة فقط، لكنه هنا فيما اذا كان من احد الزوجين. ومنطوق الآية الكريمة يحرص على التوفيق ولذلك قال: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ﴾ . فان حدث خلاف بين الزوجين فقد يكون بسبب نشوز المرأة وقد يكون بسبب ظلم الرجل، فإن تأزَّم الموقف وجب على اقاربهما فمن عقلاء المسلمين. وعلى الحكَمين ان يجتهدا في تقريب وجهة النظر بين الزوجين ويذكّراهما ان الحياة الزوجية مبنية على الرفق والمودة. ومتى صدقت الارادة وصحّت العزيمة فان الله كفيل بالتوفيق. ان الله شرع لكم هذه الاحكام وهو عليم بأحوال العباد واخلاقهم، خبير بما يقع بينهم، لا يخفى عليه شيء.
стр. 291
بذي القربى: أقرباء الانسان من أخ وعم وخال ونحوهم. الجار ذي القربى: الذي قُرب جواره. الجار الجنب: الجار الذي لا قرابة له، أو البعيد. الصاحب بالجنب: الرفيق في السفر، او المنقطع اليك.
ابن السبيل: المسافر او الضعيف. ما ملكت أيمانكم: الأرقاء العبيد.
بعد ان عالجت السورة أمر الأيتام والنساء والميراث وحفظ الأموال وتنظيم الأسرة، جاء التذكير هنا بحسن معاملة الخالق، ثم التذكير بحسن معاملة الناس. فالسوةُ تأمر بأساس الفضائل التي تهذّب النفس وهي عبادة الله والاخلاص له، كما تأمر بالإحسان في معاملة الناس، وتخص بالذكر طوائف من الناس، الإحسانُ اليها احسان الى النفس والأسرة والى الانسانية كلها. بذلك تضع للمسلمين اساس الضمان الجماعي، والتكافل الحقيقي بينهم.
اعبدوا الله وحده ولا تشركوا معه أحدا، وأحسِنوا الى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم، وأحسنوا معاملة اقرب الناس اليكم بعد الواليد، والى اليتامى، والى المساكين الذين افتقروا بسبب عجزهم او بذهاب الكوارث بأموالهم، والى الجيران سواء منهم القريب او البعيد. وقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاحسان الى الجار مهما كان دينه او جنسه، فقد عاد النبي بن جاره اليهودي، وذبح ابن عمر شاةً فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟ . . . .
وإكرام الجار من شيم العرب قبل الاسلام، وزاده الإسلام توكيداً بما جاء ف يالكتاب والسنة. من إكرامه ارسال الهدايا اليه، ودعوته الى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة ونحو ذلك. وهناك حديث الصحيحين المشهور: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيروّثه» .
والصاحب بالجنب هو الرفيق في السَّفَر، وابن السبيل هو المسافر المحتاج، وما مالكتم من الأرقاء كل هؤلاء تجب معاملتهم بالحسنى. . فاللهُ لا يحب من كان متكبراً متعالياً على الناس لا تأخذه بهم رحمة. وفي الحديث الذي رواه ابو داود والترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ» فقال رجل: ان الرجل يحب ان يكون ثبوه حسنا وفعله حسنا، فقال الرسول الكريم: «ان الله جميل يحب الجمال» .
стр. 292
أعتدنا: هيّأنا: رئاء الناس: للمراءاة والفخر. القرين: الصاحب.
هذه الآيات الكريمة تبين هنا ان التقصير في الحق الاجتماعي شأنُ المختالين المتكبرين. وهم الذين يظهر أثر كِبرهم في عملهم، وفي أقوالهم. ومثلُ هؤلاء لا يعترفون بحق للغير على أنفسهم. وقد جعلهم الله صنفين من طبيعة كل منهما ألا يعترف لله بشكر على نعمةٍ، ولا للخلق بحق عليه، فهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويخفون نعمة الله عليهم فلا ينفعون أنفسهم ولا الناس. هذا ما كان يفعله جماعة من اليهود، يأتون رجالاً من الانصار فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فنحن نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ وهيأنا لهؤلاء عذابا يهينُهم ويذهلهم.
والنصف الثاني: ﴿والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس﴾ فهؤلاء يبذلون المال لا شكراً لله على نعمه، ولا اعترافاً لعباده بالحق بل الرياء أمام الناس. وهم بذلك يقصدون ان يراهم الناس فيعظموا قدرهم ويحمدوا فعلهم ويمدحوهم، وهم غير مؤمنين بالله ولا باليوم الآخر، يوم الجزاء الأكبر، لأنهم تبعوا الشيطان فأضلّهم.
وحسْب هذين الصنفين من البشر تسجيل القرآن الكريم عليهم ان قرينهم الشيطان منبع الشر والمغزي بالفساد، ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ وبئس الصاحب.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ. . .﴾ وما الذي كان يضرهم لو آمنوا ايماناً صحيحاً لا رياء فيه ولا كذب، بالله وباليوم الآخر، واعطوا من المال والرزق الّذي آتاهم الله استجابة لهذا الايمان وما يقتضيه من اخلاص النبية ورجاء الثواب، والله عالم كل العلم ببواطن الأمور وظواهرها لا ينسى عمل العاملين، ولا يظلمهم من أجرهم شيئاً.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «ويأمرون الناس بالبخل» بفتح الباء والخاء. وهي لغة.
стр. 293
الذرة: أصغر ما يُدرك من الاجسام. من لدنه: من عنده.
ان الله تعالى لا ينقُص أحداً من أجر عمله والجزاءِ عليه شيئاً ما، حتى وإن صغُر كدرّة الهباء. يضاعف للمحسن ثَواب حسناته، ويعطي من فضله عطاء كبيرا، اضعافا مضاعفة، بدون حساب. ان الظلم لا يقع من الله تعالى، لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع «حسنة» بالرفع. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يضعفها» بالتشديد. والمعنى واحد.
стр. 294
يود: يتمنى: لو تسوَّى بهم الارض: ان يدفنوا وتسوى عليهم الأرض.
