Полный текст (2 012 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
باب الاستنجاء وآداب التخلي
الاستنجاءُ: هو إزالةُ ما خرجَ من السبيلَين (١) بماءٍ طَهورٍ، أو حَجَرٍ (٢) طاهرٍ مباحٍ مُنْقٍ (٣).
= بسبب دابة مثلاً فيحترق البيت، أما لو أُمن ذلك، فلا يكون إطفاؤه مسنوناً، وعبارته في الكشاف: (وإغلاق الباب وإطفاء المصباح) عند الرقاد إذا خيف ولهذا قال ابن هبيرة: فأما إن جعل المصباح في شيء معلق أو على شيء لا يمكن الفواسق والهوام التسلق فيه، فلا أرى بذلك بأسا قاله في الآداب).
وعلى ظاهر المنتهى والغاية: تسن هذه الأمور - تغطية الآنية، وإيكاء الأسقية، وإغلاق الأبواب - مطلقاً سواء في الليل والنهار وهو ظاهر كلام الماتن هنا، وأما في الإقناع فقصر السنيّة على المساء، وهو ما بعد الزوال. (مخالفة الماتن)
(١) أي: القُّبُل والدُّبر. وقوله: إزالة ما خرج … : هكذا يعرِّف الجميعُ الاستنجاءَ، لكن الواقع أن الإنسان لا يزيل الخارج من السبيلين، وإنَّما يزيل الأثر الباقي بعد الخارج.
(٢) فإذا حصلت الإزالة بالماء سُمِّيت استنجاءً، وإن كانت بالحجر، فإنها تُسمَّى استجماراً. لكنه بالماء إزالة لعين الخارج من السبيلين، وبالحجر إزالة لحكمه.
(٣) يشترط فيما يُستجمَر به - حجراً كان أو نحوه كالخِرق =
стр. 37
فالإنقاءُ بالحجرِ ونحوِهِ: أن يبقى أَثَرٌ لا يزيله إلا الماءُ (١)، ولا يُجزئ أقلُّ من ثلاثِ مسحاتٍ (٢) تَعُمُّ كُلُّ مسحةٍ المحلَّ (٣).
والإنقاءُ بالماءِ: عَودُ خشونة المحلِّ كما كان (٤)، وظنُّه
= والمناديل - شروط، منها: (الشرط الأول) كونه طاهراً، فلا يجزئ بالنجس. (الشرط الثاني) كونه مباحاً، فلا يجزئ الاستجمار بالمحرَّم؛ لأنَّه رخصة، فلا تستباح بمعصية. (الشرط الثالث) كونه منقياً، أي: يُنقي المحل لمَّا يُستجمر به.
(تتمة) ومما يشترط أيضاً في المستجمَر به: (الشرط الرابع) كونه جامداً، فلا يجزئ بغيره كالطين، وأوصل صاحبُ نيل المآرب شروطَ الاستجمار إلى اثني عشر شرطا.
(١) أي: يبقى أثر بعد الاستجمار لا يستطيع إزالته إلا الماء، وهذا الباقي نجس يعفى عن يسيره إذا بقي في محله، وهذا ضابط الإنقاء بالحجر ونحوه، أي الحد الذي إذا وصله الإنسان أجزأه، وجاز له أن يصلي.
(٢) فيشترط في الاستجمار العدد، وهو ثلاث مسحات للقُبُل، وثلاث للدُّبر؛ لقول سلمان ﵁: «نهانا الرسول ﷺ أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم، ولو استجمر بحجر واحد له ثلاث جهات، فمسح بجميع الجهات الثلاث أجزأه، كما قال في الزاد: «ولو بحجر ذي شُعب».
(٣) وجوباً. والمراد بالمحل: المسربة والصفحتان.
(٤) فضابط الإنقاء بالماء: أن يعود المحل - بعد دلكه - خشناً كما =
стр. 38
كافٍ (١).
وسُنُّ الاستنجاءُ بالحجر ونحوه، ثُم بالماءِ (٢)، فإن عَكَسَ كُرِه (٣)، ويُجزئُ أحدُهُما، والماءُ أفضلُ (٤).
= كان قبل خروج الخارج. قال الصالحي: (والخشونة لا تأتي إلا في الكبير، وأما الصغير فليس له خشونة فيكفي عوده كما كان).
(١) فلا يُشترط اليقين هنا.
(تتمة) يشترط في الاستنجاء أربعة شروط: (الشرط الأول) كونه بماء، و (الشرط الثاني) كون الماء طهوراً، و (الشرط الثالث) أن يغسل المحلّ - قبلاً كان أو دُبراً - سبع غسلات، ولم يذكرها اتكالا على ما يأتي في باب النجاسات قاله ابن عوض، وذكرها المؤلفُ هنا في غاية المنتهى، و (الشرط الرابع) حصول الإنقاء.
(٢) فيسنُّ الاستجمار بالحجر ونحوه كالخرق والمناديل، ثم الاستنجاء بالماء؛ لقول عائشة ﵂: «مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحيهم، وإنَّ النبي ﷺ كان يفعله» هكذا يذكره الأصحاب في كتبهم، والذي في المسند والترمذي والنسائي: (مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم)، ولأنه إن فعل ذلك خفف عن يده ملابسة وملامسة النجاسة.
(٣) أي: يُكره أن يقدِّم الاستنجاء بالماء على الاستجمار بالحجر؛ لأن الحجر بعد الماء يقذر المحل.
(٤) فسواء استجمر أو استنجى أجزأه، ولا يُقال إن الاستجمار =
стр. 39
ويكره استقبالُ القبلةِ، واستدبارُها في الاستنجاء (١).
ويحرُمُ بروثٍ، وعظمٍ (٢)،
= لا يُشرع إلا للضرورة، بل يجوز حتى مع وجود الماء. لكن من خُيِّر بين الاقتصار على الاستنجاء بالماء أو على الاستجمار، فإن الأفضل له استعمال الماء؛ لأنَّه يزيل العين والأثر.
(١) والمراد: كراهة ذلك في حالة الاستنجاء أو الاستجمار في الفضاء، بخلاف قضاء الحاجة، فإنه يحرم خلالها استقبال القبلة واستدبارها بفضاء، وسيأتي إن شاء الله.
وقوله: (واستدبارها): مخالف للمذهب، فلا يكره في المذهب استدبار القبلة في حال الاستنجاء أو الاستجمار بفضاء، وذلك بأن يجعلها خلفه، وإنما يكره استقبالها فقط، وهو ظاهر كلامه في الغاية حيث نص على كراهة الاستقبال فقط، قال في الإقناع وشرحه: (ويكره استقبال القبلة في فضاء باستنجاء أو استجمار) تشريفا لها، وظاهر كلامه كغيره: لا يكره استدبارها إذن). (مخالفة الماتن)
(٢) فيحرم الاستجمار بالروث - وهو ما يخرج من الدواب بمنزلة الغائط - ولو كان من مأكول اللحم، وكذلك بالعظم ولو كان من حيوان مذكَّى؛ لقول النبي ﷺ : «لا تستنجوا بالروث والعظام؛ فإنَّه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم، والنهي يقتضي الفساد. فالروث الذي يخرج من حيوانات الإنس هو زاد لبهائم الجن، وعظام الحيوانات التي نأكلها هي طعام للجن =
стр. 40
وطعامٍ ولو لبهيمةٍ (١)، فإن فَعَلَ لم يجزئه بعد ذلك إلا الماءُ (٢) كما لو تعدَّى الخارجُ موضعَ العادةِ (٣).
ويجب الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ، إلا الطاهرَ، والنَّجِسَ الذي لم يلوِّث المحلَّ (٤).
= أنفسهم، ولذا لم يجز الاستجمار بالروث ولا بالعظام.
(١) فيحرم الاستجمار بالطعام، ولو كان طعاماً للبهائم؛ لأنَّ تحريم الاستجمار بطعام بهائمنا أَولى من تحريم الاستجمار بطعام بهائم الجن، وهو الروث.
(٢) القاعدة: أن من استجمر بما نُهي عن الاستجمار به، فإنه يتعيّن عليه بعده استعمال الماء، ولا يجوز له أن يعدل إلى الاستجمار بشيء لم يُنه عنه. ويُستثنى من ذلك: إذا استجمر بشيء غير منقٍ، فإن شاء استجمر بعده بمنقٍ أو بالماء.
