(شوال) سمي شوالا؛ لإشالة الإبل أذنابها عند اللقاح في ذلك الوقت؛ لأنه أول أشهر الحج، في اليوم الأول منه عيد الفطر، ويقال له: يوم الرحمن؛ لأن الله تعالى يرحم فيه عباده، وفيه أوحى الله تعالى إلى النحل صنعة العسل (١)، وفي الرابع منه خرج رسول الله ﷺ ؛
стр. 72
لمباهلة نصارى نجران، وفي السابع عشر منه غزوة أحد (١)، ومقتل حمزة ﵁، وفي الخامس والعشرين إلى آخر الشهر هي الأيام النحسات أهلك الله تعالى فيها عادا، وقيل: إنها أيام العجوز التي كانت تنوح عليهم كل سنة.
(ذو القعدة) سمي ذا القعدة؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال؛ لكونه أول الأشهر الحرم، في الأول منه واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة، وفي الخامس رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ﵉، وفي السابع منه فلق البحر لموسى ﵇، وفي الرابع عشر خرج يونس ﵇ من بطن الحوت، وفي التاسع عشر أنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين (٢)، ونزل جبريل بالوحي على رسول الله ﷺ .
(ذو الحجة) سمي الحجة؛ لأنهم كانوا يحجون فيه، العشر منه: الأيام المعلومات وهي أحب الأيام إلى الله تعالى، في اليوم الأول تزوج علي بفاطمة ﵄، الثامن منه يوم التروية، وسقاية الحاج بالمسجد الحرام تملأ، ويسقى الحجيج في الجاهلية والإسلام حتى تروى، والتاسع منه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، وفيه فدي الذبيح بالكبش، وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، الثاني عشر منه عيد الغدير وهو اليوم الذي واخى النبي ﷺ عليّا رضي الله تعالى عنه فيه، وفي الرابع عشر تصدق علي ﵁ بخاتمة في الصلاة، وفي السادس والعشرين نزل الاستغفار على داود ﵇، وفي السابع والعشرين منه واقعة الحرة، وفي الثامن والعشرين منه خلافة علي ﵁.
خاتمة: في معرفة أوائل هذه الشهور، وقد عمل لها جدول ليسهل علمها
(أما) طريق العمل بها أن تلقي عدد سنين الهجرة من أولها إلى السنة التي أنت فيها أو السنة التي تريد معرفة أول شهر من شهورها ثمانية ثمانية فما بقي تعد من تحت الشهر الذي أنت طالب أوله، فاليوم الذي ينتهي فيه العدد هو أول ذلك الشهر، وإن بقي ثمانية بعد أن أسقطتها كلها كان أول الشهر اليوم الذي في البيت الأخير.
стр. 73
قال جعفر الصادق ﵁: إذا أشكل عليك أول شهر رمضان فعد الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي فإنه أول يوم من شهر رمضان الذي في العام المقبل، وقد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا.
فصل: في شهور الروم
وهي مختلفة العدد؛ لأنهم أرادوا أن تكون شهورهم مساوية لمسير الشمس وحركات الشمس، مختلفة في أرباع السنة فبعضها أكثر أياما من البعض على ما نطقت به الأرصاد القديمة والحديثة، فلهذا جعلوا بعض الشهور ثلاثين، وبعض الشهور أحدا وثلاثين، وبعضها ثمانية وعشرين، فأعطوا كل شهر ما يستحقه حتى صار المجموع ثلاثمائة وستين يوما، وجعلوا يوما في آخر السنة وهذا مجموع أيام سنتهم، وقد وضعوها على هذا الوجه:
تشرين الأول تشرين الثاني كانون لأول كانون الثاني لال لالا
شباط آذار نيسان أيار حزيران تموز آب أيلول كح لا ل لا ل لا لا ل
وقد جمعها الشاعر في هذين البيتين فقال:
فتشرينكم الثاني كأيلول ونيسان ثلاثون ثلاثون أتوا بعد حزيران شباط خص بالنقص وذاك النقص يومان وباقيها ثلاثون ويوم واحد كاني
(تشرين الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول تهيج الصّبا (١)، وفي الثالث عيد دير
стр. 74
الثعالب، وفي الخامس عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس (١)، يزعمون أن نارا من السماء تنزل وتسرج الشمع هنالك، وفي السابع عيد التباريك، وفي الثلاث عشر تفور المياه ويقوم سوق أذرعات ويضطرب البحر، وفي الخامس عشر يبرد الزمان وتكثر الرياح ويصرم (٢) النخل، وإذا قطع خشب لم ينخر خشبه ولم يسوس، وفي الثامن وعشر ينقص النيل، وفي الحادي والعشرين يزرع على نيل مصر، وفي الثاني والعشرين يبتدئ الهواء بالبرد، وفي الثلاثين تذهب احدأ والرخم (٣) والخطاطيف إلى الغور، ويسكن النمل جوف الأرض.
(تشرين الآخر) ثلاثون يوما، في اليوم الأول تهب الجنوب، وفي الثاني في أوقات المطر، وفي الخمس تخفى الهوام، وفي السابع لقط الزيتون بالشام وكثرة الغيوم واضطراب البحر فلا تجري فهي جارية (٤)، وفي الثامن غليان البحر، وفي التاسع أول المرور في بحر فارس، وفي الثالث عشر ابتداء اضطرابه وإن قطع فيه خشب لا تقع فيه الأرضة والسوس، وفي السابع عشر ابتداء صوم الميلاد وهو أربعون يوما، وفي العشرين تموت كل دابة لا عظم لها، وفي الثاني والعشرين ينهى عن شرب الماء البارد بالليل، وفي الثالث والعشرين لقط الزيتون عند القبط، وفي الثامن والعشرين امتداد أمواج البحر.
(كانون الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يقوم سوق ثوما بدمشق ويغرس قضيب البان، وفي الحادي عشر قيام سوق الأردن، والرابع عشر أول الأربعينيات، والسابع عشر ينهى عن تناول لحم البقر والأترنج وشرب الماء بعد النوم وعن الحجامة وطلي النورة ويسمون هذا اليوم الميلاد الأكبر يعنون به الانقلاب الشتوي، ويقولون: إن فيه مخرج النور من حد النقصان إلى حد الزيادة، وتأخذ الإنس في النشوء والنماء والجن في الذبول والفناء، وفي التاسع عشر غاية طول الليل وقصر النهار، وفي الثالث والعشرين تنتهي زيادة النيل وتكثر الأنداء
стр. 75
ويسقط ورق الأشجار، وفي الخامس والعشرين ميلاد المسيح ﵇، وفي التاسع والعشرين ينهى عن شرب الماء عند النوم، ويقولون: إن الجن تتقيأ في الماء، ومن شربه يغلب عليه البله (١).
(كانون الثاني) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يرجى المطر وفقه القلفداس بالشام يوقدون نارا عظيمة، وفي السادس عيد الذبح زعموا أن فيه ساعة تصير فيها المياه المالحة عذبة، وفي العاشر صوم العذارى، وفي السابع عشر يذهب البرد ببلاد فارس، وفي الثاني والعشرين تنتهي الأربعينيات، وفي الرابع والعشرين يدور العشب في الأرض وتتزاوج الطيور، وفي الخامس والعشرين يزرع القطن والبطيخ وتغرس الأشجار بأرض الروم، وتكسح الكروم بأرض مصر، وتغتلم فحول الإبل.
(شباط) ثمانية وعشرون يوما، وفي السابع منه تسقط الجمرة الأولى، وفي الثالث عشر يجري الماء في العود من أسفله إلى أعلاه، وتنق الضفادع، وفي الرابع عشر صوم النصارى وتسقط الجمرة الثانية، وفي العشرين يخرج الذئب وتتحرك البراغيث، وفي الخامس والعشرين تزرع القثاء والبطيخ وتلد الوحوش ويصوت الطير وتطير الخطاطيف ويلد الماعز ويغرس شجر الورد ويزرع الياسمين والنرجس، ويورق الكروم ويكثر العنب، وفي الحادي والعشرين سقوط الجمرة الثالثة، معنى سقوط الجمرات: أن الناس كانوا يتخذون في قديم الزمان أخبية ثلاثة في الشتاء محيطا بعضها البعض، وكانت دوابهم الكبار كالإبل والبقر في البيت الأول، ودوابهم الصغار كالغنم في البيت الثاني، وهم كانوا في البيت الثالث وكانوا يشعلون النار في كل بيت ويتخذون الجمر؛ للاصطلاء، فلما كان السابع من شباط أخرجوا دوابهم الكبار إلى الصحراء، وجعلوا الصغار مكانها وهم سكنوا مكان الصغار فحينئذ سقطت من الجمرات الثلاث جمرة، فإذا مضى أسبوع آخر أخرجوا إلى الصحراء، وتركوا إشعال النار لقلة البرد وطيب الهواء فسقطت الجمرات الثلاث، وفي الخامس والعشرين يظهر الدفء وتهب الرياح اللواقح وتكسح الكروم، وفي السادس والعشرين أول أيام العجوز وأيام العجوز سبعة أيام ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، قيل: إنها سميت أيام العجوز؛ لأن الله تعالى أهلك قوم عاد في هذه الأيام فتخلفت منهم عجوز كانت تنوح عليهم كل سنة في هذه الأيام، فهذه الأيام لا تخلو من برد أو رياح أو كدورة، فذهب بعضهم إلى أنها من الأمور الطبيعية وأن البرد يشتد في آخر الشتاء كما أن الحر يشتد في آخر الصيف، وذلك يجري مجرى السراج الذي فنيت رطوبته فإنه عند انطفائه يشتد ضوؤه دفعات.
стр. 76
(آذار) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول يخرج الجراد والدبيب، وفي الرابع منه آخر أيام العجوز، وذهب بعضهم إلى أنها سميت أيام العجوز؛ لأن عجوزا كاهنة من العرب أخبرت قومها ببرد شديد في آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضرع فنسبوا تلك الأيام إليها، وفي السابع اختلاف الرياح العواصف، وفي الثاني عشر يؤمر بالحجامة، وفي الثالث عشر تظهر الخطاطيف والحدأ، وفي السادس عشر تفتح الحيات أعينها في الأيام البرد؛ لأنها تجتمع في باطن الأرض فيظلم بصرها، وفي الثامن عشر يعتدل الليل والنهار وهو أول ربيع العجم وخريف الصين ويغلظ ماء البحر؛ لأن الشمس تبخر لطيف أجزائه، قالوا: إن العقيم من الرجال إذا نظر في ليلة هذا اليوم إلى الشهر، ثم جامع أهله ولدت، وفي هذا اليوم تهب الرياح اللواقح وتسنبل الحنطة، ويدرك النبق والباقلاء ويعقد اللوز والمشمش ويورق الشجر ويغرس الكرم ويخاف التمساح بمصر، وفي الخامس والعشرين غليان البحر.
(نيسان) ثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يرجى المطر، وفي الرابع الشعانين، وفي الحادي عشر منه عيد النصارى، وفي العشرين منه تهيج الرياح الشرقية ويفرخ الطير، وفي الحادي والعشرين قيام سوق فلسطين، وفي الثاني والعشرين هبوب الجنوب وامتداد الأودية، وفي الثالث والعشرين موسم دير أيوب بالشام، وفي التاسع والعشرين يمتلئ الفرات، وفي الثلاثين يهيج الدم وتنعقد الثمار ويدرك اللوز.
(أيار) أحد وثلاثون يوما، في ثاني يوم منه عيد دير الثعالب، وفي السابع عيد الصليب، وفي الحادي عشر أول البوارح، وفي الخامس عشر عيد الورد المستحدث، وفي السادس عشر تهيج الصبا ويطيب ركوب البحر، وفي الرابع والعشرين يرتفع الطاعون بإذن الله ويخضر الزرع ويركب البحر وتبدو السمائم وتهب الشمال ويسودّ العنب وتبين زيادة نيل مصر وتهب الدبور (١)، وفي الخامس والعشرين منه يعد الورد وفريك السنبل، وفي التاسع والعشرين سبت القيامة.
(حزيران) ثلاثون يوما، في الحادي عشر منه نوروز الخليفة ببغداد، فيه اللعب ورش الماء وغيرهما مما هو مشهور، وفي السادس عشر يتنفس نيل مصر وتفور المياه، وفي الثامن عشر غاية طول النهار وقصر الليل وهو الامتلاء الأكبر يعظمه العرب والعجم وهو الانقلاب الصيفي، وفي الثاني والعشرين يوضع المنجل في الزرع وتدرك الفاكهة، والبطيخ والتين والعنب ويشتد
стр. 77
الحر، وفي الخامس والعشرين مولد يحيى بن زكريا ﵉ وابتداء السمائم بالهبوب وهي أحد وخمسون يوما ويمتد جيحون، وفي الثامن والعشرين آخر البوارح، وفي التاسع والعشرين ينظر أصحاب التجارب بمصر فإن كثر فيه الندى قالوا: يمتد النيل وإن لم يكثر قالوا: لا يمتد.
