← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله هذا الجزء موضوعه شروط الطلاق ذكرت فيه أهم المسائل المتعلقة بهذا الباب وسلكت فيه ما سلكت في الطلاق السني والبدعي وبينت فيه منهجي في البحث والنية متجهة إلى بحث أهم مسائل الطلاق على نفس المنهج - لمسيس الحاجة لذلك - إن أمد الله بالعمر ولم يُحَل بيني وبين ذلك وإن كانت الأخرى فأسأل الله أن ييسر من يتم هذا المشروع وأن يبلغني الأجر بنيتي وأن ينفع بهذا الكتاب وبسائر ما كتبته وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي يوم ألقاه. وكتبه: أبو عبد الرحمن أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الزومان ضحى الخميس ٢٦/ ٥/ ١٤٣٤ في اللسيب من أرياف مدينة بريدة ٠٥٠٥١٥٤٢٦٥ ahmedalzoman@gmail.com

стр. 2

الباب الأول لفظ الطلاق • تعريف الركن والشرط والفرق بينهما • أركان الطلاق عند فقهاء المذاهب الأربعة • الشروط الأول: اللفظ بالطلاق • الطلاق في النفس • العزم على الطلاق • الوعد بالطلاق • إذا حرك لسانه بالطلاق ولم يُسْمع نفسه • اعتقاد وقوع الطلاق

стр. 3

الفصل الأول تعريف الركن والشرط والفرق بينهما قبل الكلام على شروط الطلاق أذكر تعريف الركن والشرط والفرق بينهما والخلاف في ما عدا لفظ الطلاق هل هي من أركان الطلاق أو من شروطه. • تعريف الركن: لغة: قال ابن فارس: الراء والكاف والنون أصل واحد يدل على قوة. فركن الشيء: جانبه الأقوى (١). وللركن في كلام العرب عدة معانٍ (٢). اصطلاحًا: ركن الشيء نفس الشيء أو بعض ماهيته (٣). • تعريف الشرط: لغة: قال ابن فارس: الشين والراء والطاء أصلٌ يدلُّ على عَلَمٍ وعلامة، وما قارب ذلك من عَلَم. من ذلك الشَّرط العَلَامة. وأشراط الساعة: علاماتُها … وسمِّي الشُّرَط لأنّهم جعلوا لأنفسهم عَلامةً يُعرَفون بها (٤) وللشرط معانٍ أخرى (٥). اصطلاحًا: هو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (٦). • الفرق بين الركن والشرط: قال الطوفي: اعلم أنَّ كل واحد من الركن والشرط يتوقف وجود الماهية عليه،

стр. 4

لكن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنَّ الركن داخل في الماهية كالركوع للصلاة وسائر أركانها، والشرط خارج عنها، كالوضوء لها وسائر شروطها. الوجه الثاني: أنَّ الركن يتوقف عليه الوجود الذهني والخارجي جميعًا، والشرط إنَّما يتوقف عليه الوجود الخارجي فقط مع تحقق الوجود في الذهن، فيمكننا أن نتصور صورة الصلاة بلا وضوء، ولا يمكننا أن نتصورها في أذهاننا بلا ركوع. وأبين من هذا أنَّنا نتصور حقيقة العلم بدون تصور حقيقة الحياة، لكن قيام العلم بمحله في الخارج لا بد فيه من الحياة؛ لأنَّها شرطه (١). ويشترك الركن والشرط في أنَّ الطلاق لا يصح إلا بتوفرهما فلا بد من وجود الأركان والشروط (٢).

стр. 5

الفصل الثاني أركان الطلاق • أركان الطلاق عند فقهاء المذاهب الأربعة: • ركن الطلاق عند الأحناف: قال الكاساني: ركن الطلاق هو اللفظ الذي جعل دلالة على معنى الطلاق (١). وقال شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى الزوج وبعضها يرجع إلى المرأة وبعضها يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الوقت (٢). • أركان الطلاق عند المالكية: قال ابن جزي: أركان الطلاق: وهي ثلاثة المطلق والمطلقة والصيغة وهي اللفظ وما في معناه فأمَّا المطلق فله أربعة شروط الإسلام والعقل والبلوغ والطوع وأما المطلقة فهي الزوجة سواء كانت في العصمة أو في عدة من طلاق وأمَّا ألفاظ الطلاق فهي أربعة أنواع (النوع الأول) الصريح .... وإن طلق باللفظ دون نية كمن سبق لسانه إلى الطلاق ولم يرده لم ينفذ (٣) وعدها ثلاثة ابن شاس (٤). وعدَّها ابن الحاجب وخليل أربعة فقالا: وركنه: أهل وقصد ومحل ولفظ (٥) وقال الدردير شارحًا: أركانه أربعة (أهل) والمراد به موقعه من زوج أو نائبه أو وليه … (وقصد) أي قصد النطق باللفظ الصريح والكناية الظاهرة ولو لم يقصد حل العصمة وقصد حلها في الكناية الخفية، واحترز به عن سبق اللسان في الأولين وعدم قصد حلها في الثالث (ومحل) أي عصمة مملوكة تحقيقًا أو تقديرًا … (ولفظ) صريح أو كناية (٦).

