← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية سلسلة تحقيق التراث (٣٥) البستان في إعراب مشكلات القرآن تصنيف أحمد بن أبي بكر بن عمر الجبلي المعروف بابن الأحنف اليمني المتوفى سنة ٧١٧ هجرية الجزء الأول من أول سورة الأنبياء إلى نهاية سورة النمل وهي بداية الموجود من الكتاب دراسة وتحقيق الدكتور أحمد محمد عبد الرحمن الجندي

стр. 2

- أ - كلمة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الحمدُ للَّه ربّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين. وبعد، فقد دأب مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، منذ نشأته الميمونة المبارَكة، على الأسهام الفاعل في نشر مجموعةٍ مختارة من أعلاق التراث ونفائسة النادرة، وتكليفِ نُخبةٍ من أفاضل المحقِّقين المتمرِّسين بدقائق الفن القيام بهذه المهمة على أكمل وجه ضمن التقاليد العلمية الراسخة في مسار التحقيق، وإخراج ذلك كُلّه في طبعاتٍ علميةٍ أنيقة استوفت مطالب التحقيق شكلًا ومضمونًا، بحيث غدتْ منشوراتُ المركز شامةً في وجه التراث النضِير، ويتطلّع إلى الإسهام فيها خيرةُ الباحثين والمحقِّقين. وخلال هذه المسيرة الزاهرة أنجز المركز مجموعةً من كتب التراث القيّمة التي ظَفِرت بتقدير أهل العلم والباحثين؛ لما توفّر لها من ضروب العناية والإتقان، وكان هذا التقدير حافزًا لمواصلة المسيرة، ومُشجِّعًا على إعادة إصدار مجموعة مختارة من الكتب التي نشرت من قبل؛ لوضعها بين يدي الأجيال اللاحقة التي ربما لم تتيسّر لها تلك النشرات الأصيلة المتميزة. في هذا السياق من الاهتمام والرغبة الصادقة في التجديد وإحياء الكنوز

стр. 3

-ب - التراثية تأتي نشرتنا لهذا الكتاب البديع الذي يُنشَر لأول مرّة، وهو كتاب "البستان في إعراب مشكِلات القرآن" للإمام الفقيه النحْوي المفسِّر أحمد بن أبي بكر بن عمر الجِبْليّ الشهير بابن الأحنَف اليمني، المتوفّى سنةَ ٧١٧ هجرية، وقد نهض بأعباء تحقيقه باحثٌ صبورٌ هو الأستاذ الدكتور أحمد محمد الجندي، باذلًا فيه من الجهد والعناية ما يستحق التنويه والثناء، كاشفًا بذلك عن أثرٍ علميٍّ جديرٍ بالنشر من تراث القُطر اليمني الشقيق، ذلكم البلد المبارك الذي شهد رسولُ اللَّه ﷺ لأهله بفِقْهِ النفس ورِقّة القلب. إنّ عِلْمَ (مُشكل إعراب القرآن) علمٌ راسخ المكانة بين جملة علوم القرآن، وقد صنّف فيه غير واحدٍ من أعلام المشتغلين بالنحو والتفسير، ويأتي هذا الكتاب القيّم "البستان" في هذا السياق من العناية بعلوم القرآن، ويتميّز "البستان" بغير واحدة من مظاهر الإجادة التي تجعل من نشره عملًا ذا قيمة في دوائر المشتغلين بعلوم القرآن خاصّة، وبالتراث على وجه العموم. فهو كتابٌ ضخمٌ على مستوى الحجم، وربما كان هو الأكبر بين جميع المصنّفات في هذا العلم، وكم نشعر بالأسف لأنّ هذه المجلدات الخمسة التي يتشرّف المركز بنشرها لا تحوي سوى نصف الكتاب وربما أقلّ قليلًا، ومع ذلك فإنه كتابٌ مشحونٌ بالفوائد العلمية الغزيرة الدالّة على الباع المديدة لصاحبه في العلم، وقد جرى فيه مصنّفه على الموضوعية العلمية دون تحيُّز لمدرسة نحْوية بعينها، لا سيّما المدرستان الكبيرتان: البصرة والكوفة، حيث مارس منحًى علميًّا ناضجًا في توجيه المعنى القرآني، معبِّرًا بذلك عن سدادٍ في الرؤية وبصيرة في المعالجة العلمية، فضلًا عن اشتمال الكتاب على غير قليل من النقول عن الكتب النادرة أو المفقودة، مشفوعًا ذلك كلّه بمتانة التكوين العلمي للمؤلف، فهو عالمٌ شهد معاصِرُوه ومَن اعتنى بترجمته بأنه كان من أعيان العلماء

стр. 4

- ج - المحقِّقين، ولولا ما شاب كتابه من ذكر الأحاديث الضعيفة -بل الموضوعة أحيانًا- في فضائل سُوَر القرآن الكريم لكان الكتاب غايةً في بابه، لكنّ أمر تلك الأحاديث فاشٍ في كثيرٍ من كتب التفسير، وتولّى نَقَدةُ المحدِّثين تبيينَه، فليس يغضُّ من قيمة الكتاب. لقد ظفر الكتاب بتحقيقٍ علمي شاهدٍ بكفاءة المحقق، وبنوعٍ من العناية دالٍّ على أهمية الكتاب، فضلًا عن المقدّمة التحليلية الضافية التي قدّمت صورة دقيقة للكتاب وموقعه بين مصنفات إعراب القرآن الكريم، مع استيفاءٍ لمطالب التحقيق العلمي، ما جعل منه عملًا علميًّا جَدِيرًا بالاحتفاء به مَتْنًا وتحقيقًا. هذا، وقد حظي الكتاب بعناية إضافية من المركز، تصحيحًا وتدقيقًا ومراجعة، فتضافرت جهود المحقّق مع جهود المركز، فجاءت هذه الطبعة في غايةٍ من التجويد. د. سعود السرحان الأمين العام للمركز

стр. 5

مقدِّمة الحمدُ للَّه ربِّ العالَمين، والصّلاة والسّلام على أفصحِ من نَطَق بالضاد، وسيِّد الخَلْق أجمعين، سيِّدنا محمدٍ النبيِّ الأُميِّ الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعدُ، فإنّ اللَّهَ شَرَّفَ اللّغة العربيّةَ بأن جعلها لغةَ القرآن الكريم، ومن هنا كانت عنايةُ العلماء منذ العصور الإسلاميّة الأُولى بهذه اللّغة، فتناولوها بالجَمْع والدِّراسة والاستنباط، وهَمُّهُم في ذلك كلِّه خدمةُ القرآن الكريم بصةٍ خاصة، والإسلامِ بصةٍ عامة. وكان لعلماءِ النَّحو -خاصةً- مكانةٌ متميِّزةٌ بين علماءِ اللّغة، فكانت دراساتُهم مُنصَبّةً على القرآن الكريم، كما دَفَعهم إلى ذلك خوفُهم على اللسان العربيِّ من انتشار اللَّحن بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأُمم الأخرى التي دخلت في الإسلام. ومن أهمِّ الميادين التي اهتمَّ بها النُّحاةُ: ميدانُ إعرابِ القرآن، فقد كان اهتمامهم به واضحًا منذ البدايات الأولى، فألَّفوا فيه مؤلَّفاتٍ مستقلّةً، وكانت هذه الكتب تطبيقًا للقواعد النَّحويّة على القرآن الكريم، ويأتي في طليعة هذه الكتب: "معاني القرآن" للفَرّاء، و"معاني القرآن" للأخفَش، و"مجازُ القرآن" لأبي عُبَيدةَ، وما تلاها من كتبٍ سَلَكت السَّبيل نفسَها في إعراب القرآن.

стр. 6

كما اهتمُّ النّحاة بشيءٍ أَدَقُّ في هذا المَجالِ، وهو إعرابُ مشكِلات القرآن، وألَّفُوا فيه كتبًا مستقِلّةً، ويأتي في مقدّمتها: مشكِلُ إعراب القرآن لِمَكِّيِّ بن أبي طالبٍ القَيْسي. وقد كان اهتمامي بإعرابِ القرآن كبيرًا، وأحمَد اللَّهَ أنْ وفَّقني إلى تحقيق كتاب في هذا المجال، وهو: البستان في إعراب مشكِلات القرآن لأبي العباس أحمَدَ بن أبي بكرٍ بن عُمرَ بن أبي الخَيْر بن أبي الهَيْثم الجِبْلِيِّ المعروف بالأحنَف أو ابنِ الأحنَف اليمَنيِّ المتوفَّى سنةَ (٧١٧ هـ). ومن الأسباب التي دفعَتْني إلى تحقيق هذا الكتاب: ١ - عنوان الكتاب، فقد كان أوَّلَ ما دفَعَني إلى تحقيق هذا الكتاب عنوانُهُ، وهو إعرابُ مشكِلات القرآن، ذاك المجال الذي أحببته حُبًّا شديدًا منذ سني دراستي في كلية اللُّغة العربية. ٢ - كونُه لِعالِمٍ من علماء اليمن، ذلك القُطر العربِيُّ الإسلاميُّ الذي أَنْجب علماءَ في شتّى المجالاتِ العلميّة، خَدَموا الإسلام والعربيّةَ على مَرِّ العصور، فاليمن بلدٌ لمْ ينَلْ ما يستحِقُّه من اهتمام الباحثين، ولمْ يكشف الكثيرَ من أسرار خزائنه العلميّة التي تحوي كنوزًا كثيرةً جِدًّا من المخطوطات في مختلَف مجالات العلوم الإسلاميّة والعربيّة، تلك الكنوز التي لمْ ترَ النُّورَ بعدُ، وما تزال حبيسةَ هذه الخزائن التي تنتشر في اليمن.