ثم يختم الأوامر والنواهي المتقدمة بمشهد من مشاهد القيامة، ويحسم موقفهم فيه، ويرسم حركة النفوس والمشاعر كأنها شاخصة مترحكة فيقول:
فكيف يكون حال هؤلاء البخلاء المتكبّرين والمعرِضين عما أمر الله به، اذا جئنا يوم القيامة بكل نبيّ شهيداً على قومه، وجئنا بك يا محمد شهيدا على قومك أيضاً؟ .
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ. . .﴾
في ذلك اليوم يتمنّى الّذين كفرو وعصَوا الرسول فلم يتّبعوا ما جاء به، لو يُدفنون في الأرض كما تدفن الأموات، وتسوّى بهم الأرض. وكما جاء في سورة النبأ ﴿وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ .
﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾
فإنهم يتمنّون ان يكون ترابا، ولا يكونوا قد كتموا الله وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكارهم شِركهم وضلالهم، كما وضَح ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام. .
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي «تَسْتَوى» بفتح التاء والسين المخففة. وقرأ نافع وابن عامر «تسوى» بفتح التاء وتشديد السين والواو المفتوحتين. والباقون «تسوى» كما هو هنا بضم التاء.
стр. 295
الغائط: الموضع المنخفِض من الأرض. كان العرب إذا أراد أحدهم قضاء الحاجة عمَد في ذلك الى مكان منخفض. فصاروا يكنّون عن قضاء الحاجة، بالخروج الى الغائط. لامستم النساء: جامعتم. تَيمّموا: اقصدوا. الصعيد: وجه الأرض.
هذه هذ الآية الثانية التي تنزل في الخمر فقد كانت الخمر متفشّية في المجتمع الجاهلي، فنزل تحريمها تدريجيا. وهناك روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية، فمنها ما رواه أبو داود والترميذي عن علي بن أبي طالب قال: «صنع لنا عبدُ الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذتْ منّا. وحضرت الصلاةُ فقدَّموني فقرأتُ ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعدب ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون﴾ فنزلت الآية ومعناها:
يا أيها الذين آمنوا لا تصلّوا وأنتم في حال السُّكر الذي لا يَدري معه المصلّي ما يقول. فالصلاة وقوفٌ بين يدي الله، فيجب ان يكون المصلّي صاحياً ليتدبر القرآن والذِكر فيما يقول. ثم قال:
﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ، أي لا تصلُّوا وأنتم جُنب، ولا تدخلوا المساجدَ وأنتم جُنُبٌ إلا عباري الطريق، حتى تطَّهَّروا. ولما كانت الصلاة فريضةً موقوتة يجب تأديتها في وقتها، وكان الاغتسال من الجنابة يتيسَّر في بعض الحالات ويتعذر في بعضها الآخر فقد رخَّص الله ترك استعمال الماء والاستعاضةَ عن الماء بالتيمم، فقال ما معناه:
وان كنتم مرضى لا تستطيعون استعمال الماء، خشيةَ زيادة المرض او تأخير البُرء، او مسافرين يشقّ عليكم وجودُ الماء فاقصدوا الصعيدَ الطيب، وهو كلُّ ما على الأرض، فلو لمس حجراً كفاه عند بعض الأئمة. وكذلك اذا قضى أحدُكم حاجتَه، أو باشرتم النساء ولم تجدوا ماءً، فعليكم بالتراب: اضربوا به أيديَكم وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلّوا ان الله يحب التيسير على عباده.
ومذهبُ الإمام محمد عبده في تفسير:» وان كنتم مرضى او على سفر «أن السفر عذرٌ يبيح التيمُّم، وُجد الماء أو غاب، وذلك لان الآية صريحة بذلك. ومثله قال حسن صدّيق خان في تفسير هذه الآية وهذا نص كلامه:» المعنى ان حُكم المريض والمسافر اذا أراد الصلاة كحكْم المحدِث حدثاً أصغر أو ملامسِ النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم «.
قراءات: قرأ حمزة والكسائي» لمستم النساء «.
стр. 296
ألم تعجب يا محمد من هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من معرفة الكتب السابقة كيف حُرموا الهداية وتبعوا الضلالة، يختارونها لأنفسهم، ويريدون لكم ان تضِلّوا طريق الحق القويم أيها المؤمنون. إنهم دائبون على الكيد لكم، ليردوكم عن دينكم ان استطاعوا. والله أعلم منكم بمن هم أعداؤكم الحقيقيون، وأخبرُ بما تنطوي نفوسهم، لكنه يحميكم ويكفيكم اعداءكم. فلا تطلبوا الولاية من غيره ولا النصر من سواه، بل اتّبعوا دينكم ولا تستعينوا الا بربكم.
стр. 297
الذين هادوا: اليهود. اسمع غير مسمع: اسمع غير مجاب الى ما تدعوا اليه. راعنا: انظُرنا، وهي توافق كلمة سبٍّ في لغتهم. أقوم: أعدل.
من اليهود فريق يحرّفون الكلام عن معناه بالتأويل او الحذف أو التبديل، وهو أمر أجمعَ عليه أهل النظر من الغربيين. يقول مارتن لوثر في كتابه: اليهود وأكاذيبهم «هؤلاء الكذّابون الحقيقيون مصاصو الدماء، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس من الدفة الى الدفة، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم» .
فتحريف التوراة حاصل باعتراف النصارى أنفسهم، ولذلك عندما يقول القرآن شيئاً فإنه يكون حقاً لا شُبهة فيه.
ويقول اليهود في أنفسهم للنبيّ الكريم: سمعنا بالقول وعصَينا الأمر. اسمعْ كلامنا لا سمعتَ دعاء يدعون بذلك على النبي. ويقولون (اسمع غير مسمَع) فيسوقون اللفظ ومرادُهم الدعاءُ عليه، ويوهمون أن مرادهم الدعاء له ويقولون، راعِنا، يلوون بهنا ألسنتَهم يوهمون أنهم يريدون «انظُرنا» فيُظهرون أنهم يطلبون رعايته ويُبْطنون وصفه بالرعونة لمجرد السبّ والشتم.