стр. 6

واعترض ابن عرفة قال الحطاب: رده ابن عرفة بأنَّها خارجة عن حقيقته وكل خارج عن حقيقة الشيء غير ركن له وجعل هو الأهل والمحل شرطين والقصد مع اللفظ أو ما يقوم مقامه سببين ونصه: وشرط الطلاق أهل ومحل والقصد مع لفظ أو ما يقوم مقامه من فعل أو إشارة سبب (١). فأجابوا: المراد بالركن ما تتوقف الماهية عليه وإن لم يدخل فيها توسعًا ثم صار حقيقة عرفية (٢). • أركان الطلاق عند الشافعية: قال الشربيني: أركانه خمسة صيغة ومحل وولاية وقصد ومطلق (٣). وقال النووي: أركان الطلاق خمسة: الركن الأول: المطلق، وشرطه التكليف، فلا يقع طلاق صبي ولا مجنون … الركن الثاني: اللفظ، وفيه ثلاثة أطراف: أحدها في اللفظ الذي يقع به الطلاق، والثاني، في الأفعال القائمة مقامه. والثالث في تفويض الطلاق إلى الزوجة وأحكام تفويضه .... الركن الثالث: القصد إلى الطلاق … الركن الرابع: المحل وهو المرأة .... الركن الخامس: الولاية على المحل، فلو قال لمطلقته الرجعية في عدتها: أنت طالق. طلقت. (٤) واستشكل بعض الشافعية جعل الزوج [قلت وكذلك ما زاد على الصيغة] أركانًا قال الفيومي: الغزالي جعل الفاعل ركنًا في مواضع كالبيع والنكاح ولم يجعله ركنًا في مواضع كالعبادات والفرق عسر ويمكن أن يقال الفرق أنَّ الفاعل علة لفعله والعلة غير المعلول فالماهية معلولة فحيث كان الفاعل متحدًا استقل بإيجاد الفعل كما في العبادات وأعطي حكم العلة العقلية ولم يجعل ركنًا وحيث كان الفاعل متعددًا لم يستقل كل واحد بإيجاد الفعل بل يفتقر إلى غيره لأنَّ كل واحد من العاقدين غير

стр. 7

عاقد بل العاقد اثنان فكل واحد من المتبايعين مثلًا غير مستقل فَبَعُدَ بهذا الاعتبار عن شبه العلة وأشبه جزء الماهية في افتقاره إلى ما يقومه فناسب أن يجعل ركنًا (١). • أركان الطلاق عند الحنابلة: لم أقف على نصوص عند فقهاء الحنابلة في تعيين أركان الطلاق لكن يمكن أن يقال إنَّ فقهاء الحنابلة لهم قولان في المسألة تخريجًا: القول الأول: ركن الطلاق الصيغة (٢). القول الثاني: الزوجان والصيغة (٣). الترجيح: ركن الشيء هو عين الشيء أو بعضه إذا كان الشيء مركب من أجزاء فالطلاق لفظ واحد فهو ركن واحد والصلاة أقوال وأفعال فالفاتحة ركن والركوع ركن والمصلي خارج عن ماهية الصلاة فلا نعده من الأركان ولذا استشكل بعض فقهاء المالكية والشافعية إدخال غير اللفظ في أركان الطلاق فالذي يترجح لي أنَّ رأي الأحناف أرجح في جعل ركن الطلاق اللفظ وما يتعلق بالمطلق والمطلقة شروطًا للطلاق لا أركانًا والله أعلم. ثمرة الخلاف: ليس للخلاف ثمرة سواء جعلنا ما عدا الصيغة أركانًا أو شروطًا فلا يتغير الحكم.

стр. 8

الفصل الثالث الشرط الأول: اللفظ بالطلاق فلا بد من لفظ يخرج من المطلق حال القدرة. قال ابن حزم: اتفقوا أنَّ طلاق المسلم العاقل البالغ الذي ليس سكران ولا مكرهًا ولا غضبان ولا مكرهًا [هكذا مكرر] ولا محجورًا ولا مريضًا لزوجته التي قد تزوجها زواجًا صحيحًا جائز إذا لفظ به بعد النكاح مختارًا له حينئذ وأوقعه في وقت الطلاق بلفظ من ألفاظ الطلاق على سنة الطلاق فإنَّه طلاق (١). فاتفقوا على وقوع الطلاق إذا لفظ به واختلفوا في الطلاق بالكتابة والإشارة وحديث النفس وإذا حرك لسانه من غير إسماع. وتأتي أدلة هذا الشرط في قول من يرى عدم وقوع الطلاق إذا كان حديث نفس.

стр. 9

الفصل الرابع الطلاق في النفس تحرير محل النزاع: إذا أجرى الطلاق في قلبه نيةً من غير تلفظ فيقول في قلبه: أنت طالق ونحو ذلك من غير أن يحرك لسانه بالطلاق فهذا محل الخلاف. قال القرافي: إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفساني ولم يلفظ به بلسانه فهو موضع الخلاف (١). فلأهل العلم في الطلاق في النفس من غير تلفظ به قولان قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه: • القول الأول: إذا طلق في نفسه وقع الطلاق: وهو رواية في مذهب الإمام مالك (٢) وينسب للزهري (٣) وابن سيرين (٤). الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا» قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» (٥). وجه الاستدلال: المحاسبة على ما في القلوب دليل على اعتبار ما في القلب.

