Полный текст (2 012 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه» (١)، مع رفع بصره إلى السماءِ بعد فراغِهِ (٢).
وأن يتولى وُضوءَه بنفسه من غير معاونة (٣).
= أمَّا صاحب الإقناع، فقد شنَّع على المذهب في هذه المسألة، وتكلم بكلام غليظ، وقال: «والتلفظ بها وبما نواه هنا - أي: في الوضوء - وفي سائر العبادات بدعة»، وقال: «واستحبه سرّاً مع القلب كثير من المتأخرين، ومنصوص أحمد وجمع محققين خلافه». ثم قال: «وفي الفروع والتنقيح: يسن النطق بها سرّاً، فجعلاه سُنَّة، وهو سهو». وقد تكلم أيضاً على هذه المسألة في حواشي التنقيح. (مخالفة الماتن)
(١) يقولها بعد الوضوء، وبعد الغسل، والتيمم كما في غاية المنتهى.
(٢) زاد الشيخ عثمان في هداية الراغب: (ووجهه) أي: يستحب رفع بصره ووجهه، ولم أقف عليه عند غيره.
(٣) فيستحب ألا يجعل معه شخصاً يعينه في وضوئه.
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) المسح لغة: إمرار اليد على الشيء. والخفان: واحده خف، وهو ما يُلبس على الرجل من الجلد. والأصل في المسح على الخفين أحاديثُ كثيرة منها حديث جرير ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ثم مسح على الخفين. متفق عليه.
والمسح على الخفين رخصة في الوضوء لا الغسل، والرخصة لغة: السهولة، وشرعاً: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. والمسح على الخفين - على المذهب - أفضل من الغسل، قال في الغاية: (ويتجه: وجوبه للابس معه ما يكفي لمسح فقط)، ويرفع مسحُ الخفين الحدثَ عما تحته، لكن لا يُسن لمن لم يكن لابساً لهما أن يلبس ليمسح.
(تتمة) لم يذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب إلا المسح على الخفين والجبيرة، وهذا فيه قصور كبير جداً؛ فإنَّه لم يذكر المسحَ على الجوربين، ولا العمامة، ولا خُمر النساء، بينما أكثر الكتب المختصرة ذكرت ذلك. والجورب - كما في المعونة -: (اسم لكل ما يُلبس في الرِّجل على هيئة خف من غير الجلد)، قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (فقد شارك =
стр. 73
باب مسح الخفين (١)
يجوز بشروط سبعة: لُبسُهما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ (٢)، وسترُهما لمحل الفرض ولو بربطهما (٣)، وإمكانُ المشي بهما عرفاً (٤)،
= الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي أبيح له المسح فيشاركه فيه، سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا).
(٢) (الشرط الأول) لُبس الخفين بعد كمال الطهارة بالماء. أما الزاد، فلم يقيد الطهارة بالماء، لكن المذهب اشتراط ذلك، فلو تيمم ثم لبسهما لم يجز له المسح. ودليل هذا الشرط حديث المغيرة ﵁: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما. متفق عليه.
(٣) (الشرط الثاني) سترهما لمحل الفرض ولو بربطهما. ومحل الفرض هو القدم كله مع الكعبين، كما قال ابن عوض. ومعنى قوله: (ولو بربطهما): أن يكون الخف ساتراً إلا أنه يبدو بعض القدم قبل ربط الخف، فإذا رُبط صار ساتراً لجميع القدم، وإذا كان كذلك جاز المسح عليه.
(٤) (الشرط الثالث) إمكان المشي بهما عرفاً، أي: أن يستطيع لابسهما أن يواصل المشي فيهما في العرف سواء مشى بهما في الشارع أو في المسجد فقط أو في المنزل فقط، وسواء صُنعا من الجلد، أو الخشب، أو الحديد، أو الزجاج، ومن صور ما لا يمكن المشي به عرفا الأحذية ذات العجلات.
ولا يشترط أن يمكن قطع مسافة قصر بالخفين - أو الجوربين -، =
стр. 74
وثبوتُهما بنفسهما (١)، وإباحتُهما (٢)، وطهارةُ عينهما (٣)، وعدمُ
= فإن الخف من الجلد لو قطع به مسافة قصر تقطع، فكيف بالجوارب؟!
وتقدم كلام شيخ الإسلام في شرح العمدة: (فقد شارك الجوربُ الخفَّ في المعنى الذي يبيح به المسح، فيشاركه فيه سواء كان مما تقطع به المنازل والقفار أو لا)،؛ أي: سواء كان الجورب تقطع به البراري والصحراء أو لا تقطع به كما في عرفنا الآن، وأن الشراب يستعمل في المنازل والمسجد ونحوهما من الأماكن المفروشة لا في الشارع، فيجوز المسح عليهما، لكن بالشروط هذه التي ذكرها المؤلف.
(١) (الشرط الرابع) ثبوتهما بنفسهما. فيشترط أن يثبت الخف - والجورب أيضاً - بنفسه في محل الفرض. فإن لم يثبت بنفسه وثبت بنعل جاز، ويمسح عليه وعلى النعل، فإذا خلع النعلَ بطل. والدليل حديث المغيرة ﵁: «أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين»، أخرجه أبو داود والترمذي.
(٢) (الشرط الخامس) إباحتهما، فتشترط إباحة عين الخف والجورب، فلا يصح المسح على ما ليس بمباح كالمسروق والمغصوب، ولو لضرورة.
(٣) (الشرط السادس) طهارة عينهما، فلا يصح المسح على ما صنع من جلد نجس، أما طاهر العين المتنجس فقد قال عنه البهوتي في شرح المنتهى: (فإن كان طاهر العين وتنجس باطنه صح المسح عليه، ويستبيح به مس مصحف لا صلاة إلا بغسله. أو عند الضرورة).
стр. 75
وصفهما البشرة (١).
فيمسحُ المقيمُ والعاصي بسفره من الحدثِ بعد اللُّبس (٢)
(١) (الشرط السابع) عدم وصفهما البشرة. والمراد: ألا يصف الخف أو الجورب لون البشرة؛ لأنه يكون إذَن غير ساتر لمحل الفرض. وعدم وصف البشرة يكون إما لصفائه كالزجاج الرقيق، أو لكونه خفيفاً كالجوارب الشفافة التي يلبسها كثير من النساء، فلا يصح المسح عليها، لا سيّما أنه لا توجد مشقة في نزعها وغسل القدمين.
(تتمة) (الشرط الثامن) أن لا يكون واسعاً يُرى منه بعض محل الفرض - كما في المنتهى -؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه المخرق.
(٢) انتقل الماتن إلى بيان وقت ابتداء المسح، ومدته. أما ابتداء المسح، فيكون من الحدث، وعليه جماهير العلماء. والدليل: حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي والنسائي. فقوله في الحديث: (من غائط وبول ونوم)، قال الزركشي: "مِنْ" هنا ابتدائية فيكون المعنى: من حين التغوط ونحوه، فتبدأ مدة المسح من حين الحدث. انتهى بمعناه، أما الشيخ ابن عثيمين، فيرى أن المدة تبدأ من أول مسح بعد الحدث.
وأما إذا توضأ ولبس خفيه ونام بعد العشاء مثلا ثم استيقظ في الفجر مثلا فمذهب الشافعية أنه يبدأ من الفجر، وأما المذهب =
стр. 76
يوماً وليلة، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ (١).
فلو مسح في السفر ثم أقام (٢)، أو في الحضرِ ثم سافر، أو شكَّ في ابتداء المسحِ، لم يزد على مسحِ المقيمِ (٣).
= فلم أر من نص عليه، وقياس المذهب: أنه يبدأ من حين النوم وهو أوله، والله أعلم.
(١) فمدة المسح للمقيم والعاصي بسفره يوم وليلة - أي: أربع وعشرون ساعة -، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. والمراد بالعاصي بسفره: من أنشأ السفر لفعل معصية، كأن ينشئ السفر ليزني أو يسرق أو يقتل.
(٢) فلو مسح في السفر ثم أقام قبل أن يمضي يوم وليلة فإنه يكمل مدة مسح المقيم. ولو مسح في السفر يومين مثلاً ثم دخل بلده - فصار مقيماً -، فقد انتهت مدة المسح.
