← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30001

شروط الطلاق - الزومان

أحمد الزومان

Полный текст (812 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مدفوع (١). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وجه الاستدلال: ما ليس في وسع الأخرس يسقط عنه، فيأتي الأخرس بما يستطيع من إشارة يفهم منها إرادة الطلاق (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» (٣). وجه الاستدلال: يأتي الأخرس بما يستطيع من إشارة يفهم منها إرادة الطلاق (٤). وكذلك ما يأتي من الأدلة التي يستدل بها على صحة طلاق القادر على الكلام بالإشارة. قال ابن بطال: جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة من الديانة في مواضع يمكن النطق فيها ومواضع لا يمكن، فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز وأوكد، إذ لا يمكن العمل بغيرها. (٥). وقال الحافظ ابن حجر: جعل فيها النبي ﷺ الإشارة قائمة مقام النطق وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز وقال ابن المنير أراد البخاري أنَّ الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذ كاللفظ (٦). الدليل الرابع: في حديث جابر ﵁: «ثم جاء جبار بن صخر ﵁ فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه، فجعل رسول الله ﷺ يرمقني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال هكذا، بيده

стр. 37

- يعني شد وسطك -» (١). وجه الاستدلال: النبي ﷺ عاجز عجزًا شرعيًا عن الكلام في الصلاة فأشار لجابر ﵁ ففهم إشارته وامتثل أمره فكذلك العاجز عن الكلام حسًا يعمل بإشارته المفهمة. الدليل الخامس: الإجماع: ينقل بعض أهل العلم الإجماع على وقوع الطلاق بإشارة الأخرس المفهمة (٢). الرد: لا إجماع وتقدم الخلاف. الجواب من وجهين: الأول: لم أقف على خلاف بعد أتباع التابعين. الثاني: المسلمون مجمعون إجماعًا عمليًا في الجملة على صحة عقود وفسوخ الأخرس العاقل ومن ذلك نكاحه وطلاقه. الدليل السادس: إشارة الأخرس كعبارة الناطق فالإشارة فيها بيان وإذا عجز الأخرس عن العبارة قامت إشارته المفهمة مقام عبارته (٣). الدليل السابع: قياس الطلاق على بقية تصرفات الأخرس (٤). الدليل الثامن: لا طريق للأخرس إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام الكلام (٥). الرد من وجهين: الأول: يطلق عنه وليه. الجواب: إذا كان وليه يعلم منه إرادة الطلاق بالإشارة يطلق هو بنفسه. الثاني: يطلق بالكتابة.

стр. 38

الجواب: ليس كل أخرس يعرف الكتابة. الترجيح: الذي ترجح لي صحة طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة ولا يسع الخُرْس إلا القول بهذا وهو إجماع والله أعلم. * تنبيه: الجمهور لا يفرقون بين كون الأخرس أصليًا أو كان قادرًا على الكلام ثم اعْتُقِل لِسانُه (١) بخلاف الأحناف فمن اعْتُقِل لِسانُه فالفتوى عندهم لا يقع طلاقه إلا بوفاته. قال ابن نجيم: قيد صاحب الينابيع الأخرس بكونه ولد أخرس أو طرأ عليه ودام، وإن لم يدم لا يقع طلاقه وقدر التمرتاشي الامتداد هنا بسنة وذكر الحاكم أبو محمد رواية عن أبي حنيفة فقال إن دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بالإشارة ويجوز الإشهاد عليه لأنَّه عجز عن النطق بمعنى لا يرجى زواله فكان كالأخرس قال الشارح: في آخر الكتاب قالوا وعليه الفتوى (٢) اه. فعلى هذا [لا زال الكلام لابن نجيم] إذا طلق من اعتقل لسانه توقف فإن دام به إلى الموت نفذ، وإن زال بطل (٣) وذكر ابن عابدين قول ابن نجيم السابق وأعقبه بقوله: قلت: وكذا لو تزوج بالإشارة لا يحل له وطؤها لعدم نفاذه قبل الموت وكذا سائر عقوده، ولا يخفى ما في هذا من الحرج (٤). • إشارة الأخرس هل هي من صريح الطلاق أو كنايته؟ إشارة الأخرس لا تخلو من حالين: أن تكون مفهمة أو غير مفهمة.

стр. 39

• الإشارة المفهمة: الحال الأولى: الإشارة المفهمة وهي نوعان: الأول: أن يفهم منها الطلاق كل واقف عليها (١): وهي صريحة في الطلاق في مذهب الأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) وقال به الشنقيطي (٦). الثانية: أن لا يفهم الطلاق منها إلا المخصوص بالفطنة والذكاء (٧): فهي كناية طلاق في مذهب الأحناف (٨) والمالكية (٩) والشافعية (١٠) والحنابلة (١١).

стр. 40

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. وجه الاستدلال: نُزِّلت الإشارةُ في الآية منزلة القول حين كانت ظاهرة فجرت مَجْرى الكلام الصريح. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وجه الاستدلال: كالذي قبله. الدليل الثالث: دلالة القرائن مع الإشارة من الأخرس لا يزاحمها إمكان ما هو أدل منها من غير نوعها، وهو النطق بحال، فكانت كالصريح (١). الدليل الرابع: الإشارة في الدلالة على مراد الأخرس كالعبارة في الطلاق فتعطى حكمها صريحة وكناية (٢). الدليل الخامس: القياس على بقية تصرفات الأخرس (٣). فائدةُ التفريق بين الإشارة الصريحة والكناية: الفائدة من معرفة إشارة الأخرس الصريحة والكناية في الطلاق هو نفسه ما يفيده الفرق بين لفظ الطلاق الصريح والكناية فالإشارة الصريحة لا تحتاج إلى نية الطلاق فيقع الطلاق بمجرد الإشارة ولا يقبل قول الأخرس في القضاء إنَّه لم يرد الطلاق بخلاف الكناية فلا يقع الطلاق بمجرد الإشارة فلا بد أن يضاف معها نية الطلاق ولو ادعى عدم إرادة الطلاق قبل منه في القضاء (٤).

