← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 2

النوازل في الرضاع

عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد

Полный текст (601 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولذلك اعتبر مثل هذا فيما يأتي عند الكلام على بنوك الحليب المعاصرة؛ إذا ترتب على إقامتها احتمال اختلاط الأنساب، وترتب على إقامتها أيضًا الحفاظ على حياة مواليد المسلمين؛ إذا ماتت المولود لها أو كانت في حال حرجة بعد الولادة. وفي المرضعة المصابة بالإيدز إذا لم يوجد غيرها وترتب على إرضاعها الطفلَ السليم مفسدةُ احتمال انتقال المرض إليه بنسبة معينة، وترتب على عدم إضاعها إياه احتمال مفسدة أخرى؛ كضياع مهجته. وستأتي إن شاء الله تعالى دراسة تفصيلية لهذه المسائل من خلال فصول البحث ومطالبه. وأما ضوابط باب الرضاع الفقهية فهي كثيرة ، وقابلة للتجديد والتكثير، وجملة ما قرر فيه ما يأتي: الضابط الأول: الأصل في الإرضاع التحريم (١)، ولهذا الضابط أمثلة، منها: ١ - ما لو اختلطت الرضيعة بنساء يحصرن؛ حرم عليهن القريب الرضاعي للرضيعة. (٢) ٢ - إذا اختلط حليب المرضع بغيره؛ كماء، وبقي اسمه حليبًا، ثم أوجر به صبي خمس مرات؛ حرم عليها؛ لأن الأصل في الإرضاع التحريم. ويخرج من هذا الضابط المسائل التي يشك إزاءها في الرضاع من دون غلبة ظن معتبرة؛ فيرجع حينئذ إلى الأصل، وهو عدم الرضاع، ومن فروع ذلك: ١ - إذا أرضع أكثر أهل قرية صبيَّةً، ثم لم يُدر من أرضعها، فأراد أحدهم أن يتزوجها؛ جاز؛ إن لم تظهر علامة، ولم يُشهد بذلك. فخرج هذا المثال من الضابط؛ لأن سبب الحرمة غير متحقق. (٣)

стр. 37

الضابط الثاني: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب . (١) والمعنى أن المرضعة تنزل منزل الأم؛ هي، وكل من يحرم على الابن من قبل النسب؛ على التأبيد، وسيأتي بيان تفصيلهن في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى. (٢) والدليل عليه ما يأتي: ١ - قول الحق جل ذكره: ﴿حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُّكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِيْ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [سورة النساء: ٢٣]. ٢ - قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". (٣) ٣ - قول النبي ﷺ : "إن الرضاعة تحرم ما يحرُم من الولادة". (٤) ٤ - ما روى عروة، عن عائشة ﵂: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب. (٥)

стр. 38

٥ - الإجماع على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؛ إذا لم يكن ثَمَّ ضرار، أو قصْد إيقاع التحريم. (١) ومن فروع هذا الضابط ما يأتي: ١ - إذا شربت معك جارية لبن أمك؛ لم تحل لك، ولا لأحد من إخوانك. (٢) ٢ - إذا رضعت مع جارية من امرأة؛ فإنهما حلالان لأخيك إذ كان لم يرضع منها. (٣) ٣ - إذا أرضعت امرأةٌ طفلًا خمس رضعات مشبعات في سن الرضاعة؛ حرمت عليه؛ لأنها أم من الرضاع. (٤) ٤ - لا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة، وهو مستفاد من مفهومة، وفق قول طائفة من الفقهاء (٥)؛ خلافًا للمشهور من مذاهب الأئمة الأربعة (٦)، ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى (٧). وعلى قول الجمهور تصير أم الزوجة من الرضاع حرامًا على الزوج، مثل أم الزوجة من النسب، وكذلك بنت زوجتك من الرضاع تحرم عليك؛ لأنها بنتك من الرضاع؛ كما لو

стр. 39

أرضعت من حليب ثاب من زوج سابق، وأب الزوج من الرضاع يحرم على زوجته؛ كأبي زوجها من النسب، ولو كان لزوجها ابن من الرضاع من زوجة أخرى؛ حرم عليها أيضًا؛ تمامًا كابن زوجها من النسب. (١) واستُثْني من مدلول هذا الضابط ما يأتي: (٢) ١ - أم مرضعة الولد. ٢ - بنت مرضعة الولد. ٣ - مرضعة الأخ. ٤ - مرضعة الحفيد. ٥ - أم العم. ٦ - أم الخال. ٧ - أخ الابن. الضابط الثالث: الرضاع الطارئ على النكاح كالسابق . (٣) والمقصود أن الرضاع مانع من ابتداء عقد النكاح كما أنه أيضا مانع من الدوام عليه؛ كالحدث؛ فإنه يمنع من ابتداء الصلاة، ويمنع من الدوام عليها إذا طرأ في أثنائها. (٤)

стр. 40

أمثلة على الضابط: ١ - إذا تزوج صغيرة فطلقها، ثم تزوج كبيرة لها لبن، فأرضعتها؛ حرمت عليه؛ لأنها صارت أم منكوحةٍ كانت له، فتحرم بنكاح البنت. (١) ٢ - إن دخل بالأم حرمت الصغيرة أيضًا؛ لا لأنه صار جامعًا بينهما، بل لأن الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات، والرضاع الطارئ على النكاح كالسابق. (٢) ٣ - إن زوج أم ولده بعبده الصغير، فأرضعته بلبن السيد؛ حرمت على زوجها، وعلى مولاها؛ لأن العبد صار ابنًا للمولى، فحرمت عليه؛ لأنها كانت موطوءة أبيه، وعلى المولى؛ لأنها امرأة ابنه. (٣) ٤ - لو كان تحت رجل صغيرة، فأرضعتها زوجة أخرى له بلبنه؛ انفسخ النكاح، وثبتت الحرمة المؤبدة؛ لأنها بنته. (٤) ٥ - لو تزوج رضيعة غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد؛ فإن هذا الرضاع الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه؛ لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك الرضاع الطارئ عليه. (٥) ويستثنى من هذا الضابط: ما أشار إليه بعض فقهاء الحنفية حين قرروا أن الرضاع الطارئ على النكاح مفسد للنكاح، وليس رافعًا له، وثمرة ذلك: إيقاع الحد إذا وطء من تحرم عليه بالرضاع قبل النكاح، وعدم إيقاعه إذا طرأ الرضاع على النكاح فأفسده. (٦)