(تتمة) إذا أتى المصنف بالفاء بين مسألتين، فذلك دليل على أن الأولى كالأصل، والثانية مفرَّعة عنها.
(٣) فلو مسح وهو مقيم ثم سافر، أو شك هل ابتدأ مسحَه في السفر أو في الحضر، فإنه لا يزيد على مسح المقيم؛ تغليبا للحضَر.
(تتمة) هناك مسألة مستثناة، وهي: من توضأ ولبس الخفين، ثم أحدث وهو في البلد، ثم سافر قبل أن يمسح، فمسح في السفر فإنه يتم مسحَ مسافر، لكن مدة المسح تبدأ من وقت الحدث، فلو أحدث الساعة العاشرة، ثم سافر قبل المسح، فإن مدة المسح تمتد إلى الساعة العاشرة من اليوم الثالث، قال ابن عوض في حاشيته على هداية الراغب: (لأن المسح لم =
стр. 77
ويجب مسحُ أكثرِ أعلى الخف، ولا يجزئ مسحُ أسفله وعَقِبِه (١)، ولا يُسن.
ومتى حصل ما يوجب الغسل، أو ظهر بعض محل الفرض، أو انقضت المدةُ، بطل الوضوءُ (٢).
= يوجد إلا في السفر فتعلق الحكم به، ولا عبرة بوجود الحدث في الحضر إلا من حيث ابتداء مدة المسح).
(١) فيجب مسح أكثر أعلى الخف؛ لحديث المغيرة، ولحديث علي ﵄ حيث قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبو داود
والسُّنة في ذلك أن يضع يديه مفرجتي الأصابع على أول أصابع رجليه، ثم يمرهما على ظاهر قدميه إلى ساقيه مرة واحدة، ويكره تكرار المسح. وكيفما مسح أجزأه، لكن لا بد من مسح أكثر أعلى الخف، ولا يجزئ مسح أسفله وعقبه، والعقب: هو مؤخر القدم.
(٢) ذكر الماتن مبطلات المسح، وهي: ١ - حصول ما يوجب الغسل كالجماع وانتقال المني مثلاً. ٢ - وظهور بعض محل الفرض في القدم بعد الحدث، يقولون: ولو مقدار غرز الإبرة، فلا يعفى عنه، أمَّا قبل الحدث، فإنه لا ينتقض وضوؤه. ٣ - وانقضاء مدة المسح، فيبطل بذلك الوضوء.
стр. 78
فصل
وصاحبُ الجبيرة (١) إن وضَعَها على طهارة (٢)، ولم تتجاوز محلَّ الحاجة (٣)، غَسَلَ الصحيحَ ومَسَحَ عليها بالماء، وأَجزَأَ (٤)، وإلا: وَجَبَ - مع الغَسلِ - أن يَتَيَمَّمَ لها (٥).
(١) الجبيرة: هي أخشاب أو نحوها تُربط على الكسر أو نحوه. وسميت جبيرة تفاؤلاً أنَّ العظم المكسور سينجبر، والمسح على الجبيرة عزيمة، وتمسح في الطهارتين الصغرى والكبرى، وجواز المسح عليها من حين وضعها إلى حلها أو برء ما تحتها.
(٢) يشترط للمسح على الجبيرة: (الشرط الأول) أن توضع على طهارة، وقد يصعب توفر هذا الشرط؛ لأن الغالب أنَّ الإنسان إنما ينكسر وهو على غير طهارة.
(٣) (الشرط الثاني) ألا تتجاوز محل الحاجة. ومحل الحاجة: هو موضع الكسر، وما يحتاج إليه حوله؛ لأن الجبيرة في الغالب تتجاوز محل الكسر، فإذا كان الزائد مما يحتاج إليه جاز المسح.
(٤) أحوال المسح على الجبيرة: [الحالة الأولى] إذا توفر الشرطان السابقان، فإنه يغسل الصحيح من العضو - أي: الجزء الذي ليس عليه الجبيرة -، ويمسح على الجبيرة. فإن فعل، فإن ذلك يجزئه، ولا يجب عليه أن يتيمم.
(٥) [الحالة الثانية] إذا وضعها على غير طهارة، فإنه يجب عليه مع
=
стр. 79
ولا مَسْحَ ما لم تُوضع على طهارةٍ، وتَتَجاوز المحلَّ: فيغسلُ ويمسحُ ويتيممُ (١).
= الغسل للصحيح أن يتيمم لها مطلقاً، أي: سواء تجاوزت قدر الحاجة أو لم تتجاوز، ولا يجوز المسح عليها؛ لأنها لم توضع على طهارة. وهذا الحكم إنما هو لمن وضعها على غير طهارة ثم خاف ضرراً بنزعها، وإلا وجب نزعها.
(تتمة) متى يتيمم للجبيرة؟ يتيمم للجبيرة إذا وصل في وضوئه موضع غسل العضو التي هي عليه لو كان سليماً، فيجب الترتيب -كما سيأتي إن شاء الله- إن كانت طهارته لحدث أضغر.
(١) [الحالة الثالثة] أن توضع على طهارة وتتجاوز محل الحاجة، فيجتمع في ذلك العضو ثلاثة أعمال: ١ - أن يغسل الصحيح من العضو، ٢ - ويمسح من الجبيرة ما كان في محل الحاجة، ٣ - ويتيمم للزائد على محل الحاجة.
وخلاصة ذلك أن الجبيرة: ١ - إن لم توضع على طهارة وتضرر بقلعها: فإن صاحبها يغسل الصحيح، ويتيمم، ولا يمسح عليها. ٢ - وإن وضعت على طهارة، فلا يخلو: أ- إن لم تتجاوز المحل: فإنه يغسل الصحيح ويمسح عليها، ب- وإن تجاوزت المحل: فإنه يغسل الصحيح، ويمسح غير الزائد، ويتيمم للزائد.
(تتمة) مسألة: في المسح على الحوائل والجروح: وإن كان على بدنه دواء أو لصوق ونحوهما من الحوائل التي يضعها =
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على بدنه للعلاج ويتضرر بقلعها فحكمها كالجبيرة، فإن وضعها على طهارة مسح عليها وإلا تيمم عنها، قال في الإقناع وشرحه: (ودواء وعصابة) شد بها رأسه أو غيرها (ولصوق على جراح أو وجع ولو قارا في شق) وتضرر بقلعه (أو تألمت أصبعه، فألقمها مرارة كجبيرة) إذا وضعها على طهارة جاز المسح عليها، لأنها في معناها، وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر: أنه خرجت بإبهامه قرحة فألقمه مرارة وكان يتوضأ عليها)، وقولهم عن الحوائل: كجبيرة يدل على أنها تمسح في الحدث الأصغر والأكبر إذا تضرر بقلعها، وقولهم: (وتضرر بقلعه): هل يدخل فيه ما لو خشي المرض بقلع ما عليه؟ كطبيب يداوي مع حائل على مواضع الوضوء وقد لبسه على طهارة، ويخشى إن خلعه أن تنتقل له العدوى من المرضى، فهل له أن يمسح على الحائل؟ قد نصوا في أكثر من موطن أنه يترخص مع الخوف من المرض كمن خشي المرض إن توضأ له، قال في الإقناع وشرحه: (ولو) كان خوفه على نفسه من البرد (حضرا) فيتيمم دفعا للضرر كالسفر وليس المراد بخوفه الضرر أن يخاف التلف، بل يكفي أن (يخاف منه نزلة أو مرضا ونحوه) كزيادة المرض، أو تطاوله، فيتيمم (بعد غسل ما يمكنه) غسله بلا ضرر والمراد أنه يغسل ما لا يتضرر بغسله ويتيمم لما سواه مراعيا للترتيب والموالاة في الحدث الأصغر كما يأتي)، ونصوا على نحوه في العذر =
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الذي يبيح ترك الجمعة والجماعة، فقد يؤخذ من هذا جواز المسح على الحائل خشية المرض، فليحرر، والله أعلم.
ومع مسح الحوائل لا يبطل وضوؤه مع خروج الوقت، بخلاف ما لو كان في بدنه جرح فيجب غسله، فإن تضرر بالغسل وجب مسحه، فإن تضرر بالمسح تيمم عنه، لكن يبطل تيممه مع خروج كل وقت، ويبطل معه وضوؤه. (فرق فقهي مهم) فالضابط: متى وجد مع طهارة الماء تيمم بطلت بخروج الوقت، وإن وجد معها مسح فلا. والله أعلم.