стр. 10

الرد من وجهين: الأول: ليس في الآية أنَّ من المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع، وإنَّما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثم هو مغفور له أو معذب، فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية (١). الثاني: دلت الأدلة الخاصة على العفو عن حديث النفس. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). وجه الاستدلال: من نوى الطلاق في قلبه وقع طلاقه. الرد: يأتي وجه استدلال من لا يرى وقوع الطلاق بهذا الحديث. الدليل الثالث: الطلاق فراق من شرطه قصد القلب والنطق به للإخبار بوقوعه فقط فإذا عدم الكلام لم يؤثر عدم النطق (٣). الرد: دل حديث أبي هريرة ﵁ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي … » أنَّ النطق شرط لوقوع الطلاق وليس الغاية منه الإخبار بما في القلب فقط (٤). الدليل الرابع: القياس على الكفر فكلاهما اعتقاد في القلب فلو اعتقد الكفر بقلبه كفر ولو لم يتكلم به (٥). الرد من وجوه: الأول: الإيمان عقد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرًا، فإنَّ الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب، فما لم يقم بالقلب، حصل ضده وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل، وكذلك كل نقيضين

стр. 11

زال أحدهما خلفه الآخر (١). الثاني: العفو عن حديث النفس لهذه الأمة والكافر ليس منها (٢). الثالث: خرج الكفر من عموم الحديث بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] (٣). الدليل الخامس: القياس على الكفر فكلاهما حق لله (٤). الرد: يكتفى بالنية في التكاليف القلبية، لا فيما بين الآدميين فالطلاق ليس حقًا محضًا لله (٥). الدليل السادس: العازم على المعصية فاسق مؤاخذ بها وإن لم يفعلها (٦). الرد: ورود المعصية على النفس له أحوال: الحال الأولى: تخطر المعصية ثم تزول فهذا حديث نفس معفو عنه. الحال الثانية: أن يعزم على فعلها ويبذل وسعه في حصولها فهذا هو الآثم حكمه حكم الفاعل فعن أبي كبشة الأنماري أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ

стр. 12

أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (١). الحال الثالثة: أن يعزم على فعلها ثم يتركها ولا يخلو من حالين: الأولى: أن يتركها عجزًا عنها بعد بذل وسعه فحكمه حكم الفاعل فعن أبي بكرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (٢). الثانية: أن يتركها خوفًا من الله فتركه لها طاعة تكتب له به حسنة فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (٣). الدليل السادس: عن البراء ﵁، قال: قال النبي ﷺ : «لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ» (٤). الدليل السابع: قال علي ﵁: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنَّه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ: «أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق» (٥). وجه الاستدلال: أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ولهذا يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضا والعزم على الطاعة، ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء (٦). الرد: الطلاق في النفس أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين،

стр. 13

فما يعاقب عليه من أعمال القلوب معاص قلبية من أعمال القلوب، كما يستحقه على المعاصي البدنية فمثلا الكبر والعجب والرياء وظن السوء من أعمال القلوب وليست نية فقط وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها (١). • القول الثاني: لا يقع الطلاق: قال به سعيد بن جبير (٢)، وعطاء بن أبي رباح (٣)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد (٤)، والحسن البصري (٥)، ومحمد بن سيرين (٦)، وقتادة (٧)، وروي عن الشعبي (٨)، وتبويب الترمذي (٩)، والنسائي (١٠)، وابن ماجه (١١) يفهم منه أنَّهم يختارون هذا القول واختاره إسحاق بن راهويه (١٢).

стр. 14

وهو مذهب الأحناف (١)، ورواية في مذهب مالك (٢)، وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) وقال به ابن حزم (٥) وابن القيم (٦) والشيخ عبد العزيز بن باز (٧) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٨). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٩). وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ» (١٠). وجه الاستدلال: لا يترتب على حديث النفس شيء إذا لم ينطق به أو يعمل (١١). الرد: الجازم بذلك في النفس ليس من حديث النفس (١٢). الجواب: بين الحديث أنَّ التجاوز عن حديث النفس إلى غاية وهي الكلام به أو

стр. 15

العمل (١). الدليل الثاني: قول النبي ﷺ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). وجه الاستدلال: العمل يعتبر مع النية جميعًا والنية وحدها ليست عملًا فلا يترتب أثر على أحدهما دون الآخر (٣). الرد: إذا تلفظ بالطلاق من غير إرادة الطلاق وقع الطلاق فلم تعتبر النية فدل ذلك على عدم اشتراط اجتماعهما. الجواب: يشترط قصد لفظ الطلاق وقد وجد فلو تلفظ بالطلاق خطأ لم يقع طلاقه لعدم نية اللفظ. الدليل الثالث: أجمعوا على أنَّ حديث النفس في الصلاة ليس كلامًا فإذا حدث نفسه في الصلاة فصلاته صحيحة ولو كثرت الوساوس ولا يشرع له إعادتها وقد حرم الله تعالى الكلام في الصلاة فلو كان حديث النفس كالكلام لبطلت صلاته (٤). الدليل الرابع: قال الخطابي أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به وهو بمعنى الطلاق (٥). الرد: الظهار لا تخرج المرأة به من عصمة الزوج بخلاف الطلاق إنَّما يحرم وطؤها تحريمًا مؤقتًا. الدليل الخامس: لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قذفًا بالإجماعً (٦). الرد: يترتب على القذف الحد فيدرأ بالشبهة فلا يترتب على حديث النفس به أثر.

