(ومنها) جزائر السلاهي، وهي جزائر كثيرة، من دخلها من الآدميين لا يخرج منها؛ لكثرة خيرها، وفيها ذهب كثير وبزاة شهب وشواهين، ومن العجائب ما حكي أن ملوك السلاهي بها دون ملك الصين، ويزعمون أنهم إن لم يفعلوا ذلك قحطت بلادهم ولم يمطروا، حكاه ابن الفقيه في كتابه.
(ومنها) جزيرة الواق واق، تتصل بجزائر الراتج، والمسير إليها بالنجوم، قالوا: إنها ألف وسبعمائة جزيرة تملكها امرأة.
قال موسى بن المبارك السيرافي: دخلت عليها فرأيتها على سرير عريانة، وعلى رأسها تاج من ذهب، وعندها أربعة آلاف وصيفة أبكارا، قالوا: إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن بها شجرا يسمع من يمر بها صوته كأنه يقول: واق واق، وأهلها يفهمون من هذا الصوت شيئا فيتطيرون منه.
قال محمد بن زكريا: هي جزيرة كثيرة الذهب حتى إن أهلها يتخذون منه سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب، وبها شجر الأبنوس.
(ومنها) جزيرة البنان، فيها قوم عراة ألوانهم بيض ولهم جمال وحسن صورة، يأوون إلى رءوس الجبال، ويأكلون الناس، ومن وراء ذلك جزيرتان عظيمتان طولا وعرضا، فيهما قوم سود لهم خلق عادي، أجسامهم عظيمة وشعورهم مغلغلة ووجوههم طوال، وقدم أحدهم مقدار ذراع، ويأكلون الناس أيضا.
(ومنها) جزيرة أطوران، وهي جزيرة كبيرة بها الكركدن ونوع من القردة كالحمر العظام، وبها شجرة الكافور.
ذكر أن مراكب الإسكندر وقعت في هذا البحر فوصلت إلى جزيرة فيها قوم على هيئة الإنسان، رءوسهم كرءوس السباع، فلما دنوا منهم غابوا عن أبصارهم.
فصل: في الحيوانات العجيبة التي وجدت في هذا البحر
(منها) أنه إذا كثرت أمواج هذا البحر ظهرت فيه أشخاص سود، طول الواحد منهم أربعة أشبار كأنهم أولاد الحبشة، فيصعدون المراكب من غير ضرر.
стр. 107
(ومنها) ما حكى التجار أنهم يرون في هذا البحر شبه طائر من نور لا يستطيع الناظر أن ينظر إليه؛ لأنه ملأ بصره، فإن ارتفع على أعلى الرقل يرون البحر يسكن والأمواج تهدأ، ويكون ذلك دليل السلامة، ثم إنه يفقد فلا يدرون كيف ذهب.
(ومنها) طائر يسمى خرشة أكبر من الحمام، قال في تحفة الغرائب: إذا طار هذا الطائر يأتيه طائر آخر - يقال له: كركر - يطير تحته، ويتوقع وقوع ذرقه، فإن غدا كركر تحته ذرق خرشة عليه، وإنه لا يذرق إلا في طيرانه.
(ومنها) دابة المسك، تخرج من الماء في كل سنة في وقت معلوم فتصاد، وهي شبيهة بالظباء تذبح، ويوجد في سرتها دم هو المسك، ولا يوجد لها هناك رائحة حتى تحمل إلى غيرها من البلاد.
(ومنها) دابة تستوطن شيئا من الجزائر هناك، لها رءوس كثيرة ووجوه مختلفة وأنياب مقعقعة، ولها جناحان تأكل دواب البحر.
(ومنها) سمكة تزيد على ثلثمائة ذراع، يخاف على السفينة منها، وتوجد عند جزيرة واق واق، فإذا عرف القوم مرورها صاحوا وضربوا بالخشب؛ لتهرب من أصواتهم، فإذا رفعت جناحها يكون كالشراع.
(ومنها) سلاحف استدارة، كل سلحفة عشرون ذراعا، تبيض كل واحدة ألف بيضة، وهذا أيضا يوجد بقرب جزيرة واق واق.
(ومنها) سمكة تسمى سيلان، قال صاحب تحفة الغرائب: هذه السمكة تبقى على اليبس يومين حتى تموت، فإذا جعلت في القدر وغطي رأسه تنضج، وإن ترك رأس القدر مكشوفا فإذا أثرت فيها النار ظفرت وهربت وتختبئ في كل موضع كابن عرس.
(ومنها) سمكة يقال لها: الأطم، ووجهها كوجه الخنزير، ولها مكان الفلوس شعر، وهو طبق من لحم وطبق من شحم.
(ومنها) نوع من السرطان يخرج من البحر يكون كالشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بانت عن الماء بسرعة حركة وطارت إلى البر عادت حجرا وزالت عنها الحيوانية، وتدخل في أكحال العين وأدويتها وأمره مستفيض.
стр. 108
(ومنها) حيات عظيمة تخرج إلى البر، وربما تبلغ الجاموس والفيل، وتنطوي على صخرة أو شجرة فتكسر عظامها في بطنها، فيسمع لكسر العظام صوت، وفي هذا البحر مغاص الدردور، فإذا وقعت السفينة دارت فيه ولم تكد تخرج، والملاحون يعرفون مكانه ويجتنبون عنه.
حكى بعض التجار قال: ركبت هذا البحر في جمع من التجار فجاءتنا ريح عاصف صرفت المركب عن طريق المقصد، وكان معلم المركب شيخا حاذقا إلا أنه كان أعمى، وكان يستصحب معه في السفينة شيئا كثيرا من الحبال، وأصحابه ينكرون عليه ويقولون: لو حملنا مكان الحبال أحمال التجارة لأصبنا خيرا، فلما أصابتنا الريح العاصف كان المعلم يقول لأصحابه: انظروا ماذا ترون؟ وهم يخبرونه بالحال، إلى أن قالوا: نرى طيرا أسود على وجه الماء، فجعل يدعو بالويل والثبور ويضرب على رأسه، ويقول: هلكنا والله، فسألناه عن سبب ذلك، فقال: سترون ما يغنيكم عن إخباري.
فما كان إلا يسير حتى وقعنا في الدردور والذي حسبناه طيرا أسود كانت مراكب فيها أناس موتى، فبقينا حيارى، وانقطع رجاؤنا عن الحياة، وانتظرنا الموت، فلما شاهد المعلم منا ذلك قال:
يا قوم، هل لكم أن تجعلوا لي شطر أموالكم على إخراجي إياكم من هذه الغمرة؟ فقلنا: رضيا بذلك، فأمر بأخذ قنينتين مملوءتين من الدهن فأدليتا في البحر، فاجتمع عليها من السمك ما لا يحصى، ثم أمر بتشريح الموتى الذين كانوا في المراكب وشدها في الحبال التي كانت معه، ورموها في البحر؛ فأكلها السمك، ثم أمر القوم بضرب الدف والأخشاب والصياح والتصفيق فإذا المركب تحرك عن مكانه وجرى فلم يزل يفعل ذلك حتى خرجنا من الدردور، ثم أمر بقطع الحبال فنجونا سالمين بإذن الله تعالى.
(بحر الهند) هو أكبر البحار وأوسعها وأكثرها خيرا، ولا يعلم أحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط؛ لعظم اتصال الموضع وسعته، وليس كالبحر الغربي، فإن انفصال البحر الغربي عن المحيط ظاهر، ويتشعب من الهند خلجان، وأعظمها بحر فارس والقلزم، فالآخذ منه نحو الشمال بحر فارس، والآخذ منه نحو الجنوب بحر الزنج.
قال ابن الفقيه: بحر الهند حاله مخالف لبحر فارس؛ لأن عند نزول الشمس الحوث وقربها من الاستواء الربيعي يبدأ بالظلمة وكثرة الأمواج؛ فلا يركبه أحد؛ لظلمته وصعوبته، ولا يزال كذلك إلى قرب الاستواء الخريفي وأشد ما تكون ظلمته وصعوبته عند نزول الشمس في الجوزاء، فإذا صارت الشمس إلى السنبلة تقل ظلمته وتنقص أمواجه ويلين ظهره؛ فيسهل ركوبه
стр. 109
إلى أن تصير الشمس إلى الحوت، وألين ما يكون عند نزول الشمس بالقوس، وفي هذا البحر عجائب كثيرة من الجزائر والحيوان وغيرهما، فلنذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
فصل: في جزائر هذا البحر
قال بطليموس (١): إن في هذا البحر من الجزائر ما يزيد على عشرين ألف جزيرة، وفيها من الأمم ما لا يحصى عددهم، لكن المشهور منها ما يصل إليه أهل بلادنا.
(منها) جزيرة برطاييل، وهي قريب من جزيرة الراتج، قال ابن الفقيه: بها قوم وجوههم كالمجانّ المطرقة، وشعورهم كأذناب البراذين، وبها الكركدن، وبها جبال يسمع منها بالليل صوت الطبل والدف والصياح المزعج والصيحة المنكرة.
والبحريون يقولون: إن الدجال فيها ويخرج منها، وفي هذه الجزيرة يباع القرنفل، وذلك أن التجار ينزلون عليها ويضعون بضاعتهم وأمتعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم ويبيتون فيها، فإذا أصبحوا جاءوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل بضاعة شيئا من القرنفل، فإن رضيه أخذه وترك البضاعة، وإن أخذ البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يرد أحدهما إلى مكانه، وإن طلب أحدهم لزيادة ترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه.
وذكر بعض التجار: أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا صفرا وجوههم كوجوه الأتراك، آذانهم مخروقة، ولهم شعور على زي النساء، فغابوا عن بصرهم، ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا مدة يترددون إلى الساحل فلم يخرجوا إليهم شيئا من القرنفل، فعلموا أن ذلك سبب نظرهم إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه.
وخاصية هذا القرنفل أنه إذا أكله الإنسان رطبا لا يهرم ولا يشيب شعره، ولباس هذه الأمة ورق شجرة يقال لها: اللوف، يأكلون ثمرتها ويلتحفون بورقها، ويأكلون أيضا السمك والموز والنارجيل، ويصطادون من البحر حيوانا على شكل السرطان، وهذا الحيوان إذا خرج إلى البر صار حجرا صلدا، وهو مشهور يدخل في الأدوية التي تتعلق بالكحل.
(ومنها) جزيرة السلامة، يجلب منها الصندل والنبل والكافور، ويخرج إليها من البحر سمكة تصعد الأشجار وتأكل فواكهها وتمصها مصّا ثم تسقط كالسكران؛ فيأتي الناس فيأخذونها.
стр. 110
وقال في تحفة الغرائب: بهذه الجزيرة عين فوارة يفور الماء منها وبقربها ثقبة ينزل فيها، فما بقي من الرشاشات على أطرافها ينعقد حجرا صلدا، فلما كان من الرشاشات في النهار يصير حجرا أبيض، وما كان في الليل يصير حجرا أسود.
(ومنها) جزيرة القصر، وهي جزيرة فيها قصر أبيض يتراءى للمراكب، فإذا شاهدوا ذلك تباشروا بالسلامة والربح والفائدة.
ذكروا أنه قصر مرتفع شاهق لا يدرى ما في داخله، وكان بعض الملوك سار إليها فدخل القصر بأتباعه فغلبهم النوم وخدرت أجسامهم؛ فلم يقدروا على الحركة، فبادر بعضهم إلى المراكب، وهلك الباقون.
(ومنها) أن أصحاب ذي القرنين (١) رأوا في بعض الجزائر أمة، رءوسهم رءوس الكلاب،
стр. 111
وأنيابهم خارجة من أفواههم مثل لهيب النار، خرجوا إلى المراكب وحاربوهم فرأوا نورا بعيدا ساطعا، فإذا هو قصر من البلور تخرج منه هذه الأمة، فأراد ذو القرنين النزول عليهم ودخول القصر فمنعه بهرام الفيلسوف، وقال: من نزل هذا القصر يغلبه النوم والغشي ولا يستطيع الخروج فتظفر به هذه الأمة.
(ومنها) الجزائر الثلاثة، قال صاحب تحفة الغرائب: هي ثلاث جزائر؛ إحداها يجنب الأخرى، في إحداها تبرق السماء طول الليل، وفي الثانية تهب ريح شديدة، وفي الثالثة تمطر السحاب ولا تزال كذلك من سنة إلى سنة أخرى.
