(حسك) عشب يضرب إلى الصفرة له شوك مدحرج ينفع من قروح اللثة العفنة ويزيد في الباه ويفتت الحصا وينفع من عسر البول، والقولنج شرابا وطلاء وبزره يسقي شرابا للسموم القاتلة ويرش طبيخه فيقتل البراغيث وإن رش بطبيخه جحر الحيات هبت وكذلك إن دس شوكه فيها.
(حلبة) (١) قال صاحب الفلاحة: إذا خلطت بزرها بالبذر ثم زرعته يسلم من الدود. قال ابن سينا: مع الآس ينفع الشعر والآثام المتقرحة وهو من أدوية الكلف ويحسن الوجه ويغير النكهة إلا أنه ينتن رائحة البول والبدن والعرق.
(حمص) قال ابن سينا: أكله يحسن الوجه وكذلك الطلاء به ويجلو النمش وزعموا أن أكله نيئا يورث البخر، ودهنه ينفع من القوبا، ونقيعه ينفع من وجع الضرس ويصفي الصوت، وطبيخه يخرج الجنين ويزيد من الباه، وينعظ القوة إذا شرب على الريق.
(حندقوق) من خواصه أنه ينفع من نهش الحيات طلاء، وعصارته تنفع من ظلمة البصر شربا واكتحالا. قال ابن سينا: إنه ينفع من الصرع ووجع الحلق والخوانيق وورقه وبزره يهيجان الباه، قال ابن سينا: فيما يقال إن صاحب حمى الغب يسقي من ورقة ثلاث ورقات أو من بزره ثلاث حبات فيشوش على الحمى أدواها، وللحمى الربع أربعا من أيهما شئت. وقال غيره بزر الحندقوق يورث الجرب لكنه ينفع مع لسع الهوام.
(حنظل) نبت معروف تحب الظباء أكله والسباع تهرب من شجر الحنظل والشجرة التي ليس عليها إلا حبة واحدة من الحنظل فإنها مفيدة جدّا، ورقها الطري يقطع نزف الدم وينفع من الماليخوليا، والصرع، ثمرتها إذا نقعتها في الماء ورششت به البيت ماتت براغيثه. قال القاضي أبو علي التنوخي عن بعض بني عقيل إنه قال: كانت عندنا جارية زمنة ومن عادتنا أن نقور الحنظل
стр. 247
ونجعل فيه شيئا من اللبن، ونرد رأسها إلى مكانها وندفنه في الرماد الحار حتى يغلي فإذا غلت حسا (١) ذلك من أراد الإسهال. قال فاتخذنا ثلاث حناظل لثلاثة أنفس فالجارية الزمنة حست جميع الثلاث فحصل لها إسهال شديد حتى أيسنا من حياتها، فلما كان الليل انقطع إسهالها وقامت ومشت برجليها وعاشت بعد ذلك سنين، والحنظل يدلك به الجذام وداء الفيل وعرق النسا، والنقرس وأصله نافع لنهش الأفاعي، وهو أنفع الأدوية للدغ العقرب سقيا فإنا سقيناه واحدا لدغته العقرب في أربع مواضع فبرئ في الحال.
(حنطة) قال كعب الأحبار ﵁ لما أهبط آدم ﵇ أتاه ميكائيل ﵇ بشيء من حب الحنظة وقال هذا رزقك ورزق أولادك قم فاحرث الأرض وابذر البذر وقال لم يزل الحب من عهد آدم إلى زمن إدريس ﵉ كبيض النعامة فلما كفر الناس نقص إلى قدر بيض الدجاجة ثم إلى قدر بيض الحمامة ثم إلى قدر البندقة وكان زمن العزيز على قدر الحمصة، قال صاحب الفلاحة: الحبة التي تقع على قرن الثور عند بث البذر لا تنبت أصلا، حبها ينقى الوجه، وكذلك النشا ومدقوقها ينفع من عضة الكلب الكلب ضماد، أو يوضع على حديدة محماة حتى يظهر منها رطوبة ويطلي بتلك الرطوبة القوباء يزيلها، خميرها يخلط بالملح ويضمد به الدماميل ينضجها، خبزها يبل بماء وملح ويضمد به القوباء ينفعها.
(خبازي) حشيشة معروفة ينضم ورقها بالليل وينفتح بالنهار، ورقها إذا طلى به الجرب والكحة والقمل أزالها، ويسكن لسع الزنابير ضمادا خصوصا مع الزيت، وإذا مضغ مع الملح وجعل على النواصير نفعها، بزرها يشربه المسموم ويتقيأ مرة بعد أخرى يدفع عنه غائلة السم، وينفع من نهش الرتيلا.
(خربق) نبت، ورقه كورق الدلب وساقه قصى وشكله كشكل العناقيد. قال صاحب الفلاحة: إذا غرست في البستان قضبان الخربق مات ما فيها من البراغيث، وإذا زرعتها مع أي بذر كان لا يقر بها الطير، وإذا دخنت البيت هربت الهوام منه ولا يبقى فيه بق ولا برغوث ولا ذباب ونحوها، وإن جعلته في العجين وتركته للفأرة إذا أكلته ماتت، وإن دققته مع الكبريت ونثرته في جحر النمل هربت، وإذا طليت اللحم بالخربق ووضعته للسباع اصطيدت بالسهولة وهو سم قاتل للإنسان والسباع. قال ابن سينا: إذا نبت الخربق عند أصل كرمة صار شرابها مسهلا، ويطلي على البهق والثآليل يزيلهما، واستفراغه ينفع من البرص. وإذا طبخ بالخل وقطر في الأذن نفع الدوى، ويقوي قوة السمع، وإذا تمضمض به سكن وجع السن.
стр. 248
(خردل) بزره يبقي في عصير العنب أن يغلي ويبقى على حاله. قال محمد بن زكريا الأزدي:
إن جعلت الخردل في كوى الحيات قتلها. قال ابن سينا يقتل دخانه الهوام وينقي الوجه ويزيل النكهة وأثر الدم الميت، والبري منه ينفع من حمى الربع ومن داء الثعلب والقوباء ضمادا، كذلك من وجع المفاصل وعرق النسا. عصارته قطور لوجع الأذان، وإن شرب على الريق ذكى الفم وشهى الباه.
(خس) قال صاحب الفلاحة: إذا تركت بزره في وسط النانخواه، ثم زرعته يسلم من جميع الآفات، وإذا أخذت بعر الجمل ونقيتها وتركت فيها بزر الخس والجرجير وحب الرشاد وتحفر لها وتسترها بالتراب وتسقيها ينبت عليها هذه الأنواع الثلاثة على ساق، وإذا قطعت أوراقه السلافنية يطيب طعم الفوقانيات والخس يجلب النوم ويدفع العطش ويقطع شهوة الباه ولذلك يأكله الخصيان الأقوياء على النساء، وتأكله النساء اللاتي غاب عنهن أزواجهن بالخل ليقطع عنهن شهوة الوقاع، والإدمان على أكله يورث ظلمه البصر لكنه يكثر اللبن ويمنع من السكر، بذره إن استف منه منع من كثرة الاحتلام ونزلان المني.
