Полный текст (89 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للهِ الذي تَفَرّد بالجَلَال والعَظَمَة وِالعِزِ والكِبرِياءِ والجَمالِ واشكره شُكْرَ عَبد مُعترفٍ بالتَّقصير عن شكر بَعْضِ ما أوليه مِنْ الإنعامِ والإفضالِ وأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه وأشهدُ أن مُحمدًا عَبْده وَرَسُولهُ صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيرًا.
وبعد فقد جَمَعْتُ جملةً مِنْ محاسنِ الدينِ الإسلامِي أوْدَعْتُها في ضِمن مَوَارِدِ الظمآن لِدرُوْسِ الزمانِ رأى بعضُ المحسنينَ أن تُفْرَدَ وَحْدَهَا وتطْبَعَ وتُوَزَّعَ على المسلمين وغيرهم لعل اللهَ أن يَنْفَعَ بها وَيِجْعَلها سببًا لِهِدايةِ مَنْ أَرَادَ اللهُ هَداَيَتهُ وَتَوْفِيقَهُ واللهُ المسئولُ أن يجِعلَ عَمَلنا خاِلصًا لِوجَهْهِ الكريم وأن يأجُرَ مَنْ طَبَعَها ومَن سَاعَدَ على نَشرِها ومَن قَرأَهاَ ومَنْ سَمعَهَا إنه سميعَ قريبَ مجيبُ اللهم صلي على محمد وآله وسلم.
стр. 2
فصل: في ذِكْرِ بَعْضِ مَحَاسِنِ الدِّيْنِ الإسْلَامِي نَصَرهُ اللهُ
عباد الله قال الله تعالى- وهو أَصَدقُ القائَلين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ أَكْمَلَ الدِّيْنَ، بالنَّصْرِ، والإظْهارِ علىَ الأدْيَانِ كُلِّهَا، فَنَصَرَ عَبْدَهُ وَرَسُوْلَهُ، وخَذَلَ أَهْلَ الشَّرْكِ انْخِذَالًا عَظَيْمَا، بَعْدَ مَا كاِنُوا حَرِيْصِيْنَ على صَدِّ المُؤْمِنِيْنَ عنَ دِيْنِهِمْ، طَامِعِيْنَ في ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا عِزَّ الإسْلامِ وانْتِصَارَهُ يَئِسُوا كلَّ اليَأْسِ مِنْ المؤمِنِيْنَ، أَنْ يَرْجِعُوْا إِلى دِيْنِهِمْ، وصَارُوا يَخَافُونَ مِنْهُمْ ويَخْشَوْنَ: وأتَمَّ جَلَّ وعَلَا علَى عبادهَ نِعْمَتَه بالهدَايَةِ والتَوْفِيْقِ، والعِزِّ والتأيِيْدِ، ورَضِيَ الإسلامَ لَنَا دِيْنًا، اخْتَارَهُ لنَاَ مِنْ بَيْنِ الأَدْيان، فَهُوَ الدِيْنُ عندَ اللهِ لا غَيْر، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ عبدَ اللهِ نَظَرَ أَصْحَابُ الأفكارِ البَرِيْيَةِ السَلِيْمَةِ في أِحْكامِ الإسْلامِ، فاعْتَنَقْوهُ، وتأمَّلُوا في
стр. 3
حِكَمِهِ الجَلِيْلةِ فأَحَبُّوهُ ومَلَكَتْ قُلُوْبَهُم مَبَادِئُهُ الحَكيِمَةُ فَعَظَّمُوه، وكُلَّما كانَ المرءُ سَلِيْمَ العَقْلِ، نِيّرَ البَصِيْرةِ، مَسْتَقِيمَ الفِكِر، اشْتَدَّ تَعَلُقُه به، لِما فيه مِنْ جمَيْلِ المحاسَن، وجَلِيلِ الفَضَائِلِ، جَاءَ الدِّيْنُ الإسلاميُ بعقَائدِ التوحِيْدِ، التي يَرتاحُ لها العقلُ السلَيمُ وُيقِرُهَا الطبعُ المسُتْقِيمُ، يَدْعوا إِلى اعْتِقَادِ أنَّ لِلْعَالَمِ إِلهًا واحِدًا لا شَريكَ لَه، أَوَّلًا لا ابْتِدَاءَ لَهُ، وآخِرًا لا انْتِهاءَ لَهَ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ لهُ القُدْرَةُ التَّامَةُ، والإِرَادَةُ المَطلقَةُ، والعِلْمُ المحِيْطُ، يُلْزِمُ الخلقَ الخضوعُ له والانقيادُ، والعَمَلَ على مَرْضَاتِهِ، بامْتَثالِ أمرِهِ سُبْحَانَهُ، واجْتِنَابِ نَهْيهِ نَصَبَ الأدلةَ واِلبَرَاهِيْنَ، في الأنْفُسِ والآفاقِ، وحَثَّ الِعقولَ على النَّظَرِ والاسْتِدَلالِ، لتَصلَ بالبُرْهانِ إلى معْرِفتِهِ وتعْظِيْمِهِ، والقيامِ بحُقوْقَهِ، فَتَراهُ تَارةً يَلْفُتُ نَظَرَكَ إلىَ أنه لا يُمْكَنُ أن تُوْجدَ نَفِسَكَ، ولا أَنْ تُوْحَدَ مِنْ دُوْنِ مُوْجِدٍ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أمَا كَوْنُ الإنسانِ مُوْجِدًا لِنَفْسِهِ فهذا أمْرَ ما ادَّعَاهُ الخلقُ، وأما وُجُودُ الإنسانِ هكذا مِنْ غير مِوْجِدٍ، فِأمْرَ يُنْكِرُهُ
стр. 4