(ومنها) جزيرة حارة بها جبل عليه نار عظيمة، بالليل ترى من بعد بعيد وبالنهار دخان ولا يقدر أحد على الدنو منها، وبها العود والموز والنارجيل وقصب السكر، وسكانها قوم شقر على صورة الناس إلا أن وجوههم على صدورهم.
(ومنها) سمكة كبيرة معروفة عندهم، يكتب الكتاب برطوبتها لا يبين على الكاغد شيء، فإذا كان الليل يظهر على الكاغد كتابة واضحة، ويكتب برطوبتها من أراد أن لا يطلع على مكتوبه أحد.
(ومنها) سمكة خضراء رأسها كرأس الحية، من أكل منها اعتصم من الطعام أياما، ومنها سمكة مدورة يقال لها مارما، على ظهرها شبه عمود محدد الرأس لا تقوم لها في البحر سمكة إلا تضربها بذلك العمود وتقتلها.
واعلم أن في البحر حيوانات كثيرة ذوات صور شتى، وليس في ذكرها فائدة، فالاقتصار على البعض أولى، وقد قيل: حدّث عن البحر ولا حرج.
стр. 112
وأما الحيوانات المائية المشهورة فنذكرها إن شاء الله تعالى.
(بحر فارس) هو شعبة من بحر الهند الأعظم، من أعظم شعبها، وهو بحر مبارك، كثير الخير، لم يزل ظهره مركوبا واضطرابه وهيجانه أقل من سائر البحار، قال محمد بن زكريا: سئل عبد الغفار الشامي البحري عن مد البحار وجزرها؟ فقال: لا يكون المد والجزر في البحر الأعظم في السنة إلا مرتين؛ مرة يمد في شهور الصيف شرقا بالشمال ستة أشهر، فإذا كان ذلك طما الماء في مغارب البحر وانحسر عن مشارقه.
وأما بحر فارس فإنه يكون على مطالع القمر، وكذلك بحر الصين والهند وبحر طرابزندة، فإن القمر إذا صار في أفق من آفاق هذا البحر أخذ المد مقبلا مع القمر ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك الموضع، فيجزر الماء ولا يزال راجعا إلى أن يبلغ القمر مغربه، فعند ذلك يكون قد انتهى الجزر إلى منتهاه، فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدء لمد هناك مرة ثانية، إلا أنه أضعف من الأولى، ثم لا زال كذلك إلى أن يصير القمر إلى وتد الأرض، فحينئذ انتهى المد إلى منتهاه في المرة الثانية في ذلك الموضع، ثم يبتدئ بالجزر والرجوع، ولا يزال كذلك حتى يبلغ القمر أفق مشرق ذلك الموضع، فيعود الماء على مثال ما كان عليه أولا، ولهذا البحر مد آخر بحسب امتلاء القمر ونقصانه، فإذا كان أول الشهر أخذ الماء في الزيادة ويزداد كل يوم إلى منتصف الشهر، فعند ذلك بلغ المد منتهاه، ثم يأخذ في النقصان وينقص كل يوم إلى آخر الشهر، فعند ذلك بلغ الجزر منتهاه، ثم يعود إلى ما كان أولا، ويأخذ في المد.
قال ابن الفقيه: بحر فارس وإن كان متصلا ببحر الهند إلا أن حالهما مختلف في السكون والاضطراب؛ لأن بحر فارس تكثر أمواجه ويصعب ركوبه عند لين بحر الهند وسكونه، وكذلك بحر الهند تكثر أمواجه عند سكون بحر فارس، فأول ما تبدو صعوبة بحر فارس عند نزول الشمس ببرج السنبلة قريبة من الاستواء الخريفي ولا يزال يزداد في يوم اضطرابه حتى تصير الشمس في الحوت، وأصعب ما يكون آخر الخريف عند نزول الشمس القوس، فإذا قربت من الاستواء الربيعي يعود إلى السكون، وأسهل ما يكون ظهره آخر الربيع حال نزول الشمس الجوزاء.
قال أبو عبد الله الحسيني: خصص الله تعالى بحر فارس بمزيد الخيرات والفوائد والعجائب، فإذا فيه المد والجزر وغزارة الماء، فإن الماء فيه من سبعين ذراعا إلى ثمانين، وفيه مغاص اللؤلؤ الجيد البالغ الذي لا يوجد مثله في شيء من البحار، وفي جزائره معدن العقيق
стр. 113
وأنواع اليواقيت والسنبادج ومعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الطيب والأفاويه، وفيه الدردور أيضا الذي لا ينجو منه من المراكب إذا وقع فيه إلا ما شاء الله، وفيه عوير وكثير وهما موضعان قلما يسلم منهما مركب، وفيه حيوانات عجيبة الأشكال والصور، وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
(ومنها) جزيرة ليكالوس، أهلها عراة وطعامها الموز والسمك الطري والنارجيل وأموالهم الحديد، يتعاملون عليه، وتأتي التجار ويعاملونهم في الحر، ويتحلون بالحديد (١) كما يتحلى الناس بالذهب، ومنها جزيرة التنين وهي جزيرة واسعة عامرة وفيها جبال وأشجار وعلى حصونها سور عال يظهر به تنين عظيم، فاستغاث أهلها بالإسكندر، وذكروا أن التنين أتلف مواشيهم وأنهم يأخذون له كل يوم ثورين ينصبونهما قريبا من موضعه فيقبل كالسحابة السوداء وعيناه تتقدان كالبرق الخاطف والنار تخرج من فيه فيبلع الثورين ويعود إلى موضعه، فلما سمع الإسكندر ذلك أمر بإحضار الثورين فسلخهما وحشا جلودهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا وجعل مع ذلك كلاليب من حديد وجعلهما في ذلك المكان، فخرج التنين وابتلعهما فاضطربت أحشاؤه في جوفه وتعلقت الكلاليب بأحشائه، فانتظره الناس في اليوم الآخر فما وجدوا له أثرا فذهبوا إليه فإذا هو ميت فاتح فاه، ففرح الناس بموته وشكروا سعي الإسكندر وحملوا إليه هدايا عجيبة، ومن جملتها دابة عجيبة يقال لها المهراج مثل الأرنب، أصفر اللون وعلى رأسها قرن واحد أسود، لم يرها شيء من السباع إلا هرب، والله أعلم.
فصل: في حيوانات هذا البحر
قال صاحب (عجائب الأخبار): في هذا البحر طائر يقال له فنون، وهو مكرم لأبويه، وذلك أن هذا الطائر إذا كبر وعجز عن القيام بأمر نفسه اجتمع عليه فرخان من فراخه يحملانه على ظهرهما إلى مكان ويبنيان له عشّا وطيئا ويتعاهدانه بالماء والعلف، ذكروا أن الله تعالى أكرم هذا الطائر بأن سخر له البحر، فإنه إذا باض سكن البحر أربع عشرة ليلة، حتى يتخرج فراخه في هذه المدة اليسيرة، والبحريون يتبركون به، فإذا كان أول سكون البحر علموا أن هذا الطائر قد باض.
стр. 114
(ومنها) سمكة وجهها كوجه الإنسان، وبدنها كبدن السمك، وعلى وجهها نقط وتظهر على وجه الماء.
(ومنها) سمكة تطفو على وجه الماء، فإذا رأت حيوانا مفتوح الفم تدخل في فمه وتصير غذاءه، ذكره صاحب (تحفة الغرائب).
(ومنها) حيوان يطلع من الماء ويرتفع والنار تخرج من منخره وتحرق ما حول مراتعه، فإذا رأوا الأرض المحترقة عرفوا أنها مراتع ذلك الحيوان، ذكره صاحب (تحفة الغرائب).
(ومنها) سمكة طيارة تطير ليلا وتأكل الحشيش طول الليل، فإذا كان قبل طلوع الشمس عادت إلى البحر (١).
فصل: في جزائر هذا البحر
اعلم أن أكثر جزائر هذا البحر المسكونة معمورة يأتيها الرجال.
(منها) جزيرة خارج بها معادن اللؤلؤ، ذكر البحريون أن صدف الدر لا يوجد إلا في بحر تصب فيه الأنهار العذبة، فإذا أتى وقت الربيع يكثر هبوب الرياح وارتفاع الأمواج، فتحمل رشاشات من بحر أو قياس، وفيه ماء شبيه بالزئبق لزج مثل الغراء، فيتولد منه الدريان، تقع تلك الرشاشات في محل الصدف فيلقمه الصدف كما يلقم الرحم المنى، فربما وقعت فيه قطرة كبيرة فتنعقد درّا كبيرا، وربما تقع رشاشات فتنعقد منها أجزاء صغار كما ترى في أكثر الأصداف، ثم إن الصدفة إذا التقمت المطر خرجت من قعر الماء إلى ظاهره عند هبوب الشمال وطلوع الشمس وغروبها، ولا تخرج في وسط النهار، فإن شدة حرارة الشمس ووهجها تفسد الدر، فإذا خرجت فتحت فاها ليقع الشمال على الدر فينعقد من الأثر الشمال وحرارة الشمس، ويتكون في الصدف كما يتكون الجنين في الرحم، ثم إن جوف الصدف إن كان خاليا من الماء المر يكون الدر كدرا أو أصغر غير مهندم، وإذا تم الدر في الصدف ينتقل الصدف إلى موضع صلب وتثبت عروقه فيه ويكون عند الناس خيرا من وصول قفل الصدف، فإذا انتقل إلى أرض البحرين يهني الناس بعضهم بعضا بوصول قفل الصدف، والغواص إذا نزل لإخراجه يقلعه من الأرض بالقوة، فما أخرج في وقته يبقى طريّا صقيلا، وما أخرج قبل وقته أو بعده لا يبقى كذلك، بل يتغير لونه، والله الموفق.
стр. 115
(ومنها) جزيرة جاشك، وهي بقرب جزيرة قيس، لأهلها خبرة وصبر على الحركة في الماء، فإن الرجل منهم يسبح في الماء أياما كثيرة وهو يجالد بالسيف كما يجالد غيره على وجه الأرض، وغير أهل هذه الجزيرة يعجز عن ذلك، وسمع من غير واحد أن بعض ملوك الهند أهدى إلى بعضهم جواري هنديات في مراكب فوقع شيء من تلك المراكب إلى هذه الجزيرة، فخرج الجواري يتفسحن في الجزيرة فاختطفتهن وافترستهن، فولدت هؤلاء الذين بها فلذلك فيهم من الجلادة ما يعجز عنها غيرهم.
(ومنها) جزيرة كندولاودي، وأنا شاك في أن هذه الجزيرة في بحر فارس، أظن أنها في غيره، وقد ذكر جميع من العمانيين والسرافيين أن العنبر ينبت في قعر هذا البر كما ينبت القطن في الأرض، فإذا اشتد اضطراب البحر قذفه البحر، فلذلك يرى قطعا، وربما أكل منه السمك الكبير فيموت ويطفو على الماء، فإذا اجتاز به أصحاب المراكب جذبوه بالكلاليب (١) والحبال إلى الساحل، وأخذوا العنبر من بطنه، والله أعلم.
فصل: في ذكر بعض الحيوانات العجيبة في هذا البحر
(منها) نوع من السمك يطفو على وجه الماء، وسبب طفوه هيجان البحر، ويعرفه البحريون. قال أبو الريحان في الآثار الباقية: في اليوم الثالث عشر من كانون الثاني يضطرب البحر إلى فارس وإلى الإسكندرية، ويبقى أياما يتغطمط وتشتد أمواجه ويتكدر هواؤه وتكثر ظلمته، ذكروا أنه يقع في قعره ريح تهيج البحر، ويستدل على ذلك بنوع من السمك يظهر فيه، وظهوره إنذار بتحرك الريح في قعره، وربما يتقدم بيوم.
(ومنها) الأسيور، وهو نوع من السمك يأتي بالبصرة في وقت معين، يعرفه أهل البصرة، ويبقى مقدار شهرين، وبعده لا توجد هناك واحدة من هذا النوع.
(ومنها) الجراف، وهو أيضا نوع من السمك، ووصفه مثل وصف الأسيور.
(ومنها) البرستوح، قال البحريون: إن البرستوح يقبل من بلاد الزنج، يستعذب ماء دجلة البصرة، ويعرف هذا النوع بأرض الزنج، ثم يعود ما فضل من صدي الناس إلى مكانه، ولا يوجد هذا النوع فيما بين البصرة والزنج إلا في أوان مجيئه، فإذا انقضى أوانها لا يوجد فيه واحد، وذكر البحريون أن البرستوح في الوقت الذي يوجد في البصرة لا يوجد بالزنج، وفي الوقت
стр. 116
الذي يوجد في الزنج لا يوجد في البصرة، وحاله كحال الخطاطيف وغيرها من الطيور، ينتقل من موضع إلى موضع، فسبحان من ألهم كل حيوان ما فيه مصالح نفسه.