ولو أنهم استقاموا وقالوا (سمعنا وأطعنا) بدل قولهم (سمعنا وعصينا) ، وقالوا (اسمَع) دون ان يقولوا (غير مسمَع) ، وقالوا (انظُرنا) بدل (راعِنا) لكان ذلك خيراً لهم وأصوبَ، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة، ولكن الله طردهم من رحمته بأعراضهم عنه، فللا تجدُ منهم من يستجيبون لداعي الإيمان إلا عدداً قليلا.
وصدق الله. فلم يدخل في الاسلام على مر القرون الا قليل من اليهود، ممن قَسَم الله لم الخير، وأراد الهدى. أما أغلبهم فقد ظلّوا حرباً على الاسلام والمسلمين، منذ كانوا في المدينة الى يوما الحاضر. هذا مع أنهم لم يجدوا أمةً تحفظهم وتصون حقوقهم كالمسلمين. ولم يعيشوا في أمانٍ إلا في ظِل الاسلام ولا يزالون كذلك حتى الآن في كثير من البلاد الاسلامية.
стр. 298
الكتاب: التوراة. الطمس: إزالة الأثر بمحوهِ او إخفائه. ومنه الطمس على الأموال في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾ أي أهلكها وأزِلها، والطمس على الأعينِ محوُ نورها. ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] .
يا أيها الذين أوتوا الكتاب، والمقصودُ اليهودُ الذين كانوا حوالي المدينة، والخِطابُ عام لجميع أهل الكتاب، آمِنوا بما أنزلنا من القرآن على محمد. فقد جاء مصدّقاً ومحققاً لما معكم، فآمِنوا به قبل أن يحلّ بكم العقاب الذي تُمْحَى به معالم وجوهكم، ونسلُبها وجاهتها، كما نعمّي عليكم السبل كما نبصّر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم. بذلك يكون سعيكم الى غير الخير، او نطردكم من رحمتنا كما لعنّا الذي خالفوا أمرنا بمزاولتهم الصيدَ يوم السبت، وكان قضاء الله نافذاً لا مردَ له.
стр. 299
افترى الكذب: اخلتقه، وأصله من الفَرْي وهو القطع.
في هذه الآية الكريمة تهديد كبير، وأمل عظيم ورجاء مفتوح. . تهديدٌ لمن يقترف جريمة الشِرك، فالله لا يغفر ذلك أبداً، لأن الشرك انقطاعُ ما بين الله العباد، فلا يبقى لهم معه أمل في المغفرة. . وفيها أمل عظيم يفتح أبواب رحمته تعالى كلّها لما دونَ الشِرك من الذنوب، فكل ذلك يغفره الله، ما دام العبد يرجوا مغفرفته، ويؤمن انه قادر على ان يغفر له. وهذا منتهى الأمر في تصوير الرحمة لا التي لا تنفَد ولا تحدّ.
﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً﴾
ومن يجعل لغير الله شِركة مع الله فقد اخترع ذنباً الضرر، تُستصغَر في جنب عظَمته جميع الذنوب والآثام، ومن ثم لا يستحق صاحبه الغفران.
стр. 300
تزكية النفس: مدحها. الفتيل: ما يكون على نواة التمر مثل الخيط.
ألا تعجب يا محمد من هؤلاء الذين يُثنون على أنفسهم ويقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً! هذا ويضيف اليهود: إن ذنوبنا التي نعملها بالنهار تكفَّر عنَّا بالليل، وما أَشبه ذلك من الافتراء على الله. والحق ان الله وحده هو الذي يعلم الخبيث من الطيّب، فيزكْي من يشاء من عباده، لا اليهود ولا النصارى.
ثم يؤكد سبحانه التعجيب من حالهم وأقوالهم فيقول ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ انظر الى زعمهم أن الله تعالى يعاملهم معالمةً خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده. . ان الكذب على الله إنما يكشف عن خُبث طويتهم لا أكثر.
стр. 301
الجبت: السِحر، والساحر، والشر، وكل ما عُبد من دون الله. الطاغوت: كل باطل من معبود وغيره، والشيطان، والكاهن. النقير: النكتة التي في ظهر النواة.
روي في سبب نزول هذه الآيات عدة روايات تدور كلها على كعب بن الأشرف وحيُيّ بن أخطب، وهما من زعماء وأحبار اليهود المناوئين للنبيّ والاسلام. وخلاصة روايات الطبري ان كعباً وحييَّ بن اخطب ذهبا في جماعة من الأحبار الى مكة ليحالفوا قريشاً على حرب النبي، فأجابتهم قريش: انتم أهل الكتاب وأنتم أقربُ الى محمد. ونحن لا نأمن مكركم حتى تسجدوا لآلهتنا. ففعلوا، ثم سألتهم: أدينُ محمد خير أم ديننا؟ فقال اليهود: بل دينكم، وأنتم أهدى منه وممن تبعه. فأنزل الله تعالى هذه الآيات. ومعناها:
ألم تر يا محمد الى اليهود الذين أوتوا حظاً من عِلم الكتاب يعظّمون غير الله بالعبادة فيسجدون للجبت والطاغوت، ثم يقولون للكفار إنهم أرشدُ طريقةً في الدين منت الذين اتبعوا محمداً. كل ذلك يُرضوا المشركين ويحالفوهم ليحاربوا الاسلام. ﴿أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله﴾ وطردهم من رحمته، ومن يخذله الله فلن ينصره أحدٌ ولا يحيمه أحد من غضَبه.
ثم ينتقل سبحانه من توبيخهم على فِعلتهم المنكرة تلك الى توبيخهم على حسَدهم وبُخلهم وأثَرتهم، فيقول: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك. . . . .﴾ فيما عجباً، إنهم لا يطيقون ان ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده اذا لم يكن يهودياً! فهل هم شركاؤه سبحانه، حتى يكون لهم نصيب في ملكه! لو كان لهم ذلك لضنّوا وبخلوا ان يعطوا الناس نقيرا، وهو أتفهُ الأشياء وأقلها.