стр. 16

الدليل السادس: الطلاق حل عقد لا ينحل بمجرد النية كالبيع (١). الرد: الفروج يحتاط لها فيقع الطلاق. الجواب: الاحتياط يكون بإبقاء الزوجية. الدليل السابع: الطلاق فسخ، والفسخ لا بد أن يكون باللفظ كالعقد (٢). الرد: لا يشترط اللفظ (٣) والطلاق بالإشارة (٤). الجواب: الكتابة والإشارة قائمة مقام اللفظ. الدليل الثامن: الطلاق إزالة ملك فلا يحصل بمجرد النية كالعتق والصدقة (٥). الرد: فرق بين الملك الحسي والملك المعنوي. الدليل التاسع: ينعقد النكاح بقول ونية فكذلك حله بالطلاق (٦). الرد: من وجهين: الأول: عقد النكاح آكد من الطلاق فيشترط في النكاح ما لا يشترط في الطلاق. الثاني: الكلام النفسي غير النية فالتطليق به حل العصمة بكلام ونية فساوى عقدها بهما (٧). الجواب: الكلام في النفس لغو شرعًا فلا يترتب عليه أثر. الدليل العاشر: القاضي لو اعتقد الطلاق في حق المولي والعنين لم يقع الطلاق حتى ينطق به فكذلك الزوج (٨). الرد: القاضي قائم مقام غيره بخلاف الزوج.

стр. 17

الجواب: كلاهما حدث نفسه بشيء فلا يترتب على ذلك حكم. الدليل الحادي عشر: حديث النفس صادر من الشيطان فليس من كسب الإنسان وصنعه ويتوهم الشخص أنَّها من نفسه لما كان الشيطان يحدث بها القلب (١). الرد: ليس الكلام على حديث نفس عابر إنَّما الكلام على إذا أَجْرَى الطلاق في قلبه. الدليل الثاني عشر: الخواطر التي ترد على النفس لا تدخل تحت الاختيار، فلو ترتبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج وهو مرفوع عن الأمة (٢). الرد: الكلام ليس على مجرد خاطرة تمر وتذهب في وقتها إنَّما إذا طلق في نفسه. الترجيح: الذي يترجح لي عدم وقوع طلاق من طلق في نفسه لأنَّه من حديث النفس الذي عفا الله عنه والله أعلم.

стр. 18

الفصل الخامس العزم على الطلاق لا تطلق الزوجة بعزم الزوج على طلاقها فمجرد نية الطلاق من غير أن يتلفظ به أو يجري الطلاق في قلبه سواء كان ذلك في نفسه ولم يخبر به أحدًا أو أخبر بذلك العزم كمن أتى لشخص يستشيره في طلاق زوجته أو أخبر زوجته أنَّه عازم على طلاقها. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وجه الاستدلال: عزم زيد بن ثابت ﵁ على طلاق زوجته زينب بنت جحش ﵂ فلم يكن ذلك موجبًا للفرقة أو قادحًا في بقاء النكاح (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢). وجه الاستدلال: العزم على الطلاق حديث نفس لا يترتب عليه حكم (٣). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵄ حينما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتركْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٤). وجه الاستدلال: من وجهين: الأول: لو كان العزم على الطلاق طلاقًا لبين النبي ﷺ لابن عمر ﵄ ذلك. الثاني: من أُلزِم بالرجعة غالبًا عازم على الطلاق ولو كان العزم على الطلاق طلاقًا لما احتاج إلى طلاق بعد الطهر.

стр. 19

الدليل الرابع: قال كعب بن مالك ﵄ في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ» (١). وجه الاستدلال: كان كعب بن مالك ﵁ عازمًا على الجهاد في سبيل الله ثم تخلف فكان عاصيًا ثم تاب الله عليه وعلى صاحبيه فلو كانت الأحكام تترتب بالعزم لم يكن كعب ﵁ عاصيًا. الدليل الخامس: الإجماع فأهل العلم مجمعون على أنَّ من عزم على طلاق زوجته، ثم بدا له عدم الطلاق فلا يلزمه بذلك العزم طلاق (٢). الدليل السادس: قال الخطابي: أجمعوا على أنَّه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يتلفظ به وهو بمعنى الطلاق (٣). الدليل السابع: لو عزم على فعل ما يجب عليه من حقوق الخالق كالصلاة أو حقوق المخلوقين كالنفقة لا يكون فاعلًا بهذا العزم ولا تبرأ ذمته به. الدليل الثامن: الطلاق حل عقد النكاح ولا ينحل بمجرد النية كالبيع (٤). الدليل التاسع: الطلاق فسخ، والفسخ لا بد فيه من كلام أو كتابة أو فعل كسائر العقود (٥). الدليل العاشر: الطلاق إزالة ملك فلا يحصل بمجرد النية كالعتق والصدقة (٦).