(ومنها) الكوسج، وهو نوع من السمك شر من الأسد، في الماء يقطع الحيوانات بأسنانه كما يقطع السيف الماضي، ورأيته وهو سمك مقدار ذراع أو ذراعين وأسنانه كأسنان الإنسان ينفر الحيوان منه، وإذا أدرك سمكة كبيرة قطعها، وإذا أدرك آدميا قتله أو قطع يده أو رجله، فإن ذئبة عظيمة في هذا البحر، وله وقت معين يكثر فيه بدجلة البصرة.
(ومنها) حيوان يعرف بالتنين شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح، وهو طويل مثل النخلة وهو أحمر العينين مثل الدم، كريه المنظر جدّا، يفر منه الكوسج وغيره.
(ومنها) سمكة خضراء اللون، أطول من ذراع خرطوم عظيم أقصر من ذراع يشبه منشارا، يكون كلا حديه أسنانا يضرب بها الحيوان فيجرحه، ومن هذا النوع في بحر الحبابة كثير، رأيتهم يصطادونه مقليّا في السوق هناك.
(ومنه) سمكة مدورة ذنبه أطول من ثلاثة أذرع، وعلى وسط ذنبها شوكة معقفة شبه كلاب، وهي سلاحها تضرب بها وهي نمراء بياضها في غاية البياض ونقطة سوادها في غاية السواد، ولها منخران على ظهرها وفم على بطنها، وفرج كفرج النساء، والبحر لا تحصى عجائبه.
وفي هذا القدر كفاية، والله الموفق.
(ولنختم) عجائب هذا البحر بحكاية عجيبة من دردوره، أوردها صاحب كتاب (عجائب البحر) في كتابه، قال: حدثني رجل من أصفهان أنه ركبته ديون ونفقة عيال عجز عنها ففارق أصفهان، ودارت به الدوائر حتى ركب البحر مع بعض التجار.
قال: فتلاطمت بنا الأمواج حتى جعلناه في دردور بحر فارس المشهور، فاجتمع التجار إلى المعلم (١) وقالوا: هل تعرف لأمرنا مخلّصا؟ فقال المعلم: يا قوم إن هذا دردور لا يتخلص منه مركب إلا ما شاء الله تعالى، فإذا سمح أحدكم بنفسه لأصحابه وأنا أبذل جهدي لعل الله يخلصنا.
стр. 117
فقلت: أنا يا قوم في معرض الهلاك، وأنا رجل سئمت من الشقاء، وكنت أتمنى الموت، وكان في السفينة جمع من الأصفهانيين فقلت لهم: احلفوا إنكم تقضون ديوني وتحسون إلى أولادي وأنا أفديكم بنفسي، فأجابوا إلى ذلك فقلت للمعلم: ماذا تأمرني؟
فقال: أن تقف على هذه الجزيرة، وكان بقرب الدردور جزيرة مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، ولا تفتر عن ضرب هذا الدهل، فقلت لهم: أفعل ذلك، فحلفوا لي أيمانا مغلظة على ما شرطت عليهم، وأعطوني من الماء والزاد ما يكفيني أياما، وأنا طرف الجزيرة، فذهبت ووقفت وشرعت في ضرب الدهل، فرأيت المياه تحركت وجرت المركب وأنا أنظر إليه حتى غاب عن بصري.
قال: فلما غاب عني المركب جعلت أتردد في الجزيرة، فإذا أنا بشجرة عظيمة لم أر أعظم منها، وعليها شبه سطح غليظ، فلما كان آخر النهار أحسست بهدة شديدة، فإذا طائر لم أر حيوانا أعظم منه جاء ووقع على سطح تلك الشجرة، فاختفيت منه خوف أن يصطادني، إلى أن بدأ ضوء الصباح فنفض جناحيه وطار.
فلما كانت الليلة الثانية جاء ووقع على عشه وكنت أيضا آيسا من حياتي ورضيت بالهلاك ودنوت منه فلم يتعرض لي بشيء وطار مصبحا.
فلما كانت الليلة الثالثة قعدت عنده من غير دهشة إلى أن نفض جناحيه عند الفجر، فتمسكت برجله فطار أسرع طيران إلى أن ارتفع النهار، فنظرت نحو الأرض فما رأيت سوى لجة البحر فكدت أترك رجله من شدة ما نالني من التعب، فحملت نفسي على الصبر إلى أن نظرت نحو الأرض فرأيت القرى والعمارات فدنا من الأرض وتركني على صبرة تبن، في بيدر لبعض القرى والناس ينظرون إلي، ثم طار نحو الهواء وغاب عني.
فاجتمع الناس إليّ وحملوني إلى رئيسهم، فأحضر لي رجلا يفهم كلامي، فقالوا لي: من أنت؟ فحدثتهم بحديثي كله فتعجبوا مني وتبركوا بي وأمر الرئيس لي بمال، فبقيت عندهم أياما فمشيت يوما إلى طرف البحر أتفرج، فإذا قد وصل مركب أصحابي، فلما رأوني أسرعوا سائلين عن حالي، فقلت لهم: يا قوم إني بذلك نفسي لله تعالى، فأنقذني بطريق عجيب وجعلني آية للناس، ورزقني المال، وأوصلني إلى المقصد قبلكم، فهذه حكاية عجيبة، وإن كانت غير بعيدة من لطف الله تعالى.
стр. 118
(بحر القلزم) (١) هو شعبة من بحر الهند جنوبي بلاد البربر والحبشة، وعلى ساحله الشرقي بلاد العرب وعلى الغربي اليمن، والقلزم اسم مدينة على ساحله سمي البحر بها.
وأما حديث هيجانه ومده وجزره فكما في بحر الهند فلا نعيده، وهو البحر الذي أغرق الله تعالى فيه فرعون - لعنه الله - وجنوده.
قالوا: كان بين البحر وأرض اليمن جبل يحول الماء عنها، وامتداده في أرض اليمن، وكان بين البحر واليمن مسافة، فقدّ بعض الملوك ذلك الجبل بالمعاول ليدخل منه خليجا يهلك بعض أعدائه، فقطع من الجبل غلوتي سهم، وأطلق البحر في أراضي اليمن فطفا الماء وأهلك أمما كثيرة واستولى على بلاد كثيرة، وصار بحرا عظيما، وصل إلى بلاد اليمن وجدة وجاوى وينبع ومدين شعيب ﵇ وأيلة إلى القلزم.
فصل: في جزائره
وأكثرها لا مسكونة ولا مسلوكة؟
(منها) جزيرة ثارات، وهي قريبة من أيلة، يسكنها قوم يقال لهم بنو جدان، معاشهم السمك وليس لهم زرع ولا ضرع ولا ماء عذب، وبيوتهم السفن المكسرة، يسألون الماء والخبز ممن يمر بهم في الدهر الطويل، وعندهم دوارة ماء في سفح جبل، إذا وقع الريح على دورته انقسمت إلى قسمين، وتلقى المركب بين شعبتين متقابلتين، فتخرج الريح من كليهما، فيثور البحر على كل سفينة تقع في تلك الدورات باختلاف الريحين، فتنقلب ولا تسلم، ومقدار طوله ستة أميال قبل هذا الموضع الذي غرق فيه فرعون بجنوده لعنه الله.
(ومنها) الحسامية، وفيها دابة تتجسس الأخبار، وتأتي بها الدجال، روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت: خرج علينا رسول الله ﷺ في الظهيرة وقام خطيبا وقال:
«إني لم أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن لحديث حدثنيه تميم الداري، حدثني أن نفرا من قومه أقبلوا في البحر فأصابهم ريح عاصف ألجأهم إلى جزيرة، فإذا هم بدابة قالوا لها: من أنت؟ قالت:
أنا الجساسة، قالوا: أخبرينا الخبر، قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا بالأشواق إليكم، قال: فأتيناه، فقال: من أنتم؟ فأخبرناه، فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا:
стр. 119
تدفق بين أجوافها، قال: فما فعلت نخل عمان؟ قلنا: يجتنيها أهلها، قال: فما فعلت عين زعر؟ قلنا: يشرب منها أهلها، فقال: لو يبست أنقذت من وثاقي، فوطئت بقدمي كل منهل إلا مكة والمدينة».
(ومنها) جبل المغناطيس، وهو جبل في هذا البحر، يوجد فيه المغناطيس الذي يجذب الحديد والمراكب المستعملة في هذا البحر، لا يجعل فيها شيء من الحديد خوفا من أن يجذبها المغناطيس (١).
فصل: في حيوان هذا البحر
أما الحيوانات التي توجد في غيره فلا نعيدها، والتي توجد في هذا البحر:
(منها) سمكة عظيمة تضرب السفينة بذنبها فتغرقها، طولها مائتا ذراع، يخاف على المراكب منها خوفا شديدا.
(ومنها) سمكة مقدار ذراع بدنها - بدن السمكة، ووجهها وجه البوم.
(ومنها) سمكة طولها عشرون ذراعا وظهرها ذبل الجيد، وأنها تلد وترضع، وفيه سمكة كخلقة البقر، تلد وترضع، والله الموفق.
(بحر الزنج) وهو بحر الهند بعينه، وبلاد الزنج منه في جانب الجنوب بجنب سهيل، ومن ركب هذا البحر يرى القطب الجنوبي وسهيلا، ولا يرى القطب الشمالي ونبات نعش أبدا، وأقصى هذا البحر يتصل بالبحر المحيط، وموج هذا البحر عظيم كالجبال الشواهق، ونفخه يرتفع كالأطواد الشوامخ، وينخفض ماؤه، يحفظ ليكون من الأدويج، ولا ينكسر موجه، ولا يظهر منه زبد، كما يكون لسائر البحار، وفيه جزائر كثيرة ذات أشجار وغياض، لكنها ذات ثمار، وإنما هي نحو شجر الأبنوس والصندل والساج والقنا والعنبر، يلتقط من سواحله، فربما توجه قطعة كتل عظيم.
(ولنذكر) شيئا من جزائره وحيوانها.
(منها) الجزيرة المحترقة، وهي جزيرة واغلة في هذا البحر، قلما يصل إليها من بلادنا أحد.
стр. 120
حكى بعض التجار، قال: ركبت هذا البحر فدارت بي الدوائر، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فرأيت فيها خلقا كثيرا وبقيت بها زمانا واستأنست بهم وتعلمت لغتهم، فإذا الناس في بعض الأيام مجتمعون ينظرون إلى كوكب طلع من أفقهم، ثم شرعوا في البكاء والعويل وقالوا:
إن الكوكب يطلع في كل ثلاثين مرة، فإذا وصل إلى سمت رءوسنا يحرق ما في هذه الجزيرة، فتأهبوا للنقل في المراكب، فلما دنا الكوكب من سمت رءوسهم ركبوا فيها وأخذوا معهم ما خف من القماش، فركبت معهم فغبنا عنها مدة، فلما علموا أن الكواكب زال عن سمت رءوسهم عادوا إليها فوجدوا جميع ما كان فيها رمادا، فشرعوا في استئناف العمارة.
(ومنها) جزيرة الضوضاء، وهي جزيرة مما يلي الزنج.
وحكى بعض التجار أن بهذه الجزيرة مدينة من حجر أبيض يشع منها ضوء، لا ساكن بها من البشر، وربما دخلها البحريون وشربوا من مائها فوجدوه حلوا طيبا فيه رائحة الكافور، ويقولون: كنا نعرف منتهاها غير أن بقربها جبالا عظيمة، تتوقد منها بالليل نار عظيمة، وذكر أن حواليها حية تظهر في كل سنة مرة، فيحتال ملوك الزنج في أخذها، فإذا أخذوها يطبخونها ويتخذون من جلدها فراشا يجلس عليه صاحب السل يأمن من غائلته، ويوجد ذلك في خزائن الملوك.
(ومنها جزائر العور) حكى يعقوب بن إسحاق السراج، قال: رأيت رجلا من أهل رومية قال: ركبت هذا البحر فألقتني الريح إلى بعض الجزائر فوصلت بها إلى مدينة أهلها ناس قامتهم قدر ذراع، وأكثرهم عور، فاجتمع عليّ جمع منهم وساقوني إلى ملكهم، فأمر بحبسي فجعلوني في شبه قفص فكسرته، فأمنوني.