стр. 41

الضابط الرابع: كل وطء يلحق به الولد، ويدرأ الحد؛ ينشر لبنه الحرمة . (١) المقصود من هذا الضابط أنه ليس كل لبن ثائب عن وطء ينشر المحرمية؛ بل من الوطء ما لا يكون كذلك، فلا بد من كون هذا الوطء ملحقًا للولد، ودارئًا للحد. ويندرج تحته من الفروع الفقهية ما يأتي: ١ - إذا وقعت شبهة في الولد من قبل والده دون أن يقطع بها؛ التحق به ولده من الرضاع الثائب من هذا الحمل بشبهة؛ لأنه واقع في نكاح صحيح يوجب الوطء المباح. (٢) ٢ - إذا كان الرضاع ثائبًا عن زنًا؛ لم ينشر المحرمية للزاني عند الحنفية في الرواية المعتمدة (٣)، والمالكية (٤)، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٥)؛ إلا تحريم المصاهرة (٦)؛ خلافًا للحنفية في إحدى الروايتين (٧)، وأبي بكر عبد العزيز من الحنابلة (٨). الضابط الخامس: الإرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم . والمعنى أن ما كان من رضاع الآدمي سببًا في التغذية الموجبة لنبات لحم الرضيع، وإظهار عظمه وشده؛ فهو ناشر للحرمة، وما لا؛ فلا. وذلك كائن في حال الحاجة إلى الغذاء واللبن (٩)، ولذلك؛ جاء من ألفاظ هذا الضابط في الأحاديث النبوية: "لا رضاع إلا ما شد اللحم". (١٠)

стр. 42

والدليل على اعتباره ضابطًا في باب الرضاع ما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ومظنة إنبات اللحم ونشاز العظم من الرضاع ما كان في الحولين. ٢ - حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم". (١)

стр. 43

٣ - حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما أنبت اللحم والعظم". (١) ٤ - ما روي عن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: لا رضاع إلا ما شدَّ العظم، وأنبت اللحم ا. هـ (٢)

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 45

وقد جاء في سبب وروده أن رجلًا كان في سفر، فولدت امرأته، فاحتبس لبنها، فخشي عليها، فجعل يمصه ويمجه، فدخل في حلقه، فسأل أباموسى ﵁، فقال: حرمت عليك. فأتى ابن مسعود ﵁، فسأله، فقال: قال رسول الله ... الحديث. (١) ٥ - ما روي عن ابن عباس ﵄؛ أنه قال: ليس يحرِّم من الرضاع بعد التمام؛ إنما يحرِّم ما أنبت اللحم وأنشأ العظم. (٢)

стр. 46

٦ - ما روي عن عائشة ﵂؛ قالت: يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم. (١) ٧ - ما روي عن أبي موسى ﵁؛ أنه قال: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم. (٢) ٨ - ما روي عن سعيد بن المسيب؛ أنه قال: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، وإلا ما أنبت اللحم والدم. (٣) ومثله أدرك أكابر الصحابة، ولا يكون قوله هذا عن رأي واجتهاد. ويندرج تحته من الفروع الفقهية ما يأتي: (٤) ١ - لو أن امرأة أرادت أن ترضع ولدًا، فامتنع، ولم يمص إلا باليسير الذي لا يتصور منه شبع؛ فلا يحرم هذا الرضاع شيئًا. ٢ - إذا حلبت المرأة من ثديها في كأس، فشربه الطفل؛ حرم عليها؛ لأنه يحصل به معنى نشورُ العظم، ونبات اللحم. الضابط السادس: لا رضاع إلا ما كان في الحولين . (٥) والمعنى أن المعتبر من الرضاع الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية ما كان في العامين من مولد الرضيع.

стр. 47

والدليل على ذلك ما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]؛ فما زاد عُد خارجًا عن الحد الفاصل المقدم في الاعتبار. (١) ٢ - ما روي عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". (٢)

стр. 48

٣ - ما روي عن عمر (١)، وعلي (٢)، وابن مسعود (٣)، وابن عمر (٤)، وابن عباس (٥)، وعروة بن الزبير (٦)، وأزواج النبي (٧) ﷺ حاشا عائشة ﵃ أجمعين-:

стр. 49

لا رضاع إلا ما كان في الحولين ا. هـ وبنحوه روي عن سعيد بن المسيب (١)، والشعبي (٢)، وصححه ابن القيم عن غير واحد من الصحابة. (٣) ومما يندرج تحته من الفروع: (٤) ١ - إذا أرضعت امرأة طفلًا عمره ثلاث سنوات؛ لم يثبت التحريم. ٢ - إذا أرضعت امرأة طفلًا في العام الأول للطفل، ثم تركته؛ ثبت التحريم حيث كان الرضاع المحرِّم كائنًا في الحولين.