стр. 20

الفصل السادس إذا حرك لسانه بالطلاق ولم يُسْمع نفسه • إذا تكلم بالطلاق صريحًا أو كناية فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يتكلم بكلام مسموع سواء أسمع نفسه أو أسمع غيره فيقع الطلاق وليس في المسألة خلاف. الثانية: أن يحرك لسانه بالطلاق بكلام لا يسمعه هو ولا غيره فلأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بوقوع الطلاق وقول بعدم الوقوع: • القول الأول: يقع الطلاق: فإذا حرك لسانه بالطلاق وقع الطلاق ولو لم يُسْمِع قال به بعض الأحناف (١)، وهو مذهب الإمام مالك (٢)، والشافعي (٣)، والحنابلة (٤). وقال به ابن حزم (٥)، وابن القيم (٦)، واختاره شيخنا الشيخ محمد العثيمين (٧). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. وجه الاستدلال: تحريك اللسان بالحروف داخل تحت النهي فتترتب عليه

стр. 21

الأحكام (١). الرد: من وجوه: الأول: عن ابن عباس ﵄ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا … فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ (٢) فتحريك اللسان في الآية مع الشفتين يكون معه إسماع والله أعلم. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (٣). وجه الاستدلال: أمر النبي ﷺ بالانتهاء من الوساوس ولا يترتب عليها حكم. الرد: تحريك اللسان قدر زائد على حديث النفس المعفو عنه. الثالث: تحريك اللسان تحت مقدور المكلف لكن هل يترتب عليه حكم هذا محل الخلاف. الدليل الثاني: تحريك اللسان أقوى في الدلالة على إرادة الطلاق من كتابته مع النية (٤). الرد: تحريك اللسان في حكم النية المجردة، بخلاف كتابة الطلاق لحصول الإفهام ولا يحصل الإفهام بالتحريك (٥). الدليل الثالث: الكلام هو الحروف المنظومة وقد وجدت والسماع ليس شرطًا فيصح من الأصم وهو لا يسمع نفسه (٦).

стр. 22

الرد: الحروف المنظومة لا تتحقق بدون الأصوات المتقطعة بتقطيع خاص فإذا لم يوجد الصوت لم توجد الحروف فلم يوجد الكلام والكلام في حق الأصم وجد لكنَّه لم يسمعه لعلة (١). الدليل الرابع: حركة اللسان تميز الحروف بعضها من بعض وإن لم يكن هناك صوت (٢). الرد: تقدم. • القول الثاني: لا يقع الطلاق: فإذا حرك لسانه بالطلاق من غير إسماع لم يقع الطلاق قال به بعض الأحناف (٣)، وهو قول للشافعي (٤)، واستظهره النووي (٥)، ومال إليه من الحنابلة محمد بن مفلح (٦). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. وجه الاستدلال: دلت الآية أنَّ الطلاق لابد أن يكون مسموعًا، وذلك بوجود صوت الطلاق إذ غير الصوت لا يحتمل السماع (٧). الرد من وجهين: الأول: العزم يكون في القلب وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذا طلق الزوج ويصح الطلاق بغير الكلام كالكتابة والإشارة فلا دليل على أنَّ الطلاق لا بد فيه من إسماع.

стр. 23

الثاني: إذا مضت مدة الإيلاء هل يقع الطلاق أم لا؟ محل خلاف فعلى هذا لا دليل في الآية أصلًا أو لا بد من الطلاق (١). الدليل الثاني: الطلاق لفظ ولم يوجد (٢). الرد: يقع الطلاق بغير اللفظ كالكتابة والإشارة. الجواب: الكتابة والإشارة تقومان مقام اللفظ. الدليل الثالث: تحريك اللسان ليس كلامًا ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه (٣). الرد: هل تحريك اللسان لا يسمى كلامًا؟ هذه من مسائل الخلاف (٤) وهل يشترط الإسماع في قراءة الفاتحة والتكبير والأذكار أيضًا هذه من مسائل الخلاف (٥). الدليل الرابع: إثبات الطلاق بالشهادة فلابد من صوت يسمعه الشاهد (٦). الرد: الشهادة في الطلاق مستحبة على الصحيح ويحتاج لها حال جحد الطلاق. الترجيح: المالكية والأحناف - في أحد القولين طردوا مذهبهم فاعتبروا حركة اللسان من غير إسماع في الصلاة والطلاق بخلاف الشافعية والحنابلة والأحناف في أحد القولين أوجبوا الإسماع في الصلاة وأوقعوا الطلاق بحركة اللسان من غير إسماع فالذي يظهر لي طرد الأمر في المسألتين. فمذهب المالكية أقعد فيقع الطلاق إذا حرك لسانه ولو لم يُسْمِع والله أعلم.

стр. 24

الفصل السابع الوعد بالطلاق إذا وعد الرجل امرأته بالطلاق كقوله: إن حصل كذا سأطلقك أو قالت له طلقني فقال إذا طهرت طلقتك فهذا لا يقع به طلاق قال به الزهري (١) وهو مذهب الأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) وابن القيم (٧) والشيخ عبد العزيز بن باز (٨) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٩) ولم أقف على خلاف في هذه المسألة. الدليل الأول: قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].