فرأيتهم في بعض الأيام يتأهبون للقتال، وقالوا: لنا عدو يأتينا وهذا أوان مجيئه، فلم نلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق … فأخذت عصا وشددت عليها فطارت وذهبت فأكرموني.
وذكر أرسطاطاليس في كتاب الحيوان أن الغرانيق تنتقل من خراسان إلى ناحية مصر حيث يسيل ماء النيل تقاتل هناك رجلا، وقامتهم قدر ذراع.
(ومنها) جزيرة سكسار، حكى يعقوب بن إسحاق السراج قال: رأيت رجلا في بعض الأسفار في جهة خموش، فسألته عن ذلك فقال: ركبت البحر فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نستطع
стр. 121
أن نبرح عنها، فأتى قوم وجوههم كوجوه الكلاب، وسائر أبدانهم كأبدان الناس، فسبق إلينا واحد منهم بعصا، ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم، فرأينا هناك الجماجم والسيقان وأذرع الناس، فأدخلونا بيتا فيه إنسان، فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول فقال ذلك الرجل: يطعمونكم لتسمنوا ومن سمن منكم أكلوه.
قال: فكنت أقلل المأكل حتى لا أسمن، وكل من سمن من أصحابي أكلوه، حتى بقيت أنا وذلك الرجل؛ لأني كنت هزيلا والرجل عليلا، فقال ذلك الرجل: إنهم قد حضر لهم عيد يخرجون كلهم إليه ثلاثة أيام، فإن أردت النجاة فانج بنفسك، وأما أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الهرب، واعلم أنهم أسرع شيء طلبا وأشد استنشاقا وأعرف بالأثر، إلا من دخل تحت شجرة كذا، فإنهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه.
قال: فكنت أسير ليلا وأكمن نهارا، فلما رجعوا وتفقدوني جعلوا يقصون أثري فأدركوني وكنت تحت الشجرة، فانقطعوا عني، فلما أمنت منهم جعلت أسير في تلك الجزيرة، إذا رفعت لي أشجار كثيرة فانتهيت إليها، فإذا بها من كل الفواكه، وتحتها رجال أحسن صورة، فقعدت إليهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي، فبينا أنا جالس معهم إذ دنا إليّ واحد منهم ووضع يده على عاتقي، فإذا هو جالس على رقبتي ثم لوى رجليه علي فأنهضني فجعلت أعالجه لأطرحه عن رقبتي، فخمشني في وجهي وسخرني كما يسخر أحدكم مركوبه، فجعلت أدور على الأشجار وهو يقطع ثمارها ويرمي بها أصحابه وهم يضحكون.
فبينا أسير به في وسط الأشجار إذا أصاب عينيه بعض عيدان الأشجار فعمي، فعصرت له شيئا من العنب، ثم قلت له: اكرع فكرع، فتحللت رجلاه، فرميته وبقي أثر الخموش في وجهي، والله الموفق.
فصل: في حيوان هذا البحر
(منها المنشار) قال بعض التجار: إنها سمكة مثل الجبل العظيم، ومن رأسها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار من عظام سود مثل الأبنوس، كل سن منها في رؤية العين مقدار ذراعين، وعن رأسها عظمان طويلان، كل عظم مقدار عشرة أذرع، وكانت تضرب بالعظمين البحر يمينا وشمالا، فيسمع صوته صوتا هزيلا (١).
стр. 122
وقالوا: وكنا نرى الماء يخرج من فيها وأنفها ويصعد إلى السماء وتصل إلينا رشاشاته مثل المطر، وبيننا وبينها مسافة بعيدة، وهذه السمكة تقطع السفينة إذا عبرت من تحتها أو خزجت عليها، فإذا رأى أصحاب المركب هذه السمكة يضجون إلى الله تعالى؛ حتى يدفعها عنهم مكرمة.
(ومنها) سمكة تعرف بالبال، طولها أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع، فيظهر في بعض الأوقات طرف من جناحه يكون كالشراع العظيم، ويظهر رأسه وينفخ فيه الماء فيذهب الماء في الجو أكثر من غلوتين، والمراكب تفزع منها ليلا ونهارا، فإذا أحسوا بها ضربوا بالدبادب وضجوا حتى تنفر، وإنها تحشو بذنبها وأجنحتها السمك إلى فيها.
فإذا بغت على حيوان البحر بعث الله سمكة نحو الذراع تدعى اللشك تلتصق بأذنابها ولا خلاص للبال منها، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض بنفسها حتى تموت وتطفو فوق الماء كالجبل العظيم، وربما يقذف البحر عند اشتداده قطعا من العنبر كالتلال فيأكلها البال فيقلها فتطفو فوق الماء.
ولها أناس يرصدونها في المراكب من الزنج، فإذا أحسوا بذلك طرحوا فيها الكلاليب وجذبوها إلى الساحل ويشقون بطنها، ويستخرجون العنبر منها، فما يكون في بطنها يكون شهكا تعرفه التجار والعطارون بالعراق وفارس والهند، وما يكون في ظهرها يكون جيدا نقيّا، والله الموفق.
(بحر المغرب) هو من بحر الشام وبحر قسطنطينية (١)، مأخذه من البحر المحيط ثم يمتد مشرقا فيمر بشمالي أندلس ثم ببلاد الفرنج إلى قسطنطينية، ويمتد من جهة الجنوب إلى بلاد أولها سلا ثم سبتة وطنجة إلى طرابلس والإسكندرية، ثم سواحل الشام إلى أنطاكية، وفيه الجزائر العظيمة كجزائر الأندلس وغيرها.
وذكر في كتاب أخبار مصر: أنه بعد هلاك الفراعنة كان ملك بني دلوكة في شق البحر المحيط من المغرب، وهو بحر الظلمات، فغلب على كثير من البلدان العامرة والممالك العظيمة، وامتد إلى الشام وبلاد الروم، وصار حاجزا بين بلاد مصر والروم، وهو الخليج الذي في زماننا هذا على أحد ساحليه المسلمون، وعلى الآخر النصارى من الفرنج.
стр. 123
وهناك مجمع البحرين، وهما بحر الروم والمغرب، وعرضه ثلاثة فراسخ، وطوله خمسة وعشرون فرسخا، وفيه يظهر المد والجزر في كل يوم وليلة أربع مرات، وذلك في البحر الأسود وهو بحر المغرب، عند طلوع الشمس يعلو يصب في مجمع البحرين حتى يدخل في بحر الروم وهو البحر الأخضر إلى وقت الزوال.
فإذا زالت الشمس غاض البحر الأسود، وانصب فيه الماء من البحر الأخضر إلى مغرب الشمس، ثم يغيض الماء الأخضر ويعلو البحر الأسود إلى نصف الليل، ثم يغيض البحر الأسود وانصباب الماء من البحر الأخضر إلى طلوع الشمس، وفي هذا البحر من الجزائر والحيوانات ما يتعجب منه، فلنذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
فصل: في جزائره
ذكر أبو حامد الأندلسي في كتابه الذي ألفه للوزير ابن هبيرة: أن مجمع الترب جزيرة فيها منارة مبنية من الصخر الصلد، لا يعمل فيها الحديد شيئا، ولها أساس راسخ، وليس للمنارة باب، وعلى رأس المنارة صورة إنسان ملتحف بثوب كأنه من ذهب، يده اليمنى ممدودة إلى البحر الأسود يشير بأصبع إلى شيء، وعلو المنارة أكثر من مائة ذراع.
وقال غيره: إن تلك الصورة طلسم عمله بعض الملوك صيانة لذلك الموضع من إتيان العدو، وإنه مأمون مادام ذلك الطلسم باقيا.
(ومنها جزيرة تيس) وهي في بحر الروم، وذكر أبو حامد الأندلسي: أنها جزيرة عظيمة فيها مدن وقرى كثيرة، من عجائبها أنه يخرج إليها في كل يوم طير يصطادونه ويبقى أياما، ثم ينقطع ذلك النوع ويظهر نوع آخر ويبقى أياما وهكذا أبدا، ويتم مائة ونيفا وثلاثين نوعا، وأساميها مكتوبة، رأيت في نقل ذلك سآمة.
(ومنها جزيرة) ذكرها صاحب الغرائب، قال: إن في بحر الروم جزيرة كثيرة الأشجار والأزهار، من شم شيئا منها نام في ساعته.
(ومنها) ما ذكره أبو حامد الأندلسي من أن على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة من الصخر منقورة في الجبل، وعليها قبة عظيمة، وعلى القبة غراب اليبرح من أعلى القبة وفي مقابلة القبة، وهي كشبه مسجد يزوره الناس ويقولون: إن الدعاء فيه مستجاب.
стр. 124
وقد شرط على القسيسين ضيافة من زار المسجد من المسلمين، فإذا قدم زائر أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة ويصيح، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين، وهكذا كلما وصل زائر أو زوار صاح على عددهم (١)؛ فيخرج الرهبان بطعام يكفي الزائرين، وتعرف الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غرابا على تلك الكنيسة، ولا يدرون من أين مأكله.
(ومنها جزيرة مالطة) قال أبو حامد الأندلسي: رأيت في بحر الروم هذه الجزيرة مملوءة من الغنم الجبلية مثل الجراد المنتشر، لا يمكنها الفرار من الناس لكثرتها، فإذا وصلت المراكب إليها أخذت منها ما شاء الله، وهي أغنام سمان كبار نعاج وحملان، وليس فيها غير الغنم، وفيها أشجار وعشب كثير، وهي على طريق الإسكندرية في البحر، تقصدها السفن من كل جانب، وظني أنه لو حملت كل سفينة في ذلك البحر منها لا تفنى الغنم.
(ومنها جزيرة الدير) ذكر البحريون: أنها بقرب القسطنطينية، وهي دير ينكشف عنه الماء في كل سنة يوما واحدا، يحجها أهل تلك النواحي وينتظرون ذلك اليوم ويزورون الدير ويحملون إليها الهدايا، حتى إذا كان ذلك اليوم ينكشف عنه الماء فيبقى ظاهرا إلى وقت العصر، ثم يأخذ الماء في الازدياد ويغطيها إلى العام القابل، والله الموفق.
فصل: في الحيوانات العجيبة في هذا البحر
حكى عبد الرحمن بن هارون المغربي قال: ركبت هذا الحر فوصلنا إلى موضع يقال له:
البطرون، وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر؛ فصاد بها سمكة نحو البشر، فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله، وفي قفاها محمد، وخلف أذنها اليسرى رسول الله.
(ومنها) ما حكى أبو حامد قال: رأيت ملاحا غاص في بحر الروم، فانكشف عن سنام جبل، وعليه نارنج أحمر كأنه قطف الآن من شجرة، فظننت أنها سقطت من بعض السفن، فقبضت على واحدة منها؛ فإذا هي حيوان التصق بالحجر لم أقدر على قلعه، فرمت قطعة بالسكين؛ فلم تعمل فيه السكين، وليس له عين ولا رأس، وفمه في موضع العرجون، فكنت ألف الثوب عليه وأجره بقوتي فيخرج من فمه مائية كاللعاب، وهو لين محبب شديد الحمرة، لا يغادر من النارنج شيئا، فإذا تركته كان يفتح فاه ويتحرك كأنه يتنفس.
стр. 125
(ومنها) ما ذكر صاحب تحفة الغرائب: أن في بحر المغرب طائرا يقال له: الماروز طائر مبارك يتبرك به أصحاب المراكب، يبيض عند سكون البحر على الساحل، فإذا رأوا بيضه عرفوا أن البحر يسكن، وهذا الطائر إذا كانت المراكب قريبة من مكان مخوف يأتي ويطير قدام المراكب ويصعد وينزل كأنه يخبرهم بالخوف؛ حتى يدبروا أمرهم، والملاحون يعرفونه، والله الموفق.
(ومنها) الشيخ اليهودي، قال أبو حامد: حيوان وجهه كوجه الإنسان، وله لحية بيضاء، وبدنه على شبه بدن الضفدع، وشعره كشعر البقر، وهو في حجم عجل يخرج من البحر ليلة السبت إلى البر حتى تغيب الشمس ليلة الأحد، فإذا غابت الشمس ليلة الأحد وثب كما يثب الضفدع ويدخل الماء، فلا تحلقه السفن، ذكروا أن جلده إذا وضع على النقرس أزال وجعه في الحال، والله الموفق.