(تتمة) أما العمامة، فالأصل فيها حديث المغيرة ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يمسح على عمامته، كما في البخاري.
ويشترط للمسح عليها ثلاثة شروط: ١ - أن تكون مدارة تحت الحنك - أي: تحت اللحية -، أو ذات ذؤابة - وهي طرفها المرخى -؛ حتى لا تشبه عمائم أهل الكتاب. ٢ - وأن يكون اللابس لها ذكراً. ٣ - وأن تكون ساترة للرأس عادة، أي: ساترة لما يُستر في العادة، بخلاف ما يعفى عنه.
كيفية المسح على العمامة: يمسح أكثرها، ويختص المسح بدوائرها، ولا يلزمه مسح الوسط ولا يجزئه لو اقتصر عليه، كما لو مسح أسفل الخف.
أما خُمر النساء، فهي رابع الممسوحات، والمسح عليها من مفردات المذهب، فلم يقل به إلا الحنابلة.
ويشترط للمسح عليها أن تكون مدارة تحت الحلق. ويشترط =
стр. 82
باب نواقض الوضوء (١)
وهي ثمانية:
أحدها: الخارجُ من السبيلين، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً أو نجساً (٢).
= كذلك لها وللمسح على العمامة وسائر الممسوحات: أن تلبس على طهارة.
أما كيفية المسح على الخُمر، فلم أقف من نص عليها إلا ما قاله الصالحي في كتابه: بغية المتتبع لحل ألفاظ روض المربِّع.: (يمسح جميعَ أعلاها).
(١) وهي مفسدات الوضوء.
(٢) (الناقض الأول) الخارج من السبيلين. والسبيل - كما في المطلع -: الطريق، والمراد به هنا: القُبل والدبر. فكل ما خرج من السبيلين نقض الوضوء سواء كان ذلك الخارج قليلاً أو كثيراً، طاهراً أو نجساً؛ لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [النساء، ٤٣]، وقوله ﷺ : «ولكن من غائط وبول ونوم».
ويستثنى من هذا: من حدثه دائم، فإنه لا يبطل =
стр. 83
الثاني: خروجُ النجاسة من بقية البدن (١)، فإن كان بولاً أو غائطاً نقض مطلقاً (٢)، وإن كان غيرَهما كالدم والقيء نقض إن فَحُشَ في نفس كل أحدٍ بحَسَبه (٣).
الثالث: زوالُ العقل، أو تغطيتُه بإغماءٍ أو نومٍ (٤)، ما لم
= وضوؤه بخروج ذلك الدائم، فمن كان لديه سلس بول مثلاً بحيث يخرج البول منه باستمرار ولا يستطيع التحكم فيه، فإن وضوءه لا يبطل بخروج ذلك البول؛ للحرج والمشقة، لكن يبطل بخروج غيره كالريح مثلاً.
(١) (الناقض الثاني) خروج النجاسة من بقية البدن، أي: من غير السبيلين، وفيها تفصيل، كما سيأتي.
(٢) أي: سواء كان قليلاً أو كثيراً.
(٣) فإن كان الخارج النجس غير البول والغائط كالدم والقيء نقض إن فحُش - أي: قبُح، كما في المطلع - في نفس كل أحد بحسبه. أما لو كان الخارج النجس من غير السبيلين يسيراً لا يفحش في النفس، ولا يراه صاحبه كثيراً، فإنه لا ينقض الوضوء.
فمرَدُّ تقدير الفُحش هنا إلى كل إنسان بنفسه، لا بنفس غيره قال ابن عوض: (ولأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منتفيا عنه). وفي المطلع: (والمراد: ما فحُش في نفوس أوساط الناس، لا الموَسوِسِين، ولا المتبذلين كالقصابين والدباغين)، فالقصاب الذي يقص اللحم ويبيعه لا يفحش عنده من الدم إلا الشيء الكثير، فلا عبرة بتقديره.
(٤) (الناقض الثالث) زوال العقل - كالجنون قليلاً كان أو كثيراً - أو تغطيته.
стр. 84
يكن النوم يسيراً عرفاً من جالسٍ وقائمٍ (١).
(١) النوم - كما يقولون -: غشية ثقيلة تقع على القلب فتمنع معرفة الأشياء. ويدل على اعتباره ناقضاً ما جاء في حديث صفوان بن عسال: «ولكن من غائط وبول ونوم». ويستثنى من ذلك: النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم، فليس له حد في الشرع، بل ما عده العرف كثيراً نقض الوضوء، وإلا فلا.
قال في الإنصاف: (مقدار النوم اليسير: ما عد يسيرا في العرف على الصحيح)، قال ابن عوض: (أي: لا نقض مدة كون النوم يسيرا في العرف، .. فمرجع القلة والكثرة العرف؛ لأنه لا حد له في الشرع).
وذكروا أمثلة على يسير النوم وكثيره: ١ - منها: أنه إن رأى في نومه رؤيا، فإنه يكون كثيراً - نص عليه الإمام أحمد -، فينقض الوضوء وجزم به في الإقناع وقدمه في الفروع، وخالف في الغاية فقال: (فلا اعتبار بالرؤيا خلافا له) وهو القول الثاني في الفروع وقال عنه: (وهو أظهر) (مخالفة). ٢ - ومنها: أنه إن سمع - خلال غفوته - كلامَ غيره ففهمه، فليس بنائم أصلاً، وإن سمعه ولم يفهمه، فيكون نوماً يسيراً ذكره البهوتي في الكشاف عن الزركشي. ٣ - ومنها: أنه إن سقط عن هيئته كما لو كان ساجداً فسقط على جنبه، أو كان قائمًا فسقط على الأرض فإن نومه يكون كثيراً؛ لأنه يُعد في العرف كثيراً.
ودليل استثناء النوم اليسير من الجالس حديث أنس ﵁ قال: «كان أصحاب الرسول ﷺ يصلون العشاء فينامون، ثم =
стр. 85
الرابع: مسُّه بيده - لا ظُفره - فرجَ الآدميِّ المتصلَ بلا حائلٍ (١)،
= يصلون، ولا يتوضؤون» رواه مسلم. ودليل استثناء النوم اليسير من القائم حديث ابن عباس ﵄ لما صلى مع النبي ﷺ قال: «فجعلتُ إذا غفيتُ أخذ رسول الله ﷺ بشحمة أذني» رواه مسلم، والمراد: أنه كان يصلي مع النبي ﷺ قائماً، وكان يغفو، وكان الرسول ﷺ ينبهه.
(تتمة) ويستثنى مما تقدم: أن يكون النائم راكعاً أو ساجداً أو مضطجعاً أو مستنداً، فينتقض وضوؤه ولو كان النوم يسيراً كأن ينام متكئاً على جنبه أو قائماً مستنداً على جدار. وزاد أيضاً البلباني صاحب أخصر المختصرات: النائم الماشي، فإنه ينتقض وضوؤه ولو كان نومه يسيراً، وهذا - وإن كان مستغرَباً - فإنه لا يستبعد.
(١) وهذا (الناقض الرابع): ويُقَيد نقض الوضوء بمس الفرج بقيود: ١ - أن يكون المس باليد لا بالكوع أو الرجل مثلاً. ٢ - وأن يكون الفرج لآدمي، قُبلاً كان أو دبراً، فلا نقض بمس فرج حيوان. ٣ - وأن يكون الفرج متصلاً لا منفصلاً؛ لذهاب الحرمة بالقطع. ٤ - وأن يكون المس بلا حائل، وإلا لم ينقض. ٥ - وأن يكون الفرج أصلياً لا زائداً.
والدليل على هذا الناقض حديث: «من مس ذكره فليتوضأ» رواه الإمام أحمد وغيره، وفي حديث أم حبيبة: «من مس فرجه فليتوضأ» رواه ابن ماجه.
ولا ينتقض الوضوء إن مس الفرج بظُفره؛ لأن الظفر في حكم =
стр. 86
أو حَلْقَةَ دبرِهِ (١)، لا مسُّ الخصيتين، ولا مسُّ محلِّ الفرجِ البائنِ (٢).