(٣) فيتعين استعمال الماء أيضاً إذا تعدى الخارج من السبيلين موضع العادة، فلا يجوز الاستجمار في ذلك المتعدي، ولا يجزئ فيه غير الماء، لكن يجوز الاستجمار لما كان في موضع العادة. وضابط التعدي: أن ينتشر ويخرج إلى الصفحتَين - وهذا في الدُّبر -، أو يمتد إلى الحشفة - وهذا في الذكر - امتدادا غير معتاد. أما شيخ الإسلام، فجعل التعدي في الدُّبر: أن ينتشر إلى نصف الصفحتين، وفي الذَّكر: أن ينتشر البول إلى نصف الذكر.
(٤) فيجب الاستنجاء لكل خارج من السبيلين. ويستثنى من ذلك: ١ - إذا كان الخارج طاهراً كالمني والريح، ٢ - أو إذا كان =
стр. 41
فصل (١)
يُسنُّ (٢) لداخل الخلاء: تقديمُ اليسرى (٣)، وقولُ: «بسم الله»، «أعوذُ بالله من الخُبْثِ والخَبائث» (٤).
= الخارج نجساً لكنه لم يلوث السبيل كالبعر الناشف والحصى، فلا يجب الاستنجاء له.
(١) الفصل في اللغة: هو الحاجز بين شيئين.
(٢) السُّنَّة هي: ما طلب الشارع فِعلَه طلباً غير جازم، ويُعرِّفها كثير من الأصوليين بأنَّها: ما يُثاب على فعله، ولا يُعاقب على تركه. وعند الحنابلة، المندوب والسُّنة مترادفان.
(٣) أي: تقديم رجله اليسرى، والخلاء: هو المكان المعدُّ لقضاء الحاجة. وإن كان في صحراء قدَّم رجله اليسرى عند موضع جلوسه.
(٤) لحديث أنس ﵁ المشهور: كان الرسول ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» متفق عليه. وقد تابع المؤلفُ المنتهى في قول: «بسم الله أعوذ بالله .... إلخ»، أما الإقناع فقال: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». وكذلك يزيدون في المذهب عندنا: «أعوذ بالله من الخبث والخبائث الرجس النجس الشيطان الرجيم».
(تتمة) يكون قول «بسم الله» عند إرادة الدخول أي: قبله، وصرح به النجدي في هداية الراغب، وقد جاء صريحاً في =
стр. 42
وإذا خرج قدَّم اليمنى (١)، وقال: «غفرانَكَ» (٢)، «الحمد لله الذي أذهب عنِّي الأذى وعافاني» (٣).
ويُكره في حال التَّخلِّي: استقبالُ الشمسِ، والقمرِ (٤)، ومهبِّ الريح (٥)، والكلامُ (٦)،
= البخاري معلقا مجزوما به، وفي الأدب المفرد عن أنس ﵁ قال: كان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: «بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث».
(١) أي: إذا خرج المتخلي سُن له أن يقدِّم رجله اليمنى.
(٢) وقد ورد في حديث عائشة ﵂ رواه أبو داود وغيره.
(٣) وهو مروي من حديث أنس ﵁ رواه ابن ماجه.
(٤) والمراد: بلا حائل. ويقولون: كُره ذلك لما فيهما من نور الله ﷻ ، وفيه ما فيه، وقال التنوخي في الممتع: (وأما كونه لا يستقبل الشمس ولا القمر؛ فلأن في ذلك استتارًا، وهو مطلوب في نظر الشرع).
(٥) أي: بلا حائل أيضاً، فيُكره أن يتخلى في موضع يهب عليه فيه الريح؛ لئلا يرتد عليه شيء من بوله. أمَّا مع وجود حائل بينه وبين الريح، فلا يُكره.
(٦) فيُكره الكلام في الخلاء مطلقاً سواء كان واجبا كرد سلام أو مستحبا كإجابة مؤذن. فإن عطس، فإنه يحمد بقلبه، وكذلك يجيب الأذانَ بقلبه دون لسانه، ثم يقضيه إذا خرج ذكره في الإقناع وشرحه هنا، ويستثنى: إذا كان لتحذير نحو ضرير من هلكة فيجب. =
стр. 43
والبولُ في إناءٍ (١)، وشَقٍّ (٢)، ونارٍ، ورمادٍ (٣).
ولا يُكره البولُ قائماً (٤).
= في الحواشي السابغات: (وقد حمل الشيخ عبد الله المقدسي في شرحه لدليل الطالب الكراهة حال كونه على حاجته، وأما لو كان في الخلاء ولم يكن على حاجته فلا كراهة، وفيه نظر لمخالفته إطلاقهم، ثم رأيت ابنَ بلبان قد سبقه إلى ذلك في مختصر الإفادات. والله أعلم).
(تتمة): تحرم قراءة القرآن الكريم في الخلاء، وقيده في الإقناع وهو على حاجته، وهو اتجاه لصاحب الفروع، قال المرداوي في الإنصاف: (الصواب تحريمه في نفس الخلاء).
(١) والمراد: بلا حاجة، فإن وجدت حاجة لم يكره البول في الإناء.
(٢) الشق: واحد الشقوق، وهو ما شق من الأرض، فيكره البول فيه؛ لنهي النبي ﷺ أن يُبال في الجُحر. رواه الإمام أحمد وغيره، وذلك خشية أن يخرج عليه شيء من هوام وداوب الأرض فيؤذيَه.
(٣) أي: يُكره أن يبول في النار أو الرماد، وعللوا ذلك بأنه يورث السقم، أي: المرض.
(٤) فلا يُكره بشرطين: ١ - أن يأمن تلويثاً، ٢ - وأن يأمن ناظراً. واستدلوا على ذلك بحديث حذيفة ﵁: «أنَّ النبي ﷺ أتى سباطة قوم - والسباطة: مكان القاذورات - فبال قائماً» رواه الستة. =
стр. 44
ويحرمُ: استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في الصحراءِ بلا حائلٍ (١)، ويكفي إرخاءُ ذَيلِهِ (٢).
وأن يبولَ أو يتغوَّطَ بطريقٍ مسلوكٍ (٣)، وظلٍّ نافعٍ (٤)،
= (تنبيه) هذه المسألة من زوائد الإقناع، وليست في المنتهى، وفي هذا رد على من قال إنَّ الدليل اختصار للمنتهى، وإنما هو اختصار من المنتهى، وليس مختصراً له، وزاد فيه مسائل من الإقناع لم يذكرها المنتهى، وسوف أنبه على بعضها في هذه الحاشية إن شاء الله تعالى.
(١) فيحرم استقبال القبلة واستدبارها بالشرطين المذكورين، وهما: ١ - أن يكون في الصحراء، ٢ - وأن يكون بلا حائل. فإن كان في البنيان أو وُجد حائل بينه وبين القبلة، فإنه لا يحرم. ومن الأدلة الكثيرة على ذلك قوله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» متفق عليه، قالوا: ولا يعتبر القرب من الحائل، وهذا مشكل إذ الحوائل بين قاضي الحاجة والقبلة كثيرة، وهذا يفضي إلى عدم اعتبار الحائل إلا إذا حمل على حائل يراه، فالله أعلم.
(٢) أي: يكفي أن يرخي ذيل ثوبه فيجعلَه يحول بينه وبين القبلة. وكذلك يكفي انحرافه - ولو يسيراً -عن القبلة يمنة أو يسرة.
(٣) أي: يسلكه ويطرقه الناس؛ لقوله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث»، يعني: اتقوا الأشياء أو الأماكن التي تسبب اللعن لصاحبها، وذكر منها: «قارعة الطريق» رواه أبو داود وغيره.
(٤) فيحرم أن يبول أو يتغوط في الظل الذي ينتفع به الناس في =
стр. 45
وتحت شجرةٍ عليها ثمرٌ يُقصدُ (١)، وبين قُبور المسلمين (٢)، وأن يلبثَ فوقَ قدرِ حاجتِه (٣).
= فصل الصيف، ومثله - كما قال الشيخ منصور -: متشمس الناس زمن الشتاء. ويدل على التحريم قوله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث»، وذكر منها: «الظل».