(خشخاش) يورث النعاس كالخس وهو أبيض وأسود وأحمر، وأما الأبيض فنافع للسعال جدا نزلان ومع العسل يزيد في المني. وأما الأسود فمنوم جدا وصاحب السهر إذا ضمد به جبهته انتفع به، عصارة المصري تسمى أفيونا وهو مخدر مسكن كل وجع شربا وطلاء، الشربة منه مقدار عدسة، وإذا طلى به الرأس سكن وجعه، لكنه يبطل الفهم والذهن، وإن طلي به النقرس سكن وجعه.
(خصى الثعلب) حشيشة حلوة الطعم تسمى ثمرتها خصي الثعلب وهو ينفع من التشنج والفالج ويعين على الباه، ويفعل فعل السقنقور إذا استعمل مع الشراب.
(خصي الكلب) حشيشة مثل خصي الثعلب ثمرتها زوجان أحدهما تحت والأخرى فوق، وأحدهما خاوي والآخر ممتلئ يحلل الأورام البلغمية وينقي القروح وينفع البواسير والرطب منها يزيد في الباه، واليابس يقطعه. وحكى ابن سينا: أنه شاهد ذلك بأرض شروان، فأخبره بعض سكان تلك البلاد بأن الذابل هو الذي يزيد والرطب قاطع فقال: أظن أن الأمر بالعكس، والله أعلم.
(خطمي) هو النبت المشهور له نور أحمر وقد يكون أبيض. قال ابن سينا: يطلي على البهق بالخل ويجلس في الشمس ينفع نفعا بينا وينفع من الخنازير سيما مع الكبريت، ويطبخ ويشرب
стр. 249
من مائه ينفع من عسر البول وعسر الولادة. ورق الخطمي الرومي منه يدق مع الكراث والشحم، ويوضع على لدغ العقرب والحية ينفع جدا، وينفع منه مثال من القولنج شربا، وإذا غسل به الشعر نفعه ويضمد به الجرب ينفع نفعا بينا.
(خيار) قال صاحب الفلاحة: إن أردت استعجال باكورته فاعمد إلى فخارة في ذي ماء وازرع فيها بذر الخيار، وكلما سخنت أطلعها إليها، وكذلك للمطر أيضا، وإذا غابت الشمس أذهب إلى أكناف البيوت وتعاهد سقيها نضحا ورشا، فإذا انسلخ الشتاء فانقل ما في الفخارة إلى الأرض، فإذا نبتت فاقطع شيئا من أعلى ورقتها فإنه يسرع بثمرته على جميع أصنافه بأيام يسيرة، وإذا أردت أن لا يضره الدود فاخلط بذره إذا زرعته شيئا من النانخواه. ثمرته تنفع من الحميات المحرقة ويدر البول ويعطش في الحال لاستحالته إلى الصفراء، بذره يدق ويطلي به الوجه يحسن اللون.
(خيرى) ويسمى المنثور أيضا، قال صاحب الفلاحة: إذا أخذت من الأحمر والأصفر والأبيض من كل واحد قضيبا وضفرتها مثل الضفيرة ثم غرستها فإذا نبتت تجد في غصن واحد أوراقا مختلفة الألوان شمه ينفع الدماغ البارد الرطب وتحلل الرياح الغليظة ويدر الحيض ويسقط المشيمة شربا.
(دفلي) بري ونهري فالبري ورقه كورق الحمقاء بل أدق وقضبانه طوال منبسطة على الأرض ينبت في الخرابات، والنهري على شطوط الأنهار وينهض قضبانه على الأرض، وشوكه خفي ورقه كورق الخلاف وأعلى ساقه أغلظ من أسفله، زهوره كالورد الأحمر وثمرته صلبة محشوة شيئا كالصوف. قال ابن سينا: ورقه تهرب منه البراغيث، وأكله يقتل الناس وسائر الحيوانات. قال بليناس علم بعض الملوك بعدو قصده في عسكر لا طاقة له به فأخذ من الشعير وطبخه بالدفلى وتركه حتى جف فأخذ الشعير معه وخرج إلى وجه العدو، فلما قرب من العدو تنحى عنه وترك الأثقال والميرة والشعير، فورد عسكر العدو وأطلقوا دوابهم في الشعير فهلكت كلها فكر عليهم وأسرهم. قال ابن سينا: يرش البيت بطبيخ الدفلى تموت براغيثه وأرضته ونحوها، وإذا دلكت مسنا بالدفلى وحددت عليه النصل يحتد ولا يكل زمانا، وإن حفرت في وسط البيت حفرة وألقيت فيها شيئا من الدفلى، اجتمعت براغيث البيت فيها ويهرب الفأر الخفاش من الدفلى.
стр. 250
(رازيانج) هو النبات المشهور منه بري ومنه بستاني، رطبه يعقد اللبن ويدر الطمث والبول ويفتح السدد، ويمنع من نزول الماء، والبري يفتت الحصى وينفع من الحميات العتيقة، ويحلل الرياح ويحد البصر. قال دقراطيس: إن الهوام ترعى الرازيانج الطري؛ ليقوي بصرها، والحيات إذا خرجت من تحت الأرض وحكت أعينها عليه استضاءت فسبحان من ألهمها ذلك.
(ريباس) نبت جبلي لا ينبت إلا على الصخر، قيل: إنه من تأثير الرعد، وذكر هذا القول عند كسرى وقد شكوا من قلة الريباس، فقال: رشوا الماء واضربوا بالطبل استخفافا بكلامهم.
قال ابن سينا: إنه ينفع من الطاعون والاكتحال بعصارته يحد البصر وينفع من الحصبة والجدري ويقطع السكر وينفع من الغثيان.
(ريحان) (١) يقال له بالفارسية شاهشفرم ذكر الفرس أنه لم يكن قبل كسرى أنوشروان شيء من الريحان، وأنه وجد في زمانه، وسببه أنه كان ذات يوم جالسا للمظالم، إذا أقبلت حية عظيمة تنساب تحت سريره، فهموا بقتلها فقال الملك: كفوا عنها فإني أظنها مظلومة، فمرت تنساب حتى استدارت على فوهة بئر فنزلت فيها، ثم أقبلت تتطلع، فإذا في قعر البئر حية مقتولة وعلى متنها عقرب أسود فأدلى بعض الأساورة رمحه إلى العقرب ونخسها به، وأتى الملك يخبره بحال الحية، فلما كان العام القابل أقبلت الحية في اليوم الذي كان كسرى قاعدا فيه للمظالم وجعلت تنساب حتى وقفت ونفضت من فيها بزرا أسود، فأمر الملك أن يزرع فنبتت منه الشاهشفرم
стр. 251
وكان الملك كثير الشكاية من الزكام واجتماع الفضول في الدماغ، فاستعمل منه فنفعه جدا. قال ابن سينا: الريحان ينفع من البواسير بزره يجعل في دم الجمل ويطلي به الإبط فإنه يدفع الصنان القوي الذي لا علاج له، والريحان ينفع من الدوار والرعاف.