стр. 41

• الإشارة غير المفهمة: الحال الثانية: الإشارة غير المفهمة: وهي التي لا يعرف المراد منها أو يشك فيها (١) فلا يقع بها طلاق عند الأحناف (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥). فالنكاح ثابت والطلاق مشكوك فيه. ويطلق عنه وليه ويحمل عليه قول قتادة - السابق -: «يُطَلِّقُ عَنْهُ وَلِيُّهُ» كما يطلق الولي عن الصغير والمجنون (٦). • طلاق الأخرس بالإشارة مع القدرة على الكتابة: إذا كان الأخرس قادرًا على الكتابة فلأهل العلم في هذه المسألة قولان: قول لا يصح طلاق الأخرس بالإشارة إذا كان قادرًا على الكتابة والقول الثاني يصح طلاقه. • القول الأول: لا يصح الطلاق: فلا يصح طلاق الأخرس بالإشارة إذا كان قادرًا على الكتابة قال به بعض الأحناف (٧) وبعض الشافعية (٨). الدليل الأول: اندفاع الضرورة بالكتابة وهي أدل على المراد من الإشارة (٩). الرد من وجوه: الأول: الكتابة والإشارة بدرجة واحدة تقريبًا من حيث الدلالة على المراد

стр. 42

فالكتابة مقدمة على الإشارة من حيث إنَّها تتضمن ما يقصده الكاتب عينًا، والإشارة مقدمة على الكتابة من حيث إنَّها تكون بالرأس واليدين وهما العضوان اللذان يستعين بهما المتكلم للإعراب عن ضميره. فعليه قد جعل للأخرس الخيار بين أن يستعمل الكتابة في التعبير عن أفكاره؛ لأنَّه لا مرجح لواحدة منهما على الأخرى (١). الثاني: الطلاق باللفظ الصريح أدل على المراد ويصح الطلاق بالكناية. الثالث: الكتابة من الناطق كناية فتحتاج إلى نية. الدليل الثاني: الكتابة هي المعتبرة لأنَّها أضبط (٢). الرد: كالذي قبله. • القول الثاني: يصح الطلاق: فيصح طلاق الأخرس ولو كان قادرًا على الكتابة وهو مذهب الأحناف (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٦) وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية (٧) وابن القيم (٨). الدليل الأول: يقع الطلاق بالكناية ولا يشترط اللفظ الصريح فكذلك يقع الطلاق بالإشارة مع القدرة على الكتابة.

стр. 43

الدليل الثاني: المقصد معرفة إرادة الأخرس للطلاق فإذا عرف قصده بإشارة أو كتابة وقع طلاقه. الدليل الثالث: إشارة الأخرس كعبارة الناطق (١) فيقع بها الطلاق ولو كان قادرًا على الكتابة. الدليل الرابع: تصح تصرفات الأخرس بالإشارة ولو كان قادرًا على الكتابة فكذلك طلاقه. الدليل الخامس: تدل الإشارة على ما تدل عليه الكتابة (٢). الرد: تقدم. الجواب: تقدم الدليل السادس: تقدم أنَّ الكتابة في مرتبة الإشارة. الرد: تقدم. الجواب: تقدم الترجيح: الذي ترجح لي صحة طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة وإن كان قادرًا على الكتابة لما تقدم من تعليل والله أعلم.

стр. 44

الفصل الثاني طلاق القادر على الكلام بالإشارة الحكم الوضعي لطلاق القادر على الكلام بالإشارة • الطلاق بالإشارة له حالان: الأولى: أن يقول: أنت طالق ويشير بأصبعين أو أكثر فيقع الطلاق بعدد الأصابع المنشورة ولا أعلم خلافًا في المسألة عدا ابن حزم فالظاهر أنَّه لا يوقع أكثر من طلقة. ويأتي الكلام على أحكام المسألة (١). الثانية: إذا طلق القادر على الكلام بالإشارة فقط فمثلًا سئل هل طلقت امرأتك؟ فأشار برأسه أي نعم. أو أشار لزوجته بأصبع أو أكثر فهذا موضع بحث المسألة. فأهل العلم لهم في هذه المسألة قولان قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه. • القول الأول: لا يقع الطلاق: فلا يقع الطلاق بالإشارة من القادر على الكلام روي عن الحكم بن عتيبة (٢) وقال به الأوزاعي (٣) وهو مذهب الأحناف (٤) والصحيح من مذهب الشافعية (٥)

стр. 45

وهو مذهب الحنابلة (١) واختاره ابن حزم (٢). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وجه الاستدلال: دلت الآيتان أنَّه لا يقع الطلاق في اللغة إلا على اللفظ (٣). الرد: من وجوه: الأول: الإشارة تسمى كلامًا. الثاني: ذكر لفظ الطلاق في النصوص لا يدل على نفي وقوع الطلاق في ما عداه إلا عند الظاهرية. الثالث: يقع الطلاق بالكتابة عند من يرى عدم صحة الطلاق بالإشارة عدا الظاهرية. الرابع: ألفاظ العقود والفسوخ ليست ألفاظًا تعبدية يوقف عندها. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠ - ١١]. وجه الاستدلال: منع زكريا ﵇ من الكلام ولم يمنع من الإشارة فدل على أنَّ الإشارة ليست كلامًا فلا تعطى حكم الكلام فلا يقع الطلاق بها (٤). الرد من وجهين: الأول: تأتي مناقشة المراد بالآية.