الخامس: لمسُ بشرةِ الذكرِ الأنثى أو الأنثى الذكرَ لشهوةٍ من غيرِ حائلٍ، ولو كان الملموسُ ميتاً أو عجوزاً أو مَحْرَمَاً.
لا لمسُ من دون سبعٍ (٣)، ولا لمسُ سنٍ، وظفرٍ، وشعرٍ، ولا اللمسُ بذلك.
= المنفصل إلا في مسألتين: ١ - نجاسة أجزاء الميتة، ٢ - ومس المصحف، وتقدم.
(تتمة) مشى الماتن هنا على التفريق بين المس واللمس، تبعاً لما في المنتهى والغاية، فجعلوا المس باليد خاصة، خلافاً للمس، فإنه يكون - عندهم - بجميع البدن. أما صاحب الإقناع، فلم يفرق بينهما. ونقل الشيخ عثمان النجدي عن شيخ الإسلام أن من فرق بينهما فقد فرّق بين متماثلين. (مخالفة الماتن)
(١) أي: حلقة دبر الآدمي.
(٢) أي: المنفصل.
(٣) (الناقض الخامس) لمس بشرة الذكرِ الأنثى أو الأنثى الذكرَ بأي جزء من البدن، سواء كان باليد أو القدم أو البطن أو غير ذلك.
وإنما ينقض ذلك الوضوءَ بثلاثة شروط: ١ - أن يكون اللمس بشهوة، وعليه يحملون قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء، ٤٣]، وفي قراءة أخرى: «أو لَمَستُم النساء». وإنما =
стр. 87
ولا ينتقض وضوءُ الممسوسِ فرجُهُ، أو الملموسِ بدنُهُ، ولو وَجَدَ شهوةً (١).
السادس: غسلُ الميت (٢)
= خُص بالشهوة جمعاً بين الأخبار، فقد جاء في حديث عائشة ﵂ أنها لما بحثت عن النبي ﷺ في غرفتها وقعت يدها على قدمه ﷺ ، ولم ينتقض وضوؤه رواه مسلم. ٢ - أن يكون اللمس بلا حائل، وإلا لم ينقض الوضوء ولو كان رقيقا ينقل الحرارة. ٣ - أن يكون الملموس قد استكمل سبع سنوات، فلا ينتقض وضوء امرأة لمست صبياً لم يبلغ سبعاً، ولو كان اللمس بشهوة، ومثله لمس الرجل لمن هي دون سبع سنين.
(١) فلا ينتقض وضوء الممسوس فرجه ولو وجد شهوة، وكذا لا ينتقض وضوء الملموس بدنه ولو وجد شهوة، فيختص النقض بالماس واللامس لعدم تناول النص لهما، لكن لو تلامسا معا لشهوة انتقض وضوؤهما قال في الغاية: (ويتجه نقض كلٍّ لو تلامسا معا)، أي لشهوة، ووافقه الشارح.
(٢) (الناقض السادس) غسل الميت مطلقاً سواء كان مسلماً أو كافراً، صغيراً أو كبيراً، وغاسل الميت من يقلبه ويباشره لا من يصب الماء ونحوه كما سيذكره المؤلف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء، وينتقض وضوء غاسل الميت حتى لو كان الغسل مع حائل كأن غسّله في قميصه. =
стр. 88
أو بعضِهِ (١). والغاسل هو: من يقلِّب الميتَ ويباشرُهُ، لا من يصبُّ الماءَ (٢).
السابع: أكلُ لحمِ الإبلِ ولو نِيْئاً (٣)، فلا نقض ببقيَّةِ أجزائِها ككبدٍ، وقلبٍ، وطِحالٍ، وكِرشٍ، وشحمٍ، وكُليةٍ، ورأسٍ، ولسانٍ، وسَنامٍ، وكوارعَ، ومُصرانٍ، ومرقِ لحمٍ. ولا يحنَثُ بذلك من حَلَفَ لا يأكلُ لحماً (٤).
الثامن: الردةُ (٥).
= (تتمة) من يمم ميتاً لم ينتقض وضوؤه، كما في الإقناع والمنتهى.
(١) يعني: حتى لو شارك في غسله.
(٢) فضابط الغاسل الذي ينتقض وضوؤه هو: من يقلِّب الميت ويباشره، أي: يلمسه ولو مرة. أما من يمسك "الهوز" أو غيره ويصب الماء فقط، فلا ينتقض وضوؤه.
(٣) (الناقض السابع) أكل لحم الإبل نيئاً أو مطبوخاً، والعلة فيه تعبدية غير معقولة المعنى. ويدل على هذا الحكم أحاديث كثيرة منها حديث من سأل النبي ﷺ ، فقال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم رواه مسلم.
(٤) فمن حلف لا يأكل لحماً فأكل كبداً أو قلباً أو لساناً أو رأساً - ولو كان مع اللحم الذي فيه -، فإنه لا يحنث؛ لأنَّ هذه لا تُسمَّى لحماً.
(٥) (الناقض الثامن) الردة، وهي ما يخرج به الشخص من الإسلام نطقاً أو اعتقاداً أو شكّاً، كما قال الشيخ عثمان. ودليل كون ذلك ناقضاً للوضوء قولُه تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ =
стр. 89
وكل ما أوجب الغسلَ أوجب الوضوءَ غير الموتِ (١).
= [الزمر، ٦٥]، والوضوء من الأعمال.
(١) أي: إذا حصل للإنسان موجب من موجبات الغسل الستة - وستأتي إن شاء الله -، فإن ذلك يوجب الوضوء أيضاً إلا الموت، فالفرض هو غسل الميت فقط، أما توضِئَتُه فسُنة.
стр. 90
فصل
من تيقَّن الطهارةَ وشَكَّ في الحدث، أو تيقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطهارة، عَمِل بما تيقَّن (١).
ويحرُم على المحدِثِ: الصلاةُ (٢)، والطوافُ (٣)، ومَسُّ المصحف ببَشَرَته بلا حائل (٤).
(١) أي: من تيقن أنه على طهارة وشك أو ظن - فإن الظن يلحق بالشك هنا - أنه محدِث، أو تيقن أنه محدِث وشك أو ظن أنه متطهر، فإنه يعمل بما تيقن، وهو الطهارة في المسألة الأولى، والحدَث في الثانية، سواء كان ذلك في الصلاة أو غيرها.
(٢) سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، وذلك للحديث: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» رواه مسلم.
(٣) لقول النبي ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة» رواه الترمذي.
(٤) مطلقاً، أي: باليد أو غيرها. فسار المؤلف هنا على طريقة الإقناع في عدم التفريق بين المس واللمس، وأنه يشمل جميع أجزاء البدن، فيحرم أن يلاقي أي جزء من بدنه المصحفَ حال كونه محدِثاً. قال في الغاية: (ويتجه حتى بظفر وشعر)، مع كونهما في حكم المنفصل إلا أنه جعل مس المصحف بهما محرَّماً.
(تتمة) يجوز مس التفسير بلا وضوء في المذهب حتى لو كانت كلمات القرآن فيه أكثر ما دام يسمى تفسيراً.
стр. 91
ويزيد مَنْ عليه غُسلٌ: بقراءةِ القرآن (١)، واللبثِ في المسجد بلا وضوء (٢).
(١) فيحرم على من وجب عليه الغسل الأمور الثلاثة المتقدمة، ويزيد شيئين، أحدهما: قراءة القرآن. وهذا الإطلاق من المؤلف - ومثله في الزاد - هو إحدى الروايتين في المذهب. والمعتمد من المذهب تقييد تحريم القراءة بآية فأكثر، لكن قال المنقِّح المرداوي: ما لم تكن طويلة، كآية الدين، فلا يجوز مثلاً أن يقرأ نصفها مع كون ذلك بعض آية. (مخالفة الماتن)
واستدل الحنابلة على عدم جواز قراءة القرآن لمن عليه غسل بحديث علي ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يحجبه - وربما قال: لا يحجزه - عن القرآن شيء، ليس الجنابة»، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما، والترمذي وقال: حسن صحيح، وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي وابن السَّكَن، وصححه غيرهم أيضاً، وضعفه الألباني.
