← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30004

فيض الجليل على متن الدليل

أحمد بن ناصر القعيمي

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الطبعة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فأحمدُ اللهَ تعالى، وأشكرُه على انتهاءِ الطبعِة الأولى من كتابي: (فيض الجليل على متن الدليل)، وهاهي الطبعةُ الثانيةُ بتعديلٍ يسيرٍ في بعضِ المواضع، مع زياداتٍ مهمةٍ في كثيرٍ من المواضع، ولا يلمني طلابُ العلم في هذه الزيادات، فالفقهُ حياةٌ لطالبه، يتجددُ ويتكاثرُ ويتزايدُ بتجددِ مسائلِ الناس وحوادِثهم، وما كتبه فقهاؤُنا من مسائلَ فقيهةٍ كثيرة جدا إنما هو كالأصول لكل ما يحدث للناس في حياتهم إلى يوم القيامة، وما ذاك إلا لأنها مأخوذة من كتاب الله - تعالى -، وسنة نبينا ﷺ ، وهما - بحمد الله - صالحان لكل زمان ومكان. أسأل الله - تعالى - النفعَ بها، وأن يرزقني ووالِدَيَّ وأهلي وأولادي ومشايخي وطلابي أجرَها، كما أسأله

стр. 2

الإخلاصَ في القول والعمل، وحسنَ الختام، والفردوسَ الأعلى من الجنة، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبها الفقير إلى رحمة الله أحمد بن ناصر القعيمي الأربعاء ٢٥/ ٦/ ١٤٤٤ هـ

стр. 3

مقدمة الطبعة الأولى الحمدُ لله منزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، ورازق عباده النِّعمَ والألباب، والصلاةُ والسلامُ على نبينا محمدٍ خير مَنْ عمل بالكتاب، وشرع الأخلاق والآداب، وقرر الأحكامَ التي تُصلح الناسَ في الدنيا والمآب، صلى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه والتابعين له بإحسان إلى يوم الحساب، وبعد: فإن من أجلِّ العلوم وأشرفها علمَ الفقه، فبه يُعلم الحلالُ والحرامُ، وبه الشريعة تُقام، وبه يُحفظُ الإسلام، وقد أسهم علماؤنا الحنابلة الكرامُ في الكتابة في هذا العلم العظيم، وتفننوا فيه ونوَّعُوا، وشرحُوا وفرَّعُوا، ومما سطَّرُوا فيه وكتبُوا متنُ: (دليل الطالب لنيل المطالب) للعلامة مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي (ت ١٠٣٣ هـ) رحمه الله تعالى، وهو متن مختصر جليل، متينٌ أصيل، أسأل اللهَ تعالى أن يعاملَ مُؤلِفَه باللُّطف الجميل، والأجر الجزيل. وقد منَّ اللهُ تعالى عليَّ بأن شرحتُ متنَ (دليل الطالب) أكثرَ مِنْ مرةٍ، وكتبتُ عليه حاشيةً، شارحًا ومقيدًا تارة، ومفرعًا ومستدلًا تارة، ثم يسر اللهُ - بمنه وكرمه - كتابةَ هذه الحاشية،

стр. 4

فحررتُها، وراجعتُها مرارا، وأودعتُها بحوثًا وتحريراتٍ كثيرةً، وضوابطَ وقواعدَ ولله الحمد والمنة، وسرتُ فيها على المذهب المشهورِ عند الحنابلة، وقد أُشيرُ إلى الرواية أو القول الثاني في المذهب، وهي حاشيةٌ أشبه بالشرح، تفيد المبتدي والمنتهي، وسميتُها: (فيض الجليل على متن الدليل). وقد عمل معي في هذه الحاشية بعضُ طلاب العلم الفضلاء، ومن أبرزهم: الشيخُ حمزة بن مصطفى يعقوب نزيل المدينة المنورة، وهو فقيهٌ فرضيٌّ ناظمٌ حافظٌ لكتاب: (قصد السبيل في الجمع بين الزاد والدليل)، وراجع الحاشيةَ كلَّها، ونظرَ فيها، ونبَّه، وأَصْلَحَ: الشيخُ عبد الكريم بن سفير القثامي العتيبي المدني إقامة، والطائفي أصلا، وهو متقنٌ ضابطٌ حافظٌ لمتن: (زاد المستقنع)، والشيخ خليل بن علي بن محمد، أسأل الله أن يحفظهم، وأن يثبتنا وإياهم على دينه، والعلم والعمل، وأن يخلص لنا النيات له وحده. وقد عملتُ في هذه الحاشية مثل ما في كتابي: (الحواشي السابغات على أخصر المختصرات)، لكني زدتُ هنا مسائلَ وتحريراتٍ كثيرةً لم تذكر في (أخصر المختصرات) ولا في حواشيه، وذلك بسبب زيادة مسائل متن (دليل الطالب) على مسائل (أخصر المختصرات). وأود أن أنبه في هذه المقدمة على عدة أمور: الأمر الأول: ينبغي لطالب العلم الحنبلي أخذ الفقه على أصوله وطريقة أهله، فلا يَحِد عن طريقتهم في دراسة المذهب

стр. 5

من كتبه المعتمدة والمقررة عندهم، ويبدأ في حفظ متن ودراسته ومعاهدته، وأن يتتلمذ على شيخ، خاصة في بلده التي هو مستوطن فيها؛ فإن في هذا من الخير والبركة ما لا يحصيه إلا الله تعالى. الأمر الثاني: ينبغي لمن أراد أن يَدْرسَ متنًا فقهيًا أن يراعي سبعةَ أمور: وهي: - تقييد المطلق، وتخصيص العموم. - الاهتمام بالحدود والضوابط. - الاهتمام بالأدلة. - بيان مخالفات المذهب. - بيان المبهم. - بيان الخلل في العبارة. - الاهتمام بترتيب المسائل. وقد جمعها الناظم بقوله: بَيِّن مُقيَّدًا وَحدًا ضابطًا … واذكرْ دليلًا كي تصيرَ ضابطًا ومَذْهبًا ومُبْهمًا مَعَ الخَلَلْ … مُرَتِّبًا أبوابَه بِلا ملَلْ الأمر الثالث: يجب على طالب العلم أن يتفقه قبل أن يتكلم في المسائل العلمية، ولابد أن يدرس - على الأقل - ثلاثَ متونٍ فقهية، من أولها إلى آخرها، ولا يقتصر على بعض الأبواب، فالفقه مترابط وطويل، يحتاج لوقوف كثير مع مسائله،

стр. 6

ولا يقتصر على بعض الكتب، بل يترقى حتى يدرس ما هو أكبر منها، ويجعل الفقه جزءا من حياته ووظيفته، ولا يستعجل الثمرةَ والظهورَ حتى يقوى فهمُه، وتكمل ملكتُه. الأمر الرابع: ليحذر طالبُ العلم من التعصب للمذهب، فيوالي ويعادي عليه، فهذا ليس من شأن العلماء، ومما يحزنني كثيرا ما أسمعه من بعض طلاب العلم المتمذهبين من الكلام على العلماء غير المتمذهبين، أو غير المتقيدين بالمذهب، مع ما نفع الله بكثير منهم في خدمة دين الله ، وما قدموه للأمة الإسلامية من تعليم، ونشرٍ للعلم، والدعوة إلى الله وتوحيده، إلى أن توفاهم الله تعالى، وما زلنا في المملكة العربية السعودية الآن نعيش الشريعة الإسلامية في حياتنا بفضل الله تعالى، ثم بفضل حكامنا، وجهود هؤلاء العلماء الراسخين العاملين، أسأل الله برحمته أن يرحم من مات منهم، ويحفظ من بقي، ولا ريب عندي أن المتقيد بمذهب محتاج لما عند هؤلاء العلماء، كما أن غير المتقيد بمذهب محتاج لما في المذاهب، فلا غنى لأحدهما عن الآخر، وليكن حالنا جميعًا ما قاله الله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الحاشية كما نفع بالمتن، وأن يغفر لي خطيئتي، وجهلي وإسرافي في أمري، وأستغفر الله