стр. 46

الثاني: إذا كان في شرعهم أنَّ الإشارة لا تعطى حكم الكلام فقد ورد في شرعنا أنَّ الإشارة تعطى حكم الكلام. الرد: النصوص الواردة فيها اعتبار الإشارة هي في حقوق الخالق وليست في حقوق المخلوقين (١). الجواب من وجهين: الأول: الإشارة الواردة في حديث كعب بن مالك ﵁ الآتي - في تقاضيه مع ابن أبي حدرد ﵁ في حقوق المخلوقين. الثاني: لو لم ترد الإشارة في حقوق المخلوقين فتقاس على حقوق الخالق فألفاظ الطلاق ليست تعبدية يوقف عندها فمذهب الأئمة الأربعة وقوع الطلاق بالكتابة وألفاظ الكنايات التي لم ترد في النصوص الشرعية. الجواب: الإشارة ليست موضوعة للطلاق بخلاف الكناية فإنّها حروف موضوعة للإفهام كالعبارة الصريحة (٢). الرد: النصوص - الآتية - من الكتاب والسنة تدل على أنَّ الإشارة موضوعة للإفهام وتقوم مقام الكلام. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وجه الاستدلال: أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر، فهذه إشارة مفهمة، وقد فهمها قومها فأجابوها جوابًا مطابقًا لفهمهم لما أشارت إليه ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم إنسيًا فالآية صريحة في أنَّ الكلام باللفظ يخل بنذرها، وأنَّ الإشارة ليست كذلك فلا تعطى حكم الكلام فلا يقع الطلاق بها (٣).

стр. 47

الرد: كالذي قبله. الدليل الخامس: الإجماع: قال الجصاص: لم يختلف الفقهاء أنَّ إشارة الصحيح لا تقوم مقام قوله (١). الرد: إن كان المراد أنَّ إشارة الصحيح ليست في قوة دلالة القول فنعم وإن كان المراد أنَّ إشارة الصحيح لا يعمل بها بالإجماع فلا إجماع. فيعمل بها في الطلاق وغيره. الدليل السادس: الإشارة، لا تصدر على قصد الإفهام إلا نادرًا (٢). الرد من وجهين: الأول: واقع الناس خلاف ذلك فيكتفون بالإشارة عن الكلام كثيرًا. الثاني: إذا أفهمت الإشارة ترتب عليها الحكم مع قطع النظر عن كونها كثيرة أو نادرة. الدليل السابع: الكلام أخص بالطلاق وهو قادر عليه فلا يقع طلاقه بالإشارة (٣). الرد: القائلون بعدم وقوع الطلاق بالإشارة عدا ابن حزم يصححون الطلاق بالكتابة وإن كان قادرًا على الكلام. الدليل الثامن: عدوله عن العبارة إلى الإشارة يفهم أنَّه غير قاصد للطلاق (٤). الرد: لا يقع الطلاق إلا بالإشارة المفهمة فإذا فهم منه غير إرادة الطلاق فلا يقع بها طلاق. • القول الثاني: يقع الطلاق: فيقع طلاق القادر على الكلام بالإشارة المفهمة قال به عامر الشعبي (٥) وهو

стр. 48

مذهب المالكية (١) وقول للشافعية (٢) واختار هذا القول البخاري (٣) والنسائي (٤) والشنقيطي (٥) وشيخنا محمد العثيمين (٦) الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وجه الاستدلال: قوله تعالى: ﴿صَوْمًا﴾ أي: صمتًا وإمساكًا وذلك على الإشارة لا على القول منها، وقد سماها الله تعالى قولًا فدل أنَّ الإشارة تنزل منزلة القول (٧). الرد: تقدم تفسير ﴿صَوْمًا﴾ إمساكًا عن الكلام وليس عن الإشارة. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]. وجه الاستدلال: أشار إليهم وأومأ بيده فقامت الإشارة في هذا الموضع مقام القول لأنَّها أفادت ما يفيده القول وهذا يدل على أنَّ الإشارة تقوم مقام القول (٨).

стр. 49

الرد من وجهين: الأول: كان لا قدرة له على الكلام في الثلاثة الأيام (١). الجواب: نُهِي عن الكلام وهو صحيح سوي، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] أي صحيحًا سليمًا من غير ما بأس ولا خرس ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس (٢). الرد: اختلف في إعراب قوله تعالى: ﴿سَوِيًّا﴾ فقيل حال من فاعل تكلم أي حالة كونك سليمًا وقيل صفة لثلاث ليال (٣). الثاني: الاستثناء منقطع (٤) فليس الرمز من الكلام فالتقدير لا تكلم الناس ثلاثة أيام لكن تشير إليهم (٥) والله أعلم. الدليل الثالث: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَقَالَ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ» (٦). وجه الاستدلال: بين النبي ﷺ بالإشارة باليد الفرق بين الفجر الكاذب والفجر