مَنْطِقُ الفطرةِ ابتداءً ولا يَحْتَاجُ إلى جَدَلٍ كثيرٍ أو قليلٍ، وإذا كان هذان الَفَرْضَاِن باطِليْن، فإنِهِ لا يَبْقَى إلا الحقيقةُ، التي يَقُولُها القُرآنُ، وهيَ أَنْ الخَلْقَ خَلَقَهُ اللهُ الواحدُ الأحدُ الفرِدُ الصمدُ الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَتارَةً يَلْفُتُ النظرَ إلى السمواِتِ والأرضِ، فَهَلْ هُمْ خَلَقُوهَا، فإنها لم تَخْلَقْ نفسَها، كَمَا أنِهَّمُ لَمْ يَخْلَقُوا أنفسَهُم، وتارةً يفْتَحُ أمِامَ العقلِ والبَصَرِ صَحِيْفَةَ السماءِ، وَمَا حَوَتْ مِنْ شَمْس مُشْرِقَةٍ، وقَمَر مُنِيْرٍ، ونَجْمٍ مُضِئٍ، فَيقُوْلُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وفي الآية الأخرى يَقول ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ويَقُولُ ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ويَقُول ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ويقول ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ويَقُولُ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي
стр. 5
خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ومَرَةً يَلْفُتُ النَّظِرَ إِلى الأَرضِ، وما فِيْهَا مِنْ أَشْجَارٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ فتشَاهِدُ شَجَرَ العِنَبِ، بِجِوِارِ شَجَر الحنظل، في قِطْعةٍ واحِدةٍ، تُسْقَى بماءٍ واحَدٍ، وقَدْ جَعَلَ لكُلِ شَجَرَةٍ جُذُوْرًا، تَمْتَصُّ بهِا مِنْ الأَرْضِ ما يَنَاسِبُهَا مِنْ الغِذَا الَذِي به قِوامُهَا وحَيَاتُهَا، وتَنْفَتِحُ كلُ واحدةٍ عن ثَمَرَةٍ تُخِالِفُ الأخْرَى في اللَّونِ والطَّعْمِ والرائحةِ، وكذلك باِقي الأشَجارِ الُمَتجَاوِرَة التِي أرضُها واحِدَة وَمَاؤُها واحِد، أَلَا يَدْلُ هَذا عَلىَ وُجَودِ صَانِعٍ حَكيمٍ قادِرٍ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ومَرَةً يَلْفُتُ النظرَ إلى ما يُنَزَلُه مِنْ السماء، مِنَ الماء الذي به قِوامُ الحَيَاةِ، ولَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ أَجَاجًا، لا نَفْعَ فِيْهِ، وَمَرةً يَتَحَدَّثُ عن وحْدَانِيتِه وانْفِرَادِهِ بالمُلْكِ والتُّدْبير، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية وفي الآية الأخْرَى يَقُولُ في
стр. 6
جَزَالَةِ لفْظٍ، وفَخَامَةِ مَعْنِىَ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ إلى غَير ذَلِكَ مِنْ الأدلة، وشَرَعَ لعَبَاده مِنْ العِبَادَاتِ ما يُهَذِّبُ النُفُوسَ ويُصَفِيْهَا ويُنَظِّمُ العِلَاقَاتِ ويُقَوّيْهَا، ويَجْمَعُ القُلُوبَ وُيزَكِيْهَا، وهَذا الذيَ جاءَ بهِ الإسْلامُ اتَّفَقَتْ في الدعوةِ إليه كلُ الرُّسُلِ، قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.
اللهمَ نَوِّرُ قُلُوبَنَا بنُوْرِ الإيَمانِ وأعِذْنا مِنْ شَرِ نفَوسِنا والشيطانِ وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وجَنِبْنَا العَصِيَانِ واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل
فَقَدِ اعْتَرَفَ المُحَقِّقُونَ المُنْصِفُونَ: أَنَّ كلَّ عِلْمِ نَافِع دِيْنِي أو دُنْيَوِي أو سِيَاسِي قدَ دَلَّ عليه القُرآنُ
стр. 7
دَلالةً لا شَكَ فَيهَا، فليْسَ في شَريعة الإسِلام ما تُحِيْلُه العقولُ، وإنما فيه ما تَشْهَدُ العُقولُ السَّلِيْمَةُ الزَّكِيَّةُ بصِدْقهِ ونَفْعِهِ وصَلاحِهِ، وكذلكَ أوامِرُهُ كِلُهَا عَدْلَ، لا حَيْفَ فِيها ولا ظُلْمَ، فَمَا أَمَرَ بَشَئٍ إلا وهُوَ خَيْرَ خالص، أو راجح، وما نهى عن شيء إلا وهو شر خالص، أو ما تزيد مفسدته على مصلحته، وكلما تدبر العاقل اللبيب أحكام الإسلام قوي إيمانه وإخلاصه، وعندما ما يتأمل ما يدعو إليه هذا الدين القويم يجده يدعو إلى مكارم الأخلاق، يدعو إلى الصدق والعفاف والعدل، وحفظ العهود، وأداء الأمانات، والإحسان إلى اليتيم والمسكين، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، والتحلي بمكارم الأخلاق، يدعو إلى تحصيل التمتع بلذائذ الحياة في قصد واعتدال، يدعو إلى البر والتقوى وينهى عن الفحشاء والمنكر، والإثم والعدوان، لا يأمر إلا بما يعود على العالم بالسعادة والفلاح، ولا ينهي إلا عما يجلب الشقاء والمضرة للعباد.
