← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المملكة العربية السعودية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وزارة التعليم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المعهد العالي للقضاء قسم الفقه المقارن النوازل في الرضاع بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الفقه المقارن إعداد/ عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد إشراف/ فضيلة الشيخ د. عبد العزيز بن عبد الله البخيت الأستاذ المساعد في قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء للعام الجامعي: ١٤٣٧ - ١٤٣٨ هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وبعد. فقد عُني الفقهاء منذ القدم بدراسة المسائل الفقهية النازلة والوقائع الحادثة وجعلها في مدونات ومصنفات مستقلة؛ الأمر الذي ترجموا فيه قول الله ﵎: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]. ذلك أن للنظر والاجتهاد في أحكام النوازل مقامًا ساميًا في الإسلام، وهو الميدان الفسيح الذي يستوعب ما جد من شؤون الحياة والأحياء، وتعرف من خلاله أحكام الشرع في الوقائع والمستجدات الدينية والدنيوية. وقد أسهم مجتهدو الأمة على اختلاف مراتبهم في هذا المجال بأوفر نصيب، وبذلوا في النظر فيها الجهد العظيم؛ حتى لا تكاد تجد مجتهدًا مبرزًا إلا وله مصنف أو أكثر في النوازل والإفتاء، ومما طبع في ذلك: فتاوى ابن رشد (١)، وفتاوى القفّال (٢) , وفتاوى ابن زيد القيرواني (٣) , وفتاوى البلقيني (٤) , وفتاوى النووي (٥) , وفتاوى البغوي (٦) , وفتاوى العلائي (٧)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٨)، والدرر السنية في الأجوبة النجدية (٩)، ومجموع فتاوى ابن باز (١٠). ولا غرابة في ذلك؛ إذ هو فرع - أي: الاجتهاد - من دوحة الشريعة الحنيفية، ولبنة هامة يؤسس عليها نظام التشريع الإسلامي، وتظهر بها صلاحيته المطلقة لكل زمان ومكان.

стр. 3

ولما كان من متطلبات نيل درجة الماجستير في قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء إعداد بحث تكميلي, وبعد البحث في احتياجات واقع المسلمين المعاصر وسؤال أهل العلم واستشارة ذوي الخبرة؛ وقع اختياري على موضوع (النوازل في الرضاع)؛ حيث كان شيخي د. عبد الله بن علي الركبان - حفظه الله - حين درسنا كتاب الرضاع في المستوى السابع من كلية الشريعة بالرياض يذكر بعض النوازل المتعلقة به, ومنذ ذلك الحين وأنا أقلب الموضوع في ذهني, وأجمع متفرقه, وألم شتاته؛ حتى استوت خطة هذا البحث وعناصره على سوقها. وإن الحاجة إلى البحث في النوازل الواقعة أشد من حاجتنا للطعام والشراب؛ فبالطعام والشراب يستقيم أمر المعاش المادي في الدنيا, وبالحكم الشرعي يستقيم لنا أمر الدنيا والآخرة. والوقائع التي تحدث في هذا الكون ليست على شاكلة واحدة؛ فمنها ما سبق وقوعه وسبق تبعاً لذلك البحث فيه, ومنها ما لم يقع من قبل ولم يسبق البحث فيه وهو ما يطلق عليه مصطلح النازلة, فهذه النازلة الجديدة غير المنصوص عليها تعتبر مشكلة تتطلب حلًّا, وحلها هو إحاطتها بالبحث وتحرير الحكم الشرعي اللازم لها. - أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع في أمور كثيرة, أجملها فيما يأتي: ١ - كثرة النوازل المعاصرة المتزامنة مع التطور العالمي المتسارع. ٢ - شدة الحاجة إليها, على كافة الشرائح والأصعدة. ٣ - خطورة مسائله من حيث انتشار المحرمية بوسائله المعاصرة, والآثار المترتبة على ذلك. ٤ - البعد الاجتماعي والقضائي لموضوع الرضاع.

стр. 4

- أسباب اختيار الموضوع: دفعني إلى اختيار هذا الموضوع جملة من الأسباب, منها: ١ - أهمية الموضوع في حياتنا العملية المعاصرة. ٢ - حاجة المجتمع إلى بيان أحكامه الشرعية. ٣ - ظهور فتاوى على المستوى الفردي والجماعي غير محررة تحريرًا كافيًا, مع عدم الاستيفاء, من دون استحداث دراسات متخصصة شاملة. ٤ - كثرة الأسئلة من عموم الناس, وذلك ظاهر في البرامج المسموعة والمرئية, والفتاوى المطبوعة. ٥ - شرف علم الفقه, وأثر البحث في نوازله على تكوين الملكة الفقهية. ٦ - عدم وجود بحوث مختصة بموضوع البحث فيما أعلم. ٧ - مناسبة حجم كتاب الرضاع ونوازله للبحث التكميلي. ٨ - تفعيل التراث الإسلامي؛ بتخريج النوازل المعاصرة على نصوص الوحيين, وما يتوافر تبعًا لذلك من القواعد الأصولية والفقهية, ومقاصد الشريعة, وتحريرات الفقهاء. ٩ - إثراء المكتبة الفقهية بدراسة خاصة لهذا الموضوع. ١٠ - تفرق الفتاوى المتعلقة بهذا الموضوع, وعدم جمعها تحت مظلة واحدة؛ يتفيَّأ ظلالها الطالب المبتدي والسائل العامِّي والراغب المنتهي. ١١ - القيام بأمر الله, وبالأمانة المناطة بطلاب العلم, والاجتهاد للوصول إلى حكم الله. - أهداف البحث: ١ - جمع النوازل المتعلقة بباب الرضاع - بحثت أو لم تبحث-, ثم دراستها دراسة وافية؛ لبيان الحكم الشرعي الذي يُتعبد الله تعالى به. ٢ - توعية الناس بما ينبغي عليهم معرفته من الأحكام الشرعية المتعلقة بنوازل الرضاع. ٣ - بيان كمال الشريعة الإسلامية واستيعابها لجميع المستجدات على مرِّ العصور. ٤ - تنمية الباحث من الجانبين؛ المعرفي, والتطبيقي؛ فالتنمية المعرفية النظرية تكون في العناية بكتاب الرضاع, والتنمية التطبيقية العملية تكون بمعاناة النوازل المعاصرة.

стр. 5

- الدراسات السابقة: بعد البحث والنظر في قوائم الرسائل الجامعية ومحركات البحث الإلكترونية للمكتبات والجامعات المحليّة والعالمية وفهارسها؛ لم أجد بحثًا مختصًا في هذا الموضوع, وما وجدته على نوعين: الأول: تطرق لموضوع البحث من دون أن يخصص له بحثه، وهذه الدراسات هي: ١ - نوازل فقهية في الحمل والرضاع في ضوء مقاصد الشريعة, للباحثة: منيرة بنت عبد الجبار شودري, وقد وقع في أربع صفحات وأربعمائة, مقدمة لنيل درجة الماجستير بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب في جامعة الدمام, عام ١٤٣٤ هـ. وقد لحظت على الرسالة - في هذا الصّدد - ما يأتي: أعدم تخصص الكلية المشرفة على الرسالة في الفقه وأصوله. ب عدم تخصص البحث في بيان أحكام نوازل الرضاع بقدر ما كان يتناول مسائله بنظرة مقاصدية, وهذه الملحوظة نتيجة للملحوظة الأولى. ج اقتصار نظرة الباحثة المقاصدية على مسألتين فقط من مسائل الرضاع, وهما: بنوك الحليب, وإرضاع الأم المصابة بالإيدز؛ في حين إن هذه الخطة زادت على هاتين المسألتين بما يربو على عشرين مسألة مفصلة في خطة البحث. ٢ - أحكام اللبن في الفقه الإسلامي, للباحث: صالح بن عبد الرحمن الخطيب، ويقع في تسع صفحات ومائتين, مقدمة لنيل درجة الماجستير بقسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء, في العام الجامعي ١٤١٨/ ١٤١٩ هـ. وقد لحظت على الرسالة ما يأتي: أإن الباحث لم يخصص بحثه في كتاب الرضاع؛ حيث تناول أحكام اللبن في كتاب الطهارة, والبيوع, والإجارة, والربا, والسلم, والذبائح والأطعمة. ب عدم تخصص البحث في الأحكام النازلة من الرضاع, وقد تناول المسائل النازلة التاليّة - وإن لم تكن خالصة من قدم الحدوث وتطرق الفقهاء -: صناعة اللبن واختلاطه بغيره, وعمله جبنًا أو أقطًا, وحقنه, ووصوله عن طريق الأنف أو الأذن. وقد زدت على هذه المسائل والمسائل الواردة في البحث الأول ثلاثًا وعشرين مسألة, وهي: مدرات الحليب, وموانعه, ومعالجته بالأشعة, وإرضاع المستأجر رحمها، والمصابة بالإيدز، وحليب الأنابيب,