(تموز) أحد وثلاثون يوما، في الخامس تطلع الشعرى (١)، وبطلوعها يعرفون صلاح الزرع وفساده؛ وذلك أن أصحابه الفلاحة من العجم أخذوا لوحا قبل طلوع الشعرى بأسبوع وزرعوا عليه أصناف الحبوب فلما كانت الليلة التي طلعت فيها الشعرى وضعوا ذلك اللوح على موضع عال لا يحول بينه وبين السماء شيء فما أصبح مخضرّا من ذلك النبات فهو الذي صلح في تلك السنة، وما أصبح مصفرا فهو الذي فسد، وفي السابع يموت الجراد، وفي العاشر يقوم سرق بصرى، وفي الثامن عشر أول أيام الباحور وهي سبعة أيام متوالية يستدلون بكل يوم منها على شهر من أشهر الخريف والشتاء من تغيرات وتلون، وزعموا أنها للسنة كأيام البحران للمريض وأن كل شهر من تلك الأشهر حاله كحال يوم من تلك الأيام أولها وآخرها كآخرها في التغيرات، وفي الرابع والعشرين يشتد صولة الحر ويرتفع الطاعون ويكثر الرمد ويزرع البطيخ الشتوي والجزر والذرة وفي الخامس والعشرين ينتهى عن الجماع؛ لشدة الحر، وفي السابع والعشرين يحمر البسر ويقطف العنب والقصب النبطي وتفور المياه وتنضج الفواكه كلها، وفي الثلاثين عيد كنيسة مريم ﵍.
(آب) أحد وثلاثون يوما، في الأول وفاة مريم ﵍، وفي السادس أول عيد التجلي، وفي التاسع تختلف الرياح، وفي العاشر يقوم سوق عمان، وفي الثاني عشر يبدو هواء العراق، وفي السابع عشر آخر عيد التجلي، وفي الثامن عشر تهيج الرياح البوارح ويكثر الرمان ويصفر الأترنج، وفي العشرين آخر السموم، وفي الثاني والعشرين فتور الحر، وفي السادس والعشرين يهيج الدم، وفي الثامن والعشرين يطيب الماء ويكثر الرطب والعنب، ويسقط الطل والمن والسلوى (٢) بالشام.
стр. 78
(أيلول) ثلاثون يوما، في الأول عيد رأس السنة وتمامها ويكون سوق منبج، وفي الثالث يبتدأ بإيقاد النار في البلاد الباردة، وفي الثاني عشر يفصد ويشرب الدواء، وفي الثالث عشر تنتهي زيادة النيل في مصر وعيد كنيسة القيامة، وفي الرابع عشر عيد الصليب، وفي السادس عشر فطام الأطفال، وفي الثامن عشر اعتدال الليل والنهار وهو أول الخريف عند العجم والربيع عند الصينيين، وزعموا أن المطر في السحاب الذي يرتفع فيه يصبى الروح ويبرئ الجسد، وفي العشرين يرجع الماء من أعالي الشجر إلى عروقه، وفي الرابع والعشرين زعم أصحاب التجارب أنها تهب الرياح وتأتي الغربان البقع في أكثر البلاد، وهذه أمور تتكرر في كل سنة على رأي أصحاب التجارب في الأوقات المذكورة.
فصل: في شهور الفرس
وهي متساوية في العدد؛ لأن أيام سنتهم عددها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما فجعلوا كل شهر ثلاثين يوما، ووضعوا في آخر السنة خمسة أيام، والشهر عندهم لا يكون على أسابيع كما هو عند العرب، بل هو عندهم من أول الشهر إلى آخره، ولكل يوم اسم يعرف به ذلك اليوم ويتميز به عن غيره من الأيام، وهذه صورها:
(ا) هرمز (ب) بهمز (ج) أردبهشت (د) شهرير (هـ) استداند (و) حوادار (ز) مرداد (ح) دي بادر (ط) إحدى (ي) دي (يا) حور (يب) ماء (يج) تبر (يد) كوش (يه) ذي بهمر (يو) مهر (يز) سروسن (يح) رشن (يط) قردوميز (ك) بهرام (كا) رام (كب) بادر (كج) دي بديز (كد) دي (كه) أرد (كو) اشتاد (كز) اسمان (كح) زاميار (كط) مارال (ل) أنير، وإنما وضعوا لكل يوم من الأيام اسما؛ لأن لهم في كل يوم مأكولا وملبوسا ومشموما تخالف غيرها، ولهم أعياد منها ما هو موضوع لأمور دنياوية، ومنها ما هو موضوع لأمور دينية، أما الدنياوية فقد وضعها ملوك الفرس؛ ليتوصلوا بها إلى سرور النفس مع اكتساب الدعاء والحمد والثناء أخذها الخلف عن السلف تيمنا وتفاؤلا، وأما الدينية فقد وضعه أرباب الديانات، والمطلوب منها الخيرات والسعادات الأخروية فيما يرونه، ونحن نذكر ما كان في كل شهر إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
(فروردين ماه) اليوم الأول منه النيروز وهو أول يوم من السنة، واسمه بالفارسية يعطي هذا المعنى، وزعموا أن الله تعالى في هذا اليوم أدار الأفلاك وسير الشمس والقمر وسائر
стр. 79
الكواكب، واسم هذا اليوم هرمز وهو اسم من أسماء الله تعالى (١)، قالوا: في هذا اليوم قسم الله السعادات لأهل الأرض، ومن ذاق صبيحة هذا اليوم قبل الكلام السكر وتدهن بالزيت رفع عنه البلاء في عامة سنته، ويتفاءلون بما وقع لهم في هذا اليوم. وكان الملك يجلس في هذا اليوم ويأتيه كل واحد من خدمه وحشمه بطرفة عجيبة، وإذا استيقظ من نومه أول ما تقع عينه على غلام حسن الوجه على فرس حسن على يده بازي حسن فإن هذا الشكل أحسن الأشكال قد أهدى إلى بعض خواصه، والسابع عشر منه سروش روز، وسروش اسم ملك هو رقيب الليل قيل: إنه جبريل ﵇ وهو أشد الملائكة على الجن والسحرة فيطلع على الخلق بالليل ثلاثا، بالأولى يبرد الجو وتعذب المياه، وبالمرة الأخيرة طلوع الفجر واعتزاز النبات ونماء الزهر وترويح العليل وصدق الرؤيا، التاسع عشر فردورميز روز عيد يسمى فردوميزجان لموافقة اسمه اسم الشهر وذلك جار في كل شهر يعني: إذا كان اسم اليوم يوافق اسم الشهر كان عيدا، وملوك الفرس اتخذوا هذا الشهر كله أعيادا، وجعلوه أسداسا كل سدس خمسة أيام، فالأول للملوك، والثالث لحرم الملوك، والرابع للحاشية، والخامس للعامة، والسادس للرعاة، وكان من رسم الأكاسرة أن يأمروا بإعلام الناس بجلوسه لهم عامة، وفي اليوم الثاني لمن هو أرفع مرتبة كالدهاقين والمشايخ وأرباب البيوت، وفي اليوم الثالث لأساورته وعظمائه، وفي اليوم الرابع لأهل بيته وخاصته، وفي اليوم الخامس لأولاده، وكان يوصل إلى أحد في كل يوم ما يستحقه من الإنعام والإكرام، وفي اليوم السادس كان فارغا عن قضاء الحقوق لم يصل إليه إلا أهل أنسه، وكان يأمر بإحضار الهدايا يتأملها.
(أردبيهشت ماه) اليوم الثالث منه أردبيهشت روز عيد يسمى أردبيهشت، كان لاتفاق العيدين وأردبيهشت اسم ملك النار والنور وكله الله تعالى بذلك على زعمهم بإزالة العلل والأمراض بالأدوية والأغذية، واليوم السادس منه هو اشتاذروز، وهو أول الكهنبار، والكهنبارات ستة، كل واحد خمسة وهي أيام عبادات للمجوس وضعها زرادشت نبي المجوس.
(خرداد ماه) اليوم السادس منه خرداد ماه روز، سمي خرداد، كان لاتفاق الاسمين وهو اسم الملك الموكل بالنبات والأشجار يربيها ويدفع النجاسات عن المياه، واليوم السادس والعشرون وهو اشتادروز أول الكهنبار الرابع، فيه خلق الله النبات والأشجار، واليوم الثلاثون هو نيران روز وهو آب ريزكان يعني عيد الاغتسال.
стр. 80
(تير ماه) اليوم السادس منه وهو يوم خرداد: عيد يسمى جشن نيلوفر، وهو مستحدث، واليوم الثالث عشر منه نيروز يسمى النيركان لاتفاق الاسمين، ذكروا أن في هذا اليوم طلب منوجهر من أفراسياب لما تغلب على إيران شهر أن يردها عليه فأنعم عليه بها وكان منوجهر متحصنا بطبرستان، واليوم السادس عشر مهرروز ومهر اسم الشمس هو أول الكهنبار الخامس، زعموا أنه يوم خلق الله تعالى فيه البهائم.
(شهرير ماه) السادس عشر منه مهر روز عيد عظيم الشأن يعرف بالمهرجان لأن اسمه موافق لاسم الشهر وكانت الأكاسرة (١) في هذا اليوم يلبسون أبناءهم تاج الذهب الذي كان عليه صورة الشمس وعجلتها الدائرة عليها؛ لأن مهر اسم الشمس، وذكروا أن هذا يوم خروج أفريدون بعد أن أهلك الضحاك بيوراسف كل من كان ينسب إلى جمشيد، وفريدون وضعته أمه في غار وتركته وكانت تأتيه بقرة وحش فترضعه حتى وثب على الضحاك وطرده وأخرج أفريدون ونزلت الملائكة لعونه، وذكروا أن في هذا اليوم دحا الله الأرض وجعل الأجساد قرار الأرواح، وقالوا: من أكل يوم المهرجان شيئا من الرمان وشم ماء الورد دفع عنه آفات كثيرة، واليوم الحادي والعشرون هو رام روز وهو اليوم الذي ظفر فيه أفريدون بالضحاك وأسره فقال لأفريدون: لا تقتلني فأجابه إلى ذلك وحبسه بجبل نهاوند مسلسلا في غار فيه.
(أبان ماه) اليوم العاشر منه أبان روز، يسمى أبان كان لاتفاق الاسمين، قالوا: فيه أمر بعمارة الأرض وحفر أنهارها واتصل الخبر بالأقاليم السبعة والخمسة الأخيرة من هذا الشهر أولها اشتادروز وتسمى الفزورجان فيها وكانوا يصنعون فيها الأطعمة والأشربة في النواويس على ظهورها يزعمون أن أرواح موتاهم تخرج في هذه الأيام من مواضع ثوابها وعقابها فتأتيها وتنسف قوتها ويدخنون بيوتهم بالراسن لتستلذ الموتى برائحته.
(آذر ماه) اليوم الأول منه هو يوم هرمز، فيه ركوب الكوسج وهو سنة لهم كان يركب في هذا اليوم رجل كوسج حمارا في أطمار من الثياب وقد تناول الأطعمة الحارة والأشربة المسخنة وطلى بدنه بالأدوية، وفي يده مروحة يتروح بها، ويقول: الحر الحر والناس يتضاحكون ويرمونه بالثلج والجمد فيصيب بذلك خيرا من الناس، وبقي بذلك في عقبه إلى أن ضرب السلطان علي ذلك ضربته، وكان مع الكوسج نقيع المغرة وهي طين أحمر يلطخ به ثياب من لم يسمح له بشيء، وفي هذا اليوم استخرج اللؤلؤ من البحر ولم يكن يعرف قبل ذلك. قالوا: إنه يوم قضى الله فيه
стр. 81
الخير والشر، وزعموا أن من طعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام سفرجلا وشم أترنجا سعد في سائر سنته، واليوم التاسع هو أذرروز، عيد يسمى آذر جشن لاتفاق الاسمين وفيه اصطلوا بالنار وآذر اسم الملك بجميع النيران وقد أمر زرادشت أن تزار في هذا اليوم بيوت النيران، وتقرب القرابين، ويشاور في أمور العالم.