стр. 7

تعالى أن أكون قد ذكرتُ معنى أو مفهومًا لم يقصده الفقهاءُ لجهلي وقلة اطلاعي، فمن وجد في هذه الحاشية ما يخالف كلامَ الأصحاب صراحة فليأخذ به، ويترك ما كتبته وقررته. جزى اللهُ خيرا كلَّ من تعلمتُ منه شيخًا أو صاحبًا أو طالبًا، وأدعو الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى أن يدخلني في قول النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم، فأسأله سبحانه أن تكون هذه الحاشية من العلم النافع الذي ينتفع به المسلمون، وأن يجعلها من العمل الصالح، وأن يخلص لي نيتي، وأن يختم لي بالحسنى، ويرزقني ووالِدَّيَّ وأهلي وأولادي وإخواني ومشايخي وطلابي وكل المسلمين الفردوسَ الأعلى من الجنة، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبها أحمد بن ناصر القعيمي الأحساء - المبرز. السبت ٣/ ٦/ ١٤٤٢ هـ

стр. 8

مصطلحات الحاشية: إذا ذيلتُ كلامًا بأحد هذه المصطلحات فهذه معانيها: مخالفة الماتن: هي لمخالفة الماتن لأحد الأصلين وهما الإقناع، والمنتهى، وقد يكون موافقاً للمذهب، وتكون أيضا لمخالفتهما في لفظ أو حكم. مخالفة: هي للمخالفة التي أذكرها أنا - وليس الماتن - بين الأصلين الإقناع والمنتهى، ولم أحرص على تصحيح المذهب فيها في أكثر المواضع؛ إما لكونه واضحا، وإما لعدم علمي؛ لقلة اطلاعي. خلاف المتأخرين: هو للخلاف بين العلماء الذين بعد الأصلين كالبهوتي ومرعي الكرمي وغيرهما. فرق فقهي: للمسألتين المتشابهتين في الصورة، المختلفة في الحكم. فليحرر: إذا ختمتُ مسألةً بقولي: فليحرر - وهو كثير - فالمراد أني متردد فيها ولم أجزم بشيء، وكذا لو استظهرت حكما.

стр. 9

بين يدي متن: (دليل الطالب لنيل المطالب) هذه حاشية على كتاب «دليل الطالب لنيل المطالب» للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي ﵀. وقد وُلد الشيخ مرعي سنة (٩٨٨ هـ) في فلسطين في مدينة طور كَرَم - وقيل: طول كَرَم -، ثم سافر إلى مصر واستقر بها، وتوفي سنة (١٠٣٣ هـ) - على قول الأكثر -، وقيل: (١٠٣٢ هـ). وقد ألّف مؤلفات كثيرة جداً طُبع منها ستة وثلاثون مؤلفا، والمخطوط منها خمسون. ومن تلك المصنفات كتابان معتمدان في المذهب: متن دليل الطالب - الذي بين أيدينا -، و «غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى». واختُلف في سنة انتهائه من تأليف الدليل، فقيل: (٩٩٩ هـ)، وقيل: (١٠١٧ هـ)، وقيل: (١٠١٩ هـ). واختار الثاني الشيخُ صالح بن سيف العتيقي الذي نسخ المخطوطة - وهو من كبار تلاميذ ابن فيروز -، ولعله الأقرب وأنه انتهى من تأليفه سنة (١٠١٧ هـ) وهو الذي قال عنه الشيخ سلطان العيد مثبت في أواخر كثير من النسخ الخطية من مؤلفه،

стр. 10

ومتن دليل الطالب متقدم عن كتابه الكبير غاية المنتهى التي انتهى من تأليفها في (١٠٢٦ هـ)، والدليل أقلُّ تحريراً من الغاية. ولدليل الطالب شروحٌ وحواشٍ كثيرة. ومن شروحه: ١ - «مسلك الراغب» لإبراهيم العوفي الصالِحِي - ويقال أيضاً: الصوالحي - (ت ١٠٩٤ هـ)، ولم يُتمه، وطُبع حديثاً سنة (١٤٣٤ هـ) ٢ - «نيل المآرب» لعبد القادر التغلُبي الشيباني (ت ١١٣٥ هـ). ٣ - «منار السبيل» لإبراهيم بن محمد بن ضويان (ت ١٣٥٠ هـ)، وإن كانت تسميته شرحاً تجوّزًا، والشروح متقاربة، لكن الأولَين أفضل من الأخير؛ لأن المنار لم يُعنَ بشرح الألفاظ وحلها وإنما يستدل لمسائل الدليل، ويذكر غالباً رواية أخرى في المذهب، وآراء شيخ الإسلام. ٤ - ثم طبع هذه السنة (١٤٤٢ هـ) السلسبيل في شرح الدليل للشيخ سعد بن تركي الخثلان حفظه الله تعالى، في ثماني مجلدات. أما الحواشي، فنكاد نقول: إنها أقوى من الشروح، ومنها: ١ - حواشي الشيخ أحمد بن محمد بن عوض (ت ١١٤٠ هـ)، وهي من أفضل الحواشي. وقد جرّدها - أي: أفردها - من نسخته ابنُه، ثم فرّقها على متن الدليل. ٢ - حاشية الشيخ عبد الغني اللَّبَدي (ت ١٣١٩ هـ) كتبها على نيل المآرب، وتناول فيها أيضاً بعض عبارات الدليل، وهي حاشية نفيسة فيها مباحث لم تُذكر من قَبل. وعرضها على الشيخ محمد بن عبد الله ابن حميد الحنبلي (ت ١٢٩٥ هـ) - صاحب

стр. 11

«السُحب الوابلة» -، فمدحها وكتب لها تقريظاً ومقدمة معروفة. ودليل الطالب من الكتب المعتمدة عند متأخري الحنابلة، ويأتي بعد الزاد في المنزلة، وذكر ابن حمدان في «كشف النقاب عن مؤلفات الأصحاب» أن جمعاً من العلماء كتبوا تقاريظ وإجازات كثيرة على الدليل منهم: يحيى ابن الشيخ موسى الحجاوي صاحب الإقناع، وأبو المواهب البكري، وأحمد أمين أفندي الحنفي، وغيرهم، وذكرها كلها الشيخ سلطان العيد في حاشيته على متن الدليل المطبوعة سنة (١٤٤١ هـ) وامتُدح الدليل في قصائد كثيرة، منها قول صالح بن سيف العتيقي: يا من يريدُ كتاب فقهٍ جامعٍ … اِرجع إلى ما قلتُه يا صاحبي كلَّ المسائلِ، بل ومغني الطالِبِ … واقطف ثماراً من دليلِ الطالِبِ وطُبع الدليل بتحقيقات كثيرة من أفضلها تحقيق الفاريابي، وأحمد الجماز، وحققه قبلهما الشيخ سلطان العيد، وجعل فيه مقدمة يحسن الرجوع إليها ذكر فيها مميزات الدليل، وقارن بينه وبين «زاد المستقنع» ثم طبعه طبعة جديدة مع حاشية عليه قال: (ومعه تحرير الدليل) في هذه السنة (١٤٤١ هـ)، وكتب دراسة وافية عن متن الدليل ومؤلفه، يحسن الرجوع إليها، وقد جمع الشيخ حامد بن الخضر آل بكر بين الزاد والدليل في كتابه: «قصد السبيل»، وأتى بمقدمة وخاتمة فيهما نفائس كثيرة، وذكر كلاماً مفصلاً عن الدليل ومقارنة بينه وبين الزاد أيضاً.