стр. 6

وقارورة الرضاعة, وآلات امتصاص الحليب من الثدي, والاعتماد على قول الطبيب في استخدام الوسائل الحديثة, ومسؤولية الطبيب, وتحويل الحليب إلى مسحوق مجفف, والاتجار بالحليب, وما يلحق بالحليب ويقوم مقامه في انتشار المحرمية, ومالا يقوم مقامه, ورضاع الكبير للحاجة, والإذن في الرضاع, والرضى, والعلاقة بين طفلين رضعا من حليب مشترك, وأحكام علاقة الجنسين من المتراضعين, وتعارض حق المرتضع مع حق غيره, ووسائل إثبات الرضاع, وأثر التقادم عليها, والرجوع عن الإقرار, وتعارض البينات, وتوثيق حالات الرضاع في السجلات الرسمية لدى المحاكم. النوع الثاني: خصص بحثه في جزئية أو نازلة من بين نوازل الرضاع, مثل: ١ - الرضاع المحرم وبنك اللبن في الشريعة الإسلامية, للباحث حسين عبد المجيد أبو العلا. ويقع في خمس وتسعين صفحةً, ونشر عام ١٤١٤ هـ. وقد لحظت على الرسالة ما يأتي: أقدمها, وبعدها في التصوير عن الواقع. ب كونها غير محكمة. ج عدم استيفاء المباحث. ٢ - بنوك لبن الرضاع بين الحل والحرمة, دراسة فقهية مقارنة, جمال مهدي محمود الأكشة. ويقع في تسع وثلاثين صفحة ومائتين, من نشر عام ١٤٣٢ هـ. وقد لحظت على الرسالة ما يلي: أكونها غير محكمة. ب عدم استيفاء المباحث. ٣ - حكم الرضاع من اللبن الثائب من غير حمل في الفقه الإسلامي, للباحث: أ. د. خالد بن زيد الوذيناني. وذلك ضمن مجلة البحوث العلمية الفقهية, ع ٦٧, ص ١٨٢ - ٢٥٥, عام ١٤٢٦ هـ. وقد لحظت اقتصارها على مسألة واحدة في الجملة؛ أفردتها في المبحث الأول من الفصل الأول على هيأة مسائل؛ كرضاع البكر، والرجل، والخنثى، والآيس، ونحو ذلك. ٤ - الضوابط الفقهية في الرضاع, للباحث علي بن عبده الحكمي. وهو بحث في ست عشرة ورقة ومائتين, مقدم لنيل درجة لماجستير بالمعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام بالرياض عام ١٤٣١ هـ.

стр. 7

وقد لحظت على البحث ما يأتي: أ - ضعف التحرير العلمي. ب - عدم استيفاء جميع الضوابط. ج - قلة التفريع والتمثيل، وعدم تفعيل الملكة الفقهية. - منهج البحث: يتبيّن منهج البحث فيما يأتي: ١ - تصوير المسألة المراد بحثها تصويرًا دقيقًا قبل بيان حكمها, ليتضح المقصود من دراستها. ٢ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق فأذكر حكمها بدليله, مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة. ٣ - إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف, فأتبع الآتي: أتحرير محل الخلاف؛ إذا كان بعض صور المسألة محل خلاف، وبعضها محل اتفاق. ب ذكر الأقوال في المسألة, وبيان من قال بها من أهل العلم. ج العناية بفقه أصحاب النبي ﷺ وأقوال التابعين وتابعيهم والمحققين من بعدهم من أهل العلم, وأصحاب المذاهب المشتهَرة، وإذا لم أقف على المسألة في مذهب ما فأسلك فيها مسلك التخريج. د- ... توثيق الأقوال من مصادرها الأصلية. هـ- استقصاء أدلة الأقوال مع بيان وجه الدلالة, وذكر ما يرد عليها من مناقشات, وما يجاب به عنها, وذكر ذلك بعد الدليل مباشرة. و- بيان الترجيح وسببه, وذكر ثمرة الخلاف وسببه إن وجد.

стр. 8

٤ - الاعتماد على أمهات المصادر والمراجع الأصلية في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع. ٥ - التركيز على موضوع البحث. ٦ - العناية بضرب الأمثلة؛ الواقعية منها على وجه الخصوص. ٧ - تجنب ذكر الأقوال الشاذة إلا عند الاقتضاء. ٨ - العناية بدراسة ما جدّ من القضايا, مما له صلة واضحة بالبحث؛ فإذا وُجدت مسألة غير نازلة؛ فإنما أُوردت لاستفاضتها وعموم البلوى بها في هذا الزمن أو لحدوثها في صور متجددة؛ لدراستها في ظل ظروف العصر. ٩ - ترقيم الآيات، وبيان سورها. ١٠ - تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية, وإثبات الكتاب والباب - إن وجدا -, والجزء, والصفحة, ودراسة أسانيدها؛ إن لم تكن في الصحيحين أو في أحدهما مع بيان ما ذكره أهل الفن في درجتها, والحكم عليها حسبما يتسع له النظر والاجتهاد (١)، فإن كانت في الصحيحين أو في أحدهما؛ فيكون الاكتفاء حينئذ بتخريجها منهما أو من أحدهما؛ لأنه في مطلب إثبات النص "لا فائدة في عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان - مثلًا - مع كونه في شيء منهما" (٢). ١١ - تخريج الآثار من مصادرها الأصلية, والحكم عليها. ١٢ - التعريف بالمصطلحات من كتب الفن الذي يتبعه المصطلح, أو من كتب المصطلحات المعتمدة.

стр. 9

١٣ - توثيق المعاني من معاجم اللغة المعتمدة, وتكون الإحالة عليها بالمادة, أو الجزء والصفحة. ١٤ - العناية بقواعد اللغة العربية, والإملاء, وعلامات الترقيم. ١٥ - الترجمة للأعلام غير المعروفين, وذلك بذكر اسمه, ومولده, ومذهبه العقدي والفقهي, وأبرز مؤلفاته, وسنة وفاته, ومصدر ترجمته. ١٦ - اعتمدت في فصول البحث ومباحثه لفظة الحليب مستعيضًا بها عن اللبن وإن نوعت بينهما في أثناء البحث؛ لأن لفظ اللبن - وفقًا لرأي البعض - لا يقال في بنات آدم، وإنما يقال فيه لبان؛ فألفيت الحليب أنسب، معتبرًا في ذلك بالعرف وما جرى على الألسنة شيوعًا، والعادة محكمة. (١) ١٧ - لو ورد في البحث ذكر أماكن, أو قبائل, أو فرق, أو أشعار, أو غير ذلك؛ فإنه مستلزم لوضع لها فهارس خاصة. ١٨ - لا أكرر اسم الكتاب الذي يعزى إليه، بل أكتفي بذكر المؤلِّف مع الإحالة إلى المصدر السابق إن كان الموضع آخر قد استفيد فيه من الكتاب نفسه، ثم أشير إلى الجزء إن وجد ورقم الصفحة. ١٩ - جعل الخاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات ٢٠ - إتباع البحث بالفهارس, وهي: أ - فهرس الآيات القرآنية. ب - فهرس الأحاديث والآثار. ج - فهرس الأبيات الشعرية. د - فهرس الأعلام. هـ - فهرس المصادر والمراجع. و- فهرس الموضوعات.