стр. 7

٣ - أنّ هذا الكتابَ يكشف النِّقابَ عن عالِمٍ مُبَرِّزٍ من علماء اليمن، ربما لمْ يسمَعْ به أحدٌ من قبلُ، وهذا راجعٌ فيما يبدو إلى الطّبيعة الخاصّة ببلاد اليمن، أو إلى قلّة مؤلَّفاته، أو إلى عدم ذُيوعِها بين الناس. ٤ - أنّ الكتاب له أهميّةٌ خاصّةٌ في نفسه، فهو حافلٌ بآراءِ العلماء في إعراب القرآن، فقد بَلَغت عنايةُ المؤلِّف بهذه الآراء مبلغًا كبيرًا، كما أنه اهتمَّ باللّغة اهتمامًا واضحًا، واستعان بها في إعرابه وشرحه للآيات القرآنيّة، كما اهتمَّ المؤلِّفُ بالاستشهادِ بكلام العرب، وخاصّةً الشِّعرَ، فزادت شواهدُه النَّحويّةُ واللُّغويّةُ على ستِّمائة بيت، بخلاف ما أَوْرده من أبياتٍ ومقطوعات في الزُّهد والحِكمة ونحوهما. أمّا الصُّعوباتُ التي واجهَتْني في أثناء تحقيقي لهذا الكتاب، فهي كثيرةٌ، ولكن اللَّه يَسَّرَ لي أمري، وأعانني عليها، ومن أهمِّ هذه الصِّعاب: ١ - أنّني لمْ أعثُرْ على نسخةٍ كاملةٍ لهذا الكتاب، بل الموجودُ منه جزءٌ يبدأ بسورة الأنبياء، وينتهي بآخرِ القرآن الكريم، وهي نسخةٌ وحيدة، ولكنّها تمتاز بأنّها منقولةٌ من نسخةِ المؤلِّف، ومقابَلةٌ عليها، وبها تصحيحاتٌ وتعليقات. ٢ - أنّ هذه النُّسخةَ المذكورةَ توجد صورة منها في دار الكتُب المصريّة، وبها نقصٌ من آخِرها، إِذْ تنتهي بسورةِ الجنِّ، فبحثتُ عن بقيّتِها، ونَظَرتُ في فهارِسِ المكتبات، حتى عثرتُ على مصوَّرةٍ من المخطوط ذاتِه، وهي محفوظةٍ بمركز البحث العلميِّ وإحياء التّراث الإسلاميِّ بجامعة أُمِّ القرى بالمملكة العربيّة السُّعودية، وهي تنتهي بآخِر القرآنِ الكريم، فطلبتُ إلى بعض الإخوة الأفاضل، فزوَّدوني بها، ممّا شجَّعني على المُضيِّ في عملي في التحقيق. ولكن، على الرَّغم من أنّ الكتابَ لم يَصِلْ إلينا كاملًا، إلّا أنه مهمٌّ جدًّا في مجالِهِ، وهو إعرابُ مشكِلات القرآن؛ لأنه رَسَم صورةً واضحةً إلى حَدٍّ بعيد

стр. 8

لشخصيّة مؤلِّفِهِ النَّحويّةِ، فالمؤلِّفُ كان كأكثرِ العلماء المتأخِّرين يمزُجُ بين آراءِ البصريِّين والكوفيِّين في اختياراته النَّحوية، ولكنّه كان أكثرَ ميلًا إلى المذهب الكوفِيِّ في هذه الاختيارات والآراءِ النَّحوية، وهذا مُبَيَّنٌ في الفصل الأول من القسم الأول من هذه الدراسة. ٣ - أنّ الكتابَ حافلٌ بالنُّقول عن العلماء في النَّحو واللُّغة وغيرهما، ومنها نُقولٌ عن كتُبٍ مفقودةٍ لمْ تَصِلْ إلينا، ومنها: كتُبٌ لا تزال مخطوطةً، منها: كتابُ "عَيْنُ المعاني في تفسير السَّبع المثاني"، ومختصرُه "إنسانُ العَيْن" لمحمد بن طَيْفور الغَزْنَويِّ الشجاوَنْدي المتوفَّى في منتصَف القرن السادس الهجريِّ تقريبًا. وقد تكوَّنَ هذا البحثُ من قسمَيْن، تسِبقُهما مقدِّمةٌ، وتعقُبُهما خاتَمة. - أمّا المقدِّمة فقد اشتملت على أهميّة الموضوع وأسباب اختياري له، والصُّعوباتِ التي واجهتني في تحقيقه. - وأمّا القسم الأول: فهو قسمُ الدِّراسة، وقد جاء بعُنوان "الجِبْلِيُّ وكتابُه البُستان في إعرابِ مشكِلات القرآن"، وقد اشتمل على فصلَيْن: - الفصل الأول: الجِبْلِيُّ - حياتُهُ وآثارُهُ، وقد اشتمل على ثمانيةِ مباحثَ هي: المبحث الأول: كُنيتُه واسمُه ونَسَبه ولقبُه. المبحث الثاني: مولدُه. المبحث الثالث: عصرُه. المبحث الرابع: شيوخُه وتلاميذُه.

стр. 9

المبحث الخامس: مَنْزِلتُه العلميّة. المبحث السادس: آثارُه ووفاته. المبحث السابع: موقفُه من أصول النَّحو. المبحث الثامن: مذهبُه النَّحويُّ واختياراتُه. - الفصل الثاني: كتابُ "البستان في إعراب مشكِلات القرآن"، وقد اشتمل على ستةِ مباحثَ هي: المبحث الأول: عُنوان الكتاب، وتوثيقُ نسبتِهِ للجِبْليِّ، وموضوعه. المبحث الثاني: مصادرُه. المبحث الثالث: منهجُ الجِبْليِّ فيه. المبحث الرابع: المصطلَحاتُ النَّحويّةُ في "البستان". المبحث الخامس: العِلّةُ النَّحويّة في "البستان". المبحث السادس: ملحوظاتٌ على الكتاب. - وأمّا القسم الثانِي: فهو قسمُ التحقيق، وقد اشتمل على: - وَصْفِ نُسخة المخطوط. - منهج التحقيق. - نماذجَ مصوّرةٍ من المخطوط. - النصِّ المحقَّق. وقد حَقَّقْتُ الكتابَ مُتَّبِعًا المنهجَ العلميَّ في تحقيق المخطوطات، وبَيَّنْتُ ذلك في القسم الثاني: قسم التحقيق، وذلك في منهج التحقيق.

стр. 10

- وأمّا خاتَمةُ الدِّراسة فقد اشتملت على أهمِّ ما توصَّلتُ إليه من نتائجَ فيها. - وأمّا الفهارسُ فقد اشتملت على أحدَ عشَرَ فِهرِسًا، هي: ١ - فِهرِسُ الشّواهد القرآنيّة. ٢ - فِهرِسُ القراءاتِ القرآنيّة. ٣ - فِهرِسُ الأحاديثِ والآثار. ٤ - فِهرِسُ الأقوال والأمثال ونحوِها. ٥ - فِهرِسُ الأشعارِ والأرجاز. ٦ - فِهرِسُ الأعلام. ٧ - فِهرِسُ القبائل والطوائف والجماعات. ٨ - فِهرِسُ الأماكن والمواضع والبُلدان والمياه. ٩ - فِهرِسُ الكتب المذكورة في النَّص. ١٠ - فِهرِسُ المصادرِ والمراجع. ١١ - فِهرِسُ الموضوعات. وعَمَلًا بقولِ النبيِّ المصطفى ﷺ : "مَن لمْ يَشْكُرِ النّاسَ لمْ يَشْكُرِ اللَّهَ "، فإنني -بَعْدَ شُكْرِ اللَّه تعالى- أتقدَّمُ بجزيل الشُّكر وعظيم الامتنان لأساتذتي الأجِلّاء في كليّة اللّغة العربيّة بالمَنُوفيّة - جامعة الأزهر، وأخصُّ منهم حضَرات السّادةِ العلماء: الأستاذ الدكتور/ أحمد محمد عبد اللَّه. والأستاذ الدكتور/ السيّد محمد عبد المقصود. والأستاذ الدكتور/ حمزة عبد اللَّه النَّشَرْتي. والأستاذ الدكتور/ أمين عبد اللَّه سالم.

стр. 11

كما أتقدُّم بوافر الشُّكر وأَجْزَلِه للعالِمَيْنِ الفاضلَيْن: سعادةِ الأُستاذ الدكتور تركي ابن سهو العتيبي، وسعادة الأُستاذ الدكتور سَيْف بن عبد الرحمن العريفي، الأستاذَيْنِ بكليّة اللُّغة العربيّة بجامعةِ الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقد زَكَّيا الكتابَ للنَّشر بمركز الملك فيصل. كما أنّني أُهدي هذا العملَ إلى والدي ﵀ وإلى والدتي بارك اللَّه لنا في عمُرِها، كما أنّني أشكر لزوجتي وأولادي لِقاءَ ما تحملوه معي بسبب انشغالي عنهم بهذا العمل وغيره. وبعدُ. . فهذا ما اجتهدتُ فيه من أَجْل تحقيق هذا الكتاب، وإخراجِه على هذه الصُّورة، فاللَّهَ أسألُ أن يجعلَ هذا العمل خالصًا لوجهِه الكريم، وأن يجعَلَه في ميزان حسناتي يوم القيامة. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. أحمد محمّد الجِنْدي عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية بالمَنُوفية/ جامعة الأزهر وكلية اللغة العربية بالرياض/ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 12

القسمُ الأول الدِّراسة الجِبْلِيُّ وكتابُهُ "البُسْتانُ في إِعرابِ مُشْكِلاتِ القُرْآنِ " الفصل الأول: الجِبْليُّ - حياتُهُ وآثارُهُ. الفصل الثانِي: كتابُ "البُستان في إعرابِ مشكِلاتِ القُرآن".