стр. 50

الضابط السابع: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء . (١) توضيحه أنه لا يحصل بسبب الرضاع حرمة شرعية ما لم يصل الحليب إلى جوف الرضيع ويسد جوعته؛ بحيث يشق الأمعاء وينزل إليها ويقع موقع الغذاء؛ فلا يكون قليلًا، وذلك أن الفتق هو الفتح والشق (٢)، وأمعاء الصبي تكون ضيقة لا تحتمل الطعام، وفتقها إنما هو باللبن الذي تحصل به كفاية مجاعته. (٣) ومن هنا يتبين أن رضاع الصغير هو الذي يفتق الأمعاء، لا رضاع الكبير؛ لأن أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن؛ لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله تعالى في كتابه المجيد، فقال: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلَّشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فأما أمعاء الكبير فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبن. (٤) ويظهر ارتباط هذا الضابط بالذي قبله في اتفاقهما على اعتبار مادة الصغر، وذلك أن الرضاع الذي يسد الجوع لا يكون إلا للرضيع الصغير الذي لم يألف الطعام، ومظنته الحولان للطفل الذي لم يستغن بالطعام، ولذلك؛ كان من إطلاقات الفقهاء على هذا الضابط: لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام. (٥)

стр. 51

والدليل عليه ما يأتي: ١ - ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء". (١)

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 53

٢ - ما روي عن أم سلمة ﵂ أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام". (١)

стр. 54

٣ - ما روي عن عائشة ﵂ أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان، ولكن ما فتق الأمعاء". (١) ٤ - ما روى عبد الله بن الزبير ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء". (٢)

стр. 55

٥ - ما روي موقوفًا على أبي هريرة ﵁ أنه قال: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (١)، وبنحوه روي عن عائشة (٢)، وأم سلمة (٣)، وعن بعض التابعين؛ كسليمان بن يسار (٤).

стр. 56

ويندرج تحته من الفروع ما يأتي: ١ - إذا لم يتجاوز اللبن الفم؛ لم ينشر الحرمة، وهذا باتفاق المسلمين. (١) ٢ - التغذية بلبن المرضعة يحرم؛ سواء كان بشرب، أم أكل؛ بأي صفة كان، حتى الوجور، والسعوط، والثرد، والطبخ. (٢) ٣ - حصول اللبن في العين؛ لا ينشر الحرمة؛ لأنه لا يفتق شيئًا من الأمعاء. (٣) ٤ - إذا مص الرضيع من الثدي مصة أو مصتين؛ لم يحرما شيئًا؛ لأنهما قليل، لا يؤثران في فتق الأمعاء، ونشوز العظام؛ في الغالب. (٤) ٥ - إذا وصل اللبن إلى جوف الرضيع عن طريق الحلق صبًّا فيه؛ ثبتت الحرمة؛ لما يقع في ذلك من الاغتذاء، وفتق الأمعاء. (٥) ٦ - إذا رضع من له ستة أشهر من ثدي؛ ثبت به الحرمة؛ لأن أمعاءه في هذا السن - سن النماء والزيادة - تنفتق بالحليب الذي هو غذاء جسم الصغير، وعليه ينمى لحمه وعظمه. (٦) ٧ - إذا شرب كبير السن من حليب آدمية؛ لم يؤثر الرضاع في نشر الحرمة؛ لأن أمعاءه ليست مما ينفتق بالحليب. (٧)

стр. 57

الضابط الثامن: إنما الرضاعة من المجاعة . (١) والمعنى - وهو مقارب للضابط السابق -: أن الرضاعة المعتبرة في إثبات الحرمة هي المغنية عن المجاعة؛ بحيث يحصل معها اندفاع جوعة الرضيع وسدها؛ لأن معدته ضعيفة؛ يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، ولا يكون ذلك إلا في الصغر؛ فلا تأثير لرضاع لا يقع الشبع بمحضه. (٢) والدليل عليه: ما روت عائشة ﵂؛ قالت: دخل علي النبي ﷺ وعندي رجل، فقال: "يا عائشة! من هذا"؟ فقلت: أخي من الرضاعة. قال: "يا عائشة! انظرن من إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣)؛ معناه: انظرن ما سبب هذه الأخوة؟ ؛ فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة، فهذه قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع عن الطعام باللبن، ويعتضد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرِضَاعَة﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فإنه يدل على كون الحولين أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة المعتبر شرعًا، فما زاد عليه؛ لا يحتاج إليه عادة، فلا يعتبر شرعًا؛ إذ لاحكم للنادر. (٤) ومما يندرج تحته من الفروع: أن ابنَ خمسَ عشرة سنة لو ارتضع من حليب امرأة؛ لم ينشر الحرمة؛ لأن حليب الثدي لا يدفع جوع الكبير، ولا يكفي غذاءه قطعًا. (٥)

стр. 58

الضابط التاسع: لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان . (١) والمعنى: أن اليسير من الرضاع عددًا أو كمًّا مما لا تندفع به المجاعة لا يحرم، وهذا ما يؤكد الضابطين الآنفين. (٢) ويدل عليه ما يأتي: ١ - ما جاء عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: "لا تحرم المصة والمصتان" (٣)، وإذا كان مفهوم العدد لهذا النص أن ما زاد على المصتين يحرم؛ فإن في المنطوق الصحيح من الشريعة ما هو مقدم على المفهوم، وهو اعتبار الرضعات الخمس (٤). ٢ - ما روي عن أم الفضل ﵄، قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله! إني كانت لي امرأة، فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحُدثى رضعة أو رضعتين، فقال رسول الله ﷺ : "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" (٥)، والإملاجة هي المصة (٦). ومما يندرج تحته من الفروع: أن امرأةً لو أرضعت طفلًا من ثديها رضعتين كاملتين؛ لم يتعلق بهما تحريم. (٧)