стр. 10

- خطة البحث: يشتمل البحث على: مقدمة, وتمهيد, وأربعة فصول, وخاتمة, وفهارس. مقدمة: وتتضمن: أهمية الموضوع, وسبب اختياره, وأهدافه, والدراسات السابقة, ومنهج البحث, وخطته. تمهيد: ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: المراد بالنوازل في الرضاع, ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: تعريف النازلة. المطلب الثاني: تعريف الرضاع. المبحث الثاني: أهمية الاجتهاد في بيان أحكام النوازل. المبحث الثالث: الضوابط الفقهية في باب الرضاع. المبحث الرابع: المقاصد الشرعية لأحكام الرضاع في الفقه الإسلامي. الفصل الأول: الوسائل الحديثة المتعلقة بالرضاع, ويشتمل على ثلاثة عشر مبحثًا: المبحث الأول: مدرات الحليب, وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حقيقة مدرات الحليب. المطلب الثاني: أنواع مدرات الحليب. المطلب الثالث: أحكام مدرات الحليب, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم تصنيع مدرات الحليب. الفرع الثاني: حكم تعاطي مدرات الحليب. المطلب الرابع: أثر استخدام مدرات الحليب في انتشار المحرمية. المبحث الثاني: موانع درِّ الحليب, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حقيقة موانع درِّ الحليب. المطلب الثاني: أنواع موانع درِّ الحليب. المطلب الثالث: أحكام موانع درِّ الحليب, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم تصنيع موانع درِّ الحليب. الفرع الثاني: حكم تعاطي موانع درِّ الحليب. المبحث الثالث: بنوك الحليب, وفيه ستة مطالب:

стр. 11

المطلب الأول: حقيقة بنوك الحليب. المطلب الثاني: نشأة بنوك الحليب, وتاريخ ظهورها. المطلب الثالث: الفرق بين بنوك الحليب وغيرها. المطلب الرابع: آلية العمل في بنوك الحليب. المطلب الخامس: حكم بنوك الحليب, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم إنشاء بنوك الحليب. الفرع الثاني: حكم التعامل مع بنوك الحليب. المطلب السادس: أثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية. المبحث الرابع: حقن الحليب, وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حقيقة حقن الحليب. المطلب الثاني: أنواع حقن الحليب. المطلب الثالث: حكم استخدام حقن الحليب. المطلب الرابع: أثر استخدام حقن الحليب في انتشار المحرمية. المبحث الخامس: حليب الأنابيب, وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حقيقة حليب الأنابيب. المطلب الثاني: أنواع أنابيب الحليب. المطلب الثالث: حكم استخدام حليب الأنابيب. المطلب الرابع: أثر استخدام حليب الأنابيب في انتشار المحرمية. المبحث السادس: تحويل الحليب إلى أشكال أخرى, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أنواع الأشكال التي يحوَّل إليها الحليب, وهي ثلاثة فروع: الفرع الأول: تحويل الحليب إلى مسحوق مجفف. الفرع الثاني: تجبين الحليب. الفرع الثالث: تحويل الحليب أقطًا. المطلب الثاني: حكم تحويل الحليب إلى أشكال أخرى. المطلب الثالث: أثر الأشكال التي يحوَّل إليها الحليب في انتشار المحرمية.

стр. 12

المبحث السابع: آلات امتصاص الحليب من الثدي, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أنواع آلات امتصاص الحليب. المطلب الثاني: أحكام آلات امتصاص الحليب, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم تصنيع آلات امتصاص الحليب. الفرع الثاني: حكم استخدام آلات امتصاص الحليب. المطلب الثالث: أثر آلات امتصاص الحليب في انتشار المحرمية. المبحث الثامن: الحليب الصناعي, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حقيقة الحليب الصناعي. المطلب الثاني: أنواع الحليب الصناعي. المطلب الثالث: أحكام الحليب الصناعي, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم تصنيع الحليب الصناعي. الفرع الثاني: حكم استخدام الحليب الصناعي. المبحث التاسع: قارورة الرضاعة, وفيه مطلبان: المطلب الأول: حقيقة قارورة الرضاعة. المطلب الثاني: أثر قارورة الرضاعة في انتشار المحرمية. المبحث العاشر: الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة, وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة. المطلب الثاني: أثر الاعتماد على قول الأطباء في استخدام الوسائل الحديثة. المبحث الحادي عشر: رضاع المستأجر رحمها, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حقيقة رضاع المستأجر رحمها. المطلب الثاني: حكم رضاع المستأجر رحمها. المطلب الثالث: أثر رضاع المستأجر رحمها في انتشار المحرمية. المبحث الثاني عشر: الحليب المعالج بالأشعة, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حقيقة الحليب المعالج بالأشعة. المطلب الثاني: حكم معالجة الحليب بالأشعة.

стр. 13

المطلب الثالث: أثر الحليب المعالج بالأشعة في انتشار المحرمية. المبحث الثالث عشر: مسؤولية الطبيب في استخدام الوسائل الحديثة المتعلقة بالرضاع. الفصل الثاني: الأحكام المتعلقة بالمرتضَع, ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: الاتجار بالحليب, وفيه مطلبان: المطلب الأول: وسائل الاتجار بالحليب. المطلب الثاني: حكم الاتجار بالحليب. المبحث الثاني: ما يلحق بالحليب, وفيه مطلبان: المطلب الأول: ما يقوم مقام الحليب في انتشار المحرمية. المطلب الثاني: ما لا يقوم مقام الحليب في انتشار المحرمية. الفصل الثالث: الأحكام المتعلقة بالمرتضِع والمرضِع, ويشتمل على ستة مباحث: المبحث الأول: العلاقة بين طفلين رضعا من حليب مشترك. المبحث لثاني: علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حدود علاقة الرجل مع المحرمات عليه بالرضاع. المطلب الثاني: الفرق في علاقة الرجل بين المحرمات عليه بالرضاع والمحرمات عليه بالنسب أو المصاهرة. المطلب الثالث: ممارسة الرجل للأعراف المجتمعية على المحرمات عليه بالرضاع. المبحث الثالث: تعارض حق المرتضع مع حق غيره لدى المرضع, وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعارض حق الخالق مع حق المرتضع لدى المرضع. المطلب الثاني: تعارض حق الآدميين مع حق المرتضع لدى المرضع. المبحث الرابع: الإذن والرضى في الرضاعة, وفيه مطلبان: المطلب الأول: إذن المرتضع - إذا كان كبيراً -, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم إذن المرتضع. الفرع الثاني: أثر إذن المرتضع في انتشار المحرمية. المطلب الثاني: إذن أولياء المرتضع, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم إذن أولياء المرتضع. الفرع الثاني: أثر إذن أولياء المرتضع في انتشار المحرمية.

стр. 14

المبحث الخامس: إرضاع الكبير للحاجة وأثره في انتشار المحرمية, وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: إرضاع السائق. المطلب الثاني: إرضاع الخادمة. المطلب الثالث: إرضاع اللقيط. المبحث السادس: إرضاع المصابة بالإيدز, وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم إرضاع المصابة بالإيدز. المطلب الثاني: أثر رضاع المصابة بالإيدز في انتشار المحرمية. الفصل الرابع: الأحكام المتعلقة بوسائل الإثبات والتقاضي, وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أثر وسائل الإثبات على الرضاع في الزمن المعاصر, وفيه مطلبان: المطلب الأول: وسائل الإثبات التقليدية. المطلب الثاني: وسائل الإثبات الحديثة. المبحث الثاني: أثر الرضاع على وسائل الإثبات والتقاضي, وفيه مطلبان: المطلب الأول: الشهادة للقريب من الرضاع. المطلب الثاني: حكم الحاكم لقريبه من الرضاع. المبحث الثالث: الإشهاد على الرضاع, وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: إشهاد المرضع على من أرضعته في الزمن المعاصر, وفيه فرعان: الفرع الأول: حكم إشهاد المرضع على من أرضعته. الفرع الثاني: ما يجزئ لإشهاد المرضع على من أرضعته. المطلب الثاني: أثر التقادم على وسائل الإثبات. المطلب الثالث: الرجوع عن الإقرار بشهادة الرضاع. المطلب الرابع: تعارض البينات. المطلب الخامس: توثيق حالات الرضاع في السجلات الرسمية لدى المحاكم. الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات. الفهارس: وتحتوي على: أولًا: فهرس الآيات القرآنية. ثانيًا: فهرس الأحاديث النبوية والآثار. ثالثًا: فهرس الأبيات الشعرية. رابعًا: فهرس الأعلام المترجم لهم. خامسًا: فهرس المراجع والمصادر. سادسًا: فهرس الموضوعات.