стр. 13

الفصل الأول الجِبْلِيُّ - حياتُهُ وآثارُهُ ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: كُنْيتُه واسمُه ونَسَبُه ولَقبُه. المبحث الثاني: مولدُه. المبحث الثالث: عصرُه. المبحث الرابع: شيوخُه وتلاميذُه. المبحث الخامس: مَنْزِلتُه العلميّة. المبحث السادس: آثارُه ووفاتُه. المبحث السابع: موقفُه من أصول النَّحو. المبحث الثامن: مذهبُه النَّحْويُّ واختياراتُه.

стр. 14

المبحث الأول كُنْيتُه واسْمُهُ ونَسَبُه ولقَبُه ١ - كُنْيته واسْمُهُ ونَسَبُه: هو أبو العَبّاس أحمد بن أَبِي بَكْرِ (١) بن عُمَرَ (٢) بن أَبِي الخَيْر بنِ أَبِي الهَيْثَمِ (٣) الجِبْلِيُّ (٤). _________ (١) ينظر: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية ١/ ٤٢٣، الأعلام للزركلي ١/ ١٠٤. (٢) ينظر: السلوك في طبقات العلماء والملوك للجَنَدِيِّ ٢/ ١٧٧، بغية الوعاة ١/ ٢٩٩، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٤، هدية العارفين للبغدادي ١/ ١٠٤، معجم المؤلفين لكحّالة ١/ ١٧٧. (٣) ينظر: مجلة معهد المخطوطات العربية مج ١ ج ٢ ص ٢٠٠. (٤) وقد وردت نسبته عند الأستاذ/ فؤاد سيد: "الجيلي" بالياء، ينظر: مجلة معهد المخطوطات العربية مج ١ جى ٢ ص ٢٠٠، وهذا تصحيف، والصواب "الجِبْلِيُّ" بالباء الموحدة: نسبةً إلى مدينة جِبْلةَ، ويُقال: مدينة ذي جِبْلةَ، وهي مدينة مشهورة بالجنوب الغربِيِّ من إِبَّ بمسافة سبعة كيلو مترات، وكانت تُسمى قديمًا ذاتَ النَّهْرَيْنِ؛ لأنها كانت بَيْنَ نَهَرَيْنِ كبيرين جاريين في الصيف والشتاء، ابتناها عبدُ اللَّه بنُ على الصُّلَيْحيُّ سنة (٤٥٨ هـ)، وسمّاها جِبْلةَ باسم يهوديٍّ كان يبيع الفَخّارَ فيها قبل عمارتها، ثم انتقل إليها أحمدُ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ الصُّلَيْحيُّ وزَوْجتُهُ أَرْوَى بنتُ أحمد، وصارت جِبْلةُ بعد ذلك عاصمةً للدولة الصُّلَيْحِيّةِ، وفيها يقول عبدُ اللَّه بنُ يَعْلَى الصُّلَيْحِيُّ: [بحر الكامل] هَبَّ النَّسِيمُ، فبتُّ كالْحَيْرانِ... شَوْقًا إلى الأَهْلِينَ والجِيرانِ ما مِصْرُ ما بَغدادُ ما طَبَرِيّةٌ... بمدِينةٍ قد حَفَّها نَهْرانِ خَدِدٌ لها شامٌ وحَبٌّ مُشْرِقٌ... وَالتُّعْكَرُ العالي المُنِيفُ يَمانِ =

стр. 15

٢ - لقَبُه: لُقِّبَ الجِبْلِيُّ بالأحنَفِ (١)، وهذا ما جاء في أول مخطوطةِ "البستان" وفي خاتَمتِها، فقد جاء في صفحة العُنوان: "كتابُ البُستان في إعرابِ مشكِلات القرآن - مُؤَلفُ الشيخ الإمام العالِمِ أحمدَ بنِ أبِي بَكْرِ بن عُمرَ بن أبِي الخَيْر بن أبِي الهَيْثم الجِبْلِيِّ المعروفِ بالأحنَف - نَفَع اللَّه تعالى بعلومه". كما جاء في آخرِ ورقةٍ من المخطوط: "كُتِبَ البُسْتانُ في إعرابِ مشكِلاتِ القُرآنِ مِن نُسْخةِ المُؤلِّفِ بِخَطِّهِ، وهُو: الإمامُ العالِمُ أحمَدُ بنُ أبي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ أبي الخَيْرِ بنِ أَبِي الهَيْثَمِ الجِبْلِيُّ المعرُوفُ بالأحْنَفِ -نَفَعَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ-" (٢). وكذلك قال السُّيوطيُّ (٣) والدّاوديُّ (٤)، وقال البغداديُّ في "هدية العارفين" (٥): _________ = وقال أحد الشعراء: [بحر الكامل] يا حَبَّذا أرضُ الحُصَيْبِ، وحَبَّذا... في جِبْلةٍ أهلٌ لنا ورِفاقُ وتقع البلدة على هضبة مسطحة متدرجة، وهي على ارتفاع نحو ٦٧٤٥ قدمًا من سطح البحر. ينظر: معجم البلدان لياقوت ٢/ ١٢٣، ١٢٤، تاج العروس للزبيدي: جبل، معجم المدن والقبائل اليمنية ص ٨٠، ٨١، إعداد/ إبراهيم أحمد المقحفي، منشورات دار الكلمة، صنعاء، (١٩٨٥ م). (١) الحَنَفُ: الاعوجاجُ في الرِّجْل، وهو أن تُقْبِلَ إحدى إبْهامَي رِجْلَيْهِ على الأخرى، وبه سُمِّيَ الأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ، الصحاح ٤/ ١٣٤٧، اللسان: حنف. (٢) الورقة ٣٤٧/ أ من المخطوط، وانظر ٥/ ١٥٠ من التحقيق. (٣) في بغية الوعاة ١/ ٢٩٩. (٤) في طبقات المفسرين ١/ ٣٤. (٥) ١/ ١٠٤.

стр. 16

"الأحنف اليَمَنِيُّ أحمدُ بن أبي بكرِ بن عُمرَ الأحنَفُ، أبو العبّاس الحَنَفِيُّ"، ومثلَه قال الأَكَوَعُ (١). ولكنّ بعض المصادر لقَّبته بابن الأحنَف، فقد قال الجَنَدِيُّ (٢): "عُرِفَ بابنِ الأحْنَفِ لِحَنَفٍ كان بوالِدِه" ومِثْلَهُ قال الخَزْرَجِيُّ (٣). ولعلّ قولَ الجَنَدِيَّ -وهو تلميذُ الجِبْلِيِّ وأقدمُ من ترجموا له- يكون أقربَ إلى الصّواب في أنه: ابنُ الأحنَف؛ لأنه ذَكَرَ العلةَ في هذا اللَّقب، وهي قوله: "لِحَنَفٍ كان بوالدِه". أمّا كُلٌّ من الزِّرِكْلِيِّ وعمر رضا كَحّالة فقد صَحَّفا لقبَه، قال الزِّركلي (٤): "ابنُ الأخْنَفِ"، يعني: بالخاء المعجَمة، وقال كحالة (٥): "أحمدُ الأَخْنف: أحمد بن أبي بكرِ بن عُمر المعروفُ بالأَخْنف"، يعني: بالخاء المعجمة أيضًا، وكذلك قال كحالة في "المستدرك على معجم المؤلفين" (٦). * * * _________ (١) المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٤، ٢٠٩، ومثله قال الدكتور إميل يعقوب في المعجم المفصل في اللغويين العرب ١/ ٣٣. (٢) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٧. (٣) في العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية ١/ ٤٢٣. (٤) في الأعلام ١/ ١٠٤. (٥) في معجم المؤلفين ١/ ١٧٧. (٦) المستدرك على معجم المؤلفين ص ٤٢.

стр. 17

المبحث الثاني مولدُه أجمعت المصادر التي ترجمت للجِبْليِّ على أنه وُلِدَ سنةَ إحدى وأربعين وستِّمائة، ولم يُخالِفْ في ذلك أحدٌ منهم (١)، ولم تذكر هذه المصادرُ المكان الذي وُلِدَ فيه، ولكنْ من خلال ما وَرَدَ في ترجمة الجِبْليِّ في هذه المصادر يمكن القولُ بأنّ الجِبْليَّ وُلِدَ في مدينة جِبْلةَ، ومن الواضح أنه عاش معظمَ سِنِي حياتِهِ في هذه المدينة، ولم يغادرها إلا للتدريس في مدارسِ مدينة تَعِزَّ (٢)، ثم عاد إلى بلده مرةً أخرى. * * * _________ (١) ينظر: السلوك للجَنَدِيِّ ٢/ ١٧٧، العقود اللؤلؤية ١/ ٤٢٣، بغية الوعاة ١/ ٢٩٩، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٤، الأعلام للزركلي ١/ ١٠٤، معجم المؤلفين لكحالة ١/ ١٧٧. (٢) بالفتح ثم الكسر، والزاي مشدّدة كتقِلّ، قاعدة اليمن في متأخر الزمن، وأما قاعدة اليمن القديمة فصنعاء، وهي مدينة عظيمة ذات أسوار وقصور، كانت دار ملك بني أيوب ثم بني رسول من بعدهم. معجم البلدان لياقوت: تعزّ، تاج العروس للزبيدي: عزز، الجغرافيا لابن سعيد المغربي: الإقليم الأول.