стр. 12

ومما تميز به الدليل عن الزاد: ١ - حسن ترتيبه، وذلك مفقود في كثير من أبواب وفصول الزاد، فيُعدد في الدليل الشروط والأركان والواجبات والسنن … ٢ - قلة الإبهامات في الحكم فيه، خلافاً للزاد. والإبهام في الحكم: أن يذكر العالمُ مسألة ولا يذكر حُكمها من تحريم أو كراهة. ٣ - قلة مخالفته للمذهب، خلافاً للزاد، فإنه أكثر المتون مخالفة للمذهب. ٤ - سهولة عبارته، فلا تحتاج إلى شرح كثير. لكن هذا قد يعتبر من مميزات الزاد، فإن التمرس على المتن الذي توجد فيه بعض الصعوبة يكون أنفع للطالب. ومن المؤاخذات على الدليل: ١ - أنه أهمل بعضَ الأبواب والفصول المهمة التي لم يهملها أصغر المختصرات في المذهب، وهو «أخصر المختصرات»، ومن ذلك: باب المواقيت في الحج. كذلك، لم يذكر من الشروط في البيع إلا القليل، وأخلّ إخلالاً ملحوظاً في ترتيب باب العِدد. ٢ - عدم ذكره للصفات في الغالب كصفة الغسل والصلاة والحج، مع أنه لم يغفلها كثير من المختصرات كالزاد، وهذه من أقوى المؤاخذات على الدليل.

стр. 13

٣ - عدم سيره على ترتيب الإقناع والمنتهى في ذكر المسائل، وهذا متعب للشارح عند التحضير والرجوع إلى موضعها في الأصول. ٤ - إطالته في بعض الأبواب ككتاب الوقف، وذكر مسائل ليست هي الأم في الباب، بخلاف الزاد، فإنه يقتصر على أهم المسائل، وهو خال من الحشو. ٥ - ذكره في بعض الأبواب المسائل مع مفهومها، ففي ذلك تطويل على الطالب، ومخالفة للمقصد من تأليف المتون، ولا يبقى بهذه الطريقة للشارح شيء يوضحه. ويرى كثير من المعاصرين أن الزاد أطول - من حيث المسائل - من الدليل، وبعض المحققين كالشيخ سلطان العيد يقولون: إن الدليل أطول، وفي نظري أن هذا الأخير هو الأقرب؛ وذلك لما تقدم من كون الدليل يذكر المسائل مع مفهومها، ويدخل مسائل ليست هي الأم في الباب، فالدليل أكبر من الزاد حجما، ولكن مسائل الزاد أكثر من مسائل الدليل من حيث المنطوق والمفهوم. وهذه المؤاخذات لا تحط من منزلة متن الدليل العالية، ويدل على ذلك كثرة الشروح والحواشي عليه، وهي أقوى مذهبياً مما لحق بالزاد إلا «الروض المربِع»، وحاشية عبد الوهاب ابن فيروز (ت ١٢٠٥ هـ) المحررة على المذهب. ثم إن أهل الشام وكثيرا من أهل الحجاز والكويت

стр. 14

متعلقون بمتن دليل الطالب وشرحه نيل المآرب، بخلاف أهل نجد والأحساء، فإن اهتمامهم بالزاد أكثر. وسيكون الشرح والتعليق - إن شاء الله - على المذهب المعتمد، لكنني سأذكر في مواطن يسيرة رواية أخرى مشهورة أو قولاً أو وجهاً في المذهب بشرط كونه قوياً؛ طلباً للاختصار. وسأذكر بعضَ الأدلة، وأنبه على مخالفات الماتن للمذهب، وأعتمد كثيراً على أهم كتابين في المذهب وهما: «الإقناع» للحجاوي و «منتهى الإرادات» لابن النجار مع شروحهما، وكذا غاية المنتهى وغيرها من كتب المذهب. أسأل الله أن ييسر هذا العمل، وأن يجعله نافعاً خالصاً لوجهه، إنه سميع مجيب.

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مالك يوم الدين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبيِّن لأحكام شرائع الدين، الفائزُ بمنتهى الإرادات من ربه (١)، فمن تمسّك بشريعته فهو من الفائزين، صلّى الله وسلم عليه (٢) وعلى جميع الأنبياء (١) والفائز بمنتهى الإرادات هو النبي ﷺ ؛ لحصوله على الشفاعة العظمى، وغير ذلك. وذكر بعضُهم أن المصنف أشار بهذه العبارة إلى كون متنه مختصراً من كتاب «منتهى الإرادات»، وبالفعل، فإن كثيراً من مسائل الدليل مختصرة من المنتهى، لكن هناك مسائل أخرى أخذها الشيخ مرعي من الإقناع، وهي غير مذكورة في المنتهى. ولا يُقال إن هذا الكتاب اختصار للمنتهى؛ لوجود مسائل كثيرة في المنتهى لم يتطرق إليها الماتن في الدليل. (٢) الصلاة من الله: هي الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: التضرع والدعاء.

стр. 16

والمرسلين، وعلى آل كلٍّ (١) وصحبِه (٢) أجمعين. وبعد، فهذا مختصر (٣) في الفقه، على المذهب (٤) الأحمدِ، مذهب الإمام أحمدَ (٥)، بالغتُ في إيضاحه رجاء الغفران، وبيَّنتُ فيه الأحكام أحسن بيان، لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعِرفان (٦)، وعليه الفتوى فيما بَين أهل الترجيح والإتقان، وسميته ب: (١) أي: آل جميع الأنبياء والمرسلين. وآل النبي ﷺ على المذهب -: أتباعه على دينه، لا أهل بيته فقط. (٢) الصحابي: قال ابن النجار في المعونة: (من لقي النبي ﷺ مؤمنا ولو ارتد ثم أسلم ومات على إيمانه). (٣) المختصر - كما قال الشيخ منصور وغيره -: ما قلّ لفظه، وكثُر معناه. (٤) المذهب لغة: من الذهاب، ثم أُطلق على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلاً به، وكذا ما أُجري مجرى قوله من فعل أو إيماء أو نحوه، وقال الدنوشري: (وقد يطلق عند المتأخرين على ما به الفتيا من إطلاق الشيء على جزئه الأهم). وإذا ذكرنا المذهب في هذا الشرح، فإنا نقصد به المذهب عند متأخري الحنابلة مما رجحه أهل التصحيح والعِرفان، وسيأتي ذكرهم. (٥) وهو من كبار أئمة أهل السنة، وُلد سنة (١٦٤ هـ) في بغداد خلال الدولة العباسية، وتوفي سنة ٢٤١ هـ. (٦) أهل التصحيح والعِرفان - كما ذكر الشيخ سلطان العيد، وكما =

стр. 17

«دليل الطالب (١) لنيل المطالب (٢)» واللهَ أسألُ أن ينفع به من اشتغل به، وأن يرحمني والمسلمين، إنه أرحم الراحمين. = جاء مبيَّناً في الغاية - هم: إمام المذهب الشيخ علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ)، وابن النجار الفتوحي (ت ٩٧٢ هـ)، وموسى الحجاوي (ت ٩٦٨ هـ) ﵏. (١) الأصل في الدليل: ما يُستدل به من الكتاب والسنة، هذا بحسب الأصل وإلا فالآن فقد أصبح علمًا على هذا المختصر، والطالب: هو القاصد. (٢) المطالب: جمع مطلب، وهو - كما قال ابن عوض ﵀: الشيء المتباعد الذي لم يُنل إلا بطلب.