стр. 302
صد عن الشيء: أعرض عنه.
إنهم من جرّاء حسدهم للغير واغترارهم بأنفسهم يريدون ان يَضيقَ فضل الله بعبادهخ، لذلك يستكثرون على العرب ان يبعث الله منه رسولا، مع انه آتى ابراهيم وآله الكتابَ والنبوَة والملُلك، وهو أبوكم وابو العرب. فمِنَ الذين بُعث فيهم إبراهيم وآله مَن آمن بالكتاب ودين ابراهيم، ومنهم من اعرض عنه، وحَبْبُ هؤلاء المعرضين جهنم في الدار الآخرة وبئس القرار.
стр. 303
آياتنا: أدلّتنا الواضحة. نُصْليهم: نشويهم. نضجت: احترقت. الظل الظليل: ظل وارف لا يصيب صاحبه حر ولا سموم.
يعرض سبحانه في هاتين الآيتين صورتين متقابلتين: فريق الذين كذّبوا بآيات الله ومآلهم النار وما يذوقون من العذاب، وفريق المؤمنين العاملين المصدّقين وما يحدونه في الآخرة من النعيم.
فقد أعدّ الله لمن جحد بهذه الحجج البينات التي أنزلها على أنبيائه ناراً حامية تشوي جلودهم. حتى اذا احترقت هذه وفقدتْ القدرة على الإحساس بدّلهم الله جلوداً غيرها ليستمر ألم العذاب. وقد نصّ الكتاب بشكل خاص على الجلود لأنها النهاية الخارجة لشبكة الأعصاب في الجسم، فهني التي تستقبل المؤثراتِ من ألم وحرارة وبرودة وغيرها. وقود بحث في ذلك الدكتور عبد العزيز اسماعيل باشا في كتابه (الاسلام والطب الحديث) بحثاً قيِّماً.
﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ . فهو عتزيز قادر لا يمتنع عليه شيء، وحكيم يعاقب من تقتضي الحكمة ان يتم عقابة، ولا يظلم ربك أحد. هذا فريق.
اما الفريق الآخرة فهم الّذين آمنوا بالله وصدّقوا برسوله، وهؤلاء سيدخلون جناتٍ يتمتعون بنعيمها العظيم، ولهم في أزواجٌ مطهّرة من العيوب والأدناس، يُدخلن السرور الى نفوسهم، فتكمل سعادتهم، ويقيمون في ظل ظليل من العيش الطيب.
стр. 304
الأمانة: الشيء الذي يُحفظ بنيّةِ أن يؤدَّى الى صاحبه، والأمانات، كل ما يؤتمن عليه المرء من مال، أو عهد، أو عقد، او سر، أو ما اشبه ذلك. العدل: ايصال الحق الى صحابه.
بعد ان بين الله سبحانه الإرشادات الحكيمة التي يجب على الأمة ان تتخذها أساساً للحياة فيها ذكر هنا ما يجب أن يؤسَّس عليه شأن الجماعة الاسلامية، فقرر أمرين لهما خطرهما في ذلك. وهما: أداء الامانات الى أهلها، والحكم بالعدل بين الناس، وكأنه يشير بهذا الى أن الانتفاع بالارشادات المتقدمة في الأُسرة والأموال لا يتحقق الا على «أداء الامانة» و «العدل» .
والأماناتُ كلمة عامة تشمل جميع الحقوق من ماليه وعملية، وعلمية، والحُكم بالعدل فيها هو القضاء بتلك الأمانات عند تعرضها للضياع. اما الحكم بالعدل عامة فيشمل ما كان طريق التولية، وما كان طريق التحكيم، كما يشمل ما بين المسلمين أنفسهم، وما بنيهم وبين غيرهم. وقد كثُر الحثّ في القرآن على العدل لأنه أساس الحياة. وعناصر العدل في الحكم هي فهمُ الحادثة من جميع جوانبها، ثم معرفة الحكم من مصدره التشريعي ثم تحرّي انطباق الحكْم على الحادثة. كل ذلك مع التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء.
﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾
خطاب عام لجميع الناس وفي مقدّمتهم المؤمنون. وقد وردت عدة أحاديث في نزول هذه الآية منها قضية عثمان بن طلحة ووجوب ردِّ مفتاح الكعبة إليه. لكن، العبرةُ بعموم اللفظ. والمعنى:
أيها المؤمنون، ان الله يأمركم ان تصولوا جميع ما أنتم مؤتمنون عليه، وهو نفوسكم أولاً، وذلك أن تؤمنوا به إيمانا حقيقيا، تطيعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه، وتعملوا عملاً صالحا يرضاه.
هذه هي الأمانة الكبرى التي كُلّف الانسان بحملها وتقاست عن ذلك الجبال. . ومنها تنبثقُ سائر الأمانات التي يأمر الله بها أن تؤدَّى.
ثم أمانةُ العبد مع الناس. من ذلك ردُّ الودائع الى أربابها، وعدم الغش، وحِفظ السر ونحو ذلك مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام. يدخل في ذلك عدل الحاكمين مع الرعية، بألاّ يستأثرون بثرواتها، ولا يتحكموا في رقابها، وان يختاروا خير الناس لتولّي شئونهم. كما يدخل عدل العلماء مع الناس بأن يرشدوهم الى دينهم الصحيح، ويعلّموهم الأعمال التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية وكسب الحلال، لا أن يتخذوا الدينَ تجارة يبيعون منه القراريط لقاء رضا الحكام وملء جيوبهم هم. ويدخل فيها كذلك أمانة الرجل مع زوجته في النفقة والعشرة، ومع أولاده وسائر أهل بيته المسئول عنهم.