وتأمل محاسن شرائع الإسلام الكبار، التي
стр. 8
هي أقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فعندما تأمل الصلاة التي هي صلة بين العبد وبين ربه، تجد فيها الإخلاص لله، والإقبال عليه، والأدب والاحترام، والثناء والدعاء، والخضوع له، ومظهر الإجلال من العبد لربه، يؤدي واجب الإكبار والتعظيم والتقديس لسيده ومولاه، شأن العبد بين يدي سيده، يقف المرء بين يدي ربه، فيبتدئ بالاعتراف لله بأنه أكبر من كل شيء، وأنه مستحق لأن يعظم ويجل ويقدر (الله أكبر)، ثم يأخذ في الثناء على الله بما هو أهله، ويخصه بالعبادة، وطلب المعونة ضارعًا إليه بأن يهديه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم بالتوفيق والهداية، وأن يجنبه عن طريق المغضوب عليهم، لانحرافهم عن سواء السبيل، بعد أن عرفوه، وأن يبعده عن طريق الضالين، المنحرفين الذين عبدوا أهواءهم وشياطينهم.
وعندئذ تمتلئ النفس من عظمة الله وهيبته وجلاله، فيخر المرء ساجدًا لله على أشرف أعضائه، مظهرًا للذلة والمسكنة إلى من بيده مقاليد السموات
стр. 9
والأرض، فمزايا الصلاة من ناحية الدين، خضوع لرب العالمين، وخشوع واعتراف بعظمة القاهر القادر، ومتى استشعر القلب ذلك، وامتلأت النفس من هيبة الله، كف عن المحرمات، ولا عجب من ذلك، فإن الله يقول عن الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وهي أكبر عون للعبد على مصالح دينه ودنياه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾.
أما عونها على مصالح دينه، فلأن العبد إذا داوم على الصلاة، وحافظ عليها، قويت رغبته في الخير، وسهلت عليه الطاعات، وبذل الإحسان، بطمأنينة نفس، واحتساب، ورجاء للثواب، وأما عونها على مصالح الدنيا، فإنها تهون المشاق، وتسلى عن المصائب، والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فيجازيه بتيسير أموره، ويبارك في ماله وأعماله وفي تأديتها جماعة يحصل التعارف والتواصل،
стр. 10
والتوادد والتعاطف التراحم، ويسود الوقار والمحبة بين الصغير والكبير، ويحصل بذلك تعليم فعلي لصفة الصلاة.
وانظر إلى ما أوجبه الله من الزكاة، ترى محاسن جمة، منها اصلاح حال الفقراء، وسد حاجة المسكين، وقضاء دين المدين، ومنها التخلق بأخلاق الكرام، من السخاء والجود، والبعد عن أخلاق اللئام، ومنها أنها تطهر القلب من حب الدنيا ببذل اليسر، ومنها حفظ المال من المكدرات والمنغصات الحسية والمعنوية، ومنها الاستعانة بها على الجهاد في سبيل الله. والمصالح الكلية، التي لا يستغني عنها المسلمون، ومنها دفع صولة الفقراء، ومنها أنها دواء للمجتمع، وطب للنفوس بها يطهر المرء من رذيلة الشح، قال تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ومنها أنها لو أخرجها الأغنياء لانقطع دابر الاشتراكية المتطرفة، والشيوعية المسرفة.
ومنها أنها لو أديت تمامًا لحصل: بذلك راحة الحكام، وصرف مجهوداتهم إلى ما يعود على الأمم بالفلاح ورغد العيش.
стр. 11
قصيدة تتضمن التضرع لله جلا وعلا
يا فاطر الخلق البديع وكافلًا … أرزاق من هو صامت أو سائل
أو سعتهم جودًا فيا من عنده … رزق الجميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البر الجزيل ومسبل العفو … العظيم عظيم فضلك وأبل
يا صاحب الاحسان يا مرخ لنا ألستر … الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السر الخفي ومنجزا … ميعاد صدق قد حكاه الفاصل
يا من على العرش استوى يا صادق … وعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجل أن … يأتي المشبه ظالمًا ويشاكل
جلت فضائلك العظام فلم نجد … يحصي الثناء عليك فيها قائل
стр. 12
الذنب أنت له بمنك غافر … ما لم يكن شركًا ففضلك حاصل
يعصيك جم ثم تصفح عنهم … ولتوبة العاصي بحلمك قابل
رب يربي العالمين ببره … ويزيدهم من فضله ويواصل
يعطيهموا ما أملوا من جوده … ونواله أبدًا إليهم واصل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائمًا … نعمًا وعن شكر لها أنت غافل
ستر الذنوب وزاد في بذل العطا … مالا تكون لبعضه تستاهل
متفضل أبدًا وأنت لجوده … تنسى وتغفل هل تعي يا غافل
يدنو وتبعد ثم أنت لفضله … بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت … طرق السلامة بل قلاك النازل
стр. 13
وعلمت أن لا منجي ثم تلاحمت … سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فمالها … طرق وقد عظم البلا المتنازل
وقنطت من ضعف اليقين ولم يكن … سبب ولا يدنو لها متناول
يأتيك من الطافه الفرج الذي … فيه نجاتك ليس يشغل شاغل
في لحظة يأتيك لطف فارج … لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من ألقى إلى … أحد سواك فإن ذلك باقل