(دي ماه) ويسمى أيضا جرماه اليوم الأول منه يسمى حزم روز وهو اسم الله تعالى وكان الملك في هذا اليوم ينزل عن سرير الملك، ويلبس الثياب البيض يرفع الحجاب ويترك هيئة الملك وينظر في مصالح الناس ويخاطبه كل من شاء من الوضيع والشريف ويجالس الدهاقين (١) والمزارعين ويواكلهم ويقول: أنا كواحد منكم ولا قوام للدنيا إلا بالعمارة التي تجري على أيديكم، وقوام العمارة بالملك لا غنى لأحدهما عن الآخر، ونحن كأخوين متلازمين، واليوم الحادي عشر أول الكهنبار الأول وفيه خلق الله السموات، واليوم الرابع عشر زور كوش، فيه عيد يسمى عيد سيرسو يتناول فيه الثوم والخمر، ويطبخ فيه النبات باللحم التي يتحرز به عن الشياطين وبها يتداوى من العلل المنسوبة إلى الأرواح السوء، واليوم الخامس عشر وهو سمهور روز: عيد يتخذ فيه شخص من عجين أو طين على هيئة إنسان ويوضع في مدخل الأبواب ويخدم خدمة الملوك ثم يحرق وفي هذا اليوم اتفق فطام أفريدون وركوب الثور وزعموا أن من أطعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام تفاحا وشم نرجا عاش سنته بخير وخصب، وأن التدخين في ليلته بالسوسن أمان في العام من القحط والفقر، واليوم السادس عشر هو مهرروز عيد كاوكيل، زعموا أن جمعا من الفرس تخلصوا في هذا اليوم من بلاد الترك وساقوا البقر التي سبيت منهم، وزعموا أن في ليلة هذا اليوم يظهر ثور عجلة القمر وهو ثور قرناه من ذهب وقوائمه من فضة، يظهر ساعة ثم يغيب، والموفق لرؤيته مجاب الدعوة في ساعة النظر إليه.
(بهمن ماه) اليوم الثاني منه بهمن روز عيد يسمى بهمنجة لاتفاق الاسمين وهو الملك الموكل بالبهائم التي يحتاج الناس إليها للعمارة وأهل فارس كانوا يطبخون فيه قدورا يجمعون فيها من كل حب ولحم، ويشربون فيه اللبن، ويزعمون أن ذلك يصلح للحفظ ولهذا اليوم خاصية في لقط الأدوية من الجبال والأودية واتخاذ الأدهان وتهيئة البخور والدخن، وزعموا أن ذلك وضع جاماسب الوزير ونفعها بين. واليوم الخامس وهو يوم اسفندار مد عيد يسمى نوسدة
стр. 82
ومعناه البندق الجديد وهو من مآثر هو راسف، واليوم العاشر وهو أبان يسمى أبان عيد ويسمى السدق وتفسيره المائة، وقيل: إنه إنما سمي سدقا لأنه بقي إلى آخر السنة مائة يوم. وقيل: لأنه تم في هذا اليوم عدد المائة من الآب الأول وهو كيومرت قالوا: إن الشتاء يخرج من جهنم إلى الدنيا في هذا اليوم والناس في هذا اليوم يوقدون نيرانا وينحرون قرابين لدفع مضرته حتى صار من رسم الملوك في هذه الليلة إيقاد النيران وإرسال الطيور والوحش وقد شدوا فيه باقات من الشوك مشتعلة مع الشرب والتلهي، واليوم الثلاثون وهو أنيران روز عيد يسمى إبريز، كان بأصبهان وتفسيره صب الماء والسبب فيه أن القطر احتبس في زمان فيروز جد أنوشروان وأجدب الناس فترك فيروز الخراج وفتح الخزائن واستدان من بيوت النيران (١) وجاد بها على الرعية وتفقدهم تفقد الوالد الولد حتى لم يمت في تلك السنين أحد جوعا ثم صلى ودعا الله تعالى بإزالة ذلك عن الخلق ودخل بيت النار وأدار يده وساعده حوالي اللهيب وضمه إلى صدره ثلاث مرات ضم الصديق صديقه وبلغ اللهب لحيته ولم تحترق وكان ذا لحية كثة ثم قال: اللهم إن كان هذا الاحتباس من أجلي وسوء سيرتي فبين لي حتى أخلع نفسي، وإن كان لغيري فبين لي وأزل عن أهل الدنيا ذلك وجد عليهم بالمطر ثم خرج من بيت النار فارتفعت سحابة وأبلت بأمطار لم يعهد مثلها غزارة، فأيقن فيروز بإجابة دعائه وجرت المياه في الخيام والسرادقات وكان الناس يصب بعضهم على بعض فرحا وسرورا فصار ذلك سنة لهم إلى هذا الوقت.
(اسفندار مذماه) اليوم الخامس وهو اسفندار مذروز عيد لاتفاق الاسمين وهو اسم الملك الموكل بالأرض والمرأة الصالحة المحبة لزوجها وهذا عيد خاص للرجال والنساء يحسن بعضهم إلى بعض ويتخذون فيما بينهم العهود وقد بقي هذا بأصبهان يسمونه مرزكيران، وهذا اليوم تكتب فيه الرقاع لدفع الهوام والحشرات فيكتبون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس الرقية المعرفة، ويلصقون ثلاثة منها على الجدران الثلاثة من البيت، ويتركون الجدار المقابل لصدر البيت.
(القول: في السنين) السنة عند العرب اثنا عشر شهرا (٢) وعند العجم كذلك إلا أن العرب تجعل شهورها على مدار الأهلة وأيامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. وأما العجم فجعلوا
стр. 83
شهورهم على مدار الشمس وأيامها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وفي هذه المدة تقطع الشمس دائرة الفلك، فسنو العرب قمرية، وسنو العجم شمسية، والتفاوت بينهما كل مائة سنة ثلاث سنين، قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥] بحساب العرب، وأول السنة الشمسية مسامته الشمس لنقطة الاعتدال الربيعي، ثم تتحرك متوجهة نحو الشمال حتى تبلغ غايتها في الشمال، ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الخريفي حتى تصير مسامته لها، ثم تتحرك متوجهة نحو الجنوب حتى تبلغ غايتها في الجنوب ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الربيعي فلهذا الاعتبار قسموا السنة أربعة أقسام كل قسم فصل ومن جملة لطف الله تعالى أن أعطى كل فصل طبقة مغايرة لما بعده في كيفية أخرى ليكون ورود الفصول على الأبدان بالتدريج، فلو انتقل من الصيف إلى الشتاء دفعة واحدة لأدى ذلك إلى تغيير عظيم في الأبدان، فحسبك ما ترى من تغيير الهواء في يوم واحد من الحر إلى البرد كيف يظهر مقتضاه في الأبدان فكيف إذا كان مثل هذا التغيير في الفصول، فسبحانه ما أعظم شأنه وأكثر امتنانه.
(أما الرابيع) فهو نزول الشمس أول دقيقة من برج الحمل، فعند ذلك استوى الليل والنهار في الأقاليم، واعتدل الزمان، وطاب الهواء، وهب النسيم، وذابت الثلوج، وسالت الأودية، ومدت الأنهار، ونبعت العيون، وارتفعت الرطوبات، إلى أعلى فروع الأشجار، وتلألأ الزمر، وأورق الشجر، وتفتح النوار، واخضر وجه الأرض، وتكونت الحيوانات ونتجت البهائم، ودرت الضروع وطاب عيش أهل الزمان، وأخذت الأرض زخرفها وازينت الدنيا كأنها جارية شابة تجلت وتزينت للناظرين. فلا يزال كذلك دأبها ودأب أهلها إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء فحينئذ ينتهي الربيع (١) ويقبل الصيف.
(وأما الصيف) فهو نزول الشمس أول السرطان، فعند ذلك تناهى طول النهار وقصر الليل، ثم أخذ في الزيادة، واشتد الحر وسخن الهواء، وأدركت الثمار، وجفت الحبوب، وقلت الأنداء، وأضاءت الدنيا، وسمنت البهائم، واشتدت قوة الأبدان، وانتشرت الحيوانات على وجه الأرض بعموم الخير، وطاب عيش أهل الزمان، وكثرت السموم، ونقصت الأنهار، ونضبت المياه، وأدرك الحصاد، ودرت الأخلاق، واتسع للناس القوت، وللطير الحب، وللبهائم العلف،
стр. 84
وتكامل زخرف الأرض، وصارت الدنيا كأنها عروس حسناء ذات جمال كثيرة العشاق ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر السنبلة فعند ذلك انتهى الصيف (١) وأقبل الخريف.
(وأما الخريف) فهو وقت نزول الشمس في أول الميزان فعند ذلك استواء الليل والنهار ومرة أخرى، ثم ابتداء الليل بالزيادة، كما ذكرنا أن الربيع زمان استواء الأشجار وربو النبات وظهور الأزهار، فبالخريف ذبول النبات وتغير الأشجار وسقوط أوراقها، فحينئذ برد الماء، وهبت الشمال وتغير الزمان، ونقصت المياه، وجفت الأنهار، وغارت العيون، ويبست أنواع النبات، وماتت الهوام، وانحجزت الحشرات، وانصرف الطير والوحش لطلب البلدان الفيئة، وادخر الناس قوت الشتاء ودخلوا البيت ولبسوا الجلود الغليظة من الثياب وتغير الهواء وصارت الدنيا كهلة تولت عن أيام الشباب، ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس (٢) وقد انتهى الخريف وأقبل الشتاء.
(وأما الشتاء) فهو وقت نزول الشمس أول الجدي فعند ذلك تناهى طول الليل وقصر النهار ثم أخذ النهار في الزيادة واشتد البرد وخشن الهواء وتعرى الأشجار عن الأوراق وانحجزت الحيوانات في أطراف الأرض وكهوف الجبال من شدة البرد وكثرة الندى (٣) وأظلم الجو، وكلح وجه الزمان، وهزلت البهائم، وضعفت قوى الأبدان ومنع البرد الناس عن التصرف ومن عيش أكثر الحيوان وبرد الماء الذي هو مادة الحياة، وانقطع الذباب والبعوض، وعدمت ذوات السموم من الهوام وطاب الأكل والشرب، وهو زمان الراحة والاستماع، كما أن الصيف زمان الكد والتعب، قيل: من لم يغل دماغه في الصيف، لم يغل قدره في الشتاء.
وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة دنا موتها، فلا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت، وقد انتهى الشتاء وأقبل الربيع مرة أخرى، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
стр. 85
فصل: في بعض العجائب المتعلقة بتكرار السنين
قال بعض العلماء: إن الله تعالى يبعث في لك ألف سنة نبيّا بمعجزات غريبة واضحة لرفع أعلام دينه القويم وظهور صراطه المستقيم، ويجوز أن يكون ما بين النبيين أكثر من ألف سنة أو أقل، وكان في الألف الأول آدم أبو البشر ﵇، وفي الألف الثاني إدريس ﵇، ثم نوح ﵇، على الترتيب المذكور، وفي الثالث إبراهيم ﵇، وفي الرابع موسى ﵇، وفي الخامس سليمان ﵇، وفي السادس عيسى ﵇، وفي السابع محمد ﷺ ، ثم ختمت به النبوة، وانتهت آلاف الدنيا بألفه لما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃ أن الدنيا جمعة من جمع الآخر سبعة آلاف سنة، وقد مضي ستة آلاف ومائة، وليأتين عليها سنون وعلى رأس كل مائة من مبعث نبينا محمد ﷺ يظهر صاحب علم يرفع أعلام العلم، فعلى رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى الثانية محمد بن إدريس الشافعي (١) ﵁، وعلى الثالثة أبو العباس أحمد بن شريح (٢) وعلى الرابعة أبو بكر بن الخطيب الباقلاني، وعلى الخامسة أبو حامد الغزالي (٣) وعلى السادسة أبو عبد الله الرازي (٤)، رحمة الله عليهم.
стр. 86
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: من عمره الله أربعين سنة كف عنه أنواعا من البلاء منها الجذام والبرص وجنون الشيطان، ومن عمره الله خمسين سنة في الإسلام خفف حسابه يوم القيامة، ومن عمره الله ستين سنة رزقه الإنابة إليه بما يحب له ، ومن عمره سبعين سنة أحبه أهل السماوات وأهل الأرض، ومن عمره ثمانين سنة محا سيئاته وكتب حسناته، ومن عمره تسعين سنة غفر له ذنوبه وكان أسير الله في الأرض وشفع في أهل بيته.
وذهب العلماء إلى أن تكرر الأعوام يرى فيه حوادث عجيبة الشكل غريبة غير معهودة ويحسب اختلاف الأهوية معادن غريبة ونبات وأشجار بديعة ربما يصير العمر غامرا والغامر عامرا والبر بحرا والبحر برّا والسهل جبلا والجبل سهلا كل ذلك بتقدير العزيز العليم.