стр. 50

الصادق فجعل الإشارة كالنطق (١). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشَّهْرُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا وَنَقَصَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى» (٢). وجه الاستدلال: نزل النبي ﷺ إشارته بأصابعه - إلى أنَّ الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، وقد يكون ثلاثين - منزلة نطقه بذلك (٣). الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ» (٤). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ إشارته إلى لسانه قائمة مقام نطقه (٥). الدليل السادس: عن كعب بن مالك ﵁ أنَّه تقاضى ابن أبي حدرد ﵁ دينًا كان عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا»، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ» (٦). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ إشارته إلى كعب بن مالك ﵁ أن يسقط نصف دينه عن ابن أبي حدرد ﵁ ويأخذ النصف كنطقه بذلك (٧). الدليل السابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: « … فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي

стр. 51

بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى ﷺ الْحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ» (١). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ إشارته إلى أبي بكر ﵁ أن يتقدم كنطقه له بذلك (٢). الدليل الثامن: عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ سئل فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ «وَلَا حَرَجَ» قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ «وَلَا حَرَجَ» (٣). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ الفتيا بإشارة اليد كالفتيا بالنطق (٤). الدليل التاسع: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (٥). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المُحِّل كأمره له باصطياده بالنطق (٦). الدليل العاشر: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْفِتْنَةُ مِنْ هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ» (٧). الدليل الحادي عشر: عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال «فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ «إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٨). وجه الاستدلال: جعل النبي إشارته - في الحديثين - بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق (٩). الدليل الثاني عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيْهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا فَأَمَّا

стр. 52

الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ شَيْئًا إِلَّا مَادَّتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا فَهْوَ يُوسِعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلْقِهِ» (١). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ إشارته إلى أنَّ درع الحديد المضروب بها المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه كالنطق بذلك (٢). الدليل الثالث عشر: عن عائشة ﵂ قالت، دخل علي عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: «أَنْ نَعَمْ» فتناولته، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: «أَنْ نَعَمْ» فلينته … » (٣). وجه الاستدلال: عملت عائشة ﵂ بما فهمته من إشارة النبي ﷺ فالإشارة المفهمة كالقول (٤). الدليل الرابع عشر: عن ابن عباس ﵄ قال «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ وَقَالَتْ زَيْنَبُ [بنت جحش]﵂ قال النبي ﷺ : «فُتِحَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ» (٥). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ العقد على صفة مخصوصة لإرادة عدد معلوم يتنزل منزلة الإشارة المفهمة واكتفى بها عن النطق (٦). الدليل الخامس عشر: عن عائشة ﵂ قالت: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَإِنَّ الْبِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْيِي فَتَسْكُتُ قَالَ: «سُكَاتُهَا إِذْنُهَا» (٧).

стр. 53

وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ سكوت البكر دليلًا على الرضا فكذلك الإشارة فهي أبلغ في الإفهام من السكوت (١). الدليل السادس عشر: عن أنس ﵁ في قصة اليهودي «قالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَتَلَكِ فُلَانٌ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا قَالَ فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا فَأَشَارَتْ أَنْ لَا فَقَالَ فَفُلَانٌ لِقَاتِلِهَا فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (٢). وجه الاستدلال: اعتبر النبي ﷺ إشارتها برأسها للقاتل. الرد من وجهين: الأول: حالها حال اضطرار فإشارتها كإشارة الأخرس. الثاني: لم يقتل اليهودي بإشارتها إنمَّا بإقراره (٣) ففي رواية «فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (٤). الدليل السابع عشر: الإشارة المفهمة عبارة عما نواه فهي كالنطق بصريح الطلاق وكنايته (٥). الرد: هذا محل الخلاف. الدليل الثامن عشر: الإشارة متى ما تعلق بها ما يدل على الطلاق نزلت منزلة الكلام لحصول ما وضع له الكلام بها وهو الإعلام بدلالة العرف (٦). الرد: كالذي قبله. الدليل التاسع عشر: لا فرق بين إظهار الطلاق بالنطق أو الإشارة (٧). الرد: الإشارة تحتمل الطلاق وغيره.

стр. 54

الجواب: كذلك ألفاظ الكناية تحتمل الطلاق وغيره ويقع بها الطلاق. الدليل العشرون: يقاس على الأخرس فلفظ الطلاق ليس تعبديًا فإذا أفهمت الإشارةُ إرادةَ الطلاق وقع. الرد: الأخرس لا يمكنه التلفظ بالطلاق بخلاف القادر على الكلام.

стр. 55

بقية الأدلة: (١). الترجيح: الذي يترجح لي صحة وقوع طلاق القادر على الكلام بالإشارة المفهمة فألفاظ الطلاق ليست تعبدية فيقع الطلاق عند الجمهور بألفاظ لم يرد فيه نص فالعبرة بالعقود والفسوخ بالمعاني لا بالألفاظ والله أعلم.