(زعفران) (١) هو نبت نورة الزعفران، وأصله يشبه البصل يدق ويعصر يكون عصيره كالحليب، وقد يجفف ويتخذ منه الدقيق ويؤكل. قال ابن سينا: بزره ينوم ويحسن اللون ويجلو البصر ويمنع النوازل إليه ويكتحل به للزقة العارضة في الأمراض ويهيج الباه ويدر البول. وزعم قوم: أنه إن سقي لذات الطلق المتطاول وضعت من ساعتها، ويقوي القلب ويفرحه ويورث الضحك، والزائد على الدرهم سم قاتل، ولا يقرب سام أبرص بيتا فيه زعفران. قال بليناس الحكيم: إذا عسرت الولادة على المرأة أو سقوط المشيمة تأخذ بيدها عشرة دراهم زعفران لا زائدا ولا ناقصا فتخلص.
(سادج) نبت يكون بأرض الهند قالوا: إن الماء إن جف في المستنقعات في الصيف أحرقوا فيها الحطب لينبت الساجد فإن لم يفعلوا لا يكون منه شيء له أوراق وقضبان على مثال الشاهشفرم، وله نوى ينبت في المياه فيقوم على وجه الماء من غير تعلق بأصل. قال ابن سينا:
يجعل في وسط الثياب يحفظها من السوس، ويطيب النكهة إذا جعل تحت اللسان. وقال غيره:
ينفع من وجع القلب ويذهب نتن البطن، والله الموفق.
(سذاب) هو النبت المشهور، فوائده كثيرة عجيبة، قالوا: إذا ترك في برج الحمام لا يقربه سنور، وإذا ترك في بيت لا يقربه حية، وأكله يزيد في قوة الباه، وإذا دخن به تحت حبلى أسقطتو ورائحته تنفع المصروع والصداع الشديد في الحال سيما إذا كان رطبا، والاكتحال بعصارته مع لبن النساء يزيل ظلمة العين، وإن نقع في ماء ورش به البيت ماتت براغيثه والمدقوق منه بالزيت
стр. 252
يجعل تحت السن الوجيعة يسكن ألمها. قال ابن سينا: يطلي مع النطرون على البهق والثآليل والتوتية يزيلها ويقطع رائحة الثوم.
(سلق) (١) قالوا: يلقى السلق في النبيذ يصيرها خلاّ في يوم وليلة. قال صاحب الفلاحة: إن سمدت أرضها بخثى البقر يقوي أصله ويطيب طعمه، قال ابن سينا: عصارته تقلع الثآليل وتقتل القمل ويغسل به الرأس فيذهب النخالة وانتشار الشعر ويزيل الكلف إذا غسلت الموضع بالنطرون ثم طليت به.
(سمسم) قال ابن سينا: ورقه وعصارة شجره يطول الشعر، وبزره يزيل خضرة الضربة والدم الجامد، وهو نافع من الشقاق شربا وطلاء ومسمن جدا، ونقيعه يدر الحيض ومقلوّه يزيد في قوة الباه ومادة المني.
(سنبل) نبت طيب الرائحة جدّا له سنبلة صغيرة يطيب النكهة ويخفف اللسان إذا مسك في الفم. ومن خواصه تقوية الدماغ، ومنع النوازل وإنبات الشعر في الأشفار إذا جعل في الكحل، وينقي الصدر وينفع من الخفقان، ويحبس النزف من الرحم.
(سوسن) نبات له ساق وزهر مختلف الألوان من بياض وصفرة.
وأسما نجونية رائحته تجلب النوم يلطخ به الكلف يزيله، يضمد به الرأس مع الخل، يزيل الصداع، وهو ينفع من نهش الهوام، ويسحق ويخلط بالعسل للبهق والجرب طلاء، وإذا غسل به الوجه جلاه ونقاه. قال صاحب الفلاحة: إذا جعلت السوسن في ظرف جديد واستوثقت رأس الظرف يبقى طريّا غضّا طول السنة دهنه يزيل نتن المنخرين.
стр. 253
(سينسبر) نبت له رائحة طيبة يقال له: النمام؛ لأن رائحته تدل عليه، ورقه يسكن الصداع إذا ضمد به الجبهة والصدغين، وينفع من لسع الزنابير ضمادا. قال ابن سينا: إذا فرشت السينسبر تهرب منه أكثر الهوام وهو يقتل القمل ضمادا، ويزيل الفواق شربا، ويخرج الجنين الميت والديدان وحب القرع شربا. بزره يسكن الفواق والمغص شربا، ويسهل الولادة.
(شبث) نبت مشهور (١). قال صاحب الفلاحة: إذا أثيرت الأرض وسقيت ولم تزرع، ومضى على ذلك سنة، ينبت فيها الشبث من غير بث حب، أكله يورث ظلمة البصر. قال ابن سينا: إنه منوم جدّا، وإذا سحق وعجن وضمد به البواسير قلعها وأبرأها. قال بليناس: إذا مضغت الشبث الأبيض وأخذت النار في فمك لا تضرك، وإذا وضعت الشبث تحت مخدة الإنسان ذهب عنه الفزع والغطيط. بزره يدر اللبن وينفع من الفواق الامتلائي والمغص ويقطع مادة المني ويقلع البواسير.
(شبرم) نبت في البساتين، له قضيب دقيق، ورقه كورق الطرخون (٢). قال ابن سينا: هو مضر بالباه ومادة المني، ولبنه معين على قلع الأسنان، ويولد الحميات، ويقتل منه درهمان.
(شجرة مريم) شوك أصله الغرطنيثا. قال ابن سينا: ينفع من الزكام البارد ونزول الماء في العين، أصله يدفع الفواق ويسقط الأجنة.
(شعير) من الحنطة (٣) عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الله تعالى خلق الشعير من الحنطة وذلك فإن جبرائيل ﵊ أتى آدم ﵇ بحفنة من
стр. 254
الحنطة، وقال هذا الذي اخترته على جنة رب العالمين هو لك رزق ولولدك، فعمد آدم قبضة منها وعمدت حواء إلى قبضة، فقال آدم لحواء: لا تزرعي، فخالفته، فجاء الذي زرعت حواء شعير».
وخاصية الشعير أن يحفظ الأشياء عن التعفن والتغير. قال صاحب الفلاحة: لو تركت في الشعير عنبا بعناقيده لم يتغير، وأكلت في كل يوم عنبا طريا كأنه قطف من كرمه. قال ابن سينا: الشعير يستعمل على الكلف طلاء ويطبخ بالخل الثقيف ويضمد به الجرب المتقرح والنقرس.