ولنختم هذا الفصل بحكاية عجيبة، وهي ما روي أنه كان من بني إسرائيل شاب عابد، وكان الخضر ﵇ يأتيه، فسمع بذلك ملك زمانه فأحضره بين يديه وقال، إذا جاءك الخضر فائتني به وإلا قتلتك، فقال الشاب: ويحكم أآتيك بالخضر؟ قال: نعم وإلا قتلتك، فرجع الشاب إليمكانه متفكرا في أمره حتى جاءه الخضر ﵇، فحدثه بحديث الملك، فقال:
امض بي إليه، فلما دخلا على الملك قال له الملك: أنت الخضر؟ قال: نعم، قال: حدثني بأعجب شيء رأيته، فقال الخضر ﵇: رأيت كثيرا من عجائب الدنيا وأحدثك بما حضرني الآن، كنت في اجتيازي مررت بمدينة كثيرة الأهل والعمارة سألت رجلا من أهلها متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: هذه مدينة عظيمة ما عرفنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا، ثم اجتزت بها بعد خمسمائة سنة فلم أر للمدينة أثرا ورأيت هناك رجلا يجمع العشب فسألته متى خربت هذه المدينة، فقال:
لم تزل هذه الأرض كذلك فقلت: أما كانت هاهنا مدينة؟ فقال: ما رأينا هاهنا مدينة ولا سمعنا عن آبائنا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام، فوجدت بها بحرا فلقيت هناك جمعا من الصيادين فسألتهم متى صارت هذه الأرض بحرا؟ فقالوا مثلك يسأل عن هذا إنها لم تزل كذلك، قلت:
أما كان قبل ذلك يبسا؟ قالوا: ما رأينا ولا سمعنا به عن آبائنا ثم اجتزت بعد خمسمائة عام وقد يبست فلقيت بها شخصا يختلي (١)، فقلت: متى صارت هذه الأرض يبسا؟ فقال: لم تزل كذلك، فقلت له: أما كان بحرا قبل هذا؟ فقال: ما رأيناه ولا سمعنا به قبل هذا، ثم مررت بها بعد خمسمائة عام فوجدتها مدينة كثيرة الأهل والعمارة أحسن مما رأيتها أولا، فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: إنها عمارة قديمة ما عرفنا مدة بنائها نحن ولا آباؤنا، فقال: الملك: إني أريد أن أتبعك وأفارق ملكي فقال له: إنك على ذلك ولكن اتبع هذا الشاب فإنه يدلك على الرشاد، والله الموفق للصواب. تمت المقالة الأولى في العلويات والحمد لله رب العالمين.
стр. 87
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، الأزلي الذي لا أول لوجوده، ولا ينتقل من حالة إلى أخرى، الأبدي الذي لا آخر لدوامه، وإليه المرجع والمنتهى، خلق الأرض والسموات العلى، وأبدع الأركان والأمزجة والأعضاء والقوى، وأنشأ الجماد والحيوان وأزواجا من نبات شتى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ [طه: ٦]، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين، محمد خير الورى، وعلى آله مصابيح الدجى، ومفاتيح الهدى.
(أما بعد) فقد أردنا أن نذكر بعض عجائب ما دون فلك القمر من كرة الأثير وعجيب آثارها وكرة الهواء وصحوها وأمطارها، وفوائد معادنها وخواص، نباتها وأشجارها وخواص حيوانها وآثارها مستعينا بالله ومتوكلا على الله، وبالله التوفيق.
المقالة الثانية: في السفليات
وهو ما دون فلك القمر من العناصر والمولدات والنظر فيها في أمور حقيقة العناصر وطباعها وترتيبها وانقلاب بعضها إلى بعض، ذهبوا إلى أن العنصر هو الأصل، وإنما سميت هذه الأجسام عناصر؛ لأنها أصل المولدات أعني: المعادن والنبات والحيوان، وتسمى أيضا أركانا وهي أربعة: النار والهواء والماء والتراب، فالنار حارة يابسة مكانها الطبيعي تحت الفلك وفوق الهواء، والهواء حار بط ومكانه الطبيعي تحت النار وفوق الماء، والماء بارد رطب ومكانه الطبيعي تحت الهواء وفوق الأرض، والأرض باردة يابسة ومكانها الطبيعي الوسط.
ثم إن كل واحد من هذه الأركان متكيف بكيفيتين يشاكل الذي يقربه بكيفية ويضاده بأخرى فلأجل مشاكلتها تقاربت مراكزها، ولأجل تضادها تباينت، واختص كل بمركز لا يقف إلا فيه إذا منعه مانع، فإذا ارتفع المانع كان النزوع إلى مركز العالم فهو ثقيل، وإن كان إلى المحيط فهو خفيف، والله أعلم.
стр. 88
فصل: في انقلاب هذه العناصر بعضها إلى بعض
أما الهواء فينقلب (١) ماء كما يشاهد في القطرات المجتمعة على سطح الإناء المنخذ من الصفر، فإنك إذا تركت فيه ماء يرى على أطراف الإناء قطرات من الماء، ومعلوم أن ذلك ليس من ترشح الإناء، بل سببها أن الهواء المحيط بالكون يصير باردا بسبب برودة الجمد، فيصير ماء ويقع على أطراف الإناء، والماء أيضا ينقلب هواء كما يشاهد من البخارات الصاعدة من حرارة الشمس (٢) أو النار، والهواء ينقلب نارا كما يشاهد من السموم في بعض المواضع عند شدة الحر وكما نرى من كير الحدادين إذا بالغوا في نفخه فإن هواءه يصير بحيث إذا دنا منه شيء يحترق، والماء ينقلب أرضا كما نرى من بعض المياه أنها تصير حجرا، والأرض تنقلب ماء كما يفعله أصحاب الإكسير بسحق أجزائها، وخلط بعض الأدوية بها حتى تصير كلها ماء، ولا يبقى فيها أجزاء الأرضية، والله تعالى هو الموفق للصواب.
(النظر الأول: في كرة النار) النار جرم بسيط طباعه أن يكون حارّا يابسا مكانه تحت كرة الفلك لا لون لها. زعموا أن النار الصرف لا يدركها البصر؛ لأنا نرى الشمع إذا اشتعل كانت شعلته منفصلة، عن الفتيلة، ولا شك أن الحرارة عند اتصال الفتيلة أقوى، وأيضا إن كير الحدادين إذا بالغوا في نفخه صار هواء، بحيث إذا دنا منه شيء يحترق ولا ضوء له، فعلم أن النار القوية الصرف لا لون لها، والنار هي فوق العناصر في غاية القوة والخواص، فلذلك لا تدركه الأبصار، انظر إلى حكمة الباري كيف جعل كرة الأثير دون فلك القمر كيما تحترق بحرارتها الأدخنة الغليظة الصاعدة، وتلطف البخارات العفنة ليكون الجو أبدا شفافا، وجعلها طبقة واحدة شديدة الحرارة محيلة لكل ما وصل إليها من الأبخرة والأدخنة نارا صرفا لما ذكرنا من الحكمة (٣)، وخلقها غير ملونة إذا لو كانت مضيئة كالنار التي عندنا لمنعت الإبصار عن رؤية عالم
стр. 89
الأفلاك، ثم حجبها بكرة الزمهرير ليمنع برد الزمهرير رهج الأثير عن الحيوانات والنبات، وإلا لأدى إلى هلاكها ثم أي شيء أعجب من خروج هذا الجرم النوراني من الحديد والحجر الكثيفين، أو من الشجر الأخضر الذي يخالف طبيعة النار، أو من الحرارة والضياء اللتين يلازمانها ثم من غلبتها وسلطانها على الأجسام حتى على الصخرة الصماء، فتجعلها ترابا، وعلى الحديد فتذيبه، وإذا تفكرت في المصابيح المتعلقة بها للخلق سيما لنوع الإنسان وجدت فهم الإنسان عن ضبطها قاصرا ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٣ - ٧٤]، فسبحان ما أعظم شأنه.
(ومن النيران) العجيبة نار خلقها الله لقبول القرابين تنزل من السماء تأكل القربان المقبول، وهي التي أكلت قربان هابيل دون قربان قابيل، وكان ذلك الامتحان في بني إسرائيل أيضا إذا أرادوا امتحان إخلاصهم تركوا القربان في بيت لا سقف له ونبيهم يدخل البيت ويدعو الله تعالى، والناس خارج البيت فينزل من السماء نار بيضاء لها دوي محيط بالقربان فتأكله، وهي التي أخبر الله تعالى عنها حيث قال: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ (١) فهذه نار الرضا، فسبحان من جعلها مرة للرضا ومرة للسخط.
(ومنها نار) جعلها الله تعالى لسخطه كنار أصحاب الجنة التي ذكرها الله تعالى، وهو أنه كان لرجل صالح بستان إذا كان يوم قطافه يطعم من جاء من المساكين، فلما مات عزم أولاده على أن لا يعطوا المساكين شيئا يقطفوها سرّا، فلما ذهبوا إليها وجدوها قد احترقت فلما رأوها قالوا: ﴿إِنّا لَضَالُّونَ (٣٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٢٦ - ٣٠] (٢).
(ومنها نار الصاعقة) وهي نار تسقط من السماء تحرق أي جسم صادفته، وتتتقد في الصخرة الصماء لا يرد عليها إلا الماء، ذكروا أنها ربما تحجرت فتصير ألماسا فقطاع الألماس منها، والله تعالى أعلم بذلك.
стр. 90
(ومنها نار الحرتين) كانت ببلاد عبس فإذا كان الليل تسطع من السماء، وكانت بنو طيئ تنفش بها إبلها من مسير ثلث وربما بدر منها عبق، (١) فيأتي كل شيء بقربها فتحرقه، وإذا كان النهار كانت دخانا، فبعث الله تعالى خالد ابن سنان العبسي - وهو أول نبي من بني إسماعيل - فاحتفر لها بئرا وأدخلها، والناس ينظرون حتى غيبها وقصتها مشهورة.
فصل: في الشهب وانقضاض الكواكب
زعموا أن الدخان إذا صعد الهواء ولم تصبه برودة حتى يصل إلى الطبقة النارية، فإن لم تنقطع مادته عن الأرض وكان في الدخان دهنية تشتعل النار فيه، ويصير كله نارا، ويرجع إلى مادة الدخان، مثاله: أن السراج إذا طفئ وجعل تحت شعلته سراج آخر، فإذا وصل دخان المنطفئ إلى الشعلة ترجع النار عن الشعلة وتوقد السراج المنطفئ، وأما إذا كانت مادته لطيفة تأخذها النار وتصير نارا صرفا، وقد ذكرنا أن النار الصرف لا ترى وإن كانت المادة كثيفة، فإذا أخذت النار فيها تبقى زمانا، فترى منها أشكالا بحسب مادة الدخان وهيئتها، فربما ترى كوكبا ذا زاوية على شكل تنين (٢) أو على شكل حيوان ذي قرنين، أو على شكل أعمدة مخروطة، وربما يرى على شكل كرة تتدحرج على شكل الفلك، وربما كانت المادة الدخانية كثيرة، فإذا أخذت النار فيها اشتعلت اشتعالا عظيما حتى أضاء الهواء منها، واستنار وجه الأرض منها، والله الموفق للصواب.
خاتمة
من الحكماء من شبه تعلق النفس الإنسانية ببدنه إذا صار مستعدّا لقبول النفس بتعلق النار بالفتيلة إذا صارت مستعدة لذلك، وكما أن إبطال هذا التعلق سهل بنفخة أو غيره، فكذلك
стр. 91
إبطال تعلق النفس بالبدن سهل بطريق سهل الاحترام، وكما أن السراج ينطفيء بانتهاء الدهن، فكذلك النفس تفارق عند انتهاء الرطوبة الغريزية بحدوث الحمى وغيرها، والإنسان يعيش في مكان لا ينفطئ فيه النار، لذلك إذا أراد أصحاب المعادن والخبايا دخول فتق أو مغارة أخذوا شعلة على رأس خشبة طويلة وقدموها، فإن بقيت الشعلة دخلوها، وإن انطفأت لم يتعرضوا لها وتركوها. والمصباح عند ذهاب دهنه وانطفائه ينتعش مرتين أو ثلاث انتعاشا ساطعا ثم يخمد، كما أن الإنسان قبيل موته يزيد قوة وتسمى راحة الموت، ولم يكن بعد ذلك لبث، والله الموفق للصواب.
(النظر الثاني: في كرة الهواء) الهواء جرم بسيط طباعه أن يكون حارا رطبا (١) شفافا متحركا إلى المكان الذي تحت كرة النار وفوق الماء. زعموا أن الأجرام الواقعة ما بين سطح الماء وسطح فلك القمر ثلاثة أقسام: أولها: ما يلي القمر، وآخرها ما يلي سطح الماء والأرض، وأوسطها الهواء الواقع بينهما. أما الهواء المماس لفلك القمر فلدوام دورانه مع الفلك وسرعة حركته صار نارا في غاية الحرارة ويسمى الأثير، وقد مر ذكرها، وكلما كان منهبطا إلى أسفل كان أبطأ حركة وأقل حرارة، وكلما قلت الحرارة غلبت البرودة إلى أن تصير في غاية البرد ويسمى الزمهرير.