ثمّ يدخل عدل الانسان مع نفسه بأن يختار لها ما هو الأصلح فلا يُقدم على عمل يضرّه في دنياه أو آخرته، ويتجنب تعاطي الأشياء التي تضر بصحته ويبتعد ما أمكن عن جميع المغريات.
стр. 305
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل﴾ .
هذا نص مطلق شامر، فإنه سبحانه يطلب منا إقامة العدل بين الناس جميعاً على أختلاف أديانهم وطبقاتهم، لا بين المسلمين فحسب. . لأن العدل هو أساس انتظام الحياة، وعلى ذلك فهو حق لكل إنسان من أي دينٍ او جنس او لون. هذا هو دستور الاسلام العظيم لا التستر على التمييز العنصري ولا تسخير الدين في خِدمة الحكام.
﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ هذه موعظة من ربكم فاحرصوا عليها لأنه لا يوجد أحسن منها، ان الله دائماً سميع لما يقال، بصير بما يُفعل، وهو من أدّى الامانة من خانها، ومن حكَم بالعدل أو جار، فيجازي كلاًّ بعمله. وفي هذا وعد للطائعين، ووعيد للعاصين.
стр. 306
بعد ان بين سبحانه الأساس الذي تقوم عليه الحياةُ الاسلامية من أداء الأمانات والحكم بالعدل جاء في هذا الآية الكريمة بالنظام الأساسي الذي تتطلبه الحياة العادلة، وقاعدة الحكم، ومصدر السلطة. وكلّها تبدأ وتنتهي عند التلقّي من الله وحده، والرجوعِ اليه في كتابه، ثم الى سُنة رسوله، ثم عدالة أولي الامر من المسلمين، فالآية صريحة في توضيح مصارد التشريع الاسلامي. . فعندما نضع قانوناً او نريد ان نحكم في قضية، علنيا ان نرجع الى القرآن الكريم:، فاذا لم نجد رجعنا الى سُنة رسوله، فاذا لم نعثر على طلبنا هناك سألْنا أوُلي الأمر ان يجتهدوا رأيهم. وهذا الاجتهاد بابُه مفتوح دائما لم يُغلق، واما على أهل العلم والرأي إلا ان يجدّوا ويجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلاً للاجتهاد.
«ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعَلِمَه الّذين يستبطونه منهم» وهذا صريح جداً في موضوع الاجتهاد.
وهذا حديثُ مُعاذ بن جَبل حين ولاّه رسول الله قاضياً على اليمن أوضحُ دليل، فإنه قال له: «بمَ تقتضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله؟ قال: فإن لم تجدْ؟ قال: بسنّة رسول الله. قال: فإن الم تجد؟ قال: أَجتهد رأيي» ، فأقرّه الرسول على ذلك.
﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾
أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبيّن لكم ما نُزِّل إليكم، وأطيعوا أولي الأمر منكم وهو من ولّيتموهم أنتُم أموركم، والعلماَْ ورؤساء الجند وسائر من يرجع إليهم الناس في الحاجات عن ثقة فيهم. . فإن تنازعتم في شيء فيما بينكم فاعِرضوه على كتاب الله، ثم على سنة رسول الله لتعلموا حكمه. فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظُر أولوا الأمر فيه، لأنهم هم الذين يوثَق بهم. فإن اتفقوا وأجمعوا وجَبَ العمل بما أجمعوا عليه.
﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾
هذا مقتضى إيمانكم بالله واليوم الآخرة، وهو خير لكم، لأنكم تهتدون الى العدل فيما اختلفتم فيه، وأ؛ سنُ عاقبةً، لأنه يمنع الخلاف المؤدي الى التنازع والضلال.
والأحاديث الواردة في الحض على طاعة اولي الأمر كثيرة جداً، ففي الصحيحين عن ابن عمر: «السمع والطاعة الى المرء المسلم، فما أحبَ أو كره مال يُؤمر بمعصية، فاذا أُمرنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .
وفي صحيح مسلم عن أم الحُصَين أنها سمعت الرسول الكريم يخطب في حجة الوداع يقول: «ولو استُعمل علكيم عبدٌ يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا» ، أما الذي يَستعمل ذلك العبدَ، فه والرسول أو الخليفة الذي يُجمع عليه المسلمون. فالأصل هم المسلمون لا القوة، ولا جيوشٌ لقاءَ أجْر، ولا تسلسلٌ في مُلك عضود أساسُه التوارث.
стр. 307
الزَّعم: القول. وكثر استعماله في مظنّة الكذب. الطاغوت: الطغيان والمعبود من دون الله.
تعرض هذه الآيات الكريمة لوناً من ألوان التمرد على الوضع التشريعي السابق، فقد وصفتْ قَوماً أنهم يؤمنون بما أُنزل الى الرسول والأنبياء السابقين من الكتب، لكنهم يريدون ان يتحاكموا في خصوماتهم الى رؤوس الطغينان والضلال، فيقبلون حكم غير الله. انهم يتحاكمون الى الطاغوت فيحلّلون ما حرم اللهن، ويحرّمون منا أحل. ولقد أمرهم الله ان يكفروا بالطاغوت، ولا يتحاكموا اليه، الا ان الشيطان يصدّهم عن طريق الحق. واذا قيل لأولئك الذين يزعمون انه مؤمنون، تعالوا الى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكّمه بيننا، والى الرسول ليحكم بيننا بما أراده الله رأيتَ هؤلاء المنافقين يُعرضون عنك يا محمد ويرغبون عن حكمك.
فكيف تكون حالهم إذا نزلتْ بهم مصيبة من جرّاء أعمالهم وخُبث نيّاتهم ولم يجدوا ملجأً الا اليك، فجاؤوك يُقسِمون بالله إنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم الى غيرك إلا الإحسان في المعاملة، والتوفيقَ بينهم وبينَ خصومهم. إن الله يعلم حقيقة ما في قلوبهم وكذب قولهم فلا تلتفت يا محمد الى كلامهم، وادُعهم الى الحق بالموعضة الحسنة، وقل لهم قولاً حكيماً يصل الى اعمال نفوسهم.