(شقائق النعمان) والعرب يقولون: أنه خد العذارى، قيل: كان ظهر في الكوفة نبت الشقائق فمر النعمان بن المنذر به وقال: من نزع منه شيئا انزعوا كتفه، فنسب إلى النعمان. وشقائق النعمان يدور مع الشمس، ينفتح ورقه بالنهار وينضم بالليل، الاكتحال منه ينفي ظلمة البصر.
قال ابن سينا: إنه مع قشر الجوز خضاب يسود الشعر وهو نافع للجرب والقروح، وإذا طبخ بقضبانه يدر اللبن، ويمزج شقائق النعمان بماء الورد فإذا رششت منه على الثياب البيض فإنه يحمر الثوب، وإذا يبس لا يبقى على الثوب منه أثر أصلا.
(شلجم) قال صاحب الفلاحة: بزر الشلجم وبزر الكرنب إذا أتى عليهما ثلاث سنين ينبت من بزر الشلجم الكرنب، وينبت من بزر الكرنب الشلجم، وهذا أمر يعرفه الزارعون وإن نقعت بزر الشلجم في عصير الزيت أو العسل ينبت حلو طيب الطعم جدّا، والمطبوخ منه يحرك شهوة الوقاع، ويضمد به العضو الخدر إذا كان حارّا ينفعه نفعا بينا، بزره يعلق على صاحب الأوبئة ينفعه.
(شوكران) سم قاتل، ساقه كساق الرازيانج، وورقه كورق القثاء، وبزره كالأنيسون وله زهر أبيض. قال ابن سينا: يطلي به موضع النتف (١) يمنع ثبات الشعر ثانيا، ويضمد به ثدي النساء فلا يعظم وينفع من نزف الدم بتجميده، ويمزج به أعضاء المني فيمنع من الاحتلام.
(شونيز) قال محمد بن زكريا الرازي: يرش البيت بطبيخ الشونيز يقتل براغيثه، ويسحق الشونيز مع الصابون ويطلي به الوجه يزيل كلفه، وإن بخرت به وبالقلقند البيت لم يدخله بق البتة. قال ابن سينا: إنه يقطع الثآليل والخيلان والبهق والبرص وينفع من الزكام طلاء، وطبيخه ينفع من وجع الأسنان مضمضة سيما مع خشب الصنوبر، والهوام تهرب من دخانه، وإن سحق بدهن الرشاد منع ابتداء الماء. قالوا: الإكثار منه قاتل.
стр. 255
(شيح) نبات أجوف العود ورقه كورق السرو. وقال ابن سينا: إنه يقتل الديدان، وحب القرع ورماده بالزيت نافع من داء الثعلب، دهنه ينبت اللحم المتباطئ ويمنع من داء النافض ومن لدغ العقارب والرتيلا والسموم كلها.
(شيلم) هو الزوان يدق ويعجن ويوضع على موضع دخل فيه شوك أو سلا، يجذبه ويخرجه، ويطلى على البهق مع الكبريت ومع بزر الكتان يحلل الأورام والخنازير، ومع الحنطة على القروح والقوباء ذرورا والبخور به يعين على الحبل.
(صعتر) إذا مضغ يسكن وجع الأسنان ويقتل الديدان، وحب القرع والبري منه ينفع من لسع الحيات، ذكر أن القنفذ وابن عرس إذا تناهشا الأفاعي والحيات عالجا بأكل الصعتر البري وإنما كتب بالصاد لئلا يشتبه بالشعير.
(طرخون) هو النبت المعروف، إذا مضغ أزال حس الذوق حتى لا يحس الإنسان بعد مضغها بمرارة الأدوية المرة. قال ابن سينا: إنه يحدث وجع الحلق ويقطع شهوة الباه، وأصل الطرخون الجبلي هو العاقر قرحا، وهو نافع من وجع السن وإذا طبخ بالخل وأمسك الفم يشد الأسنان المتحركة، ويدلك البذر به قبل نوبة النافض ينفعه، وإذا مضغ وجعل على موضع اللسعة ينفعها نفعا بينا.
(عبيران) قال ابن سينا: إنه نافع من الزكام الحادث من البرودة، وماؤه يحد البصر.
(عدس) إذا خلطت العدس بأي بركان وافقه، فإذا أردت أن يتعجل فاجعله في أخثاء البقر، ثم ازرعه، وزعم أن آكله يزداد ارتياحا وجدلا إلا أن الإكثار منه يورث الجذام وظلمة البصر. وقال ابن سينا: إنه مع السويق ضمادا جيد للنقرس آكله يرى أحلاما رديئة.
(علطم) حشيشة، يوجد من عصارته النيل، يجلو الكلف والبهق، وينفع من داء الثعلب والجراحات البردية والقروح العفنة، ويخرج الشوك ومع السكر ينفع من سعال الصبيان، وكذلك عصارته.
(عنب الثعلب) هو أنواع منه أخضر الورق وأصفر الثمرة، وهو مستعمل، ومنه نوع يخدر كالأفيون، ومنه قاتل، عصارته جميعها تقوي البصر اكتحالا ومن المخدر اثنا عشر حبة يورث الجنون، ومن القاتل أربعة دراهم تفعل ذلك.
стр. 256
(فجل) قال صاحب الفلاحة: إذا نقعت بزر الفجل في العسل وزرعته يأتي فجله حلوا طيبا أكله يورث جشاء منتنا. قال أبو الفرج: سببه أن الفجل يلتمس الفضلات البردية فإذا ورد الفجل قطعها بأثرها، فيكون النتن من الفضلات لا من الفجل كما ترى من الحمأة، فإنها لم تزعج فلا رائحة لها، فإذا أثيرت يظهر منها رائحة منتنة، أكل الفجل بعد الثوم يقطع رائحة الثوم، والمداومة على أكله تنقي المعدة، وإن أكلته النفساء زاد في لبنها، وإن أكله الرجال زاد في قوة فهمهم، لكنه يفسد الصوت وإن وضع شرخة منه على عقرب ماتت، وإن لدغت العقرب من أكل فجلا لم تضره، وهو ينبت الشعر في داء الثعلب وداء الحية، وأكله يكثر القمل في البدن ويضر بالرأس والأسنان والعين والضماد به مع العسل يقطع الآثام الكمدة من الوجه وغيره، وإذا ألقيته في الشراب يفسده، وعصارته يطلى بها الكلف يزيله وإذا طليت سلة الحواء بالنوشادر وعصير الفجل ماتت حياتها، وإن شربها صاحب اليرقان خمسة أيام زالت صفرته، وإن اكتحل به يحد البصر وينفع من بياض العين، قشره يكتحل به مجففا مسحوقا يحد البصر، ويهرب منه العقرب وإن طلي به الوجه أزال كلفه، بزره يهيج الباه أكلا وينفع من السموم، ورقه قال ابن سينا: يحد البصر ويزيد في اللبن.