стр. 18

كتاب الطهارة (١) وهي: رفع الحدث (٢) (١) الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسيّة - كالبول -، والمعنويّة - كالحسد -. وسيأتي تعريفها اصطلاحاً في كلام المؤلف. (٢) الحَدَث: وصف يقوم بالبدن يمنع الإنسان من الصلاة ونحوها، وهو باختصار - كما في المنتهى -: ما أوجب وضوءاً أو غسلاً. وما يوجب الوضوء هو: نواقض الوضوء، وما يوجب الغسل هو: موجبات الغسل. وقوله: (رفع الحدث): خالف به جمهور المصنفين من الحنابلة، فإنهم يقولون: ارتفاع الحدث - كما في الأصول الثلاثة: الإقناع والمنتهى والغاية -؛ ليحصل التطابق بين المفسِّر - وهو الارتفاع -، والمفسَّر - وهو الطهارة -. والتعبير بالرفع - كما قال الشيخ منصور -: هو تعريف للتطهير لا للطهارة، لكنه إنما استعمل ذلك الأسلوب؛ لأن الطهارة أثر ذلك الرفع وناشئة عنه، لكن الأَولى ما مشى عليه الجمهور؛ لأن الحدث وصف معنويٌّ لا يملك الشخص رفعه بنفسه، وإنما هو أثر للوضوء أو الغسل. (مخالفة الماتن) =

стр. 19

وزوال الخبث (١). وأقسام الماء ثلاثة (٢): أحدها: طَهور، وهو الباقي على خِلقته، يرفعُ الحدث ويزيلُ الخَبَث (٣). = (تتمة) التيمم طهارة لكنه لا يرفع الحدث على المذهب، بل هو مبيح لفعل العبادات التي يشترط لها الطهارة كالصلاة ونحوها. (١) الخَبَث: هو النجاسة الطارئة على محل طاهر سواء زالت بفعل فاعل أو بنفسها كزوال تغيّر الماء الكثير بنفسه. أما النجاسة العينيّة كالبول والدم، فلا يمكن تطهيرها. (٢) يُقسم الحنابلة المياه - باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع - إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، ويقولون: إن هذه قسمة عقلية: فالماء إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فالأول هو الطهور، والآخر إما أن يجوز تناوله وشربه أو لا، فالأول طاهر، والآخر نجس. وهذا هو المذهب المعتبر. والقول الآخر في المذهب: انقسام الماء إلى قسمين: طهور ونجس، وهو اختيار شيخ الإسلام، وذكره الشيخ منصور في كشاف القناع. (٣) المراد بالطهور: الطاهر في نفسه المطهّرُ لغيره. وتعريفه: الباقي على خِلقته، أي: التي خلقه الله عليها إما حقيقة بأن لم يطرأ عليه شيء، وإما حُكماً كالمتغير بسبب طول المكث. وحُكمه: يرفع الحدث ويزيل الخبث، ولا يحصل أحدُهما بغير =

стр. 20

وهو أربعةُ أنواع (١): ١ - ماء يحرم استعمالُهُ (٢)، ولا يرفع الحدثَ (٣)، ويزيل الخبثَ (٤)، وهو: ما ليس مباحاً (٥). ٢ - وماء يرفع حدثَ الأنثى لا الرجلِ البالغِ والخنثى، وهو: ما خلت به (٦) = الماء الطهور. أما التيمم بالتراب فلا يرفع الحدث، كما تقدم. (١) وكذا في غاية المنتهى، قال ابن عوض عن هذه القسمة للماء الطهور: (هذا تقسيم باعتبار الأوصاف … وهذا السبك والتلخيص على هذا الأسلوب لم يُر لغيره). قلت: وهو تقسيم صحيح مبني على استقرائه للإقناع والمنتهى. (٢) مطلقاً سواء للأكل أو الشرب أو إزالة الخبث. (٣) أي: لو توضأ به مثلاً لم يرتفع حدثه؛ لأن النهي يقتضي الفساد. (٤) أي: لو غسل به محل متنجس حكم بطهارته مع حرمة الاستعمال. (٥) كالمسروق والمنهوب؛ لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد، ويُلحق به الحنابلة الماء الموقوف للشرب - كالماء الذي في البرادات التي في الشوارع -، فلا يجوز الوضوء والغسل به، ولا يرتفع به الحدث؛ لأنه موضوع لجهة معينة، فلا يجوز صرفها في غيرها. والظاهر أن ذلك لا يشمل ماء البرادات في الحرم، فيصح الوضوء منها. (٦) أهمل المؤلف قيداً مهماً: وهو كونه ماءً قليلاً كما في الإقناع =

стр. 21

المرأةُ المكلَّفَةُ (١) لطهارةٍ كاملةٍ عن حدثٍ (٢). ٣ - وماء يُكره استعمالُه مع عدمِ الاحتياجِ إليه (٣)، = والمنتهى وغيرهما، وإلا لم تؤثر فيه خلوة المرأة به. والمراد بالخلوة هنا وفي النكاح: عدم مشاهدة مميز - ولو كان الباب مفتوحاً -، وبالغ أَولى. والمقصود بالمشاهدة: الحضور، فيدخل في ذلك الأعمى. (مخالفة الماتن) (١) ولو كانت كافرة. (٢) تعبداً - كما في المنتهى -، أي: هو حكم غير معلَّل، فلا يقاس عليه. فإذا خلت المرأة المكلفة بالماء القليل لطهارة كاملة - لا بعضها - عن حدث أصغر أو أكبر - لا لإزالة الخبث، ولا لطهارة مستحبة -، فإن ما يفضل من الماء - لا المتقاطر - لا يرفع حدث الرجل البالغ مع كونه طهوراً؛ لنهيه ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الخمسة. وفي مسلم أنه ﷺ توضأ بفضل ميمونة ﵂، لكن حمله الحنابلة على عدم خلوتها به، بل كان يشاهدها وهي تتوضأ به. (تتمة) فإن لم يجد الرجل غير هذا الماء استعمله وجوباً وتيمم. (٣) والقاعدة في المذهب: أن الكراهة تزول مع الحاجة، ذكرها الشيخ منصور في الكشاف عن شيخ الإسلام في الاختيارات. وهذه القاعدة أغلبية وإلا فثمَّ مسائل قالوا فيها بالكراهة مع وجود الحاجة كالكلام من مقيم الصلاة حال إقامته، وكراهة ذوق الصائم للطعام مع الحاجة. وقد ذكر المؤلف تسعة أشياء من المياه يكره استعمالها.

стр. 22

وهو: ماءُ بئرٍ بمقبرةٍ (١)، وما اشتد حرُّه أو بردُه (٢)، أو سُخِّن بنجاسة (٣)، أو سُخِّن بمغصوب (٤)، أو استُعْمِلَ في طهارة لم تجب (٥)، أو في غسلِ كافرٍ (٦)، أو تغيَّر بملحٍ (١) المقبرة بتثليث الباء. فيكره استعمال ماء بئر بمقبرة في الوضوء والأكل والشرب وكل شيء - كما ذكر الشيخ منصور في شرح المنتهى-؛ لإمكان اختلاطه بما يتحلل من أجساد الأموات. (٢) أي: أو اشتد حرُّه أو بردُه، فيكره استعماله؛ لأنهما يمنعان من كمال الطهارة. (٣) فيُكره إن كان قليلاً، لا إن كان كثيراً، وإن تحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء وكان قليلا تنجس. (٤) أي: أو سُخن بمغصوب، كحطب أو غاز مغصوب، فيكره؛ لأنه أثر محرم. (٥) كتجديد وضوء، وغسلة ثانية وثالثة. وقوله: (لم تجب): ظاهره يشمل الطهارةَ المستحبةَ والمباحةَ، لكن المراد: المستحبة فقط، فاستعماله في طهارة مباحة لا يجعله مكروهاً. وقد تابع المؤلف في هذه المسألة - هنا وفي الغاية - الإقناعَ، أما المنتهى فلم يجعل الماء القليل المستعمل في طهارة لم تجب مكروهاً، لكن الشيخ منصور مال في الكشاف إلى الكراهة تبعاً للإقناع والغاية، ومثله عثمان النجدي في هداية الراغب. (مخالفة الماتن) (٦) أي: استُعمل في غسل كافر، وهو المتقاطر منه، فلا يسلبه الطهورية؛ لأنه لم يرفع حدثا.

стр. 23

مائيٍّ (١)، أو بما لا يمازجه كتَغيُّرِه بالعود القَماريِّ (٢) وقِطَعِ الكافورِ والدُّهنِ (٣). ولا يُكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالة الخبث (٤). (١) الملح المائي: هو المعقود من نفس الماء، أي: يخرج من البحر. فإذا تغير الماء بملح مائي كُره استعماله. أما الملح المعدني المستخرج من الجبال وباطن الأرض، فإن غيّر الماء سلبه الطهورية. (٢) المراد بالممازجة: المخالطة، فإن تغيّر الماء بما لم يختلط به لم يسلبه الطهورية. والعود القَماري - بفتح القاف: نسبة إلى منطقة في الهند. (٣) الكافور: مادة فيها رائحة عطرية معروفة توضع للميت، فإن تغيّرت رائحة الماء مثلاً بقطع الكافور كُره. وقوله: (قِطَع) يفهم منه أنه: فلو دُقّ الكافور فصار طحيناً ووضع في الماء فغيّره، فإنه يسلبه الطهورية. (تتمة) وإنما لم يسلب قطع الكافور والدهن الماءَ الطهورية وإن تغير بهما الماء لأن التغير بذلك تغير مجاورة لا ممازجة واختلاط، وينضبط المجاور بما يمكن فصله، والمخالط والممازج بما لا يمكن فصله قاله ابن عوض عن الدنوشري. (٤) فقط؛ تشريفاً له. وثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ من ماء زمزم رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح قاله في المبدع والكشاف، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح.