(ومنها سمكة تعرف بالبغل) قال أبو حامد الأندلسي: رأيت بمجمع البحرين سمكة مثل جبل عظيم صاحت صيحة ما سمعت أهول منها، يكاد القلب ينشق منها؛ فاضطرب الماء منها وكثرت الأمواج حتى خفنا الغرق.
قال البحريون: إنها سمكة يقال لها: البغل، هربت من السمكة الكبيرة، وذلك أن السمكة تتبعها لتأكلها في بحر الظلمات، فتنفر منها وتعبر في مجمع البحرين إلى بحر الروم، وتأتي السمكة الكبرى خلفها؛ لتعبر في مجمع البحرين فلا يمكنها لعظمها، هكذا ذكر أهل ذلك الموضع؛ يعني:
مجمع البحرين.
(ومنها حوت موسى ويوشع (١) ﵉ قال أبو حامد الأندلسي: رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة، وهي نسل الحوت المشوي الذي أكل موسى ويوشع نصفه فأحيا الله النصف الآخر، فاتخذ في البحر عجبا، ولها نسل في البحر إلى الآن في ذلك الموضع، وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر واحد، في أحد جنبيها شوك وعظم، وجلدها رقيق ملتصق على
стр. 126
أحشائها، ورأسها نصف رأس، فمن رآها هكذا استقذرها، ويحسب أنها مأكولة ميتة، ونصفها الآخر صحيح، والناس يتبركون بها، ويهدونها إلى المحتشمين، ويشويها اليهود وقردونها ويحملونها إلى الأماكن البعيدة.
(ومنها سمكة بلغارية كأنها قلنسوة بلغارية) قال أبو حامد الأندلسي: رأيتها وفي جوفها شبه المصارين، ولا رأس لها ولا عين، ولها مرارة كمرارة البقر سوداء، فإذا اصطادها أحد تحركت فيسود الماء الذي حولها مثل الحبر، وأظن ذلك السواد من تلك المرارة، فإذا وقعت في الشبكة يبقى ما حولها أسود جدّا، فيؤخذ من الماء ويكتب به أحسن من كل مداد لا ينمحي، وله سواد وبريق.
(ومنها سمكة) ذكر أبو حامد: أنها تقطع قطعا وهي تتحرك، وربما قلبت القدر إذا أرادوا طبخها فيها، ولا يسكن اضطرابها حتى تصير نضجا، وهي سمكة لحمها طيب الطعم جدّا.
(ومنها سمكة تعرف بالخطاف) قال أبو حامد: لها جناحان على ظهرها أسودان، وإنها تخرج من الماء وتطير في الهواء وتعود إلى البحر.
(ومنها سمكة تعرف بالمنارة) ترمي نفسها على السفينة فتكسرها ويعرف أهلها، فإذا أحس الناس بها ضربوا بالطشوت والبوقات؛ لتبعد عنهم، وهي محنة عظيمة في البحر.
(ومنها سمكة كبيرة) إذا نقص الماء بقيت على الطين، ولا تزال تضطرب إلى ست ساعات، ثم تنسلخ من شدة اضطرابها وقوة تأملها؛ فيظهر لها جناحان من تحت جلدها فتطير وتتحول إلى البحر ذكرها أبو حامد.
والتنانين في هذا البحر كثيرة، وأكثر ما يكون عند طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
(بحر الخزر) هو البحر الذي في جهة الشمال على شرقية جرجان وطبرستان، وفي شماله بلاد الخزر، وفي غربيه جبال العقيق، وفي جنوبيه الجبل والديلم، وهو بحر عظيم واسع لا اتصال له بشيء من البحار على وجه الأرض، فلو أن رجلا طاف حوله رجع إلى مكانه الذي ابتدأ منه.
وهو بحر صعب المسلك سريع المهلك كثير الاضطراب شديد الأمواج لا مد فيه ولا جزر، ولا يرتفع منه شيء من اللآلئ والجواهر، وجزائره غير مسكونة، ولكن في جزائره غياض مياه وأشجار، وليس فيها أنيس، قالوا: إن دوران هذا البحر ألف وخمسمائة فرسخ، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل، وهو مدور الشكل، فلنذكر شيئا من جزائره وبحاره.
стр. 127
فصل: في جزائره وبحاراه
(منها) ما ذكره أبو حامد قال: رأيت في هذا البحر جبلا من طين أسود كالقير والبحر محيط به، وفي سنام ذلك الجبل شق طويل يخرج منه الماء، ويوجد في ذلك الماء سناج الدانق من الصفر، وربما يكون أكبر أو أصغر، يحملها الناس إلى الآفاق للتعجب.
(ومنها) جزيرة الحيات، قال أبو حامد: إنها بقرب الجبل الذي ذكر، وهي جزيرة امتلأت من الحيات، وفيها حشيش كثير، والحيات في وسطها لا يقدر أحد أن يضع رجله على الأرض؛ لكثرة ما فيها من الحيات المتلفة بعضها على بعض، وفيها طيور كثيرة، والحيات لا تتعرض لبيض الطيور وفراخها، رأيت الناس يأخذون بأيديهم العصي ويزيلون الحيات بها عن مكان أقدامهم، ويمشون بين الحيات، ويأخذون بيض الطيور وفراخها، والحيات لا تؤذي أحدا منهم.
(ومنها جزيرة الجن) وهي جزيرة ليس بها أنيس ولا شيء من الوحوش، وتسمع أصوات كأنهم يقولون: غلب الجن عليها، ولا يجسر أحد أن يقربها، والله أعلم.
(ومنها جزيرة الغنم) قال سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر: وهي جزيرة ما بين الخزر والبلغار، فيها من الأغنام الجبلية مثل الجراد، لا يمكنها الفرار لكثرتها، وما رأيت في تلك الجزيرة حيوانا غيرها، وفيها عيون وحشيش وأشجار كثيرة، فسبحان من لا تحصى نعمه.
فصل: في حيوان هذا البحر
ذكر أبو حامد الأندلسي في كتاب العجائب الذي ألفه للوزير ابن هبيرة عن سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر، قال: أقمت عند ملك الخزر أياما ورأيت أنهم اصطادوا سمكة عظيمة جدّا، وجذبوها بالحبال؛ فانفتحت أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة، فأخرجوها إلى البر، وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وقد خلق الله تعالى في وسطها غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها، كأنه إزار مشدود على وسطها فأمسكوها حتى ماتت.
(ومنها التنين العظيم) (١) ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم شبه السحاب الأسود،
стр. 128
والناس ينظرون إليه، زعموا أنها دابة تؤذي دواب البحر؛ فيبعث الله إليه سحابا يخرجه من البحر ويحتمله، وهو على صورة حية سوداء، لا يمر ذنبها على شيء من شجر أو بناء عظيم إلا هدته، وربما تتنفس فتحرق الشجر فيلقيها إلى يأجوج ومأجوج وتكون لهم غذاء، وعن ابن عباس ﵁ نحو هذا.
(ولنختم) هذا الفصل بحكاية عجيبة، وهو أن كسرى (١) أنوشروان لما فرغ من سد بليخ وأحكمه سر بذلك سرورا شديدا، وأمر بنصب سريره على السد، ورقى على السرير، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا رب الأرباب، أنت ألهمتني سد هذا الثغر وقمع العدو، فأحسن الموهبة إلي وعزني، وسجد سجدة أطالها.
ثم استوى على فراشه واستلقى وقال: الآن استرحت؛ يعني: من سطوة الخزر ومقاساة الترك، ثم أغفى فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وارتفعت معه غمامة سدت الضوء، فتبادرت الأساورة إليه، فتنبه أنوشوروان، وقال: ما شأنكم؟ قال: الذي ترى، فقال: أمسكوا عن سلاحكم لم يكن الله يلهمني الشغل اثني عشر عاما وستة أشهر، وتهده بهيمة من بهائم البحر.
فنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو السد حتى علاه، ثم قال: أيها الملك، أنا من سكان البرح، رأيت هذا الثغر مسدودا سبع مرات، فأوحى الله تعالى أن ملكا عصره عصرك، وصورته صورتك، يسد هذا الثغر فينسد أبدا، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله معونتك، ثم غاب عن البصر كأنه طار في الجو أو غاص في الماء، والله الموفق.
(القول في حيوان الماء) حيوان الماء على قسمين: منه ما ليس له رئة كأنواع السمك، فإنه لا يعيش إلا في الماء، ومنه ما له رئة كالضفدع، فإنه يجمع بين الماء والهواء.
стр. 129
فأما التي لا تعيش إلا في الماء فلا حاجة لها إلى استنشاق الهواء؛ لأن الباري تعالى لما خلقها في الماء جعل حياتها منه، وجعلها على طبيعة الماء، وركب أبدانها تركيبا بحيث يصل إليها برد الماء وروح الحرارة الغريزية التي في بدنها، وينوب عن استنشاق الهواء؛ فلذلك تراها لا صوت لها لفقد الرئة التي لا حاجة لها إليها.
والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون لكل حيوان أعضاء كثيرة مختلفة، وكل حيوان يكون أنقص فهو أقل حاجة، ثم اقتضت أن لكل حيوان أعضاء مشاكلة لبدنه ومفاصل مناسبة لحركاته، وجلودا صالحة لوقايته، فجعل أبدان حيوان الماء إما صدفية صلبة لا يعمل فيها الشيء الحاد أو فلوسية أو ما شاكلهما غطاء ووقاية من العاهات العارضة، وجعل لبعضها أجنحة وأذنابا تسبح في الماء كما يطير في الهواء، وجعل بعضها آكلا وبعضها مأكولا، وجعل نسل المأكول أكثر لبقاء أشخاصها، فسبحانه ما أعظم شأنه!
(ولنذكر) بعض حيوان الماء وعجائبه وخواصه على ترتيب حروف المعجم، والله أعلم بالصواب.
(أرنب البحر) هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، وبدنه كبدن السمك. قال الشيخ الرئيس ابن سينا: هو حيوان صدفي إلى الحمرة ما بين أجزائه، شبيه بورق الأشنان، ينفي الكلف والبهق، ورأسه تحرق لتنبت الشعر في داء الثعلب سيما مع شحم الدب.
(إليس) نوع من السمك عظيم جدّا، وحيوانات الماء كلها تصطاد إلا هذه السمكة، من خواصها أنه لو شوي وأطعم شخصان منه وكان بينهما خصومة شديدة تبدلت بالمحبة.
(إنسان الماء) يشبه الإنسان إلا أنه له ذنبا، وقد جاء شخص بواحد منه في زماننا في بغداد، فعرضه على الناس، وشكله على ما ذكرناه، وقد ذكر أنه في بحر الشام ببعض الأوقات يطلع من الماء إلى الحاضر إنسان، وهو ذو لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر، ويبقى أياما ثم ينزل فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب.
وحكي أن بعض الملوك حمل إليه إنسان مائي، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة فجاء منها ولد يفهم كلام الأبوين، فقيل للولد: ماذا يقول أبوك؟ قال: يقول أذناب الحيوانات كلها على أسافلها، ما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم!
стр. 130
(بقرة الماء) زعموا أنه حيوان يطلع إلى البر للرعي روثه عنبر، والله أعلم بصحته، فإن الناس ذهبوا إلى أن العنبر ينبت في قعر البحر كالقير والنفط، فإن كان صحيحا فروث هذا الحيوان ينفع الدماغ والحواس والقلب، والله أعلم.
(بال) نوع من السمك عظيم يأكل العنبر فيموت، وقد ذكرناه في بحر الزنج فلا نعيده، وفي دماغه دهن كثير ويستعملونه لإشعال السرج.
(تمساح) (١) هو حيوان على صورة الضب من أعجب حيوان الماء، له فم واسع وستون نابا في فكه الأعلى، وأربعون نابا في فكه الأسفل، وبين كل نابين سن صغير مربع يدخل بعضه في بعض عند الانطباق، ولسان طويل، وظهره كظهر السلحفاة، ولا يعمل الحديد فيه، وله أربعة أرجل وذنب طويل، رأسه ذراعان، وغاية طوله ثمانية أذرع، يحرك فكه الأعلى عند المضغ بخلاف سائر الحيوانات.