стр. 59

الضابط العاشر: لا يحرَّم بالشك في الرضاع شيء . (١) والمعنى: أنه إذا كان المتيقن المقطوع به عدم الرضاع المحرِّم، فلا اعتبار بما دون ذلك من الشك مما لا يناهض اليقين الأول؛ كما لو وقع الشك في وجود الرضاع، أو في عدد الرضاع المحرم، هل كملا أو لا؟ ؛ لم يثبت التحريم، بلا نزاع. (٢) والدليل عليه ما يأتي: ١ - ما روى عقبة بن الحارث، قال: تزوجت امرأةً - وفي لفظ للبخاري أيضًا (٣): أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، وفي لفظ له (٤): أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز -، فجاءت امرأة - وفي لفظ للبخاري (٥): فجاءت أمة سوداء، وفي لفظ له (٦): امرأة سوداء -، فقالت: إني قد أرضعتكما - وفي لفظ للبخاري (٧): إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله بالمدينة، وفي لفظ له (٨): فزعمت أنها أرضعتهما، فذكر للنبي؛ فأعرض عنه وتبسم النبي، وفي لفظ له (٩): فأرسل إلى أبي إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا، فركب إلى النبي بالمدينة، فسأله، وفي لفظ له (١٠): وهي كاذبة -. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، - وفي لفظ للبخاري (١١): فأعرض عني، فتنحيت فذكرت ذلك له، وفي لفظ له (١٢): فأعرض، فأتيته من قبل وجهه؛ قلت: إنها كاذبة - فقال: "وكيف وقد قيل؟ ! دعها

стр. 60

عنك؟ "، أو نحوه. رواه البخاري (١)، وفي لفظ له: "وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ "، فنهاه عنها (٢)، وفي لفظ له: "كيف وقد قيل"، ففارقها عقبة، ونكحت زوجًا غيره (٣)، وفي لفظ له: "كيف وقد قيل"، وقد كانت تحته ابنة أبي إهاب التميمي (٤)، وفي لفظ له: "كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضَعتكما؟ دعها عنك" (٥). وجه الاستدلال: إعراضه ﵊ يشبه أن يكون لم ير هذا شهادةً تلزمه، وغاية ما في قوله ﷺ : "وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ " ما يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها وقد قيل - يعني: فيما بين الناس -: إنها أخته من الرضاعة، وهذا معنى ما قرره طائفة من الفقهاء من استحبابهم أن يتركها؛ ورعا لا حكمًا. (٦) ٢ - إن الأصل عدم الرضاع، فلا نزول عن اليقين بالشك؛ كما لو شك في وجود الطلاق وعدده (٧)، وقد تقدمت هذه القاعدة في مستهل المبحث. اندرج تحت هذا الضابط فروع فقهية في باب الرضاع، منها: ١ - إذا ثبت للزوجة اللبن من الزوج الأول في الوقت الذي يكون لها فيه لبن من حملها من الآخر؛ كان اللبن من الأول بكل حال، وهو مذهب الشافعي (٨)؛ حيث يقول: إني على

стр. 61

علم من لبن الأول، وفي شك من أن يكون خلطه لبن الآخر؛ فلا أحرم بالشك شيئًا، وأحب له أن يتوقى في بنات الزوج الآخر في هذا الوقت ا. هـ (١) ٢ - إذا شك رجل أن تكون امرأةٌ أرضعته خمس رضعات - على قول من يشترط هذا العدد -؛ فلا يكون محرمًا لها بالشك، ولو نكحها أو أحدًا من بناتها؛ لم يحكم بانفساخ النكاح؛ لعدم اليقين بأنها أمٌّ. (٢) ٣ - لو نكح رجلٌ من شُهِدَ أن بينه وبينها رضاعًا بما دون القدر المجزئ من الشهادة؛ لم يفرق بينهما إلا بما يقطع به أنه بينةٌ شرعية. (٣) ٤ - إن ثاب لخنثى مشكلٍ لبنٌ؛ لم يثبت به التحريم؛ لأنه لم يثبت كونه امرأة، فلا يثبت التحريم مع الشك. (٤) ٥ - إذا تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول: هي أختي من الرضاع؛ انفسخ النكاح في الحكم ولا يقبل رجوعه (٥)، فأما فيما بينه وبين ربه، فينبني ذلك على علمه بصدقه؛ فإن علم أن الأمر كما قال؛ فهي محرمة عليه، ولا نكاح بينهما، وإن علم كذب نفسه فالنكاح باق بحاله، وقوله كذبٌ لا يحرمها عليه، وإن شك في ذلك؛ لم يزُل عن اليقين بالشك؛ لأن الأصل الحل، وهو المتيقن منه. (٦) ٦ - إن شكت المرضعة في كمال الرضاع في الحولين، ولا بينة؛ فلا تحريم؛ في مذهب الحنابلة (٧).

стр. 62

٧ - إذا حملت امرأة من زوجها الثاني بعد طلاقها من زوجها الأول أو وفاته عنها، واعتدادها وتزوجها من الآخر، فحبلت وأرضعت (١)، وكانت قد انقضت عدتها من الزوج الأول وهي ترضع (٢)؛ فإنه يكون ابنًا للأول دون الثاني حتى تضع وتلد، فيكون اللبن من الثاني؛ في قول أبي حنيفة وفقهاء الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)، ونسب إلى الشافعي في قوله الثالث (٥)، لأن الحليب من الأول بيقين؛ فلا يزول بالشك (٦). ٨ - رجل تزوج من ابنة خاله وقد أنجبت له خمسة أطفال، بعد هذه المدة دار حديث بين الأسرة ووالدته، فذكرت والدته أنها أرضعت زوجته يوم أن كان عمرها تسعة أشهر، وقالت في أول الأمر: إنها أرضعتها مرة واحدة، وبعد الإلحاح عليها في التذكر والصدق، قالت: إنها لا تذكر؛ هل مرة واحدة أم أكثر؛ لطول المدة، فقد مضي عليها عشرون عامًا؛ فلا شيء على الزوج في هذه الحالة، وذلك؛ لأن الرضاع لا يثبت إلا إذا كان خمس رضعات في الحولين وقبل الفطام، فما دون ذلك لا يحرِّم، ولا يثبت به شيء من أحكام الرضاعة، ولكن إذا حصل شك في الرضاع؛ هل بلغ الخمس أو دون الخمس؛ فإن الأصل عدم ثبوت ذلك، فلا تحريم حينئذ. (٧) ٩ - لوأدخلت المرضع الحلمة في فيّ الصبي، وشكت في الارتضاع؛ لم تثبت الحرمة بالشك (٨). ذلك، وإن الأمثلة المضروبة تحت الضوابط إنما أريد منها التفريع على الضابط بنحو ما يحصل دَرَكُ الضابط واستيعاب معناه؛ مما قد يظهر رجحان خلافة في ثنايا البحث.