وقد رويتْ عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات منها أن يعض المنافقين تخاصم مع يهودي فقال له اليهودي: أُحاكمك الى أهل دنيك. زو يَعني الى النبي. فلم يقبل الرجل، وقبل ان يتحاكم الى أحد الكهان. والآية عامة في كل ما يصد عن حكم الله، ويعرض عن شرعه.
стр. 308
ان سنّتنام في هذا الرسول الكريم مثل سنّتنا في الرسل قبله، نرسله ليُطاعوا بإذن الله، فمن يخرج عن طاعتهم بأن ينافق او يكذب او يخالف يكنْ ظالماً لنفسه، ويرتكب أكثر الآثام. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك رجعوا الى الهدى فجاؤوك وطلبوا المغفرةَ من الله على ما قدّموا، وندموا على ما فرط منه، لدَعوتَ أنت يا محمد لهم بالمغفرة فغفر الله لهم، إنه كان تواباً رحيما.
وأقسم الله تعالى بربوبيته مخاطباً رسوله الكريم بأن أولئك الذين لم يقبلوا التحاكُم إليه، هم وومن ماثَلَهم من المنافقين لا يؤمنون إيماناً حقيقياً حتى يجعلوا محمداً حكَماً فيما يكون بينهم من نزاع، ثم لا تضيق نفوسهم فيما يحكم به، ويُسلّموا ويذعنوا لذلك.
стр. 309
كتبنا: فرضنا. التثبيت: التقوية، جعل الشيء راسخاً ثابتاً.
ولو أنّا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل اليك والمحتكمين الى الطاغوت ان يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم ما فعلوه، الا نفر قليل منهم هم المؤمنون حقا. والمقصودُ بذلك المنافقون، وترغيبهم في الاخلاص، وترك النفاق.
وهو يعني أننا لو شدّدنا التكاليف على الناس، كأن نأمرهم بقتل أنفسهم، او الخروج عن أوطانهم لصعُب ذلك عليهم. ولما فعله الا الأقلون. وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم. فلما لم نفعل ذلك، رحمةً منا بعبادنا، واكتفينا بتكليفهم ما يطيقون كان عليهم ان يقبلوهُ ويتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين.
روى الطبري في تفسيره قال: قال رجل من الصحابة لما نزلت هذه الآية: لو أمَرَنا لفعلْنا، والحمد الله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبيَّ الكريم، فقال: «ان من أُمتي لرجالاً، الايمانُ أُثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي» .
ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل لأعطيناهم الثواب العظيم من عندنا ولهديناهم الى طريق العمل الموصل الى الفوز بسعادة الدارين.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحده «إلا قليلا» بالنصب، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي «ان اقتلوا» بضم النون. «او اخرجوا» بضم الواو. وقرأ عاصم وحمزة «ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا» بكسر النون والواو، على الأصل بالتقاء السكانين. وقرأ ابو عمرو ويعقوب «ان اقتلوا» بسكر النون «او اخرجوا
بضم الواو»
стр. 310
الصّدِّيِق: هو الذي لا يكذب قط. والذي صدق في قوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله.
كل من يطيع االله والرسول ويقوم بما أَمر به وتركِ ما نهى عنه، يكون يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق، من الأنبياء الكرام، وأتباعهم الذين صدّقوهم واتبعوا مناهجهم، والشهداءِ في سبيل الله الذين ضحّوا بأنفسهم، والصالحين الذي صلَحت سريرتهم وعلانيتهم. ما أحسنَ هؤلاء من رفقاء!
﴿ذلك الفضل مِنَ الله﴾
هذا الذي ذًُكر من الجزاء لمن يطيع الله ورسوله هو الفضلُ الذي لا يعلوه فضل، والمنزلة العظمى التي يتبؤّأُها ذلك المؤمن في دار النعيم، وكيفي المؤمنَ ان الله عالم بحاله فيما هو يقوم بطاعته وطلب مرضاته.
أخرج البخاري عن ابن مسعود قال: جاء رجل الى رسول الله فقال: يا رسو الله كيف تقول في رجل أحبَّ قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﵇: «المرءُ مع من أحب» .
стр. 311
الحِذر والحَذَر: الاحتراس والاستعداد لأتقاء شر العدو. ثُبات: جماعات، جمع ثُبة. انفروا: اخرجوا للجهاد. بَطَّأ: تأخر، او حمل غيره على التأخير.
في هذه الآيات والتي تليها يرسم لنا سبحانه الهيئة الحربية التي يجب ان نتحلّى بها. ومن أهّمِ خططها الحذرُ والاستعداد واستكمال العدة، وهو ينبّهنا الى الحذر ممن يدّعون أنهم مسلمون وما هم كذلك، وانماهم ضعاف الإيمان لم يرسخ الايمان في قلوبهم بعد.
يا أيها الذين آمنوا كونوا على حذَر دائماً من أعدائكم، واحترسوا واستعدّوا وخذوا الأُهبة لاتقاء شر العدو، واخرجوا للقتال جماعاتٍ متتابعة او اخرجوا جميعا. وهنذه كلّها مبادىء حربية عامة، فهي ثابتة لعموميتها. اما الخاص فإنه يتحور ويتغير.
وقد كان النبي ﵊ دائم الحذر، له عيون وجواسيس في أرض العدو، كي يظل على علم تام بأرض عدوه وتحركاته. اما نحن اليوم فإننا نائمون عن عدّونا وهو منتبه متيقظ، جواسيسه منتشرة بيننا، ويسخّر من من تتفق مصالحه مع مصالحهم طمعاً في المنصب او الثروة.