(١) فيحرم أيضاً أن يبول أو يتغوط تحت شجرة عليها ثمر يُقصد، سواء كان مأكولاً أو غير مأكول. وقيد: (يقصد) ليس في المنتهى، ولا في التنقيح، بل هو من زيادات الإقناع والغاية، وقيد به البهوتي إطلاقَ المنتهى فهي المذهب. (مخالفة الماتن)
(٢) فيحرم قضاء الحاجة بين قبور المسلمين، ومن باب أَولى أن يقضيها عليها.
(٣) أي: يحرم أن يلبث في الخلاء زمناً زائداً عن حاجته، قالوا: لما فيه من كشف العورات. ويحرم في المذهب أن يكشف الإنسان عورته بلا سبب حتى لو كان في ظلمة، أو في حمام، بل يجب عليه أن يسترها.
стр. 46
باب السواك (١)
يُسن بعودٍ رَطبٍ لا يتفتَّتُ (٢).
وهو مسنون مطلقاً (٣)، إلا بعد الزوال للصائم، فيُكره،
(١) السواك والمسواك: هو اسم للعود الذي يُستاك به.
(٢) أي: لا تنفصل منه أجزاء؛ لأنَّه يؤذي الحلق. ويُكره بما يجرحه أو يضره.
(تتمة) التسوك يكون على ثلاثة أشياء: الأسنان، واللثة، واللسان. ويسن على المذهب أن يتسوك باليد اليسرى. ويسن أن يستاك عرضاً، قال في الإقناع: (من ثنايا الجانب الأيمن إلى أضراسه)، أي: من الوسط إلى الأضراس اليمنى، فيبدأ بالثنايا التي في مقدم الفم، وهي أربعة: اثنتان في الأعلى واثنتان في الأسفل، ثم الرَّباعيات كذلك، ثم الأنياب كذلك، ثم الأضراس، وهي عشرة: خمسة في الأعلى وخمسة في الأسفل. هذا في الجهة اليمنى، ومثل ذلك في الجهة اليسرى.
وبعض العلماء الحنابلة - كوالد صاحب المنتهى - يقول بعكس ذلك، أي: يبدأ من الأضراس إلى الثنايا.
(٣) أي: في كل وقت، وفي كل حال؛ للأحاديث الواردة في ذلك منها قوله ﷺ : «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» رواه الإمام أحمد وغيره.
стр. 47
ويُسنُّ له قَبلَه بعودٍ يابسٍ، ويُباح برَطبٍ (١). ولم يُصِبِ السُّنة من استاك بغير عُودٍ (٢).
ويتأكَّدُ (٣)
(١) فالتسوك للصائم له ثلاثة أحكام: (الحكم الأول) يُكره له بعد الزوال مطلقاً سواء كان بعود رطب أو يابس؛ للحديث: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» متفق عليه، ولحديث عليّ ﵁: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه البيهقي والدارقطني. (الحكم الثاني) يسن له التسوك قبل الزوال بعود يابس. (الحكم الثالث) يباح له قبل الزوال بعود رطب؛ لقول عامر بن ربيعة ﵁: «رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» أخرجه أبو داود وغيره.
هذا هو المذهب المعتمد، وذكر في الإقناع رواية أخرى، وهي سُنية التسوك للصائم مطلقاً، فقال: (وعنه: يسن التسوك للصائم مطلقاً، اختاره الشيخ وجمعٌ، وهو أظهر دليلاً).
(تنبيه) المراد بقول المتأخرين «الشيخ» في الغالب: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واصطلح عليه الحجاوي في كتابه الإقناع. أما المتوسطون، فيطلقون لفظ «الشيخ» ويريدون به: الموفق ابن قدامة ﵏ جميعا.
(٢) فمن استاك بغير العود كبإصبعه أو خرقة أو منديل، فإنه لم يصب السنة، بل هو مكروه كما في المنتهى.
(٣) أي: تزداد فضيلته وطلبه في عشرة مواضع، الخمسة الأول =
стр. 48
عند وضوءٍ (١)، وصلاةٍ (٢)، وقراءةٍ (٣)، وانتباهٍ من نوم (٤)، وتغيُّرِ
= ذُكرت في المنتهى، والخمسة الأخيرة زادها في الإقناع من كلام الزركشي. وهذا مما يؤيد أن الدليل ليس كله مختصراً من المنتهى، بل فيه زيادات من الإقناع، وقد تقدم ذكر ذلك.
(١) (الموضع الأول) عند الوضوء، وذلك عند المضمضة، قال ابن عوض في حاشية الدليل في فصل صفة الوضوء: (ويتسوك حال المضمضة مع إدارة الماء في فيه)، والدليل على استحباب السواك عند الوضوء: قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أُمَّتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» رواه البخاري تعليقا.
(٢) (الموضع الثاني) عند الصلاة؛ للحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه، وهو يعم الفرض والنفل، قال في المبدع: (وهو عام في الفرض والنفل حتى صلاة المتيمم، وفاقد الطهورين، وصلاة الجنازة، والظاهر: أنه لا يدخل فيه الطواف، وسجدة الشكر، والتلاوة).
(٣) (الموضع الثالث) عند قراءة القرآن؛ لتطييب الفم.
(٤) (الموضع الرابع) عند الانتباه من النوم سواء كان نوم ليل أو نهار. قال الشيخ التغلبي في نيل المآرب: (ظاهره ولو لم ينقض الوضوء؛ لتسميتهم له نوما)، أي: ولو كان ذلك النوم لا ينقض الوضوء. والدليل حديث حذيفة ﵁ قال: «رأيت الرسول ﷺ إذا قام من الليل يشوص - يعني: يغسل - فاه بالسواك»، متفق عليه.
стр. 49
رائحة فم (١)، وكذا عند دخول مسجدٍ (٢)، ومنزلٍ (٣)، وإطالةِ سكوتٍ (٤)، وصُفرَةِ أسنان (٥). ولا بأس بأن يتسوَّك بالعود الواحد: اثنان فصاعداً (٦).
(١) (الموضع الخامس) عند تغير رائحة الفم سواء بأكل أو غيره، هذه هي المواضع الخمسة التي ذكرها صاحب المنتهى، والخمسة المتبقية ذكرها صاحب الإقناع تبعا للزركشي.
(٢) (الموضع السادس) عند دخول المسجد.
(٣) (الموضع السابع) عند دخول المنزل؛ لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل المنزل ابتدأ بالسواك» رواه مسلم.
(٤) (الموضع الثامن) عند إطالة السكوت، قالوا: لأنها مظنة تغير رائحة الفم.
(٥) (الموضع التاسع) عند صُفرة الأسنان؛ فيستاك لإزالة ما عليها من صفرة.
(تتمة) لم يذكر المؤلف ﵀: (الموضع العاشر) عند خلو المعدة من الطعام.
(٦) فلا يضر ذلك، وهذه المسألة من الإقناع أيضاً.
(تتمة) زاد الشيخ منصور ﵀ في الكشاف: «قال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسُّنَّة».
стр. 50
فصل (١)
يُسنُّ حلقُ العانةِ (٢)، ونتفُ الإبطِ (٣)، وتقليمُ الأظافرِ (٤)، والنَّظرُ في المرآة (٥)، والتطيُّبُ بالطِّيب (٦)، والاكتحالُ كل ليلة
(١) سيتناول المصنفُ في هذا الفصل سُننَ الفطرة.
(٢) وهو الاستحداد الذي ورد في الحديث، والمراد بالعانة: الشعر الذي فوق القبُل عند الرجل والمرأة.
(تتمة) يُسن حلق العانة كل أسبوع قبل صلاة الجمعة، وله فوائد كثيرة منها النظافة وغير ذلك، ويكره تركه فوق أربعين يوماً.
(٣) فإن لم يستطع نَتْفَه فله أن يحلقه أو يجعل عليه مزيلاً، أي: مادة تزيله.
(٤) لقول النبي ﷺ : «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط» متفق عليه. ويُسن أن تفعل هذه الأمور يوم الجمعة قبل الصلاة كما في الإقناع.
(٥) فيُسن أن ينظر الإنسان إلى نفسه في المرآة، ويقول الدعاء المشهور: «اللهم كما حسَّنت خَلقي فحسِّن خُلقي، وحرِّم وجهي على النار» أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير وضعفه، وقد صح هذا الدعاء دون تقييد بالنظر إلى المرآة عن عائشة ﵂. رواه الإمام أحمد.