стр. 24

٤ - وماء لا يُكره (١) كماء البحرِ (٢)، والآبارِ (٣)، والعيونِ، والأنهارِ (٤)، والحمَّامِ (٥)، والمسخَّنِ بالشمس، والمتغيِّرِ بطول المكث (٦)، أو بالرِّيح من نحو مَيْتَة (٧)، أو بما يشق صونُ الماءِ عنه (٨) كطُحْلُبٍ (٩)، (١) أي: مطلقاً. (٢) للحديث: «هو الطهور ماؤه» رواه أبو داود وغيره. (٣) لأن النبي ﷺ توضأ من بئر بضاعة، أخرجه النسائي. (٤) لأن ماءهما كماء الآبار. (٥) المراد به: الحمام الموجود في الشام وبعض بلاد المغرب والأندلس، ويشبه الساونا، وهو مبنى كبير يدخل الشخص في غرفة باردة منه، ثم في أخرى دافئة، ثم في ثالثة حارة قليلاً … (٦) الماء إذا طال بقاؤه في مكان، فربما يتغيّر لونه أو رائحته أو طعمه، لكن ذلك لا يضر فلا يكره. (٧) أي: انتقلت رائحة الميتة إلى الماء، فلا يسلبه ذلك الطهورية باتفاق - كما في المبدِع -؛ لأن التغير هنا عن مجاورة لا مخالطة. أما الشيخ ابن سعدي فيقول: إن ذلك يسلبه الطهورية، وهو قول غريب مخالف للاتفاق المحكيّ. (٨) أي: لو تغيّر الماء بشيء يشق على الناس أن يمنعوا وقوعه في الماء وأن يصونوا الماء عنه، فإنه لا يضره ولا يسلبه الطهورية. (٩) الطحلب: هو الخضرة التي تعلو على وجه الماء.

стр. 25

وورق شجر (١) ما لم يُوضَعَا (٢). الثاني: طاهرٌ (٣) يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث (٤). وهو: ما تغيَّر كثيرٌ من لونه، أو طَعمِه، أو ريحه (٥) (١) فلا يكره ماء تغيّر بوقوع ورق شجر فيه. (٢) فإذا وُضع في الماء ما يشق صونه عنه عمداً وقصداً، فإنه يسلبه الطهورية، ويُقيد ذلك الوضع بثلاثة شروط: ١ - أن يكون قصداً، ٢ - وأن يكون الواضع آدمياً، ٣ - وأن يكون عاقلاً. (٣) وهو الطاهر في نفسه، غير المطهر لغيره. وليس للطاهر ضابط في المذهب، بل يذكرون له صوراً. (٤) فيجوز استعمال الماء الطاهر للشرب والطبخ مثلاً، لكنه لا يرفع الحدث، ولا تزول به النجاسة. (٥) التغيّر هنا ثلاثة أقسام كلها تسلب الماء الطهورية: ١ - تغيّرٌ كثير في إحدى صفات الماء الثلاث بمخالط طاهر، واقتصر عليه الماتن، قال البهوتي في الكشاف في التعليل لهذا القسم: (فيسلبه الطهورية؛ لأنه ليس بماء مطلق)، ومن باب أولى لو غير الطاهرُ المخالطُ أحدَ أوصافه الثلاثة ٢ - تغيّرٌ أزال ورفع عنه اسم الماء كأن صار يسمى شاياً أو خلا، فلا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، خلافاً لشيخ الإسلام الذي يرى زوال النجاسة بأي مزيل مائعاً كان أو جامداً. ٣ - تغيّرٌ لم يُزِل اسمَ الماء عنه، لكن قيّده، حيث غلبت أجزاءُ الواقع في الماء عليه حتى يقال - كذا في الكشاف - مثلاً: حِبر فيه ماء، أو خل فيه ماء، ويفهم من كلامهم في هذا القسم: أنه لو تغير بشيء طاهر لكن =

стр. 26

بشيء طاهر (١)، فإن زال تغيُّرُه بنفسه عاد إلى طَهُوريته (٢). ومن الطاهرِ: ما كان قليلاً واستُعملَ في رفعِ حدثٍ (٣)، أو انغمست فيه كلُّ يدِ المسلمِ المكلفِ النائمِ ليلاً نوماً ينقض الوضوءَ قبل غسلِها ثلاثاً بنيةٍ وتسميةٍ (٤)، = لم يقل الناسُ عنه: هذا حبر فيه ماء، بل قالوا عنه هذا ماء فيه حبر، أو هذا ماء فيه خل لم يسلبه الطهورية، فليحرر. والله أعلم. وهذه (الصورة الأولى) من صور الماء الطاهر. (١) كزعفران. (٢) أي: إن زال تغيّر الماء الطاهر - من طعم أو لون أو رائحة - بنفسه أو بضم شيء إليه عادت طهوريته، ويصير طهوراً، فيرتفع به الحدث، ويزول به الخبث. وذكر الشيخ عثمان أنه لو أُضيف إليه ماء فزال تغيّره، فإنه يعود إلى طهوريته أيضاً، وأصله للبهوتي في الكشاف. (٣) (الصورة الثانية) الماء القليل - وهو ما كان أقل من قُلَّتين، وسيأتي - المستعمل في رفع حدث، أما الكثير فلا يُسلب الطهورية. والمراد بالماء المستعمل: الذي يجري على العضو ويتقاطر، ولا يحكم بأنه مستعمل إلا بانفصاله، أما الماء الباقي في الإناء بعد الوضوء فليس مستعملاً. (٤) وهذه (الصورة الثالثة) من صور الماء الطاهر، فإذا نام مسلم مكلف في الليل - لا النهار - نوماً ينقض الوضوء، ثم غمس كل يده - لا بعضها - في ماء قليل، فإنه يُسلب الطهورية، فإن لم يجد من يريد الوضوءَ غيرَ هذا الماء استعمله وتيمم وجوباً. =

стр. 27

وذلك واجبٌ (١). = ولها حالتان: ١ - أن يغمسها كلها في الماء القليل، أو يحصل الماء اليسير فيها كلها فإن ذلك يسلب الماء الطهورية، سواء نوى غسلها أو لا. ٢ - أن يغمس بعضها في الماء القليل ناويا غسلها من نوم الليل فإنه يسلبه الطهورية، وإن لم ينو غسلها فلا يسلب الماء الطهورية. لكن لو نوى وسمّى وغسلها ثلاثاً قبل غمسها في الماء، فإنه إذا غمسها بعد ذلك في الماء القليل فلا يسلب الطهورية. ومن صور الماء الطاهر أيضاً: (الصورة الرابعة) أن يُطبخ في الماء الطهور شيءٌ طاهر فغيره، فإنه يسلبه الطهورية، فإن لم يغيره كما لو سلق فيه بيض فطهور كذا في الإقناع وشرحه. (١) أي: الغسل ثلاثاً بنية وتسمية، فإن نسي غَسْلَ يديه سقط عنه. قال في الإقناع وشرحه: (ويسقط) غسل اليدين من قيام الليل (سهوا) قال في المبدع إذا نسي غسلهما سقط مطلقا لأنها طهارة مفردة وإن وجبت، ومقتضاه: أنه لا يستأنف ولو تذكر في الأثناء، بل ولا يغسلهما بعد، بخلاف التسمية في الوضوء؛ لأنها منه. (تنبيه): نقل ابن تميم عن النكت أن غسل اليدين على القول بوجوبه شرط لصحة الصلاة واقتصر عليه، وكذا حكاه الزركشي عن ابن عبدوس وغيره واقتصر عليه أيضا، ولم يوجد في كلام أحد ممن تأخر عن هؤلاء ما يخالفه، وحيث كان كذلك فكيف يسقط بالنسيان قاله شيخنا عبد الرحمن البهوتي). =