وأما القسم الثالث: فإنه بواسطة مطارح شعاعات الشمس وغيرها من الكواكب على سطح الأرض وانعكاسها صار معتدلا، ولولا ذلك لكان الهواء المماس لسطح الأرض أشد بردا مما سواه، كما يعرض ذلك للموضع الذي تحت القطب الشمالي؛ لبعد الشمس عنه فيبرد فيه الهواء
стр. 92
ويجمد الماء ويظلم الجو ويهلك الحيوان والنبات، وذكروا أن أكثر ما تكون كرة النسيم ستة عشر ألف ذراع ارتفاعا، وأقله ما يطابق سطح الأرض، فإن أعلى جبل يوجد على وجه الأرض لا يبلغ ارتفاعه هذا المبلغ، ولا تمنع حرارة الجو هناك من انعقاد الغيم فإن المانع من انعقاد الغيم في الهواء حرارة الجو، وأما سطح كرة النسيم فإنه متداخل في عمق الأرض إلى نهاية ما ثم يقف، فإن النازلين إلى أسفل لطلب المعادن إذا احتاجوا إلى النسيم نفخوا بالمنافخ والأنابيب ليستنشقوا النسيم ويضيء سراجهم، فإن النسيم متى انقطع عنهم انطفأ سراجهم واختنقوا.
ولا يعيش الحيوان دون البرية إلا في موضع يوجد به النسيم، وللهواء تغيرات عجيبة واستحالات من النور والظلمة والحر والبرد وقد سبق القول فيه، وأما ما يحدث من كثرة الأبخرة والأدخنة واختلاف الرياح والزوابع والهالة وقوس قزح والغيوم والرعود والبروق والصواعق والأمطار والضباب والطل والصقيع والثلوج والشهب وذوات الأذناب فإن بعضها يقع في كرة الأثير وقد ذكرناه، ومنها ما يقع في كرة الزمهرير وكرة النسيم فلنذكر الآن ذلك، والله الموفق للصواب.
٤١ فصل: في السحاب والمطر (١) وما يتعلق بهما
زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الماء والأرض حللت من الماء أجزاء لطيفة مائية تسمى بخارا، ومن الأرض أجزاء لطيفة أرضية تسمى دخانا، فإذا ارتفع البخار والدخان في الهواء وتدافعهما الهواء إلى الجهات ومن فوقهما برد الزمهرير ومن أسلفهما مادة البخار غلظا في الهواء وتداخلت أجزاء بعضها في بعض، فيكون منهما سحاب مؤلف متراكم، ثم إن السحاب كلما ارتفع انضمت أجزاء البخار بعضها إلى بعض حتى يصير ما كان منهما دخانا ركاما وما كان بخارا ماء، ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضه إلى بعض فتصير قطرا ثم تأخذ راجعة إلى أسفل فإن كان صعود ذلك البخار بالليل والهواء شديد البرد منعه من الصعود وأجمده أولا فصار
стр. 93
سحابا رقيقا وإن كان البرد مفرطا أجمده البخار في الغيم وكان ذلك ثلجا؛ لأن البرد يجمد الأجزاء المائية ويختلط بالأجزاء الهوائية، وينزل برفق فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما للمطر والبرد، فإن كان الهواء دفيئا وارتفع البخار في الغيوم وتراكمت منه السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوف (١) فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار وصارت ماء وانضمت أجزاؤها فصارت قطرا عرض لها الثقل فأخذت تهوى من أعلى السحب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض، حتى إذا خرجت من أسلفها صارت قطرا كبارا فإن عرض لها برد مفرط في طريقها جمدت وصارت بردا قبل أن تبلغ الأرض، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد فإن كانت كثيرة صارت ضبابا، وإن كانت قليلة وتكاثفت ببرد الليل ولم تجمد نزلت طلا وإن انجمدت نزلت صقيعا، والله أعلم.
واعلم أن من لطف الباري أن أنزل المطر في كل سنة مقدارا معلوما عنده إلى مستقر الحيوان لا إلى القفار البلاقع (٢) التي لا حيوان بها فإن أهل التجربة زعموا أن كل بقعة بينها وبين البحر لا يكون أكثر من مسيرة أربعين يوما فإنها لا تصلح لمسكن الحيوان؛ لأن المطر لا ينزل بها، ثم من تمام لطفه أن أنزل القدر الذي يكون كافيا لا قاصرا، فلا ينبت شيئا ولا زائدا على الحاجة فيعفن النبات ويفسده ويضر بالحيوان، كما فعل بقوم نوح ﵇ وإلى هذا المعنى أشار جلت قدرته بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ثم إنزاله قطرات صغيرة فلو صبه صبّا خدش الأرض وأتلف الزرع، فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأوضح برهانه، والله الموفق.
فصل: في الرياح
زعموا أن حدوث الرياح من تموج الهواء وتحركه إلى الجهات، كما أن تموج البحر هو تدافع الماء بعضه لبعض إلى الجهات، فإن الهواء والماء بحران واقعان غير أن أجزاء الماء ثقيلة الحركة وأجزاء الهواء خفيفة الحركة، وأما كيفية حدوثها فإن الأدخنة التي تصعد من الأرض من تأثير الشمس وغيرها إذا وصلت إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها وإما أن تبقى على حرارتها، فإن انكسر حرها تكاتفت وقصدت النزول فيموج بها الهواء فيحدث الريح، وإن بقيت على حرارتها تصاعدت إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك فتردها الحركة الدورية إلى أسفل، فيموج
стр. 94
بها الهواء فيحدث الريح وربما يحلل تلك الأدخنة الهواء فتحرك من جانب إلى جانب، فيحدث منها الريح أيضا، وسبب تحلل الهواء لها إما من خروجها من مخرج معوج أورد الرياح النازلة إياها من الصعود المستقيم، وربما تصل إليها رياح أخر، وتمدها أدخنة من السفل فتميلها إلى جهة أخرى، والله الموفق.
ومن الرياح العجيبة (الزوبعة) وهي الريح التي تدور على نفسها شبه منارة وأكثر تولدها من رياح ترجع من الطبقة الباردة فتصادف سحابا تذروه الرياح المختلفة فيحدث من دوران الغيم تدوير في الريح فينزل على تلك الهيئة، وربما يكون مسلك صعودها مدورا فيبقى هبوبها كذلك مدورا، كما يشاهد في الشعر الجعد فإن سبب جعودته قد يكون لا عوجاج المسام وربما يكون سبب الزوبعة التقاء ريحين مختلفين الهبوب، فإنهما إذا تلاقيا تمنع إحداهما الأخرى عن الهبوب فيحدث بسبب ذلك ريح مستديرة تشبه منارة، وربما صادفت الزوبعة السفينة فترفعها وتدورها وتغرقها، وربما وقعت قطعة من الغيم في وسط الزوبعة فتدورها في الهواء فترى شبه تنين يدورها في الجو، وهذا كله من أر الله وقدره، والله أعلم بالصواب.
(القول في أصول الرياح) أصول الرياح أربعة:
(الشمال) ومهبها من بنات نعش إلى مغرب الشمس، (والجنوب) ومهبها من مطلع سهيل إلى مشرق الشمس، (والصبا) ومهبها من مطلع بنات نعش إلى لمشرق، (والدبور) ومهبها من مطلع سهيل إلى المغرب.
(أما الشمال) فإنها باردة يابسة لأنها تأتي من الناحية التي لا تسامتها الشمس أصلا، بل لا تقرب منها وتكون الثلوج والمياه الجامدة بها كثيرة فالريح يجتاز بها ويكتسب منها، وأيضا هذه الناحية ليلة البحار كثيرة البراري والجبال فتكتسب منها يبسا، وتكون أشد هبوبا من الجنوب؛ لأنها تهب من موضع ضيق من وسط الجبال، والجبال بناحية الشمال كثيرة فيكون مهبها كخروج الماء من الأنبوب الضيق.
(وأما الجنوب) فمهبها على البحار المتسعة فتكون كخروج الماء من الإناء الواسع الرأس، والشمال تصح الأبدان وتصلبها وتقوى الأدمغة وتصفى اللون وتصحح الحواس وتهيج الشهوة، وزعموا أن الرياح الشمالية والجنوبية إذا دام هبوبها على مواضع تولد الحيوان، والشمالية تجعل أكثر أولادها ذكورا، والجنوبية أكثر أولادها إناثا، والله أعلم.
стр. 95
(وأما الجنوب) فحارة رطبة؛ لأن هبوبها من ناحية خط الاستواء، والحر مفرط هناك؛ لأن الشمس تسامتها في السنة دفعتين ولا تباعد عنها فتزداد بذلك حرّا، وأيضا هذه الجهة كثيرة البحار، فتبخر الشمس منها أبخرة رطبة، فتكسب الجنوب منها رطوبة، والجنوب ترخي الأبدان وتورث الكسل وتحدث ثقلا في الأسماع وغشاوة في البصر، ويظهر عند هبوب الجنوب في البحر سواد عظيم.
ومن العجب أن الجنوب إذا هبت على الماء الحار بردته، والشمال إذا هبت عليه تركته على حرارته كما كان، قالوا: سبب ذلك أن عند هبوب الشمال تكمن الحرارة في داخل الماء، كما ترى في الشتاء أن الحرارة تكمن في جوف الأرض فيبقى داخلها حارا، وأما عند هبوب الجنوب فتخرج الحرارة من داخل الماء كما ترى في الصيف، فإن الحرارة تخرج من جوف الأرض إلى خارجها ويبقى داخلها باردا فخرجت الحرارة من داخل الماء عند هبوب الجنوب، والماء في نفسه بارد يعود إلى طبعه والعرب تزعم أن اللواقح من الجنوب ولا يأتي بالمطر إلا الجنوب.
(وأما الصبا) قريبة من الاعتدال فإن كان هبوبها في أول النهار، فهي مثائلة إلى البرد لأنها تمر على مواضع باردة فبردت ببعد الشمس عنها بالليل فتكون طيبة جدّا إلا أن زمانها قليل؛ لأن شعاع الشمس يسوقها من خلفها، فإذا طلعت الشمس ساقها إلى قدامها فلا تزال كذلك تمر قدام الشعاع والشمس تلطفها وتسخنها بحرها وضيائها حتى تصير معتدلة، وهي النسيم السحري الذي يلتذ به الإنسان، ويطيب النوم عليه، ويجد المريض راحة عند هبوبها ويكون هبوب هذا الريح بالأسحار من الليل والغدوات من النهار، والله الموفق.
(وأما الدبور) فإنها مخالفة للصبا؛ لأنها والشمس مدبرة عنها فلا تسخنها تسخين الصبا، وكذلك تهب في آخر النهار ولا تهب قبله ولا تهب بالليل، لأن الشمس تبلغ موضع مبهبها في ذلك الوقت فتحلل منه البخارات ولهذا المعنى يكون زمن هبوبها قليلا وجميع ما ذكرناه من فوائد الصبا أمر الدبور ضد ذلك، وحسبك قول النبي ﷺ : «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».
فصل: في فوائد عجيبة للرياح
منها: حكايتها لما تمر به من صوت أو رائحة أو كيفية أو بخار أو دخان، ومنها: إلقاحها الشجر وترطيبها الزرع وتجفيفها إياه وتغييرها طباع الحيوان، حتى قيل: إن لها تأثيرا في الذكور والإناث كما ذكرنا، وتأثيرها في الحيوان أن بعضها يرخي البدن وبعضها يصلب.
стр. 96
ومنها: ما يصحح القوى ويصفي البشرة ويذكي الحواس ويهيج الشهوة، ومنها: ما يكون بضد ذلك، ومنها: إجراء السفينة الثقيلة وقطع المسافة الطويلة بمدة يسيرة، وأعجب من هذا نشرها السحاب وسوقها إياه إلى المواضع المحتاجة إلى السقي؛ لإحياء البلاد والعباد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
فصل: في الرعد والبرق وما يتعلق بهما
زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الأرض حللت منها أجزاء أرضية يخالطها أجزاء نارية، ويسمى المجموع دخانا، ثم الدخان يمازجه البخار ويرتفعان معا إلى الطبقة الباردة من الهواء؛ فينعقد البخار سحابا، ويحتبس الدخان فيه، فإن بقي على حرارته قصد الصعود، وإن صار باردا قصد النزول.