(٦) الطِّيب: هو ما له ريح طيبة. ويقولون: يستحب للرجل أن =
стр. 51
في كل عينٍ ثلاثاً (١)، وحفُّ الشارب (٢)، وإعفاءُ اللِّحية (٣)،
وحرُم حلقُها (٤)،
= يتطيب بما يظهر ريحه ويخفى لونه كالبخور. أمَّا المرأة، فيستحب لها أن تتطيب بما يظهر لونه ويخفى ريحه - كالورد والزعفران - عكس الرجل. وهذه إذا كانت في غير بيتها، أمَّا في بيتها فلها أن تتطيب بما شاءت.
(تتمة) نصَّ الحنابلة هنا على أنَّه يُكره للمرأة أن تقص أو تحلق شعرَها من غير عذر؛ لحديث عائشة ﵂: أنَّ الرسول ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها. رواه الترمذي والنسائي، فإن كان ثم عذر كقروح لم يكره، ويحرم حلق شعرها لمصيبة كلطم خد وشق ثوب قاله في الإقناع وشرحه.
(١) مجموعها ست: ثلاث في العين اليمنى، وثلاث في اليسرى.
(٢) الحفُّ: هو أن يأتي على الشارب كله، ويبالغ في قص كل ما على الشفة العليا. والقص: هو أخذ الشعر الزائد على أطراف الشفة العليا، فيقص الشعر الزائد فقط. وكلاهما سُنَّة في الشارب، لكن الحف أَولى على المذهب، كما ذكره الإمام أحمد.
وحف الشارب يكون كل جمعة؛ لأنه إن تأخر يصير وحشا قاله الإمام أحمد.
(٣) بأن يتركها بلا أخذ شيء منها كما في الكشاف؛ للحديث: «أوفوا اللحى» متفق عليه. واللحية: هي الشعر النابت على اللحيين، وكذلك الذقن مجمع اللحيين.
(٤) وقد حكى ابنُ حزم في كتابه: (مراتب الإجماعِ) الإجماعَ على =
стр. 52
ولا بأس بأَخْذِ ما زاد على القبضة منها (١).
= تحريمِ حلقِ اللِّحْيةِ، ولم يتعقبه شيخُ الإسلام في نقدِ مراتب الإجماع بما يُفهم إقرارَه عليه، وقد ألّف بعض من ينتسب إلى المذهب الحنبلي رسالة في نقض هذا الإجماع، مع أنَّ الحنابلة قد جزموا بتحريم حلق اللحية كما في الإقناع والغاية، فلا عبرة بمخالفة من خالف. وذكروا أيضاً أنه يحرم أن يستأجر الإنسان أحدا لحلق لحيته، كما قرره البهوتي في كتاب الإجارة.
(١) والمراد: أن يقبض لحيته، ويقص الشعر الزائد على القبضة، فيجوز عند الحنابلة. وكان ابن عمر ﵄ يفعله إذا حجَّ أو اعتمر. رواه البخاري.
(تتمة) أما ما كان بين الحلق وقص الزائد على القبضة، فالذي يفهم من كلام اللبدي في حاشيته على نيل المآرب أنه يميل للتحريم، والظاهر: أنه مكروه، وقال علي بن البهاء في شرح الوجيز: (ويكره الأخذ مما دون القبضة نص عليه؛ لأن السنة إعفاء اللحية وإنما لم نكره أخذ ما زاد على القبضة؛ لفعل ابن عمر، فإنه رواي الحديث وأعلم بمقصده، فيبقى فيما عداه على خلاف الفطرة). ونقل الشيخُ ابنُ سحمان عن الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀ كما في حواشي علماء نجد على الروض المربع - قولَه: (أخذُ الرجل من طول لحيته إذا كانت دون القبضة، الظاهر: الكراهة؛ لقول النبي ﷺ : (أعفوا اللحى) .. والسنة عدم الأخذ من طولها مطلقا، وإنما رخص بعضُ العلماء في أخذ ما زاد عن القبضة؛ لفعل ابن عمر ﵄، =
стр. 53
والختانُ واجبٌ على الذكر والأنثى (١) عند البلوغِ (٢)، وقبلَه أفضلُ (٣).
= وبعض العلماء يكره ذلك، لقول النبي ﷺ : (أعفوا اللحى)، وأما حلق ما على الخدين من الشعر فلا شك في كراهته؛ لمخالفته قول النبي ﷺ : (أعفوا اللحى)، واللحية في اللغة: اسم للشعر النابت على الخدين والذقن، ومعنى قوله: أعفوا اللحى: أي: وفروها واتركوها على حالها). انتهى.
(١) الختان: هو أخذ جلدة الحشفة، والحشفة: هي رأس الذكر. أما في الأنثى: فيكون بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تشبه عُرف الديك. والختان على المذهب واجب على الذكر والأنثى؛ لعموم الحديث: «ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» رواه أبو داود، وللحديث: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسل» متفق عليه، فإنه يدل على أنَّ كلا الجنسين كان يختتن في عهده ﷺ . أما اللجنة الدائمة عندنا في السعودية فتقول باستحبابه للنساء، وهو أيضاً رأي الشيخ ابن عثيمين. وختان النساء لا يُفعل عندنا في السعودية أصلاً وقد سمعت أن أهل الجنوب يفعلونه، وكذا في اليمن، فقد ذكر لي أحد الإخوة أنَّهم يفعلونه.
(٢) إنما يجب الختان عند البلوغ، ويشترط ألا يخاف على نفسه الهلاك أو الضرر كما في شرح المنتهى، وإلا كان مباحاً غير واجب.
(٣) فالختان زمن الصغر قبل البلوغ أفضل؛ لأنه أقرب إلى البُرء. وهو المعمول به عندنا في المجتمع الآن. ويُكره الختان في المذهب من يوم الولادة إلى يوم السابع، وكذلك يُكره في اليوم السابع، ولا يكره بعده.
стр. 54
باب الوضوء (١)
تجب فيه التسميةُ (٢)، وتسقط سهواً (٣)، وإن ذكرها في أثنائه ابتَدَأَ (٤).
(١) الوضوء لغة: النظافة، وشرعاً: استعمال ماء طهور مباح في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
(٢) المراد بالتسمية: قول «بسم الله»، فتجب في الوضوء؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، رواه الإمام أحمد وغيرُه، وهو حديث حسن. وأمَّا الأخرس فيجب عليه أن يشير بالتسمية، كما قال الشيخ منصور، والإشارة تكون برأسه أو طرفه أو أصبعه كما في شرح المنتهى.
(٣) فهي واجبة مع الذّكر، كما قال في الزاد. فتسقط التسمية سهواً - أي: نسياناً -، وكذلك جهلاً، فإن جهل حكمها سقطت.
(تتمة) تجب التسمية في خمسة مواضع، وتسقط سهواً وجهلاً، وذلك في: الوضوء، وغسل يدي القائم من نوم ليل ناقض للوضوء، والاغتسال، وغسل الميت، والتيمم.
(٤) أي: إن ذكرها في أثناء الوضوء - ومثله الاغتسال - وجب عليه أن يستأنف الوضوء، أي: يُسمِّي ثم يبتدأ مرة أخرى، وهذا ما مشى عليه صاحب المنتهى، وهو المذهب وصححه =
стр. 55
وفروضه (١) ستة:
غسلُ الوجه ومنه المضمضةُ والاستنشاقُ (٢)، وغسلُ اليدين مع المرفقين (٣)،
= المرداوي في الإنصاف، ولم يذكر المسألةَ في التنقيح، أمَّا في الإقناع فذهب إلى أنَّه يُسمِّي ويبني، أي: لا يستأنف، فلو تذكَّر التسمية عند مسح رأسه مثلا سمَّى وأكمل وضوءه، وحكاه الحجاوي في حاشية التنقيح عن أكثر الأصحاب، وذهب صاحب الغاية إلى ما في المنتهى فقال: (وإن ذكرها في الأثناء ابتدأ ولا يبني خلافا له، ويتجه: إلا مع ضيق وقت أو قلة ماء) ووافقاه، وقال نحوه النجدي، وكلامه: (والأولى ما قاله المصنف إلا مع ضيق الوقت أو قلة ماء). (مخالفة الماتن)
(١) الفرض لغة: الحز والقطع، وشرعاً: ما أُثيب فاعله، وعوقب تاركه.