(عرفج) ويقال له: البقلة الحمقاء؛ لأنها تنبت في ممر المياه. قال: ومن ترك العرفج في فراشه ونام عليه لم ير شيئا من الأحلام أصلا، ولا يوضع على شيء من القروح إلا نفعه، وينفع من الباه نفعا بينا. قال ابن سينا: تحك به الثآليل يقلعها، ورقها ينفع من أصابه ضرس من أكل الحموضة، بزرها إن شرب الإنسان منه ممزوجا بالخل يصبر على العطش طويلا، والمسافرون يستصحبونها في أسفارهم عند توقع فقد الماء والإكثار منه يقطع شهوة الوقاع، والله أعلم.
(فنحكشت) نبات لعظمه كاد أن يكون شجرا، ينبت بقرب الماء ورقه كورق الزيتون وله زهر. قال ابن سينا: إنه ينفي اللون وإذا ضمد به يزيل الإعياء والصداع ويكثر اللبن، ويقلل مادة المني، ويدخن به عند شدة الشهوة للنساء، وينفع من لسع الحيات شربا ومن عض السباع ضمادا، ويدخن به لطرد الهوام، ويجعل منه شيء في الفراش يمنع الاحتلام.
(قوبخ) نبت معروف طيب الرائحة صمغي الأوراق، منه نهري ومنه جبلي، فالنهري يفيق المغشي عليه إذا شمه، وينفع من نهش الهوام ضمادا ويطرد الهوام تدخينا، ورقه يطرد الهوام ومضغه يزيل روائح الثوم، وهو يقطع الباه. والجبلي يزيل الآثار السوداء ضمادا مطبوخا بالشراب، ويستحم بطبيخه للجرب والحكة وينفع من الجذام وقروح الفم والفواق واليرقان وهو جيد للدغ العقارب.
стр. 257
(قاتل الذئب) حشيشة لا تستعمل البتة، وتقتل الذئاب قتلا روحيا.
(قاتل الكلب) حشيشة تجذب العاف، وتقتل الكلاب بسرعة كما ذكر.
(قتاد) شجرة مشوكة معروفة تتخذها الناس وقودا، إبرها طويلة حادة جدا يقال للأمور الصعبة: (دونها خرط القتاد) (١) صمغها الكثير ينفع من السعال وقرحة الرئة ويصفي الصوت، والله الموفق.
(قت) علف الدواب، دهنه أنفع شيء للرعشة.
(قثاء) (٢) قال صاحب الفلاحة: إذا أردت أن يكون القثاء على صورة شيء من الحيوانات، فخذ قالبا للصورة التي أردت، واجعلها فيه وهي صغيرة واستوثق منها ربطا بحيث لا يدخل القالب ريح ولا غبار، فإنها إذا عظمت فيه كانت على صورة القالب التي جعلتها فيه، وإذا عبرت طوامث النساء بالقثاء تغيرت وذبلت وفسدت، وإن أصاب بزرها رائحة الدهن صارت ثمرتها مرة، وإذا نقعت بزرها بالعسل واللبن تكون ثمرتها حلوة طيبة. قال ابن سينا: إنه ينفع من عضه الكلب الكلب أكلا، ثمرتها تسكن العطش وتقوي المثانة وتنفس حرارة المغمى عليه، بزرها يدر البول ويحسن اللون طلاء، ويطفئ حرارة الصفراء.
(قرطم) نبت يقال له بالفارسية: كاثه يره. قال ابن سينا: بزره ينقي الصدر ويصفي الصوت وينفع من القولنج، وإذا أكل بتين أو عسل ينفع من الباه، زهره هو العصفر، ينقي الكلف والبهق ويطلي بالخل على القوباء.
(قطن) زعموا أن عصارة ورقه إن سقي لصبي به إسهال نفعه جدا، ثمرته إن كانت ناعمة تنعم البدن، وإن كانت خشنة لبسها يهزل البدن، وينفع المبرودين لبسها، قشر جوزها محروقا ينفع لقرحة اللثة والفم نفعا بينا.
стр. 258
(قنا بري) يجلو الكلف والبهق وهو أنفع شيء للبرص أكلا وضمادا يذهبه في أيام يسيرة، وورقه ضمادا لقروح الثدي الخشنة وللسع الهوام كلها.
(قنب) منه بري ومنه بستاني، فالبري طول شجرته ذراع ورقها يغلب عليه البياض وثمرتها كالفلفل، والبستاني هو الشهدانج، ورقه البنج إذا أكل منه شيء يخلط العقل ويفسد الذكر ويحدث بالمحرورين خناقا أو جنونا، وهو مخدر يقطع النزف ويسكن بتخديره الأوجاع الضربانية حتى وجع النقرس طلاء وشربا بزره يسكن أوجاع العين وكذلك عصارته. قال ابن سينا: إنه يصدع ويظلم البصر، واستكثاره يخف المني. وقال غيره: إنه يطرد الرياح ودهنه دواء جيد لوجع الأذن من البرودة.
(قنبيط) هو من فصيلة الكرنب قال صاحب الفلاحة: إذا زرع في الأرض السبخة كبر جرمه، ويطيب طعمه ولا يتدور ورقه مع قضبانه، يدق ويوضع على جبهة الحزين يفرج عنه، ومن أكل منه يرى منامات هائلة، وإن اعتادت الصبيان أكله أسرع نباتهم، ويصفي صوت من به بحوحة؛ ولذلك يديم عليه أصحاب الغناء. وقال ابن سينا: القنبيط يسقط الأوجاع وينفع من العنة، ومنوم جدّا، ومظلم للبصر بزره يدخل به المناخس والبساتين يقتل دودها، وإذا احتملته المرأة بعد الجماع أفسد المني وأكله يزيد في مادة المني.
(قيصوم) نبت طيب الرائحة والحيات تهرب منه ومن رائحته فإن زرعته حوالي القرية لا يبقى فيها حية. قال ابن سينا: ينفع من إنبات اللحية البطيئة النبات إذا طبخ ببعض الأدهان، ويدر الطمث ويخرج الجنين، وينفع من عسر البول، ومن النافض إذا مزج بالدهن، وإذا افترش طرد الهوام، وإذا سقي بالشراب نفع من السموم كلها.
(كاوزوان) معناه: لسان الثور. قال ابن سينا: خاصيته التفريح وإزالة الغم.
(كتان) هو النبات المبارك الذي يتخذ منه الثياب، ثيابه تنعم البدن وتخصبه سيما في الصيف. ولأصحاب الأمزجة الحارة دخان الكتان ينفع من الزكام، بزره يسكن الأوجاع ضمادا، ومع النطرون والتين ينفع من الكلف، ومن الشمع ينفع من برص الأظفار.
(كراث) منه شامي ومنه نبطي (١). قال صاحب الفلاحة: من أراد زراعته فلينثر بزره ثم يسقيه بعد ثلاثة أيام؛ ليكون نبته قويا، وإن أردت أن يكون أصله قويّا جدّا تجعل في كل بعرة من
стр. 259
بعر الغنم ثلاث حبات، فإنه ينبت أقوى ما يكون، والكراث يدق ويوضع على لسع العقرب والزنبور يسكن وجعه في الحال. وإدامة أكله تورث ظلمة البصر. قال ابن سينا: الكراث الشامي يذهب بالثآليل والبثرات وأكله يفسد اللثة والأسنان ويضر بالبصر، والنبطي ينفع البواسير مصلوقا مأكولا وضمادا، ويحرك الباه ويوضع على الجراحات الدامية يقطع دمها، وأصحاب الألحان يستعملونه لتصفية أصواتهم.