стр. 18

المبحثُ الثالث عصرُه ١ - الحياةُ السياسيّة: عاش الجِبْليُّ في عصر الدّولة الرَّسُوليّة، وهي الدّولةُ التي بدأ حُكمها بتغلُّبِ الملكِ المنصورِ عُمَرَ بن عليِّ بن رَسُول (١) على الحُكم، واستقلاله بحكم اليمن عن الدّولة الأيوبيّة في مصرَ سنةَ (٦٢٦ هـ) (٢)، وانتهى حكم الدّولة الرَّسُولية سنةَ (٨٥٨ هـ)، وآخِر ملوكِهم هو الملِكُ المسعودُ أبو القاسم بنُ الأشرف إسماعيل بن المنصور (٣). _________ (١) بنو رَسُولٍ يُنسَبُونَ إلى جَدِّهِم محمدِ بنِ هارونَ بنِ أبي الفتح، من أولاد جَبَلةَ بن الأَيْهَم، ينظر: العقود اللؤلؤية للخزرجي ١/ ٢٦، ٢٧، وقال يحيى بن الحسين: "وكان محمد بن هارون جليل القدر، عظيم المَنْزِلة عند الملوك، فقَرَّبهُ أحد الخلفاء العباسية، وأدناه واختص به، ورفع عنه الحجاب، وكان يرسله إلى من يريد من الملوك بما يريده من الأمور الخفية والأسرار المكتومة من غير كتاب، ثقةً بصدقه وأمانته، وأُطلِقَ عليه اسم رسول، فلا يُعرَفُ إلا به عند أكثرِ الناس، وأقام مدةً في العراق، ثم انتقل إلى مصر فسكنها". غاية الأماني في أخبار القطر اليماني ١/ ٤١٩، وينظر: تاريخ اليمن لليمانيِّ ص ١٨٥. (٢) كان عُمَرُ بنُ عليٍّ نائبًا عن الملك المسعود الأيوبي على اليمن، فلما تُوُفِّيَ الملك المسعود بمكّةَ سنة (٦٢٦ هـ)، استقل عُمَرُ بن عليِّ بن رسول بحكم اليمن، وأسس الدولة التي عُرفت بالدولة الرسولية، ينظر: العقوب اللؤلؤية ١/ ٤٤، غاية الأماني ليحيى بن الحسين ١/ ٤١٨، تاريخ اليمن لليمانيِّ ص ١٨٥. (٣) ينظر: مقدمة تحقيق كتاب غاية الأماني في أخبار القطر اليماني ١/ ٣٧، تاريخ اليمن لليماني =

стр. 19

وُلِدَ الجِبْلِيُّ سنة (٦٤١ هـ)، وعاصَرَ أربعةً من ملوك بني رسول: أوّلُهم: مؤسِّسُ دولتهم الملك المنصور عُمَرُ بن عليِّ بن رسول، وقد امتَدَّ حُكمُه من سنة (٦٢٦ هـ) إلى سنة (٦٤٧ هـ) (١). وثانيهم: الملك المظفَّر شمس الدِّين يوسُف بن عُمَرَ بن عليِّ بن رسول، وقد امتدَّ حُكمَه من سنة (٦٤٧ هـ) إلى سنة (٦٩٤ هـ) (٢). وثالثهم: الملك الأشرف مُمَهِّدُ الدِّينِ أبو الفتح عُمَرُ بن يوسف بن عُمَرَ بن عليِّ بن رسول، وقد امتدَّ حُكمه من شهرِ رمضانَ سنة (٦٩٤ هـ) إلى شهر صفرٍ من سنة (٦٩٦ هـ) (٣). ورابعهم: الملك المؤيَّد هِزَبْرُ الدِّينِ داودُ بن يوسُف بن عُمَرَ بن عليِّ بن رسول، وقد امتدَّ حكمه من سنة (٦٩٦ هـ) إلى سنة (٧٢١ هـ) (٤). _________ = ص ١٨٥: ١٨٨، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي للمستشرق زامباور ص ١٨٤، الأعلام للزركلي ٥/ ١٧٣. (١) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٤٤، ٨٢، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١٠، ٥١١، غاية الأمانِي ليحيى ابن الحسين ص ٤١٨، ٤٣٣، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي للمستشرق زامباور ص ١٨٤، وذكر الشيخ عبد الواسع اليمانِي أن الملك المنصور قُتِلَ سنة (٦٤٩ هـ)، تاريخ اليمن ص ١٨٥، وينظر: الأعلام للزركلي ٥/ ٥٦. (٢) ينظر: العقود اللؤلؤية للخزرجي ١/ ٩٠، ٢٧٥، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١١، غاية الأمانِي ليحيى بن الحسين ١/ ٤٣٣، ٤٧٦، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص ١٨٤، تاريخ اليمن لليمانيِّ ص ١٨٥، الأعلام للزركلي ٨/ ٢٤٣، ٢٤٤. (٣) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٨٤، ٢٩٧، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١١، غاية الأماني ١/ ٤٧٦، ٤٧٧، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص ١٨٤، تاريخ اليمن لليمانِيِّ ص ١٨٥، ١٨٦، الأعلام للزركلي ٥/ ٦٩. (٤) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٩٩، ٤٤٠، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١١، غاية الأمانِي ليحيى بن =

стр. 20

٢ - الحياةُ العِلميّة: إذا رجَعْنا إلى كتُب التاريخ وجَدْنا أنّ عصر الدولة الرَّسُوليّة كان مليئًا بالحروب والمنازَعات والصِّراعات بين الرَّسُوليِّين وبين الأئمة الذين كانوا ينازعونَهم المُلْكَ، ولكنه مع ذلك كان أَزْهَى عُصُورِ اليمنِ من الناحية العلمية والفكرية (١). يقول الزِّرِكلي (٢): "وفي المؤرِّخين مَن يُشَبِّهُ الدولةَ الرَّسُولية في اليمن بدولة العباسيِّين في العراق". وقال الأكوع (٣): "كان عصر بني رسول أخصَبَ عُصُورِ اليمن، وأكثرَها ازدهارًا بالعلم، وأوسَعَها عطاءً با لإنتاج الفكري، لاهتمامِ ملوكِ بني رسولٍ بِنَشْرِ العلم، ورَفْعِ مكانة العلماء عندَهم وتكريمِهم، وفتحِ أبواب قصورهم لهم في أي وقتٍ شاؤوا، مما جعل كثيرًا من العلماء يُوَلُّونَ وجوهَهم شَطْر مدينة تَعِزَّ حاضرةِ الدولة الرَّسولية، فكانت مَوْئلًا للعلماء، ومَقْصِدًا لهم، يُنِيخُونَ بها ركائبهم، ويُلْقُونَ فيها عصا الترحال، فيجدون من التكريم والتقدير أكثرَ مما يُؤَمِّلُونَ، وفَوْقَ ما يتوقَّعون، كما وَفَد إلى تَعِزَّ عَدَدٌ من العلماء المشهورين، جاؤوا إليها من شتى ديار الإسلام، طَمَعًا في الإفادة والاستفادة، فكانوا يقدِّمون إلى ملوك بني رسول أبدعَ ما جادت به قرائحُهم من مؤلَّفات، ويهدونَها إليهم، فيجيزونهم عليها أسنى الجوائز وأسخاها". _________ = الحسين ١/ ٤٧٦، ٤٧٧، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص ١٨٤، تاريخ اليمن لليمانِيِّ ص ١٨٦. (١) ينظر في هذا ما كتبه الدكتور شوقي ضيف عن الحركة العلمية في اليمن في كتابه "تاريخ الأدب العربِيِّ: عصر الدول والإمارات" ص ٥٢ - ٨١. (٢) الأعلام ٥/ ٥٦. (٣) المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧ من المقدمة.

стр. 21

٣ - المدارس التي أُنشئت في مدينة جِبْلةَ: سأقتصر هنا على ذِكْرِ أسماءِ المدارس التي بُنِيت في مدينة جِبْلةَ فقط، سواءٌ أكان بناؤها في عصر الأيوبيِّين أم في عصر بني رسول، لِيَدُلَّ ذلك على مدى ازدهار الحركة العلميّة في اليمن في هذه الحِقبة، وبخاصّةٍ مدينةَ جِبْلة، ومن هذه المدارس: - مدرسة ابن أبي الأمان: أنشأها الشيخ أبو الحسن علىُّ بن إبراهيم بن أَبِي الأمان سنة (٥٥٨ هـ) (١). - المدرسة الفاتِنيّة: بناها فاتنُ بن عبد اللَّه المُعِزِّيُّ (٢). - مدرسة المَسانِيفِ: بناها فاتنُ بن عبد اللَّه المُعِزِّيُّ أيضًا (٣). - المدرسة العَوْمانِيّةُ، ويقال لها أيضًا: مدرسة عَوْمانَ: بنتها لُؤْلُؤةُ زَوْجُ الأمير عليِّ بن رسول (٤). - المدرسة النَّجْميّة: وكانت في الأصل دارًا لابن المعلِّم، فاشترَتْه منه خاتُونُ المُلَقَّبةُ الدّارَ النَّجْميَّ ابنةُ عَلِيِّ بن رسول، وجعلتها مدرسةً، وسَمَّتْها باسم زوجها الأمير نَجْم الدين بن أبي بكرِ بن زكريّا، أَحَدِ أُمراءِ الاكراد القادمين إلى اليَمَنِ (٥). - المدرسة الشِّهابيّة: بَنَتْها الدّار النَّجْمِيُّ، ونسبتها إلى أخٍ لها اسمه شِهاب الدين محمد بن عَلِيِّ بن رسول (٦). _________ (١) ينظر: المدارس الإسلامية في اليمن ص ٦. (٢) ينظر: المصدر السابق ص ١٥. (٣) ينظر: المصدر نفسه ص ١٦. (٤) ينظر: المصدر نفسه ص ٦٥. (٥) ينظر: المصدر نفسه ص ٦٧. (٦) ينظر: المصدر نفسه ص ٧١، ٧٢.