وأيّا ما كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا؛ فيحدث منه الرعد، وربما يشتعل نارا؛ لشدة المحاكة؛ فيحدث منه البرق إن كان لطيفا، والصاعقة إن كان غليظا كثيرا؛ فتحرق كل شيء أصابته، فربما يذيب الحديد على الباب ولا يضر بخشبه، وربما يذيب الذهب في الخرقة ولا يضر الخرقة، وقد يقع على الماء فيحرق حيتانه وعلى الجبل فيشقه.
واعلم أن الرعد والبرق يحدثان معا، لكن يرى البرق قبل أن يسمع الرعد؛ وذلك لأن الرؤية تحصل بمراعاة البصر، وأما السمع فيتوقف على وصول الصوت إلى الصماخ، وذلك يتوقف على تموج الهواء، وذهاب النظر أسرع من وصول الصوت، ألا ترى أن القصار إذا ضرب الثوب ثم يسمع الصوت بعد ذلك بزمان.
والرعد والبرق لا يكونان في الشتاء؛ لقلة البخار الدخاني، ولهذا المعنى لا يوجد في البلاد الباردة عند نزول الثلج؛ لأن شدة البرد تطفئ البخار الدخاني، والبرق الكثير يقع عنده مطر كثير؛ وذلك لتكاتف أجزاء الغمام، فإنها إذا تكاتفت انحصر الماء فيها، فإذا نزل نزل بشدة، كما إذا احتبس الماء ومنع جريه ثم أطلق؛ فإنه يجري جريا شديدا، ولهذه العلة من أمسك نفسه عن الضحك قهقه بغتة، والله الموفق.
стр. 97
فصل: في الهالة وقوس قزح وغيرهما من الأشياء التي تظهر ونراها في الجو
قال القاضي عمر بن سهلان المناوي رحمه الله تعالى: تحقيق هذه الأمور موقوف على مقدمات:
(المقدمة الأولى) في معنى انعكاس البصر، وهو لا يقاس على انعكاس الضوء؛ لأن انعكاس الضوء له حقيقة في الخارج، وأما انعكاس البصر فلا حقيقة له في الخارج، وإنما يقدر بطريق التوهم؛ إذ لا فرق في مقصودنا بين الانعكاسين.
أما انعكاس الضوء فهو أن يقع شعاع من جسم مضيء على جسم كثيف صقيل ويعكس منه، ويقع على جسم يكون وضعه من هذا الجسم الصقيل كوضع الجسم المضيء من ذلك الصقيل، لكنه يخالفه في الجهة على وجه تكون زاوية الاتصال كزاوية الانعكاس، وليس ذلك بشكل هندسي.
ولتكن دائرة (كر) جرم الشمس، ودائرة خط المرآة الصقيلة وخط (اب) شعاع الشمس و (لح) الجسم الكثيف الذي هو في خلاف جهة الشمس من المرآة، فإن الشعاع يرجع من المرآة ويقع على الجسم الكثيف إذا لم يكن بينهما حائل، فلو قدرنا أن من شعاع (اب) يقوم على سطح المرآة خط كالعمود، وفرضنا على سطح المرآة خطّا وهو (ده) تظهر من خط (اب) الذي هو شعاع (يه) المفرض على سطح المرآة زاوية من خط (لح) الذي هو الشعاع الراجع من خط (يه) زاوية أخرى موازية للزاوية المتقدمة.
فزاوية (ا ي د) زاوية اتصال الشعاع وزاوية (هـ ب ح) زاوية انعكاس الشعاع، فإذا فرضنا خط الشعاع عمودا على سطح المرآة كخط (وي) كان ناقصا على أعقابه، فإذا عرف انعكاس الضوء فيقاس عليه انعكاس البصر.
فنقول: إذا كان في محاذاة النظر جسم صقيل، وتوهمنا أن خطّا خرج من الحدقة واتصل بالجسم الصقيل، وقدرنا خروج خط من هذا السطح بين سطح الجسم الصقيل وبين سطح الخط المتصل من الناظر، فيظهر من الخطين - أعني: الخط المتصل من الناظر إلى الجسم الصقيل، والخط المرسوم على سطح الجسم - زاويتان.
فإن كانتا قائمتين فانعكاس البصر ناكص على أعقابه، وإن لم تكونا قائمتين فالتي تكون من
стр. 98
طرف الناظر حادة والأخرى منفرجة، فلو فرضنا خطّا خارجا من النقطة المشتركة بين هذين الخطين مخالفا لجهة الناظر وكون وضعه من هذا الجسم الصقيل كوضع خط الناظر، فكل جسم كثيف وقع في طريق هذا الخط يراه الناظر، وتسمى هذه الرؤية انعكاس البصر، كما إذا رأى الإنسان في المرآة من كان خلفه أو على جانبيه أو كان فوقه أو تحته إذا كان بهذه الشرائط، والله الموفق.
(المقدمة الثانية) إن المرآة الصغيرة لا يرى فيها شكل الأشياء كما هي، بل يرى منها لونها كالشكل المربع والمثلث وأمثالهما، فإن شكلها لا يرى في المرآة الصغيرة بل يرى لونها كأحمر وأسود.
(المقدمة الثالثة) إن المرآة إذا كانت ملونة لا يرى فيها لون الأشياء كما هي، بل فيها مشوبة بلون المرآة كالكافور في الشيء الأخضر، فإنه يرى أبيض مشوبا بلون الخضرة، وهكذا سائر الألوان.
(المقدمة الرابعة) إن ما يرى في المرآة لا حقيقة له في المرآة؛ لأنه لو كان له في المرآة حقيقة لكان الناظر إذا انتقل إلى مكان آخر رأى ذلك الشيء فيه على وضعه، وليس كذلك؛ لأنا نرى شجرة في المرآة ثم إذا انتقلنا إلى جانب آخر نرى الشجرة في جانب غير ذلك الجانب، وما كان حقيقيّا لا يتغير مكانه بسبب تغير مكان الناظر إليه، فثبت أن ما يرى في المرآة لا حقيقة له، بل هو من باب الخيال.
ومعنى الخيال في هذا المقام أن ترى صورة الشيء مع صورة غيره بتوهم أن إحداهما داخلة في الأخرى، ولا يكون في الحقيقة كذلك، بل إحداهما ترى بواسطة الأخرى من غير ثبوتها فيها، فإذا نظر الناظر في المرآة فكل جسم تكون نسبته إلى المرآة كنسبة الناظر على ما بيناه في انعكاس شعاع البصر يصير مرئيّا، إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: وبالله التوفيق.
(أما الهالة) فتحدث من أجزاء ثقيلة صغيرة حدثت في الجو، وأحاطت بغيم رقيق لطيف لا يستر ماوراءه، وانعكس من الأجزاء الثقيلة شعاع البصر إلى القمر؛ لأن ضوء البصر وغيره إذا وقع على الصقيل ينعكس إلى الجسم الذي يكون وضعه من ذلك الصقيل كوضع المضيء منه، إذا كانت جهته مخالفة لجهة المضيء، فيرى ضوء القمر، ولا يرى شكله؛ لأن المرآة إذا كانت صغيرة لا يرى شكل المرئي فيها، بل ضوؤه، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوءه، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوء القمر، فترى دائرة مضيئة وهي الهالة.
стр. 99
(وأما قوس قزح) (١) فإنما يكون إذا حدثت في خلاف جهة الشمس أجزاء مائية شفافة صافية من نزول مطر وبخار، وكانت الشمس مكسوفة قريبة من الأفق المقابل، ووراء تلك الأجزاء جسم كثيف مثل جبل أو سحاب مظلم، وإذا استدبر الناظر الشمس ونظر إلى تلك الأجزاء صارت الشمس في خلاف جهة الناظر، فانعكس شعاع البصر من تلك الأجزاء إلى الشمس؛ لكونها صقيلة، فأدت ضوء الشمس دون الشكل؛ لكونها أجزاء صغيرة، فكل واحد يؤدي ضوء الشمس دون شكلها كما بينا.
وسبب استدارة القوس وقوع الأشياء مستديرة بحيث لو جعلنا مركز جسم الشمس قطب دائرة على محيط فلكها؛ لكانت تلك الأجزاء مسامتة لتلك الدائرة، وتختلف ألوان القوس بحسب تركب لون المرآة ولون الشمس كما بينا، فترى قسيا مختلفة الألوان بعضها أحمر وبعضها أخضر وبعضها أرجواني، وأغلب الأوقات لونها مركب من ثمانية، وقد ترى في بعض الأوقات فيها أصفر أيضا.
فلو لم يكن وراء الأجزاء الثقيلة التي حدثت بعد المطر أو البخار جسم كثيف لا يظهر قوس قزح؛ لأن الأجزاء الشفافة ينفذ شعاع البصر فيها ولا ينعكس كالبلور إذا جعلته في مقابلة الشمس من غير أن يكون وراءه جسم كثيف ينعكس عنه شعاع البصر.
قال بعضهم: سبب اختلاف ألوانها قربها من الشمس وبعدها، فما يرى منها أحمر فإنه أقرب إلى الشمس، وما يرى أصفر فإنه أبعد من الأحمر، وما يرى أرجوانيّا فبعيد عن الشمس ومخالط للظلمة، وما يرى كميتا فمركب من الصفرة والأرجواني والبنفسجي.
وحكى الشيخ الرئيس أنه كان على الجبل الذي بين باورد وطوس، وأنه أعلى الجبال، وكانت السماء مكشوفة، فقال: كنت في وسط الجبل، بيني وبين الأرض سحاب رطب، والشمس في وسط السماء، فنظرت إلى السحاب الذي كان بيني وبين الأرض فرأيت دائرة نقية بلون قوس قزح، فشرعت في النزول عن الجبل والدائرة تصغر، فكلما نزلت رأيتها أصغر مما كانت قبل ذلك إلى أن وصلت إلى السحاب فاضمحلت.
стр. 100
(النظر الثالث: في كرة الماء) الماء جرم بسيط طباعه أن يكون باردا رطبا شفافا متحركا إلى المكان الذي تحت كرة الهواء وفوق كرة الأرض، زعموا أن شكل الماء كروي؛ لأن راكب البحر إذا قرب من جبل ظهر أعلاه أولا ثم أسفله، مع أن البعد بينه وبين الأعلى أكثر مما بينه وبين الأسفل، ولو لم يكن للماء حدبة تمنع من ذلك لما رئي أعلاه قبل أسفله.
لكن استدارة كرة الماء غير صحيحة؛ لأن الباري تعالى لما أراد أن يجعل الأرض مقرّا للحيوان وحيوانات البر لابد لها من الهواء للتنفس، ومن الأرض للمقر، فخلق - جلت قدرته - الأرض ذات تضاريس خارجة من الماء بمنزلة خشونات تكون على ظاهر الكرة، وذلك لا يقدح في أن يكون شكل الماء أو شكل الأرض كرويا.
ثم إنه تعالى جعل التضاريس محلا للحيوانات البرية والوهاد للحيوانات المائية، وكل واحد من الأركان في حيزه محيط بالآخر إلا الماء، فإنه منعته العناية الإلهية عن الإحاطة بجميع جوانب الأرض؛ لما ذكرنا من الحكمة.
واعلم أن الماء عذب ومالح، وكل واحد منهما له فائدة لا توجد في الآخر، أما المالح فملوحته من الأجزاء الأرضية السبخة التي احترقت من تأثير الشمس واختلطت بالمياه وجعلتها مالحة، فلو بقيت على عذوبتها لتغيرت من تأثير الشمس وكثرة الوقوف؛ لأن من شأن الماء العذب أن ينتن من كثرة الوقوف وتأثير الشمس فيه، ولو كان كذلك لسارت الرياح بنتنها إلى أطراف الأرض؛ فأدى إلى فساد الهواء، ويسمى ذلك طاعونا، فصار ذلك سببا لهلاك الحيوان، فاقتضت الحكمة أن يكون ماء البحر مالحا؛ لدفع هذا الفساد.
ومن فوائد الماء المالح الدر والعنبر وأنواع ما يؤتى به من البحر، وسيأتي شرحها مفصلا إن شاء الله تعالى.
والمياه المالحة في الحماءة فيها شفاء للأمراض الصعبة، وماء زمزم صالح لجميع الأمراض المتفاوتة، قالوا: لو جمع جميع من داواه الأطباء لا يكون شطرا ممن عافاه الله بشرب ماء زمزم.
وأما العذب فمعظم فائدته الشرب، وفيه قوة إذا نقعت فيه مطعوما - كالزبيب مثلا - يمص جميع حلاوتها حتى لا يترك فيها شيئا من الحلاوة، وإذا خالط شيئا يأخذ طبعه ولونه فيصير عسلا وزيتا وخلاّ ولبنا ودما يقبل جميع الألوان والطعوم، ولا لون له ولا طعم.