لقد استعدّ عدُّونا استعداداً كاملاً وأخذ حذره التام، ونحن غير مستعدين، ولا أرى عندنا اي عزم على القتال، وكل همنا ان نتباهى بالمظاهر الجوفاء من العظمة التافهة، وفي سبيلها يهدم بضعنا بعضا، ويكيد بعضُنا لبعض، مدّعياً الحفاظ على مصلحة الأمة زوراً وبُهتاناً، ومسخّراً في خدمته كل مرتزق وحقير.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾
ان بينكم من يتثاقل ويتأخر عن الجهاد، فاحذَروا هؤلاء المثبِّطين والعوِّقين ونقّوا صفوفكم منهم. وهذا لعمري اليومَ أكبر داءٍ بيننا وفي صفوفنا يخذّلون، طمعاً في بقاء منصب او استدرار مال.
وكان حال أمثال هؤلاء في الماضي أ، هم إذا أصاب المسلمين نكبةٌ في الجهاد، قالوا شامتين: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم ولم نشهد القتال، وقد سلّمنا الله من هذه المصيبة. أما إذا منّ الله عليكم بالنصر والغنائم، فإنهم يقولون متحسّرين: ياليتنا كنّا معهم في القتال فنفوز بعظيم الغنائم. وهم بقولهم هذا لم يُبقوا لهم بكُم رابطة، فقد خسروا الدنيا والآخرة.
стр. 312
يشرون: يبيعون.
فليقاتل في سبيل الله من أراد أن يبيع الحياةَ الدنيا ويجعل الآخرة ثمناً لها وعوضا عنها، لإعلاء كلمة الله، ونصر دينه. ان من يقاتل في سبيل الله لن يعدم إحدى الحسنَيين: أن يُقتل فيكون شهيداً، وتلك منزلة عظمى عند الله، أو ينتصر فينال فضلَ الفوز في الدنيا، وأجره عند الله عظيم في كلتا الحالتين.
أيُّ عذرٍ لكم في ألا تقاتلوا في سبيل الله لتقيموا التوحيد مكان الشِرك، والعدل مكان الشر والظلم! وكيف لا تقاتلون في سبيل المستضعَفين، إخوانكم في الدين، الذين استذلّهم أهل مكة المشركون وآذوهم فباتوا يستغيثون ويستنصرون ضارعين الى الله: ربنا أَخرِجنا من هذه البلدة ومن ولاية هؤلاء الظالمين، وفرّج علينا رحمتك وألحِقنا بأَهلنا وإخواننا في الدين، واجعل لنا من عندك نصيرا.
стр. 313
ان منهج القرآن في كثير من آياته ان يأتي بصور متقابلة، وهنا يأتي بصورتَين لفئتين من الناس متقابلين: فئة «الّذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله» بعد ان صدّقوا بالحق فهم يقاتلون لإعلاء كلمته، وفئة «الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت» لأنهم جحدوا وعاندوا فهم يقاتلون تمكيناً لبقاء الظلم والفساد، وبذلك كانوا أولياء الطاغوت وأولياء الشيطان.
فيمنا ايها المؤمنون: قاتِلوا اعوان الشيطان وأنصاره، واعلموا أنكم منتصرون عليهم بتأييد الله، لأن كيد الشيطان ومكره ضعيف سخيف، اما الغلبة والنصر فهي للحق بإذن الله.
стр. 314
كفوا ايديكم: أي عن القتال. أجل: ميعاد: متاع الدنيا: كل ما يستمتع به ويلذ.
الخطاب لجماعة من المسلمين وفيهم المنافقين وضعفاء الإيمان. .
ألم تنظر يا محمد الى أولئك الذين أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدي عن القتال قبل ان يجيء الإذن به فقيل لهم: كفوا عن القتال فهو لم يُفرض عليكم بعد، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة التي تمكّن الإيمانَ في قلوبكم. ففعلوا. ولما فُرض عليهم القتال كرهه الضعفاء منهم وخشُوا ان يقاتلهم الكفّار وينزلوا بهم النّكال، وخافوا منهم كخوفهم من الله أو أشد، وقالوا مستغربين: ربنا لِمَ كتبتَ علينا القتال في هذا الوقت! متوهّمين أن فرض القتال فيه تعجيل الآجالهم، ولذلك قالوا: هلا أخّرتَنا الى زمن قريب نستمتع فيه بما في هذه الدنيا؟ قُل لهم يا محمد: تقدَّموا للقتال ولو أدى ذلك الى موتكم، فإن متاع الدنيا تافه حقير بجانب متاع الآخرة. والآخرة أفضلُ لمن اتقى الله وعمل صالحا، وستُجزون على أعمالكم في الدنيا بالتمام والكمال، لا تخسرون خيطاً بقدر الفتيل الذي على شق النواة.
قراءات:
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «ولا يظلمون» بالياء.
стр. 315
البروج: القصور العالية والحصون والقلاع. مشيدة: مرتفعةم. يفقهون: يفهمون.
إن الموت أمر لا مَهرب منه، ولسوف يدرككم حيث كنتم ولو تحصّنتم في شواهق القصور او في القلاع والحصون. وما دام المت لا بدّ منه فلماذا تكرهون القتال وتجبُنُون. ان هؤلاء الجبناء إن أصابهم رخاءٌ ونعمة قالوا انها من عند اللهن، وان أصابتهم شدّة وجدْب قالوا لك يا محمد: هذا من عندك، وما كان الا شؤمك.
ولكُّ هذا ضعف في إيمانهم ونقص في عقولهم. وهذه مقالة اليهود والمنافقين حين قدم الرسول المدينةَ وأصابهم قحط وجفاف. فقل لهم الآن يا محمد: إن هذا زعم باطل، فكل ما يصيبكم مما تحبون أو تكرهون هو من عند الله، ومن تقديره. ماذا أصاب هؤلاء القوم، وماذا دهاهم في عقولهم حتى باتوا لا يعقلون شيئا!
стр. 316
ما يصيبك أيها النبي الكريم من رخاء ونعمة وعافية فهو من فضل الله وجوده، يتفضل به إحساناً منه اليك. أما ما يصيبك من شجدة ومشقة وأذى فهو من نفسك لتقصيرٍ او ذنب.