(٢) (الفرض الأول) غسل الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة، ٦]. ومن الوجه: المضمضة والاستنشاق؛ لحديث عثمان ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه: «فمضمض واستنشق واستنثر» متفق عليه، والمضمضة لغة: تحريك الماء في الفم، وشرعاً: وضع الماء في الفم وإدارته، والمبالغة في المضمضة: إدارة الماء في جميع الفم. والاستنشاق: إدخال الماء في الأنف، والمبالغة في الاستنشاق: جذبه بنَفَسِه إلى أقصى الأنف.
(٣) (الفرض الثاني) غسل اليدين مع المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة، ٦]. وقوله: المرفقين: تُضبط =
стр. 56
ومسحُ الرأسِ كلِّه ومنه الأُذُنان (١)، وغسلُ الرجلين مع الكعبين (٢)، والترتيبُ (٣)، والموالاةُ (٤).
وشروطه ثمانية: انقطاعُ ما يوجبه (٥)، والنيةُ (٦)،
= بكسر الميم وفتح الفاء، ويجوز: فتح الميم وكسر الفاء.
(١) (الفرض الثالث) مسح الرأس كله، لقوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم) ومنه - أي: من الرأس - الأذنان كما في حديث أبي أمامة رواه ابن ماجه، فمسحهما فرض.
(٢) (الفرض الرابع) غسل الرجلين مع الكعبين لقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين). والكعب: هو العظم الناتئ في أسفل القدم، وفي كل قدم كعبان.
(٣) (الفرض الخامس) الترتيب بين الأعضاء المذكورة كما ذكر الله ﷻ في القرآن، فقد أدخل ممسوحا بين مغسولات فدل على فرضية الترتيب.
(٤) (الفرض السادس) الموالاة، وهي: ألا يؤخِّر غسل عضو حتى يجف الذي قبله بزمن معتدل، فإذا انقطعت الموالاة لم يصح الوضوء.
(٥) شروط الوضوء ثمانية ولو مستحبا: (الشرط الأول) انقطاع ما يوجب الوضوء، كالبول - فلا يجوز أن يتوضأ وهو يبول -، وكذلك الغائط، ودم الحيض، والنفاس.
(٦) (الشرط الثاني) النية؛ للحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيات». وقد استثنى الحنابلةُ من ذلك: ١ - غُسل الكتابية، فإذا انقطع حيضها أو نفاسها وأراد زوجها أن يطأها فإنَّها تغتسل =
стр. 57
والإسلامُ (١)، والعقلُ (٢)، والتمييزُ (٣)، والماءُ الطَّهورُ المباحُ (٤)، وإزالةُ ما يمنع وصولَهُ (٥)، والاستنجاءُ أو الاستجمارُ (٦).
= ولا تعتبر فيه النية، فيصح منها وتحل لزوجها. ٢ - والمسلمة إذا امتنعت من الاغتسال بعد الحيض أو النفاس، فإنها تُغسَّل قهراً لحق الزوج، ويُباح وطؤها حينئذٍ، لكن ليس لها أن تصلي به، وتمنع أيضا من كل ما يشترط له الغسل كما قرره ابن النجار في شرحه، وتابعه البهوتي. ٣ - والمجنونة تُغسَّل من الحيض والنفاس ويُنوى عنها. ٤ - والميت كذلك ينوي له غاسله.
(١) (الشرط الثالث) الإسلام.
(٢) (الشرط الرابع) العقل، فلا يصح وضوء المجنون.
(٣) (الشرط الخامس) التمييز، وبدايته - على المذهب - حين يستكمل الصبي أو البنت سبع سنوات.
(٤) (الشرط السادس) الماء الطهور المباح. وقوله: (الطهور): فلا يصح بطاهر ولا نجس. وقوله: (المباح): فلا يصح الوضوء بماء محرَّم أو موقوف للشرب، ولا يرفع الحدث، واستظهر البهوتي في حاشيته على المنتهى: (أن المراد إن كان عالما ذاكرا كما صرحوا به في الصلاة والحج وإلا فيصح لعدم الإثم إذن)، وتعقبه النجدي، وفي تعقبه نظر، والله أعلم.
(٥) (الشرط السابع) إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. فلو كان على جسده ما يمنع وصول الماء كلواصق أو صبغ مثلاً، فإنَّه يلزمه أن يزيل ذلك.
(٦) (الشرط الثامن) الاستنجاء أو الاستجمار. والمراد: أنه لا يصح =
стр. 58
فصل
فالنية هنا (١):
- قصدُ رفع الحدث (٢).
- أو قصدُ ما تجب له الطهارة كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحف (٣).
- أو قصدُ ما تسن له (٤) كقراءةٍ (٥)، وذِكرٍ (٦)، وأذانٍ،
= أن يتوضأ إلا بعد أن يستنجي أو يستجمر، ولو عكس لم يصح الوضوء.
(تتمة) (الشرط التاسع): دخول الوقت لمن حدثه دائم لفرضه، ذكره في الإقناع والمنتهى والغاية.
(١) تناول الماتن هنا صيغ النية للوضوء، أي: الأمور التي إذا نواها ارتفع حدثه.
(٢) (الصيغة الأولى) أن يقصد - أي: ينوي - رفع الحدث، فإذا نوى ذلك وتوضأ ارتفع حدثه.
(٣) (الصيغة الثانية) أن يقصد ما تجب له الطهارة، فينوي أنَّه يتوضأ للصلاة مثلاً ولا ينوي رفع الحدث، فإذا نوى ذلك وتوضأ ارتفع حدثه.
(٤) (الصيغة الثالثة) أن ينوي أن يتوضأ لفعل شيء تُسن له الطهارة.
(٥) أي: قراءة القرآن.
(٦) أي: ذكر الله ﷻ ؛ لأنه يستحب أن يتوضأ له.
стр. 59
ونومٍ، ورفع شكٍ (١)، وغضبٍ (٢)، وكلامٍ محرَّمٍ (٣)، وجلوسٍ بمسجد (٤)، وتدريسِ عِلمٍ، وأَكلٍ.
فمتى نوى شيئاً من ذلك ارتفع حَدَثُه.
ولا يضر سبقُ لسانه بغير ما نوى (٥)، ولا شكُّه في النية أو في فرض بعد فراغ كل عبادة (٦). وإن شك فيها في الأثناء
(١) والمراد: أنه يسنُّ لمن تيقن أنَّه على طهارة وشك في انتقاض وضوئه أن يتوضأ؛ لكي يرفع الشك.
(٢) فإذا غضب الإنسان سُن له أن يتوضأ.
(٣) فيسن الوضوء لمن تكلم بكلام محرم؛ لأنَّ الوضوء يغسل الإنسان من الخطايا.
(٤) فإذا أراد أن يجلس في مسجد سُن له أن يتوضأ.
(تتمة) بقيت صيغةٌ واحدةٌ لم يذكرها المصنف، وذكرها صاحب زاد المستقنع وغيره، وهي الصيغة الرابعة: إذا نوى تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه، والمراد: أن ينسى أنه محدث فيتوضأ ناوياً تجديد الوضوء، فيرتفع حدثه حينئذ، وإنما يُسن تجديدُ الوضوءِ إذا صلى بوضوئه الأول، أما لو توضأ ولم يصلِّ لم يسن له التجديد.
(٥) كما لو أراد أن يقول: نويت أن أصلي الظهر، فقال: نويت أن أصوم غداً، فلا يضره ذلك كما ذكر الشارح.
(٦) فإذا فرغ من عبادة كوضوء أو صلاة، ثم شكَّ هل أتى بالنية أو أحد فروض تلك العبادة، فإن ذلك لا يؤثر. ومثاله: أن يتوضأ، ثم يشك بعد الوضوء هل نوى قبل الوضوء أن يرفع =
стр. 60
استأنف (١).
= حدثه أم لم ينوِ؟ أو يشك بعد وضوئه هل مسح رأسه أم لا؟ فإنه لا يضره ذلك، ولا يلزمه شيء. وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين بيتاً في ذلك فقال:
والشك بعد الفعل لا يؤثر … وهكذا إذا الشكوك تكثر
(تتمة) مما استثناه الحنابلة أيضاً: ما ينتج عن كثرة الشكوك - وهو المسمى بالوسواس القهري -، فإذا كثر الوسواس على الإنسان فإنَّه لا يلتفت إليه، بل يتوضأ وينصرف حتى لو أتاه الشيطان وقال: إنك لم تُكمل وضوءَك، أو: وضوؤك ناقص، فإنه لا يلتفت إليه.