стр. 63

المبحث الرابع المقاصد الشرعية لأحكام الرضاع في الفقه الإسلامي من أعظم الطرق التي يعرف بها كمال الشريعة، وأنها مشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم؛ معرفة مقاصد الشارع، والصفات التي رتب عليها الأحكام الكلية والجزئية, ومعرفة الحكم والأسرار في العبادات والمعاملات والحقوق وتوابع ذلك, فكلما كان العبد بذلك أعرف؛ علم بذلك من جلالة الشريعة الإسلامية وهيمنتها وشمولها للخيرات والبركات والعدل والإحسان, ونهيها عن كل ما ينافي ذلك أو يضاده. (١) ومقاصد الشرع هي المعاني والأهداف الملحوظة للشرع في جميع أحكامه أو معظمها، وهي الغاية التي من أجلها وضعت أحكام الشريعة. وقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا (٢)؛ إما بجلب النفع لهم، أو دفع الضرر والفساد عنهم. ولذلك كان نظر الفقيه حقًّا والعالم صدقًا في نصوص الشريعة بمجموع اللفظ؛ تسوقه المقاصد اللغوية بسوابقها ولواحقها، وتحكمه المقاصد الشرعية كلية أو جزئية. (٣) وبالنظر إلى ما جاءت به شريعة الله في عباده؛ نجد إقرارها لنظام العائلة، ودرء أسباب الخصومات، حتى ألحقت آصرة الرضاع بآصرة النسب، وأُنزلت منزلتها؛ بتنزيل المرضعة منزلة الأم، وتنزيل الرضيع منزلة الأخ. وإذا كنا بصدد باب الرضاع في الفقه الإسلامي؛ فإن المقصد الشرعي من تحريم النكاح - وفق ما يسع به الاجتهاد والنظر - مختلف بحسب اختلاف أنواع المحرّمات، وهي ثمانية: ١ - المحرّمات من النسب الذين يحرم نظيرهم بالرضاع؛ كالأمهات والبنات، فالمقصد من تحريم الأمهات صيانتهن عن الوطءُ؛ لأنّه إذلال وإهانة. وإذا أوجب الرحمن الإحسان إليهن وصونَهن، فَلِأنّ إنعامهن على أولادهن كان أعظمَ وجوه الإنعام، فوجب صرف الأمهات عن هذا الإذلال. وأما البنات؛ فلأن البنت جزء من الإنسان وبعض منه، فيجب صونها عن الإذلال؛ لأن المباشرة لها تجري مجرى الإذلال. وإلى جانب ذلك، فإنه إذا كان معظم القصد من النكاح الاستمتاع، فكانت مخالطة الزوجين غير خالية من نبذ الحياء، وذلك ينافي ما تقتضيه القرابة من الوقار لأحد الجانبين والاحتشام لكليهما، وهو ظاهر في أصول الشخص وفروعه وفي صنوان أصوله؛ من عمة، أو خالة.

стр. 64

وإكساء آصرة القرابة إهاب الحرمة والوقار ناشئ عن قداستها في الشريعة، وهذا ظاهر حين ترى تقرير الشريعة لمعنى المحرمية، بحيث يملؤها الوقار والحب الذي لا يخالطه شيء من معنى اللهو والشهوة. ٢ - المحرمات بالمصاهرة وبالجمع الذين يحرم نظيرهم بالرضاع، وهي ملحقة بمحرّمات النسب؛ كحلائل الأبناء، ونساء الآباء، وزوج الأم الرضاعية الذي لم يثب اللبن منه، وأم الزوجة وأبيها الرضاعيَّين، والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها أو خالتها. والمقصد من تحريم ما تقدم: دفع ما يعرض من شقاق يفضي إلى قطع الرحم، وفي النوع الأول يسري وقار الآباء إلى أخواتهم - وهن العمات -، ووقار الأمهات إلى أخواتهن - وهن الخالات-؛ حيث نُزِّلت آصرة الرضاع منزلة النسب. ويرجع تحريم هؤلاء إلى قاعدة المروءة التابعة لكلية حفظ العرض من قسم المناسب الضروري، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري. ٣ - المحرّمات لأجل حق الغير، والمقصد فيها ظاهر. ٤ - ... الملاعنة، وذلك لأجل ما جرى بين الزوجين بسببها؛ حيث يتعذَّر بعده طيبة النفس بحُسن المعاشرة بينهما. ٥ - ما كان من المحرمات رعاية لحق الله؛ مثل: المطلقة ثلاثًا على من طلقها، ومثل حرمة تعدّد الأزواج للمرأة الواحدة، وإباحة تعدّد الزوجات للرجل إلى حدّ معيّن. (١) ومن مقاصد الشريعة الكلية في أبواب النكاح: المحافظة على النسب، ودرء أسباب الريبة والفتنة؛ حيث اعتنت ببيان المحرمات في النكاح في مثل آية النساء، ومنهن القريبات من الرضاعة؛ الأمر الذي حدا بطائفة من الفقهاء إلى الإفتاء بحرمة التعامل مع بنوك الحليب التي تؤدي إلى الاختلاط والشك، سدًّا منهم للذريعة، وأخذًا بالحيطة والحذر، وبخاصة أن البلوى