стр. 56

الباب الثالث الطلاق بالكتابة • كتابة الزوج الطلاق • أمر الزوج غيره بكتابة الطلاق • الكتابة هل هي صريحة في الطلاق أو كناية؟ • محو الطلاق بعد كتابته • الطلاق عبر وسائل الاتصال الحديثة

стр. 57

الفصل الأول كتابة الطلاق * كتابة الزوج الطلاق كتابة مستبينة ناويًا وقوع الطلاق * كتابة الزوج الطلاق كتابة مستبينة من غير نية الطلاق * كتابة الزوج الطلاق كتابة غير مستبينة * هل الكتابة غير المستبينة إشارة يقع فيها الطلاق؟ • تمهيد: الكتابة نوعان: كتابة مستبينة وكتابة غير مستبينة وتكون من الزوج ومن غيره: الكتابة المستبينة: هي الكتابة على شيء تتبين فيه الكتابة، ويمكن قراءتها وفهمها كالكتابة على الورق والأرض (١). الكتابة غير المستبينة: هي الكتابة التي لا تتبين ولا تثبت مثل الكتابة بالأصبع على البساط و الماء والهواء (٢). أحوال الزوج حين الكتابة: إذا كتب الزوج الطلاق كتابة مستبينة فلا يخلو الأمر من حالين: الأولى: أن يكتب الطلاق وهو ناوٍ وقوع الطلاق. الثانية: أن يكتب الطلاق من غير نية وقوع الطلاق. • كتابة الزوج الطلاق كتابة مستبينة ناويًا وقوع الطلاق: إذا كتب الزوج الطلاق كتابة مستبينة ناويًا الطلاق فلأهل العلم في هذه المسألة ثلاثة أقوال قول بعدم وقوع الطلاق وقول بوقعه وقول بالتفريق بين حضور الزوجة وغيبتها.

стр. 58

• القول الأول: لا يقع الطلاق: فلا يقع الطلاق بالكتابة المستبينة ولو نوى وهو قول للشافعية (١) وقال به بعض الحنابلة (٢) واختاره ابن حزم (٣). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وجه الاستدلال: لا يقع في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها وخاطبنا بها رسوله ﷺ اسم تطليق على أن يكتب إنَّما يقع باللفظ به فصح أنَّ الكتابة ليست طلاقًا فلا بد من أن يلفظ به إذ لم يرد النص إلا بهذا (٤). الرد من وجهين: الأول: أقام الشارع الكتابة مقام اللفظ. الثاني: هذا بناءً على القول بعدم حجية القياس والجمهور على خلاف الظاهرية. الدليل الثالث: عقد النكاح يفتقر إلى اللفظ فكذلك فسخه (٥). الرد من وجهين: الأول: لا يصح قياس الطلاق على النكاح للفرق بينهما ومن ذلك النكاح عقد والطلاق فسخ والنكاح يشترط فيه رضا الزوجين وفي الطلاق من غير عوض لا يشترط رضا الزوجة. الثاني: عقد النكاح كتابة من مسائل الخلاف. الدليل الرابع: الكتابة فعل مِنْ قادر على القول فلم يقع به الطلاق كالإشارة من الناطق (٦).

стр. 59

الرد من وجهين: الأول: الكتابة أظهر في الدلالة من الإشارة. الثاني: الصحيح وقوع الطلاق بالإشارة المفهمة (١). الدليل الخامس: الكتابة فعل فأشبهت سائر الأفعال في عدم وقوع الطلاق (٢). الرد من وجهين: الأول: الكتابة أظهر من غيرها من الأفعال في الدلالة على إفهام المخاطب بها (٣). الثاني: يأتي إن شاء الله - الكلام على الطلاق بالفعل (٤). الدليل السادس: الكاتب قادر على العبارة، فليعبر عن غرضه؛ فالعبارة أصل البيان، والكتابة فعل (٥). الرد: العبارة أصل البيان ولا يمتنع البيان بغيرها كالكتابة والإشارة كما أنَّ الأصل لفظ الطلاق الصريح ويقع بالكناية. • القول الثاني: التفريق بين حضور الزوجة وغيبتها: فتطلق بالكتابة إن كانت غائبة عن المجلس، وإن كانت حاضرة في المجلس فلا تطلق بالكتابة وهو قول للشافعية (٦). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وجه الاستدلال: بلغ رسول الله ﷺ الرسالة بمكاتبة الغائبين فيعمل بالكتابة في حق الغائب (٧).

стр. 60

الرد: كاتب النبي ﷺ من يشق عليه الذهاب إليهم أمَّا غيرهم فكان يدعوهم بالقول. الدليل الثاني: الحاضر لا يقع طلاقه بالكتابة؛ لاقتداره على الإفهام بالكلام، والغائب يعسر عليه الكلام فتصير الكتابة في حقه كالكتابة في حق الأخرس (١). الرد من وجهين: الأول: لا يعسر عليه التلفظ بالطلاق فيتلفظ به ثم يكتب إليها مخبرًا لها بالطلاق الذي تلفظ به فإذا كان يقع الطلاق بالكتابة فلا وجه للتفريق بين حضورها وغيبتها. الثاني: فرق بين الأخرس والقادر على النطق. الدليل الثالث: كتاب القاضي يقوم مقام لفظه (٢). الرد: كتاب القاضي للقاضي في حال الحاجة (٣). الدليل الرابع: الكتابة مألوفة من الناطقين على اطراد حال الغيبة (٤). الرد من وجهين: الأول: مألوفة في نقل الأخبار والأحوال حال الغيبة وليست مألوفة في عقد العقود وفسخها وإنَّما تكون الكتابة في العقود بعد عقدها زيادة في التوثقة. الثاني: حال الغيبة حال حاجة واضطرار. • القول الثالث: يقع الطلاق: فإذا كتب لفظ الطلاق ناويًا الطلاق وقع الطلاق قال به الزهري (٥)، وعطاء بن أبي رباح (٦)،

стр. 61

والحكم بن عتيبة (١)، والشعبي (٢)، وحماد بن أبي سليمان (٣)، والحسن البصري (٤)، وإبراهيم بن يزيد النخعي (٥)،

стр. 62

وقتادة (١)، وهو مذهب الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، وأظهر الأقوال عند الشافعية (٤)، وهو مذهب الحنابلة (٥)، واختاره ابن القيم (٦)، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٧)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٨)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٩).