ولا يقدر أن يلتوي ولا أن ينقبض؛ لأنه ليس لظهره خرزات، بل ظهره قطعة واحدة، وهو كريه المنظر جدّا كثير العدوان، يلتقم الآدمي والشاة ويقتل الخيل والجمال، ولا يوجد إلا في النيل ونهر السند.
وإذا رأى إنسانا على طرف الماء يمشي تحت الماء إلى أن يقرب منه، ثم يثب وثبة واحدة يأخذه، ويبيض كالطيور ويشم من بيضه رائحة المسك، وذبله يخرج من فيه؛ إذ لا منفذ له، وإذ أكل يبقى في خلل أسنانه شيء يتولد منه الدود فيخرج من الماء ويفتح فاه مستقبل الشمس، فيأتيه طائر مثل الطيور، ويدخل فاه ويلتقط ما في خلل أسنانه، فإذا رأى صيادا رفرف وصاح وأخبر التمساح حتى يرجع إلى الماء، فإذا أحس التمساح أنه نقى خلال أسنانه أطبق فاه على الطائر ليأكله.
وقد خلق الله تعالى على رأس ذلك الطائر عظما أحد من الإبرة فيضرب به حنك التمساح فيرفع حنكه فيطير الطائر، وإذا انقلب التمساح لم يستطع أن يتحرك، وإذا أراد السفاد خرج من النيل وأنثاه معه، فيلقي الأنثى على ظهرها، وإذا قضى وطره قلبها، فإن تركها صيدت؛ فإنها لا تقدر أن تنقلب.
стр. 131
فصل: في خواص أجزائه
زعموا أن عينه تشد على صاحب الرمد يسكن وجعه في الحال، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، وسنه الأيمن تعلق على الإنسان يزيد في الباه، وأول سن من جانب فكه الأيسر يشد على صاحب القشعريرة تذهب في الحال، ومرارته يكتحل بها تزيل بياض العين، وشحمه يجعل ضمادا على عضته، فإنه نافع في الحال، وكبده يدهن به المصروع يزول ما به، وزبله يزيل بياض العين اكتحالا، وجلده يشد على جبهة الكبش يغلب الكباش في النطاح.
(تنين) حيوان عظيم الخلقة، هائل المنظر، طويل الجثة عريضها، كبير الرأس، براق العينين، واسع الفم والجوف، كثير الأسنان، يبلع من الحيوان كثيرا، يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لكثرة قوته، والتنين أول أمره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا عظم فسادها يبعث الله تعالى ملكا يحتملها ويقلبها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، ويعظم جسمها؛ فيبعث الله تعالى ملكا فيحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج (١).
وروي عن بعضهم أنه رأى تنينا سقط فوجد طوله نحو الفرسخين، ولونه مثل لون التمر مفلسا كفلوس السمك، وله جناحان عظيمان على هيئة جناح السمك، ورأس مثل التل العظيم
стр. 132
كرأس الإنسان، وأذنان طويلان وعينان مدورتان كبيرتان جدّا، ويتشعب من عنقه ستة أعناق طوال، كل عنق نحو عشرين ذراعا، على كل عنق رأس كرأس الحية.
(أما خاصية أجزائه) فزعموا أن كل أكل لحمه يورث الشجاعة، ولحمه يوضع على عضه ينفع نفعا بينا، ودمه إذا طلي به على الذكر وجامع تحصل المرأة لذة عظيمة.
(جرى) هو الذي يقال له: مارماهي، متولد من الحية والسمك، قال الجاحظ: إنه يأكل الجرذان، وهو آكل لها من السنانير، وذلك أن جرذان السنانير تخرج بالليل إلى شارع البصرة للماء، والجرى قد يكمن لها واضعا فاه على الشرعة، فإذا دنا الجرذان إلى الماء التقمها، مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه، ولحمه يجود الصوت وينفع قصبة الرئة، وإذا تضمد به أخرج السلاء من أعماق اللحم، وأكله يزيد في الباه سيما الطري.
(جلطا) نوع منه يشبه المارماهي، يخرج من البرك والعنسي؛ لطلب الغذاء، وإذا ذبح لا يخرج منه دم، وعظمه رخو يؤكل مع لحمه، ولحمه يسمن النساء إذا أكل، وهو نعم العلاج لذلك.
(دلفين) حيوان مبارك إذا رآه أصحاب المركب استبشروا، وذلك أنه إذا رأى غريقا في البحر ساقه نحو الساحل، وربما دخل تحته وحمله، وربما جعل ذنبه في يده ويمشي به إلى الساحل، وقيل: له جناحان طويلان فإذا رأى المركب تسير بقلوعها رفع جناحيه تشبيها بالمركب وينادي، وإذا رأى الغريق قصده.
(رعاد) سمكة صغيرة مخدرة جدّا إذا وقعت في الشبكة والصياد ماسك حبل الشبكة يرتعد من برودة هذه السمكة، والصيادون يعرفون ذلك، فإذا أحسوا به شدوا حبل الشبكة في وتد أو شجر حتى يموت، فإذا مات بطلت خاصيته، وأطباء الهند يستعملونه في الأمراض الشديدة الحر، وأما في غير بلاد الهند فلا يمكن استعماله.
وقال ابن سينا: الرعاد إذا قرب من رأس المصروع وهو حي أخدره عن الحس، وإذا علقت المرأة منه شيئا على نفسها لم يقدر زوجها على فراقها، والله الموفق.
(دامور) سمكة مباركة، يحبها البحريون، والصيادون إذا رأوها في الشبكة أطلقوها، زعموا أن هذه السمكة تحب الإنسان، وإذا رأت مركبا في البحر تمشي قدامه كالدليل، وإذا قصد السفينة شيء من الحيات الكبار تدخل في أذنها وتشغلها عن السفينة بتحريك دماغها، فالسمكة العظيمة تطلب حجرا وتضرب رأسها عليه حتى تموت، فإذا ماتت خرجت من دماغها.
стр. 133
(سرطان) (١) هو حيوان لا رأس له، وعينه على قفاه، وفمه في صدره، وله ثمانية أرجل يمشي على أحد جانبيه، وفي كل سنة يسقط جلده سبع مرات، ولمكانه بابان: أحدهما إلى الماء، والآخر إلى اليبس، فإذا انسلخ جلده يسد الباب الذي في الماء؛ لئلا يدخل بيته شيء من حيوانات الماء في حال ضعفه وعجزه، ويترك الباب الذي على اليبس مفتوحا ليهب الهواء منه، وإذا كثر وقوع الهواء عليه يصلب جلده ويعود إلى حاله، فحينئذ يفتح باب الماء، ويخرج منه لطلب معاشه.
وزعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقيا على ظهره في أرض أو قرية تأمن تلك البقعة من الآفات السماوية، وإذا علق على الأشجار يكثر ثمرها وما عليها من الثمار يبقى، ويذبح السرطان ويوضع على الجراحات فتخرج النصول والشوك، وينفع من لسع الحيوانات والعقارب وإذا أحرق وشرب نفع من عضة الكلب، وإذا اكتحل به نفع من بياض العين ونزول الماء، وإذا أحرق وطلي به يجلي الأسنان، ورماده يوضع على العضو يخرج منه النصل والشوك.
قال ابن سينا: لحمه صالح للمسلولين جدّا سيما بلبن الأتن، وينفع من نهش العقارب والرتيلاء، وعينه تشد على النائم يرى منامات صالحة، وإن كان به رمد زال عنه، وعيناه إن علقتا على شجرة لم يسقط ثمرها، وشوكه يدخن به تحت ذيل صاحب الحمى الربع ويكرر سبع مرات يبرأ، ورجله يعلق على صاحب الخنازير مع الكافور والعنبر يدفع عنه الخنازير، وإذا علق رجل السرطان على أحد لم تعرض له الخنازير ما دامت عليه.
(سرطان البحر) هو حيوان عجيب الشكل كأنه خمس حيات برأس واحد، إذا أحرق بعظامه وسحق جلا البهق والكلف والأسنان، وينفخ في عيون الدواب يزيل عنها البياض العارض، ويكتحل به مع الكحل يزيل الظفر. وقال ابن سينا: محرقه يجلو الأسنان ويجفف القروح وينفع من الجرب.
(سقنقور) قال ابن سينا: إنه برمائي يصطاد من نيل مصر. وقال غيره: إنه من نسل التمساح إذا وضع خارج الماء، فما قصد الماء صار تمساحا، وما قصد البر صار سقنقورا، وذكروا أنه إذا عض إنسانا غسل الإنسان معضه بريقه، فإذا كان قبل عود السمك إلى الماء مات السمك، وإن كان بعد عوده إلى الماء مات الإنسان، وله قضيبان كما للضب.
стр. 134
لحمه إذا أكل هيج قوة الباه، وكلما كان جسمه أكبر كانت خاصية لحمه أقوى، وشحمه يهيج الباه تهييجا لا يسكن إلا بحسو مرق الخس والعدس، وخرزته الوسطى التي في صلبه إذا علقها الإنسان على صلبه هيجت به الباه.
(سلحفاة) (١) حيوان يري وبحري، أما البحري فقد يكون عظيما جدّا حتى تظن أصحاب المراكب أنه جزيرة، وحكى بعض التجار قال: وجدنا في وسط البحر جزيرة مرتعة عن الماء، فيها نبات أخضر، فخرجنا إليها، وحفرنا للطبخ إذ تحركت الجزيرة فقال الملاحون: هلموا إلى مكانكم فإنها سلحفاة أصابها حرارة النار؛ لئلا تنزل بكم.
قال: وكان من عظم جسمها ما شابه جزيرة، واجتمع التراب على ظهرها بطول الزمان حتى صار كالأرض ونبت، قالوا: إذا أراد الذكر السفاد والأنثى لا تطاوعه يأتي الذكر بحشيشة في فمه من خاصيتها أن حاملها يكون مقضي الحاجة، فعند ذلك تطاوعه الأنثى، وهي حشيشة تسميها العجم مهركياه، لكن الناس لا يعرفونها.
وإذا باضت صرفت همتها إلى بيضها محاذية له، ولا تزال كذلك حتى يخلف الله الولد فيها؛ إذ لا بد لها أن تحضن البيض حتى يدرك بحرارتها، فإن أسفلها صلب لا حرارة فيه، وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية وتمضغ من ذنبها، والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة حتى تموت.
قال بليناس الحكيم: إذا قلبت السلحفاة على ظهرها في مكان فيه البرد لا يقع في ذلك المكان من البرد ضرر.
أما خواص أجزائها: فعينها تشد على صاحب الرمد يبرأ، وقالوا: كل عضو من أعضاء السلحفاة إذا شد على مثله من أعضاء الإنسان وكان وجعا أبرأه، ورجلها تشد على المنقرس، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى تنفعه، ودمها يطلى به على العانة والإبط بعدها ينتف ما عليها مرتين أو ثلاثة لا ينبت شعرها، وتأثيرها في النساء أقوى، ومرارة البحري أقوى منها، تخلط بعسل النحل الشهد تمنع من نزول الماء إذا اكتحل بها وتزيل البياض والكدورة وتصلح للخناق شربا.
стр. 135
وإذا وضعت على منخر المصروع نفعته، وظهرها إذا اتخذ منه مكبية ووضعت على رأس القدر لم تغل أصلا، وبيضها إذا سقي من صفرته ثلاثة مثاقيل باللبن الحليب نفع من السعال الشديد.
(سمك) أصناف السمك كثيرة جدّا، ولكل صنف اسم خاص، منها ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لعظمها، ومنها ما لا يدركه الطرف لصغرها، وحكى بعض التجار قال: مرت بنا سمكة وانتهى ذنبها بعد أربعة أشهر.
وذكروا أن السمكة إذا باضت تأتي إلى ماء ضحضاح وتحفر فيه حفرة وتبيض فيها وتغطيها بالطين فتفقس فيها بإذن الله تعالى، وأما خاصيته فإن السكران الثمل إذا شمه يرجع إليه عقله ويزول سكره.
وقال ابن سينا: لحم السمك نافع لماء العين، ويحد البصر مع العسل. وقال غيره: يزيد في الباه ويخصب البدن، ومرارة السمك إذا شربت تنفع للخناق، وكذلك إذا نفخت في الحلق مع شيء من السكر، والله أعلم.
(شبوط) نوع من السمك مشهور، طوله ذراع وعرضه أربع أصابع، طيب اللحم جدّا، يكثر منه بدجلة، ذكر بعض الصايدين أن الشبوط ينتهي إلى الشبكة فلا يستطيع الخروج منها، فيعلم أنه ليس ينجيه إلا الرسوب؛ فيتأخر قاب رمح، ثم يقبل جامزا بجراميزه حتى يثبت، فربما كان وثوبه في الهواء أكثر من عشرة أذرع، فيخرق الشبكة ويخرج منها.