يا طيب الأسماء من يقصد إلى … أبواب غيرك فهو غر جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أورجا … من غيركم فضلًا فذاك المائل
ومن استظل بغير ظلك راجيًا … أحدًا سواك فذاك ظل زائل
стр. 14
ومن استعاذ إذا عرته ملمة … بجلالكم ذا الرئي رائي باسل
والرائي في عكس الذي حبرته … بسوى جنابك فهو رأئي مائل
عمل أريد به سواك فإنه … عمل يرد على الذي هو عامل
لو صلى ذاك وصام حج فإن ذا … عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هين … حسبي رضاك فكل شيء زائل
أنت المنى ورضاك سؤلي في الدجى … وإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوابق كل على … معبوده يا بئس ما أنا فاعل
ولقد أتى العبد المسيء ميممًا … مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسودت … وجهي المعاصي ثم ذا أنا سائل
стр. 15
مالي سواك ولست أرجو غافرًا … صحف العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعي … إذ لم يكن عمل لدي يقابل
ولبست ثوب الخوف منك مع الرجى … ووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو … به مقلع فيها الشروط كوامل
وارزقه علمًا نافعًا وارزقه تو … فيقًا لما ترضى ففضلك كامل
وافعل به ما أنت أهل جميله … يا من له اسمًا حسان فواضل
فإذا فعلت فحسن ظني صائب … والظن كل الظن أنك فاعل
اللهم اجعلنا لك شاكرين واجعلنا لك من الذاكرين واجعلنا من عبادك الصابرين المحسنين المتقين
стр. 16
الذين أهلتهم لخدمتك ووفقتهم لمحبتك وطاعتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل "
وتأمل الصيام وما فيه من المحاسن التي منها أنه يبعث في الإنسان فضيلة الرحمة بالفقراء، والعطف على البائسين فإن الإنسان إذا جاع تذكر الفقير الجائع، ومنها أنه بامتناعه عن الأكل يعرف فضل نعمة الله عليه فيشكرها، ومنها أن الصيام يقوي النفس على الصبر والحلم، وهما تجنب كل ما من شأنه إثارة الغضب، لأن الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان، ومنها أنه ينقي الجسم من الأخلاط الرديئة، ومنها أنه مهذب للنفوس، ومصفى للأرواح، ومطهر للأجسام، فله الأثر العجيب في حفظ القوى الباطنة، وحمايتها مما يضرها ثم هو عبادة وامتثال لأمر الله سبحانه، والمشقة الحاصلة من الصوم ليست بشيء في جانب رضي الله، طمعًا في
стр. 17
الثواب، والزلفى والأجر العظيم، إلى غير ذلك من المحاسن.
وتأمل ما في حج بيت الله من المحاسن، التي منها أنه مجمع لسراة المسلمين، يجتمعون فيه من مشارق الأرض ومغار بها في صعيد واحدٍ، يعبدون إلهًا واحدًا، قلوبهم متحدة، وأرواحهم مؤتلفة في الحج، يتذكر المسلمون الرابطة الدينية، وقوة الوحدة الإسلامية، وفي الحج تذكر لحال الأنبياء والمرسلين ومقامات الأصفياء المخلصين، كما قال تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وتذكير بحال سيد المرسلين وإمامهم، ومقاماته في الحج التي هي أجل المقامات، وهذا التذكير أعلى أنواع التذكيرات، فإنه تذكير بأحوال عُظماء الرُّسُلِ، إبراهيم و محمد ﷺ ، ومآثرهم الجليلة، وتعبداتهم الجميلة، والمتذكَّر بذلك مُؤْمِن بِالرُّسُل، مُعظم لَهُمْ، متأثر بمَقَامَاتِهِمُ السَّامِيةِ، مُقْتَدِ بِهِمْ، وَبِآثَارِهِم الحَمِيدَةِ، ذَاكر لمناقبهم وفَضَائِلِهِمْ، فَيَزْدَادُ به العبد إيماناً ويقيناً.
стр. 18
وَمِنْ مَحَاسِنِ الحج تَصْفِيةُ النَّفس، وتَعْوِيدِها البدل والانفاق، وتَحَمّل المشاق، وترك الزينة والخيلاء، ومنها شُعُور المرء بمُسَاواتِهِ لِغَيْرِه، فلا مُلِكَ وَلا مَمْلُوكَ، ولا غنى ولا فقير، بَلِ الكُلُ هُنَاكَ سَوَاء، ومِنْ مَحاسن الحج التنقل في البلاد المعرفةِ أَحوالها، وَعَادَاتِ سُكَّانِها، وَزِيَارَةِ مُهْبَطِ الوحي، والرُّسُلِ الكرام، وَمِنْ مَحَاسِن الحج تَذَكَّرُ المُجمع العظيم في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُم الدَّاعِي، وَيُنْفِدُهُم البَصَرُ، وذَلِكَ في المحْشَرِ (يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالمين حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، وَمِنْ مَحَاسِنِهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى فِرَاقِ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ، إذ لا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَتِهم، فَلَوْ فَارَقَهُم فجأة حَصَلَ صُدمة عظيمة عِنْدَ الفراق، وَمِنْ مَحَاسِنِ الحَج أَنه مَتَى قَصَدَهُ يَتَزَوَّدُ لِسَفَرِه بكل ما يحتاج إليه، مُدَّةَ ذهابه وإيابه، فَيَتَزَوَّدُ لِلْعُقْبي، وهي السفرة الطويلة، التي لا رُجُوعَ بَعْدُهَا، حَتى يَبْعَثَ الله
الأُولِينَ وَالْآخِرِينَ.