стр. 101
ومن عجيب لطف الله تعالى أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل أو معالجة حتى يصلح للأكل إلا الماء، فإن الله تعالى أكثر منه، ولا حاجة إلى معالجته؛ لعموم الحاجة إليه، فإن الله تعالى كفى الخلق ومعالجة إصلاح الماء بتأثير الشمس في مياه البحر وارتفاع البخار منها.
ثم إن الرياح تسوق ذلك البخار إلى المواضع التي شاء وينزلها مطرا، ثم يجون ذلك في الأوشال والكهوف في جوف الجبال وتحت الأرض، وتخرج منها شيئا بعد شيء، وتجري الأنهار والأودية، وتظهر من القنى والآبار بقدر ما يكفي العباد لعامهم، فإذا جاء العام المقبل أتاهم مطر وهكذا مثل الدولاب يدور حتى يبلغ الكتاب أجله، فسبحانه ما أعظم شأنه!
فصل: في صيرورة البحر في جانب الأرض
إن من عجيب صنع الله تعالى انحسار الماء عن وجه بعض الأرض، ولولا ذلك لكان الأمر الطبيعي يقتضي أن يكون الماء لابسا جميع وجه الأرض حتى تصير الأرض في وسطه شبيه بمح البيض، والماء حولها بمنزلة البياض.
ولو كان كذلك لبطل النظام الحسي والحكمة العجيبة التي مر ذكرها من خلق الحيوان والنبات، فاقتضى التدبير الإلهي المخالفة بين مركز الأرض ومركز الشمس؛ لتدور على مركزها الخاص الذي هو غير مركز الأرض؛ ليقرب من ناحية من الأرض، ويبعد الأخرى، فصارت الناحية القريبة منها تحمي ماءها، ومن شأن الماء إذا حمي أن ينجذب إلى الجهة التي يحمى فيها بالبخار، فإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه الأرض من الجانب الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس.
والشق الذي قربت منه الشمس هو الجنوب، والشق الذي بعدت عنه هو الشمال، فصار جانب الجنوب بحرا، وجانب الشمال يبسا؛ لتتم حكمته وينتظر أمر العالم على ما هو موجود، وما نرى من البحار مستنقعات على وجه الأرض، وسيأتي شرحها إن شاء الله تعالى.
فصل: في أحوال عجيبة تعرض للبحار
إن للبحار أحوالا عجيبة (١) من ارتفاع مياهها وهيجانها في أوقات مختلفة من الفصول الأربعة وأوائل الشهور وأواخرها وساعات الليل والنهار.
стр. 102
أما ارتفاعها فزعموا أن الشمس إذا أثرت في مياهها لطفت، وتحللت وملأت مكانا أوسع مما كان فيه قبل، فدافعت أجزاؤها بعضها بعضا إلى الجهات الخمس؛ الشرق والغرب والجنوب والشمال والفوق، فتكون على سواحلها في وقت واحد رياح مختلفة، هذا ما ذكروه في سبب ارتفاع مياهها.
وأما مد بعض البحار في وقت طلوع القمر، فزعموا أن في قعر البحر صخورا صلدة وأحجارا صلبة، وإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح أشعته إلى تلك الصخور والأحجار التي في قرارها، ثم انعكست من هناك متراجعة فسخنت تلك المياه وحميت ولطفت، فطلبت مكانا أوسع، وتموجت إلى ساحلها، ودفع بعضها بعضا، وفاضت على شطوطها، وتراجعت المياه التي كانت تنصب إليها إلى خلف.
فلا تزال كذلك ما دام القمر مرتفعا على وسط سمائه، فإذا أخذ ينحط سكن غليان تلك المياه وبردت تلك الأجزاء وغلظت، ورجعت إلى قرارها، وجرت الأنهار على عادتها، فلا يزال كذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي.
ثم يبتدئ المد على مثال عادته في الأفق الشرقي، ولا يزال ذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى وتد الأرض وينتهي المد، ثم إذا زال القمر عن وتد الأرض أخذ الماء راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي، هذا قولهم في مد البحار وجزرها.
وأما هيجانها فكهيجان الأخلاط في الأبدان، فإنك ترى صاحب الدم والصفراء وغيرهما يهتاج به الخلط ثم يسكن قليلا قليلا، وقد عبر النبي ﷺ عن ذلك بعبارة لطيفة فقال: «إن الملك الموكل بالبحر يضع رجله بالبحر فيكون منه المد ثم يرفع فيكون منه الجزر»، ولنذكر الآن هيئات البحار وبعض ما يتعلق بها من العجائب، والله الموفق.
(البحر المحيط) والبحر العظيم الذي منه مادة سائر البحار، ولم يعرف ساحله، يسميه اليونانيون أوقيانوس، والبحار التي تراها على وجه الأرض هي بمنزلة الخلجان له، وفيها من الجزائر المسكونة والخربة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
قال أبو الريحان الخوارزمي رحمه الله تعالى: إن البحر الذي في مغرب المعمورة على ساحل بلاد الأندلس يسمى البحر المحيط، ويسميه اليونانيون أوقيانوس، لا يولج فيه، وإنما يسلك بالقرب من ساحله ويمتد من هذه البلاد نحو الشمال؛ فيخرج منه خليط نبطس عند اليونانيين،
стр. 103
وعند غيرهم بحر طرابنده يمر عليه سور القسطنطينية، ويتضايق حتى يقع في بحر الشام، ثم يمتد نحو الشمال على محاذاة أرض الصقالبة، ويخرج منه خليج عظيم في شمال الصقالبة يمتد إلى أرض قريبة من أرض بلغام.
(البحر الأبيض) ينحرف نحو المشرق بين سالحه وبين أقصى أرض الترك أرضون وجبال مجهولة وخربة غير مسلوكة، ثم يتشعب منه خليج من أعظم الخلجان يكون منه البحر الذي يسمى في الموضع من الأرض التي تحاذيه باسمه، فيكون أولا بحر الصين، ثم بحر الهند، ثم يخرج منه خليجان عظيمان؛ أحدهما: بحر فارس، والآخر: بحر القلزم (١)، ثم ينتهي إلى بحر معروف ببحر البربر، ويمتد من عدن إلى سقالة الزنج.
وهذا البحر لا يتجاوزه مركب لعظم المخاطرة، ثم ينتهي إلى الجبال المعروفة بالقمر التي ينبع منها عيون نيل مصر، ثم إلى أرض سودان المغرب، ثم إلى بلاد الأندلس وبحر أوقيانوس، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعرفه إلا الله تعالى.
وأما ما وصل إليه الناس فكثير، كل جزيرة من عشرين فرسخا إلى مائة فرسخ وإلى ألف فرسخ، والمشهور منها جزيرة قبرص وجزيرة شامس وجزيرة رودس وجزيرة صقلية، وفي جهة الجنب جزائر الزنج وسرنديب وسقطر أو جزائر الدنيجات.
وأما بحر الخزر، فإنه غير متصل بالمحيط ولا بشيء من البحار، وهو مستدير إذا أراد السائر أن يطوف به على ساحله لا يمنعه شيء.
وذكر السمرقندي في كتابه أن ذا القرنين أراد أن يعرف ساحلي هذا البحر؛ فبعث مركبا فيه، وأمره بالمسير سنة كاملة، لعله أن يأتي بخبر، فسار المركب سنة كاملة ما رأى سوى سطح الماء وأراد الرجوع، فقال بعضهم: نسير شهرا آخر لعلنا نطلع على شيء نبيض به وجوهنا عند الملك، ونقلل الزاد والماء في الرجوع، فساروا شهرا آخر فإذا هم بمركب فيه أناس، فالتقى المركبان ولم يفهم أحدهما كلام الآخر، فدفع قوم ذي القرنين إليهم امرأة وأخذوا منهم رجلا، ورجعوا به وزوجوه امرأة منهم، فأتت بولد يفهم كلام الوالدين، فقالوا له: سل أباك من أين جئت؟ فقال:
من ذلك الجانب، فقال: لأي شيء؟ قال: بعثنا الملك لنعرف حل هذا الجانب، فقيل له: وهل لكم ملك؟ قال: نعم، أعظم من هذا الملك، والله أعلم بصحة هذا القول.
стр. 104
(بحر الصين) هو متصل بالبحر المحيط، حده من المشرق إلى القلزم ومنه إلى المغرب، وليس على الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، ويقال له: بحر الهركند، وهو كثير الموج عظيم الإضراب بعيد العمق.
قال البحريون: جميع المد والجزر في بحر الهركند وما يتصل به كما في بحر فارس، وكيفيته أن القمر إذا بلغ مشرق البحر ابتدأ بالمد، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ القمر وسط سماء ذلك الموضع، فعند ذلك ينتهي المد منتهاه، فإذا انحط القمر عن وسط سمائه خرس الماء ورجع، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر مغرب ذلك الموضع، فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه، فإذا زال القمر من مغرب ذلك ابتدر المد هناك مرة ثانية، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر إلى وتد الأرض؛ فحينئذ ينتهي المد منتهاه ثانيا ويبتدئ الجزر مرة ثانية إلى أن يبلغ القمر أفق ذلك الموضع، فيعود الحال المذكور مرة ثانية.
قال أبو الريحان في كتابه المسمى بالآثار الباقية: إن بحر الصين إذا قرب هيجانه يستدل على ذلك بارتفاع السمك من قعره إلى وجه الماء، وإذا دنا سكونه يبيض طائر مشهور في البر في مجمع القرى، وهو طائر لا يصير إلى الأرض أبدا، ولا يعرف غير لجة البحر ووقت سكون البحر وقت بيضه، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يحصى، وفيه مغاص الدر في الماء العذب يقع فيه الحب الجيد، وفي بعض جزائره ينبت الذهب، وفيه الحيوانات العجيبة الأشكال، وفيه الدردور وهو الموضع الذي إذا وقعت السفينة فيه لا تخرج، ولنذكرها إن شاء الله تعالى.
فصل: في عجائب جزائر بحر الصين
جزائر هذا البحر كثيرة لا يعلمها إلا الله (١)، لكن بعضها مشهور يصل إليه الناس، منها جزيرة راتج، وهي جزيرة كبيرة في حدود الصين أقصى بلاد الهند، يملكها ملك يقال له: المهراج.
قال محمد بن زكريا: للمهراج جباية تقع في كل يوم مائتي من الذهب زنة كل من ستمائة درهم يتخذ منها لبنا ويطرحه في الماء وخزانته الماء.
وقال ابن الفقيه: بها سكان شبه الآدميين، إلا أن أخلاقهم بالوحش أشبه، ولهم كلام لا يفهم، وبها أشجار وهم يطيرون من شجرة إلى شجرة.
стр. 105
قال: وبها نوع من النسانيس له أجنحة كأجنحة الخنافس من أصل الأذن إلى ذنب، وفيها وعول كالبقر الوحشية، ألوانها حمر منقطة ببياض، وأذنابها كأذناب الظباء، ولحومها حامضة، وبها دابة الزباد، وهي شبه الهر، يجلب منها الزباد، وبها فأر المسك، وبها جبل يسمى النصان، وهو جبل مشهور به حيات عظام منها ما يبتلع الفيل، وبها قردة بيض كأمثال الجواميس وأمثال الكباش، ونوع آخر أبيض الصدر أسود الظهر.
قال زكريا بن يحيى بن خاقان: بجزيرة الراتج صنف من الببغاء بيض وحمر وصفر يتكلم بأي لغة تكون بها خلق على صورة الإنسان يتكلم بكلام لا يفهم، يأكل ويشرب كالإنسان، وهم بيض وسود وخضر، ولها أجنحة تطير بها.
وقال ابن بحر السيرافي: كنت في بعض جزائر الراتج فرأيت وردا كثيرا أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك، فأخذت ملاءة حمراء، وجعلت فيها شيئا من الورد الأزرق، فلما أردت حملها رأيت نارا في الملاءة أحرقت جميع ما فيها من الورد ولم تحرق الملاءة، فسألت الناس عنها فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة ولا يمكن إخراجه من هذه الغيضة.
قال محمد بن زكريا: من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور، وهو عظيم جدّا، الشجرة تظل مائة إنسان وأكثر، فيقرأ على الشجرة فيسيل ماء الكافور عدة جرار، ثم ينقر أسفل من ذلك وسط الشجرة فتنثر منها قطع الكافور، وهو صمغ تلك الشجرة، فإذا أخذ منها ذلك يبست.
(ومنها) جزيرة رامني، وفيها عجائب كثيرة، قال ابن الفقيه: فيها ناس حفاء عراة رجالا ونساء لا يعرف كلامهم، مساكنهم رءوس الأشجار، وعلى أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، وهم أمة لا يحصى عددها، مأكلهم ثمار الأشجار، ويستوحشون من الناس، فإذا حمل أحد منهم إلى موضع الناس لا يستقر، وينفر إلى الغياض.