(١) أي: إن شك في النية في أثناء العبادة استأنف العبادة، وهو مأخوذ من مفهوم الجملة التي قبلها. والاستئناف هو الابتداء، أي: أن يعيد من جديد. ومثاله: أن يشك عند إرادة مسح رأسه هل نوى قبل أن يتوضأ أم لم ينوِ؟ فيقول الحنابلة: إنه يستأنف الوضوء. ويستثنى كما تقدم: الوهم كالوسواس - كما في الإقناع -، فلا يلتفت إليه حتى لو حصل له في أثناء الوضوء؛ لأنَّه من الشيطان.
(تتمة) قال بعضهم: الذي يُصاب بالوسواس القهري يأتي بجانبه بشخص ينظر إليه ويخبره فيقول له: يا فلان قد تمضمضت، يا فلان قد غسلت وجهك، يا فلان قد غسلت رجليك، حتى ينهي الوضوء، فيخبره مرة، مرتين، ثلاث مرات، حتى يزول عنه الوسواس القهري. والوسواس القهري =
стр. 61
فصل في صفة الوضوء (١)
وهي: أن ينويَ (٢)، ثم يسمي (٣)، ويغسل كفَّيه (٤)، ثم يتمضمض ويستنشق (٥). ثم يغسل وجهه من منابت شعرِ الرأسِ
= من الأمراض النفسية، وعلاجه سهل جداً، وقد أصيب به علماء، فإن بعضهم كان إذا خرج من منزله تُفرش له الفرش حتى يصل المسجد؛ لئلا يدوس على نجاسة، فكل هذا من الوسواس.
(١) تقدم أن مما يؤخذ على الدليل عدم ذكره لبعض الصفات المهمة كصفة الصلاة والحج، لكن ذلك ليس مطرداً، فقد ذكر هنا صفة الوضوء، وسيأتي ذكر صفة الغسل والتيمم إن شاء الله تعالى.
(٢) أي: ينوي إحدى الصيغ الأربع الماضية، فينوي رفع الحدث، أو يقصد فعلاً يجب له الوضوء كالصلاة، أو فعلاً يُسن له الوضوء كقراءة القرآن، أو ينوي تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه.
(٣) فيقول: بسم الله.
(٤) يغسلهما ثلاثاً، وهذا من السنن.
(٥) فيتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا. والمذهب أنه إن شاء فعلهما: ١ - من غرفة واحدة، وهذا الأفضل، فيأخذ كفاً واحدة من الماء فيتمضمض منها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً. ٢ - أو من ثلاث غرفات، فيأخذ غرفة فيتمضمض منها ويستنشق، ثم غرفة =
стр. 62
المعتادِ (١)، ولا يجزئ غسلُ ظاهرِ شعرِ اللحيةِ إلا أن لا يَصِفَ البشرةَ (٢).
= أخرى كذلك، ثم غرفة ثالثة كذلك. ٣ - أو من ست غرفات. فإن شاء فصل بين المضمضة والاستنشاق، وإن شاء لم يفصل وهو المستحب، قال في الإقناع وشرحه: (ولا يفصل بين المضمضة والاستنشاق) استحبابا). قال النجدي في هداية الراغب: (ولا يفصل بينهما، بل يأتي بمرات المضمضة على حِدتها، ثم بمرات الاستنشاق كذلك). قلت: وكلامهم في هذه المسألة مشكل، يحتاج لجمعٍ وتأمل.
(تتمة) تكون المضمضة والاستنشاق باليد اليُمنى، بخلاف الاستنثار، فيكون باليسرى.
(١) أي: المعتاد عند غالب الناس. أمَّا من يتأخر شعره عن وجهه ويسمى الأجلح، فلا يجب عليه أن يغسل الموضع الذي ليس فيه شعر، وكذا لا عبرة بالذي ينبت شعره في بعض جبهته ويسمى الأفرع.
(تتمة) حد الوجه في الطول: من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا.
(٢) فإذا كانت اللحية - ومثلها العنفقة، والشارب، والحاجبين - كثيفة وجب غسل ظاهرها، ويخلل باطنها. أمَّا إذا كانت يسيرة أو خفيفة تصف البشرة - أي: يظهر منها لون البشرة -، فيجب غسلها كلها، وهذا في الوضوء. أمَّا في الاغتسال فيجب =
стр. 63
ثم يغسل يَدَيه مع مِرفَقيه، ولا يضرُّ وسخٌ يسيرٌ تحت ظفره ونحوه (١).
= غسل اللحية سواء كانت كثيفة أو خفيفة.
(١) فتُستثنى الأوساخ اليسيرة تحت الظفر ونحوه - كداخل أنف - من شرط إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة الذي تقدم في شروط صحة الوضوء، وذكر في الإقناع أن شيخ الإسلام ألحق بهذا الوسخ اليسير الذي تحت الظفر كلَّ يسير مَنَعَ في أي مكان من البدن، أي: في أي مكان وُجد في البدن، قال: «كدم، وعجين، ونحوهما». فعلى هذا القول يُعفى عن كل شيء يسير يمنع وصول الماء إلى البشرة؛ إلحاقاً له وقياساً على الوسخ الذي يكون تحت الظفر. وهذا الرأي فيه قوة، وفيه تيسير أيضاً.
(تتمة) مسألة: العفو عن الوسخ اليسير تحت الظفر ونحوه في الوضوء والغسل:
صرحوا بالعفو عنه في الوضوء، واختلف الحنابلة المتأخرون في العفو عنه في الغسل على قولين:
القول الأول: عدم العفو عن هذا الوسخ في الغسل، وقال به الشيخ النجدي ﵀ نقلًا عن مشايخه النجديين.
جاء في حاشية ابن عوض على هداية الراغب، قول الشيخ عثمان -يعني: في هداية الراغب -: (ويعفى في الوضوء عن يسير وسخ تحت ظفر): قيد بالوضوء ليفهم أنه لا يعفى عنه في غير الوضوء؛ لعدم تكرر غير الوضوء كالغسل، فإنه لم =
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يرتفع الحدث معه؛ لأن العادة لم تجر به. كما نقله الشارح عن مشايخه النجديين). قلت: وهو الأحوط، فيتعاهد المغتسل ما تحت أظفاره.
القول الثاني: يلحق الغسل بالوضوء فيعفى عنه، وقال به اللبدي في حاشيته على نيل المآرب.
قال ﵀: قوله: "ولا يضر وسخ يسير … إلخ": كثيرا ما سمعنا من إخواننا الطلبة، بل ومن المشايخ، أن ذلك لا يعفى عنه في الغسل من الحدث الأكبر، بل في الوضوء فقط. ولعلهم أخذوه من اشتراط غسل باطن الشعر ولو كثيفا، في الغسل دون الوضوء، وإلا فلم أره صريحا في كلامهم. ويتجه عندي أنه يعفى عنه في الغسل أيضا، لوجود مشقة التحرز عنه، بخلاف غسل باطن الشعر، فلا مشقة فيه. ولو كان لا يعفى عنه لصرحوا به في باب الغسل. وإنما لم يصرحوا بالعفو عنه هناك اعتمادا على ما ذكروه هنا، إذ لا فرق بين الطهارتين في ذلك. هذا ما ظهر لي. والله أعلم. انتهى كلام اللبدي ﵀.
وأنا أميل لكلام اللبدي إذ إن الغسل من الجنابة فيه مشقة أيضا وتكراره قريب من الوضوء.
قال الشيخ منصور في شرح المنتهى في تعليل عدم وجوب نقض شعر المرأة في غسل الجنابة: (وعفي عنه في غسل الجنابة، لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض، ونفاس =
стр. 65
ثم يمسح جميعَ ظاهرِ رأسِه من حَدِّ الوجه إلى ما يسمى قفاً (١)،
= مثله)، وأيضا: هم يقولون بجواز ترك الأظفار إلى أربعين يوما، وهذه المدة لا تخلو الأظفار من وسخ يبقى فيها في الغالب. والله أعلم. (خلاف المتأخرين)
(١) فيمسح جميع ظاهر الرأس من حد الوجه - أي: من منابت الشعر - إلى ما يسمَّى قفاً، وهو مؤخر العنق. قال في الإقناع: (والمسنون في مسحه أن يبدأ بيديه مبلولتين من مقدم رأسه، فيضع طرف إحدى سبابتيه على طرف الأخرى ويضع الإبهامين على الصدغين، ثم يمرها إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، ولو خاف أن ينتشر شعره بماء واحد، ولو وضع يده مبلولة على رأسه ولم يمرها عليه، أو وضع عليه خرقة مبلولة أو بلها وهي عليه ولم يمسح: لم يجزئه، ويجزئ غسله مع الكراهة بدلا عن مسحه إن أمر يده).