وفي سَفَرِ الحج قَدْ يُجد ما يُحْتاجُ إِليهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، وَلَا يَجد في العقبى ما يحتاج إِليه لِلدّارِ الآخرة،
стр. 19
إِلَّا إِذا تَزَوَّدَهُ في الدُّنْيَا، قال تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أنَّ الانسانَ يَعْتَادُ التوكل على الله، لأنه لا يُمكنه أن يَحْمِلَ كُلِّ مَا يَحتاجُ إليه في سَفَرِه لِلْحَج، فلا بدَّ مِنْ التَّوَكُل عَلَى اللهِ تَعَالَى فِيْمَا حَمَلَهُ، وفيما لَمْ يَحْمِلُهُ مَعَ نَفْسِهِ، فيعتاد توكله إلى كل ما يحتاج إليه، ومِن محاسنه أنه إذا أحرم نَزَعَ المُخيط الذي هُوَ لبَاسُ الأَحْيَاءِ، ويَلْبَسُ غَيْرَه مِمَّا هو اشبه بلباس الأمْوَاتِ، فَيُجدِ ويَجْتَهِدُ في الاستعداد لما أمامه إلى ذلك من المحاسن التِي يَصْعُبُ حَصْرُهَا.
ثم تأمل محاسن الجهاد في سبيل الله، إِذْ فِيهِ قَمْعُ أَعْدَاء الله، ونصر أوليائه، وإعْلاء كلمة الاسلام، وَحَمَّلُ الكَافِرِ عَلَى تَرْكِ الكُفْرِ الذي هُوَ أَقْبَحُ الأَشْيَاء، والاقْبالُ عَلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ الأشياء، وفيه إِخْرَاجُ البَشَرِ عَنْ دَرَجَةِ الْأَنْعَام، قال تعالى- في حَقِّ الكَفَرَةِ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ومِن محاسنه
стр. 20
اكتِسَابُ حَيَاةِ الأَبَدِ، فَإِنَّهُ إِنْ قُتِلُ فَقَدْ أَعْلَى دِينَ اللَّهِ، وَإِنَّ قتِلَ فَقَدْ أَحْيَا نَفْسَهُ، قال تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
ومنها ما يحصل للمجاهد في سبيل الله من الثواب الجزيل، ومنها تكثر المسلمين، وتقليل الكَفَرَةَ، ومنها وهُوَ اعلاها امتثالُ أمْرِ الله حَيْثُ يَقُولُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.
وَمِنْ مَحَاسِن الجهادِ أَنَّهُم فِي الانْتِصَارِ يَغنَمُونِ وَيَشْكُرُونَ ويقتوون، وإِنْ أَدِيلَ عَليهِمُ الكُفَّارُ عَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ معصيتهم وذنوبهم، وَفَشلِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ، فَيَلْجَوْا إلى الله متضرعين تائبين، ومِنْ مُحَاسِنِه أَنْ تَرَكَ الجِهَادِ سُبَبٌ لِلذلِ، الما ورد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ "إذا تَبَايَعْتُم بِالعِيْنَةِ، وأخذتُم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط
стр. 21
الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تُرْجِعُوا إلى دينكم" رواه أبو داود، ومن محاسن الجِهَادِ السّلامَة مِنَ النِّفَاقِ، الحَدِيث "ومن مَاتَ ولم يغز، ولم يحدث نفسه به مات عَلَى شُعْبَةِ من النفاق" رواه أبو داود والنسائي، وفي الحديث الآخرِ (مَنْ لقي الله بغير أثر جهاد، لقي الله وفيه ثلمة" وفي الحديث الآخر "ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب" ومن محاسنه استخراج عبودية أولياء الله، في السراء والضراء، وفيما يحبون ويكرهون، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على محاسن الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله.
ثم تأمل ما جاءت به الشريعة من المعاملات، فمن محاسن البيع والشراء وصول الإنسان إلى ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، ومن محاسنه قطع مسافة الطلب، فإن من طلب الشيء من معدنه يحتاج إلى الأسفار، وركوب المركوب، وتحمل الأخطار، ومتى وجده بالبيع سلم من الأخطار وسقط عنه مؤنة الأسفار، فانظر إلى العود
стр. 22
والمسك، والسيارات والمكائن والأقمشة والهيل والسكر ونحو ذلك، معادنها بعيدة، فمن لطف الله بعباده أن سخر بعض الناس لبعض، وجاءت الشريعة الكاملة بحل أنواع المعاملات، كالإجارات والشركات، إلا ما دل الدليل على تحريمه، مما فيه ضرر أو ظلم أو جهالة أو نحو ذلك، فمن تأمل المعاملات الشرعية، رأى ارتباطها بصلاح الدين والدنيا، وشهد لله بسعة رحمته، ولطفه بعباده، وحكمته حيث أباح لعباده جميع الطيبات، ولم يمنع من ذلك إلا كل خبيث، ضار على الدين أو العقل أو البدن أو املال.
فمن محاسن الإجارة دفع حاجات العباد، بقليل من الإبدال ويسير من الأموال، فلا كل أحد يملك دارًا يسكنها، ولا سيارة يركبها، ولا طائرة يركبها، ولا طاحونة يطحن فيها، ولا مخزنًا لأمواله، ونحو ذلك مما يطول تعداده، فجوزت الإجارة، ولا حاجة إلى ذكر محاسن الصلح، فهو كما ذكره الله خير قال الله تعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
стр. 23
وأما الوكالة والكفالة ففيهما من الإحسان ما لا يخفى على أحد ممن اعتقد الشرع، ومن لم يعتقد، وعقل الشرائع، أو لم يعقل، احتاج إلى الوكالة والكفالة، فإن الله تعالى خلق الخلائق، وجعلهم مختلفين في القصد والهمم، فليس كل أحد يرغب أن يباشر الأعمال بنفسه، ولا كل يهتدي إلى المعاملات فمن لطف الله بخلقه إباحتها، فلا يليق بأصحاب المروآت، وأولياء الأمور، مباشرة البياعات كلها بأنفسهم، فالنبي ﷺ باشر بعض الأمور بنفسه، تعليمًا لسنة التواضع، وبيانًا لجوازه، وأضاف بعض الأمور إلى غيره، وباشر ذبح الأضحية بنفسه، وفوض إلى علي ذبح قسم من هديه ﷺ .