(شفنين) حيوان بحري تسمى بهذا الاسم، وله وجمة وشكل عجيب، وجمته منقلبة إلى خلاف الناحية التي ينبت منها قشره، تدلك به السن يسكن وجعها في الحال.
(صيرة) سمكة صغيرة يسميها أهل الشام بهذا الاسم، يتخذ منه المري، ويتمضمض به صاحب القلاع الخبيث، ينفع نفعا بينا.
(ضفدع) حيوان بري وبحري، له عينان بارزتان غاية البروز، وحاسة سمعه وبصره حادة جدّا، عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ : «لا تقتلوا الضفدع،
стр. 136
فإنها مرت بنار إبراهيم ﵇ فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار» (١)، وعن عبد الله بن عمر ﵄: «لا تقتلوا الضفدع، فإن نقيقهن تسبيح» (٢).
وأول نشء الضفادع أن تظهر في الماء شبه معي رقيق، وترى في الماء شبه حب أسود كالدخن، فإذا امتلأ ذلك الوعاء من ذلك الحب خرجت منه كالدعموص، ثم بعد أيام تنبت منه اليدان والرجلان.
قال الشيخ الرئيس: إذا كثرت الضفادع في شيء من السنين على خلاف العادة وقع الوباء عقيبه، والضفدع كثير النقيق بالليل، فإذا رأى النهار ترك النقيق.
وقال بعضهم: إذا ألقي في النبيذ يموت، وإذا ألقي في الماء عادت حياته.
قال الجاحظ: الضفدع لا يمكنه النقيق إلا إذا كان حنكه الأسفل في الماء، فإذا صار الماء في فمه صاح؛ ولهذا لا تصيح الخارجات من الماء، وضفدع البر أخضر وهو سم، من سقي منه فسد مزاجه وينتفخ بطنه ويعرض له الاستسقاء، وإذا وضع على الثآليل قلعها، وإذا شق بطنه ووضع على لسعة الحية ينفع نفعا بينا.
وقال الشيخ الرئيس: الضفادع الإجامية الخضرة والبحرية تورث من شربها كمودة اللون وظلمة البصر ونتن الفم والدوار أيضا، ويعرض له اختلاط عقل، ومن سلم منها تسقط أسنانه.
قال الجاحظ: إن الأشد في مناقع المياه والآجام تأكلها أشد أكل.
قال بليناس: إن جعلت ضفدعا فوق قدر تغلي زال غليانها، وإن علق على صاحب حمى الربع برئ.
ومن خواصه العجيبة ما ذكر أن الضفدع إذا أخذ فقد نصفين من رأسه إلى أسلفه، وتنظر إليه امرأة غلبت شهوتها وكثر ميلها إلى الرجال فإن شهوتها تنكسر.
стр. 137
وأما خواص أجزائه: فإن لسانه إذا جعل في الخبز ويطعم من اتهم بالسرقة أقر بها، وإن وضعته امرأة نائمة تكلمت بما عملت في اليقظة وهي نائمة، وأطرافه تحرق بنار القصب، ويطلى برمادها الموضع الذي ينبت عليه الشعر، فإن الشعر لا ينبت عليه، ودمه يطلى به على الموضع الذي نتف شعره فإنه لا ينبت.
وقال بليناس: من لطخ به وجهه أحبه كل من يراه، شحمه يوضع على اللثة يسقط السن بلا وجع.
(ولنختم) خواص الضفادع بحكاية عجيبة؛ وهي أني كنت بالموصل وبنى صاحب الموصل في بستان مجلسا وبركة، وتوالدت الضفادع فيها، وكان نقيقها يؤذي سكان المجلس طول الليل، فقال الأمير: دبروا دفع هذا النقيق فما أفاد شيئا، حتى جاء رجل وقال: اجعلوا طشتا على وجه الماء مكبوبا ففعلوا؛ فلم يسمع بعد ذلك شيء من النقيق أصلا.
(علق) حيوان أسود اللون بقدر أصبع الخنصر، يوجد في المياه يستعمل في المعالجات، فإن الأطباء إذا أرادوا إخراج الدم من موضع مخصوص أخذوا هذا الحيوان في قطعة طين وقربوه من العضو؛ فإنه يتشبث به ويمص الدم منه، وإذا أرادوا سقوطه رشوا عليه ماء الملح؛ فإنه يسقط في الحال.
وربما يكون العلق في الماء يشربه الحيوان يتشبث العلق بحلقه، فطريقه أن يدخن بربر الثعلب، فإذا أصابها دخانه سقط في الحال، وإن دخنت البيت بالعلق هلك ما فيه من الأنحل والبق والبعوض وأمثاله، وإذا ترك العلق في قارورة حتى يموت ثم يسقى وينتف الشعر ويطلى به موضعه؛ فإنه لا ينبت الشعر بعد ذلك أبدا.
(قطا) صنف من الدواب الصدفية (١)، يوجد ببلاد الهند في المياه القائمة المنبثة للناردين، ويوجد بأرض بابل أيضا، وهو من أعجب الحيوانات، له بيت صدفي يخرج منه، وجلده أرق شيء، وله رأس وأذن وعينان وفم، فإذا دخل في بيته يحسبه الإنسان صدفة، وإذا خرج منه ينساب على الأرض ويجر بيته معه، فإذا جفت المياه في الصيف تجمع، ورائحته عطرة؛ لأن هذا الحيوان يرتعي الناردين، وإذا بخر به ينفع من الصرع، وإذا أحرق يجلو رماده الإنسان، وإذا نثر على حرق النار وترك حتى يجف عليه نفع نفعا بينا، والله الموفق.
стр. 138
(فرس الماء) قالوا: إنه كفرس البر إلا أنه أكبر عرفا وذنبا وأحسن لونا، وحافره مشقوق كحافر بقر الوحش، وجثته دون فرس البر وفوق الحمار بقليل، وربما يخرج هذا الفرس من الماء وينزو على فرس البر فيتولد منهما ولد في غاية الحسن.
وحكى أن الشيخ أبا القاسم - ويعرف بكركان ﵀ وهو من مشايخ خراسان نزل على ماء وكان معه حجرة، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض كالدراهم، ونزا على الحجرة؛ فولدت مهرا شبيها بالذكر عجيب الصورة، فلما كان ذلك الوقت عاد إلى ذلك المكان، والحجرة والمهر معه طمعا في مهر آخر فخرج الفحل وشم مهره، ثم وثب في الماء، ووثب المهر بعده، فكان الشيخ يعاود ذلك الموضع مع الحجرة فسمي أبا القاسم كركان.
قال عمر بن سعد: فرس الماء بمصر يؤذن بطلوع النيل بأثر وطء فإنهم حيث وجدوا أثر رجله عرفوا أن ماء النيل ينتهي إلى ذلك الموضع.
أما خواص أجزائه: فسنه نافعة لوجع البطن، ذكروا أن جمعا من السودان الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة يشربون الماء المكدر ويأكلون السمك النيئ؛ فيصيبهم المغص؛ فيشدون هذا السن على العليل فيزول عنه في الحال، عظامه تحرق وتخلط بشحمه ويضمد به السرطان يردعه ويزيل أثره في الحال، خصيته تجفف وتسحق وتشرب لنهش الهوام، جلده إن دفن وسط قرية لم يقع بها شيء من الآفات، ويحرق ويجعل على الورم يسكن.
(قاطوس) سمكة عظيمة تكسر السفينة، والملاحون يعرفونها، يتخذون خرق الحيض ويعلقونها على السفينة، فإنها تهرب عنهم.
(قطا) سمكة عظيمة، ذكروا أن عظم ضلعه يتخذ قنطرة يعبر الناس عليها، شحمه إذا طلي به البرص يزول بإذن الله.
(قندر) حيوان بري وبحري يكون في الأنهار العظام في بلاد إيسودون، ويتخذ من البر بيتا إلى جانب النهر، ويجعل لنفسه فيه مكانا عاليا كالصفة، ولزوجته دون الذي له بدرجة، وعن شماله لأولاده، وفي أسفل البيت لعبده.
ولمسكنه بابان: باب إلى البر، وباب إلى البحر، فإن جاءه العدو من جهة الماء أو طغا الماء خرج إلى البر، وإن جاءه من جهة البر خرج إلى الماء يأكل لحم السمك وخشب الخليج، والتجار في تلك البلاد يعرفون جلد الخادم والمخدوم؛ لأن الخادم يجذب خشب الخليج؛ فتسقط طاقات جلده.
стр. 139
أما خواص أجزائه: فخصيته تسمى الجند بيد ستر، تنفع من ريح أم الصبيان إذا سقي منه قدر حبة الجلبان، وهو مجرب، وينفع أيضا من الفالج واللقوة والنسيان والرياح الغليظة كلها.
قال الشيخ الرئيس: إنه ينفع من القروح القتالة والرعشية والتشنج والكزاز والخدر والفالج، وينفع من النسيان، ويخرج المشيمة والجنين، وهو نافع من لسع الهوام.
(قنفذ الماء) هو حيوان مقدمه يشبه القنفذ البري (١) ومؤخره يشبه السمك، لحمه طيب الطعم يدر البول، جلده ينفع الجرب إذا طلي به، زعموا أنه إذا أخذ طائر أسفيدرون وشد عليه من جلد هذا السمك؛ فإن الهوام تموت من صوته والسباع تهرب.
(قوقى) صنف من السمك عجيب جدّا، على رأسه شوكة قوية يضرب بها، حكى الملاحون أن هذه السمكة إذا جاعت رمت نفسها إلى شيء من الحيوان ليبلعها، ثم إنها تضرب بشوكتها أحشاءه حتى تهلكه، وربما تخرج من شق بطنه، وتتغذى به هو وغيره.
وإذا قصدها قاصد في الماء تضربه بالشوكة تهلكه، ولعلها تضرب السفينة بالشوكة فتفتحها وتغرق أهلها وتأكل منها، والملاحون لما عرفوا ذلك ألبسوا السفينة جلد ذلك السمك الذي تقدم ذكره؛ فإن شوكتها لا تعبر عليه.
(كلب الماء) حيوان مشهور، يداه قصيرتان ورجلاه أطول منها، ذكروا أنه يلطخ بدنه بالطين؛ ليحسبه التمساح طينا، ثم يدخل جوفه ويقطع أحشاءه ويأكلها، ثم يمرق ويخرج منه؛ ولذلك من كان معه شحم كلب الماء يأمن غائلة التمساح.
وذكر بعضهم أن جند بيد ستر خصية هذا الحيوان، وأن الذكر لا يصلح جلده للفراء، وإنما الأنثى جلدها جيد، والذكر لا يصلح إلا لخصيته، والصيادون إذا ظفروا به سلوا خصيته وسيبوه، فإن وقع في الشبكة مرة أخرى يرفع للصياد رجليه؛ ليعلم أن خصيته قد نزعتا ليخلصه من الشبكة.
أما خواص أجزائه: فإن دماغه ينفع من ظلمة العين اكتحالا، ومرارته قدر عدسة منها سم قاتل.
стр. 140
وقال ابن سينا: خصيته تنفع من نهش الهوام مجرب لريح أم الصبيان إذا سقي قدر حبة الجلبان، وجلده يتخذ منه جورب يلبسه المنقرس يزول عنه بإذن الله، والله الموفق.
(كوسج) صنف من السمك معروف، طولها مقدار ذراع لها أسنان كأسنان الناس، يضرب بها الحيوان يقطعه وأكثرها بقرب البصرة.
قال الجاحظ في جوف الكوسج: شحمة طيبة يسمونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السمكة ليلا وجدوا هذه الشحمة وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم يجدوا تلك، وقد مر ذكر كوسج في بحر فارس فلا نعيده.
(النظر الخامس: في كرة الأرض) الأرض جسم بسيط طباعه أن يكون باردا يابسا متحركا إلى الوسط، زعموا أن شكل الأرض كرة، والقدر الخارج من الماء جذبته؛ لأن القوم اعتبروا خسوفا واحدا فوجدوه في البلاد الشرقية والغربية مختلف الأوقات.
فلو كان طلوع القمر وغروبه في وقت واحد بالنسبة إلى الأماكن لما اختلف، وإنما خلقت باردة يابسة للغلظ والتماسك (١)؛ إذ لولا ذلك لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها وجذوب المعادن والنبات في بطنها، وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى.