стр. 65

لم تعم بها في الأمة الإسلامية (١)، ، ومما يعين على تحقيق ذلك والاحتياط في هذا الباب: توثيق الرضاع في سجلات رسمية (٢). ومن مقاصد الشريعة في باب الرضاع: حفظ حق الطفل الرضيع في رضاعه حتى يستغني بالطعام عن الرضاع، وعمدت في سبيل حماية هذا الحق إلى إيجاب الرضاع على أم المولود، وأناطت النفقة أو الأجرة على الأب إن كانت زوجته المولود لها مفارَقة، وعلى الواررث مثل ذلك، وحذرت من المضارة؛ لتصان نفس الصبي عن الهلاك، وتقوى طبيعة بدنه؛ قال الحق العليم تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فِإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوْهُنَّ أُجُوْرَهُنَّ وَأْتَمِرُوْا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوْفٍ﴾ [سورة الطلاق: ٦]. وحيث كان مقصود الشريعة طلب نفع الرضيع المولود وتحقيق مصلحته؛ جاز فطامه دون الحولين إذا كان ثم تراضٍ من الوالدين وتشاور مع انتفاء إرادة الإضرار؛ لأن تلك الشروط مظنة تحقيق المصلحة الراجحة للرضيع ودرء ما يضر به، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، ودليل مراعاة ضرر الرضيع قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. (٣) فأما إن أراد أحد الأبوين الفصال - أي: الفطام - دون الآخر، أو كان في الفصال ضرر على الرضيع؛ من مرض، أو ضعف بنية، أو كونه لا يقبل الطعام؛ وجب إتمام الرضاعة. (٤)

стр. 66

الفصل الأول: الوسائل الحديثة المتعلقة بالرضاع . المبحث الأول مدرات الحليب المطلب الأول حقيقة مدرات الحليب اعتنت شريعة الله بالإسلام في الطفل، ومنحته حقوقًا تصونه، وحضانة تقوم بشؤونه؛ حيث ألزم الأم بإرضاعه من حليبها إذ كان الغذاء المناسب بعد أن كان جزءًا من بدنها. والمرأة التي ترضع الطفل إن لم تكن أمه التي ولدته فهي غيرها، وإذا كان الله تعالى قد وصف الوالدة أمًّا، كما في قوله جل ذكره: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [سورة المجادلة: ٢]، فقد سمى المرضع أمًّا بعد أن لم تكن أمًّا في قوله تبارك اسمه: ﴿وَأُمُهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٣]؛ الأمر الذي أشعر بفضلها، وأقر بأمومتها، وحفز هو الآخر على الإرضاع لما كان درء هلاك الطفل مناطًا بإقدامها على الرضاع في كثير من الأحيان، وبخاصة إذا لم يكُ للطفل أم ترضعه. (١) وحيث أطلق الشارع على المرضع لفظ الأم، فقد رتب على ذلك أمورًا تأتي تباعًا في هذا البحث إن شاء الله تعالى. وقد خلق الله في المرأة نهدين، وهيأ لهما من الوظائف ما يحصل به إنتاج الحليب للطفل؛ إذ يوجد في كلا الثديين غدد منتجة للحليب، وتسمى أيضًا: الفصيصات أو الأسناخ (٢) التي تصنع الحليب من العناصر الغذائية، وتحصُل على المياه من مجرى الدم، كما توجد قنوات ناقلة للحليب إلى الحلمة من غدد الحليب، وهي تعمل على تنظيم غدد الحليب. وتتمثل هذه القنوات في جدائل يطلق عليها اسم الفصوص، والتي يحتوي الثدي منها فعليًّا على ١٥ - ٢٠ فصًّا؛ إذ تبدو هذه الفصوص من الداخل كأنها عقد صغير أو كتل، وبشكل خاص قبل فترة الدورة الشهرية.

стр. 67

ينتج الحليب في الخلايا المنتجة له - الفصيصات - في عمق الثدي، وينتقل الحليب نزولًا في القنوات، ويتجمع في برك (خزانات) الحليب؛ خلف هالة حلمة الثدي، فإذا استُحِثَّت الحلمة في إطلاق الحليب بدأت عملية الإدرار. يتدفق الحليب من الناحية الخلفية للثدي نحو الحلمة، وتدعى النتوءات الصغيرة على هالة حلمة الثدي: غدد مونتجمري (١)، وهي مسؤولة عن إفراز مادة زيتية تساهم في ترطيب مجموعة الحلمة والهالة. كما يوجد في الحلمة العديد من الفتحات الدقيقة التي يتدفق الحليب من خلالها أثناء عملية الإرضاع. إن عملية الإدرار الطبَعية (٢) تسهل من عملية الإرضاع الطبَعي، وتحدث عند حلول وقت تغذية الطفل، أو عند سماع بكائه، أو حتى عندما تفكر الأم بطفلها. ويجب البدء بإرضاع الطفل من ثديي أمه خلال النصف ساعة الأولى بعد الولادة؛ لأنه يزيد من إدرار الحليب؛ إذ إن محض الالتقاء الجسدي والبصري يساعد على إدرار الحليب. ويمكن أن يكون الإدرار قويًّا بما فيه الكفاية؛ بحيث يتسبب بسعال الطفل؛ الحالة التي ترشد الأم حينها إلى القيام بعصر قليل من الحليب بواسطة اليد قبل البدء بعملية الإرضاع الطبَعي. وقد يكون در الحليب ضعيفًا، وهذا ما يعود إلى عدة أسباب محتملة، وهي: ١ - مرات التغذية غير الكافية، أو فترات التغذية القصية أو المتقطعة. ٢ - الوضعية غير المريحة على الصدر، أو المص الضعيف بسبب تقرح الحلمة. ٣ - التغيير بين الثديين بسرعة.