стр. 25

وجه الاستدلال: خير النبي ﷺ نساءه بين البقاء معه أو الطلاق وهذا وعد بالطلاق ولم يقع به طلاق. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ» (١). وجه الاستدلال: لا يؤاخذ الله الناس بالإرادة المجردة ما لم يأتوا بالقول أو العمل ومن وعد بالطلاق لم يصدر منه طلاق. الدليل الثالث: عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٢). وجه الاستدلال: كل من حلف على يمين ويدخل في ذلك من حلف على تطليق زوجته فيستحب له الحنث والتكفير ولا يقع الطلاق بمجرد الحلف ومن باب أولى إذا كان وعدًا من غير حلف. الدليل الرابع: عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: «كَانَ فِي تماضر ﵂ سوء خلق وكانت على تطليقين. فَلَمَّا مَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵁ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْتِنِي الطَّلاقَ لأُطَلِّقَنَّكِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لأَسْأَلَنَّكَ. فَقَالَ: إِمَّا لا فَأَعْلِمِينِي إِذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ. قَالَ: فَلَمَّا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُعْلِمُهُ. قَالَ: فَمَرَّ رَسُولُهَا بِبَعْضِ أَهْلِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ لِذَلِكَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: أَرْسَلَتْنِي تُمَاضِرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ أُعْلِمُهُ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا لا تَفْعَلِي فو الله مَا كَانَ لِيَرُدَّ قَسَمَهُ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهَا فَقَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ لا أَرُدُّ قَسَمِي أَبَدًا. اذْهَبِي إِلَيْهِ فَأَعْلِمِيهِ. قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَأَعْلَمْتُهُ فَطَلَّقَهَا» (٣). وجه الاستدلال: وعد عبد الرحمن بن عوف زوجته ﵄ بالطلاق إذا طهرت فلم يقع الطلاق بمجرد الوعد.

стр. 26

الدليل الخامس: إجماع الصحابة ﵃ لفعل عبد الرحمن بن عوف ﵁ ولا يعرف له مخالف. الدليل السادس: القاعدة الشرعية يشرع الوفاء بالوعد إذا كان خيرًا وعدم الوفاء به إذا كان شرًا ومن ذلك الوعد بالطلاق من غير حاجة.

стр. 27

الفصل الثامن اعتقاد الطلاق من اعتقد وقوع طلاقه لا يخلو من حالين: الأولى: أن لا يتلفظ بالطلاق. الثانية: أن يتلفظ بالطلاق بناءً على هذا الاعتقاد. • إذا كان مجرد اعتقاد: إذا كان مجرد اعتقاد الطلاق فلا يلزم به طلاق إجماعًا فمن اعتقد أنَّه طلق امرأته، كمن أفتاه من هو ليس أهلًا للفتوى بوقوع طلاقه ثم تبين له خطأ المفتي لا يضره اعتقاده وتبقى زوجته اتفاقًا (١). ومن القواعد الفقهية لا عبرة بالظن البين خطؤه (٢) فاعتقاد الطلاق لا يقع به طلاق لأنَّه ظن تبين خطؤه. • من طلق معتقدًا وقوع الطلاق: من طلق امرأته معتقدًا أنَّه وقع عليها طلاقه كمن قال لزوجته إن كلمت فلانًا فأنت طالق فقيل له كلمتْه أو افتاه مفتٍ بوقوع الطلاق ونحو ذلك فقال مخبرًا طلقت زوجتي أو أقر بالطلاق أو كتبه ثم تبين عدم وقوع الطلاق فهل يقع الطلاق؟. لأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه. • القول الأول: يقع الطلاق: والظاهر لي أنَّه مذهب المالكية (٣)

стр. 28

وقال به بعض الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢). الدليل الأول: لأنَّها زوجته باطنًا وقد خاطبها بالطلاق فيقع (٣). الرد: ليس كل من خاطب زوجته بالطلاق وقع طلاقه فلا يقع طلاق المدهوش ولا الصبي ولا يقع طلاق المخطئ على الصحيح (٤). الدليل الثاني: لو قال لزوجته يعتقد أنَّها أجنبية أنت طالق وقع عليها الطلاق؛ لأنَّه استعمل اللفظ لمعناه ولا عبرة بظنه فكذا إذا طلقها معتقدًا وقوع الطلاق (٥). الرد: هذه من مسائل الخلاف. الدليل الثالث: تطلق تغليبًا لجانب التحريم (٦). الرد: إذا حرمناها على زوجها وأبحناها لغيره والواقع خلاف ذلك وقعنا في محظورين بخلاف إذا لم نوقع الطلاق فلو كان الأمر بخلاف ذلك فلا نقع إلا في محظور واحد والله أعلم. وتأتي بقية الأدلة في طلاق المخطئ (٧) وطلاق الناسي والجاهل (٨). • القول الثاني: لا يقع طلاقه ديانة ويقع في القضاء: وهو مذهب الأحناف (٩)، والشافعية (١٠)، ورواية عند الحنابلة (١١) واختاره

стр. 29

شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن القيم (٢). الدليل الأول: أنشد كعب بن زهير ﵁ أمام النبي ﷺ قصيدته التي مطلعها: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ (٣)

стр. 30

وجه الاستدلال: اعتقد كعب بن زهير ﵁ أنَّ زوجته بانت منه بإسلامه وأقر بذلك فأخبره النبي ﷺ بأنَّها لم تبن (١). الرد: من وجوه: الأول: الحديث ضعيف قال الشوكاني: قال العراقي: هذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع (٢). الجواب: الحديث ثابت بمجموعه والله أعلم. الثاني: سعاد امرأة يهواها حقيقة أو ادعاءً وليست زوجته (٣) ويدل لذلك قوله:

стр. 31

وما سعادُ غداةَ البينِ إذ رحلوا … إلاّ أَغَنُّ غَضَيضُ الطَّرْفِ مكحولُ فهي التي ارتحلت وليس هو الذي فارقها. قال ابن كثير: روي أنَّ رسول الله ﷺ قال له لما قال: بانت سعاد ومن سعاد؟ قال زوجتي يا رسول الله، قال لم تبن ولكن لم يصح ذلك وكأنَّه على ذلك توهم أنَّه بإسلامه تبين امرأته والظاهر أنَّه إنَّما أراد البينونة الحسية لا الحكمية والله تعالى أعلم (١). الثالث: على فرض أنَّها زوجته فالمراد البينونة الحسية لا المعنوية وقد ذكر ارتحالها عنه (٢). الدليل الثاني: تقدم أنَّه لا عبرة بالظن البين خطؤه فإخباره بالطلاق ظن تبين خطؤه فلا يقع الطلاق (٣). الدليل الثالث: قوله أنت طالق ونحو ذلك إخبار لا إنشاء والطلاق إنشاء فلو أخبر عن طلاق سابق على زوجته لم تطلق به (٤). الدليل الرابع: لو أعطى المكاتب النجوم فأعتقه سيده ظانًا صحة الأداء ثم بان فساده فإنَّه لا يعتق فكذا لا تطلق لتبين الخطأ (٥). وتأتي بقية الأدلة في طلاق المخطئ (٦) وطلاق الناسي والجاهل (٧). الترجيح: الذي يترجح لي عدم وقوع طلاق من طلق امرأته معتقدًا أنَّه وقع عليها طلاقه فهذا خبر والطلاق إنشاء والأحكام الشرعية يترتب أثرها على النية والله أعلم.

стр. 32

الباب الثاني الطلاق بالإشارة • طلاق الأَخْرَس بالإشارة • طلاق الأَخْرَس بالإشارة هو من صريح الطلاق أو كنايته؟ • إذا كان الأخرس قادرًا على الكتابة فهل يصح طلاقه بالإشارة؟ • طلاق القادر على الكلام بالإشارة • إشارة القادر على الكلام هل هي من صريح الطلاق أو كنايته؟

стр. 33

الفصل الأول طلاق الأَخْرَس الأصل في الطلاق هو الكلام لكن لو أشار (١) الرجل إشارة مفهمة مريدًا أصل الطلاق أو عدده فهل يقع طلاقه؟. الأمر لا يخلو من أن يكون المطلق قادرًا على الكلام أو غير قادر. تعريف الأخرس: الخَرَسُ: ذهاب الكلام خلقة، أو عيًا والأخرس الذي لا يتكلم والجمع خُرْس. وأَبْكَم أي أَخْرَس وقيل الأخْرَس الذي خلق ولا نطق له وَالْأَبْكَم الذي له نطق ولا يعقل الجواب (٢).

стр. 34

الحكم الوضعي لطلاق الأخرس لأهل العلم في طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة قولان قول بعدم وقوع طلاقه وقول بوقوع طلاقه: القول الأول: لا يقع الطلاق: فلا يقع طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة قال بذلك: ١: قتادة قال في الأخرس الذي لا يتكلم: «يُطَلِّقُ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (١). ٢: سفيان الثوري قال: لَيْسَ لَهُ طَلَاقٌ إِلَّا أَنَ يَكْتُبَ؟. قَالَ: «وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَتَبَ» قَالَ: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا ابْتِيَاعُهُ» (٢). ٣: ونُقِل عن الحسن البصري أنَّه قال: «إن شاء طلقها وليه» (٣). الرد: يحمل ما تقدم على إذا كان الأخرس ليس له إشارة مفهمة أو في عقله شيء كما هو مشاهد من بعض الخُرْس وانعقد الإجماع على خلاف رأي سفيان الثوري. الدليل الأول: لا يتبين بإشارته حروف منظومة؛ فبقي مجرد قصد الإيقاع، والنية المجردة لا يقع بها طلاق (٤). الرد من وجهين: الأول: خروج الحروف المنظومة خارجة عن قدرة الأخرس فتقوم إشارته مقام كلامه. الثاني: لا يقع بالنية طلاق على أرجح القولين في حق القادر على الكلام بخلاف الأخرس. الدليل الثاني: الصحيح لو أشار لا يقع شيء من التصرفات بإشارته فكذلك الأخرس (٥).

стр. 35

الرد من وجهين: الأول: المخالف يرى صحة وقوع التصرفات بالإشارة من القادر على الكلام. الثاني: لا يصح قياس القادر على الكلام على الأخرس. القول الثاني: يقع طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة: وهو مذهب الأحناف (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) وقال به ابن حزم (٥) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦) وابن القيم (٧) والشنقيطي (٨) وابن باز (٩) وشيخنا الشيخ ابن عثيمين (١٠). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وجه الاستدلال: لو لم تجعل إشارة الأخرس كعبارة الناطق لأدى إلى الحرج وهو

стр. 36

مدفوع (١). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وجه الاستدلال: ما ليس في وسع الأخرس يسقط عنه، فيأتي الأخرس بما يستطيع من إشارة يفهم منها إرادة الطلاق (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» (٣). وجه الاستدلال: يأتي الأخرس بما يستطيع من إشارة يفهم منها إرادة الطلاق (٤). وكذلك ما يأتي من الأدلة التي يستدل بها على صحة طلاق القادر على الكلام بالإشارة. قال ابن بطال: جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة من الديانة في مواضع يمكن النطق فيها ومواضع لا يمكن، فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز وأوكد، إذ لا يمكن العمل بغيرها. (٥). وقال الحافظ ابن حجر: جعل فيها النبي ﷺ الإشارة قائمة مقام النطق وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز وقال ابن المنير أراد البخاري أنَّ الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذ كاللفظ (٦). الدليل الرابع: في حديث جابر ﵁: «ثم جاء جبار بن صخر ﵁ فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه، فجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال هكذا، بيده