стр. 141
والماء محيط بها إلا القدر البارز الذي جعله الله تعالى مقرّا للحيوان، وبعد الأرض من السماء من جميع جهاتها متساوية، وليس شيء من مظاهر سطح الأرض أسفل كما توهم كثير من الناس، ممن ليس له بالهيئة والهندسة.
ثم إن الإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض فرأسه أبدا مما يلي السماء، ورجله أبدا مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء بقدر ما خفي من الجانب الآخر تسعة وعشرين فرسخا درجة.
والبحر المحيط الأعظم أحاط بأكثر وجه الأرض، والمكشوف منها قليل على مثال بيضة غائصة في الماء، وانكشف بعضها، وعلى المنكشف منها: الجبال والتلال والوهاد، ولها: منافذ وخلجان وأنهار وبطائح وآجام وغدران، وما فيها قيد شبر إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان، ولا يعلم تفصيلها إلا الله ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
فصل: في اختلاف آراء القدماء في هيئة الأرض
قال بعضهم: إنها مبسوطة التسطيح في أربع جهات: المشرق والمغرب والجنوب والشمال.
وقال بعضهم: هي كشكل الترس، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل. وذهب آخرون: أنها كنصف الكرة، والذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض مدورة كالكرة موضوعة من جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة، وأنها في الوسط على مقدار واحد من جميع الجوانب.
ومن القدماء من أصحاب فيثاغورس من قال: الأرض متحركة دائما على الاستدارة، والذي نرى من دوران الفلك إنما هو دور الأرض لا دور الكواكب.
وقال بعضهم: إنها واقعة في الوسط على مقدار واحد من كل جانب، والفلك بها من كل وجه؛ فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون ناحية؛ لأن قوة الأجزاء متكافئة مثل ذلك.
(حجر المغناطيس) الذي يجذب الحديد؛ لأن في طبع الفلك أن يجتذب الأرض، وقد استوى الجذب من جميع الجهات؛ فوقعت في الوسط، ومنهم من قال: إنها مدورة واقفة في الوسط، وسببه دوران الفلك وسرعة حركته ودفعه إياها من كل جهة إلى الوسط، كما أنه لو جعل تراب أو حجر في قارورة مدورة وأديرت في الخرط بقوة قام التراب أو الحجر في الوسط، والله الموفق.
стр. 142
فصل: في مقدار جرم الأرض ومعمورها وخرابها
قال أبو الريحان: طول قطر الأرض بالفراسخ ألف ومائة وثلاثون وستون فرسخا وثلثا فرسخ، ودورها بالفراسخ ستة آلاف وثمانمائة فرسخ؛ فعلى هذا يكون مساحة سطحها الخارج أربعة عشر ألفا وسبعمائة وأربعة وأربعين ألفا ومائتين واثنين وأربعين فرسخا وخمسي فرسخ.
وقال المهندسون: لو حفر في الوهم وجه الأرض لأدى في الوهم إلى الوجه الآخر، ولو نقب بأرض فرسخ مثلا لنفذ بأرض الصين، واحتجوا على هذا ببراهين هندسية، واعتبرت مساحة الأرض في زمن أمير المؤمنين المأمون بارتفاع قطب معدل النهار، فكان نصيب كل درجة فلكية ستة وخمسين ميلا وثلثي ميل.
فصل: في أرباع الأرض وعماراتها
قال أبو الريحان: سطح معدل النهار يقطع الأرض بنصفين على دائرة تسمى خط الاستواء، فيسمى أحد نصفها شماليّا والآخر جنوبيّا، وإذا توهمت دائرة عظيمة على الأرض مارة على قطب خط الاستواء قسمت كل واحد من نصفي الأرض بنصفين فانقسم جملتها أرباعا جنوبيان وشماليان.
فالربع الشمالي المسكون يسمى ربعا معمورا، وهذا الربع يشتمل على ما يعرف ويسلك من البحار والجزائر والجبال والأنهار والمفاوز والبلدان والقرى، إلا أنه بقي منه قطعة غير معمورة من إفراط البرد وتراكم الثلوج.
وقال غيره: معدل النهار يقطع الأرض بنصفين، كل نصف بربعين شماليين وجنوبيين، فالشماليان هما المعمورة، وهو من العراق إلى الجزيرة والشام ومصر والروم وفرنجة ورومية والسوس إلى جزائر السعادات، هذا الربع غربي شمالي، ومن العراق إلى الأهواز والشمال وخراسان وتثبت إلى الصين إلى واقرها، فهذا الربع شرقي شمالي.
وكذلك النصف الجنوبي ربعان شرقي جنوبي، فيه بلاد الزنج والحبشة والنوبة، وربع غربي جنوبي لم يطأه أحد البتة، وهو متاخم للسودان الذين يتاخمون البربر.
وحكي أن بطليموس الملك اليوناني بعث إلى هذا الربع قوما ليبحثوا عن بلاده؛ فذهبوا وبحثوا عن أهل بلاده، ثم انصرفوا وأخبروا أنه خراب يباب، ليس فيه عمارة ولا حيوان، فسمي هذا الربع الخراب، وقيل: الربع المحترق.
стр. 143
فصل: في أقاليم الأرض
واعلم أن الربع المسكون (١) قد قسم سبعة أقسام؛ كل قسم يسمى إقليما كأنه بساط مفروش من المشرق إلى المغرب، طوله وعرضه من جهة الجنوب إلى جهة الشمال، وهي مختلفة الطول والعرض، فأطولها وأعرضها الإقليم الأول، فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثلاثة آلاف فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من مائة وخمسين فرسخا.
وأقصرها طولا وعرضها الإقليم السابع؛ فإن طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ألف وخمسمائة فرسخ، وعرضه من الجنوب إلى الشمال نحو من سبعين فرسخا.
وأما سائر الأقاليم التي بينهما فيختلف طولها وعرضها بالزيادة والنقصان، ثم إن هذه الأقسام ليست أقساما طبيعية، لكنها خطوط وهمية، وضعها الملوك الأولون الذين طافوا بالربع المسكون من الأرض؛ ليعلم بها حدود البلدان والممالك مثل: أفريدون وإسكندر وأردشير.
فصل: فيما يعرض للأرض من الزلزلة والخسف
زعموا أن الأدخنة والأبخرة الكثيرة إذا اجتمعت تحت الأرض ولا يقاومها برودة حتى تصير ماء، وتكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة، ويكون وجه الأرض صلبا لا يكون فيها منافذ ومسام.
فالبخارات إذا قصدت الصعود ولا تجد المسام والمنافذ تهتز منها بقاع الأرض وتضطرب كما يضطرب بدن المحموم عند شدة الحمى؛ بسبب رطوبات عفنة احتبست في خلال أجزاء البدن؛ فتشتعل فيها الحرارة الغريزية؛ فتذيبها وتحللها وتصيرها بخارا ودخانا، فيخرج من مسام جلد البدن؛ فيهتز من ذلك البدن ويرتعد، ولا يزال كذلك إلى أن تخرج تلك المواد، فإذا خرجت يسكن، وهذه حركات بقاع الأرض بالزلزال فربما يشق ظاهر الأرض ويخرج من الشق تلك المواد المحتبسة دفعة وحدة (٢)، والله أعلم.
стр. 144
فصل: في صيرورة السهل جبلا والبر بحرا وعكسهما
قالوا: إذا امتزج الماء بالطين وكان في الطين لزوجة وأثرت فيه حرارة الشمس مدة طويلة صار حجرا، كما ترى النار إذا أثرت في اللبن صلبتها وجعلتها آجرا، فإن الآجر نوع من الحجر إلا أنه رخو، وكلما كان تأثير النار فيه أكثر كان أشبه بالحجر، فزعموا أن تولد الجبال من اجتماع الماء والطين وتأثير الشمس.
وأما سبب ارتفاعها وشموخها فجاز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف فتخفض بعض الأرض وترفع بعضها، ثم المرتفع يصير حجرا كما ذكرنا، وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب من مكان إلى مكان، فتحدث تلال ووهادا، ثم يتحجر بسبب ما قلنا.
وذكر صاحب علم المجسطي: أن في كل ست وثلاثين سنة ينتقل أوجات الكواكب ويدور في البروج الاثنى عشر دورة واحدة، فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض؛ فيختلف بها الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحر والبرد، ويتغير أرباع الأرض؛ فيصير العمران خرابا، والخراب عمرانا، والبراري بحارا، والبحار براري، والسهول جبالا، والجبال سهولا.
(وأما صيرورة الجبال سهولا) فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها بطول الزمان تنشف رطوبتها، وتزداد يبسا وجفافا، وتنكسر خاصيته عند الصواعق؛ فتصير أحجارا وصخورا ورمالا، ثم إن السهول يحملها إلى بطون الأنهار والأدوية ثم تحملها بشدة جريانها إلى البحار، فتنبسط في قعرها ساقا بعد ساق بطول الزمان، ويتلبد بعضها فوق بعض، فيحصل في البحار جبال وتلال، كما يتلبد من هبوب الرياح دعاص الرمل في البرد.
ولذلك قد يوجد في جوف الأحجار إذا كسرت صدفة أو عظم، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم، وقد يصير البحر يبسا واليبس بحرا؛ لأنه كلما انطمت قطعة من البخار على الوجه الذي ذكرناه.
فالماء يرتفع ويطلب الاتساع على سواحله، ويغطي بعض البر بالماء، ولا يزال كذلك حتى تصير مواضع البر بحرا، وهكذا لا تزال الجبال تنكسر وتصير حصى ورمالا يحملها سيول الأمطار مع طين ممرها إلى قعر البحار، وينعقد فيها كما ذكرناه حتى يستوي مع وجه الأرض، فيجف وينكشف، وينبت العشب عليها الأشجار؛ فتصير مسكنا للسباع والوحوش، فيقصده
стр. 145
الناس لطلب المنافع من الصيد والحطب وغيرهما، فيصير مسكنا للناس موضعا للزرع والغرس فيصير مدنا وقرى، فسبحانه ما أعظم شأنه!
فصل: في فوائد الجبال وخواصها وعجائبها
أما فائدتها العظمى فما ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وقال بعضهم: لو لم تكن الجبال لكان وجه الأرض مستديرا أملس، فكان مياه البحار تغطيها من جميع جهاتها، وتحيط بها إحاطة كرة الهواء بالماء؛ فبطلت الحكمة المودعة في المعادن والنباتات والحيوانات، فاقتضت الحكمة الإلهية وجود الجبال لما ذكرناه من الحكمة.
وقال بعضهم: إن الجبال لوجود الماء العذب السائح على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان؛ وذلك لأن سبب هذا الماء انعقاد البخار في الجو فيصير سحابا، والجبال الشامخة الطوال في المشرق والمغرب والجنوب والشمال تمنع الرياح أن تسوق البحار، بل تجعلها منحصرة حتى يلقحها البرد؛ فيصير مطرا أو ثلجا، فلو فرضت الجبال مرتفعة على وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء.
والبخار المرتفع لا يبقى في الجو منحصرا إلى وقت يضربه البرد، بل يتحلل ويستحيل هواء، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدرا ينزل مطرا، ثم تنشفه الأرض فيعرض من ذلك أن الحيوان يعدم الماء في الصيف عند شدة الحاجة إليه، كما في البادية البعيدة؛ فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال؛ ليحصر البخار المرتفع من الأرض من أغوارها ويمنع من السيلان، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السقف الماء فيبقى محفوظا إلى أن يلقحه البرد زمان الشتاء، فيجمده ويعصره فيصير ماء، ثم ينزل مطرا وثلجا.
والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف، فيقع على قللها الأمطار والثلوج، وينصب إلى تلك المغارات والأوشال، وتبقى فيها مخزونة، وتخرج من أسافلها من منافذ ضيقة وهي العيون، فساحت منها المياه على وجه الأرض؛ فينتفع بها النبات والحيوان وما فضل ينصب إلى البحار، فإذا فني ما استفادته من الأمطار والثلوج لحقها نوبة الشتاء فعادت إلى مكان، ولا يزال دأبها كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
(ولنذكر) بعض الجبال وخواصها العجيبة مرتبا على حروف المعجم إن شاء الله تعالى.
(جبل أولشان) بأرض الروم، في وسط هذا الجبل درب فيه دوران، من اجتاز فيه وهو في