وحكى الشيخ منصور في الكشاف (١/ ٣٤٥) قولاً آخر في المذهب، وهو إباحة قراءة القرآن للحائض إذا خافت نسيانه، بل هو واجب عليها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا قول الشيخ تقي الدين ﵀.
(تتمة) يجوز الإتيان بما وافق قرآناً إذا قصد به الذِكر لا قراءة القرآن كالبسملة، والتحميد، والاسترجاع، وذِكر الركوب.
(٢) الأمر الثاني الذي يحرم على من يجب عليه الغسل: هو أن يلبث في المسجد بلا وضوء، فإن توضأ جاز له اللبث. =
стр. 92
باب ما يوجب الغسل (١)
وهو سبعة:
أحدُها: انتقالُ المنيِّ (٢)، فلو أحسَّ بانتقاله فحبَسَه، فلم
= ودليل ذلك أن رجالاً من أصحاب الرسول ﷺ كانوا يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة. رواه سعيد بن منصور، قال الشيخ عثمان: (ولو انتقض بعده)، أي: لو توضأ من عليه جنابة جاز له أن يلبث في المسجد ولو انتقض وضوؤه بعد ذلك، ولو تعذر الوضوء، واحتيج إليه جاز من غير تيمم نصا. واللبث بالتيمم أولى.
(١) الغُسل - بضم الغين -: الاغتسال، فهو نفس الفعل. والغَسل - بفتحها -: ما يُغتسل به، كالسُّحور والسَّحور. والغُسل شرعاً: استعمال ماء طَهور مباح في جميع بدنه على وجه مخصوص، والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة، ٦].
(٢) (الموجب الأول) انتقال المنيِّ، فإذا أحس الرجل بأن المني انتقل من صلبه - أي: ظهره -، أو أحست المرأة بانتقال منيها من ترائبها - أي: عظام صدرها -، وجب عليهما الاغتسال ولو لم يخرج المني. ويثبت بهذا الانتقال: البلوغُ، والفطرُ في رمضان وغيرهما.
стр. 93
يخرج، وَجَبَ الغُسل (١)، فلو اغتسل له، ثم خرج بلا لذةٍ، لم يُعِد الغُسلَ.
الثاني: خروجُه من مخرجِهِ ولو دماً (٢)، ويُشترط أن يكون بلذَّةٍ، ما لم يكن نائماً ونحوَه (٣).
الثالث: تغييبُ الحَشَفَة كلِّها أو قَدرِها، بلا حائلٍ، في فرجٍ (٤)
(١) وهذا من مفردات الحنابلة. قالوا: لأن الجنابة أصلها البُعد؛ لقوله تعالى: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء، ٣٦]، أي: البعيد. ومع الانتقال يكون قد باعد الماءُ - يعني: المني - محلَّه.
(تتمة) ألحق الحنابلة بهذا الحكم انتقالَ الحيض، فلو أحست المرأة بانتقال الدم فإنها تكون حائضاً، ولو لم يخرج. وهذا من زوائد شيخ الإسلام التي اعتُمدت في المذهب.
(٢) (الموجب الثاني) خروج المني من مخرجه، أي: من ذَكَر الرجل وفرج المرأة. أما لو خرج من غير مخرجه فلا يجب الغسل به، وحكمه كالنجاسة المعتادة.
(٣) فيشترط لوجوب الاغتسال بخروج المني أن يكون الخروج بلذة، ويستثنى من ذلك: النائم ونحوه - كالمجنون والمغمى عليه -، فلو رأى المستيقظ من النوم مثلاً في ثوبه منياً وجب عليه أن يغتسل.
(٤) (الموجب الثالث) تغييب الحشفة الأصلية كلها أو قدرها بلا حائل في فرج أصلي ولو دُبراً. فمن غيَّبها أو كان مقطوع الحشفة فغيَّب من ذَكَره قدرها في فرج بشرطه، وجب عليه أن يغتسل. والدليل قوله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جَهَدَها، فقد وجب الغسل». =
стр. 94
- ولو دُبُراً لميتٍ، أو بهيمةٍ، أو طيرٍ -، لكن لا يجب الغسلُ إلا على ابنِ عشرٍ وبنتِ تسعٍ (١).
= وقوله: (بلا حائل): فلو أولج ذكره في الفرج مع حائل لم يجب عليه أن يغتسل إلا أن ينزل؛ لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل؛ لأنه هو الملاقي للختان، وقيَّد الشيخ ابن قاسم في حاشيته الحائلَ الذي لا يجب معه الغسل بالسميك، وأوجب الغسل مع الحائل الرقيق فقال: (وإن كانت الحشفة ملفوفة بخرقة مثلا، فإن وجد لذة الجماع بأن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة وجب، وهو ظاهر قوله إذا التقى الختانان)، وأظن أن هذا التفريق هو رأي الجمهور على ما ذكره الشيخ عبد السلام برجس ﵀ في تحقيقه للفوائد المنتخبات على أخصر المختصرات لابن جامع ﵀.
ولم أقف على هذا التفريق عند أحد من الحنابلة إلا عند صاحب مطالب أولي النهى شارح الغاية في أحد المواطن، وقد تعقبه الشطي، فالظاهر أن الحائل يمنع وجوبَ الغسل مطلقاً، رقيقاً كان أو سميكاً، والله أعلم.
(١) فيشترط لوجوب الغسل بتغييب الحشفة أن يكون الذَّكر ممن يجامِع مثلُه، وهو - على المذهب -: من استكمل عشر سنوات. ويشترط أن تكون المرأة التي جومعت ممن يجامَع مثلُها، وهي: التي استكملت تسع سنوات، وسيتكرر هذا الضابط في مواطن كثيرة.
(تتمة) معنى وجوب الغسل على غير المكلف كابن عشر وبنت تسع - كما بينه الشيخ منصور في شرح المنتهى -: =
стр. 95
الرابع: إسلامُ الكافرِ ولو مرتداً (١).
الخامس: خروجُ دم الحيضِ (٢).
السادس: خروجُ دَمِ النفاسِ (٣).
السابع: الموتُ، تعبداً (٤).
= أن الغسل شرط لصحة صلاته ونحوها، لا أنه يأثم بتركه؛ لأنه غير مكلف.
(١) (الموجب الرابع) إسلام الكافر ولو مرتداً أو مميزاً؛ لأن الرسول ﷺ أمر ثمامة بن أثال - لما أسلم - أن يغتسل، وكذلك أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل. رواه أبو داود والنسائي. قال ابن عوض ﵀: (وقت لزوم الغسل للكافر إذا أراد فعل ما يتوقف على وضوء أو غسل من صلاة وطواف).
(٢) (الموجب الخامس) خروج دم الحيض، والدليل قول النبي ﷺ لفاطمة بنت حبيش ﵂: «إذا ذَهَبَت فاغتسلي وصلي» متفق عليه، ويشترط لصحة الغسل من الحيض أن ينقطع الدم، فإذا اغتسلت قبل ذلك لم يصح.
(٣) (الموجب السادس) خروج دم النفاس. ويشترط لصحة الاغتسال انقطاع دم النفاس كالحيض. أمَّا لو خرج الولد بلا دم، فإنَّه لا يجب عليها الاغتسال، ولا يفسد صومها، ولا يحرم على زوجها وطؤها لتخلف المانع وهو وجود الدم.
(٤) (الموجب السابع) الموت. وهو أمر تعبُّديٌّ، فلا نعلم علته. والدليل قول النبي ﷺ : «اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك» متفق عليه، وكذلك قوله ﷺ في المحرِم الذي مات:
=
стр. 96
فصل
وشروطُ الغسل سبعة:
انقطاعُ ما يوجبه (١)، والنيةُ (٢)، والإسلامُ (٣)، والعقلُ (٤)، والتمييزُ (٥)، والماءُ الطهورُ المباحُ (٦)، وإزالةُ ما يمنع وصولَه (٧).
= «اغسلوه بماء وسدر» متفق عليه، وهذه أوامر؛ فتقتضي الوجوب، ولا يجب الوضوء بل يسن، ويستثنى من هذا الموجب - وهو الموت -: شهيد المعركة، والمقتول ظلماً.
(١) (الشرط الأول) انقطاع ما يوجبه كانقطاع دم الحيض، والفراغ من الجِماع.