(تتمة) من كان له شعر طويل لم يجب عليه أن يمسح إلا شعره الذي على رأسه، أمَّا ما نزل عن حد الرأس فلا يجب مسحه.
ولو كان الشعر النازل معقوصاً - أي: مربوطاً - على الرأس فهل يجزئ أن يُمسح جزء من الرأس، ثم يُمسح الجزء المربوط؟ لا يجزئ ذلك على المذهب، قال في الإقناع: (ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده وإن نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه: أجزأه)، أما الشيخ ابن عثيمين ﵀ فاختار إجزاء مسح =
стр. 66
والبياض فوق الأذنين منه (١)، ويدخل سبابتيه في صِمَاخَي أُذُنَيه (٢)، ويمسح بإبهامَيه ظاهرَهُما (٣).
ثم يغسل رجليه مع كعبَيه، وهما العظمان الناتِئَان (٤).
= المعقوص، بل ذكر الموفق ﵀ كما في كشاف القناع - أن «الظاهر عن أحمد في الرجل وجوبُ الاستيعاب»، أي: يجب عليه أن يستوعب جميع الرأس بالمسح، وقال: «وإنَّ المرأة يجزئها مسح مُقدَّم رأسها فقط». قال الخلال: «والعمل في مذهب أبي عبد الله إن مسَحَت مُقدَّم رأسها أجزأها؛ لأنَّ عائشة ﵂ كانت تمسح مُقدَّم رأسها»، وهذا على غير المذهب، فالاحتياط أن تمسح المرأةُ جميعَ رأسها كالرجل.
(١) يعني: من الرأس، فالبياض الذي فوق - وكذا: الذي خلف - الأذنين يعتبر من الرأس، فيجب مسحه. هذا هو المذهب.
(٢) الصماخ هو: الخرق الباطن في الأذن.
(٣) قال في تحفة الأحوذي شرح الترمذي: (وظاهر الأذنين خارجهما مما يلي الرأس، وباطن الأذنين داخلهما مما يلي الوجه)، ويُرتِّب، فيمسح اليمنى ثم اليسرى، هذا المسنون عندنا، بخلاف ما يفعله البعض من مسحهما معاً؛ لأن الرسول ﷺ كان يعجبه التيمن، وهو تقديم اليمين على الشمال.
(٤) اللذان في أسفل القدم.
(تتمة) العضو المقطوع إن بقي منه شيء فإنه يجب غسله، وإن لم يبق منه شيء وقُطِعَ من أصله فيجب غسل الأصل. =
стр. 67
فصل
وسُننَه ثمانية عشر: استقبالُ القِبلة (١)، والسواكُ (٢)، وغسلُ الكفين ثلاثاً (٣)، والبداءةُ قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق (٤)، والمبالغةُ فيهما (٥)
= أمَّا لو قُطِع فوق الأصل؛ فإنَّه يُستحب له مسحه بالماء. فلو قُطِعَ مثلاً من نصف الساق فيستحب مسحه ولم يجب عليه الغسل، لكن لو قُطِعَ من الكعبين، وجب غسل الكعبين.
(١) وهو مستحب في كل طاعة، بل يستحب استقبالها حتى في المجالس.
(٢) والمراد: عند المضمضة، وتقدم.
(٣) لحديث عثمان ﵁ في الوضوء. أما القائم من نوم الليل؛ فإنَّه يجب عليه أن يغسل كفيه ثلاثًا بنيَّة وتسمية؛ للحديث: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يُدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» متفق عليه، وخصه الحنابلة بنوم الليل دون النهار.
(٤) البداءة بالشيء: تقديمه على غيره، وفيها عشر لغات، كما في المُطلع.
(٥) المضمضة: إدارة الماء في بعض الفم، فلا بد من إدخال الماء وإدارته في بعض الفم، ولا يكفي إدخاله ثم مجُّه. وتستحب المبالغة في المضمضة بحيث يُدار الماء في كل الفم. =
стр. 68
لغير الصائم (١)، والمبالغةُ في سائر الأعضاء مطلقاً (٢)، والزيادةُ في ماء الوجه (٣)، وتخليلُ اللحية الكثيفة (٤)، وتخليلُ الأصابع (٥)،
= والاستنشاق: جذب الماء إلى باطن الأنف، وتستحب المبالغة فيه، وذلك: بجذب الماء إلى أقصى الأنف.
(١) أمَّا الصائم فلا تستحب له المبالغة فيهما، بل تُكره؛ لقول الرسول ﷺ : «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» رواه ابن حبان وغيره.
(٢) سواء أكان صائماً أو لا، فتستحب المبالغة في كل الأعضاء، وتكون: بدلك ما ينبو عنه الماء، أي: دلك الجلد الذي يتباعد عنه الماء ولا يطمئن عليه الماء حتى يتشبع ويتشرب الماء.
(٣) وذلك لوجود مداخل ومخارج في الوجه، وكذلك الشعور. وهذه المسألة من الإقناع.
(٤) فيُخللها عند غسل الوجه أو عند مسح الرأس نصا كما في الإقناع، أما غسل ظاهر اللحية، فلا بد أن يكون عند غسل الوجه. وكيفية التخليل: أن يأخذ كفاً من الماء، فيضعه بأصابعه مشتبكة، ويعرك جميع اللحية، وله أن يضع الماء من الجانبين ثم يعرُكها.
(٥) فيسن تخليل أصابع اليدين والرجلين. والتخليل - كما في الغاية - يكون بالتشبيك. وتخليل أصابع القدمين يكون بالخنصر من باطن القدم فيبدأ بخنصر الرجل اليمنى وينتهي بخنصر الرجل اليسرى.
стр. 69
وأخذُ ماءٍ جديدٍ للأذنين (١)، وتقديمُ اليمنى على اليسرى (٢)، ومجاوزةُ محلِّ الفرض (٣)، والغَسلَةُ الثانية
(١) فيسن بعد مسح الرأس أن يأخذ ماءً جديداً للأذنين.
(٢) فيسنُّ تقديم اليمنى على اليسرى حتى عند غسل يدي قائم من نوم الليل، وكذلك بين الأذنين. ولو عكس فغسل يده اليسرى قبل اليمنى مثلاً صح؛ لأن الترتيب بينهما سُنة.
(٣) وذلك - كما قال صاحب الغاية -: (بغسل صفحة عنق مع مقدمات رأسٍ - يعني: في غسل الوجه -، وعضدين - يعني: مقدمات العضد -، وساقين - فيتجاوز الكعبين إلى الساقين -، لا مسح عنق). أما ابن عوض، فقال: (بغسل قدرٍ زائدٍ على ما فُرض غسله من أعضاء الوضوء، كالوجه، واليدين، والرجلين وغايتهما: المنكب والركبة). وهذا مخالف لما في الغاية، لكن ما في الغاية أحسن؛ لحديث نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق "، ثم قال: " هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» رواه مسلم، وهذ دليل أيضا على استحباب مجاوزة محل الفرض في الوضوء، قال الشيخ ابن قاسم في حاشيته على الروض المربع: (والغرة بياض وجوههم باتفاق أهل اللغة =
стр. 70
والثالثة (١)، واستصحابُ ذُكرِ النية إلى آخر الوضوء (٢)، والإتيانُ بها عند غسل الكفَّين (٣)، والنطقُ بها سِراً (٤)، وقولُ: «أشهدُ أن
= وغيرهم. والتحجيل بياض مواضع الوضوء من الأيدي والأرجل، سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس)، وقال بعضهم: إنَّ قوله: (فمن استطاع .. إلخ) مدرجة في الحديث. (خلاف المتأخرين)
(تنبيه) المجاوزة إنما هو في الأعضاء المغسولة فقط لا الممسوحة؛ لتعبيرهم عنه بالغسل كما في الغاية وحاشية ابن عوض، وقبلهما في المعونة.