وأما الحسن في الكفالة، فإن فيها إظهار الشفقة والرحمة ومراعاة الأخوة، يبذل الذمة ليضمها إلى الذمة، فينفسح وجه المطالبة، ويسكن قلب المطالب بسبب السعة، قال الله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ إلى أن
стр. 24
جعل كافلها زكريا، كما قال تعالى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وإذا علمت محاسن الوكالة والكفالة، فالحوالة واضحة محاسنها ففي الحوالة كفالة ووكالة، وزيادة فراغ ذمة الأصيل، عن الحزن الطويل، فإذا قبلت حوالته أدخلت على قلب أخيك-بفراغ ذمته-سرورًا، ولا يخفي ما في إدخال السرور على المسلم من الأجر.
ومن محاسن الشفعة أن الجار ربما يكون في حاجة إلى هذه الحصة المبيعة، كأن يكون بيته ضيقًا، ويري اتساعه، أو تكون الأرض المشتركة بجوار مزارعه، ويحتاج إليها، ومن محاسنها التنبيه على عظم حق الجار والشريك، حيث أن له الحق في التقدم على غيره في الشراء، إلا إذا أسقط حقه بامتناعه عن الشراء، ومنها دفع ضرر الجار، وهو مادة الضرر.
وقال ﷺ "لا ضرر ولا ضرار
стр. 25
في الإسلام ولا شك عند أحد في حسن دفع ضرر التأذي بسبب المجاورة على الدوام، من إيقاد نيران، وإعلاء جدار، وإثارة غبار ودخان، وأعظم من ذلك سماع التلفزيون والمذياع، وإحداث أشياء تضر بملكه، ونحو ذلك من أنواع الضرر.
وأما الوديعة فمحاسنها ظاهرة، إذ فيها إعانة عباد الله في حفظ أموالهم، ووفاء الأمانة، وهو من أشرف الخصال عقلًا وشرعًا، ومن محاسنها أنها إحسان إلى عباد الله، والله يحب المحسنين، ومنها أنها سبب للتآلف والتآخي بين المسلمين وسبب لمحبة بعضهم لبعض.
ومن محاسن الإسلام النهي عن سوء الزوج لزوجته، وأن عليه أن يقارن بين المحاسن والمساوئ، فإذا كان منصفًا غض بصره عن المساوي، إذا كانت محاسنها تغمرها، لاضمحلالها فيها، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر" رواه مسلم.
стр. 26
وأما الفرائض وتوزيع المال على الورثة فقد وضعه الله بنفسه، بحسب ما يعلمه من قرب وبعد ونفع، وما هو أولى ببر العبد، ورتبه ترتيبًا تشهد له العقول الصحيحة بالحسن وأنه لو وكل الأمر إلى آراء الناس وأهوائهم وإراداتهم، لحصل بسبب ذلك من الخلل والاختلال، وزوال الانتظام، وسوء الاختيار فوضى، ومن حملة المحاسن أن الحق السبب بالنسب.
فالسبب المناكحة والولاء، ولما جعل الله سبحانه عقد النكاح ذريعة المحبة والألفة، والازدواج، والاستئناس بين الناس، فلا يحسن أن يلحقها عند موت أحدهما مضاضة ألم الفراق ومن غير أن يرتفق أحدهما بما فصل عنه نوع ارتفاق، ثم جعل للزوج ضعف ما للمرأة من الزوج.
ومن جملة المحاسن أنه لم يورث عند اختلاف الدين، إذا مات المسلم فالكافر لا يورث منه، لأن الكافر وإن كان قريبًا نسبًا، فهو بعيد دينًا، لأن الكافر ميت لا يرث الميت، قال الله تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي
стр. 27
النَّاسِ﴾ الآية، وقال تعالى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، وأما الكافر فيرث الكافر، لاستواء حاليهما وماليهما.
وأما الهبة فمستحبة، إذا أريد بها وجه الله، والأصل فيها قبل الإجماع-قوله تعالى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ وقوله ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ والله سبحانه كريم جواد وهاب، ومن محاسنها أنها سبب للتحاب والتواد، كما في الحديث "تهادوا تحابوا"، ومن محاسنها أنها تسل السخيمة، وفي الحديث "تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة"، وقد أهدى ﷺ للنجاشي حلة، وأواقي من مسك، وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، ومن محاسنها أنها تقوي الصلة، ومتى قويت الصلة سارت الأمة بقدم ثابت، فحسن الصلة بين أفراد الأمة سر نجاحها، ومن محاسنها وفرة الثقة بين المتهادين، إلى غير ذلك من المحاسن.
وأما النكاح فمستحب، ومحاسنه كثيرة،
стр. 28
منها تحصين الفرج، ومنها تحصين الزوجة، ومنه حفظها والقيام بها، ومن محاسنه أنه طريقة الرسل، ومن محاسنه تكثير الأمة، وتكثير النسل، ومنها تحقيق مباهاة النبي ﷺ ، ومنها قضاء حوائجه من طبخ ونحوه، ومنها حفظ بيته وأولاده ومنها سكونه وطمأنينته إليها، واستئناسه بها، ومعاشرتها وغير ذلك من المصالح.