стр. 22

- المدرسة الشَّرَفِيّةُ: وقد دَرَّسَ بها صاحِبُنا أحمدُ بن أَبِي بكرٍ الجِبْلِيُّ، وكانت قد بنتها الدارُ النُّجْمي، ونسبتها إلى أخيها الأمير شرف الدين موسى بن عَلِيِّ بن رسول (١). - المدرسة الزّاتيّة -بالزاي- وتسمى مدرسةَ الزّاتِ، بَنَتْها زاتُ دارِها إحدى وَصِيفات الدّارِ النَّجِمْيِّ، وممن دَرَّسَ بها عباسُ بن منصور البُرَيْهِيُّ شيخُ الجِبْليِّ (٢). - المدرسة النِّظاميّة: بناها نِظامُ الدِّين مختصُّ بن عبد اللَّه المظفَّري (٣). - مدرسة أسَدِ الدِّين: بناها الأمير أَسَدُ الدِّين محمد بن الحَسن بن عليِّ بن رسول (٤). ٤ - اهتمامُ الدّولة الرَّسُوليّة بالعلم والعلماء: ومما يؤكِّد اهتمامَ بني رَسُول بالعلم وإنشاء المدارس ما قاله الخَزْرجي عن الملكِ المنصور عُمَرَ بن عَلِيِّ بن رسول، فقد قال (٥): "وابْتَنَى في مدينة تَعِزَّ مدرستَيْن، تُعرَفُ إحداهما بالوزِيريّة، نسبةً إلى مُدَرِّسِها الوَزِيري، والثانية: الغرابية نِسْبةً إلى مُؤَذِّنِها. . . وابْتَنَى مدرسةً في عَدَنَ، وابْتَنَى في زَبِيدَ ثلاثَ مدارس، يُعْرَفْنَ بالمنصوريّات: مدرسةَ الشافعيّة، ومدرسةَ الحنَفيّة، ومدرسةَ الحديثِ النَّبوي، وابتَنى مدرسةً في حدِّ المَنْسِكيّة من وادي سهام، ورَتَّبَ في كل مدرسةٍ مُدَرِّسًا _________ (١) ينظر: المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٢. (٢) ينظر: المصدر السابق ص ٧٥. (٣) ينظر: المصدر نفسه ص ١٠٤. (٤) ينظر: المصدر نفسه ص ١٢٦. (٥) العقود اللؤلؤية ١/ ٨٤.

стр. 23

ومُعِيدًا ودَرَسةً وإمامًا ومؤذِّنًا ومعلِّمًا وأيتامًا يتعلَّمون القرآن، ووَقَف على الجميع أوقافًا بعيدةً تجمِلهم وتقوم بكفايتهم جميعًا". وذكر الخَزْرجي أنّ الملِك المظفَّر شمسَ الدِّين يوسُفَ بن عُمَرَ بن عَلِيِّ بن رسول سار على سُنّةِ والده، من بناءِ المدارس وإنفاقه عليها (١)، ثم قال (٢): "وكان يجالسُ العلماءَ والصّالحين، وكان ﵀ مشتغلًا بالعلم، أخَذ من كلِّ فنٍّ بنصيب، قرأ الفقهَ على الفقيه محمد بن إسماعيلَ الحَضْرميِّ وغيره، والحديثَ على الفقيه محمد بن إبراهيمَ الفشليّ، وعلى الفقيه محبِّ الدين أحمد بن عبد اللَّه الطَّبري، وقرأَ النَّحوَ واللّغةَ على الشيخ يحيى بن إبراهيمَ العَمَك، وقرأ المنطقَ على الفقيه أحمدَ بن عبد الحميد السُّرْدُدِيِّ". وذكر الخَزْرجيُّ أنّ الملِك المؤيَّد سار على سُنّةِ أبيه وجَدِّهِ في اهتمامه بالمدارس والعلماء (٣)، ثم قال (٤): "وكان ﵀ مشاركًا في كثيرٍ من العلوم، قد أخذ في كلِّ فنّ، وشارك في كل عِلْمٍ، وكان يحفظ مقدِّمة طاهر بن بابَشاذَّ، وكفايةَ المُتَحَفّظِ في اللغة، والجُمَلَ للزَّجّاجِيِّ. . . وأجازه الشّيخ الإمام المبجَّل أبو العبّاس أحمد بن محمد الطَّبري شيخُ السُّنة بالحرم الشريف في البخاريِّ والترمذيّ، وناوله صحيحَ مسلم، وأجازه في باقي الأمهات". وقال ابنُ خلدون عن الملِك المؤيَّد (٥): "وكان فاضلًا، شافعي المذهب، _________ (١) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٧٦. (٢) المصدر السابق ١/ ٢٧٧. (٣) المدارس الإسلامية في اليمن ١/ ٤٤١. (٤) المصدر السابق ١/ ٤٤١، ٤٤٢. (٥) تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١١.

стр. 24

وجمع من الكتب من سائر الأمصار، فاشتملت خِزانته على مائةِ ألف مجلَّد، وكان يتفقَّد العلماءَ بصلاته، ويبعث لابن دقيقِ العِيد فَقِيهِ الشافعيّة بِمِصْرَ جوائزَه". وقال الأكوَع (١): "كما وَقَف أصحاب تلك المدارس كرائمَ أموالهم عليها، وحبَسوا عليها خزائنَ كتُبِهم التي كانت تزخر بنفائس الكتب ونوادرها في شتى فنون المعارف، وفي مقدِّمة تلك الخزائن: خِزانةُ الملِك المُؤَيَّدِ داودَ بن الملك المظفر يوسُف بن عُمَرَ بن عَليِّ بن رسول، التي كانت تحتوي على مائة ألف كتاب". ٥ - تأثُّر اليمنيِّين بالنَّحوِّيين المَشارِقة والمصريِّين: أمّا علمُ النَّحو في هذه الحقبة "فالملاحَظ أنّ مؤلُّفاتِ المشارقة قد ذاعت وانتشرت بين علماءِ اليمن في ذلك العصر، فتَلْمَذُوا عليها، وانصرفوا إلى شرحها، ومن بينِ هذه المؤلَّفات: كتابُ سِيبوَيْه، ومفصَّل الزَّمخشري، وجُمَل الزُّجّاجي، وإيضاحُ الفارسي، ولُمَعُ ابن جِنِّي وغيرُها، وكان لمؤلَّفات علماءِ مصرَ خاصةً نصيبٌ كبيرٌ عند علماءِ اليمن، وربّما كان السبب في ذلك هو أنّ اليمن ظلَّ -عهودًا من التاريخ- تحت ظلِّ الفاطميِّين والأيوبيِّين مِن بعدِهم، وأشهرُ مؤلَّفات علماءِ مصرَ التي تدارَسوها: مقدِّمة ابن بابَشاذ (٢)، وكافيةُ ابن الحاجب، وشرح الرُّضيُّ عليها" (٣). وقد ذكر الأستاذ خالد عبد الكريم، محقِّق كتاب شرح المقدِّمة المُحْسِبة _________ (١) المدارس الإسلامية في اليمن، المقدمة ص ٦، ٧. (٢) وقد نقل الجبلي عن مقدمة ابن بابشاذ هذه، كما نقل عن شرحه لجمل الزجاجي كثيرًا في البستان، ينظر مثلًا: ص ١/ ٢٣١، ٢٨٦، ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٩١، ٢/ ٦٧، ٢٣٤، ٤/ ٢٥٨، ٣٣٢. (٣) ينظر: يحيى بن حمزة العلوي، آراؤه ومنهجه في النحو مع تحقيق كتابه الحاصر لفوائد المقدمة في علم حقائق الإعراب، تحقيق د/ عادل عبد الحميد عبد العزيز ص ١٨، رسالة دكتوراه رقم ٣٢/ نحو، بمكتبة كلية اللغة العربية بالمنوفية.

стр. 25

لابن بابَشاذ، ثمانيةً ممّن شرحوا المقدِّمةَ المُحْسِبةَ، ثم قال (١): "هؤلاءِ هم منِ اهتمُّوا بمقدِّمة ابن بابَشاذ، والملاحَظ أنّ أربعةً منهم من علماءِ اليمن، وربما كان سبب هذا أنّ اليمن ظلَّت عهودًا من التاريخ تحت ظلِّ الفاطميِّين والأيوبيِّين من بعدِهم، ولعلّ هذا قد ساعد على ذيوع مؤلَّفات أهل مصر في تلك البلاد". ويقول الحَبَشي (٢): "وفي العصر الرَّسولِيِّ ازدهرت العلومُ اللُّغويّة والنَّحويّة. . . وقد اشتُهر عند نُحاةِ اليمن عدّةُ كتُبٍ نَحْويّة ألَّفَها جماعةٌ من علماءِ الإسلام، ككتاب المفصَّل الذي شرحه عدّة علماءَ من علماءِ اليمن. . . ومن الكتب المقبولة عند أهل اليمن: المقدِّمة في علوم النَّحو، المعروفة بالمقدِّمة المُحْسِبةِ، للعلّامة طاهر بن بابَشاذ، شرحها جماعةٌ من العلماء". * * * _________ (١) مقدمة تحقيق "شرح المقدمة المُحْسِبةِ" ص ٣٨. (٢) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ٤٥٩، ٤١٠.

стр. 26

المبحث الرابع شيوخه وتلاميذه ١ - شيوخه: لم يذكر الجِبْلِيُّ -فيما بقي من كتابه "البستان"- اسمًا لشيخٍ واحدٍ من شيوخه، ولم تذكر المصادر التي ترجَمَتْ للجِبْليّ مِن أسماءِ شيوخِه سوى شيخٍ واحدٍ، هو عَبّاس بنُ منصور البُرَيْهِيُّ، ولكن هذا لا يعني أنه لم يتفقه بغيره، فقد قال الجَنَدِيُّ (١): "وتفقَّه بعَبّاس بن منصورٍ وغيرِه من فقهاءِ جِبْلة"، ومثلَه قال الخَزْرجيُّ (٢) والأكوعُ (٣). وهذه عادة مؤرِّخي اليمن، أن يقولوا في ترجمة عالِمٍ ما: إنّه تفقَّه بفلانٍ وغيره من فقهاء بلده أو عصره. أمّا شيخُه الوحيدُ المذكور في ترجمته فهو: أبو الفضل عَبّاس بن منصور بن عَبّاس البُرَيْهِيُّ (٤). . . . . _________ (١) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٧. (٢) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٤٢٣، ٤٢٤. (٣) ينظر: المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٤. (٤) وورد في بعض المصادر: "التَّرِيمي"، وهو خطأ، قال الأكوع: "غلط البغدادي في هدية العارفين في نسبته، وذكر أنه التَّرِيمِيُّ، وسلك في الخطأِ نفسه الدكتور صلاح الدين المنجِّد في فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الكونغرس، مع أنه اطلع على كتابه (البرهان في معرفة عقائد أهل الإيمان)، ونَسَبُهُ الصحيح مزبور في أول الكتاب، كما صار على الخطأ نفسه أيضًا صاحب معجم المؤلفين". المدارس الإسلامية في اليمن حاشية رقم ٦ ص ٧٥.

стр. 27

السَّكْسَكِيُّ الشافعي (١)، وقد وُلِدَ سنة عَشْير وستِّمائة (٢)، وذكر البغداديُّ والزِّرِكْليُّ وكحّالة أنه وُلِدَ سنة ستَّ عشْرةَ وستِّمائة (٣). قال عنه الجَنَدِيُّ: "مولده سنة عشْرٍ وستِّمائةٍ تقريبًا، وتَفَقَّهَ بعُمَرَ بن مسعود الأَبْيَنِيِّ، ومحمد بن إسماعيل الحَضْرمي، وبِبَطّالِ بن أحمد، وكان من أعرفِ الناس بكتُب الشيخ أبِي إسحاق (٤)، وأكثرهم لها نقلًا ودرسًا. . .، ثم درَّس بالزّاتِيّة (٥)، ولما انتقل عَلِيُّ بن مسعود عن النَّجْميّة (٦)، صار إليها ودرَّسَ بها، وانتفع به خَلْقٌ كثيرٌ من جِبْلةَ وغيرِها، كابن مُسْلم وابن الأحنَف وابن أبي الرَّجا وغيرهم، وكان فقيهًا فاضلًا محقِّقًا متقنا بالفروع والأصول" (٧). وقال عنه الزِّرِكْليّ (٨): "فقيهٌ شافعيّ، وَلي القضاءَ في تَعِزَّ، وكانت رواتب القضاة تُعطَى من جِزية اليهود، فلمّا أراد السلطان المظفر أن يَبْنِيَ مدرستَه التي في غَرْبِيِّ تَعِزَّ، وأمَرَ بجَمْعِ الجِزيةِ مِن كلِّ بلدٍ، وتعويضِ مستحِقِّيها من مال الخراج، عَزَل القاضي عباس بن منصور نَفْسَهُ بسبب ذلك، ولزم بيته. . .، قال بامخرمة: له شعر حسن". وقد صَنَّفَ عباسُ بن منصورٍ في الأصول مختصرًا سَمّاهُ البُرهان في معرفة _________ (١) ينظر: السلوك للجندي ٢/ ١٧٣، هدية العارفين للبغدادي ١/ ٤٣٧، إيضاح المكنون ١/ ١٧٩، معجم المؤلفين لكحالة ٥/ ٦٥، المدارس الإسلامية في اليمن للأكوع ص ٧٠، ٧٥. (٢) ينظر: السلوك للجندي ٢/ ١٧٣، المدارس الإسلامية في اليمن للأكوع ص ٧٦. (٣) ينظر: هدية العارفين ١/ ٤٣٧، الأعلام ٣/ ٢٦٨، معجم المؤلفين ٥/ ٦٥. (٤) يعني: الإمام أبا إسحاق الشيرازي. (٥) يعني: المدرسة الزاتية. (٦) يعني: المدرسة النَّجْميّة. (٧) السلوك ٢/ ١٧٣، ١٧٤، وينظر: المدارس الإسلامية ص ٧٠، ٧٥، ٧٦، ١٠٦. (٨) الأعلام ٣/ ٢٦٨، وينظر أيضًا: المدارس الإسلامية في اليمن للأكوع ص ٧٦.

стр. 28

عقائد أهل الأديان (١)، وقد نُشِرَ مرَّتَيْنِ، الأولى: بتحقيق خليل أحمد إبراهيم الحاج (٢)، والثانية: بتحقيق الدكتور بسام علي سلامة العموش (٣). وقد نشره المحقِّقان بلقب "التَّرِيني"، ولم يُحَقِّقا الكلام على هذا اللقب. وقد تُوُفِّيَ عباس بن منصور سنة (٦٨٣ هـ)، قال الجندي (٤): "ولم يزَلْ على الحال المَرْضيِّ من التدريس والفتوى إلى أن توفِّي سنة ثلاثٍ وثمانين وستمائة". هذا هو الشّيخ الوحيد الذي ذكرته المصادر من شيوخ الجِبْلي، ولكنْ يمكن أن نستنتج أسماءَ بعض شيوخه من علماء جِبْلةَ ممَّن ذاعَ صِيتُهُم في هذه الحقبة، ممن عاصَرُوا عَبّاسَ بنَ منصورٍ، ودَرَّسُوا مثلَه في مدارسِ مدينة جِبْلةَ، ومنهم: - أبو محمد عُبيد اللَّه بن أحمد بن مسعود بن عبد اللَّه بن مسعود بن عليان بن هشام التُّرْخُمِيُّ، ولد سنة (٦١٢ هـ)، وتوفي سنة (٦٩٤ هـ)، درَّس بمدرسة المسانيف بِجِبْلةَ، وتفقه به جماعةٌ من بلده (٥). - يحيى بن سالم بن سليمان بن الفضل بن محمد بن عبد اللَّه الشِّهابِيُّ الكِنْدِيُّ، المولود سنة (٥٨٨ هـ)، والمتوفَّى سنة (٦٧٠ هـ)، وكان أولَ مَن دَرَّسَ بالمدرسة العَوْمانيّة بِجِبْلةَ (٦). _________ (١) ينظر: السلوك للجندي ٢/ ١٧٤، إيضاح المكنون ١/ ١٧٩، هدية العارفين ١/ ٤٣٧، الأعلام ٣/ ٢٦٨، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٦ حاشية رقم ٢. (٢) ونشرته دار التراث العربي سنة ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م. (٣) ونشرته مكتبة المنار بالأردن في طبعته الثانية سنة ١٤٢٦ هـ/ ١٩٩٦ م. (٤) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٤، وينظر أيضًا: إيضاح المكنون ١/ ١٧٩، هدية العارفين ١/ ٤٣٧، الأعلام ٣/ ٢٦٨، معجم المؤلفين ٥/ ٦٥. (٥) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٨٠، المدارس الإسلامية في اليمن ص ١٦، ١٧. (٦) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ١٨٠، ١٨١، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٦٥، ٦٦.

стр. 29

- أبو عبد اللَّه الحُسين بن علي بن عُمر بن محمد بن علي بن أَبِي القاسم، المولود سنة (٦٠٨ هـ)، والمتوفَّى سنة (٦٨٠ هـ)، وقد دَرَّسَ أيضًا بالمدرسة العَوْمانيّة (١). - أبو محمد عبد اللَّه بن علي بن أحمد بن علي بن أَبِي بكير العَرَشانِيُّ، المولود سنة (٥٩٥ هـ)، والمتوفَّى سنة (٦٧٦ هـ)، وقد دَرَّسَ بالمدرسة النَّجْميّة (٢). ٢ - تلاميذُه كما أنّ المصادرَ التي تَرجَمت للجِبْلي كانت شحيحةً في ذكر أسماءِ شيوخه، فإنّها في لك كانت شحيحةً في ذكر أسماءِ تلاميذه، فلَم تذكر من أسماءِ تلاميذه سوى اثنَيْن فقط هما: الأول: أخوه أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن أبِي بكرِ بن عمر الجِبْلِيُّ، قال الجَنَدِيُّ (٣): "وكان له [يعني: لأحمدَ بن أبِي بكر] أَخٌ اسمه إبراهيم، تفقَّه، وكان إمامًا بالمدرسة الشَّرَفيّة، وكان تقيُّا وَرِعًا"، وقال الخَزْرجي (٤): "وفي هذه السنة [يعني سنة ٧٢٠ هـ] تُوُفِّيَ الفقيهُ الصالحُ أبو إسحاق إبراهيمُ بن أَبِي بكرِ بن عمر الأحنفُ، وكان فقيهًا وَرِعًا، وكان إمامًا في المدرسة الأشرَفيّة بذي جِبْلةَ"، وقال الأكوع (٥): "كان ذا معرفةٍ شافية، وفضلٍ نافعٍ، موصوفًا بالزُّهد والوَرَع، تفقه بأخيه وغيرِهِ". وقد تُوُفِّيَ كما قال الجَنَدِيُّ وغيرُهُ لِخَمْسٍ بَقِينَ من رجب سنةَ عشرين _________ (١) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٢١، ٢٢٢، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧. (٢) ينظر: المدارس الإسلامية في اليمن ص ٦٩، ٧٥. (٣) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٨. (٤) العقود اللؤلؤية ١/ ٤٣٥. (٥) المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٥.

стр. 30

وسبعمائة (١)، ولم تذكر المصادر شيئًا من أخبار إبراهيمَ هذا أو مؤلفاته. والثاني: القاضي أبو عبد اللَّه بهاءُ الدِّين محمد بن يوسُف بن يعقوب الجَنَدي السَّكسَكِيُّ الكِنْدِيُّ، صاحب كتاب السُّلوك، وقد ذكر ذلك في كتابه هذا، فقال (٢): "شَيْخِي أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن عُمَرَ". ومن أخبار الجَنَدِيِّ مع شيخه الجِبْلِيِّ ما حكاه بقوله (٣): "قَدِمْتُ جِبْلةَ سنةَ إحدى وسبعمائة، فوجدته يُدَرِّسُ بالشَّرَفِيّةِ، فقرأت عليه بعض مصنفاته، وأجازني ببقيتها". ولم يذكر أحدٌ من المؤرِّخين تاريخ مولد الجَنَدِيِّ، وقد تفقه الجَنَدِيُّ بأحمد ابن أَبي بكرٍ الجِبْلِيِّ، كما تفقَّه بغيره، فمنهم: ١ - الفقيه الفاضل أبو عَفّان عثمان بن محمد الشَّرْعَبِيُّ، المتوفَّى ليلة الأحد السابع من صفر سنة (٧١٨ هـ)، وقد اعتمد عليه الجَنَدِيُّ في ذكر أخبار فقهاء تَعِزَّ، وضَمَّنَهُ كتابه "السلوك" (٤). ٢ - أبو العباس أحمدُ بنُ عليِّ بنِ أحمدَ الحَرازِيُّ، كان عالمًا بالفقه والنَّحو واللغة والأصول والقراءات والحديث، ولد سنة (٦٤٣ هـ)، وتوفِّي سنة (٧١٨ هـ) (٥). ٣ - أبو الحسن عليُّ بن أحمد بن أسعدَ بن أبي بكر الأَصْبَحي، كان من _________ (١) ينظر: السلوك في طبقات العلماء والملوك للجندي ٢/ ١٧٨، العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية للخزرجي ١/ ٤٣٥، المدارس الإسلامية في اليمن للأكوع ص ٧٥. (٢) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٧. (٣) المصدر السابق ٢/ ١٧٧. (٤) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٣١، المدارس الإسلامية في اليمن ص ١٣٧. (٥) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٤٣١، ٤٣٢، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٣٦، ٦٠، ٦١.

стр. 31

المحقِّقين للفقه، العارفين به، ليس له نظيرٌ في عصره في كثيرٍ من بلاد اليمن، وُلِدَ سنة (٦٤٤ هـ)، وتوفِّي سنة (٧٠٣ هـ) (١). ٤ - أبو محمد صالح بن عُمَرَ البُرَيْهيّ (٢). وقد دَرَّسَ الجَنَدِيُّ في مدرسة ميكائيلَ بن أَبِي بكرِ بن محمد المَوْصلي التركمانِيِّ، وكانت في مدينة الجَنَدِ (٣)، ودَرَّسَ في مدرسة عبد اللَّه بن العباس الحَجّاجي، وتُسمَّى أيضًا المدرسةَ العبّاسيّة، وكانت في مدينة الجَنَدِ -أيضًا- (٤). وقد اختَلف المؤرِّخون في تاريخ وفاة الجَنَدي، فقال الأهدَل (٥): "وكانت وفاة الجَنَدي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة"، وتابَعَه على ذلك الزِّرِكْلِيُّ وكحّالة (٦)، وذكر البغدادي أنه تُوُفِّيَ في حدود سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة (٧)، ونقل الأكوع عن الخَزْرجي، أنه قال (٨): "والذي يظهر لِي أن وفاته كانت في سنة ثلاثين وسبعمائة". قال الأكوع (٩): "والصحيح أنه كان حيًّا إلى سنة (٧٣٤ هـ)، فقد ذكر الجَنَدي نفسُه في ترجمته لأحمدَ بن علي بن سُحَيم، أنّ العوادر قتلته ظلمًا سنة (٧٣٤ هـ)، وهذا يناقض كلام الخَزْرجي". _________ (١) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٣٥٣: ٣٥٥، المدارس الإسلامية في اليمن ص ١٠٩، ١١٠، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن للحبشي ص ٢٠٣، ٢٠٤. (٢) ينظر: المدارس الإسلامية في اليمن ص ٣٧. (٣) ينظر: المصدر السابق ص ٣٦. (٤) ينظر: المصدر نفسه ص ١٧٣. (٥) تحفة الزمن ورقة ٥٣. (٦) ينظر: الأعلام ٧/ ١٥١، معجم المؤلفين ١٢/ ١٤١. (٧) ينظر: هدية العارفين ٢/ ٥٥٦. (٨) المدارس الإسلامية في اليمن ص ٣٧، وينظر: مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ٤٦١. (٩) المدارس الإسلامية في اليمن ص ٣٨.

стр. 32

المبحثُ الخامس مَنْزلةُ الجِبْليِّ العلميّةُ وثناءُ العلماءِ عليه مما تقدَّم يتبيَّن لنا أنّ الجِبْلِيَّ كان يتمتَّع بمنزِلةٍ علميّةٍ كبيرة في بلده جِبْلةَ، وفي مدينة تَعِزَّ التي دَرَّسَ في مدرستَيْن من مدارسها، قال الجَنَدِيُّ عن أُستاذِهِ أحمَدَ ابنِ أبِي بكرٍ (١): "له مصنَّفاتٌ مفيدةٌ في التفسير واللّغة والحديث، قَدِمتُ جِبْلةَ سنةَ إحدى وسبعمائة، فوجدته يُدَرِّسُ بالشَّرَفِيّةِ، فقرأتُ عليه بعض مصنَّفاته، وأجازني ببقيّتِها، ثم انتقل إلى تَعِزَّ، فدَرَّسَ بمدرسة الدار الجديدة بمَغْرِبةِ تَعِزَّ، ثم انتقل عنها إلى المدرسة المؤيَّديّة، فدرَّس بها مدةً، وانتفع به جماعةٌ من أهل تعِزَّ". وقال الخَزْرجي (٢): "وله مصنَّفاتٌ مفيدةٌ في التفسير واللّغة والحديث، وكان عارفًا حافظًا نَقّالًا للمذهب، درَّس في المدرسة الشَّرَفيّة، ثم انتقل إلى المؤيَّديّة بتعِزَّ فدرَّس بها، وانتفع به جماعة"، ونقل السُّيوطيُّ والدّاوُدِيُّ كلامَ الخَزْرجيِّ عنه (٣). هذا كلُّ ما ذكرَتْه المصادر من أخباره ومنزِلتِه العلميّة، وما أثنى به العلماء عليه، وهذا الكلام -وإن كان قليلًا- يدلُّ على منزلةِ الجِبْليِّ، ومكانته بين علماءِ _________ (١) السلوك في طبقات العلماء والملوك ٢/ ١٧٧. (٢) العقود اللؤلؤية ١/ ٤٢٣، ٤٢٤. (٣) ينظر: بغية الوعاة ١/ ٢٩٩، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٤، وينظر أيضًا: هدية العارفين ١/ ١٠٤، الأعلام ١/ ١٠٤، معجم المؤلفين ١/ ١٧٧، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٤، ٧٥.

стр. 33

عصره، ورِحلاته العلميّة بين مدُن اليمن، وتدريسه في مدارسِ بلده جِبْلةَ، ثم في مدارس تَعِزَّ. وممّا يدلُّ على تلك المكانة أنه درَّس بالمدرسة المؤيَّدية، وهي المدرسة التي بناها الملكُ المؤيَّد الذي حكم اليمن من سنة (٦٩٦ هـ) إلى سنة (٧٢١ هـ) (١)، ولا يدرِّس فيها -بالطبع- إلّا من كانت له قدمٌ راسخة في العلم والتدريس. * * * _________ (١) ينظر: العقود اللؤلؤية ١/ ٢٩٩، ٤٤٠، تاريخ ابن خلدون ٥/ ٥١١، غاية الأماني لابن المؤيد ١/ ٤٧٦، ٤٧٧، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة ص ١٨٤، تاريخ اليمن لليمانِيِّ ص ١٨٦.

стр. 34

المبحثُ السادس آثارُه ووفاتُه ١ - آثاره: لم تذكُر المصادر التي ترجَمَتْ للجِبْليِّ -من أسماءِ مؤلَّفاته- سوى "البستان في إعراب مشكلات القرآن" (١)، وهو هذا الكتاب موضوعُ الدراسة والتحقيق. ولكنّ العلماء الذين ترجَموا له ذكروا أنَّ له مصنَّفاتٍ مفيدةً في التفسير واللُّغة والحديث والفقه، وإن لم يذكروا منها سوى "البستان" (٢)، ويبدو أنّ أياديَ الزمن قد أتتْ على بقيّة مؤلَّفاته، كما هو حالُ الكثير من تراث العلماء السابقين الذي لم يصِلْ إلينا. ٢ - وفاتُه: أجمَعت المصادر التي ترجَمتْ للجِبْليِّ على أنه تُوُفِّيَ لِعَشْرٍ بَقِينَ من جُمادَى الآخِرةِ سنةَ (٧١٧ هـ) (٣)، ولم يُخالِفْ في ذلك سوى الأُستاذ فؤاد سيِّد، فقد ذكر أنه _________ (١) ينظر: المستدرك على معجم المؤلفين لعمر رضا كحّالة ص ٤٢، مجلة معهد المخطوطات العربية مج ١ ج ٢ ص ٢٠٠، المدارس الإسلامية في اليمن للأكوع ص ٧٥ حاشية رقم ١. (٢) ينظر: السلوك للجندي ٢/ ١٧٧، العقود اللؤلؤية للخزرجي ١/ ٤٢٣، بغية الوعاة للسيوطي ١/ ٢٩٩، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٣٤، هدية العارفين للبغدادي ١/ ١٠٤، الأعلام للزركلي ١/ ١٠٤، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١/ ١٧٧، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٥. (٣) السلوك ٢/ ١٧٨، العقود اللؤلؤية ١/ ٤٢٤، بغية الوعاة ١/ ٢٩٩، طبقات المفسرين =

стр. 35

تُوُفِّيَ سنة (٦٩١ هـ)، ولا أدري من أين جاء بهذا التاريخ! ويبدو أنه التبس عليه الأمرُ، فقد جاء في آخِر مخطوطة "البستان": "وُجِدَ بِخَطِّ المؤلِّف ما لَفْظُهُ: فُرِغَ من نِساخَتِهِ سنة. . . وتسعين وستِّمائة من الهجرة النبويّة، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم"، فيبدو أنّ تاريخ نَسْخ المخطوطة بِخَطِّ المؤلِّف قد الْتَبَسَ عنده بتاريخ وفاته. * * * _________ = ١/ ٣٤، هدية العارفين ١/ ١٠٤، الأعلام ١/ ١٠٤، معجم المؤلفين ١/ ١٧٧، المدارس الإسلامية في اليمن ص ٧٤.