стр. 15

هذا، وإني لَأَحمد الله ﵎ الذي بنعمته تتم الصالحات وتستكمل الطاعات، وأشكره على نعمه وأسأله المزيد من فضله. كما أتضرع إليه سبحانه بأخلص الدعاء إلى: شيخي الوالد - حفظه الله - الذي انتفعت مما علمني إياه صغيرًا ووجهني به كبيرًا؛ فقد كان لعلمه الوافر وفقهه المتين وعنايته بعلوم الشريعة وأصول الحديث الأثرُ الحسن فيما أرجع إليه به مما يشكل فهمه أو يعسر حلُّه، وإلى والدتي - حفظها الله - التي ربتني صغيرًا ولم تتركني من دعائها ورعايتها كبيرًا، وإلى زوجتي وأولادي الذين أعربوا عن وفائهم وحسن عهدهم ببذلهم وصبرهم؛ فجزاهم الله عني خيرًا، وجعل لهم في ألسنة الصدق ذكرًا. وإني لأسدي أيضًا خالص الشكر والدعاء والثناء إلى أصحاب الفضيلة الدكتور عبد العزيز بن عبد الله البخيت والدكتور منصور بن محمد الشبيب؛ الذين كان لتوجيهاتهم العلمية النفيسة وإرشاداته القيِّمة الجليلة من خلاله الإشراف على البحث ومناقشته ما أسال الله أن يجزل لهما المثوبة ويحسن إليهما في العاقبة، وأن يبارك في جهودهما وينفع بعلمهما، وهذا الشكر موصول لكل من استفدت منهم في هذا البحث وانتفعت بمشورتهم وأجوبتهم على الأسئلة والإشكالات، وهم أصحاب السعادة والفضيلة: شيخيْ د. عبد الله بن علي الرُّكبان؛ في الجوانب الفقهية، وشيخيَّ عبد الله بن عبد الرحمن السعد وعبد الحكيم الجبير؛ في الصَّنعة الحديثية، والشيخان د. إبراهيم بن عبد العزيز الجهني وعبد المجيد بن عبد الله آل خنين؛ في الجوانب القضائية، والأستاذ سيف الإسلام الشعلان؛ في الجوانب اللغوية، والطبيب

стр. 16

محمد حولدار؛ في جانب الترجمة والجوانب الطبية وتكييفها الواقعي، والصيدلي زيد بن محمد العشبان؛ فيما يتعلق بالأدوية وتوصيف النوازل المعاصرة؛ فكل هؤلاء كان لهم الأثر المشهود في البحث، ولا أجدني إلا عاجزًا عن الوفاء بأقل القليل مما بذلوه؛ فجزاهم الله عني وعن المسلمين خيرًا، وحشرهم مع وفد المتقين إلى جنة الخلد زمرًا. وأخيرًا؛ لا يسعني إلا أن أذكِّر بما تبذله جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مشكورةً من جهود مباركة في خدمة للطالب الجامعي وطالب الدراسات العليا، كما أشكر المعهد العالي للقضاء ممثلًا في عمادته وقسم الفقه المقارن فيه. اللهم وفقني لحسن القصد، وارزقني الإخلاص وإصابة الحق، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه, وسلم تسليمًا. الباحث غرة رجب ١٤٣٦ هـ Abdullah ٤٤٦١٦@gmail.com

стр. 17

التمهيد المبحث الأول المراد بالنوازل في الرضاع المطلب الأول تعريف النازلة النون والزاي واللام في اللغة العربية تدل على هبوط الشيء ووقوعه، والنازلة: الشديدة من نوائب الدهر تنزل، ونزل به الأمر؛ إذا حلَّ (١). وأما في الاصطلاح، فلا يوجد من متقدمي فقهاء المسلمين من عرف النوازل الفقهية تعريفًا دقيقًا يصلح أن يكون حدًّا، وغاية ما ذكروه عن النوازل لا يصدق عليه أن يكون تعريفًا لمصطلح النازلة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى ما يأتي: (٢) ١ - تأخر تداول مصطلح النوازل وانتشاره. ٢ - وضوح المعنى وشيوعه. ٣ - وجود المرادفات الأخرى؛ كالأقضية، والفتاوى، والمسائل، والأجوبة. ٤ - عنايتهم بالجوانب العملية التطبيقية للوقائع النازلة بالمسلمين، دون الجوانب النظرية والتأصيلية.

стр. 18

وقد تنوعت تعاريف المعاصرين، ومن أجمعها وأخصرها: الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد. (١) ويحسن بعد ذلك الإشارة بعض المصطلحات المرادفة للنوازل، وهي: الحوادث، الوقائع، المسائل والقضايا والمستجدات. (٢) المطلب الثاني تعريف الرضاع الراء والضاد والعين؛ أصل واحد، وهو: شرب اللبن من الضرع أو الثدي. والرضاع بفتح الراء وكسرها؛ هو مصدر رضَع الصبي الثدي وغيره؛ إذا مصه. ويقال: يرضع ورضِع رضعًا ورضِعًا ورَضاعًا ورِضاعًا ورَضاعة ورِضاعة؛ فهو راضع، والجمع رُضَّع (٣)، ومن ذلك ما تنشده العرب من قول ابن الهمام السَّلولي (٤): وذموا لنا الدنيا وهم يرضِعونها ... أفاويق حتى ما يدِرُّ لها ثُعْلُ (٥)

стр. 19

وتقول: هذا أخي من الرَّضاعة، وهذا رَضيعي. وراضعه مراضعة ورضاعًا؛ إذا رضع معه، والجمع رُضَعاء. وامرأة مرضع: ذات رضيع، أو لبن رَضاعٍ، والجمع مراضيع. والرَّضُوعة: التي ترضع ولدها، ورضُع الرجل الرجل يرضع رضاعة؛ فهو رضيع راضع، والجمع الرَّاضعون. (١) وبعد التعريف اللغوي، يحسن الورود على التعريف الاصطلاحي الشرعي، وهو كما يأتي: عرفه بعض الحنفية بأنه: مص لبن آدمية في وقت مخصوص. (٢) وعرفه بعض المالكية بأنه: وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعود والحقنة ولا دليل إلا مسمى الرضاع. (٣) وعرفه بعض الشافعية بأنه: اسم لحصول لبن امرأة وما حصل منه في معدة طفل أو دماغه. (٤) وعرفه بعض الحنابلة بأنه: مص لبن من له دون الحولين لبنًا أو شربه ونحوه؛ ثاب من حمل من ثدي المرأة. (٥) وفي محترزات التعريف، قالوا: إن قوله: "ونحوه"؛ يعني: كالسعوط والوجور، وأكله بعد أن جبن. (٦) وقوله: "ثاب"؛ أي: اجتمع. (٧)

стр. 20

واختلافهم في تعريف الرضاع راجع إلى ما يرونه من ضوابط وقيود، ليحصل التحريم بمثل هذا الرضاع. (١) كما عرفه أحد الباحثين بأنه: وصول لبن المرأة - وإن بكرًا - بالقدر المحرم إلى معدة الرضيع مارًّا بالمريء في زمن الرضاع بقصد التغذية لسد الجوع. (٢) وعرفه باحث آخر بأنه: وصول لبن امرأة ثاب عن حمل إلى جوف صغير أو دماغه. وأردف من محترزات التعريف وبيان غريبه ما يأتي: وصول: يخرج به ما لم يصل إلى جوف الصغير أو دماغه. لبن: يخرج ما سوى اللبن؛ كدمها، أو ريقها. امرأة: يخرِج ما سوى المرأة؛ كلبن الحيوان. ثاب عن حمل: أي: خرج بسببهح فخرج اللبن الثائب من غير حمل. إلى جوف: بأي طريق كان، ويخرج به ما لم يصل إلى الجوف. الصغير: يخرج به الكبير. أو دماغه: أي: يحصل به الغذاء. (٣) وعند التأمل، فيمكن الإتيان على معنى الرضاع وفق ما سيرد ترجيحه من مسائل في التعريف التمييزي الآتي، وهو: غذاء بدن إنسان من لبن آدمية. وأما وضع حد وفق اشتراطات أرباب الحدود الأرسطيين، فقد قرر أبو إسحاق الشاطبي ت ٧٩٠ هـ تعذر الإتيان به، وأنه ليس من العلوم الشرعية ا. هـ (٤)؛ قال تقي الدين ابن تيمية ت ٧٢٨ هـ: إن المتكلمين بالحدود طائفةٌ قليلة في بني آدم، لا سيما الصناعة المنطقية؛ فإن واضعها هو أرسطو، وسلك خلفه فيها طائفة من بني آدم، ومن المعلوم أن علوم بني آدم - عامتهم وخاصتهم - حاصلة بدون ذلك؛ فبطل قولهم: إن المعرفة متوقفة عليها؛ أما الأنبياء، فلا ريب في استغنائهم عنها، وكذلك أتباع الأنبياء من العلماء والعامة، فإن القرون الثلاثة من