стр. 28

الثالث: نَجِسٌ يحرم استعمالُه (١) إلا لضرورةٍ (٢)، ولا يَرفَع الحدثَ، ولا يُزيل الخبثَ، وهو: ما وقعت فيه نجاسة وهو قليلٌ (٣)، أو كان كثيراً وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه (٤). = انتهى من الكشاف، وقد نبه المحقق أن من قوله: (تنبيه) إلى آخره ليس من كلام البهوتي. (١) سواء في رفع الحدث أو زوال الخبث أو غير ذلك. (٢) كعطس ودفع لقمة غص بها، وضابط الضرورة في المذهب: أن يخشى التلف - من موت أو سقوط عضو - إن لم يتناول المحرَّم، فيباح المحرَّم إذَن. (٣) الماء النجس قسمان: القسم الأول: الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة: فالماء القليل - أي: أقل من قلَّتين - إذا وقعت فيه نجاسة، فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها سواء تغيّر أو لم يتغيّر، ومثله المائع الطاهر، والماء الطاهر إذا وقعت فيهما نجاسة فإنهما ينجسان بمجرد الملاقاة ولو كثرا. (٤) القسم الثاني: الماء الكثير المتغير بالنجاسة: أي: بأن تغير أحد أوصافه الثلاثة التي هي الطعم أو اللون أو الريح بالنجاسة، فالماء الكثير لا ينجس إلا إن تغيّر بالنجاسة الواقعة فيه. والدليل قوله ﷺ لمّا سئل عن الماء يكون بفلاة من الأرض، وما ينوبه - أي: يرِدُ عليه - من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قُلتين لم يحمل الخبث»، وفي رواية: «لم ينجّسه شيء» رواه الخمسة، ومفهومه: أنه إن كان أقل من قلتين، فإنه ينجس بمجرد الملاقاة.

стр. 29

فإن زال تغيُّره بنفسِه، أو بإضافةِ طَهورٍ إليهِ، أو بنَزْحٍ منه ويبقى بعده كثيرٌ طَهُر (١). والكثيرُ قُلتان تقريباً (٢)، واليسيرُ ما دونهما، وهما خمسمُائة رِطل بالعراقي (٣)، وثمانون رِطلاً وسُبعان ونصف سُبع (١) فهناك ثلاث طرق لتطهير الماء النجس الكثير: ١ - أن يزول تغيّره بنفسه، فتزول منه رائحة النجاسة وطعمها ولونها. أما طعمها، فيكفي أن يغلب على ظنه زواله - كما ذكر اللبدي في حاشيته -، فلا يشترط أن يذوق. ٢ - أن يُضاف إليه طهور كثير - قلتان فصاعداً - حتى يزول التغير. ٣ - أن ينزح ويُسحب من النجس، ويبقى بعد النزح ماء كثير قد زال عنه التغيّر، فيطهُر إذَن، أي: يصير طهوراً. (تتمة) أما الماء القليل النجس، فلا يمكن تطهيره إلا بإضافة ماء كثير فقط، ويُحكم بطهارته بمجرد ذلك إلا أن يكون متغيّراً، فحتى يزول تغيّره. (٢) المراد بالقُلة هنا: القُلة من قلال هَجَر - بفتح الهاء والجيم -، وهي قرية قريبة من المدينة. وقوله: (تقريباً): الأَولى الإتيان به بعد قوله: (وهما خمسمائة رطل عراقي)؛ لأن الكثير قلتان تحديداً، فإن نقص عن القلتين يسيراً صار دونهما، وأما كون القلتين خمسمئة رطل عراقي فهو تقريب لا تحديد، كما نبه عليه اللبدي في حاشيته. (٣) وهو الغالب فيما نذكره من أرطال؛ لأن الإمام أحمد كان في العراق. والرطل - بفتح الراء وكسرها - وحدة وزن، =

стр. 30

رطل بالقدسي. ومساحتُهُما: ذراعٌ ورُبع طولاً وعَرضاً وعُمقاً (١). فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيراً، ولم يتغيَّر بالنجاسةِ، فهو طهورٌ ولو مع بقائِها فيه (٢). وإن شُكَّ في كثرته فهو نَجِس (٣). = وهو: ٩٠ مثقالاً، والمثقال - وهو الدينار الإسلامي -: ٤، ٢٥ جم، إذَن الرطل: ٩٠ × ٤، ٢٥ = ٣٨٢، ٥ جم. ثم يُضرب ذلك في ٥٠٠ رطل، فالقلتان إذَن: ١٩١، ٢٥ كجم، أي: ١٩١، ٢٥ لتر؛ لأن من خاصيات الماء أن ١ كجم = ١ لتر من الماء. (تتمة) معرفة الرطل مفيد هنا، وفي الغسل، والزكاة، وغير ذلك. وذكر العلماء أنه ينبغي لطالب العلم أن يتخذ لنفسه صاعاً أو مُداً، وهو رُبع الصاع. (١) المراد بالذراع: ذراع اليد من الآدمي، وأقصى ما ذُكر في قدره - فيما وقفت عليه -: ٥٤ سم. (٢) حتى لو كانت ظاهرة للناظر؛ لأن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغيّر، بخلاف الماء القليل فإنه ينجس بمجرد الملاقاة. وهذا الحكم فيما لو تيقن أن الماء كثير. (٣) أي: لو وقعت نجاسة في ماء وشك في كميته هل هو قليل أو كثير؟ وللمسألة ثلاث صور: الأولى: تيقن أنه ماء قليل ثم شك في كثرته فهو نجس؛ لأن الأصل أنه قليل. الثانية: تيقن أنه كثير وشك في قلته فهو طهور؛ لأن الأصل أنه كثير، الثالثة: لا يعلم هل هو كثير أم قليل؟ فيعمل بالاحتياط وهو الأقل فيجعله قليلا.

стр. 31

وإن اشتبه ما تجوز به الطهارةُ بما لا تجوز، لم يتحر (١) ويتيمم بلا إراقةٍ (٢). ويلزم مَنْ عَلِم بنجاسة شيءٍ إِعلامُ مَنْ أرادَ أن يستعمَلَه (٣). (١) أبهم الماتن الحكم هنا، والمذهب: أنه لا يجوز له أن يتحرى أيهما تجوز به الطهارة وأيهما لا تجوز به. (٢) في العبارة خلل؛ لأن ما لا تجوز به الطهارة يشمل الطاهرَ والنجسَ، والمراد هنا: الثاني فقط، ومثله في الحكم الماء المغصوب ونحوه، فيحرم التحري ويتيمم، أما لو اشتبه ما تجوز به الطهارة - وهو الطهور - بالطاهر، فإنه لا يتحرى، بل يتوضأ منهما وضوءاً واحداً بنية واحدة من هذا غَرفة ومن هذا غَرفة، فيتمضمض من أحدهما ثم من الآخر، وهكذا، ولا يتوضأ من كل واحد وضوءاً مستقلاً، وإلا لم تكن النية جازمة في كليهما. (مخالفة الماتن) (تتمة) الخلل في العبارة: أن يُعبّر الماتن عن مسألة بعبارة فيها قصور، ولا تفيد كل صور المسألة، وهذا قليل في الدليل، ولله الحمد. وقد ذكر صاحب (قصد السبيل) بعض العبارات المنتقدة على الدليل، بعضها مسَلَّم وبعضها غير مسلّم. (٣) فإن علم شخص بنجاسة شيء - ماء كان أو غيره -، وجب عليه أن يُعلِم من أراد استعماله مطلقاً، أي: سواء لوضوء أو شُرب أو غير ذلك؛ للحديث: «الدِّين النصيحة» رواه مسلم. (تنبيه) ظاهر كلام المؤلف يلزم الإعلام ولو كانت النجاسة يعفى عنها في الصلاة، وهو ظاهر المنتهى والتنقيح، وذهب =