(كرسنة) حب في حجم العدس إلا أنه غير مفرطح بل مضلع، ولونه ما بين الغبرة والصفرة وطعمه ما بين الماش والعدس. وقال ابن سينا: هو طلاء جيد للبهق والكلف والبرص، ويحسن اللون، ودقيقه يسمن المهازيل، يضمد بالشراب على نهش الأفاعي وعضة الكلب الكلب والإنسان الصائم.
(كرفس) منه بري ومنه بستاني (١) يطيب النكهة ويهيج شهوة الباه للرجال والنساء، ويوضع على العضو المرتعش يسكن. قال ابن سينا: البستاني يطيب النكهة ويستعمله من يشاور الملوك سرّا، وينفع من الجرب والقوباء وإذا لدغت العقرب آكله يشتد الأمر به فينبغي أن يتجنب أيام ظهور العقارب، عصارته تنفع من ظلمة العين اكتحالا، أصله على الرقبة ينفع من وجع السن، بزره ينفع من الاستسقاء وعسر البول، ويخرج المشيمة وإذا بخر به عند قوم سدروا وناموا، وهو ينفع من وجع السن والفواق الذي عن الامتلاء.
(كراويا) قال ابن سينا: ينفع من الرياح ويطردها، وينفع من الخفقان وهو جيد لقتل الديدان والمغص الشديد.
(كزبرة) قال بليناس: يقلع الكزبرة بأصلها قلعا رفيقا ويعلق على فخذ صاحبة الطلق تضع في الحال. قال ابن سينا: رطبه ينوم ويولد ظلمة البصر ويابسه يكسر قسوة الباه يخفف المني وعصارته مع اللبن تسكن الضربان الشديد، والإكثار منه رطبا ويابسا يخلط الذهن. بزره ينفع من لسعة الزنبور، يتناول منه ثلاث راحات، يسكن الوجع ويزيل رائحة البصل والثوم. وقال بليناس: يبخر به البيت، تهرب الحيات والعقارب منه.
стр. 260
(كلواشة) حشيشة يلقى شيء منها في الفراش تجد البراغيث كلها لا تقدر على الظهور ولا على أذى فتؤخذ حينئذ بسهولة.
(كمون) قالوا: إن الحمام يحبه فإذا أردت أن تألف لمسكنها فاطرح شيئا من الكمون قبل أن يخرج لطلب العلف، فإنه تزداد حبّا لمسكنها، والنمل تهرب من رائحته. قال ابن سينا: إذا غسل الوجه بمائه صفاه وإن استكثر من أكله يورث صفرة الوجه وإذا سحق بالخل واشتم قطع الرعاف وعصارته تجلو البصر ويؤخذ الكمون والملح سواء ويجعل أقراصا، ويترك في وسط الدقيق الدرمك يبقى زمانا طويلا لا تصيبه آفة أصلا.
(كمأة) نبات يتولد من تحت الأرض لا بزر لها ولا عرق لكنه ينبطح كالجواهر في أعماق الأرض جاء في الحديث: «إن الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» (١) وإنما شبه بالمن لأنه ينبت في الأرض بلا تعب، كما أن المن يقع من الهواء من غير تعب والعرب تقول: إن الكمأة تبقي في الأرض فيمطر عليها مطر الصيف فتستحيل أفاعي، ومنه نوع يتولد في ظل شجر الزيتون يسمى القطر وهو نوع سم قاتل. قال ابن سينا: الكمأة يخاف منها الفالج والسكتة، وماؤها يجلو العين كما هو مروي عن رسول الله ﷺ . وقال غيره: يورث القولنج وعسر البول.
(لبلاب) ويقال له حبل المساكين، يلتف على الشجر ويرتقي منه خيوط دقاق وورق رقاق طوال، ينفع من الصداع المزمن، ورقه بالخل ينفع من الطحال. قال ابن سينا: لبن اللبلاب يحلق الشعر ويقتل القمل.
(لسان الحمل) نبات يشبه لسان الحمل في شكله. قال ابن سينا: أصله يعلق على صاحب الخنازير ينفعه، وطبيخ أصوله ينفع من وجع السن مضمضة والعدسة التي يكون فيها لسان الحمل بدل السلق تنفع من الصرع. وقيل: إنه نافع من حمى الربع.
(لسان العصافير) نبات يشبه لسان العصافير ورقه يدمل الجروح. قال ابن سينا: ينفع من الخفقان ويزيد في الباه.
(لصف) يقال له بالفارسية: كبر، ثمرته تشبه القثاء يجعل في العصير يحفظه من الغليان قشورا، أصله نافع من عرق النسا ومن الفالج والخدر، ويعض على قشوره بالسن الوجعة ينفعها، سيما إذا كان رطبا، ورقها ينفع من البواسير ويزيد في الباه وهو ترياق السموم ويقطر ماؤه في الأذن التي فيها دبيب يقتله ويطلي به البهق يزيله.
стр. 261
(لفاح) منه نوع أبيض الورق لا ساق له يقال: هو الذكر، شمه كثيرا يورث السكتة، ورقه يدلك به البرص أسبوعا يزيله من غير تقريح، وشمه ينفع من الصداع لكنه يبلد الحواس، وينوم بزره إذا خلط بكبريت ولم تسمه النار. أصل اللقاح البري اليبروح وهو على صورة الإنسان الذكر كالذكر، والأنثى كالأنثى، زعموا أن من قلعه مات فإذا أرادوا شدوه في كلب أو حيوان خسيس حتى يمشي به ويقلعه، يجعل ضمادا للأورام الصلبة والخنازير والدماميل وأوجاع المفاصل يبرئها ومن احتمل منه شيئا أسبته ويتخذ ذلك لدفع السهر. قال ابن سينا: من احتاج إلى قطع عضو والعياذ بالله يسقى من ذلك ثلاث لولوسات في شراب فيسبته ولا يكون له حس عند القطع.
(لوبيا) نبت معروف. قال ابن سينا: من أكله يرى أحلاما رديئة. وقال غيره: يخصب البدن ويخرج المشيمة والجنين الميت، ويدر الطمثو وينقي من دم النفاس.
(لينوفر) نبات طيب الرائحة ينبت في الآجام والمياه القائمة في فضاء ويغيب النهار كله ويظهر بالليل. قال ابن سينا: إنه منوم مسكن للصداع الحار لكنه يكمد شهوة الباه، ويجمد المني لخاصية فيه، بزره يذهب البرص طلاء بالماء، وأكله يضعف الباه، وإذا جعل على داء الثعلب أبرأه.
(ماش) هو النبت المعروف. قال ابن سينا: إنه يضر الباه. وقال غيره: يضمد به الأعضاء فيسكن وجعها، ويضعف الأسنان.