стр. 63

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: في الآية الأمر بكتابة الدين ولو لم تكن الكتابة معتبرة شرعًا لكان الأمر بها لغوًا (١). الرد: الكتابة زيادة توثقة والعقد ثابت قبلها وبدونها. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وجه الاستدلال: لم يكن يستطع الكلام فكتب لهم (٢). الرد: يذهب بعض المفسرين إلى أنَّه أشار إليهم ولم يكتب لهم (٣) وهذه الآية يستدل بها من يرى وقوع الطلاق بالإشارة المفهمة (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٥). وجه الاستدلال: الكتابة عمل فيقع بها الطلاق كما يقع بالكلام (٦). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يريد أن يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٧). وجه الاستدلال: في الحديث الحث على الإسراع بكتابة الوصية فدل على العمل بالكتابة فيقع بها الطلاق (٨). الدليل الخامس: الكتابة تفيد الطلاق وليس لفظ الطلاق تعبديًا يتوقف فيه على

стр. 64

النص (١). الدليل السادس: الكتابة أحد الخطابين فجاز إيقاع الطلاق بها كاللفظ (٢). الرد: اللفظ لا يحتمل غير الطلاق بخلاف الكتابة. الجواب: لو ادَّعى عدم إرادة الطلاق في اللفظ الصريح يدان به ولا يقع طلاقه (٣). الدليل السابع: الكتابة طريق في إفهام المراد وقد اقترنت بالنية فيقع بها الطلاق (٤). الرد: الإشارة المفهمة مع النية لا يقع بها طلاق من القادر على الكلام (٥). الجواب: هذه محل خلاف والصحيح وقوع الطلاق بها. الدليل الثامن: الكتابة قد تقع لنظم حروف وامتحان قلم، ومحاكاة خط، فإن انضم إلى الكتابة قصد الإفهام بها وقع الطلاق (٦). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله. الدليل التاسع: الكتابة أبلغ من الإشارة فإذا وقع الطلاق بالإشارة المفهمة فالكتابة من باب أولى (٧). الرد: كالذي قبله. الجواب: كالذي قبله.

стр. 65

الدليل العاشر: الكتابة عمل جارحة تبين المراد ويفهم منه الطلاق كالنطق (١). الرد: فرق بين النطق والكتابة فلا تقوم الكتابة مقام النطق في كل شيء. الدليل الحادي عشر: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وإظهاره بالكتابة كإظهاره بالنطق (٢). الرد: كالذي قبله. الدليل الثاني عشر: القلم أحد اللسانين فهي تعبير عما في القلب فنزلت الكتابة منزلة اللفظ (٣). الرد: كالذي قبله. الدليل الثالث عشر: الكتابة تقوم مقام قول الكاتب بدليل أنَّ النبي ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، فبلغ بالقول مرة وبالكتابة مرة أخرى (٤). الرد: تبليغه بالكتابة حال حاجة أو اضطرار فيتعذر عليه أن يقوم بدعوة كل من حوله بالقول. الدليل الرابع عشر: الكتابة تقوم مقام العبارة عند العجز عنها (٥). الرد: يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار. الدليل الخامس عشر: كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون ويتوجه عليه صحة الولاية بالخط (٦). الرد: تقدم أنَّ كتابة القاضي للقاضي حال حاجة. الدليل السادس عشر: الكتابة مما يتفاهم بها العقلاء ويتمون عقودهم وفسوخهم

стр. 66

بها (١). الرد: الأصل وقوع العقود والفسوخ بالكلام والكتابة زيادة توثقة. الدليل السابع عشر: الكتابة مألوفة من الناطقين على اطراد سيما في حالة الغيبة (٢). الرد من وجهين: تقدما. الدليل الثامن عشر: الكتابة تسمى كلامًا في حق الغائب (٣). الرد من وجهين: الأول: كون الكتابة تسمى كلامًا محل خلاف (٤). الثاني: لا يلزم من تسمية الكتابة كلامًا أن تقوم مقام الكلام في كل شيء كالجد يسمى أبًا ولا يعطى أحكام الأب في كل شيء. الدليل التاسع عشر: لو حلف لا يكلمه ثم كتب له حنث (٥). الرد: هذا محل خلاف (٦). الدليل العشرون: التلفظ بالتوحيد يكتبه من لا يقدر على الكلام، فيقضى له به (٧). الرد من وجهين: الأول: يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار. الثاني: الحكم بالدخول بالإسلام يكتفى فيه بالعمل فلو صلى حكم بإسلامه بالظاهر.