стр. 21

هذه الأمة - الذين كانوا أعلم بني آدم علومًا ومعارفَ - لم يكن تكلف هذه الحدود من عادتهم؛ فإنهم لم يبتدعوها، ولم تكن الكتب الأعجمية الرومية عربت لهم، وإنما حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة، ومن حين حدثت صار بينهم من الاختلاف والجهل ما لا يعلمه إلا الله ... ، كذلك الحدود التي يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة وغير ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم، فإذا كان حذاق بني آدم في كل فن من العلم أحكموه بدون هذه الحدود المتكلفة؛ بطل دعوى توقف المعرفة عليها، وأما علوم بني آدم الذين لا يصنفون الكتب، فهي مما لا يحصيه إلا الله، ولهم من البصائر والمكاشفات والتحقيق والمعارف ما ليس لأهل هذه الحدود المتكلفة؛ فكيف يجوز أن تكون معرفة الأشياء متوقفة عليها؟ ا. هـ (١) وقال الشيخ د. يوسف الغفيص: والحد للأشياء - الذي يسمى التعريف، واسمه في المنطق: الحد - والمعاني أمرٌ حادث في العلم؛ ينبغي لطالب العلم ألا يلتفت إليه كثيرًا؛ لأن هذا الحد يقع عنه في كثير من الأحوال جملة من المفاسد، من أخصها التضييق للمعاني، واستباقها. فإذا نقدنا مسألة الحد، وقلنا: إن الذين بالغوا في تقريرها هم علماء الكلام، فقيل: ما البديل عنها؟ قلنا: الذي كان عليه السلف - الصحابة والأئمة من بعدهم - هو الاستقراء؛ فيكون تحقيق المعاني باستقراء جميع مواردها ا. هـ ملخصًا (٢) - أركان الرضاع: للرضاع أركان يذكرها بعض الفقهاء توضح معالم هذا الباب وأسسه، وتظهر ما تقرر شرعًا إزاءه، وهي ثلاثة: الركن الأول: المرضع. الركن الثاني: اللبن. الركن الثالث: المحل، وهو: الرضيع متمثلًا في معدته، أو ما في معنى المعدة. (٣)

стр. 22

المبحث الثاني أهمية الاجتهاد في بيان أحكام النوازل الإنسان يتسم بالحيوية والنشاط؛ لأنه كائن حي متحرك، ومن العادي أن يحدث له أو يحدث هو أمورًا مستجدة لم تعرف فيمن قبله مما يعتاز إلى حكم، وأفعال العباد جميعًا محكوم عليها في الشرع أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا. (١) وأدلة الشرع؛ من كتاب وسنة، وما تفرع عنهما؛ محيطة بأحكام الحوادث في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها؛ يقول الحق تعالى: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]. فما من نازلة إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حكمها؛ علم ذلك من علمه، وجهله من جهله؛ إذ كانت الشريعة ثرَّةً في مصادرها، لا ينضب معينها في نصوصها إذا أخذت بعمومها وعللها ومقاصدها، ومن أعانه الله فكان خبيرًا بذلك لم يعوزه حكم النازلة مهما استجدت. (٢) والاجتهاد ممكن في كل عصر؛ حيث لم يقفل بابه, وقد تيسرت أسبابه وموجباته في هذا الزمن بما لم يكن في الزمن الأول؛ فبُينت آيات الأحكام ومواضعها وفُسرت, وجُمعت السنة

стр. 23

وشُرحت, وتيسرت السبل إلى معرفة الحكم على الأحاديث وطرق الشواهد والاعتبار, ودُوّن الفقه وأصوله والعربية, وقربت هذه العلوم إلى الفهوم, وتيّسرت وسائل طباعة الكتب وانتشاره, وحفظ المعلومات واسترجاعها؛ حتى لم يبقَ إلا التشمير لبلوغ هذا المنصب من قبل فريق من الأمة؛ استعدادًا لمواجهة النوازل, وذلك فرض لا يجوز تركه حتى لا يخلو عصر من قائم لله تعالى بالحجة؛ يقول بعض علماء القرن السابع - في إمكان وجود الاجتهاد المطلق -: ومنذ زمن طويل عُدِمَ الاجتهاد المطلق, مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دُوِّنا, وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك, لكن الهمم قاصرة, والرغبات فاترة, ونار الجد والحذر خامدة, اكتفاء بالتقليد, واستغناء من التعب الوكيد, وهربًا من الإثقال, وأربًا في تمشية الحال وبلوغ الآمال ولو بأقل الأعمال, وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه, ولم يعقلوه ليفعلوه ا. هـ (١) وقد تولى ربنا هذا المقام بنفسه في مثل قوله جل ذكره: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِسَاءِ؛ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [سورة النساء: ١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ؛ قُلِ الله يُفْتِكُمْ فِي الكلَالَة﴾ [سورة النساء: ١٧٦]. ولا أدل في هذا المقام من أن يتولى سبحانه مقام الإفتاء والنظر في النوازل؛ إلا فضل هذه المنزلة وعظيم شأنها، وذلك لشرف المتعلق، وكفى بذلك فضلًا وشرفًا. ومما يزيد هذا النوع من التبيان لأحكام الشرع فضلًا وأهمية؛ أن النبي ﷺ قد انتصب لها حين كان تصرفه بالفتيا وإجابة السائلين عما ينزل بهم يشغل كثيرًا من أحواله ﵊. ولم يقف الصحابة - رضوان الله عنهم - وتابعوهم ومن سار على هديهم من الأئمة والمجتهدين؛ أن ينهجوا هذا الطريق بالتبليغ والبيان والتعليم، مع معالجة ما يستشكل من النصوص؛ مما يؤكد منزلة هذا النوع من الاجتهاد والنظر في الإسلام. (٢)

стр. 24

وذلك أن النصوص التي يستشكل ظاهرها لم تقع قي الكتاب والسنة عفوًا، وإنما هو أمر مقصود شرعًا؛ ليبلو الله ما في النفوس، ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبوابًا من الجهاد يرفعهم به درجات. (١) والبحث في فقه النوازل هو الترجمة العملية الواقعية للفقه الإسلامي؛ بحيث يظهر إيجابية الفقه في معالجة ما يستجد من أمور الحياة. فإن الحاجة للفتوى متجددة كلما تجدد الزمان, وتعاقب الجديدان, فالوقائع والحوادث بصمات لسير الحياة على صفحة هذا الكون الفسيح, وكلما وقعت واقعة احتيج معها إلى فتوى. وحاجتنا للفتوى في النوازل الواقعة لا تنقص أهمية عن الحاجة إلى المطاعم والمشارب؛ فبالطعام والشراب يستقيم أمر المعاش المادي في الدنيا, وبالحكم الشرعي يستقيم أمر الدنيا والآخرة. وأمر الفتوى ومكانتها في الدين؛ عظيم, جليل القدر والرتبة, ولن يقوم بحقها إلا من شدا طرفًا من علوم الإسلام, ونهل من مصادره العذبة؛ حتى ارتوى وصار ريَّانًا, وكان على قدر من التقوى والورع والاستقلالية في الرأي والتجرد، وعلى اطلاع بواقع الأمة, وحال النوازل العصرية التي هو بصدد البحث فيها؛ حتى تكتمل مقومات الفتوى لديه. وقد جعل الله سبحانه معالجة النوازل لأهل الاستنباط؛ ليستمدوا ذلك من الكتاب والسنة والقواعد والأصول المقررة منها؛ فقال عز من قائل: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أو الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهْ وَلَو رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣]. وهذا من العمل المناط بهم، والعمل روح العلم الذي هو عارية وغير منتفع به ولا مطلوب - أي: العلم - إلا من جهة ما بتوسل به إليه، وهو العمل؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ

стр. 25

عِبَادهِ العُلَمَاء﴾ [سورة فاطر: ٢٨] (١)، وفي هذا الصدد بوب البخاري في كتاب العلم من صحيحه (٢): بابَ الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله. والوقائع التي تحدث في هذا الكون ليست على شاكلة واحدة؛ فمنها ما سبق وقوعه وسبق تبعًا لذلك البحث فيه, ومنها ما لم يقع من قبل ولم يسبق البحث فيه وهو ما يطلق عليه مصطلح النازلة, فهذه النازلة الجديدة غير المنصوص عليها تعتبر مشكلة تتطلب حلًّا, وحلها هو إصدار الفتوى فيها وتبيين الحكم الشرعي اللازم لها؛ ما دام البحث فيها داخلًا في العلم النافع المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك؛ فإنه من العلم النافع. وما سوى ذلك؛ فإما أن يكون ضارًّا، أو ليس فيه فائدة لقول الحق جل ذكره عن موسى للخضر: ﴿أَنْ تُعَلِمَنِ ممَّا عُلِمْتَ رُشْدًا﴾ [سورة الكهف: ٦٦]. (٣) هذا، وإن الإفادة من التراث الفقهي من المهمات أثناء الاجتهاد في فقه النوازل، وهو ما قرره الفقهاء من أحكام اجتهادية مستفادة من الأدلة الشرعية، ولا يدخل في ذلك الإجماع القطعي والنصوص الشرعية الصريحة, فهي حجة بذاتها, ومعصومة من الخطأ. ولقد قرر فقهاء الإسلام أحكامًا فقهية كثيرة وحرروها حتى تناقلتها الأجيال في مدونات مشتهرة, وتعاقبوها بالمراجعة والتمحيص, وكانت هذه المدونات ذخيرة فقهية ضخمة لا يستغني عن مطالعتها طالب العلم مهما علا قدره في الفقه واشتد ساعده فيه, والإعراض عنها ربما أدى بالفقيه إلى التخبط وخرق الإجماع, وفي مراجعتها والاستعانة بها في تقرير الأحكام اختصار لطريق طويل ربما سلكه الفقيه للاجتهاد في المسألة وهي مقررة محررة بأدلتها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.