стр. 68

٤ - الضغط، أو الألم، أو التعب النفسي الذي يعيق إدرار اللبن. ٥ - استخدام الأغذية التكميلية، أو حليب الأطفال الصناعي، أو وجود فواصل طويلة بين عمليات الرضاعة الطبَعية. ٦ - تقديم الأغذية الصلبة للطفل بشكل مبكر جدًّا قبل ستة أشهر. ٧ - التغيرات الهرمونية لدى الأم. ٨ - الإباضة (١)، أو الدورة الشهرية، أو الحمل، أو حبوب منع الحمل. ٩ - تناول بعض أنواع الأدوية أوالعقاقير؛ بموجب وصفية طبية أو شعبية أو مركبة. ١٠ - تدخين السجائر. (٢) وكما أن هناك أنواعًا من الحبوب الطبَعية التي عرفت منذ القدم بإدرار حليب المرأة؛ كحبوب الحلبة والسمسم، وثمار الجوز واللوز الجبلي؛ غير أن المقصود بحثه هنا ما استجد من العقاقير والأدوية التي تساهم في زيادة إدرار الحليب والمحافظة عليه من النقص، أو تنشئه من العدم. تتكون تلك الأقراص والعقاقير المدرة لحليب المرأة من مجموعة من الفيتامينات والمعادن المختلفة؛ كفيتامين ك، وفيتامين جـ، وفيتامين هـ، والزنك، والحديد، والمغنيسيوم، واليود، وحين تتعاطاها المرأة خلال فترة رعاية المولود وإرضاعه، ومن شأنها أن تسهم في توفير العديد من المواد الغذائية في كميات محددة ومتوازنة لتوفير الدعم الكامل للجسم. ولم يكن من بين مدرات الحليب المعاصرة في حد بحثي حين كتبت هذه الأسطر ما يجعل الثدي يدر الحليب ابتداءً، ثم اطَّلعت على خبر نُشر فيه أن استشارية سعودية (٣) أعلنت من خلال مؤتمر متعلقات الإرضاع ومتابعة الأمومة وعلاجياتها في دورته الخامسة بالمدينة النبوية

стр. 69

عن إمكان مساعدة العازبات والعقيمات على إدرار الحليب لإرضاع الأطفال اليتامى، وأشارت إلى حالات ثاب فيها اللبن بنفس خصائص حليب الأم الطبَعي؛ عن طريق إخضاع النساء الراغبات بحضانة الأيتام وغير القادرات على الإرضاع لإجراءات طبية وحقن معينة من أجل مساعدتهن على إدرار الحليب. وعودًا على ذي بدئ، فإن مدرات الحليب المعاصرة تتميز بخلوها من الأمور المانعة من استعمالها للكبار في الجملة؛ إلا عند الإفراط في تعاطيها. (١) وحيث كان لهذه المدرات ارتباطٌ بالهرمونات، فإني أشير هنا إلى بعض ما يتصل بالهرمونات. عرف أهل التخصص الهرمونات بأنها مواد كيميائية عضوية توجد في الدم بكميات بسيطة جدًّا (٢)، ومن صفاتها الدوران في الدم بصفة مستمرة ليلًا ونهارًا باعتبارها المقررة في الجسد نسبةَ النمو، والرجولة والأنوثة، والقوة والضعف، والانفعالات الأخرى. كما إن للهرمونات أبعد الأثر في وظائف أعضاء الجسم عامة؛ الخامل منها والعامل، بما في ذلك تصرفات الشخص وأخلاقياته وعاداته، ويعتبر كل هرمون بمثابة رسول كيميائي محدد الوظيفة يسري في مجرى الدم من الغدة المفرزة إلى الخلية أو النسيج الهدف ليؤدي دورًا محدَّدًا. وبهذا تصبح الهرمنة ظاهرة باتت تهدد فئات كثيرة من الناس، وخاصة الشباب؛ حيث أثبتت الدراسات أن الإفراط في تناولها يؤدي إلى الإصابة بسلسلة من الأمراض الكثيرة. وإلى جانب ما ذكر، فإن لكل هرمون وظيفة محددة, ومن خلال هذه الوظيفة يتحكم الهرمون في سلامة أداء الأعضاء، كما إن إفراز الهرمون يجري بنسبة معينة محكومة باحتياج الجسم كله, وقد تؤدي الزيادة اليسيرة في نسبة الهرمون أو النقص القليل إلى أعراض مرضية. وحيث كان التعرف على الهرمونات ومنظمات النمو بمعرفة طبيعة عملها ودراسة تأثيرها على الأعضاء المختلفة من الأمور الهامة؛ فقد مدَّت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي أصابع الاتهام إلى الهرمونات البديلة التي تتناولها المرأة - مثلًا - في أعقاب انقطاع الدورة الشهرية