والخطاب ظاهُره للنبيّ ولكنه تصوير للنفس البشرية عامة، وان لم يقع منه ﵇ ما يستوتجب السيئة. وهذا كله ليعلّمنا ان كل شيء من عند الله، على معنى انه خالقُ الأشياء وواضع النظُم للوصول الى هذا الأشياء بسعي الانسان وكسبه. وأن الانسان لا يقع فيما يسوءه الا بتقصير منه في معرفة السبب والأسباب او مخالفتها. ولقد أرسلناك يا محمد للناس جميعاً، فليس لك دخل فيما يصيبهم من حسنات ولا سيئات، وكفى بالله شهيدا.
стр. 317
حفيظاً: تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم فيها. ويقولون طاعة: أمُرنا طاعة او منا طاعة. بيّت: دبر الأمر ليلاً، والمراد دبروا أمرهم سرّا.
من أطاع الرسولَ فقد أطاع الله، لأنه لا يأمر الا بما أمر ولا ينهى الا عما نهى الله عنه، لذلك كانت طاعته طاعة الله. ومن أعرض عن طاعتك يا محمد على هذا الاعتبار فليس لك أن تُكرهه عليها، لأنك أُرسلت مبشِّراً ونذيرا، ولَم ترسل مسيطراً ورقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم.
رُوي ان النبي ﵊ قال: «من أحبني فقد أحبَ الله، ومن اطاعني فقد أطاع الله» ، فقال المنافقونن: ألا تسمعنون الى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشِرك، قد نهى ان نعبد غير الله ويريد أن نتخذه رَبّاً لكما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية. . . .
ويقول هذا الفريق من الناس إذا أمرتَهم بأمر: أمرُك مطاع، وليس لك منا الا الطاعهة، ولكنهم اذا خرجوا من عندك دبّرتْ طائفةٌ منهم أمراً مناقضاً لما أخبرتهم به. واللهُ يحصي عليهم ما يدبرونه في الخفاء، فأعرِض عنهم، وفوّض أمرك الى الله، فهو يكفيك شرهم ولا يضرك احد.
قراءات:
قرأ ابو عمرو وحمزة «بيت طائفة» بالإدغام.
стр. 318
يتدبرون: يتأملون.
أفلا يتدبر اولئك المنافقون ويتفكرون جيداً في القرآن حتى يعلموا حقيقة الرسالة التي يدلّ عليها ويهدي اليها ذلك الكتاب! ما بالهم يعمون عن هذا التناسق الذي في سُوَره وآياته، وتلك الأخبار والأحكام التي جاء بها، والحقائق لتي تصوّرهنا العقائد، وقواعد الشرائع، وسياسة الشعوب والقبائل وضرب الأمثال! كيف يتأتى هذا كله لرجل أمّي: لون كان هذا الكتاب من عند غير الله، لتناقضت معانيه واختلفت أحكامه اختلافاً كثيرا.
стр. 319
اذاعوا به: اذاعوه ونشروه. يستنبطونه: يستخرجونه.
تصوّر هذه الآية حال المؤمنين في المدينة، حيث كونّوا مجتمعاً جديداً. وكان بينهم طائفة تدّعي الاسلام، وهم المنافقون، وطائفة اخرى ممن لم يتركز حالُهم من ضعاف المؤمنين. لذلك كان كل خبر يصِلُهم سيتفزّهم ويطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس، سواء أكان من ناحية الجيش الّذي يغزو ويقاتل العدو، أو من ناحية الأمن الداخلي عندهم. وكان لكثير من المسلمين علاقات جوارٍ او نسب أو صداقة مع اليهود والمنافقين، فكان هؤلاء يستغلّون سذادة المسلمين ويتلقون الأخبار ويشيعونها بين الناس مع زيادة وتغيير وتبديل. لذلك بيّن الله لهم ما ينبغي عمله في مثل هذه الحال، فقال: ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر من القواد وكبار الصحابة لوجدوا عندم العلم الحقيقي بالأمر، لأن لهم الخبرة والدراية، وهم الذين يعرفون كيف يستخرجون خفايا الحقائق بدقة نظرهم.
هذا من جهة سبب نزول الآية. أما حُكمها فإنه عام لجميع المسلمين ودائم في كل زمان ومكان. وفيها تأديب لكل من يحدّث بكل ما يسمع، وكفى بذلك كذبا. وقى روى مسلم عن النبي الكريم أنه قال: «كفى بالمرء كذباً ان يحدّث بك ما سمع» .
ولو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا بهديه في كل زمان ولما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم حكّامهم واستبدّلوا، ولما زال مُلكهم وسلطانهم. ولولا فضلُ الله عليكم بتثبيت قلوبكم على الايمان لاتّبع أكثرُكم الشيطان، ولم ينجُ من إغوائه الا القليل.
هكذا يربّينا القرآن الكريم ويعّلمنا، ليغرس الإيمان والولاء لصالح المسلمين، يحدّده أولو الرأي فيهم لا أولي القوّة والأموال، ويعلّم نظام الجندية في آية واحدة.
стр. 320
التحريض: الحث على الشيء. البأس: القوة. التنكيل: معاقبة المجرم بما يكون فيه عبرة للناس.
اذا أردتَ الفوز والظفر على الأعداء يا محمد فجاهد أعداءَ الله من أهل الشرك وأعرِض عن هؤلاء المنافقين الذين قالوا «لمَ كتبتَ علينا القتال» والذين يتذبذبون فيقولون لك «طاعة» وهم يُضمرون خلاف ما يقولون. انك لست مسئولا الا عن نفسك. ثم ادعُ المؤمنين الى القتال وحرضهم عليه، وعسى الله ان يدفع عنكم شدة الكافرين وبأسهم. إنه أشد قوة منهم، وأشد تنكيلاً بالكافرين.
وقد روي ان الرسول الكريم واعد أبا سفيان بعد أُحدٍ موسم بدرٍ الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد دعا الناسَ الى الخروج. وخرج في شعبان من سنة اربع في سبيعن راكبا، ووافوا الموعد. وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب فرجعوا من مَرّ الظهران.
следующие страницы →