وقال محمد بن زكريا الرازي: بجزيرة الرامنى ناس عراة لا يفهم كلامهم؛ لأنه شبه صفير، ويستوحشون من الناس، طول أحدهم أربعة أشبار، وجوههم عليها زغب أحمر، ويصعدون على الأشجار، وبها شجر الكافور والخيزران والبقم، ويغرس شجر البقم غرسا، وحمله أشبه بالخرنوب، وطعمه طعم العلقم.
قال محمد بن زكريا الرازي: بجزيرة الرامنى الكركدن، وهو حيوان على شكل الحمار العظيم جدّا، على رأسه قرن واحد معقف، وقال أيضا: إن بها جواميس لا أذناب لها.
стр. 106
(ومنها) جزائر السلاهي، وهي جزائر كثيرة، من دخلها من الآدميين لا يخرج منها؛ لكثرة خيرها، وفيها ذهب كثير وبزاة شهب وشواهين، ومن العجائب ما حكي أن ملوك السلاهي بها دون ملك الصين، ويزعمون أنهم إن لم يفعلوا ذلك قحطت بلادهم ولم يمطروا، حكاه ابن الفقيه في كتابه.
(ومنها) جزيرة الواق واق، تتصل بجزائر الراتج، والمسير إليها بالنجوم، قالوا: إنها ألف وسبعمائة جزيرة تملكها امرأة.
قال موسى بن المبارك السيرافي: دخلت عليها فرأيتها على سرير عريانة، وعلى رأسها تاج من ذهب، وعندها أربعة آلاف وصيفة أبكارا، قالوا: إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن بها شجرا يسمع من يمر بها صوته كأنه يقول: واق واق، وأهلها يفهمون من هذا الصوت شيئا فيتطيرون منه.
قال محمد بن زكريا: هي جزيرة كثيرة الذهب حتى إن أهلها يتخذون منه سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب، وبها شجر الأبنوس.
(ومنها) جزيرة البنان، فيها قوم عراة ألوانهم بيض ولهم جمال وحسن صورة، يأوون إلى رءوس الجبال، ويأكلون الناس، ومن وراء ذلك جزيرتان عظيمتان طولا وعرضا، فيهما قوم سود لهم خلق عادي، أجسامهم عظيمة وشعورهم مغلغلة ووجوههم طوال، وقدم أحدهم مقدار ذراع، ويأكلون الناس أيضا.
(ومنها) جزيرة أطوران، وهي جزيرة كبيرة بها الكركدن ونوع من القردة كالحمر العظام، وبها شجرة الكافور.
ذكر أن مراكب الإسكندر وقعت في هذا البحر فوصلت إلى جزيرة فيها قوم على هيئة الإنسان، رءوسهم كرءوس السباع، فلما دنوا منهم غابوا عن أبصارهم.
فصل: في الحيوانات العجيبة التي وجدت في هذا البحر
(منها) أنه إذا كثرت أمواج هذا البحر ظهرت فيه أشخاص سود، طول الواحد منهم أربعة أشبار كأنهم أولاد الحبشة، فيصعدون المراكب من غير ضرر.
стр. 107
(ومنها) ما حكى التجار أنهم يرون في هذا البحر شبه طائر من نور لا يستطيع الناظر أن ينظر إليه؛ لأنه ملأ بصره، فإن ارتفع على أعلى الرقل يرون البحر يسكن والأمواج تهدأ، ويكون ذلك دليل السلامة، ثم إنه يفقد فلا يدرون كيف ذهب.
(ومنها) طائر يسمى خرشة أكبر من الحمام، قال في تحفة الغرائب: إذا طار هذا الطائر يأتيه طائر آخر - يقال له: كركر - يطير تحته، ويتوقع وقوع ذرقه، فإن غدا كركر تحته ذرق خرشة عليه، وإنه لا يذرق إلا في طيرانه.
(ومنها) دابة المسك، تخرج من الماء في كل سنة في وقت معلوم فتصاد، وهي شبيهة بالظباء تذبح، ويوجد في سرتها دم هو المسك، ولا يوجد لها هناك رائحة حتى تحمل إلى غيرها من البلاد.
(ومنها) دابة تستوطن شيئا من الجزائر هناك، لها رءوس كثيرة ووجوه مختلفة وأنياب مقعقعة، ولها جناحان تأكل دواب البحر.
(ومنها) سمكة تزيد على ثلثمائة ذراع، يخاف على السفينة منها، وتوجد عند جزيرة واق واق، فإذا عرف القوم مرورها صاحوا وضربوا بالخشب؛ لتهرب من أصواتهم، فإذا رفعت جناحها يكون كالشراع.
(ومنها) سلاحف استدارة، كل سلحفة عشرون ذراعا، تبيض كل واحدة ألف بيضة، وهذا أيضا يوجد بقرب جزيرة واق واق.
(ومنها) سمكة تسمى سيلان، قال صاحب تحفة الغرائب: هذه السمكة تبقى على اليبس يومين حتى تموت، فإذا جعلت في القدر وغطي رأسه تنضج، وإن ترك رأس القدر مكشوفا فإذا أثرت فيها النار ظفرت وهربت وتختبئ في كل موضع كابن عرس.
(ومنها) سمكة يقال لها: الأطم، ووجهها كوجه الخنزير، ولها مكان الفلوس شعر، وهو طبق من لحم وطبق من شحم.
(ومنها) نوع من السرطان يخرج من البحر يكون كالشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بانت عن الماء بسرعة حركة وطارت إلى البر عادت حجرا وزالت عنها الحيوانية، وتدخل في أكحال العين وأدويتها وأمره مستفيض.
стр. 108
(ومنها) حيات عظيمة تخرج إلى البر، وربما تبلغ الجاموس والفيل، وتنطوي على صخرة أو شجرة فتكسر عظامها في بطنها، فيسمع لكسر العظام صوت، وفي هذا البحر مغاص الدردور، فإذا وقعت السفينة دارت فيه ولم تكد تخرج، والملاحون يعرفون مكانه ويجتنبون عنه.
حكى بعض التجار قال: ركبت هذا البحر في جمع من التجار فجاءتنا ريح عاصف صرفت المركب عن طريق المقصد، وكان معلم المركب شيخا حاذقا إلا أنه كان أعمى، وكان يستصحب معه في السفينة شيئا كثيرا من الحبال، وأصحابه ينكرون عليه ويقولون: لو حملنا مكان الحبال أحمال التجارة لأصبنا خيرا، فلما أصابتنا الريح العاصف كان المعلم يقول لأصحابه: انظروا ماذا ترون؟ وهم يخبرونه بالحال، إلى أن قالوا: نرى طيرا أسود على وجه الماء، فجعل يدعو بالويل والثبور ويضرب على رأسه، ويقول: هلكنا والله، فسألناه عن سبب ذلك، فقال: سترون ما يغنيكم عن إخباري.
فما كان إلا يسير حتى وقعنا في الدردور والذي حسبناه طيرا أسود كانت مراكب فيها أناس موتى، فبقينا حيارى، وانقطع رجاؤنا عن الحياة، وانتظرنا الموت، فلما شاهد المعلم منا ذلك قال:
يا قوم، هل لكم أن تجعلوا لي شطر أموالكم على إخراجي إياكم من هذه الغمرة؟ فقلنا: رضيا بذلك، فأمر بأخذ قنينتين مملوءتين من الدهن فأدليتا في البحر، فاجتمع عليها من السمك ما لا يحصى، ثم أمر بتشريح الموتى الذين كانوا في المراكب وشدها في الحبال التي كانت معه، ورموها في البحر؛ فأكلها السمك، ثم أمر القوم بضرب الدف والأخشاب والصياح والتصفيق فإذا المركب تحرك عن مكانه وجرى فلم يزل يفعل ذلك حتى خرجنا من الدردور، ثم أمر بقطع الحبال فنجونا سالمين بإذن الله تعالى.
(بحر الهند) هو أكبر البحار وأوسعها وأكثرها خيرا، ولا يعلم أحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط؛ لعظم اتصال الموضع وسعته، وليس كالبحر الغربي، فإن انفصال البحر الغربي عن المحيط ظاهر، ويتشعب من الهند خلجان، وأعظمها بحر فارس والقلزم، فالآخذ منه نحو الشمال بحر فارس، والآخذ منه نحو الجنوب بحر الزنج.
قال ابن الفقيه: بحر الهند حاله مخالف لبحر فارس؛ لأن عند نزول الشمس الحوث وقربها من الاستواء الربيعي يبدأ بالظلمة وكثرة الأمواج؛ فلا يركبه أحد؛ لظلمته وصعوبته، ولا يزال كذلك إلى قرب الاستواء الخريفي وأشد ما تكون ظلمته وصعوبته عند نزول الشمس في الجوزاء، فإذا صارت الشمس إلى السنبلة تقل ظلمته وتنقص أمواجه ويلين ظهره؛ فيسهل ركوبه
стр. 109
إلى أن تصير الشمس إلى الحوت، وألين ما يكون عند نزول الشمس بالقوس، وفي هذا البحر عجائب كثيرة من الجزائر والحيوان وغيرهما، فلنذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
فصل: في جزائر هذا البحر
قال بطليموس (١): إن في هذا البحر من الجزائر ما يزيد على عشرين ألف جزيرة، وفيها من الأمم ما لا يحصى عددهم، لكن المشهور منها ما يصل إليه أهل بلادنا.
(منها) جزيرة برطاييل، وهي قريب من جزيرة الراتج، قال ابن الفقيه: بها قوم وجوههم كالمجانّ المطرقة، وشعورهم كأذناب البراذين، وبها الكركدن، وبها جبال يسمع منها بالليل صوت الطبل والدف والصياح المزعج والصيحة المنكرة.
والبحريون يقولون: إن الدجال فيها ويخرج منها، وفي هذه الجزيرة يباع القرنفل، وذلك أن التجار ينزلون عليها ويضعون بضاعتهم وأمتعتهم على الساحل ويعودون إلى مراكبهم ويبيتون فيها، فإذا أصبحوا جاءوا إلى أمتعتهم فيجدون إلى جانب كل بضاعة شيئا من القرنفل، فإن رضيه أخذه وترك البضاعة، وإن أخذ البضاعة والقرنفل لم تقدر مراكبهم على السير حتى يرد أحدهما إلى مكانه، وإن طلب أحدهم لزيادة ترك البضاعة والقرنفل فيزاد له فيه.
وذكر بعض التجار: أنه صعد هذه الجزيرة فرأى فيها قوما مردا صفرا وجوههم كوجوه الأتراك، آذانهم مخروقة، ولهم شعور على زي النساء، فغابوا عن بصرهم، ثم إن التجار بعد ذلك أقاموا مدة يترددون إلى الساحل فلم يخرجوا إليهم شيئا من القرنفل، فعلموا أن ذلك سبب نظرهم إليهم، ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه.
وخاصية هذا القرنفل أنه إذا أكله الإنسان رطبا لا يهرم ولا يشيب شعره، ولباس هذه الأمة ورق شجرة يقال لها: اللوف، يأكلون ثمرتها ويلتحفون بورقها، ويأكلون أيضا السمك والموز والنارجيل، ويصطادون من البحر حيوانا على شكل السرطان، وهذا الحيوان إذا خرج إلى البر صار حجرا صلدا، وهو مشهور يدخل في الأدوية التي تتعلق بالكحل.
(ومنها) جزيرة السلامة، يجلب منها الصندل والنبل والكافور، ويخرج إليها من البحر سمكة تصعد الأشجار وتأكل فواكهها وتمصها مصّا ثم تسقط كالسكران؛ فيأتي الناس فيأخذونها.
стр. 110
وقال في تحفة الغرائب: بهذه الجزيرة عين فوارة يفور الماء منها وبقربها ثقبة ينزل فيها، فما بقي من الرشاشات على أطرافها ينعقد حجرا صلدا، فلما كان من الرشاشات في النهار يصير حجرا أبيض، وما كان في الليل يصير حجرا أسود.
(ومنها) جزيرة القصر، وهي جزيرة فيها قصر أبيض يتراءى للمراكب، فإذا شاهدوا ذلك تباشروا بالسلامة والربح والفائدة.
ذكروا أنه قصر مرتفع شاهق لا يدرى ما في داخله، وكان بعض الملوك سار إليها فدخل القصر بأتباعه فغلبهم النوم وخدرت أجسامهم؛ فلم يقدروا على الحركة، فبادر بعضهم إلى المراكب، وهلك الباقون.
(ومنها) أن أصحاب ذي القرنين (١) رأوا في بعض الجزائر أمة، رءوسهم رءوس الكلاب،