(مازريون) حشيشة معروفة من اليتوعات منها صغير وكبير، فالكبير يشبه ورق الزيتون، والأسود منها قتّال جدّا، وجميع أصنافها يستعمل للبهق والبرش والبرص طلاء ويخلط بها الكبريت ليكون أبلغ. قال ابن سينا: يسقى بالشراب لنهش الهوام، فإذا خلط بالسويق وجمع بماء أو زيت قتل الفأر والكلاب والخنازير، والقاتل للناس درهمان. وقال غيره: يقتل السمك في الماء ويدفع الاستسقاء، وإذا سقى العليل منه درهم فإنه يسهله إسهالا محكما يزيل عنه الاستسقاء، لكن العلاج بها خطر جدا، وذكر القاضي أبو علي التنوخي: أن بعض من ابتلي بالاستسقاء عجز الأطباء عن علاجه فأيقن بالهلاك وترك المعالجة والاحتماء، فاجتاز عليه رجل في دروب بغداد يبيع الجراد المقلي فاشترى منه وأكل كثيرا فانحل طبعه ثلاثة أيام، ثم عاد إلى حاله وعوفي فسأله الطبيب عن حاله، فذكر له أكل الجراد، فقال لصاحب الجراد: من أين أخذته؟ فقال: من الموضع الفلاني. فذهب إليه فرأى أكثر نبته المازريون، فعلم الطبيب أن الجراد قد أكل منه فتقصت قوة المازريون ثم نضجت فتقصت شيئا آخر فأكلها الرجل، وقد اعتدلت فصارت سبب النجاة لمن عجز الأطباء عن علاجه ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 262
(ماهيزهرج) نبات له قضيب (١) دقيقة مستوية ورقه كورق الطرخون شديد الشبه بالشبرم إلا أنه أطول، في لونه غبرة إلى صفرة يعده الناس من اليتوعاتو إذا طرح منه في الغدير أسكر السمك وأطفاها، وهو نافع من النقرس ووجع المفاصل والظهر.
(مرزنجوش) نبت طيب الرائحة. قال ابن سينا: نافع من الشقيقة والصداع، وطبيخه ينفع من الاستسقاء والمغص وعسر البول، ومع الخل ضمادا للسع العقارب، وبزره يسقي لمن به لسعة الزنبور قدر درهم يسكن وجعه في الحال، دهنه ضماد للفالج، يابسه يطلي بالعسل على كهبة الدم واخضراره خصوصا لجرب العين.
(ناردين) هو السنبل الرومي، ورقه كورق العصفر، وأغصانه صفر ملس ولا ساق له ولا زهر ولا ثمر، ينبت أهداب العين إذا جعل في الأكحال ودرهم منه ينفع من الفالج واللقوة.
(نانخواه) نبت معروف قال صاحب الفلاحة: إذا خلط علف الغنم منه في الشتاء كثرت نطفها وولدت إناثها توأما، وازدادت أصوافها وألبانها ولم يتعرض لها القرادو وكذلك نحل العسل إذا حرثت منه وهو نافع من كل لدغ ولسع. قال بليناس: من أدام النظر فيه اصفر وجهه.
قال ابن سينا: شربه والطلاء به يحيل اللون إلى الصفرة وهو من أدوية البهق والبرص ويعجن بالعسل لكهوبة الدم ضمادا، وطبيخه يصب على لدغ العقارب، يسكن ويشرب للدغ الهوام.
(نرجس) عن رسول الله ﷺ : «شموا النرجس فما منكم إلا من له بين الصدر والفؤاد شعبة من برص أو جنون أو جذام لا يذهبها إلا شم النرجس» (٢).
وقال جالينوس: من كان له رغيفان فليجعل أحدهما في ثمن النرجس؛ فإن الخبز غذاء البدنو والنرجس غذاء الروح. وقال صاحب الفلاحة: إذا قطعت بصل النرجس قطعا صليبيا أو عبرت فيه شوكتين عبورا ثم زرعته نبت نرجسا مضاعفا. وزعموا أن من وقع نظره على النرجس حالة المجامعة تنعقد شهوته عقدا لا ينحل، وإذا وضعت بصلة على الجراحة التأمت
стр. 263
شقوقها (١). وقال ابن سينا: إنه يخرج الشوك والسلا، سيما مع دقيق السلم والعسل، زهره يجلو الكلف والبهق من الصداع، وأكله يهيج القيء، وإذا شرب منه أربعة دراهم من ماء العسل أسقط الأجنة الأموات.
(نسرين) (٢) قال ابن سينا: البستاني منه يقتل ديدان الأذن، وينفع من الطنين والدوي وأوجاع الأسنان، والبري منه يطلي به الجبهة، ويسكن الصداع وينفع من الفواق.
(نعنع) قال ابن سينا: يقوي المعدة ويسكن الفواق ويعين على الباه، والمرأة إذا احتملته قبل الجماع يمنع الحبل، ويضمد به الجبهة، ينفع من الصداع ومن عضة الكلب، عصارته بالخل تمنع سيلان الدم من الباطن. وقال غيره: إذا شرب بالخل يحرك شهوة الباه ويقوي المعدة ويسكن الفواق والمتلاء.
(هليون) حشيشة لها ورق، وبزره منه جبلي ومنه سهلي. قال ابن سينا: ورقه يطبخ ويشرب ينفع من وجع الظهر وعرق النسا، وهو نافع من القولنج الريجي أصله يطبخ ويشرب، ينفع من
стр. 264
وجع الظهر وعسر البول وعسر الحبل، ويزيد في الباه وفي مادة المني، بزره جيد لوجع الضرس، ويدر الطمث ويضر بالمعدة.
ومن الحكايات العجيبة ما حكى لي صديق أربلي: أن بجبال أربل هليونا كثيرا، وكان عامل تلك الناحية يتخذ من كل سنة شرابا يبعثه إلى صاحب الأربل، فوقع الأكراد الحرامية على القافلة ونهبوهم، ورأوا آنية الشراب فحسبوا أنها عسل فأكلوا منها وأفرطوا فغلبهم الإسهال حتى ضعفوا وعجزوا عن الحركة، فمر عليهم بعض المارين فلما رآهم على تلك الحالة أخبر صاحب الأربل بحالهم، فبعث إليهم من حملهم إلى أربل مطروحين على الدواب فاستقبل الناس دخولهم يضحكون بهم ويقولون: هم سكارى هليون.
(هندبا) قال علي كرم الله وجهه ورضي عنه: في كل ورقة من الهندبا وزن حبة من ماء الجنة.
قال ابن سينا: يضمد به النقرس ينفعه وينفع من الرمد الحار، ولبن الهندبا البري يجلو بياض العين، أصله مع ورقة ضمادا للسع العقرب والحية والزنبور وسام أبرص، وينفع من حمى الربع.