стр. 67

الدليل الحادي والعشرون: ينزل كتبه للفظ الطلاق منزلة مواجهتها به (١). الرد: هذا موطن الخلاف. الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ الزوج إذا كتب الطلاق كتابة مستبينة ناويًا وقوعه وقع الطلاق بمجرد الكتابة فالكتابة معتبرة شرعًا والعبرة بالعقود والفسوخ بالمعاني والنيات لا بالألفاظ والله أعلم. * تنبيهات: الأول: القائلون بوقوع الطلاق بالكتابة مختلفون هل الكتابة صريحة في الطلاق أو كناية؟ يأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. الثاني: المسألة السابقة إذا كتب الزوج نفسه الطلاق لكن لو كان الزوج غير مكلف كالمجنون فعلى القول الصحيح أنَّ الولي يطلق للمصلحة فحكم كتابة الولي حكم كتابة الزوج والله أعلم. الثالث: إذا كانت الكتابة صريحة في الطلاق فالأمر ظاهر لكن هل يدخل في الخلاف السابق كتابة كناية الطلاق؟ هذه المسألة غير مشهورة في كلام الفقهاء فالشافعية ينصون على أنَّ الطلاق يقع بكتابة كناية الطلاق (٢) وكذلك الحنابلة (٣) والظاهر أنَّ الأحناف (٤) والمالكية يوقعون كتابة كناية الطلاق مع النية (٥) والله أعلم.

стр. 68

وذهب بعض الشافعية إلى عدم وقوع الطلاق بكتابة كناية الطلاق وتُعُقِب (١). الرابع: الذين يرون عدم وقوع الطلاق بالكتابة يرون وقوع طلاق الغائب (٢) فالظاهر أنَّهم يوجبون التلفظ بالطلاق والله أعلم • كتابة الزوج الطلاق كتابة مستبينة من غير نية الطلاق إذا كتب الزوج الطلاق كتابة مستبينة وليس في نيته الطلاق فهل يقع الطلاق؟ أهل العلم لهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال قول بالوقوع وقول بعدم الوقوع وقول بالتفريق بين الكتابة المرسومة وغير المرسومة: • القول الأول: يقع الطلاق: فإذا كتب الزوج الطلاق وقع بمجرد الكتابة ولو لم ينوِ الطلاق قال به إبراهيم بن يزيد النخعي (٣) وهو المذهب عند الحنابلة (٤) وقول للشافعية (٥). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].

стр. 69

وجه الاستدلال: بلغ رسول الله ﷺ الرسالة بمكاتبة مَنْ كاتَبَه فيقع الطلاق بمجرد الكتابة (١). الرد: كتابة النبي ﷺ لم تكن عارية عن النية. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢). وجه الاستدلال: الكتابة عمل فيقع بها الطلاق كما يقع بالكلام. الرد: تشترط النية مع العمل فيعفى عن الغلط والسهو ولا يترتب عليهما حكم. الدليل الثالث: الكتابة عمل جارحة تبين المراد ويفهم منها الطلاق كالنطق (٣). الرد: فرق بين النطق والكتابة فلا تقوم الكتابة مقام النطق في كل شيء. الدليل الرابع: الكتابة تقوم في الإفهام مقام الكلام (٤). الرد: والإشارة كذلك والحنابلة لا يوقعون الطلاق بالإشارة من المتكلم ولو نوى الطلاق. الدليل الخامس: الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها الطلاق، وقع كاللفظ (٥). الرد: كالذي قبله. الدليل السادس: الكتابة أعم من الكلام فهي تفهم الحاضر والغائب من الكلام المختص بإفهام الحاضر دون الغائب (٦).

стр. 70

الرد من وجهين: الأول: لا يقدم العموم مطلقًا كما هو متقرر. الثاني: في زماننا الكلام يبلغ الحاضرَ والغائبَ عبر ما استجد من وسائل مكبرات الصوت. الدليل السابع: العادة جارية باستعمال الكتابة في موضع الكلام، فاقتضى أن تكون جارية في الحكم مجرى الكلام (١). الرد: عقد العقود وفسخها عادة بالكلام لا بالكتابة. الدليل الثامن: الصحابة ﵃ جمعوا القرآن في المصحف خطًا، وأقاموه مقام تلفظهم به نطقًا، حتى صار ما تضمنه إجماعًا لا يجوز خلافه (٢). الرد: كتابتهم للقرآن زيادة في الحفظ وإلا القرآن ثابت قبل كتابتهم له في المصحف. • القول الثاني: يقع الطلاق في الكتابة المرسومة: فإذا كتب كتابة مرسومة - وهي ما يعتاده الناس في مكاتباتهم للغائب من تصدير الكتاب وتوجيهه (٣) - وقع الطلاق ولو لم ينوِ وهو مذهب الأحناف (٤) أمَّا غير المرسومة يأتي أنَّه لا يقع الطلاق بها إلا بالنية. الدليل الأول: الكتابة المرسومة جارية مجرى الخطاب فرسول الله ﷺ كان يبلغ بالخطاب مرة وبالكتاب أخرى وبالرسول ثالثًا، وكان التبليغ بالكتاب والرسول كالتبليغ بالخطاب فدل أنَّ الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب فصار كأنَّه خاطبها بها بالطلاق عند الحضرة فقال لها: أنت طالق (٥).

стр. 71

الرد: تقدم. الدليل الثاني: الكتابة المرسومة بمنزلة المقال (١). الرد: هذا محل الخلاف. • القول الثالث: لا يقع الطلاق: فلا يقع الطلاق بمجرد الكتابة إذا لم ينوِ الطلاق قال به عطاء بن أبي رباح (٢) والشعبي (٣) والحسن البصري (٤) وقتادة السدوسي (٥) وهو مذهب الأحناف (٦) - إذا كانت الكتابة غير مرسومة (٧) - ومذهب المالكية (٨) والصحيح من مذهب الشافعية (٩) ورواية عند الحنابلة (١٠). الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].