стр. 37

- يعني شد وسطك -» (١). وجه الاستدلال: النبي ﷺ عاجز عجزًا شرعيًا عن الكلام في الصلاة فأشار لجابر ﵁ ففهم إشارته وامتثل أمره فكذلك العاجز عن الكلام حسًا يعمل بإشارته المفهمة. الدليل الخامس: الإجماع: ينقل بعض أهل العلم الإجماع على وقوع الطلاق بإشارة الأخرس المفهمة (٢). الرد: لا إجماع وتقدم الخلاف. الجواب من وجهين: الأول: لم أقف على خلاف بعد أتباع التابعين. الثاني: المسلمون مجمعون إجماعًا عمليًا في الجملة على صحة عقود وفسوخ الأخرس العاقل ومن ذلك نكاحه وطلاقه. الدليل السادس: إشارة الأخرس كعبارة الناطق فالإشارة فيها بيان وإذا عجز الأخرس عن العبارة قامت إشارته المفهمة مقام عبارته (٣). الدليل السابع: قياس الطلاق على بقية تصرفات الأخرس (٤). الدليل الثامن: لا طريق للأخرس إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام الكلام (٥). الرد من وجهين: الأول: يطلق عنه وليه. الجواب: إذا كان وليه يعلم منه إرادة الطلاق بالإشارة يطلق هو بنفسه. الثاني: يطلق بالكتابة.

стр. 38

الجواب: ليس كل أخرس يعرف الكتابة. الترجيح: الذي ترجح لي صحة طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة ولا يسع الخُرْس إلا القول بهذا وهو إجماع والله أعلم. * تنبيه: الجمهور لا يفرقون بين كون الأخرس أصليًا أو كان قادرًا على الكلام ثم اعْتُقِل لِسانُه (١) بخلاف الأحناف فمن اعْتُقِل لِسانُه فالفتوى عندهم لا يقع طلاقه إلا بوفاته. قال ابن نجيم: قيد صاحب الينابيع الأخرس بكونه ولد أخرس أو طرأ عليه ودام، وإن لم يدم لا يقع طلاقه وقدر التمرتاشي الامتداد هنا بسنة وذكر الحاكم أبو محمد رواية عن أبي حنيفة فقال إن دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بالإشارة ويجوز الإشهاد عليه لأنَّه عجز عن النطق بمعنى لا يرجى زواله فكان كالأخرس قال الشارح: في آخر الكتاب قالوا وعليه الفتوى (٢) اه. فعلى هذا [لا زال الكلام لابن نجيم] إذا طلق من اعتقل لسانه توقف فإن دام به إلى الموت نفذ، وإن زال بطل (٣) وذكر ابن عابدين قول ابن نجيم السابق وأعقبه بقوله: قلت: وكذا لو تزوج بالإشارة لا يحل له وطؤها لعدم نفاذه قبل الموت وكذا سائر عقوده، ولا يخفى ما في هذا من الحرج (٤). • إشارة الأخرس هل هي من صريح الطلاق أو كنايته؟ إشارة الأخرس لا تخلو من حالين: أن تكون مفهمة أو غير مفهمة.

стр. 39

• الإشارة المفهمة: الحال الأولى: الإشارة المفهمة وهي نوعان: الأول: أن يفهم منها الطلاق كل واقف عليها (١): وهي صريحة في الطلاق في مذهب الأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) وقال به الشنقيطي (٦). الثانية: أن لا يفهم الطلاق منها إلا المخصوص بالفطنة والذكاء (٧): فهي كناية طلاق في مذهب الأحناف (٨) والمالكية (٩) والشافعية (١٠) والحنابلة (١١).

стр. 40

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. وجه الاستدلال: نُزِّلت الإشارةُ في الآية منزلة القول حين كانت ظاهرة فجرت مَجْرى الكلام الصريح. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل الثالث: دلالة القرائن مع الإشارة من الأخرس لا يزاحمها إمكان ما هو أدل منها من غير نوعها، وهو النطق بحال، فكانت كالصريح (١). الدليل الرابع: الإشارة في الدلالة على مراد الأخرس كالعبارة في الطلاق فتعطى حكمها صريحة وكناية (٢). الدليل الخامس: القياس على بقية تصرفات الأخرس (٣). فائدةُ التفريق بين الإشارة الصريحة والكناية: الفائدة من معرفة إشارة الأخرس الصريحة والكناية في الطلاق هو نفسه ما يفيده الفرق بين لفظ الطلاق الصريح والكناية فالإشارة الصريحة لا تحتاج إلى نية الطلاق فيقع الطلاق بمجرد الإشارة ولا يقبل قول الأخرس في القضاء إنَّه لم يرد الطلاق بخلاف الكناية فلا يقع الطلاق بمجرد الإشارة فلا بد أن يضاف معها نية الطلاق ولو ادعى عدم إرادة الطلاق قبل منه في القضاء (٤).
следующие страницы →