стр. 32

باب الآنية (١) يباح اتخاذُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ واستعمالُه (٢) ولو ثميناً (٣) إلا آنيةَ الذهبِ والفضةِ والممَوَّهَ بهما (٤). وتصح الطهارة بهما، وبالإناء = صاحب الإقناع - وتابعه في الغاية - إلى أنه لا يلزمه إعلامه إلا إذا كانت النجاسة يشترط إزالتها لصحة الصلاة، وتعقبه البهوتي في الكشاف: (بأنه أحد احتمالات ثلاثة أطلقها في الفروع، وضعفه في تصحيح الفروع وصوب أنه يلزمه مطلقا .. وهو ظاهر ما قطع به في المنتهى). (مخالفة الماتن) (١) الآنية لغة: جمع إناء، وهو: الوعاء. (٢) يشمل الاتخاذ أمرين: ١ - التصنيع على شكل الإناء، فيجوز تصنيع إناء من أي مادة طاهرة غير الذهب والفضة. ٢ - التحصيل بنحو شراء واتهاب. أما الاستعمال، فهو: التلبُّس بالانتفاع بالإناء. فيكون اتخاذ الملعقة مثلاً بشرائها أو صناعتها، والانتفاع بها باستعمالها للأكل. وتحريم الاستعمال عام سواء كان في الأكل والشرب أو غيرهما؛ لأنه إذا نهي عن الاستعمال في الأكل والشرب - مع شدة حاجة الإنسان إليهما - فغيرهما من باب أولى. (٣) أي: ولو كان الإناء ثميناً. (٤) التمويه: أن يُذاب الذهب أو الفضة، ويُلقى فيه الإناء من =

стр. 33

المغصوب (١). ويباح إناءٌ ضُبِّبَ بضَبَّةٍ يسيرةٍ من الفضة لغيرِ زينةٍ (٢). وآنيةُ الكفار وثيابُهُم طاهرةٌ (٣). = نحاس ونحوه، فيكتسب الإناء من لون الذهب أو الفضة فيصير في رأي العين كأنه ذهب أو فضة محض، وهذا محرَّم أيضاً. والدليل على هذه المسألة حديث حذيفة ﵁ مرفوعاً: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» متفق عليه. (١) فلو اغترف منه أو توضأ أو اغتسل فيه صحت الطهارة، لكن فعله محرَّم، والنهي عند الحنابلة يقتضي الفساد، وقد تخلّف هنا؛ لأن وجود الإناء ليس شرطًا للطهارة، بخلاف الطهارة بالماء المحرّم فإنها لا تصح. (٢) الضبَّة: حديدة عريضة يُضبب بها الباب، كما في المطلع، وتكون كالخيط، وتكون من ذهب أو فضة أو حديد يُربط بها بين طرفَي المنكسر من الإناء. وتحرم الضبة من الذهب مطلقاً، وتباح من الفضة بشرط: ١ - كونها يسيرة عُرفاً، أي: بمقدار ما عُرف أنه يسير، ٢ - وكونها لغير زينة، وقال غيره: وكونها لحاجة، والمراد بالحاجة: أن يتعلق بها غرضٌ غير الزينة. فإن توفرت الشروط أُبيحت حتى مع وجود ضبة من غير الفضة كالنحاس. (٣) ولو وليت عوراتهم بشرط ألا تُعلم نجاستها؛ لأن النبي ﷺ توضأ من مزادَة امرأة مشرِكة متفق عليه، وقوله: (الكفار): =

стр. 34

ولا ينجس شيءٌ بالشك (١) ما لم تُعلم نجاستُه (٢). وعظمُ الميتة (٣)، وقرنُها، وظُفْرُها، وحافرُها (٤)، وعَصَبُها، وجلدُها: نجسٌ (٥)، ولا يطهر بالدِّباغ (٦). = سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم. (١) أي: ما تيُقنت طهارته وشُك في نجاسته، فإنه لا يتنجس. والشك هنا مطلق التردد، فيشمل الظن. (٢) أي: ما لم تتحقق وتوجد وتشاهد نجاسته، كما قاله ابن عوض. (٣) الميتة - كما في المطلع -: ما لم تلحقه ذكاة، وهو الحيوان المأكول اللحم الذي مات حَتْف أنفه لا بذكاة. (٤) وهو ما تحت قدمها. (٥) فلو ماتت شاة مثلاً بلا ذكاة، فإن جميع ذلك منها نجس. والظفر في حكم المنفصل، إلا أنه أُلحق في مسألتين بالمتصل: هنا، وفي عدم جواز مس المصحف بظفر محدث. (٦) أي: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ حتى لو كان من حيوان مأكول أو طاهر في حياة. والدباغ: تطهير الجلد بالصابون أو غيره من المنظفات. والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عُكيم ﵁ قال: «قُرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ في أرض جُهينة: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب - أي: جلد - ولا عصب» رواه الإمام أحمد وغيره. لكن يباح دبغ جلد الميتة الطاهرة في الحياة وهو نجس حتى بعد دبغه، ويباح استعماله في يابس لا في مائع. (تتمة) الحيوانات في المذهب قسمان: ١ - طاهرة، وهي =

стр. 35

والشعرُ، والصوفُ، والريشُ (١) طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة (٢)، ولو كانت غيرَ مأكولةٍ كالهِر والفأر. ويُسنُّ تغطيةُ الآنية (٣)، وإيكاءُ الأسقِيةِ (٤). = ما أُكل لحمه، وما كان في حجم الهرة وما دونها في الخِلقة كالفأر، والآدمي، وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر. والمراد بالطهارة هنا: خارِجُها لا داخلها، فدَمُ الفأر مثلاً نجس. ٢ - نجسة، وهي ما عدا ما تقدم كالأسد والفيل وغيرهما. (١) يكون الشعر: من المعز، والصوف: من الضأن - والشاة: تشملهما -، والوَبَر: من الإبل، والريش: من الطائر. (٢) لقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل، ٨٠]، والظاهر شمول الآية لحالتي الحياة والموت، والريش مقيس على الثلاثة. (٣) ولو بأن يعرضَ عليها عوداً. (٤) أي: ربط الأسقية، والسقاء: جلد السَّخْلة، وكانوا يدبغونه ويجعلون فيه المائعات من الماء وغيره. والدليل حديث جابر مرفوعاً: «أوكِ سقاءك، واذكر اسم الله»، وفي أثر آخر: «خمِّر - أي: غطِّ - إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرِض عليه عوداً»، أي: إذا ربطت الإناء أو غطَّيته، فقُل: بسم الله. (تتمة) ويسن أيضاً إغلاق الأبواب، وإطفاء المصباح، وإطفاء الجمرِ عند الرقاد مع ذكر اسم الله في جميعها، أي: عند إغلاق الباب … والمراد بالمصباح الذي يُطفأ - كما ذكر الشيخ منصور عن ابن هُبيرة -: هو الذي يُخشى أن يتدفق زيته =

стр. 36

باب الاستنجاء وآداب التخلي الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرجَ من السبيلَين (١) بماءٍ طَهورٍ، أو حَجَرٍ (٢) طاهرٍ مباحٍ مُنْقٍ (٣). = بسبب دابة مثلاً فيحترق البيت، أما لو أُمن ذلك، فلا يكون إطفاؤه مسنوناً، وعبارته في الكشاف: (وإغلاق الباب وإطفاء المصباح) عند الرقاد إذا خيف ولهذا قال ابن هبيرة: فأما إن جعل المصباح في شيء معلق أو على شيء لا يمكن الفواسق والهوام التسلق فيه، فلا أرى بذلك بأسا قاله في الآداب). وعلى ظاهر المنتهى والغاية: تسن هذه الأمور - تغطية الآنية، وإيكاء الأسقية، وإغلاق الأبواب - مطلقاً سواء في الليل والنهار وهو ظاهر كلام الماتن هنا، وأما في الإقناع فقصر السنيّة على المساء، وهو ما بعد الزوال. (مخالفة الماتن) (١) أي: القُّبُل والدُّبر. وقوله: إزالة ما خرج … : هكذا يعرِّف الجميعُ الاستنجاءَ، لكن الواقع أن الإنسان لا يزيل الخارج من السبيلين، وإنَّما يزيل الأثر الباقي بعد الخارج. (٢) فإذا حصلت الإزالة بالماء سُمِّيت استنجاءً، وإن كانت بالحجر، فإنها تُسمَّى استجماراً. لكنه بالماء إزالة لعين الخارج من السبيلين، وبالحجر إزالة لحكمه. (٣) يشترط فيما يُستجمَر به - حجراً كان أو نحوه كالخِرق =