(٢) (الشرط الثاني) النية، فيشترط أن ينوي؛ للحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وستأتي صيغه.
(٣) (الشرط الثالث) الإسلام.
(٤) (الشرط الرابع) العقل.
(٥) (الشرط الخامس) التمييز، فيشترط كونه مميزاً، وهو - في المذهب -: من استكمل سبع سنوات.
(٦) (الشرط السادس) الماء الطهور المباح، فيشترط لصحة الاغتسال كون الماء طهوراً لا طاهراً ولا نجساً، وكونه مباحاً لا محرَّماً كالمغصوب والمسروق.
(٧) (الشرط السابع) إزالة ما يمنع وصوله.
стр. 97
وواجبُه: التسميةُ، وتَسقُط سهواً (١).
وفرضُه: أن يعُمَّ بالماء جميعَ بدنِهِ، وداخلَ فمِهِ وأنفِه (٢)، حتى ما يظهرُ من فرجِ المرأةِ عند القعودِ لحاجتِها (٣)، وحتى باطنَ شعرِها (٤).
ويجبُ نقضُه في الحيض والنفاس لا الجنابة (٥).
ويكفي الظَّنُّ في الإسباغ (٦).
(١) وجهلاً، كالوضوء.
(٢) وكذلك يغسل ظاهرَ شعره وباطنَه، فلو كانت لحيتُه كثيفة وجب عليه أن يغسلها.
(تتمة) لو أراد الإنسان أن يغتسل غسلاً مجزئاً، فإنه يعمم بدنه بالماء، ويتمضمض ويستنشق، ولا يشترط الترتيب في الاغتسال.
(٣) ما يظهر من المرأة عند قعودها على رجليها لقضاء حاجتها، فإنه في حكم الظاهر، فيجب غسله.
(٤) فيجب غسله سواء كان خفيفاً أو كثيراً، وكذلك الرجل.
(٥) أي: يجب على المرأة أن تنقض ضفيرة الشعر في الحيض والنفاس؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: (انقضي شعرك واغتسلي) رواه ابن ماجه، أما في الجنابة، فلا يجب عليها أن تنقض شعرها؛ لأنه يكثر فيشق، وإنما الواجب عليها أن توصل الماء إلى باطنه، ويستحب نقضه. أما إذا لم ترو أصوله فيجب نقضه. (فرق فقهي)
(٦) الإسباغ: هو تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، فلا يكفي
=
стр. 98
وسننُه: الوضوءُ قبلَه، وإزالةُ ما لوَّثَه من أذًى (١)، وإفراغُه الماءَ على رأسِهِ ثلاثاً (٢)، وعلى بقيةِ جسدِهِ ثلاثاً (٣)، والتيامُنُ (٤)، والموالاةُ (٥)،
= مسحه، أي: لا يكفي أن يبل الإنسان يده بالماء ثم يمسح جسده، بل لابُدَّ أن يجري الماء على العضو. وقوله: (يكفي الظن): فيكفي أن يظن أن الماء قد وصل إلى جميع بشرته، ولا يشترط أن يتقين ذلك؛ لأن اعتبار اليقين هنا - كما يقولون - فيه حرج ومشقة. وفي حديث عائشة ﵂ قالت: (حتى إذا ظن ﷺ أنه قد أَروى بشرته - أي: بشرة شعره - أفاض على جسده - أو على بدنه - الماء) متفق عليه، فاكتفى بالظن.
(١) أي: إزالة ما لوَّث بدنَه، سواء كان ذلك في فرجه أو في غير فرجه، منياً كان أو غيرَه.
(٢) فيأخذ ثلاث حثيات، ويفرغ على رأسه ثلاث مرات.
(٣) ولم يرد غسل البدن ثلاثاً في الأحاديث، وإنما سن ذلك قياساً على الوضوء. وكذلك يستحب غسل الميت ثلاثًا؛ لحديث غسل بنت النبي ﷺ ، قال ﷺ : «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً» متفق عليه.
(٤) فيبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.
(٥) فتسن الموالاة، ولا تجب. وهي: ألا يؤخر غسل بعض جسده حتى يجف ما غسله.
فإن فاتت الموالاة بأن توضأ ثم غسل نصف جسده الأيمن =
стр. 99
وإمرارُ اليد على الجَسَدِ (١)، وإعادةُ غسلِ رجليه بمكان آخَرَ (٢).
ومَن نوى غُسلاً مسنوناً (٣)،
= مثلاً، ثم بعد ساعة أراد أن يغسل الباقي، فإن ذلك صحيح، لكنه يجدد النية، فينوي إتمام غسله، ولا يجب عليه أن يسمي مرة أخرى على ما ذهب إليه البهوتي في حاشية المنتهى والفرق بين تجديد النية والتسمية: أن النية شرط فيعتبر استمرار حكمها إلى آخر العبادة بخلاف التسمية، وتابعه الخلوتي والنجدي والرحيباني والشطي، وخالف في الغاية فذكر اتجاها بتجديد التسمية أيضا، وخولف. (مخالفة وفرق فقهي)
(١) فهو من السنن؛ لأن به يتيقن وصول الماء إلى جميع بدنه.
(٢) أي: غير المكان الذي اغتسل فيه. فيسن أن يغسل رجليه أولاً في الوضوء، ثم يعيد غسلهما بعد ذلك. ولو توضأ ولم يغسل رجليه، وأخَّر غسلهما إلى آخر الاغتسال أجزأه ذلك، نص عليه صاحب الإقناع.
(٣) ذكر الماتن هنا صيغ النية في الاغتسال، وما الذي إذا نواه ارتفع حدثه.
(الصيغة الأولى) إذا اجتمع غسلان أحدهما مسنون كغسل الجمعة والآخر واجب كغسل الجنابة، ونوى المسنونَ أجزأه عن الواجب وارتفعَ به الحدث الأكبر بشرط أن يكون ناسياً لحدثه، كما قيده الشارح تبعاً للشيخ منصور في الكشاف تبعا للوجيز، وذلك كتجديد الوضوء، فلا يرتفع به الحدث الأصغر إلا إن كان ناسياً لحدثه، وفيه نظر؛ بل الأقيس أنه يصح غسله =
стр. 100
أو واجباً، أَجزَأَ عن الآخَرِ (١).
وإن نوى رَفعَ الحدثَين (٢)، أو الحَدَثِ وأطلقَ (٣)، أو أَمراً
= ويرتفع الحدث لو نوى غسلا مسنونا في حال كونه جنبا مثلا، كما لو نوى من عليه حدث أصغر الوضوء لما تسن له الطهارة كقراءة القرآن فيرتفع حدثه وله أن يصلي به. فليحرر. والله أعلم.
(١) (الصيغة الثانية) إذا اجتمع الغسلان، فله أيضاً أن ينوي الغسل الواجب، ويجزئه عن المسنون.
وأفضل من ذلك أن ينويهما جميعاً، فيغتسل غسلاً واحداً ينوي به رفع الجنابة وغسل الجمعة، فيحصل له ثوابهما، وهذا من التداخل في العبادة. والأكمل: أن يغتسل للجنابة غسلاً مستقلاً، ثم يغتسل للمسنون غسلاً آخر.
قال في الإقناع وشرحه: (فإن نوى غسلا واجبا أجزأ عن المسنون بطريق الأولى (وإن نواهما) أي الواجب والمسنون (حصلا) أي حصل له ثوابهما وعلم منه أن اللتين قبلهما ليس فيهما إلا ثواب ما نواه، وإن أجزأ عن الآخر لحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى» وليس معنى الإجزاء هنا سقوط الطلب: بدليل قوله: (والمستحب أن يغتسل للواجب غسلا ثم للمسنون غسلا آخر) لأنه أكمل).
(٢) (الصيغة الثالثة) أن ينوي بغسله رفع الحدثين الأكبر والأصغر، فإنهما يرتفعان.
(٣) (الصيغة الرابعة) أن ينوي بغسله رفع الحدث ويطلق، فلا يقيده بالأصغر أو الأكبر، فإن الحدثين يرتفعان.
стр. 101
لا يباحُ إلا بوضوءٍ وغُسلٍ أَجزَأَ عنهما (١).