стр. 26

كما إن الفقيه إذا نظر في آراء من تقدمه المقرونة بأدلتها ربما انفتح له أفق من الاستنباط والتأصيل والتقعيد لم يكن ليخطر له على بال لو أعرض عن هذا التراث وأهمله. (١) وإن من المهمات التي لابد منها معرفة الدليل والمأخذ - أي: الدلالة - حتى يكون على يقين فيما يأخذ ويدع, وما يخرِج وما يلحِق؛ يقول ابن السبكي ت ٧٧١ هـ: فإن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ؛ لا يكون فقيهًا إلى أن يلج الجمل في سم الخياط, وإنما يكون ناقلًا مخبّطًا, حامل فقه إلى غيره؛ لا قدرة له على تخريجِ حادثٍ بموجود, ولا قياس مستقبل بحاضر, ولا إلحاق غائب بشاهد, وما أسرع الخطأ إليه! وأكثر تزاحم الغلط عليه! وأبعد الفقه لديه ا. هـ (٢) , ناهيك عما يحصله المطلع على التراث الفقهي من معرفة بمناهج العلماء في الاستنباط والفهم من النصوص؛ مما يصقل ملكته ويهيِّئه للتفقه في تنزيل النصوص الشرعية على الوقائع الفقهية. (٣) وهذا لا يعني غلق باب التقويم والتصحيح للإشكالات التي تراكم عليها بعض متأخري الفقهاء من أصحاب المذاهب حين اتسعت الفجوة بين علم الفقه وأصوله وبين الكتاب والسنة وعلومهما، حتى آل الأمر إلى أن يقول شيخُ الإسلام محمدُ بن عبد الوهاب ت ١٢٠٦ هـ: أكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه؛ يعرف ذلك من عرفه ا. هـ (٤) ولذلك؛ كان المدون في كتب المذاهب لا يخرج عن ثلاثة أقسام: (٥) ١ - قسم موافق للكتاب والسنة؛ فهذا يأخذ به المفتي. ٢ - قسم ظهر الدليل على خلافه؛ فهذا لا يؤخذ به. ٣ - قسم من مسائل الاجتهاد التي تتجاذبها الأدلة، ولم يظهر دخوله في أيٍّ من القسمين السابقين؛ فله أن يأخذ بما نص عليه في المذهب.

стр. 27

وإذا كان الأمر كذلك، فهناك صور لا يُقَلَّدُ فيها ولا يلتزم فيها بمذهب، وترجع في جملتها إلى ما يأتي: (١) ١ - ما كان مخالفًا للكتاب والسنة، معدودًا من زلل العلماء. ٢ - ما كان مبنيًّا على مناط متغيِّر. ٣ - ما كان مرجوحًا دل الدليل على خلافه. وما أنصف ابن عاشور إذ يقول مبينًا أهمية التراث العلمي وكيف يتعامل معه: ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين: رجل معتكف فيما أشاده الأقدمون, وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون, وفي كلتا الحالتين ضُرٌّ كثير, وهناك حالة أخرى يجبر ربها الجناح الكسير, وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده, وحاشا أن ننقصه أو نبيده؛ عالمًا بأن غمض فضلهم كفران للنعمة, وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة ا. هـ (٢) وقد حكى عياض عن أبي العباس الإبِّياني أنه دخل عليه عطية الجزري العابد، فقال له: أتيتك زائرًا ومودعًا إلى مكة. فقال له أبو العباس: لا تخلنا من بركة دعائك، وبكى، وليس مع عطية ركوة ولا مزود، فخرج مع أصحابه, ثم أتاه بأثر ذلك رجل، فقال له: أصلحك الله! عندي خمسون مثقالًا ولي بغل؛ فهل ترى لي الخروج إلى مكة؟ فقال له: لا تعجل حتى توفر هذه الدنانير. قال الراوي: فعجبنا من اختلاف جوابه للرجلين مع اختلاف أحوالهما. فقال أبو العباس: عطية جاءنى مودعًا غير مستشير، وقد وثق بالله تعالى، وجاءني هذا يستشيرني ويذكر ما عنده؛ فعلمت ضعف نيته، فأمرته بما رأيتم. (٣) فهذا إمام من أهل العلم أفتى لضعيف النية بالحزم في استعداد الأسباب والنظر في مراعاتها، وسلم لقوي اليقين في طرح الأسباب؛ بناء - والله أعلم - على مظان النظر الفقهي، ولذلك يختلف الحكم باختلاف الناس في النازلة الواحدة (٤)، كما أنه - أي: الحكم - يختلف باختلاف ما يجِدُّ في الحياة من نظم واقتراحات ناجمة عن طبيعة التطور في الحياة.

стр. 28

والمجتهد في النظر إلى النازلة لا بد له مع التحصيل العلمي والملكات الفطرية من فطنة وذكاء وملكة فقهية ناضجة التمرس في هذا العمل، وما ذاك إلا لأن النفس يصير لها فيما تعانيه من العلوم والحرف والصناعات ملكاتٌ يُدرك بها الأصلي والعارض في تلك العلوم والحرف والصناعات؛ لكثرة نظره فيها، وإتقانه لأصولها ومآخذها، لكن لا بد له من صحة الأصل والمأخذ (١)، وقبل ذلك وأثناءه سؤال الله المعونة والرشد والتوفيق. كما على الفقيه عند النظر في النازلة الفقهية مراعاة الخاص من الأدلة والنظائر؛ فيقدمها على غيرها؛ من الأصول والقواعد، والضوابط العامة المقتضية للإباحة والصحة. وإلى جانب ذلك؛ مراعاة الأدلة المانعة بطريق التحقق من القواعد والأصول المانعة؛ قبل إلحاق المسألة بالأصول العامة. ولا مانع من الاستفادة من الأدلة العقلية في العلم الشرعي؛ إذا كانت مركبة عل الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك؛ مما لا تستقل بدلالتها فيه؛ لأن النظر فيها نظر شرعي، والعقل ليس بشارع. (٢) وعليه أن يراعي أيضًا الاستثناء والفروق والعوارض التي توجب عدم إلحاق الفرع بالفرع النظير أو القاعدة العامة عند التخريج. وإذا تجاذب المسألة أو الفرع أصلان، فليُلْحَق الفرع بأكثر الأصلين شبهًا به. وهو في هذا السياق عليه أن يتحرى الدقة، ويجدد النية، ويسأل الله سبحانه التوفيق وإلهام الصواب؛ لأن فروع كل علم إذا انتشرت، وانبنى بعضها على بعض؛ اشتبهت، وربما تصوِّر تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد، فأشكلت، أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول، أو تعارضت وجوه الشبه، فتشابه الأمر، وذهب على العالِم الأرجح من وجوه الترجيح، ولذلك؛ قال تقي الدين ابن تيمية ت ٧٢٨ هـ: البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر ا. هـ (٣)