стр. 70

لتعويض النقص في الهرمونات، وأوضحت دراسة شملت خمسًا وأربعين ألف سيدة في سن اليأس، من بينهن ثلاثون ألف يخضعن للعلاج بالهرمونات البديلة؛ أن اتحاد هرمونَي الاستروجين الأنثوي والبرجسترون المخلقين يزيد من مخاطر نمو الأورام بنسبة ٤٠%، والجدير بالذكر أن ٦٥% من السيدات موضع الدراسة يتناولن هذا العلاج بناء على رغبة الطبيب، وتوضح الدراسة أن وسيلة تعاطي الاستروجين سواء كانت عن طريق الفم أو عبر الجلد تحدث النتائج نفسها. كما تجدر الإشارة إلى أن دراستين؛ إحداهما أمريكية؛ أجرتها ويمنزهلث إينيشيا تيف، عام ٢٠٠٣ م, والأخرى بريطانية؛ أجرتها مليون ويمان ستادي، عام ٢٠٠٢ م, فانتهتا إلى إدانة وسيلة علاج المرأة من أعراض سن اليأس بالهرمونات البديلة. ومما سبق يتضح ما للهرمونات من أضرار جسمانية وأدبية - إذا أعطيت بلا وعي ولا نظام وبدون ضابط -؛ حيث تؤثر في تكامل الإنسان الجسدي، وحقه في الحياة؛ كالإصابة بالسرطان مثلًا, وغيره من الإصابات التي تمس الصحة والسلامة الجسدية والنفسية للمضرور, والتي قد تودي بحياته. (١) المطلب الثاني أنواع مدرات الحليب تتنوع مدرات الحليب إلى نوعين: النوع الأول: المدرات الطبعية ؛ كالحلبة، والسمسم، واللوز الجبلي، وماء الحمص والشعير، ومرق الخيار، والسمسم، والكرفس، وكل ما هو غني بفيتامين أ (٢). النوع الثاني: المدرات الصناعية ، وذلك في حقن أو عقاقير وأقراص مصنعة. وما يعنينا هنا بصدد النوازل هو ما كان منها صناعيًّا، وتقدم في المطلب الآنف تفصيل مكوناته.

стр. 71

المطلب الثالث أحكام مدرات الحليب الفرع الأول حكم تصنيع مدرات الحليب طلب الشارع الحكيم تحقيق مصلحة الإنسان في كل أحكامه, فشرع له ما فيه النفع, ودفع عنه ما فيه الضرر؛ لكي يتحقق له ما خلق من أجله من الخلافة في الأرض, وإخلاص العبادة فيها لله رب العالمين. وشريعة الله تعالى ما تركت شيئًا من أمور الدين والدنيا إلا وعالجتها, ووضعت لها من الحلول التي ترفع الحرج عن كل الناس، وذلك بالنص عليها صراحة, أو بالنص عليها من خلال القواعد العامة التي يندرج تحتها كل حكم يشترك مع أخيه في علة واحدة, وذلك كقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٧]. وقد جاءت نصوص الشريعة باعتبار المصالح الحقيقية؛ فأذنت أو أمرت بتحصيل أسبابها, وبإلغاء المصالح الوهمية أو المرجوحة؛ فمنعت من فعل أسبابها, وبقي بعد ذلك ما يجِدُّ للناس دون بيان صريح, واكتفت في ذلك بالبيان الجملوي؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلُّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيبَاتُ﴾ [سورة المائدة: ٤]. وبهذا كانت المصالح ثلاثة أنواع: أولها: نوع اعتبره الشارع. ثانيها: نوع ألغاه الشارع. ثالثها: نوع سكت عنه الشارع, فلم ينص على اعتباره, أو إلغائه. (١) وبناء على ذلك؛ فإن الأصل في تصنيع مدرات الحليب المعاصرة الحل والإباحة؛ ما لم يغلب ضررها على نفعها، فإن الحكم حالتئذ يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وإذا احتاج إليها فئام من المسلمين، أو توقفت عليها حياة بعض الرُّضَّع في ظل هيمنة الحياة المدنية الحديثة؛ صار تصنيعها وتوفيرها من الواجبات الكفائية.

стр. 72

الفرع الثاني حكم تعاطي مدرات الحليب إذا لم يوجد للأم لبن، فقد أجاز بعض الباحثين تناول مدرات نزول اللبن لإرضاعه (٢)، وكان المستند في ذلك أن في تركها إرضاعَه وحضانته هلاكًا محقَّقًا للطفل، وما يخشى من تبعة الهرمونات التي تتضمنها المدرات غير محقق الهلاك، فيدفع أكبر الضررين. (٣) فإن ثبت أن لنوعٍ ما من المدرات الصناعية للحليب ضررًا في بعض مكوناته؛ بسبب زيادة نسبة الهرمونات الصناعية مثلًا عن القدر المعتدل، وكان هذا الضرر أعظم فسادًا من الفساد المترتب على تخلف المصلحة المظنونة؛ فإنه لا يحل تعاطي مدرات الحليب حينئذ، ولا يحل للطبيب أو الصيدلي صرفها أو وصفها للمُعالِج (٤)؛ لما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٥]، فنهى الله تعالى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة. (٥) ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [سورة طه: ١١]، وقال سبحانه وبحمده في الحديث القدسي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي؛ فلا تظالموا" (٦)،

стр. 73

وأصل الظلم وضع الشيء غيرَ موضعه، وأخذُه من غير وجهه، ومن أضر بنفسه أو بأخيه المسلم، أو بمن له ذمة؛ فقد ظلمه. (١) ٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، فأمر الله سبحانه أن لا تمنع الأم من إرضاع المولود لمجرد إحزانها وإدخال الضرر عليها. (٢) ٤ - قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارِ﴾ [سورة النساء: ١٢]؛ قال قتادة: إن الله ﵎ كره الضرار في الحياة وعند الموت، ونهى عنه، وقدَّم فيه؛ فلا تصلح مضارة في حياة ولا موت ا. هـ (٣) ٥ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٦]، فنهى الله تعالى الرجل عن ضرار مطلقته بالتضييق عليها في المسكن الذي يسكنها فيه؛ إذا وجد سعة (٤)، وبدرء الضرر والضرار عن الطرفين جاءت شريعة الله تعالى في عباده. ٦ - ما روي من قول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٥)،

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →