Полный текст (2 128 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المبحثُ السابع موقفُ الجِبْليِّ من أصول النَّحو
وسوف أتناول هنا مو قفَه من الأمور التالية: السَّماع - القياس - الإجماع.
المطلبُ الأول: موقفُه من السَّماع:
وأنواعُ السَّماع هي: القرآنُ الكريم وقراءاتُه، والحديثُ النَّبويُّ الشريف، وكلام العرب نَثْرًا وشعرًا.
أولًا: موقفُه من الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاتِه
إذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ كان يضع النصَّ القرآنِيَّ في المرتبة الأولى في الاحتجاج، ولا يَعْتَرِضُ عليه بوجهٍ من الوجوه، وهذا واضحٌ في الكتاب كلِّه، والأمثلة عليه أكثرُ من أن تُحصَى.
وأمّا القراءاتُ فإنّني سوف أتناولها بشيءٍ من التفصيل، نظرًا لاختلاف موقف الجِبْليِّ منها عن موقفِه من النص القرآنِيِّ.
١ - موقفه من القراءاتِ الصّحيحة:
القراءاتُ الصّحيحة هي: قراءات القُرّاءِ السبعةِ، بالإضافة إلى القُرّاءِ الثلاثة بعدَهم (١)، وقد ذكر ابن الجَزَري شروطَ القراءة الصَّحيحة،
_________
(١) ينظر: التيسير للدانِي ص ٤: ٧، العنوان لإسماعيل بن خلف المقرئ ص ٤٠، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ١٠٨، إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي ١/ ٧٢، ٧٥.
стр. 37
فقال (١): "كلُّ قراءةٍ وافَقَت العربيّة ولو بوَجْيهٍ، ووافَقَت المصاحفَ العثمانيّةَ ولو احتمالًا، وصحُّ سَنَدُها، فهي القراءةُ الصُّحيحة التي لا يجوزُ رَدُّها، ولا يَحِل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نَزَل بها القرآن، ووَجَب على الناس قَبولُها، سواءٌ كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشَرة أم عن غيرِهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ رُكْنٌ من هذه الأركان الثلاثةِ أُطْلِقَ عليها ضعيفةٌ أو شاذّةٌ أو باطلةٌ، سواءٌ كانت عن السبعة أم عَمَّن هو أكبرُ منهم".
ثم حَكَى ابنُ الجَزَري عن أبِي عَمْرٍو الدانِي، أنه قال (٢): "وأئمةُ القُرّاءِ لا تَعمَل في شيءٍ من حروف القرآن على الأَفْشَى في اللغة، والأَقْيَسِ في العربيةِ، بل على الأثبتِ في الأثَر، والأصحِّ في النَّقل، والرِّوايةُ إذا ثَبتَت عنهم لم يَرُدَّها قِياسُ عَرَبِيّةٍ ولا فُشُوُّ لغةٍ؛ لأنّ القراءةَ سُنّةٌ متَّبَعةٌ يلزم قَبولُها والمصير إليها".
ولذلك كان كثيرٌ من النُّحْويِّين لا ينكرون قراءةً من القراءات التي وردت عن القُرّاءِ السبعة ولا يضعِّفونَها ولا يرُدُّونَها، فسيبويهِ يقول مثلًا (٣): "وقد قرأ بعضهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٤) إلّا أنّ القراءةَ لا تُخالَفُ، لأنّ القراءةَ السُّنّةُ".
_________
(١) النشر في القراءات العشر ١/ ٩، وينظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ١/ ٩٩، اللهجات العربية في القراءات القرآنية للدكتور/ عبده الراجحي ص ٧٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٢٩، ٣٥، أثر القرآن والقراءات في النحو العربِي د/ محمد سمير نجيب اللبدي ص ٣١٩، ٣٢٠.
(٢) النشر في القراءات العشر ١/ ١٠، ١١، وينظر: الإتقان للسيوطي ١/ ١٠٠، اللهجات العربية في القراءات القرآنية د/ عبده الراجحي ص ٨٤، في أصول النحو للأفغاني ص ٣٠، البحث اللغوي عند العرب د/ أحمد مختار عمر ص ٢٩.
(٣) الكتاب ١/ ١٤٨.
(٤) بفتح ﴿ثَمُودُ﴾ [فصلت: ١٧].
стр. 38
ولكنّ بعض النَّحْويِّين -كالفَرّاء والمبرّد وغيرهما- كانوا ينكرون بعض القراءات إذا خالفت القياس عندهم، ولو كانت عن السَّبعة (١).
قال السُّيوطي (٢): "كان قومُ من النُحاة المتقدِّمين يَعِيبون على عاصم وحمزةَ وابن عامر قراءاتٍ بعيدةً في العربية، وينسُبونهم إلى اللَّحن. وهم مخطئون في ذلك، فإنّ قراءاتِهم ثابتةٌ بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعَنَ فيها، وثبوت ذلك دليلٌ على جوازه في العربية، وقد رَدَّ المتأخِّرون -منهم ابنُ مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رَدٍّ، واختار جوازَ ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون مستدِلًّا به".
وإنما قدَّمتُ هذا التقديمَ لأنّ الجِبْليَّ كان له موقفانِ من القراءات الصحيحة، الأول: قَبْوله هذه القراءات وعدم ردِّها أو تضعيفها من ناحية العربية، والثانِي: تابَعَ الجِبْليُّ فيه بعضَ العلماء الذين كانوا يعترضون على بعض القراءات الصحيحة ويردُّونها، وهذا ما سوف أفصِّله فيما يلي:
أ - ارتضاء الجِبْلِيِّ القراءاتِ الصحيحةَ:
إذا نظرنا في كتاب "البستان" وجدنا أنّ الجِبْليَّ كان حريصًا -في أغلب المواضع- على التسليم بالقراءة الصَّحيحة وعدم معارضتها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (٣)،
_________
(١) مقدمة تحقيق إعراب القرآن للنحاس، للدكتور زهير غازي زاهد ١/ ١٠٥، وينظر: البحث اللغوي عند العرب ص ٢١ وما بعدها، أثر القرآن والقراءات في النحو العربي ص ٣٢٠ وما بعدها.
(٢) الاقتراح في علم أصول النحو للسيوطي ص ٩٨ - ١٠٠.
(٣) الأنبياء ٣٠.
стр. 39
قال الجِبْلي (١): "قرأ ابنُ كثير: ﴿أَلَمْ يَرَ﴾ بغير واو". ولم يعلِّق الجِبْلي على القراءة بشيءٍ.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "قرأ أهلُ المدينة المِثْقال بالزفع، بمعنى: وإن وَقَعَ، وحينئذٍ لا خَبَرَ لها، وقرأ الباقونَ بالنَّصب على معنى: وإن كان ذلك الشيءُ مِثْقالَ حبةٍ".
٣ - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قرأ ابنُ عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ﴾ بغير ألفٍ فيهما، وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿خَراجًا﴾ بألفٍ فيهما، وقرأ الباقون: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ﴾ بالألف".
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٦)، قال الجبْلي (٧): "وقرأ حمزةُ والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: ﴿حَاذِرُونَ﴾، قال الفَرّاء (٨): الحاذِرُ: الذي يَحْذَرُكَ الآن، والحَذِرُ: المخلوق كذلك لا تلقاه إلّا حَذِرًا، وقال الزَّجّاج (٩): الحاذر: المستعدّ، والحَذِرُ: المُتَيَقِّظُ، وقال أبو عُبيدة (١٠): يقال: رَجُلٌ حَذِرٌ وحاذِرٌ".
_________
(١) البستان ١/ ١٨٦.
(٢) الأنبياء ٤٧.
(٣) البستان ١/ ١٩٢.
(٤) المؤمنون ٧٢.
(٥) البستان ١/ ٢٩٤.
(٦) الشعراء ٥٦.
(٧) البستان ١/ ٤١٦.
(٨) معاني القرآن ٢/ ٢٨٠.
(٩) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٩٢.
(١٠) مجاز القرآن ٢/ ٨٦.
стр. 40
ب - اعتراضاتٌ للجِبْلِيِّ على قراءاتٍ صحيحة:
ولكنّنا نرى الجِبْليَّ -في مواضعَ أُخَرَ- يتابع الفريقَ الذي يعترض على بعض القراءات الصّحيحة أو يردُّها أو يضعِّفها، فنراه يحكم أحيانًا على قراءةٍ صحيحة بالضعف أو الشّذوذ أو الردّ، وغالبًا ما يكون في موقفه هذا مُتابِعًا لأحد العلماء السابقين، كالفَرّاء والمبرّد والطَّبري والنَّحاس وأبي عَلِيٍّ الفارسي والثعلبي وغيرهم.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقرأ ابنُ عامر وأبو بكر، عن عاصم: ﴿نُنْجِي﴾ بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجميع النَّحْويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغلط وأنها لحنٌ، ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا فقال (٣): أَضمَر المصدر في "نُجِّيَ" فنَوى به الرَّفعَ، ونصب ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمارِ المصدر، وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة (٤):
ولوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَزوَ كلبٍ... لَسُبَّ بذلك الجَزوِ الكِلابا
قال أبو علىٍّ الفارسي (٥): هذا إنّما يجوز في ضرورة الشِّعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصمٍ غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ: ﴿نُنْجِي﴾ بنونَيْن كما روى حفصٌ عنه، ولكن
_________
(١) الأنبياء ٨٨.
(٢) البستان ١/ ٢٥٤.
(٣) معاني القرآن ٢/ ٢١٥.
(٤) تأويل مشكل القرآن ص ٥٥.
(٥) الحجة للفارسي ٣/ ١٦٠، ١٦١.
стр. 41
النُّونَ الثانيةَ من ﴿نُنْجِي﴾ تَخْفَى مع الجيم، ولا يَجُوزُ تبيينُها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام، فظَنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانُه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ ما سكَّن الياء ولَوَجَبَ أن تُرفَع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.
٢ - في قوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ولا يجوز أن تُضَمَّ الدال وتُهمَز؛ لأنه ليس في الكلام: فُعِّيلٌ".
هذا ما قاله الجِبْلي، وهذا الذي لم يُجِزْهُ قَرأَ به حمزةُ وعاصمٌ في رواية أبي بكر.
٣ - خَطَّأَ الجِبْليُّ حَمزةَ في قراءةٍ له، ففي قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قرأ العامّةُ: ﴿السَّيِّئِ﴾ بإشباع الإعراب، وقرأ الأعمَش وحمزة: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بإسكان الهمزة تخفيفًا كراهةً لالتقاء الحركات، ولا خلافَ في الثانِي، والقراءة المَرْضيّةُ ما عليه العامة، والنَّحْويُّون كلُّهم يزعُمون أنّ هذا من الاضطرار في الشِّعر ولا يجوز مثلُه في كتاب اللَّه تعالى. . . . قال أبو جعفرٍ النَّحّاس (٥): كان الأعمش يقفُ على: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ فيترُك الحركةَ، وهو وَقْفٌ حَسَن تامّ، ثم غَلِطَ عليه الراوي، فرَوَى أنه كان يَحذِفُ الإعراب، فتابَعَ حمزةُ الغالطَ، فقرأ في الإدراج بتَرْك الحركة".
_________
(١) النور ٣٥.
(٢) البستان ١/ ٣٣٤.
(٣) فاطر ٤٣.
(٤) البستان ٢/ ٢١١.
(٥) إعراب القرآن ٣/ ٣٧٧.
стр. 42
٤ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "واختلف القُرّاءُ في قوله: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، فقرأ أهل المدينة: ﴿تَأْمُرُونِي﴾ بنونٍ واحدةٍ خفيفة على الحذف والتخفيف، وقَرأَ أهلُ الشّام بنونَيْنِ على الأصل، وقرأ الآخَرونَ بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة على الإدغام. . . . والأصل: تأمرونَني، فأُدغِمت النونُ في النون، فأمّا ﴿تَأْمُرُونِي﴾ بنونٍ واحدةٍ مخفَّفة فإنّما يجيءُ مِثلُه في الشِّعر شاذًّا، وأبو عَمْرٍو يقول: إنه لَحْنٌ".
فقد حكم الجِبْليُّ هنا على قراءة أهل المدينة بالشُّذوذ.
٥ - في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "هو مأخوذٌ من: أَنْشَأَهُ اللَّهُ، أي: ابْتَدَأَ خَلْقَهُ، قَرأَ أهل الكوفة إلّا أبا بكرٍ بضمِّ الياء وفتح النُّون وتشديد الشِّين على غيرِ تسميةِ الفاعل، أي: يُرَبَّى في الحُلِيِّ، يعني: البناتِ، وهو رديءٌ؛ لأنه لم يُحْكَ في اللغة: نَشَّأَ بمعنى أَنْشَأَ، إلّا أن يقال: إنه في القياس، مثل: بَلَّغَ وأبْلَغَ وفَرَّحَ وأفْرَحَ".
فهو هنا يَحكُم على قراءة أهل الكوفة بالرَّداءة.
جـ - مفاضلةُ الجِبْليِّ بين قراءاتٍ صحيحة:
وفي مواضعَ أخرى نجدُ الجِبْليَّ يُفاضِلُ بينَ قراءتَيْنِ صحيحتَيْن، أو يرجِّح إحداهما على الأخرى، أو يَحكم عليها بأنها أَوْلَى من الأخرى، على الرَّغم من أنّ
_________
(١) الزمر ٦٤.
(٢) البستان ١/ ٣٦٦.
(٣) الزخرف ١٨.
(٤) البستان ٢/ ٤٥٩.
стр. 43
العلماء حَذَّروا من ذلك، يقول النَّحّاس (١): "والسلامة من هذا عند أهل الدِّين إذا صحَّت القراءتان عن الجماعة ألّا يقال: إحداهما أجوَدُ من الأخرى؛ لأنهما جميعًا عن النبي ﷺ ، فيأثَم من قال ذلك، وقد كان رؤساء الصَّحابة ﵏ ينكرون مثل هذا".
وقال النَّحّاس أيضًا (٢): "الدِّيانة تحظُر الطعن على القراءة التي قرأ بها الجماعة، ولا يجوز أن تكون مأخوذةً إلّا عن النبي ﷺ ".
وقد أورد الزَّرْكَشي والسُّيوطي وغيرُهما كلام العلماء في هذا الأمر (٣).
ومن أمثلة ما فاضَلَ فيه الجِبْلِيُّ بَيْنَ قراءات صحيحة:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قرأ أهل الكوفة إلّا عاصمًا: بكسر السين في الموضعَيْنِ، على معنى الاسم، مثلَ: المجلِس والمطلِع، أي: مَذْبَحًا، وهو موضعُ القُربان، وقرأ الباقون بالفتح فيهما على المصدر، مثلَ: المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، وهو إهْراقُ الدّماء وذَبْحُ القَرابِين، والفتحُ أَوْلى؛ لأنّ المصدر من هذا الباب بفتح العين، يقال: نَسَكَ يَنْسُكُ: إذا ذَبَحَ القُرْبانَ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "قرأ أبو عبد الوحمن السُّلَميُّ وأبو جعفرٍ وحُمَيدٌ الأعرجُ والكِسائيُّ، ويعقوبُ
_________
(١) إعراب القرآن ٥/ ٦٢.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٢٣١.
(٣) ينظر: البرهان للزركشي ١/ ٣٤٠، الإتقان للسيوطي ١/ ١٠٩، وينظر: البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر ص ٢٢.
(٤) الحج ٣٤.
(٥) البستان ١/ ٢٤٨.
(٦) النمل ٢٥.
(٧) البستان ١/ ٤٥٢.
стр. 44
برواية وَرْشٍ: ﴿أَلَا يا اسْجُدُوا﴾ بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاءِ اسجُدوا. . . قال الواحدي (١): والوجهُ قراءةُ العامّة لئلّا تنقطع الصِّلة بما ليس منها".
٣ - في قوله تعالى: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "واختَلف القُرّاء فيها، فقرأ ابنُ كثيرٍ ووَرْشٌ وأبو عُبَيد وأبو حاتم بفتح الخاء وتشديد الصاد، ومِثْلَهُ رَوَى هشامٌ عن أهل الشام، لَمّا أدغَموا نَقَلوا حركةَ التاء إلى الخاء، وقرأ حفصٌ وأيوبُ، ووَرْشٌ عن نافعٍ، ساكنةَ الخاء مشدَّدةَ الصاد، وقرأ أبو عَمْرٍو بالإخفاء، غيرَ أنّ أبا عَمْرٍو وهشامًا يُشِمّانِ الخاءَ شيئًا من الفتح، وقرأ حمزةُ الخاءَ مخفَّفةً والصادَ مكسورةً، أي: يَغلِب بعضُهم بعضًا بالخِصام، وهي قراءة أُبَيِّ بنِ كعب، وقرأ الباقونَ بكسر الخاء وتشديد الصّاد إلّا أنّ أبا بكرٍ يكسر الياء، وأجوَدُ القراءةِ فتحُ الخاء مع تشديد الصاد؛ لأنّ الأصل: يختصِمون، فألقِيَت حركةُ الحرف المدغَم، وهو التاء، على الساكن الذي قبلَه، وهو الخاء".
٤ - في قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قرأ حمزةُ والكِسائيُّ وعاصمٌ وابنُ ذَكْوانَ: ﴿كُرْهًا﴾ بضمِّ الكاف، ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقرأ نافعٌ وشَيْبةُ وأبو جعفرٍ وأبو عَمْرٍو وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ: ﴿كُرْهًا﴾ بفتح الكاف، وهو أَوْلى؛ لأنه المصدر بِعَيْنِهِ، والكُرْهُ: اسمٌ للمصدر لا مصدرٌ".
_________
(١) الوسيط ٣/ ٣٧٥.
(٢) يس ٤٩.
(٣) البستان ٢/ ٢٣٨.
(٤) الأحقاف ١٥.
(٥) البستان ٣/ ٤٩.
стр. 45
٥ - في قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقرأ حمزةُ والكِسائي: "فَتَثَبَّتُوا" وبالتاء والثاء، من الثَّباتِ، وهو أبلغُ في المعنى؛ لأن الإنسان قد يَتَثَبَّتُ ولا يَتَبَيَّنُ، وإذا تَبَيَّنَ فقد تَثَبَّتَ".
٢ - موقفُ الجِبْلي من القراءات الشّاذّة:
القراءة الشّاذّةُ هي: ما فَقَدتْ شرطًا أو أكثرَ من شروط القراءة الصحيحة التي سبق ذِكرُها، وهذه القراءاتُ يَحتجُّ بها العلماءُ في اللّغة، قال ابنُ جِنِّي في الضَّرب الثانِي من ضَرْبَيِ القراءات (٣): "وَضَرْبًا تَعَدَّى ذلك، فسمّاه أهلُ زماننا شاذًّا؛ أي: خارجًا عن قراءة القُرّاءِ السبعة المُقَدَّمِ ذِكْرُها، إلّا أنه -معَ خروجِه عنها- نازعٌ بالثِّقة إلى قُرّائه، محفوفٌ بالروايات من أَمامِه وورائه، ولعلّه أو كثيرًا منه مُساوٍ في الفصاحة للمُجتمَعِ عليه، نعم! وربما كان فيه ما تَلطُفُ صَنْعتُهُ، وتَعْنُفُ بغيره فصاحتُهُ، وتَمْطُوهُ قُوَى أسبابِهِ، وتَرْسُو به قَدَمُ إعرابِه".
وقال السُّيوطي (٤): "وقد أَطْبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذّة في العربيّة إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، بل! ولو خالفته يُحْتَجُّ بها في مثل ذلك الحرف بعَيْنِه، وإن لم يَجُز القياسُ عليه، كما يُحتَجُّ بالمُجمَع على وروده ومخالفته القياسَ في ذلك الواردِ بعَيْنه، ولا يقاسُ عليه، نحوَ ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ (٥) و ﴿يَأْبَى﴾ " (٦).
_________
(١) الحجرات ٦.
(٢) البستان ٣/ ١١٧.
(٣) المحتسب ١/ ٣٢.
(٤) الاقتراح في علم أصول النحو ص ٩٦، وبنظر: الإتقان للسيوطي أيضًا ١/ ١٠٨، وينظر أيضًا ما ذكره الزركشي في البرهان ١/ ٣٣٦، ٣٣٧.
(٥) المجادلة ١٩.
(٦) التوبة ٣٢.
стр. 46
وإذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ كان أحيانًا يذكر القراءةَ الشاذّة ليفسِّر بها قراءةً صحيحة، أو ليبيِّن بها إعرابًا لهذه القراءة الصّحيحة، وقد يوجِّه القراءةَ الشاذّة توجيهًا قويًّا في العربية، وَيحتجُّ لها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "واختَلف القُرّاءُ فيه، فقرأ أبو جعفرٍ بكسر التاء فيهما، وقرأ نصرُ بن عاصم بالضمّ، وقرأ أبو حَيْوةَ الشاميُّ بالضمِّ والتنوين، وقرأ الباقونَ بالنّصب من غير تنوين، وكلُّها لغاتٌ صحيحة".
٢ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قرأه العامّةُ بنَصْب القاف، وقرأ مجاهدٌ: ﴿الْحَقُّ﴾ بالرَّفع، على نعت ﴿اللَّهَ﴾، وتصديقه قراءةُ أُبَيٍّ: "يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقُّ دِينَهُمْ"".
٣ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وعيسى بن عُمر: ﴿عُجّابٌ﴾ بالتشديد: وهو المفرِّطُ في العُجْب، كما قالوا: رَجُلٌ حُسّانٌ وامرأةٌ حُسّانةٌ".
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨):
_________
(١) المؤمنون ٣٦.
(٢) البستان ١/ ٢٨٠.
(٣) النور ٢٥.
(٤) البستان ١/ ٣١٧.
(٥) سورة ص ٥.
(٦) البستان ١/ ٣٠١.
(٧) الزخرف ٧٦.
(٨) البستان ٢/ ٤٨٨.
стр. 47
"قال الفَرّاء (١): وهي في حرفِ عبد اللَّه بن مسعود: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال أبو جعفر (٢): فعلى هذا يكون "هُمُ" في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الظّالِمُونَ﴾: خبرُ الابتداء، والابتداءُ وخبرُه خبرُ "كانَ"، كما تقول: كان زيدٌ أبوه خارجٌ، ومثله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، و ﴿الرَّقِيبَ﴾ بالرَّفع أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤) بالنَّصب والرَّفع".
وكان الجِبْلي أحيانًا يُنكر القراءةَ الشاذّةَ ويضعِّفها، أو يذكرُها ليستدلَّ بها على أنّ قراءة العامّة أجوَدُ في العربية، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥)، قال الجِبْليّ (٦): "وقرأ السُّلَميُّ: ﴿يُبْلِسُ﴾ بفتح اللام، وقراءةُ العامّة أجوَد".
٢ - في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "و ﴿ذَلِكَ﴾: ابتداء، و ﴿عَالِمُ﴾: خبره، و ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: نعتُه، ومن قرأ بالخَفْض (٩) فهو شاذ، نعت لقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، تقديره: من ربِّ العالَمين العزيزِ الرَّحيم، وهذا بعيدٌ لِما بينَهما من الفصول والآيات والكلمات الكثيرة".
_________
(١) معاني القرآن ٣/ ٣٧.
(٢) يعني النحاس، ينظر: إعراب القرآن ٤/ ١٢١.
(٣) المائدة ١١٧.
(٤) الأنفال ٣٢.
(٥) الروم ١٢.
(٦) البستان ٢/ ٣١.
(٧) السجدة ٦.
(٨) البستان ٢/ ٧٨.
(٩) قرأ: ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بالخفض أبو زيد النحوي، ينظر: مختصر ابن خالويه ص ١١٨، البحر المحيط ٧/ ١٩٤.
стр. 48
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقرأ ابنُ كثيرٍ: "أَلِتْنَاهُمْ" بكسر اللام، وذلك لا يَعرِفُه أهلُ اللّغة، وقَرأَ الباقون: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ بفتح اللام".
٣ - نظراتٌ في استشهاد الجِبْلِّي بالقراءات:
يُمكن تدوينُ النظَرات التالية حول استشهاد الجِبْليِّ بالقراءات:
أولًا: أنه كان يَذكُر قراءةً صحيحةً دون أن يَذكُرَ أنها من السبعة، ودونَ أن يذكر مَن قَرأ بها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
- في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وقُرئ: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ ".
ولم ينسُبْها رَغْم أنها قراءةُ حمزةَ والكِسائيِّ من السبعة، وقراءةُ خَلَف والأعمش أيضًا (٥).
ثانيًا: أنه كان يقول في توجيهه لكلمةٍ ما: "يجوزُ الرَّفع" مثلًا، أو: "يجوز الخَفْض"، ونحوَ ذلك، ولكنه ينبِّه على أنّ هذا يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٦)، قال
_________
(١) الطور ٢١.
(٢) البستان ٣/ ١٩٢.
(٣) المؤمنون ٩.
(٤) البستان ١/ ٢٦٩.
(٥) ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٤، إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي ٢/ ٢٨٢.
(٦) القصص ٨٨.
стр. 49
الجِبْلي (١): "ونصبُ الوَجْه: على الاستثناء، ويجوزُ في الكلام الرَّفعُ على معنى الصِّفة، كأنه قال: غيرُ وجهِه".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "ولو كان في غير القرآن لَجاز النَّصبُ على المصدر".
ثالثًا: أنه كان يقولُ في توجيهه لكلمةٍ ما: "ويجوز الرفع. . . " مثلًا، أو "يجوز الخَفْض. . . " ونحوَ ذلك، دون أن ينبِّه على أنّ هذا إنّما يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "و ﴿بَصَائِرَ﴾: منصوبٌ على الحال، و ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾: عطفٌ عليه، ويجوزُ الرَّفع بمعنى: وهو هُدًى -يعني: الكتابَ- ورحمةٌ لمن آمن به من العذاب".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): ﴿وَهُوَ﴾: نصبٌ على المصدر، قال الزَّجّاج (٨): ويجوز: " ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالرفع، بمعنى: ذلك وعدُ اللَّه".
_________
(١) البستان ١/ ٥١٧.
(٢) الصافات ١٨١.
(٣) البستان ٢/ ٢٨٩.
(٤) القصص ٤٣.
(٥) البستان ١/ ٤٩٦.
(٦) الروم ٦.
(٧) البستان ٢/ ٣٠.
(٨) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ١٧٧، ١٧٨.
стр. 50
رابعًا: وقد يُجَوِّزُ وَجْهًا أو أكثرَ في كلمةٍ ما، بدون أن يَذكُر أنه قد قُرئ به في الشّواذِّ، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - أنه قال (١): "قولُه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢) بالخَفْض: نعتٌ لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، وأجاز الكِسائيُّ (٣) والفَرّاء (٤): "مُحْدَثًا" يعني: ما يأتيهم مُحدَثًا، وأجاز الفَرّاء (٥) -أيضًا- رَفْعَ ﴿مُحْدَثٍ﴾ على تأويل: ﴿ذِكْرٌ﴾؛ لأنك لو حذفتَ ﴿مِنْ﴾ رفعتَ ذِكْرًا".
ولم يذكُر أنه قُرِئَ بالنَّصب والرَّفع، فقد قَرأ بالنَّصب زيدُ بنُ عليٍّ، وقرأ بالرَّفع إبراهيمُ بن أبِي عَبْلة (٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "ويجوز الرفعُ، بمعنى: قُلُوبُهُم لَاهِيةٌ، أو يكون خبرًا بعدَ خبر، أو على إضمارِ مبتدأٍ".
وقد قرأ بالرَّفع إبراهيمُ بن أبِي عَبْلة وعيسى بن عُمر وعِكرمةُ وسعيدُ بن جُبَير (٩).
_________
(١) البستان ١/ ١٧٨.
(٢) الأنبياء ٢.
(٣) ينظر رأي الكسائي في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٣، مشكل إعراب القرآن ٢/ ٨١.
(٤) معاني القرآن ٢/ ١٩٧.
(٥) ينظر: معانِي القرآن ٢/ ١٩٧، ١٩٨.
(٦) الكشاف ٢/ ٥٦٢، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
(٧) الأنبياء ٣.
(٨) البستان ١/ ١٨٠.
(٩) ينظر: زاد المسير ٥/ ٣٤٠، مفاتيح الغيب ٢٢/ ١٤١، البحر المحيط ٦/ ٢٧٥.
стр. 51
٣ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ونَصْبُ ﴿آخِذِينَ﴾ على الحال، ويجوز رفعُه في غير القرآن على خبر ﴿إِنَّ﴾ ".
وقد قرأ ابنُ أَبِي عَبْلةَ واليمانِيُّ بالرَّفع (٣).
خامسًا: وقد يُجَوِّزُ وَجْهًا أو أكثَر في كلمةٍ ما، رَغْم أنه لم يُقرَأْ بهذا الوَجْه، ودون أن ينبِّه على أنّ هذا إنما يجوزُ في غير القرآن، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وهو خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ويجوز النَّصبُ على الحال، ويكونُ الخبر: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ ".
وما أجازه الجِبْليُّ هنا لم يقرَأْ به أحدٌ، كما قد يُوهِمُ به كلامُه، وهو في هذا متابِعٌ للنَّحاسِ (٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٧)، قال الجبلي (٨): "مبتدأٌ وخبرٌ، وأجاز أبو إسحاقَ (٩) نصبَ ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: أُحِقُّ الحقَّ، أو: أعنِي الحقَّ".
_________
(١) الذاريات ١٥، ١٦.
(٢) البستان ٣/ ١٦٦.
(٣) ينظر: شواذ القراءة للكرمانِيِّ ورقة ٢٢٩، عين المعانِي للسجاوندي ورقة ١٢٦/ ب.
(٤) النور ١١.
(٥) البستان ١/ ٣١٣.
(٦) ينظر: إعراب القرآن ٣/ ١٣٠.
(٧) الفرقان ٢٦.
(٨) البستان ١/ ٣٧٥.
(٩) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٥.
стр. 52
ولم يذكُر الجِبليُّ بقيّة كلام الزَّجّاج، فقد قال الزَّجّاج (١): "ولم يُقْرَأْ بها، فلا تَقْرَأَنَّ بها".
٣ - في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "و ﴿يَوْمَ﴾: منصوبٌ على الظرف، وأجاز الفَرّاءُ رفعَه (٤) ".
سادسًا: أنّ الجِبْليَّ ربما نَسَب قراءةً إلى غير مَن قَرأَ بها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ (٥)، قال الجِبْليُّ (٦): "قرأ قَتادةُ ومجاهدٌ وابنُ سِيرِينَ وعَوْنٌ وابنُ مُحَيْصِنٍ وأبو جعفرٍ ونافعٌ والأعمشُ وحمزةُ وأيوبُ بإسكانِ الياء، على أنه: اسمٌ موصوفٌ بالفعل، تقول: عَلَاهُمْ مِنْ عالِيهِمْ".
وقد قرأ قَتادةُ ومجاهدٌ وابنُ سِيرِينَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على أنه حرفُ جَرٍّ، لا كما ذكر المؤلِّف (٧).
٢ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): "قرَأَه
_________
(١) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٦٥.
(٢) السجدة ٢٩.
(٣) البستان ٢/ ٩٢.
(٤) ينظر: معانِي القرآن للفراء ٢/ ٣٣٣.
(٥) الإنسان ٢١.
(٦) البستان ٤/ ٢١٥.
(٧) ينظر: تفسير القرطبي ١٩/ ١٤٥، البحر المحيط ٨/ ٣٩١.
(٨) المعارج ٤٣.
(٩) البستان ٤/ ٧٨.
стр. 53
العامّةُ: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ بفتح الياء وضمِّ الراء، وقَرأَ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ بضمِّ الياء وفتح الراء".
وهذه ليست قراءةَ عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ، وإنما هي قراءةُ عاصم بن أبي النَّجُود في رواية كلٍّ من الأعشى وأَبي بكرٍ عنه، وهي أيضًا قراءةُ عَلِيِّ بن أَبي طالبٍ والأعمش والسُّلَمِيِّ (١).
ثانيًا: موقفُ الجِبْليِّ من الاستشهاد بالحديث:
إذا نظرنا في "البستان" وجدنا أنّ الجِبْليَّ استشهَد بالحديث النَّبويِّ بصورةٍ كبيرة، ولكنّ هذا الاستشهادَ بهذه الأحاديث ينقسم قسمَيْن:
الأول: أحاديثُ أوردها الجِبْليُّ في فضائل السُّور، أو في تفسير الآيات، أو في بيانِ أسبابِ النزولِ، أو في بيانِ حُكْمٍ فِقْهِيٍّ ونحوِ ذلك، وهذه الأحاديث كثيرةٌ جدًّا، والأمثلة عليها أكثرُ من أن تُحصَى.
الثانِي: أحاديثُ أوردها الجِبْليُّ للاستشهاد بها على حُكمٍ نَحْويٍّ، أو معنًى لُغَوِيٍّ، وهذه الأحاديث قليلةٌ بالنسبة للقسم الأول، ومن أمثلتها:
١ - ما ذكره الجِبْلي في شرحه لمعنى التقدير في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، فقد قال حاكيًا عن أبي عُمرَ الزاهد (٣): "يقال: قَدَرَ اللَّهُ لك الخيرَ، يَقْدِرُهُ قَدْرًا، المعنى: قَدَّرَهُ، ومنه الخبر في هلال رمضان: "فإنْ غُمَّ عليكُم فاقْدُرُوا لهُ"؛ أي: قدِّرُوا له".
_________
(١) ينظر: مختصر ابن خالويه ص ١٦٢، تفسير القرطبي ١٨/ ٢٩٦، البحر المحيط ٨/ ٣٣٠.
(٢) الأنبياء ٨٧.
(٣) البستان ١/ ٢٠٢.
стр. 54
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "والهَوْنُ في اللغة: الرِّفق واللِّين، ومنه قوله ﷺ : "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما".
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قرأ العامّة: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف، وقرأ حُمَيدٌ الأعرج ويعقوبُ بضمِّ الكاف، قال أبو عَمْرٍو بنُ العلاء: هو خطأ؛ لأنّ الكُبْر بالضمِّ في الوَلَاءِ والسِّنِّ، ومنه الحديث: "الولاء للكُبْر"، وهو: أَقْعَدُ وَلَدِ الرَّجُلِ من الذكور وأقربُهم إليه نسبًا".
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "قال الزَّجّاج (٧): من لم يصرِفْ فلأنّه اسمُ مدينة تُعرَف بِمَأْرِبَ: من اليمن، بينها وبين صنعاءَ مسيرةُ ثلاثة أيام، ومَن صَرَف فلأنّه اسمُ البلد، فيكون مذكَّرًا سُمِّي به مذكَّر. ورُوِيَ في الحديث، أنّ النبيَّ ﷺ سئل عن سَبَأٍ فقال: "كان رجلًا له عشَرةٌ من البنين".
٥ - في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): "وأصلُ المَرْجِ:
_________
(١) الفرقان ٦٣.
(٢) البستان ١/ ٣٩١.
(٣) النور ١١.
(٤) البستان ١/ ٣١٣.
(٥) النمل ٢٢.
(٦) البستان ١/ ٤٥٠.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ١١٤.
(٨) سورة ق ٥.
(٩) البستان ٣/ ١٤٠.
стр. 55
الاضْطِرابُ والقَلَقُ، يقال: مَرَجَ أمْرُ النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، ومَرَجَ الخاتَمُ في إِصْبَعِي، أي: قَلِقَ من الهُزالِ، وفي الحديث: "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأماناتُهُمْ".
٦ - في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقرأ النَّخغِيُّ والشَّعْبِيُّ: ﴿فَلَا تَكْهَرْ﴾ بالكاف، وكذلك هو في قراءة عبد اللَّه بن مسعود، والكَهْرُ في اللغة: القَهْرُ والانْتِهارُ، والكَهْرُ: عُبُوسُ الوَجْهِ والشَّتْمُ، والعربُ تُعاقِبُ بَيْنَ الكاف والقاف، يَدُلُّ عليه حديثُ مُعاوِيةَ بنِ الحَكَمِ الذي تكلَّم في الصلاة: "واللَّهِ ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي"، يعني: رسولَ اللَّه ﷺ ".
ثالثًا: موقفُ الجِبْليِّ من الاستشهاد بكلام العرب
وكلام العرب نَثرٌ وشعر، وسأتكلَّم هنا عن موقفِ الجِبْليِّ من الاستشهاد بالأمثال والشِّعر:
أولًا- استشهاد الجِبْليِّ بالأمثال والأقوال:
الأمثال التي استشهَد بها الجِبْلي تنقسم إلى ثلاثةِ أقسام:
الأول: ما استشهَد به على شرح معنًى لُغَوِيٍّ، ومن أمثلته عنده ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "أي: لم يَقْرُبْ من أن يراها من شدّة الظُّلُمات، قال الفَرّاء (٥): "كاد" صلةٌ، أي: لم يرَها، كما
_________
(١) الضحى ٩.
(٢) البستان ٤/ ٤٦٨.
(٣) النور ٤٠.
(٤) البستان ١/ ٣٤٣.
(٥) معاني القرآن ٢/ ٢٥٥.
стр. 56
تقول: ما كِدت أعرِفُه، وقال المبرّد (١): لم يرَها إلّا بعد الجَهد، كما يقول القائل: ما كدتُ أراك من الظلمة، وقد رآه ولكنْ بعد بأسٍ وشدة، وقيل: معناه: قَرُبَ من الرؤية ولم يَرَ، كما يقال: كاد العروسُ يكونُ أميرًا، وكاد النعام يطير".
٢ - في قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وقال ابنُ عبّاس: يريد النَّوْمَ والماءَ، وكذلك قال ثَعْلَبٌ (٤): البَرْدُ هاهنا: النَّوْمُ، ومن أمثال العرب: "مَنَعَ البَرْدُ البَرْدَ" يعني: النَّوْمَ؛ أي: أصابني من البَرْدِ ما منعني من النوم".
٣ - في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "والطَّبَقُ في اللغة هو: الحال، والعرب تقولُ لِمَن وقع في أمرٍ شديدٍ: وَقَعَ في بَناتِ طَبَقٍ".
الثانِي: ما استشهَد به على حُكمٍ نَحْويٍّ، كاستشهاده على أنّ الألفَ واللام في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٧) للجِنس، فقد قال الجِبْلي (٨): "والكافر هاهنا: اسمٌ للجنس، ولهذا عُرِّفَ بالألف واللام، تقول العرب: أَهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، ويريدون به الجِنْسَ".
الثالث: ما استشهد به على تفسيرِ آيةٍ، ومن أمثلته عنده:
_________
(١) الكامل في اللغة والأدب ١/ ١٩٥.
(٢) النبأ ٢٤.
(٣) البستان ٤/ ٢٥٥.
(٤) ينظر قوله في الأضداد لابن الأنباري ص ٦٤، الزاهر لابن الأنباري ١/ ١٩٧.
(٥) الانشقاق ١٩.
(٦) البستان ٤/ ٣٦٢.
(٧) النبأ ٤٠.
(٨) البستان ٤/ ٢٦٥.
стр. 57
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (١)، قال الجِبْليّ (٢): "أي: وفَرَّقْناهُم في كلِّ وجه من البلاد كُلَّ التفريق، وذلك أنّ اللَّه تعالى لَمّا أغرق مكانَهم، وأَذْهَبَ جَنَّتَيْهِم، تَبَدَّدُوا في البلاد، فصارت العربُ تتمثَّل بهم في الفُرْقةِ، فيقولون: تفرَّقوا أَيْدِيَ سَبَأ، وأَيادِي سَبَأ".
ويُلاحَظُ في هذا المثل اهتمامُ الجِبْلي بذكرِ اختلاف رواية المثل.
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وقيل: أراد بالنَّجم هاهنا: الثُّرَيّا إذا سَقَطَتْ وغابَتْ، والعرب تُسمِّي الثُّرَيّا نَجْمًا وإن كانت في العدد سَبْعةَ أَنْجُمٍ، فسِتّةٌ منها ظاهرةٌ، وواحدٌ منها خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ الناسُ به أبصارَهُم، ومنه قول العرب:
طَلَعَ النَّجْمُ عِشاءَ... ابْتَغَى الرّاعِي كِساءَ".
ثانيًا - استشهاد الجِبْليِّ بالشعر:
اهتمَّ الجِبْلي بالشِّعر اهتمامًا كبيرًا، فقد استشهَد به في ستِّمائةٍ واثنَيْ عشَرَ موضعًا، تكرر الاستشهاد في ثلاثين موضعًا منها، وبليغ عدد الأبيات المستشهَد بها في هذه المواضع الستِّمائة والاثْنَتَيْ عَشْرةَ: سبعَمائةٍ وسبعةً وستينَ بيتًا، بِعَدِّ الشطر من الرَّجَز المشطور بيتًا، وهذه الأبيات تكرَّر منها أربعةٌ وثلاثون بيتًا، وبلغ عددُ أبيات الرَّجَز في هذه الشواهد مائةً وستةً وخَمسين بيتًا، وأمّا أبياتُ الشِّعر فبلغت ستَّمائةٍ وأحدَ عشَرَ بيتًا.
_________
(١) سبأ ١٩.
(٢) البستان ٢/ ١٦٩.
(٣) النجم ١.
(٤) البستان ٣/ ٢٠٠.
стр. 58
وقد رَقَّمْتُ كُلَّ موضعٍ من مواضعِ الاستشهاد برقمٍ واحدٍ، حتى وإن اشتمل على أكثرَ من بيت، وأما الأبيات المكرَّرة فلم أُعِدْ ترقيمها مرةً أخرى، بل اكتفيتُ بالإشارة إلى أنّ هذا الشاهدَ قد تقدَّم برقم كذا في صفحة كذا.
وهذه الأشعار تنقسم قسمَيْن:
الأول: أشعارٌ في الزُّهد والحِكمة ونحوِهما، فقد أورد الجِبْلي عدّةَ أبياتٍ ومقطوعات في الزّهد والحكمة ونحوهما في كتابه، وهذه الأبيات لا ينطبق عليها ما اشترطه العلماءُ من شروط الاستشهاد (١).
والثاني: شواهدُ لُغَويّةٌ ونَحْويّة، وهذا هو الغالبُ على استشهاده بالشِّعر في الكتاب، وهذه الشواهدُ كلُّها لشعراءَ يُحْتَجُّ بشعرهم، ولكنّه استشهد ببيتَيْنِ للمتنبي -وهو لا يُحْتَجُّ بشعره- في موضعَيْنِ على معنيَيْنِ لُغويِّيْنِ:
- الأول: استشهاده على معنى السَّبْحِ ببيتَيْنِ أحدهما للمتنبي، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وأصل السَّبْحِ سُرعةُ الذَّهابِ، ومنه السباحة في الماء لِتَقَلُّبِ السّابِحِ بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وفَرَسٌ سابِحٌ: إذا كان شَدِيدَ الجَرْيِ، قال الشاعر:
أَباحُوا لكُمْ شَرْقَ البِلادِ وغَرْبَها... ففِيها كُم يا صاحِ! سَبْحٌ منَ السَّبْحِ
وقال آخَر:
أَعَزُّ مكانٍ في الدُّنا سَرْجُ سابِحٍ... وخَيْرُ جَلِيسٍ في الزَّمانِ كِتابُ".
_________
(١) ومن أمثلة شعر الزهد والحكمة ونحوهما عنده ما ورد في البستان ص ٢/ ٧٢، ٣/ ٧٨، ٣/ ١٧٣، ١٧٧، ٤/ ٤٨٢، ٥/ ٢٧.
(٢) المزمل ٧.
(٣) البستان ٤/ ١٢٤.
стр. 59
وهذا البيت الثانِي للمتنبي.
- والثانِي: في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١)، فقد قال الجِبْلي (٢): "وقيل: معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣)؛ أي: جَزاؤُكُم في الآخرة، فَأَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ اللِّينِ في الحُسْنِ للأعمالِ رَجاءَ أن يُنْصِفُوا عند اللُّطْفِ، كما قال الشاعر:
فمَن وَجَدَ الإحسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا".
وهذا الشَّطر الذي استأنَس به الجِبْلي إنّما هو عَجُزُ بَيْتٍ لأبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، وصدره:
وقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذَراكَ مَحَبّةً".
- نظراتٌ في استشهاد الجِبْليِّ بالشعر:
يُلاحَظ على الجِبْليِّ عدةُ أمورٍ في استشهاده بالشعر، ومن هذه الأمور:
١ - تَكرار بعض الشواهد: بعضُ الشواهد كرَّره الجِبْلي في موضعَيْنِ، وبعضها كرَّره في ثلاثة مواضعَ، وبعضُها كرَّره في أربعة مواضع.
- فمن الشواهد التي تكرَّرت مرتَيْنِ، واستشهَد به على الوَجْه نفسِه، قولُ الراجز:
جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ منَ العَجَبْ
أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَّنَبْ
_________
(١) الكافرون ٦.
(٢) البستان ٥/ ٩٨.
(٣) فصلت ٤٠.
стр. 60
استشهَد به الجِبْلي على قراءة أبِي عبد الرحمن السُّلَمي وعيسى بن عُمر: ﴿عُجّابٌ﴾ (١) بالتشديد، ثم استشهَد بالبيت الثانِي على الوجه نفسِه في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (٢).
- قولُ الشاعر:
إذا قَصُرَتْ أَسيافُنا كان طُولُها... خُطانا إلى أَعْدائِنا فنُضارِبِ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو أن الجَزْم بـ "إذا" إنّما يجوز في الشِّعر للضرورة (٣).
- قولُ الراجز:
نَحنُ بَنُو جَعْدةَ أربابُ الفَلَجْ
نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونرجُو بِالفَرَجْ
استشهَد به الجِبْليُّ مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو زيادةُ الباء (٤).
- قولُ ذي الرُّمّة:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى... وصُورتِها، أو أنتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على مجيء "أو" بمعنى: "بل" (٥).
_________
(١) ص ٥، وينظر: البستان ٢/ ٣٠١.
(٢) نوح ٢٢، وينظر: البستان ٤/ ٩٠.
(٣) ينظر: البستان ٢/ ١٥١.
(٤) ينظر: البستان ٤/ ١٢.
(٥) ينظر: البستان ٢/ ٢٨٤، ٤٧٦.
стр. 61
- قولُ ذي الرُّمّة:
حَتَّى إذا ما أَضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ... وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومحصُودُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْن، الأولى: في قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (١)، والثانية: في قوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٢)، فقد قال (٣): "وزعم الفَرّاء (٤) أنه يجوز: ﴿مُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرُونَ﴾ يعني: بعضُكُم كذا وبعضُكُم كذا".
وأَنْشَدَ البيتَ السابقَ على أنّ التقدير: منه مَلْويٌّ ومنه محصودٌ.
- قولُ كُثَيِّرِ عَزّةَ:
لِمَيّةَ مُوحِشًا طَلَلُ... يَلُوحُ كأَنَّهُ خِلَلُ
استشهَد به الجِبْلي مرتَيْنِ على وجهٍ واحد، وهو أنّ نعتَ النُّكرة إذا تقدَّم عليها أُغْرِبَ حالًا (٥).
- ومما استشهَد به مرتَيْنِ، ولكنْ على وجهَيْنِ مختلفَيْن قولُ النابغة:
يا دارَ مَيّةَ بِالعَلياءِ فالسَّنَدِ... أَقْوَتْ وطالَ عَليها سالِفُ الأَبَدِ
فقد استشهَد به على الالتفاتِ من الخطاب إلى الغَيْبة في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ
_________
(١) ص ٥٧، ينظر: البستان ٢/ ٣٢٦.
(٢) الفتح ٢٧.
(٣) البستان ٣/ ١٠٥.
(٤) معاني القرآن ٣/ ٦٨.
(٥) ينظر: البستان ٥/ ١٣٤.
стр. 62
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١)، والثانية في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٢) على أن "المُقْوِينَ" بمعنى: المسافرين.
- وقولُ الشاعر:
أستَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ... رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
فقد استشهَد به مرتَيْنِ، الأولى: على أنّ الوجهَ في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) معناه: العَمَلُ، والثانية: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٤) على أنه ممّا حُذِفَ منه حَرْفُ الجرِّ، وتعَدَّى إليه الفعلُ بنفسه.
- قولُ حَسّانَ بن ثابت:
هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بِذُلٍّ... بِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
رواه الجِبْلي بهذه الرواية شاهدًا على أنّ الشُّواظَ هو اللَّهَبُ الذي لا دُخانَ فيه (٥)، ثم استشهَد به مرةً أخرى بروايةٍ مختلفة قليلًا على معنى الهَمْزِ (٦)، وهذه الرواية هي:
هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بِذُلِّ نَفْسٍ... بقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
- وأمّا ما تكرَّر ثلاثَ مرات: فهو قول علقمةَ بن عَبَدةَ:
فإنْ تَسألوني بالنِّساءِ فإنَّني... بَصِيرٌ بِأَدواءِ النِّساءِ طَبيبُ
_________
(١) الحجرات ٧، وينظر: البستان ٣/ ١١٨.
(٢) الواقعة ٧٣، وينظر: البستان ٣/ ٣١٣.
(٣) القصص ٦٨، وينظر: البستان ١/ ٥١٧.
(٤) سورة المطففين ٣، ينظر: البستان ٤/ ٣٣٥.
(٥) البستان ٣/ ٢٦٧.
(٦) البستان ٥/ ٥٨.
стр. 63
استشهَد به الجِبْليُّ ثلاثَ مراتٍ على شاهدٍ واحد، وهو مَجِيءُ "الباء" بمعنى "عن" (١).
- وأمّا ما تكرَّر أربعَ مرات: فهو قولُ الشاعر:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ... فقَد تَرَكتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
فقد استشهَد به الجِبْليُّ أربعَ مراتٍ على حذف الباءِ من "الخير"، وتَعَدِّي الفعلِ إليه بنفسه (٢).
٢ - اهتمامه بإيراد الرِّوايات المختلفة للشواهد الشِّعرية: كان الجِبْلي يهتمُّ أحيانًا بذكر الرِّوايات المختلفة للشاهد الشِّعري الذي يُنشده، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ - قال الجِبْلي (٣): "والجزم بـ "إِذا" -وإن جاء في الشعر ضرورةً- لا يُحْمَلُ عليه القرآنُ، ورواية الجزم في الشِّعر كما قال:
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها... خُطانا إلى أعدائِنا فنُضارِبِ
وخَطَّأَهُ المغرِبيُّ؛ لأنّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها:
وقدْ عِشْتُ دَهْرًا والغُواةُ صَحابَتِي... أُولَئِكَ خُلْصانِي الَّذِينَ أُصاحِبُ
وفيها:
فلِلْمالِ عِنْدِي اليَوْمَ راعٍ وكاسِبُ"
_________
(١) ينظر: البستان ١/ ٣٨٧.
(٢) ينظر: البستان ١/ ٢٢.
(٣) البستان ٢/ ١٥١.
стр. 64
ب - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "فإنْ قيل: "بَيْنَ" لا يقعُ إلّا لاثنَيْن فصاعدًا، فكيف جاء "بَيْنَهُ"؟ فالجوابُ: أنّ "بَيْنَهُ" هاهنا لجماعة السَّحاب، كما تقول: الشجر حَسَنٌ وقد جلستُ بينَه. وفيه جوابٌ آخَر، وهو: أن يكونَ السّحابُ واحدًا، فجاز أن يقال: "بَيْنَهُ"؛ لأنه مشتملٌ على قِطَعٍ كثيرة، كما قال الشاعر:
بَيْنَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ
فأوقع "بَيْنًا" على الدَّخُولِ -وهو واحدٌ- لاشتماله على مواضعَ، هذا قولُ النَّحْويِّين إلّا الأصمعيَّ، فإنه زَعَم أن هذا لا يجوز، وكان يرويه:
. . . . . . . بَيْنَ الدَّخُولِ وحَوْمَلِ
جـ - وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "قرأ أهل المدينة والشّام وأيوبُ بفتح الفاء؛ أي: مُنَفَّرةٌ مذعُورةٌ، وقرأ الآخَرون بالكسر؛ أي: نافِرةٌ، يقال: نَفَرَتْ واسْتَنْفَرَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنشد الفَرّاءُ:
أَمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفَرٌ... فِي إِثْرِ أَحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِقُرَّبِ
والقَرَبُ: طَلَبُ الماءِ، والقارِبُ: هو الطّالِبُ، ويروى:
فِي إِثْرِ أَحْمِرةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ
_________
(١) النور ٤٣.
(٢) البستان ١/ ٣٤٥.
(٣) المدثر ٥٠.
(٤) البستان ٤/ ١٦٠.
стр. 65
و"غُرَّبٌ": اسم جَبَلٍ، ذكره صاحب ديوان الأدب" (١).
٣ - معانِي الأبيات: اهتم الجِبْلي في بعض المواضع بتوضيح معانِي ألفاظ الشاهد الذي ينشده، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ - أنشد الجِبْليُّ قولَ الشاعر (٢):
وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ... ضَرَبْناهُ تَحْتَ الأُنْثَيَيْنِ على الكَرْدِ
ثم قال (٣): "أي: العُنق، والأُنثَيان: الأُذُنان".
ب - أنشد الجِبْلي قول خِداش بن زُهير (٤):
ونَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادةَ بَيْنَها... وتَشْقَى الرِّماحُ بِالضَّياطِرةِ الحُمْرِ
ثم قال (٥): "الضَّياطِرة: جمع ضَيْطَرٍ، وهو الرجلُ الضَّخم اللئيم، ومثلُه: الضَّوْطَر، ويقال: ضَيْطار أيضًا بالألف، على فَيْعالٍ، ذكره صاحب الضِّياء" (٦).
جـ - أنشد الجِبْلي قول ابن مُقبِل:
باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لها... جَزْلَ الْجِذا غَيرَ خَوّارٍ ولا دَعِرِ
ثم قال (٧): "الخَوّار: الذي يَتَقَصَّفُ، والدَّعِرُ: الذي فيه ثُقب".
_________
(١) ١/ ٣٢٣.
(٢) البستان ١/ ٦١.
(٣) البستان ١/ ٦١.
(٤) البستان ١/ ٥١١.
(٥) البستان ١/ ٥١١.
(٦) يعني: صاحب ضياء الحلوم، ينظر: شمس العلوم ٦/ ٣٩٦٧.
(٧) البستان ١/ ٤٩٠.
стр. 66
- مآخذُ على استشهاد الجِبْلي بالشِّعر:
١ - قال الجِبْلي (١): "وقال الراجز:
لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ... لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ".
والبيتُ من الطويل، وليس من الرَّجَز.
٢ - استشهد الجِبْلي -على أنّ اللهوَّ في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ (٢) معناه: الجماع- بقول امرئ القَيْس (٣):
أَلا زَعَمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أَنَّنِي... كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمثالِي
وهذه الروايةُ التي أنشَد البيتَ عليها لا شاهدَ فيها، وروايةُ ديوانِ امرئ القيس: "أَلّا يُحْسِنُ اللَّهْوَ" فكان حَرِيًّا به أن يستشهِدَ بهذه الرواية؛ لأنه يستشهِد على لفظ اللَّهو لا على لفظِ السِّرِّ.
٣ - أنشد بيتًا مكسورَ الوزن، وهو قولُ دُريدِ بن الصِّمّة (٤):
كَمِيشُ الإزارِ، خارِجٌ نِصْفُ ساقِهِ... صَبُورٌ على الجُلَّى، طَلَّاعُ أَنْجُدِ
وروايةُ ديوانه: "صَبُورٌ على العَزّاءِ"، وعلى رواية "الجُلَّى" بالقصر ينكسر الوزن، وقد رواه ابنُ قُتيبة: "على الجَلّاءِ" بالمد، وبها يستقيم وزن البيت.
_________
(١) البستان ٢/ ٤٠.
(٢) الأنبياء ١٧.
(٣) البستان ١/ ١٨٤.
(٤) البستان ٤/ ٢٦.
стр. 67
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يُقال: طَرَقَ يَطْرُقُ طُرُوقًا: إذا زارَ لَيْلًا، قال ابنُ الرُّومِيِّ:
يا راقِدَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بِأَوَّلِهِ... إنَّ الحَوادِثَ قد يَطْرُقْنَ أَسْحارا
لَا تَفْرَحَنَّ بِلَيْلٍ طابَ أَوَّلُهُ... فرُبَّ آخِرِ لَيْلٍ أَجَّجَ النّارا".
والبيتانِ ليسا لابن الرُّومي، ولا هما في ديوانه، وإنّما هما لِمُحَمَّدِ بن حازم ابن عَمْرٍو الباهِلِيِّ.
المطلب الثاني: موقفُ الجِبْلي من القياس:
القياسُ عليه مدارُ علم النَّحو؛ لأنّ النَّحوَ كلُّه قياس، وقد استَعمَل البصريُّون والكوفيُّون القياسَ في استنباطهم للأحكام وتعليلهم لها، وكان البصريُّون أكثرَ تحفُّظًا من الكوفيِّين فيما يقيسون عليه، وفيمن يأخُذون عنه اللغة (٣).
وأركانُ القياس -كما ذَكَر العلماء- أربعةٌ: أصلٌ، وهو المَقِيسُ عليه، وفَرْعٌ وهو المَقِيس، وحُكْمٌ، وعِلّةٌ جامعةٌ، ولكلِّ واحدٍ منها شروطٌ ذكروها (٤).
أمّا أقسامُ القياس فقد ذكرها السُّيوطي، فقال (٥): "حَمْلُ فَرْعٍ على أَصْلٍ، وحَمْلُ أَصْلٍ على فَرْعٍ، وحَمْلُ نَظِيرٍ على نَظِيرٍ، وحَمْلُ ضِدٍّ على ضِدٍّ".
_________
(١) الطارق ١.
(٢) البستان ٤/ ٣٧٦.
(٣) ينظر: مدرسة الكوفة للدكتور مهدي المخزومي ص ١١٦، ٣١٧، أثر القرآن والقراءات في النحو العربِي للدكتور محمد سمير نجيب اللبدي ص ٤٥.
(٤) ينظر: لُمَعُ الأدلة للأنباري ص ٩٣، الاقتراح للسيوطي ص ١٥٤، في أصول النحو للأفغاني ص ١٠٨.
(٥) الاقتراح ص ١٦٠.
стр. 68
- القياسُ عند الجِبْلي:
إذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ استخدم القياسَ بأقسامه بصورةٍ واضحة في الأحكامِ النَّحويّةِ والأوجُهِ الإعرابيّةِ التي ذكرها، ومن أنواع القياس التي وَرَدت عنده:
أ - حَمْلُ الفَرْع على الأصل، ومن أمثلته عنده:
١ - صرفُ الممنوع من الصَّرف: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وفيه وجهان، أحدُهما: أَنَّ مِن العرب مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا ينصرف، وهو لغةُ الشعراء؛ لأنهم اضْطُرُّوا إليه في الشِّعْرِ فصَرَفُوهُ، فجَرَتْ على ألسنتهم كذلك، والوجه الآخَر: أنّ هذا الجمعَ أَشْبَهَ الآحادَ؛ لأنهم قالوا: "صَواحِباتُ يُوسُفَ".
٢ - إعلالُ المصدر لإعلال فعله: ففي قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وظهرت الواو في قوله: ﴿لِوَاذًا﴾ على معنى: لَاوَذْتُ لِواذًا، يقال: لَاوَذَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ يُلاوِذُ مُلَاوَذةً ولِواذًا، ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لَقال: لِياذًا، مثلَ: القِيامِ والصِّيام، ويُقال أيضًا: لَاذَ يَلُوذُ لِواذًا ولِياذًا بقلبِ الواو ياءً".
ب - حَمْلُ الأصل على الفَرْع: ومن صُوَره عنده:
_________
(١) الإنسان ٤.
(٢) البستان ٤/ ١٩٨.
(٣) النور ٦٣.
(٤) البستان ١/ ٣٥٩.
стр. 69
١ - في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "و"لا" بمعنى "ليسَ"، وهو: خَبَرٌ، وليس بِنَهْيٍ، إذْ لا يَجُوزُ أن يُنْهَى الإنسانُ عن النِّسيانِ؛ لأنه ليس باختياره، وقال صاحب إنسانِ العَيْن: هو نَهْيٌ، وإثباتُ الأَلِفِ كقول الراجز:
إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فطَلِّقْ
ولَا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقْ
والمعنى: لا تَنْسَ العملَ به".
والحركة بعضُ الحرف، ومع ذلك حُمِل الحرف عليها في الآية على هذا الرأي الذي حكاه الجِبْلي عن صاحب إنسان العَيْن، كما حُمل عليها في البيت.
٢ - حَمْلُ الوَصْلِ على الوقْف: ففي قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وأَسْكَن الهمزةَ فيهما قُنْبُلٌ، وقَرأ الباقونَ بالخفض والتنوين فيهما. . . ومن أَسْكَن الهمزةَ فعلى نيّة الوَقْف".
جـ - حَمْلُ النَّظِيرِ على النَّظِيرِ: ومن أمثلته عندَه:
١ - ما ذَكَره في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٥)، فقد قال (٦): "وأصل الوِزْرِ: ما حَمَلْتَهُ، فسُمِّيَ السلاحُ وِزْرًا لأنه يُحْمَلُ. . . ولم يُسْمَعْ لأَوْزارِ الحَرْبِ بِواحِدٍ، إلّا أنه على التأويل: وِزْرٌ". فهذا يعني أنه حَمَله على نظيرِه مثلَ حِمْلٍ وأحمال.
_________
(١) الأعلى ٦.
(٢) البستان ٤/ ٣٩٣.
(٣) النمل ٢٢.
(٤) البستان ١/ ٤٥٠.
(٥) محمد ٤.
(٦) البستان ٣/ ٧٢.
стр. 70
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "والحِجارةُ: جَمْع حَجَرٍ، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جَمَلٌ وجِمالةٌ وذَكَرٌ وذِكارةٌ، والقياس: أَحْجارٌ".
٣ - في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وهو يكون مصدرًا واسْمًا، وقال البيوَرْدِيُّ: الوِسْواسُ -بالكسر- المصدر، والوَسْواسُ -بالفتح- الاسم، على قياس الزِّلْزالِ والزَّلْزالِ".
المطلبُ الثالث: موقفُ الجِبْلي من الإجماع
المراد به: إجماعُ نُحاةِ البصرة والكوفة (٥)، وشرطُ هذا الإجماع -كما ذكر العلماء- ألا يخالف المنصوصَ ولا المَقِيسَ على المنصوص، فإذا خالفه لم يكن حجةً (٦).
وقد استعمل الجِبْلي هذا الدّليلَ النَّحْويَّ -أعني: الإجماع- في "البستان"، ورَدَّ به على مَن خالَفَ ما أَجْمَعَ عليه النَّحْويُّون، ومن أمثلتِه عنده ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وفي موضع ﴿أَنَّهُ﴾ من الإعراب ثلاثةُ أقوال: يجوز أن يكون موضعُها
_________
(١) التحريم ٦.
(٢) البستان ٣/ ١١٥.
(٣) الناس ٤.
(٤) البستان ٥/ ١٤٦.
(٥) ينظر: الاقتراح ص ١٤٦.