стр. 29

وليس تزاحم الأصول على الباحث وترادف الأشباه بأمر سلبي على الإطلاق ولو ترتب عليه التوقف في حكم الحادثة، بل هو أمارة غزارة العلم وقوة الفقه؛ لأنه لو كان ناقص الآلة لما بان له إلا أصلٌ واحد وشَبَهٌ واحد، ولم تكثر عليه الأصول. فإذا اجتهد الفقيه في قضية وتبين له فيها الحق الذي يدين الله به؛ لم يخل اجتهاده من أن يكون هو الحق في نفس الأمر بمقتضى الأدلة الشرعية، أو أن يكون خطأً؛ فإن اجتمع مع الخطأ الإخلاص والعلم والعدل، فقد قيل بأن الله تعالى إنما رجح ذلك الحكم لعلمه سبحانه بأنه الذي تقتضيه الحكمة في زمان معين أو قضية خاصة، وبيان ذلك: أن الأحكام العامة إنما يمكن مطابقتها للحكمة بالنسبة إلى الغالب؛ لأن عموم الأحكام الشرعية لا يمكن أن يراعى فيها الجزئيات الفردية التي يناسبها مرجوح يجعله الله تعالى راجحًا بتقديره في المحل الذي يقتضيه، وهذا المعنى الجليل سبب من أسباب جعل كثير من الأحكام الشرعية غير واضحة كل الوضوح، ومن أسباب قولهم الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد (١). وبعد ذلك؛ أنتقل إلى تعريف النوازل، وهي في الاصطلاح تطلق بوجه عام على المسائل والوقائع التي تستدعي حكمًا شرعيًّا، والنوازل بهذا المعنى تشمل جميع الحوادث التي تحتاج لفتوى تبينها، سواء أكانت هذه الحوادث متكررة أم نادرة الحدوث, وسواء أكانت قديمة أم مستجدة، والنوازل بهذا المعنى ترادف أو تقابل مصطلح وقائع الفتاوى. غير أن الذي يتبادر إلى الذهن - في عصرنا هذا - من إطلاق مصطلح النازلة انصرافه إلى واقعة أو حادثة مستجدة لم تعرف في السابق بالشكل الذي حدثت فيه الآن، وهذا ما يعني أن النوازل تتنوع من حيث الوقائع إلى الأنواع الآتية: الأول: نوازل وقعت في الماضي وأجيب عنها؛ سواء حدثت في زمن النبي- ﷺ ، أو زمن الصحابة ﵃، أو من بعدهم, فأجابوا عنها، وانتهت.

стр. 30

الثاني: نوازل أخبر الرسول ﷺ أنها ستقع في المستقبل, ومثلها ما تحدث عنه النبي ﷺ في أخبار الدجال حيث يقول عن لبثه في الأرض: "أربعون يومًا؛ يوم كسنة, ويوم كشهر, ويوم كجمعة, وسائر أيامه كأيامكم". فقال الصحابة ﵃: يا رسول الله! أرأيت اليوم الذي كالسنة؛ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا؛ اقدروا له قدره" (١). الثالث: نوازل لم تقع، ولكن الفقهاء تحدثوا عنها، وأفتوا فيها على سبيل الافتراض. الرابع: نوازل لم تحدث من قبل ولم يشر إليها الفقهاء. وهذا النوع هو الذي يصدق عليه إطلاق مصطلح "النازلة"؛ لأنها تكون بمعنى الأمر العظيم والخطب الشديد الذي ينزل بالناس, فيحتاجون لرفعه عنهم أن يُبَيَّن الحكم الشرعي فيه. وإن كان إصدار الفتوى وتبيين الحكم الشرعي في مسألة ما؛ أمر خطير, ليس من السهل الولوج فيها واقتحامه, ومن أفتُي بغير علم فإثمه على من أفتاه؛ لأن المفتي بمثابة الموقع عن رب العالمين في دلالته على حكم الله في النازلة كما ذكر ذلك أبو عبد الله ابن قيم الجوزية الذي وسم كتابه بإعلام الموقعين عن رب العالمين للإشارة على هذا المعنى؛ أما الشاطبي فيقول: المفتي قائم في الأمة مقام النبي ﷺ ا. هـ (٢)، ثم استدل على ذلك بقول النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا؛ ورثوا العلم" (٣)، كما أن المفتي نائب عن النبي ﷺ في تبليغ الأحكام لقوله - عليه

стр. 31

الصلاة والسلام -: "ألا ليبلغ الشاهدُ الغائب" (١)، فالمفتي مخبر عن الله كالنبي ﷺ ، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ﷺ ، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ﷺ ، ولذلك سموا بأولي الأمر، وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الْذِينَ آمَنُوْا أَطِيعُوْا اللهَ وَأطِيعُوْا الرَّسُوْلَ وَأُوْلِيْ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩] (٢). ولا يعني ذلك بحال افتراض سلامة المفتي من الخطأ ألبتة؛ لأن فروع كل علم إذا انتشرت وانبنى بعضها على بعض اشتبهت، وربما تُصوِّر تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد فأشكلت، أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول؛ فأهملها المجتهد من حيث خفيت عليه، وهي في الأمر نفسه على غير ذلك، أو تعارضت وجوه الشبه فتشابه الأمر؛ فيذهب على العالم الأرجحُ من وجوه الترجيح, وأشباه ذلك؛ فلا يقدح في كونه عالمًا، ولا يضر في كونه إمامًا مقتدى به، فإن قصر عن استيفاء الشروط؛ نقص عن رتبة الكمال بمقدار ذلك النقصان؛ فلا يستحق الرتبة الكمالية ما لم يكمل ما نقص. (٣) وفي ظل التقدم التقني, والتوسع العمراني, وتقارب المجتمعات, وسرعة المواصلات, وسهولة الاتصالات, وتنوع وسائل المعاش, وتعدد طرق اكتساب الرزق, والتقدم المذهل في المجال الطبي, ظهرت كثير من القضايا الفقهية التي لم تعهد في عصور التأليف الفقهي، ولم يتعرض لها الفقهاء السابقون, كما برزت حقائق جديدة في كثير من المسائل التي بحثها الفقهاء الأولون, لم تكن معروفة في زمانهم, وتغيرت أحوال بعض المسائل من جهة أسبابها ومآلاتها, وسائر الصفات التي لها مدخل في تحقيق مناط الحكم فيها؛ الأمر الذي استدعي إعادة النظر فيها وفق تلك المعطيات.

стр. 32

فهذه الأنواع من المسائل هي المقصودة بمصطلح القضايا الفقهية المعاصرة, وهذا يقتضي يقظة بحثية تليق بهذه الوفرة النازلة, حفظًا للدين, وصيانة لذمم المسلمين. وإلى جانب التوصيف التشريعي؛ في مثل توصيف مظاهرة أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت مالك بن ثعلبة (١)، والتوصيف القضائي، والتوصيف الفتَوي (٢)؛ فهناك التوصيف الفقهي، وهو ما يعنينا هنا، والمراد به: أن تكون هناك قاعدة كلية مقررة بنص من كتاب, أو سنة, أو متفق عليها, فيقوم المجتهد بتنزيلها على الفرع في الأذهان على تلك الأوصاف من القاعدة. (٣) وهكذا كل ما كان تحقيق المناط فيه بتنزيل القاعدة على الفرع متوجهًا على الأنواع لا على الأشخاص والوقائع المعيّنة (٤)؛ فهو توصيف فقهي, وذلك مثل إيجاب المثل في جزاء الصيد في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [سورة المائدة: ٩٥] , فيأتي المجتهد فيقرّر أن من قتل ضبعًا فعليه كبش, ومن قتل غزالًا فعليه عنز, ومن قتل أرنبًا فعليه عناق؛ لتحقق المثلية فيها حسب نظره, فوجوب المثل اتفاقي نصي, وكون هذا مِثْلَ

стр. 33

هذا تحقيقي اجتهادي, فهو توصيف فقهي منزل في الأذهان لم يقع على واقعة متنازع فيها الآن. (١) ومثل ذلك: ما قرره الفقهاء من توصيف الهبة بشرط العوض - وهي المسماة هبة الثواب -؛ بأنها بيع تثبت لها أحكامه (٢) , بناء على نصوص مشروعية البيع؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِبَا﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥] , وأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ لذا فقد انطبق تعريف البيع شرعًا عليها. والجدير بالذكر هنا أن من التوصيف الفقهي ما قد فرغ العلماء منه ووصفوه, ومنه نوازل فقهية مستجدة تحتاج إلى توصيف بتخريجها على الأصول. (٣) المبحث الثالث الضوابط الفقهية في باب الرضاع قبل أن أتناول ضوابط باب الرضاع الفقهية؛ أشير إلى بعض القواعد العامة التي يكثر استعملها في مباحث باب الرضاع، ومن أهمها: القاعدة الأولى: اليقين لا يزول بالشك . (٤) فهذه القاعدة يستفاد منها في باب الرضاع عند الشك في إثبات واقعةٍ رضاعيَّة من غير المولود لها؛ لأن الأصل المتيقن منه هو عدم الرضاع؛ فيصار إليه مع الرضاع المشكوك فيه؛ لأن الشكَّ لا يزول به يقينٌ.