стр. 37

فالإنقاءُ بالحجرِ ونحوِهِ: أن يبقى أَثَرٌ لا يزيله إلا الماءُ (١)، ولا يُجزئ أقلُّ من ثلاثِ مسحاتٍ (٢) تَعُمُّ كُلُّ مسحةٍ المحلَّ (٣). والإنقاءُ بالماءِ: عَودُ خشونة المحلِّ كما كان (٤)، وظنُّه = والمناديل - شروط، منها: (الشرط الأول) كونه طاهراً، فلا يجزئ بالنجس. (الشرط الثاني) كونه مباحاً، فلا يجزئ الاستجمار بالمحرَّم؛ لأنَّه رخصة، فلا تستباح بمعصية. (الشرط الثالث) كونه منقياً، أي: يُنقي المحل لمَّا يُستجمر به. (تتمة) ومما يشترط أيضاً في المستجمَر به: (الشرط الرابع) كونه جامداً، فلا يجزئ بغيره كالطين، وأوصل صاحبُ نيل المآرب شروطَ الاستجمار إلى اثني عشر شرطا. (١) أي: يبقى أثر بعد الاستجمار لا يستطيع إزالته إلا الماء، وهذا الباقي نجس يعفى عن يسيره إذا بقي في محله، وهذا ضابط الإنقاء بالحجر ونحوه، أي الحد الذي إذا وصله الإنسان أجزأه، وجاز له أن يصلي. (٢) فيشترط في الاستجمار العدد، وهو ثلاث مسحات للقُبُل، وثلاث للدُّبر؛ لقول سلمان ﵁: «نهانا الرسول ﷺ أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم، ولو استجمر بحجر واحد له ثلاث جهات، فمسح بجميع الجهات الثلاث أجزأه، كما قال في الزاد: «ولو بحجر ذي شُعب». (٣) وجوباً. والمراد بالمحل: المسربة والصفحتان. (٤) فضابط الإنقاء بالماء: أن يعود المحل - بعد دلكه - خشناً كما =

стр. 38

كافٍ (١). وسُنُّ الاستنجاءُ بالحجر ونحوه، ثُم بالماءِ (٢)، فإن عَكَسَ كُرِه (٣)، ويُجزئُ أحدُهُما، والماءُ أفضلُ (٤). = كان قبل خروج الخارج. قال الصالحي: (والخشونة لا تأتي إلا في الكبير، وأما الصغير فليس له خشونة فيكفي عوده كما كان). (١) فلا يُشترط اليقين هنا. (تتمة) يشترط في الاستنجاء أربعة شروط: (الشرط الأول) كونه بماء، و (الشرط الثاني) كون الماء طهوراً، و (الشرط الثالث) أن يغسل المحلّ - قبلاً كان أو دُبراً - سبع غسلات، ولم يذكرها اتكالا على ما يأتي في باب النجاسات قاله ابن عوض، وذكرها المؤلفُ هنا في غاية المنتهى، و (الشرط الرابع) حصول الإنقاء. (٢) فيسنُّ الاستجمار بالحجر ونحوه كالخرق والمناديل، ثم الاستنجاء بالماء؛ لقول عائشة ﵂: «مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحيهم، وإنَّ النبي ﷺ كان يفعله» هكذا يذكره الأصحاب في كتبهم، والذي في المسند والترمذي والنسائي: (مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم)، ولأنه إن فعل ذلك خفف عن يده ملابسة وملامسة النجاسة. (٣) أي: يُكره أن يقدِّم الاستنجاء بالماء على الاستجمار بالحجر؛ لأن الحجر بعد الماء يقذر المحل. (٤) فسواء استجمر أو استنجى أجزأه، ولا يُقال إن الاستجمار =

стр. 39

ويكره استقبالُ القبلةِ، واستدبارُها في الاستنجاء (١). ويحرُمُ بروثٍ، وعظمٍ (٢)، = لا يُشرع إلا للضرورة، بل يجوز حتى مع وجود الماء. لكن من خُيِّر بين الاقتصار على الاستنجاء بالماء أو على الاستجمار، فإن الأفضل له استعمال الماء؛ لأنَّه يزيل العين والأثر. (١) والمراد: كراهة ذلك في حالة الاستنجاء أو الاستجمار في الفضاء، بخلاف قضاء الحاجة، فإنه يحرم خلالها استقبال القبلة واستدبارها بفضاء، وسيأتي إن شاء الله. وقوله: (واستدبارها): مخالف للمذهب، فلا يكره في المذهب استدبار القبلة في حال الاستنجاء أو الاستجمار بفضاء، وذلك بأن يجعلها خلفه، وإنما يكره استقبالها فقط، وهو ظاهر كلامه في الغاية حيث نص على كراهة الاستقبال فقط، قال في الإقناع وشرحه: (ويكره استقبال القبلة في فضاء باستنجاء أو استجمار) تشريفا لها، وظاهر كلامه كغيره: لا يكره استدبارها إذن). (مخالفة الماتن) (٢) فيحرم الاستجمار بالروث - وهو ما يخرج من الدواب بمنزلة الغائط - ولو كان من مأكول اللحم، وكذلك بالعظم ولو كان من حيوان مذكَّى؛ لقول النبي ﷺ : «لا تستنجوا بالروث والعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم، والنهي يقتضي الفساد. فالروث الذي يخرج من حيوانات الإنس هو زاد لبهائم الجن، وعظام الحيوانات التي نأكلها هي طعام للجن =

стр. 40

وطعامٍ ولو لبهيمةٍ (١)، فإن فَعَلَ لم يجزئه بعد ذلك إلا الماءُ (٢) كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ (٣). ويجب الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ، إلا الطاهرَ، والنَّجِسَ الذي لم يلوِّث المحلَّ (٤). = أنفسهم، ولذا لم يجز الاستجمار بالروث ولا بالعظام. (١) فيحرم الاستجمار بالطعام، ولو كان طعاماً للبهائم؛ لأنَّ تحريم الاستجمار بطعام بهائمنا أَولى من تحريم الاستجمار بطعام بهائم الجن، وهو الروث. (٢) القاعدة: أن من استجمر بما نُهي عن الاستجمار به، فإنه يتعيّن عليه بعده استعمال الماء، ولا يجوز له أن يعدل إلى الاستجمار بشيء لم يُنه عنه. ويُستثنى من ذلك: إذا استجمر بشيء غير منقٍ، فإن شاء استجمر بعده بمنقٍ أو بالماء. (٣) فيتعين استعمال الماء أيضاً إذا تعدى الخارج من السبيلين موضع العادة، فلا يجوز الاستجمار في ذلك المتعدي، ولا يجزئ فيه غير الماء، لكن يجوز الاستجمار لما كان في موضع العادة. وضابط التعدي: أن ينتشر ويخرج إلى الصفحتَين - وهذا في الدُّبر -، أو يمتد إلى الحشفة - وهذا في الذكر - امتدادا غير معتاد. أما شيخ الإسلام، فجعل التعدي في الدُّبر: أن ينتشر إلى نصف الصفحتين، وفي الذَّكر: أن ينتشر البول إلى نصف الذكر. (٤) فيجب الاستنجاء لكل خارج من السبيلين. ويستثنى من ذلك: ١ - إذا كان الخارج طاهراً كالمني والريح، ٢ - أو إذا كان =
следующие страницы →