وأما الطلاق فمن محاسنه أن جعل الله ملك الطلاق إلى الزوج، ومن محاسنه أن حكم بالحرمة الغليظة بعد الطلقات الثلاث، لأن الظاهر أن من طلق ثلاثًا رأى الصلاح في الفراق وعلق الشرع حل المطلقة ثلاثًا بالتزويج بزوج آخر، والدخول بها، ليصير هذا الشرط مانعًا له من العود إليها، ويثبت على رأي من الصلاح في مفارقتها، ومن المحاسن أنه لم يحكم بحرمتها على وجه لا رجوع فيه أصلا، فإنه ربما لا يصبر عنها فيهلك في ذلك، فالشرع جعل للوصول إليه سبيلًا، لكن بعدما يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته، ولا يجوز عن طريق
стр. 29
التحليل، لحديث "لعن الله المحلل، والمحلل له" ومن محاسن الطلاق أن يكون في طهر لم يجامعها فيه، هذا هو السنة، فإنه إذا قضى وطره منها، انتقص ميله إليها طبعًا، فيبادر إلى مفارقتها بقليل داعية، ويسير أذية، فإن المرء إذا شبع من شيء سقط من عينه، وهان عليه، وإذا جاع قوي ذلك في قلبه فلا يحصل الطلاق عن روية، وربما يندم على ذلك، فيحتاج إلى نقص الطلاق، فكان الطلاق الحسن المسنون، أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فإن هذه الحال حالة كمال الرغبة، وتمام الميل، فالظاهر أنه لا يقدم على الطلاق في هذه الحالة، إلا لحاجة داعية، فرخص له في الطلاق.
ومن محاسنه أن جعل هزله جدًا، قال ﷺ "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، الطلاق والعتاق والنكاح فإذا عرف الإنسان أنه بمجرد تلفظه به، ولو مازحًا يقع، امتنع بإذن الله إذا كان عاقلًا.
стр. 30
ومن محاسن القصاص، وفرض العقوبات، زجر النفوس الباغية، وردع القلوب القاسية، الخالية من الرحمة والشفقة ومن محاسنه تأديب الجماعات الطاغية، فحكم بقتل القاتل وأمر بقطع يد السارق، ليحقن الدماء، قال تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية، والقطع لحفظ الأموال، فيعيش الناس آمنين مطمئنين، قال تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وحرم الزنا ومقدماته، كالنظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، والقبلة واللمس وأمر برجم الزاني، وقتل اللوطي، على رؤس الأشهاد وحكم بجلد الزاني البكر، مائة جلدة والتغريب، كل ذلك محافظة على الأنساب، والأعراض، وحماية للأخلاق، وصيانة للأمة من الفناء والفساد، وحرم الخمر، وعدها أم الخبائث، وحكم على متعاطيها بالجلد، لارتكابه النقائص والخسائس، كل ذلك ليبقى العقل سليمًا، ويظل المال مصونًا، ويدوم الشرف والخلق طاهرًا نقيًا.
стр. 31
شعرا:
لقد أيقظ الإسلام للمجد والعلى … بصائر أقوامٍ عن المجد نوم
فأشرق نور العلم من حجراته … على وجه عصر بالجهالة مظلم
ودك حصون الجاهلية بالهدى … وقوض أطناب الضلال المخيم
وأنشط بالعلم العزائم وابتنى … لأهليه مجدًا ليس بالمتهدم
وأطلق أذهان الورى من قيودها … فطارت بأفكار على المجد حوم
وفك أسار القوم حتى تحفزوا … نهوضَا إلى العلياء من كل مجثم
وعما قليل طبق الأرض حكمهم … بأسرع من رفع اليدين إلى الفم
اللهم رب قلوبنا على محبتك وطاعتك وثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وألهمنا
стр. 32
ذكرك وشكرك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا جميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل"
ومن محاسن الإسلام الحث على المشورة والأخذ بها، متى كانت صائبةً، متفقة مع العقل والمنطق والتجربة، قال تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
ومن محاسنه أن أفضل الناس عند الله أكثرهم صلاحًا وتقوى، كمال قال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ومن محاسنه الحث على العتق، وتحرير الأرقاء، والإحسان إلى المملوك.
ومن محاسنه الحث على الإحسان إلى الجار والضيف والمسكين واليتيم.
стр. 33
ومن محاسن الإسلام أنه يدعو إلى تبادل الإلفة والمحبة، والتصافي والتعاون، قال ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا".
ومن محاسنه أنه يذم النزاع والكراهية والتفرقة، قال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقال الرسول ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا".
ومن محاسنه النهي عن النميمة والغيبة، والحسد والتجسس، والكذب والخيانة، والآيات والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة جدًا، فتذكر لها تجدها.
ومن محاسنه النهي عن الظلم، والأمر بالعدل، مع القريب والبعيد، قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ومن محاسن الإسلام الحث على العفو عن
стр. 34
المعتدي، قال تعالى ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ وقال ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ومن محاسنه الدعوة إلى الصلح بين الأخوين، والنهي عن الهجران، قال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقال ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
ومن محاسنه النهي عن التقاطع والتدابر، والتباغض والتحاسد، قال ﷺ "لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا" الحديث.
ومن محاسنه النهي عن الاستهزاء بالناس، وذكر عيوبهم قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية.
ومن محاسنه النهي عن بيع الإنسان على بيع أخيه، والخطبة على خطبته، إلا أن يأذن أو يرد، لما ينشأ عن ذلك من العداوة والتقاطع.
ومن محاسنه مشروعية السلام على المسلم، عرفه أو لم يعرفه. ومن محاسنه الأمر برد التحية
стр. 35
بأحسن منها أو ردها قال تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية.