стр. 34

القاعدة الثانية: يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير . (١) ويعبر عنها أيضًا بالكلمات الآتية: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (٢)، دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما (٣)، يُختار أهون الشَّرين، الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، يدفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، تحتمل أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، إذا اجتمع مكروهان أو محظوران أو ضرران ولم يمكن الخروج عنهما وجب ارتكاب أخفهما (٤)، تقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة ولا تترك لها، دفع أعلى المفاسد بأدناها (٥). والمقصود أن الشريعة جاءت لمنع المفاسد، فإذا وقعت المفاسد؛ وجب دفعها ما أمكن، وإذا تعذر درء الجميع لزم دفع الأكثر فسادًا فالأكثر، وذلك يكون بمراعاة أكبر المصلحتين، وتفويت أدناهما؛ لأن القصد تعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان؛ فإذا اضطر إنسان لارتكاب أحد الفعلين الضارين، دون تعيين أحدهما، مع تفاوتهما في الضرر أو المفسدة؛ لزمه أن يختار أخفهما ضررًا ومفسدة؛ إذ كان مراعاة أعظم الضررين بإزالته، لأن المفاسد تراعى نفيًا، والمصالح تراعى إثباتًا (٦)، فأنت ترى قتل الغلام في قصة موسى مع الخضر شرًّا، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وإن كان يظن أن بقاءه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانُهما خير من حياته؛ فلذلك قتله الخضر (٧)، وكذلك في بول الأعرابي في

стр. 35

مسجد رسول الله ﷺ مفسدة، والاستمرار عليه مفسدة, وقد حصل ذلك, لكن كون الرجل يقوم من بوله مفسدة أكبر؛ لما يترتب عليه من مفاسد, وهي: ١ - تضرر هذا الرجل بقطع بوله واحتباسه. ٢ - إنه يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه. ٣ - إنه يؤدي إلى تلوث مكان أكبر من المسجد. (١) ودليل هذه القاعدة ما يأتي: (٢) ١ - قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]؛ فبين الله تعالى أن مفسدة أهل الشرك في الكفر بالله سبحانه والصد عن هداه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه وفتنة أهله؛ أكبرُ عند الله تعالى، وأعظمُ مفسدة؛ من قتالهم في الشهر الحرام، فاحتُملت أخف المفسدتين لدفع أشدِّهما وأعظمهما. كما وقع في صلح الحديبية؛ فإن عمر ﵁ قد استشكل ما فيه من ضيم على المسلمين، ولكن لما كان الصلح أخفُّ ضررًا ومفسدة من قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا متخفين بدينهم في مكة، ولا يعرفهم أكثر الصحابة، وفي قتلهم مَعَرَّة عظيمة على المؤمنين؛ اقتضت المصلحةُ احتمالَ أخف الضررين لدفع أشدهما، وهو ما أشار إليه قول الله : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الفتح: ٢٥]. ٢ - إن مباشرة المحظور لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة، والضرورة تقدر بقدرها. وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا. (٣)

стр. 36

ولذلك اعتبر مثل هذا فيما يأتي عند الكلام على بنوك الحليب المعاصرة؛ إذا ترتب على إقامتها احتمال اختلاط الأنساب، وترتب على إقامتها أيضًا الحفاظ على حياة مواليد المسلمين؛ إذا ماتت المولود لها أو كانت في حال حرجة بعد الولادة. وفي المرضعة المصابة بالإيدز إذا لم يوجد غيرها وترتب على إرضاعها الطفلَ السليم مفسدةُ احتمال انتقال المرض إليه بنسبة معينة، وترتب على عدم إضاعها إياه احتمال مفسدة أخرى؛ كضياع مهجته. وستأتي إن شاء الله تعالى دراسة تفصيلية لهذه المسائل من خلال فصول البحث ومطالبه. وأما ضوابط باب الرضاع الفقهية فهي كثيرة ، وقابلة للتجديد والتكثير، وجملة ما قرر فيه ما يأتي: الضابط الأول: الأصل في الإرضاع التحريم (١)، ولهذا الضابط أمثلة، منها: ١ - ما لو اختلطت الرضيعة بنساء يحصرن؛ حرم عليهن القريب الرضاعي للرضيعة. (٢) ٢ - إذا اختلط حليب المرضع بغيره؛ كماء، وبقي اسمه حليبًا، ثم أوجر به صبي خمس مرات؛ حرم عليها؛ لأن الأصل في الإرضاع التحريم. ويخرج من هذا الضابط المسائل التي يشك إزاءها في الرضاع من دون غلبة ظن معتبرة؛ فيرجع حينئذ إلى الأصل، وهو عدم الرضاع، ومن فروع ذلك: ١ - إذا أرضع أكثر أهل قرية صبيَّةً، ثم لم يُدر من أرضعها، فأراد أحدهم أن يتزوجها؛ جاز؛ إن لم تظهر علامة، ولم يُشهد بذلك. فخرج هذا المثال من الضابط؛ لأن سبب الحرمة غير متحقق. (٣)

стр. 37

الضابط الثاني: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . (١) والمعنى أن المرضعة تنزل منزل الأم؛ هي، وكل من يحرم على الابن من قبل النسب؛ على التأبيد، وسيأتي بيان تفصيلهن في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى. (٢) والدليل عليه ما يأتي: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُّكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]. ٢ - قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". (٣) ٣ - قول النبي ﷺ : "إن الرضاعة تحرم ما يحرُم من الولادة". (٤) ٤ - ما روى عروة، عن عائشة ﵂: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب. (٥)

стр. 38

٥ - الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ إذا لم يكن ثَمَّ ضرار، أو قصْد إيقاع التحريم. (١) ومن فروع هذا الضابط ما يأتي: ١ - إذا شربت معك جارية لبن أمك؛ لم تحل لك، ولا لأحد من إخوانك. (٢) ٢ - إذا رضعت مع جارية من امرأة؛ فإنهما حلالان لأخيك إذ كان لم يرضع منها. (٣) ٣ - إذا أرضعت امرأةٌ طفلًا خمس رضعات مشبعات في سن الرضاعة؛ حرمت عليه؛ لأنها أم من الرضاع. (٤) ٤ - لا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة، وهو مستفاد من مفهومة، وفق قول طائفة من الفقهاء (٥)؛ خلافًا للمشهور من مذاهب الأئمة الأربعة (٦)، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى (٧). وعلى قول الجمهور تصير أم الزوجة من الرضاع حرامًا على الزوج، مثل أم الزوجة من النسب، وكذلك بنت زوجتك من الرضاع تحرم عليك؛ لأنها بنتك من الرضاع؛ كما لو

стр. 39

أرضعت من حليب ثاب من زوج سابق، وأب الزوج من الرضاع يحرم على زوجته؛ كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابن من الرضاع من زوجة أخرى؛ حرم عليها أيضًا؛ تمامًا كابن زوجها من النسب. (١) واستُثْني من مدلول هذا الضابط ما يأتي: (٢) ١ - أم مرضعة الولد. ٢ - بنت مرضعة الولد. ٣ - مرضعة الأخ. ٤ - مرضعة الحفيد. ٥ - أم العم. ٦ - أم الخال. ٧ - أخ الابن. الضابط الثالث: الرضاع الطارئ على النكاح كالسابق . (٣) والمقصود أن الرضاع مانع من ابتداء عقد النكاح كما أنه أيضا مانع من الدوام عليه؛ كالحدث؛ فإنه يمنع من ابتداء الصلاة، ويمنع من الدوام عليها إذا طرأ في أثنائها. (٤)

стр. 40

أمثلة على الضابط: ١ - إذا تزوج صغيرة فطلقها، ثم تزوج كبيرة لها لبن، فأرضعتها؛ حرمت عليه؛ لأنها صارت أم منكوحةٍ كانت له، فتحرم بنكاح البنت. (١) ٢ - إن دخل بالأم حرمت الصغيرة أيضًا؛ لا لأنه صار جامعًا بينهما، بل لأن الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات، والرضاع الطارئ على النكاح كالسابق. (٢) ٣ - إن زوج أم ولده بعبده الصغير، فأرضعته بلبن السيد؛ حرمت على زوجها، وعلى مولاها؛ لأن العبد صار ابنًا للمولى، فحرمت عليه؛ لأنها كانت موطوءة أبيه، وعلى المولى؛ لأنها امرأة ابنه. (٣) ٤ - لو كان تحت رجل صغيرة، فأرضعتها زوجة أخرى له بلبنه؛ انفسخ النكاح، وثبتت الحرمة المؤبدة؛ لأنها بنته. (٤) ٥ - لو تزوج رضيعة غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد؛ فإن هذا الرضاع الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه؛ لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك الرضاع الطارئ عليه. (٥) ويستثنى من هذا الضابط: ما أشار إليه بعض فقهاء الحنفية حين قرروا أن الرضاع الطارئ على النكاح مفسد للنكاح، وليس رافعًا له، وثمرة ذلك: إيقاع الحد إذا وطء من تحرم عليه بالرضاع قبل النكاح، وعدم إيقاعه إذا طرأ الرضاع على النكاح فأفسده. (٦)
следующие страницы →