стр. 36

المبحثُ السابع موقفُ الجِبْليِّ من أصول النَّحو وسوف أتناول هنا مو قفَه من الأمور التالية: السَّماع - القياس - الإجماع. المطلبُ الأول: موقفُه من السَّماع: وأنواعُ السَّماع هي: القرآنُ الكريم وقراءاتُه، والحديثُ النَّبويُّ الشريف، وكلام العرب نَثْرًا وشعرًا. أولًا: موقفُه من الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاتِه إذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ كان يضع النصَّ القرآنِيَّ في المرتبة الأولى في الاحتجاج، ولا يَعْتَرِضُ عليه بوجهٍ من الوجوه، وهذا واضحٌ في الكتاب كلِّه، والأمثلة عليه أكثرُ من أن تُحصَى. وأمّا القراءاتُ فإنّني سوف أتناولها بشيءٍ من التفصيل، نظرًا لاختلاف موقف الجِبْليِّ منها عن موقفِه من النص القرآنِيِّ. ١ - موقفه من القراءاتِ الصّحيحة: القراءاتُ الصّحيحة هي: قراءات القُرّاءِ السبعةِ، بالإضافة إلى القُرّاءِ الثلاثة بعدَهم (١)، وقد ذكر ابن الجَزَري شروطَ القراءة الصَّحيحة، _________ (١) ينظر: التيسير للدانِي ص ٤: ٧، العنوان لإسماعيل بن خلف المقرئ ص ٤٠، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٠٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي ١/ ٧٢، ٧٥.

стр. 37

فقال (١): "كلُّ قراءةٍ وافَقَت العربيّة ولو بوَجْيهٍ، ووافَقَت المصاحفَ العثمانيّةَ ولو احتمالًا، وصحُّ سَنَدُها، فهي القراءةُ الصُّحيحة التي لا يجوزُ رَدُّها، ولا يَحِل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نَزَل بها القرآن، ووَجَب على الناس قَبولُها، سواءٌ كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشَرة أم عن غيرِهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ رُكْنٌ من هذه الأركان الثلاثةِ أُطْلِقَ عليها ضعيفةٌ أو شاذّةٌ أو باطلةٌ، سواءٌ كانت عن السبعة أم عَمَّن هو أكبرُ منهم". ثم حَكَى ابنُ الجَزَري عن أبِي عَمْرٍو الدانِي، أنه قال (٢): "وأئمةُ القُرّاءِ لا تَعمَل في شيءٍ من حروف القرآن على الأَفْشَى في اللغة، والأَقْيَسِ في العربيةِ، بل على الأثبتِ في الأثَر، والأصحِّ في النَّقل، والرِّوايةُ إذا ثَبتَت عنهم لم يَرُدَّها قِياسُ عَرَبِيّةٍ ولا فُشُوُّ لغةٍ؛ لأنّ القراءةَ سُنّةٌ متَّبَعةٌ يلزم قَبولُها والمصير إليها". ولذلك كان كثيرٌ من النُّحْويِّين لا ينكرون قراءةً من القراءات التي وردت عن القُرّاءِ السبعة ولا يضعِّفونَها ولا يرُدُّونَها، فسيبويهِ يقول مثلًا (٣): "وقد قرأ بعضهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٤) إلّا أنّ القراءةَ لا تُخالَفُ، لأنّ القراءةَ السُّنّةُ". _________ (١) النشر في القراءات العشر ١/ ٩، وينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ٩٩، اللهجات العربية في القراءات القرآنية للدكتور/ عبده الراجحي ص ٧٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٢٩، ٣٥، أثر القرآن والقراءات في النحو العربِي د/ محمد سمير نجيب اللبدي ص ٣١٩، ٣٢٠. (٢) النشر في القراءات العشر ١/ ١٠، ١١، وينظر: الإتقان للسيوطي ١/ ١٠٠، اللهجات العربية في القراءات القرآنية د/ عبده الراجحي ص ٨٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٣٠، البحث اللغوي عند العرب د/ أحمد مختار عمر ص ٢٩. (٣) الكتاب ١/ ١٤٨. (٤) بفتح ﴿ثَمُودُ﴾ [فصلت: ١٧].

стр. 38

ولكنّ بعض النَّحْويِّين -كالفَرّاء والمبرّد وغيرهما- كانوا ينكرون بعض القراءات إذا خالفت القياس عندهم، ولو كانت عن السَّبعة (١). قال السُّيوطي (٢): "كان قومُ من النُحاة المتقدِّمين يَعِيبون على عاصم وحمزةَ وابن عامر قراءاتٍ بعيدةً في العربية، وينسُبونهم إلى اللَّحن. وهم مخطئون في ذلك، فإنّ قراءاتِهم ثابتةٌ بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعَنَ فيها، وثبوت ذلك دليلٌ على جوازه في العربية، وقد رَدَّ المتأخِّرون -منهم ابنُ مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رَدٍّ، واختار جوازَ ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون مستدِلًّا به". وإنما قدَّمتُ هذا التقديمَ لأنّ الجِبْليَّ كان له موقفانِ من القراءات الصحيحة، الأول: قَبْوله هذه القراءات وعدم ردِّها أو تضعيفها من ناحية العربية، والثانِي: تابَعَ الجِبْليُّ فيه بعضَ العلماء الذين كانوا يعترضون على بعض القراءات الصحيحة ويردُّونها، وهذا ما سوف أفصِّله فيما يلي: أ - ارتضاء الجِبْلِيِّ القراءاتِ الصحيحةَ: إذا نظرنا في كتاب "البستان" وجدنا أنّ الجِبْليَّ كان حريصًا -في أغلب المواضع- على التسليم بالقراءة الصَّحيحة وعدم معارضتها، ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (٣)، _________ (١) مقدمة تحقيق إعراب القرآن للنحاس، للدكتور زهير غازي زاهد ١/ ١٠٥، وينظر: البحث اللغوي عند العرب ص ٢١ وما بعدها، أثر القرآن والقراءات في النحو العربي ص ٣٢٠ وما بعدها. (٢) الاقتراح في علم أصول النحو للسيوطي ص ٩٨ - ١٠٠. (٣) الأنبياء ٣٠.

стр. 39

قال الجِبْلي (١): "قرأ ابنُ كثير: ﴿أَلَمْ يَرَ﴾ بغير واو". ولم يعلِّق الجِبْلي على القراءة بشيءٍ. ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "قرأ أهلُ المدينة المِثْقال بالزفع، بمعنى: وإن وَقَعَ، وحينئذٍ لا خَبَرَ لها، وقرأ الباقونَ بالنَّصب على معنى: وإن كان ذلك الشيءُ مِثْقالَ حبةٍ". ٣ - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قرأ ابنُ عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ﴾ بغير ألفٍ فيهما، وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿خَراجًا﴾ بألفٍ فيهما، وقرأ الباقون: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ﴾ بالألف". ٤ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٦)، قال الجبْلي (٧): "وقرأ حمزةُ والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: ﴿حَاذِرُونَ﴾، قال الفَرّاء (٨): الحاذِرُ: الذي يَحْذَرُكَ الآن، والحَذِرُ: المخلوق كذلك لا تلقاه إلّا حَذِرًا، وقال الزَّجّاج (٩): الحاذر: المستعدّ، والحَذِرُ: المُتَيَقِّظُ، وقال أبو عُبيدة (١٠): يقال: رَجُلٌ حَذِرٌ وحاذِرٌ". _________ (١) البستان ١/ ١٨٦. (٢) الأنبياء ٤٧. (٣) البستان ١/ ١٩٢. (٤) المؤمنون ٧٢. (٥) البستان ١/ ٢٩٤. (٦) الشعراء ٥٦. (٧) البستان ١/ ٤١٦. (٨) معاني القرآن ٢/ ٢٨٠. (٩) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٩٢. (١٠) مجاز القرآن ٢/ ٨٦.

стр. 40

ب - اعتراضاتٌ للجِبْلِيِّ على قراءاتٍ صحيحة: ولكنّنا نرى الجِبْليَّ -في مواضعَ أُخَرَ- يتابع الفريقَ الذي يعترض على بعض القراءات الصّحيحة أو يردُّها أو يضعِّفها، فنراه يحكم أحيانًا على قراءةٍ صحيحة بالضعف أو الشّذوذ أو الردّ، وغالبًا ما يكون في موقفه هذا مُتابِعًا لأحد العلماء السابقين، كالفَرّاء والمبرّد والطَّبري والنَّحاس وأبي عَلِيٍّ الفارسي والثعلبي وغيرهم. ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقرأ ابنُ عامر وأبو بكر، عن عاصم: ﴿نُنْجِي﴾ بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجميع النَّحْويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغلط وأنها لحنٌ، ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا فقال (٣): أَضمَر المصدر في "نُجِّيَ" فنَوى به الرَّفعَ، ونصب ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمارِ المصدر، وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة (٤): ولوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَزوَ كلبٍ... لَسُبَّ بذلك الجَزوِ الكِلابا قال أبو علىٍّ الفارسي (٥): هذا إنّما يجوز في ضرورة الشِّعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصمٍ غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ: ﴿نُنْجِي﴾ بنونَيْن كما روى حفصٌ عنه، ولكن _________ (١) الأنبياء ٨٨. (٢) البستان ١/ ٢٥٤. (٣) معاني القرآن ٢/ ٢١٥. (٤) تأويل مشكل القرآن ص ٥٥. (٥) الحجة للفارسي ٣/ ١٦٠، ١٦١.
следующие страницы →