(١) (الصيغة الخامسة) أن ينوي بغسله أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، فيجزئ عنهما ويرتفع الحدثان.
(تتمة) صفة الغسل الكامل: لم يذكر المصنف صفة الغسل، وهي: أن ينوي رفع الحدثين ويسمي ويغسل يديه ثلاثا وما يلوث بدنه طاهرا كان كالمني، أو نجسا كالمذي، ثم يغسل يده، ثم يتوضا وضوءا كاملا، ويحثي رأسه ثلاث غرفات ترويه، ثم يغسل بقية جسده ثلاثا، ويبدأ بميامنه استحبابا، ويدلكه استحبابا ويعيد غسل رجليه بمكان آخر، ويكفي الظن في الإسباغ.
والغسل المجزيءُ: أن ينوي ويسمي ويعمَّ بدنَه بالماء. ويتفقد في غسله أصول شعره، وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته، وبين أليتيه، وطي ركبتيه. (تنبيه) إذا نوى من أراد الاغتسال وغسل فرجه ودبره، كفى ذلك عن إعادة غسلهما أثناء غسله، فإن انتقض وضوؤه أثناء غسله بأن مس فرجه - مثلا - أو أخرج ريحا، فإنه يكمل غسله، لكنه لا يفعل شيئا مما يشترط له الطهارة من الحدث الأصغر إلا إذا توضأ، قال في المعونة (١/ ٣٧١): (فإن نواهما، ثم أحدث في أثناء غسله أتم غسلَه، ثم إذا أراد الصلاة توضأ).
(تتمة) (الصيغة السادسة) أن ينوي أمراً لا يباح إلا بغسل فقط كأن ينوي بغسله أن يقرأ القرآن، فيرتفع حدثه الأكبر فقط. =
стр. 102
ويسنُّ الوضوءُ بمدٍّ، وهو: رِطل وثُلثٌ بالعراقيِّ، وأُوقيتان وأربعةُ أسباع بالقدسيِّ، والاغتسالُ بصاع، وهو: خمسةُ أرطالٍ وثُلثٌ بالعراقيِّ، وعَشرُ أَواقٍ وسُبعان بالقدسيِّ (١).
= (الصيغة السابعة) أن ينوي بغسله رفع الحدث الأكبر، فيرتفع الحدث الأكبر فقط.
(١) والمراد: يسن الوضوء بزنة مد البر من الماء كما ذكره ابن النجار في المعونة، فإذا كان وزن المد من البر (٥١٠) جرام، فيسن الوضوء بماء وزنه (٥١٠) جرام من الماء، ويسن الاغتسال بصاع، المراد بقولهم أيضا: يسن الاغتسال بالصاع، أي: يسن الاغتسال بزنة صاع البر من الماء كما ذكره ابن النجار في المعونة، فإذا كان وزن الصاع من البر (٢٠٤٠) جرام، فيسن الاغتسال بماء وزنه (٢٠٤٠) جرام من الماء، وقد حررت الكلام فيه في كتابي: (الفوائد والتحريرات لما عند الحنابلة من المقادير والاصطلاحات).
لتحويل الصاع إلى جرامات، نبدأ أولاً بتحويل الرطل إلى جرامات: الرطل = ٩٠ مثقالاً، والمثقال = ٤، ٢٥ جم. إذن، الرطل = ٩٠ × ٤، ٢٥ = ٣٨٢، ٥ جم.
ثم نستخرج الصاع، وهو خمسة أرطال وثُلث: الصاع = × ٣٨٢، ٥ جم = ٢٠٤٠ جم. إذن، الصاع = ٢، ٠٤ كجم، واللتر من الماء هو عين الكيلو جرام من الماء، فالصاع لتران وأربعون ميليلتر من الماء.
والمد رُبع الصاع، إذن: المد = جم = ٥١٠ جم = ٥١٠ مل (ميليلتر). =
стр. 103
ويُكره الإسرافُ (١)، لا الإسباغُ بدون ما ذُكر (٢).
ويُباحُ الغسل في المسجد ما لم يُؤذِ به (٣)، وفي الحمَّامِ إن أَمِن الوقوعَ في المحرَّمِ (٤)، فإن خِيفَ كُره، وإن عُلِم حَرُم (٥).
= أما صاحب قصد السبيل، فيقول إن الصاع ٢، ٠٣٨ كجم، وهو قريب مما ذكرت.
(تتمة) قال الشارح هنا - وهو أيضاً في المنتهى والإقناع -: وبيان المد والصاع ينفعك هنا، وفي الفِطرة، والفدية، والكفارة بأنواعها، وغير ذلك. فلا بُدَّ أن يعرف طالب العلم مقدار المد والصاع.
(١) أي: يكره الإسراف في الماء في الوضوء والغسل، ولو كان على نهر جارٍ.
(٢) الإسباغ: تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه ولا يكون مسحاً.
(٣) أي: ما لم يؤذِ به أحداً أو يؤذِ المسجد فيتسخ مثلاً. فإن آذى به حرُم، كما في الغاية اتجاها.
(٤) والمقصود بالحمَّام - كما سبق - ما يوجد في الشام والمغرب، لا ما يُعرف عندنا بالحمام، فيباح الاغتسال فيه إن أَمِن الوقوع في المحرم، وذلك بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس، ويسلمون من النظر إلى عورته.
(٥) والمراد بقوله: (عُلِم): أي تيقن الوقوع في المحرم، فيحرم إذن.
стр. 104
فصل في الأغسال المستحبة
وهي ستة عشر: آكدُها لصلاة جمعةٍ في يومها لذَكَرٍ حَضَرَها (١)، ثم لغَسل ميِّتٍ (٢)، ثم لعِيدٍ في يومِهِ (٣)،
(١) (الغسل الأول) لصلاة جمعة في يومها لذَكَر حضرها، فيُسنُّ له الاغتسال ولو لم يجب عليه حضور الجمعة كالمسافر إذا أراد أن يحضرها. والدليل على استحباب هذا الغسل قول النبي ﷺ : «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل» متفق عليه. والأفضل أن يُجعل الغسل عند المضي إلى الجمعة، وعن جماع. وقوله: (لذكر حضرها): فلا يسن للمرأة أن تغتسل للجمعة ولو أرادت حضورها، ولا للرجل إذا لم يرد حضورها، أو لم يغتسل حتى صلاها فلا يسن له الاغتسال؛ لأنه صار سنة فات محلها، فالغسل للصلاة لا لليوم كما قاله الخلوتي.
(٢) فيَلِي غسل الجمعة في الآكدية: (الغسل الثاني) الاغتسال لغسل الميت، كبيراً كان أو صغيراً، امرأة كانت أو رجلاً، فيستحب لحديث النبي ﷺ : «من غسل ميتًا فليغتسل» رواه الترمذي وغيره.
(٣) ثم يأتي في ترتيب الآكدية: (الغسل الثالث) الاغتسال لصلاة العيد في يومَيه، أي: يوم عيد الأضحى ويوم عيد الفطر، أو يقال: في يومه؛ لأنه مفرد مضاف فيعُم. ويسن هذا الغسل =
стр. 105
ولكسوفٍ (١)، واستسقاءٍ (٢)، وجنونٍ، وإغماءٍ (٣)، ولاستحاضةٍ لكل صلاةٍ (٤)، ولإحرامٍ (٥)،
= لحاضره إن صلى، ولو أنثى بخلاف الجمعة، ويسن الاغتسال للعيد ولو صلاها منفرداً كمن فاتته صلاة العيد مثلاً فصلى وحده، وكذا لو صليت في اليوم الثاني قضاء كما قرره البهوتي في حواشي الإقناع، أما من لم يصلِّ، فلا يسن له الاغتسال، فعلى هذا تكون السنية لغسل العيد متعلقة بالصلاة لا باليوم.
(١) (الغسل الرابع) لصلاة الكسوف، فيسن عند وقوع الكسوف أن يغتسل ثم يصلي.
(٢) (الغسل الخامس) لاستسقاء، ويستحب أن يكون عند إرادة الخروج إلى الصلاة، كما في الإنصاف. قالوا: لأنهما - أي: الكسوف والاستسقاء - صلاتان يجتمع لهما الناس، فيسن الغسل لهما قياساً على الجمعة والعيدين.