стр. 72

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وجه الاستدلال: أرسل الله تعالى رسوله نذيرًا لأمته ومبلغًا لرسالته فلو كانت الكتابة كالكلام الصريح، لمكَّن الله تعالى رسوله ﷺ منها ليبلغ بها رسالة ربه (١). الرد من وجهين: الأول: كون النبي ﷺ لا يحسن القراءة ولا الكتابة لمصلحة أعظم من مصلحة تمكنه من الكتابة. الثاني: استعان النبي ﷺ بغيره من الكتبة في تبليغ دين الله وحفظه. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢). وجه الاستدلال: كتابة الطلاق عمل فلا يقع الطلاق إلا إذا كان مع الكتابة نية الطلاق. الدليل الرابع: لو تلفظ بالطلاق مورِّيًا، لم يقع الطلاق ديانة فالكتابة أولى بعدم الوقوع (٣). الرد: المسألة محل خلاف (٤). الدليل الخامس: الكتابة ليست لفظًا ولا نية فلا يقع الطلاق بمجردها (٥). الرد: هذا محل الخلاف. الدليل السادس: الكتابة محتملة، فإن نوى بها تجربة القلم، وتجويد الخط، وغمَّ الأهل لم يقع ككنايات الطلاق (٦).

стр. 73

الرد: كذلك لفظ الطلاق الصريح يحتمل غير إرادة طلاق الزوجة ويدان الزوج بذلك. الجواب: المسألة محل خلاف (١). الدليل السابع: الكتابة ناقصة عن الكلام لاحتمالها فلا بد لها من نية (٢). الرد: هذا محل الخلاف. الدليل الثامن: لو جرى لفظ الطلاق على لسانه من غير نية لم يقع الطلاق فكذلك إذا كتب الطلاق من غير نية. الرد: لو تلفظ بالطلاق هازلًا من غير نية الطلاق وقع الطلاق فكذلك الكتابة ففرق بين من تلفظ أو كتب الطلاق قاصدًا اللفظ وبين من صدر منه غير قصد اللفظ كالمخطئ. الجواب: اللفظ ورد فيه النص بخلاف الكتابة. الدليل التاسع: العرف في استعمال الكتابة أنَّها بدل من الكلام، تقتضي أن يتعلق بها بعض أحكام الكلام، فصارت كالمحتمل فيه من اعتبار النية فيه (٣). الرد: القاعدة أنَّ البدل له حكم المبدل. الدليل العاشر: لو قامت الكتابة مقام صريح الكلام لأجزأ من كتب القرآن في الصلاة عن أن يتكلم به في الصلاة، ولاقتضى من المرتد إذا كتب الشهادتين أجزأه عن التلفظ بهما، وفي امتناعنا من ذلك خروج الكتابة من حكم الكلام. (٤) الرد: الأمور التعبدية توقيفية فلا عبادة إلا بدليل بخلاف العقود والفسوخ. والمرتد إذا أتى بما خرج به من الإسلام عاد مسلمًا فمثلًا المرتد بترك الصلاة إذا صلى حكمنا بإسلامه. الدليل الحادي عشر: قال الماوردي: لو كانت الكتابة صريحًا كالكلام لصح بها عقد النكاح، كما يقع بها فيه الطلاق، وفي إجماعنا على أنَّ عقد النكاح بها لا يصح

стр. 74

دليل على خروجهما من صريح الكلام في الطلاق (١). الرد من وجهين: الأول: لا يصح قياس الطلاق على النكاح فبينهما فروق. الثاني: انعقاد النكاح بالكتابة محل خلاف (٢). الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ من كتب الطلاق كتابة مستبينة وليس في نيته وقوع الطلاق لا يقع فمن تلفظ بالطلاق مورِّيًا لا يقع طلاقه في الفتوى على الصحيح فلا بد من نية والأصل اشتراط النية وخرج من ذلك من تلفظ بالطلاق مريدًا اللفظ وغير مريد وقوع الطلاق فيبقى ما عداه من أحكام الطلاق على الأصل والله أعلم. • كتابة الزوج الطلاق كتابة غير مستبينة: اختلف أهل العلم في وقوع الطلاق في الكتابة إذا لم تكن مستبينة على قولين قول بوقوع الطلاق وقول بعدم وقوعه • القول الأول: يقع الطلاق: فلو كتب الطلاق بشيء لا يتبين يقع به الطلاق روي عن الشعبي (٣) وقال به بعض الحنابلة (٤). الدليل: لأنَّه كتب حروف الطلاق، أشبه كتابته بما يبين (٥).

стр. 75

الرد من وجهين: الأول: وقوع طلاق القادر على الكلام كتابة محل خلاف (١). الجواب: الصحيح وقوعه. الثاني: فرق بين الكتابة المستبينة وغير المستبينة (٢). • القول الثاني: لا يقع الطلاق: وهو مذهب الأحناف (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦). الدليل الأول: ما لا تستبين به الحروف لا يسمى كتابة فكان ملحقًا بالعدم (٧). الدليل الثاني: الكتابة تقع بيانًا، ولا انتظام لها على الهواء ونحوه لأنَّها لا تثبت فلا حكم لها (٨). الدليل الثالث: الكتابة كصوت لا يتبين منه حروف ولو وقع الطلاق لوقع بمجرد نيته وذلك لا يجوز (٩). الرد: وقوع الطلاق بالنية محل الخلاف. الجواب: الراجح عدم وقوع الطلاق وهو رأي الجمهور (١٠). الدليل الرابع: الكتابة غير المستبينة، كتحريك اللسان بالطلاق من غير إسماع،
следующие страницы →