(١) الواجب أن يغسل العضو مرة واحدة، ويُسن أن يغسل ثانياً، وثالثاً؛ لأنَّ الرسول ﷺ كان يتوضأ أحياناً مرة، وأحياناً مرتين، وأحياناً ثلاثاً.
(٢) أي: يُستحب لمن يتوضأ أن يستصحب ويستحضر نية رفع الحدث في كل الوضوء، ولا يجب، إنما يجب استصحاب حكمها - كما في الزاد -، وذلك بأن لا ينوي قطعها.
(٣) فيسن الإتيان بالنية عند غسل الكفين.
(٤) أي: يستحب أن ينطق بالنية سرّاً، فيوافق اللسانُ القلبَ، ويكره الجهر بها. فيقول: نويت أن أصلي، أو: أن أرفع الحدث، وهكذا. وقد نص على هذه المسألة في المنتهى والتنقيح والغاية. وقال في الغاية بسنية النطق بالنية سراً في كل عبادة كالصلاة، والصيام، والحج … ثم قال: «وإن كان خلاف المنصوص»، فالمنصوص عن الإمام أحمد أنَّه لا يُسن. =
стр. 71
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه» (١)، مع رفع بصره إلى السماءِ بعد فراغِهِ (٢).
وأن يتولى وُضوءَه بنفسه من غير معاونة (٣).
= أمَّا صاحب الإقناع، فقد شنَّع على المذهب في هذه المسألة، وتكلم بكلام غليظ، وقال: «والتلفظ بها وبما نواه هنا - أي: في الوضوء - وفي سائر العبادات بدعة»، وقال: «واستحبه سرّاً مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد وجمع محققين خلافه». ثم قال: «وفي الفروع والتنقيح: يسن النطق بها سرّاً، فجعلاه سُنَّة، وهو سهو». وقد تكلم أيضاً على هذه المسألة في حواشي التنقيح. (مخالفة الماتن)
(١) يقولها بعد الوضوء، وبعد الغسل، والتيمم كما في غاية المنتهى.
(٢) زاد الشيخ عثمان في هداية الراغب: (ووجهه) أي: يستحب رفع بصره ووجهه، ولم أقف عليه عند غيره.
(٣) فيستحب ألا يجعل معه شخصاً يعينه في وضوئه.
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) المسح لغة: إمرار اليد على الشيء. والخفان: واحده خف، وهو ما يُلبس على الرجل من الجلد. والأصل في المسح على الخفين أحاديثُ كثيرة منها حديث جرير ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ثم مسح على الخفين. متفق عليه.
والمسح على الخفين رخصة في الوضوء لا الغسل، والرخصة لغة: السهولة، وشرعاً: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. والمسح على الخفين - على المذهب - أفضل من الغسل، قال في الغاية: (ويتجه: وجوبه للابس معه ما يكفي لمسح فقط)، ويرفع مسحُ الخفين الحدثَ عما تحته، لكن لا يُسن لمن لم يكن لابساً لهما أن يلبس ليمسح.
(تتمة) لم يذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب إلا المسح على الخفين والجبيرة، وهذا فيه قصور كبير جداً؛ فإنَّه لم يذكر المسحَ على الجوربين، ولا العمامة، ولا خُمر النساء، بينما أكثر الكتب المختصرة ذكرت ذلك. والجورب - كما في المعونة -: (اسم لكل ما يُلبس في الرِّجل على هيئة خف من غير الجلد)، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (فقد شارك =
стр. 73
باب مسح الخفين (١)
يجوز بشروط سبعة: لُبسُهما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ (٢)، وسترُهما لمحل الفرض ولو بربطهما (٣)، وإمكانُ المشي بهما عرفاً (٤)،
= الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي أبيح له المسح فيشاركه فيه، سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا).
(٢) (الشرط الأول) لُبس الخفين بعد كمال الطهارة بالماء. أما الزاد، فلم يقيد الطهارة بالماء، لكن المذهب اشتراط ذلك، فلو تيمم ثم لبسهما لم يجز له المسح. ودليل هذا الشرط حديث المغيرة ﵁: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما. متفق عليه.
(٣) (الشرط الثاني) سترهما لمحل الفرض ولو بربطهما. ومحل الفرض هو القدم كله مع الكعبين، كما قال ابن عوض. ومعنى قوله: (ولو بربطهما): أن يكون الخف ساتراً إلا أنه يبدو بعض القدم قبل ربط الخف، فإذا رُبط صار ساتراً لجميع القدم، وإذا كان كذلك جاز المسح عليه.
(٤) (الشرط الثالث) إمكان المشي بهما عرفاً، أي: أن يستطيع لابسهما أن يواصل المشي فيهما في العرف سواء مشى بهما في الشارع أو في المسجد فقط أو في المنزل فقط، وسواء صُنعا من الجلد، أو الخشب، أو الحديد، أو الزجاج، ومن صور ما لا يمكن المشي به عرفا الأحذية ذات العجلات.
ولا يشترط أن يمكن قطع مسافة قصر بالخفين - أو الجوربين -، =
стр. 74
وثبوتُهما بنفسهما (١)، وإباحتُهما (٢)، وطهارةُ عينهما (٣)، وعدمُ
= فإن الخف من الجلد لو قطع به مسافة قصر تقطع، فكيف بالجوارب؟!
وتقدم كلام شيخ الإسلام في شرح العمدة: (فقد شارك الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي يبيح به المسح، فيشاركه فيه سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا)،؛ أي: سواء كان الجورب تقطع به البراري والصحراء أو لا تقطع به كما في عرفنا الآن، وأن الشراب يستعمل في المنازل والمسجد ونحوهما من الأماكن المفروشة لا في الشارع، فيجوز المسح عليهما، لكن بالشروط هذه التي ذكرها المؤلف.
(١) (الشرط الرابع) ثبوتهما بنفسهما. فيشترط أن يثبت الخف - والجورب أيضاً - بنفسه في محل الفرض. فإن لم يثبت بنفسه وثبت بنعل جاز، ويمسح عليه وعلى النعل، فإذا خلع النعلَ بطل. والدليل حديث المغيرة ﵁: «أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين»، أخرجه أبو داود والترمذي.
(٢) (الشرط الخامس) إباحتهما، فتشترط إباحة عين الخف والجورب، فلا يصح المسح على ما ليس بمباح كالمسروق والمغصوب، ولو لضرورة.
(٣) (الشرط السادس) طهارة عينهما، فلا يصح المسح على ما صنع من جلد نجس، أما طاهر العين المتنجس فقد قال عنه البهوتي في شرح المنتهى: (فإن كان طاهر العين وتنجس باطنه صح المسح عليه، ويستبيح به مس مصحف لا صلاة إلا بغسله. أو عند الضرورة).
стр. 75
وصفهما البشرة (١).
فيمسحُ المقيمُ والعاصي بسفره من الحدثِ بعد اللُّبس (٢)
(١) (الشرط السابع) عدم وصفهما البشرة. والمراد: ألا يصف الخف أو الجورب لون البشرة؛ لأنه يكون إذَن غير ساتر لمحل الفرض. وعدم وصف البشرة يكون إما لصفائه كالزجاج الرقيق، أو لكونه خفيفاً كالجوارب الشفافة التي يلبسها كثير من النساء، فلا يصح المسح عليها، لا سيّما أنه لا توجد مشقة في نزعها وغسل القدمين.
(تتمة) (الشرط الثامن) أن لا يكون واسعاً يُرى منه بعض محل الفرض - كما في المنتهى -؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه المخرق.
(٢) انتقل الماتن إلى بيان وقت ابتداء المسح، ومدته. أما ابتداء المسح، فيكون من الحدث، وعليه جماهير العلماء. والدليل: حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي والنسائي. فقوله في الحديث: (من غائط وبول ونوم)، قال الزركشي: "مِنْ" هنا ابتدائية فيكون المعنى: من حين التغوط ونحوه، فتبدأ مدة المسح من حين الحدث. انتهى بمعناه، أما الشيخ ابن عثيمين، فيرى أن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث.
وأما إذا توضأ ولبس خفيه ونام بعد العشاء مثلا ثم استيقظ في الفجر مثلا فمذهب الشافعية أنه يبدأ من الفجر، وأما المذهب =
следующие страницы →