(٣) (الغسل السادس والسابع) للجنون والإغماء، فيستحب لمن أفاق من أحدهما أن يغتسل؛ لأن الرسول ﷺ لما أفاق من الإغماء اغتسل. متفق عليه، ولأنه لا يُؤمَن أن يكون قد احتلم في جنونه أو إغمائه.
(٤) (الغسل الثامن) لاستحاضة لكل صلاة، والمراد: الصلاة المفروضة، كما قاله الشيخ عثمان. والدليل قول النبي ﷺ لأم حبيبة بنت جحش ﵂ لما استحاضت: «اغتسلي لكل صلاة» رواه أبو داود.
(٥) (الغسل التاسع) لإحرام، والمراد: عند إرادته كما قاله =
стр. 106
ولدخولِ مكةَ (١)، وحرمِها (٢)، ووقوفٍ بعرفةَ (٣)، وطوافِ زيارةٍ (٤)، وطوافِ وداعٍ (٥)، ومبيتٍ بمزدلفةَ (٦)، ورميِ جمارٍ (٧).
= الخلوتي، سواء كان إحراماً بحج أو عمرة أو بهما؛ لأن الرسول ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي. وهو مستحب حتى للحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس ﵂ أن تغتسل - وكانت نفساء -، فاغتسلت للإحرام.
(١) (الغسل العاشر) لدخول مكة؛ وقد فعله ابن عمر ﵄، ورفعه إلى النبي ﷺ متفق عليه.
قال ابن النجار في شرحه: (وظاهره: ولو كان بالحرم، كالذي بمنى إذا أراد دخول مكة فإنه يستحب له الغسل لدخولها)
(٢) (الغسل الحادي عشر) لدخول حرم مكة، كمن كان في الحل وأراد دخول الحرم، فيسن له أن يغتسل. وفي زماننا توجد علامات تُعرف بها حدود الحرم.
(٣) (الغسل الثاني عشر) لوقوف بعرفة، وقد رواه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄.
(٤) (الغسل الثالث عشر) لطواف الزيارة، وهو طواف الإفاضة.
(٥) (الغسل الرابع عشر) لطواف الوداع.
(٦) (الغسل الخامس عشر) لمبيت بمزدلفة.
(٧) (الغسل السادس عشر) لرمي الجمار، فيستحب أن يغتسل له في كل يوم شُرع فيه كما صرح به ابن نصر الله؛ فيغتسل يوم العيد لرمي جمرة العقبة، ثم اليوم الحادي عشر لرمي الجمار =
стр. 107
ويتيمَّمُ للكلِّ لحاجةٍ، ولما يُسنُّ له الوضوءُ: إن تعذَّرَ (١).
= الثلاث، ثم اليوم الثاني عشر كذلك، ثم الثالث عشر للمتأخر كذلك.
وتستحب هذه الأغسال المتقدمة لوجود اجتماع الناس قياساً على الجمعة والعيدين.
(تنبيه) يقتصر العلماء على هذه الأغسال الستة عشر، وبقي الغسل لإعادة الوطء فإنه غسل مسنون أيضا، ويذكرونه في باب الغسل لكن ليس من الستة عشر.
(١) وفي هذا نوع تطويل من المؤلف ﵀، وإن كان بعض الشرّاح وجَّه كلامه بأن فيه تنويعاً في العبارة، إلا أن الأَولى أن يقول: ويتيمم - استحباباً - لكل ما يسن له الغسل ولما يسن له الوضوء إن عَدِم الماء أو تعذر استعمالُه، والله أعلم.
стр. 108
باب التيمم (١)
(١) التيمم لغة: القصد، وشرعاً: استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين. والتيمم بدل طهارة الماء، فيُفعل به - في المذهب - كل ما يُفعل بطهارة الماء. ويستثنى من ذلك أربعة أمور لا يقوم التيمم مقام الماء: ١ - النجاسة على غير البدن؛ فلا يتيمم لها إذا فقد الماء، بخلاف النجاسة على البدن. ٢ - المكث في المسجد لحاجة، فإذا عدم الجنبُ الماءَ وأراد أن يلبث في المسجد، فإن له ذلك من غير أن يتيمم لكن مع التيمم أفضل. ٣ - غسل الذكر والأنثيين من خروج المذي، فلا يشرع التيمم لذلك إن فقد الماء. ٤ - غسل يدي القائم من نوم ليل، فلا يشرع التيمم لذلك أيضاً.
حكم التيمم: التيمم عزيمة، فيجوز حتى في سفر المعصية، بخلاف أكل لحم الميتة مثلاً، فلا يجوز للمضطر إن كان في سفر معصية.
(تتمة) المشهور في المذهب أن التيمم مبيح لا رافع؛ فيبيح لمن هو على غير طهارة أن يفعل ما تشترط له الطهارة، لكنه لا يرفع الحدث. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماءَ، فليمسه بشرته؛ فإن ذلك خير» رواه الترمذي =
стр. 109
يصح بشروط ثمانية: النيةُ (١)، والإسلامُ (٢)، والعقلُ (٣)، والتمييزُ (٤)، والاستنجاءُ أو الاستجمارُ (٥).
السادس: دخولُ وقتِ الصلاة، فلا يصح التيممُ لصلاةٍ قبل وقتِها (٦)، ولا لنافلةٍ وقت نهيٍ (٧).
السابع: تعذرُ استعمالِ الماءِ؛ إما لعَدَمِهِ، أو لخوفِهِ باستعمالِهِ الضَّرَرَ (٨).
= وأبو داود، قالوا: لو رفع التيممُ الحدثَ لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
(١) (الشرط الأول) النية؛ للحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
(٢) (الشرط الثاني) الإسلام؛ فلا يصح من الكافر.
(٣) (الشرط الثالث) العقل؛ فلا يصح من غير العاقل.
(٤) (الشرط الرابع) التمييز؛ فلا يصح ممن هو دون سبع سنين.
(٥) (الشرط الخامس) الاستنجاء أو الاستجمار؛ فلا يصح التيمم قبلهما كالوضوء.
(٦) (الشرط السادس) دخول وقت الصلاة؛ لحديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، ً فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره» رواه الإمام أحمد.
(٧) فلا يصح التيمم لنافلة كالضحى وقت نهي، لكن لو أراد أن يتيمم لقراءة القرآن أو مس المصحف مثلاً، فإنه يصح وقت النهي. كذلك يصح ذلك لركعتي الطواف؛ لجواز فعلهما وقت النهي في المذهب.
(٨) (الشرط السابع) تعذر استعمال الماء، وذلك لأسباب: =
стр. 110
ويجب بذلُهُ للعطشان من آدميٍّ أو بهيمةٍ محترَمَين (١).
ومن وَجَدَ ماءً لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوباً، ثم تيمَّمَ (٢).
وإن وصل المسافرُ إلى الماء وقد ضاق الوقتُ، أو عَلِمَ
= ١ - إما لعدمه، فإن لم يجد الماء جاز له التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء، ٤٣]. ٢ - أو لخوفه باستعماله الضررَ كبرد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء البارد، أو فواتَ رفقةِ سفره لو توضأ، فيجوز له التيمم. ٣ - أو لكونه محتاجاً إلى الماء للشرب أو الطبخ، فيجوز التيمم كذلك. ٤ - أو لكونه مريضاً يعجز عن الحركة كالمشلول، وليس عنده من يوضئه وعجز عن الاغتراف ولو بفمه كما في الإقناع، فإن خاف فوات الوقت لو انتظر من يوضئه جاز له أن يتيمم.
(١) أي: يجب بذل الماء للعطشان من آدمي يخشى التلف، ويكون بقيمته ولو في الذمة، أو بهيمة ولو لغيره بشرط كونهما محترمَين، كما قيده الشارح، فلا يجب بذله للآدمي غير المحترم كالزاني المحصن والمرتد والحربي، والبهيمة غير المحترمة كالكلب والخنزير.
(٢) فمن وجد ماءً لا يكفي لطهارته من حدث أكبر أو أصغر، كأن يجد من يريدُ الوضوء ماءً يكفيه لغسل وجهه ويديه ومسح رأسه دون غسل رجليه، فإنَّه يستعمله وجوباً فيما يكفي، ثم يتيمم للباقي؛ للحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.
следующие страницы →