ومن محاسنه الأمر بالتثبت فيما نسمعه، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وقال ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية.
ومن محاسنه النهي عن البول في الماء الراكد، وفي ذلك العناية بالناحية الصحية، والوقاية من النجاسة والأمراض بإذن الله.
ومن محاسنه النهي عن إيذاء المؤمنين والإضرار بهم، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وقال ﷺ "من أكل الثوم والبصل والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
ومن محاسنه النهي عن الأكل بالشمال، والشرب بها، لأنها لإزالة ما يستقذر، ولأن الشيطان يأكل بشماله، كما في الحديث.
стр. 36
ومن محاسنه الأمر باتباع جنازته، لما في ذلك من الدعاء والترحم عليه، والصلاة عليه، وجبر خواطر أهله المؤمنين.
ومن محاسن الإسلام تشميت العاطس، وإبرار المقسم، لما في ذلك من التآلف والتأخي، والدعاء لأخيك بالرحمة، ولما في إبرار القسم من جبر خاطره، وإجابة طلبه، ما لم يكن فيه شيء من مخالفة الشرع.
ومن محاسنه إجابة دعوته، ولا سيما إذا كان لعرس، ولم يكن فيها ما يخالف الشريعة، أو يخل بالمروءة والإنسانية كما تراه اليوم عند بعض الناس من الملاهي والمنكرات، لأن في حضوره والحالة هذه تشجيع للفسقة وأهل المجون، وإعانة على نشر المعاصي، وعدم المبالاة فيها.
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه حرم على المسلم ترويع أخيه المسلم، إما بإخباره بخبر يفزعه، أو يشير إليه بسلاح، أو نحو ذلك.
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه نهى عن
стр. 37
تشبه الرجال بالنساء، وبالعكس بأن تتشبه النساء بالرجال، لما في ذلك من المفاسد، التي منها التخنث فيمن يتشبه بهن، في ملابسهن وحركاتهن وكلامهن، كما هو موجود عند بعض المنحلين، المغرورين أصحاب الخنافس والتواليتات محلوقي اللحا.
ومن محاسن الإسلام اتقاء مواضع التهم والريب، كي يصون ألسنة الناس وقلوبهم عن سوء الظن بهن وورد أن صفية زوج النبي ﷺ جاءت تزوره وهو معتكف، فقام معها مودعًا، حتى بلغت باب المسجد، فرآه رجلان من الأنصار، فسلما عليه، فقال "على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي" فقالا: سبحان الله يا رسول الله؟ وكبر عليهما، فقال النبي ﷺ "إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا" فهذا أشرف الخلق وأزكاهم، أبعد التهمة والشك عن نفسهن وقال عمر ﵁: من أقام نفسه مقام التهم، فلا يلومن من أساء به الظن، ومر عمر برجل يكلم امرأته على ظهر الطريق،
стр. 38
فعلاه وضربه بالدرة، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إنها امرأتي. فقال عمر: هلا كلمتها حيث لا يراك أحد من الناس.
فالإسلام من محاسنه الابتعاد عن مواضع التهم والشبهات، فكيف لو رأى من تدخل على الخياط، يفصل على بدنها وحده، خاليًا بها، أو رأى من تدخل على المصور وحدها، أو رأى من تركب مع من ليس محرمًا لها، أو سافرت مسلمة إلى بلاد الكفر بدون محرم، أو دخلت على الدكتور وحدها باسم الكشف الطبي، أو نحو ذلك، مما حدث في زمننا الذي كثرت فيه الفتن، وقل فيه الأمر والنهي، وردع أهل الشر والفساد الذين قويت شوكتهم، وساند بعضهم بعضا عكس ما عليه أهل الخير والصلاح، من التفكك والتخاذل والمصانعات، فالله المستعان.
أيا علماء الدين مالي أراكم … تغاضيتم عن منكرات الأوامر
أما الأمر بالمعروف والنهي فرضكم … فأعرضتم عن ذاك إعراض هاجر
стр. 39
أما أخذ الميثاق ربي عليكم … بأن تنصحوا بالحق أهل المناكر
فإن هم عصوكم فاهجروهم وهاجروا … تنالوا بنصر الدين أجر المهاجر
إذا كان هذا حال قاضٍ وعالم … وحال وزيرٍ أو أميرٍ مظاهر
ولم تنتهوا عن غيكم فترقبوا … صواعق قهار وسطوة قاهر
فما الله عما تعملون بغافلٍ … ولكنه يملي لطاغٍ وفاجر
وقد أرسل الآيات منه مخوفًا … ولكن غفلتم عن سماع الزواجر
أجيبوا عباد الله صوت مناصحٍ … دعاكم بصوت ماله من مناصر
وقوموا سراعًا نحو نصرة دينكم … إذا رمتم في الحشر غفران غافر
وحسن ختام النظم أزكى صلاتنا … على المصطفى والآل أهل المفاخر
стр. 40
اللهم بارك في أسماعنا وأبصارنا ونور قلوبنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بظن واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
"فصل"
ومن محاسن الإسلام أن الإنسان إذا ابتلي بشرير من الأشرار، أو فاجر من الفجار، أو محب للإجرام، ينبغي أن يحذره ويبتعد عن شره، ويداريه ويتجنبه ما أمكن، قال أبو الدرداء: إنا لنبش في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتعلنهم، ومعنى هذا مداراة الأشرار الذين لا تقدر على درعهم، والإنكار عليهم، لخوفك من شرهم وأذيتهم، وإجرامهم وتنكر بقلبك.
ومن محاسن الإسلام الأمر بإصلاح ذات البين، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة متظاهرة.
следующие страницы →