(٦) قاله ابن جني في الخصائص ١/ ١٩٠، ونقله عنه السيوطي في الاقتراح ص ١٤٦.
(٧) فصلت ٥٣.
(٨) البستان ٢/ ٤٢٠.
стр. 71
رفعًا على البدَل على الموضع، والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّين، ويجوز أن يكونَ موضعها خفضًا على اللفظ، ويجوز أن يكون موضعُها نصبًا بمعنى: لأنه على كلِّ شيءٍ شهيد".
فقوله: "والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّينَ" يعني: موضعَ قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾، فقد أجمع العلماء على أنّ الباء صِلةٌ، و"ربك": فاعل "يكفي".
٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ولا يجوز الإدغامُ في الياءَيْنِ عند النَّحْويِّين كما لا يجوز إذا لم يُنصَب الفعل؛ لأنك لو أدغمتَ لالْتَقَى ساكنانِ، إذ الثاني ساكنٌ، والأول لا يُدْغَمُ حتُّى يُسَكُّنَ، وكذلك كلُّ حَرْفٍ أَدْغَمْتَهُ في حرفٍ بعدَه لا بُدَّ من إسكان الأول، وقد أجمَعوا على مَنْع الإدغام في حال الرَّفع، فأمّا في حال النصب فقد أجازه الفَرّاءُ (٣) لأجل تَحَرُّكِ الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصْريِّين؛ لأن الحركةَ عارضةٌ ليست بأصلٍ".
٣ - في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقد أجاز النَّحْويُّون: رأيْتُ ثلاثةَ نَفَرٍ وثلاثةَ رَهْطٍ، حَمْلًا على المعنى، ولم يُجيزوا: رَأَيْتُ ثلاثةَ قَوْمٍ ولا: ثلاثةَ بَشَرٍ، والفَرْقُ بينَهما: أن نَفَرًا ورَهْطًا لِما دُونَ العَشَرةِ من العدد، فأُضيف ما دون العشَرة من العدد إليه، إِذْ هو نظيرُه، و"قَوْمٌ" قد يقع لِما فَوْقَ العشَرة، فلم يَحْسُنْ إضافةُ ما دون العشَرة إلى ما فوقَها، فأمّا "بَشَرٌ" فيقع للواحد، فلم يمكنْ إضافةُ عددٍ إلى واحد".
_________
(١) القيامة ٤٠.
(٢) البستان ٤/ ١٩٠.
(٣) ينظر: معاني القرآن ١/ ٤١٢.
(٤) التغابن ٦.
(٥) البستان ٣/ ٤٣٥.
стр. 72
فقوله: "وقد أجاز النَّحْويُّون. . . إلخ"، ثم قوله: "ولم يجيزوا. . . إلخ" إجماعٌ منهم أيضًا.
٤ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يعني: مرجِعُهم ومصيرُهم ومَعادُهم إلينا بعد الموت، يقال: آبَ يَئُوبُ أَوْبًا وإيابًا، والأصل: إيْوابٌ، فأُدغِمت الياءُ في الواو، وانقلبت الواو إلى الياء، وقرأ أبو جعفرٍ بتشديد الياء، قال أبو حاتم (٣): وهذا لا يجوز، ولو جاز لَجاز في الصيام والقيام، وهو شاذٌّ لم يُجِزْهُ أحدٌ غيرُ الزَّجّاجِ، فإنه قال (٤): يقال: أَيَّبَ إِيّابًا، على فَيْعَلَ فيعالًا".
فقوله: "وهو شاذٌّ لم يُجِزْه أحدٌ غيرُ الزَّجّاج" إجماعٌ من نُحاة البصرة والكوفة لم يخالفْهم فيه غيرُ الزَّجّاج كما ذَكَر الجِبْلي.
* * *
_________
(١) الغاشية ٢٥.
(٢) البستان ص ١٤٧٧، ١٤٧٨.
(٣) ينظر قوله في المحتسب لابن جني ٢/ ٣٥٧، الكشف والبيان للثعلبي ١٠/ ١٩٠.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣١٩.
стр. 73
المبحثُ الثامن مذهبُه النَّحْويُّ واختياراتُه
يمكن القولُ بأنّ الجِبْليَّ كان - كغيره من العلماء المتأخِّرين، الذين كانوا ينتخِبون لأنفُسِهم من آراءِ البصْريِّين والكوفيِّين ما يرَوْنَه راجحًا، دون التقيُّد بمذهبٍ واحدٍ دائمًا، وربّما مَزَجوا بينَ المذهبَيْنِ.
وإن كان الجِبْلي يمزُج بين آراء البصريِّين والكوفيِّين، فإنه كان أكثرَ ميلًا إلى مذهب الكوفيِّين في اختياراته النَّحوية، كما كان أكثرَ ميلًا إلى استخدام مصطلحاتهم النَّحوية، وربما اختار رأيًا من آراء المتأخِّرين، وخاصةً طاهرَ بن أحمد بن بابَشاذ؛ نظرًا لتأثُّر اليمنيِّين بكتُب ابن بابَشاذ بصفةٍ خاصة (١).
واختياراتُ الجِبْلي في "البستان" كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّني سأضرب. أمثلةً لاختياراته البَصْريّة والكوفية، سواءٌ أكانت هذه الاختيارات للمدرستَيْن: البصريّة والكوفيّة بصفة عامة، أو كانت لأفرادٍ من هاتَيْن المدرستَيْن:
فمن أمثلة ما اختار فيه مذهبَ البصريِّين:
١ - اختار مذهبَ البصريِّين في أنه لا يُعْطَفُ على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٢)، قال
_________
(١) ينظر تأثر اليمنيين بكتب المصريين، وبخاصة كتب طاهر بن أحمد بن بابشاذ ١/ ٢٧ من هذه الدراسة.
(٢) الأحزاب ٧.
стр. 74
الجِبْلي (١): "ولم يقلْ: ونُوحٍ؛ لأنّ المُظهَر إذا عُطِف على المضمَر المخفوض أُعِيدَ الحرفُ، تقول: مررتُ به وبزَيْد".
٢ - اختار مذهبَ البصريِّين في أنّ الواو العاطفةَ لا تكون زائدةً، ففي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "واختلف النُّحاةُ في جوابه، فقال بعضُهم: جوابه: "فُتِحَتْ أَبْوابُها"، والواو مُقْحَمةٌ زائدةٌ عند الكوفيِّين، تقديرها: حتى إذا جاءوها فُتِحت أبوابُها، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ (٤)، يعني: ضِياءً، وهذا خطأٌ عند البَصْريِّين؛ لأنها تفيد معنًى، وهي للعطف هاهنا".
٣ - اختار قول أَبِي عُبَيدةَ والأخفَش في أنّ "أو" قد تأتي بمعنى الواو، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "والألفُ في "أَوْ": صلةٌ، ومعناه واو العطف، كأنه قال: وإنّا وإياكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٧) الألف هاهنا: صلةٌ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (١٠).
_________
(١) البستان ٢/ ١٠٠.
(٢) الزمر ٧٣.
(٣) البستان ٢/ ٣٧٠.
(٤) الأنبياء ٤٨.
(٥) سبأ ٢٤.
(٦) البستان ٢/ ١٧٤.
(٧) الإنسان ٢٤.
(٨) الصافات ١٤٧.
(٩) البستان ٢/ ٢٨٣.
(١٠) المرسلات ٦.
стр. 75
وفي قوله تعالى: ﴿ولَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "و ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، والألف صلة، يعني: ﴿وَكَفُورًا﴾ ".
٤ - اختار عذهَب البَصْريِّين في أنّ اللام الواقعةَ في خبر "إِنِ" المخفَّفة هي الفارقةُ، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "أي: وقد كانوا لَيَقُولُونَ، واللام: لامُ توكيد، لَمّا خُفِّفت "إِنَّ" دخلت على الفعل، ولزمتها اللام فرقًا بين النفي والإيجاب، والكوفيون يقولون: "إِنْ" بمعنى: "ما"، واللام بمعنى: "إِلّا"، أي: وما كانوا إلا يقولون".
فقد وَجَّهَ الآيةَ على وَفْق مذهب البصريِّين، ثم حكى مذهبَ الكوفيِّين بما يوحي أنه اختار مذهبَ البصريِّين، ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ (٥)، قال (٦): "إِنْ" عند الكوفيِّين بمعنى: "ما"، واللام بمعنى "إِلّا"، تقديره: وما يكاد الذين كفروا إِلّا لَيُزْلِقُونَكَ، و"إِنْ" عند البَصْريِّين مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها مضمَرٌ معَها، واللام لام التأكيد لَزِمَتْ هذا النوعَ لِئَلّا تُشْبِهَ "إِن" الَّتِي بمعنى "ما".
٥ - اختار مذهبَ المبرّد والزَّجّاج في جوازِ وصف "اللَّهُمَّ": ففي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "نصبٌ
_________
(١) الإنسان ٢٤.
(٢) البستان ٤/ ٢٢٠.
(٣) الصافات ١٦٧.
(٤) البستان ٢/ ٢٨٨.
(٥) القلم ٥١.
(٦) البستان ٤/ ٢٨.
(٧) الزمر ٤٦.
(٨) البستان ٢/ ٣٥٦.
следующие страницы →