(ورس) نبت يزرع باليمن يشبه السمسم فإذا جف عند إدراكه تفتت خريطته فينفض منها الورس ويزرع نبته، يبقى عشرين سنة، ينفع من الكلف والنمش طلاء، فإذا شرب نفع من الوضح وفتت الحصا.
(يقطين) هو القرع (١) إذا أردت أن يعظم القرع فدع بزره على الأرض معكوسا عند الزرع.
قال علي ﵁: إذا طبختم اللحم فأكثروا القرع فيه، فإنه يسلي القلب الحزين.
ومن خواصه: أن الذباب لا يقع على شجرته، ولما خرج يونس ﵊ من بطن الحوت أنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين؛ لدفع الذباب حتى صلبت بشرته. والله الموفق للصواب.
وليكن هذا آخر مقالة النبات، والله تعالى أعلم.
النظر الثالث في الحيوان
أما الحيوان ففي المرتبة الثالثة من الكائنات وأبعد المولدات عن الأمهات؛ لأن المرتبة الأولى
стр. 265
للمعادن وهي باقية على الجمادية لقربها من البسائط، والمرتبة الثانية للنبات فإنها متوسطة بين المعادن والحيوان بحصول النشو والنمو وفوات الحس والحركة، والرتبة الثالثة للحيوان فإنه قد جمع بين النشو والنمو والحس والحركة، وهذه قوى موجودة في جميع أفراد الحيوان، حتى في الذباب والبعوض.
أما الحس فلأن الله تعالى لما قضى لكل حيوان أمدا معلوما وأبدان الحيوانات متعرضة للآفات المفسدة بها والمهلكة إياها فاقتضت الحكمة الإلهية لها القوة الحساسة؛ لتشعر بواسطتها بالمنافي فتدفعه عن نفسها إذا أحست بألم فلولا هذه القوة لما أحس الحيوان بالجوع إلى أن مات بغتة فجأة من عدم الغذاء، ولكان إذا نام فأصاب يده أو رجله نارا لم يكن يحس به حتى ينتبه من نومه فإذا هو بلا يد ولا رجل.
وأما الحركة فإن الحيوان لما كان محتاجا إلى الغذاء ولم يكن غذاؤه يكفيه في جميع الأوقات، اقتضت الحكمة الإلهية آلات الحركة ليتحرك بها إلى الغذاء، ولولا القوة لاحتاج الحيوان إلى الغذاء ولم يقدر على المشي إليهما فمات جوعا كشجرة لا تجد الماء حتى تجف، ولكان إذا أصابه آفة من حرق أو غرق بقي على مكانه حتى أدركه الغرق أو الحرق، ولما كانت الحيوانات بعضها عدو لبعض اقتضت الحكمة الإلهية لكل حيوان آلة يحفظ بها نفسه من عدوه.
(فمنها): ما يدفع العدو بالقوة والمقاومة كالفيل والأسد والجاموس.
(ومنها): ما يسلم من عدوه بالفرار فأعطى آلة الفرار كالظباء والأرانب والطيور.
(ومنها): ما يحفظ نفسه بسلاح كالقنفذ والشهم والسلحفاة.
(ومنها): ما يحفظ نفسه بحصن كالفأر والحية والهوام.
ومقتضى الحكمة الإلهية أن الله تعالى خلق لكل حيوان من الأعضاء ما يتوقف عليه بقاء ذاته ونوعه لا زائدا ولا ناقصا، ولذلك اختلفت أشكالها وأعضاؤها وتنوعت أنواعها بأنواع كثيرة.
روى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى خلق في الأرض ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة منها في البر» (١) وقال بعض
стр. 266
المفسرين من أراد أن يعرف معنى قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] فليوقد نارا في وسط غيطه بالليل ثم لينظر ما يغشى تلك النار من أنواع الحيوان، فإنه يرى صورا عجيبة وأشكالا غريبة لم يكن يظن أن الله تعالى خلق شيئا منها في العالم، على أن الذي يغشى تلك النار يختلف باختلاف المواضع من الغياض والجبال والبحار والصحارى، فإن سكان كل بقعة تخالف سكان غيرها ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأوضح برهانه لا إله إلا هو سبحانه.
ولنذكر الآن بعض أنواع الحيوان وعجائبها وخواصها إن شاء الله تعالى.
стр. 267
النوع الأول: في حقيقة الإنسان. والنظر فيه في أمور
النظر الأول في حقيقة الإنسان
اعلم: أن الإنسان مجموع مركب من النفس والبدن وأنه أشرف الحيوانات وخلاصة المخلوقات، ركبه الله تعالى في أحسن صورة روحا وبدنا وخصصه بالنطق والعقل سرا وعلنا، وزين ظاهره بالحواس والحظ الأوفى وباطنه بالقوى ما هو أشرف وأقوى، وهيأ للنفس الناطقة الدماغ وأسكنه أعلى محل وأوفق رتبة وزينه بالفكر والذكر والحفظ، وسلط عليه الجواهر العقلية؛ لتكون النفس أميره، والعقل وزيره، والقوى جنوده، والحس المشترك مريده، والأعضاء خدمه، والبدن محل مملكته والحواس يسافرون في جميع الأوقات في عالمهم ويلتقطون الأخبار الموافقة والمخالفة. ويعرضونها على الحس المشترك الذي هو واسطة بين النفس والحواس على باب المدينة وهو يعرضها على القوة العقلية لتختار ما يوافق وتطرح ما يخالف.
فمن هذا الوجه فالإنسان عالم صغير ومن حيث إنه يتغذى وينمو قالوا: نبات. ومن حيث إنه يحس ويتحرك قالوا: حيوان. ومن حيث إنه يعلم حقائق الأشياء قالوا: ملك فصار مجمعا لهذه المعاني، فإذا صرف همه إلى جهة من هذه الجهات ليلتحق بها فإن كان قد صرف همته إلى الجهة الطبيعية فيكون راضيا من أمر دنياه بالتغذي وتنقية الفضول، وإن كان إلى الحيوانية فيكون إما غضوبا كسبع، أو أكولا كبقر، أو شرها كخنزير، أو جزعا ككلب، أو حقودا كجمل، أو متكبرا كنمر، أو ذا روغان كثعلب، أو يجمع هذا كله فيكون شيطانا مريدا. وإن كان صرف همته إلى الجهة الملكية فيكون متوجها إلى العالم الأعلى ولا يرضى بالمنزل الأسفل والمربع الأدنى، فيكون مرادا من قوله : ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] والله الموفق للصواب.
النظر الثاني: في النفس الناطقة
قالوا: هو كما أول النفس الطبيعي إلى جهة ما يعقل من الأمور الكلية. واعلم: أن الإنسان حال ما يكون شديد الاهتمام بالشيء يقول: قلت: كذا، وفعلت كذا، وهو في هذه الحالة عالم بذاته غافل عن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة، والمعلوم في هذه الحالة هو النفس وإنه متقلد لهذه التكاليف متعرض لخطر الثواب والعقاب، باق بعد الموت إما في نعيم وسعادة كما قال الله تعالى:
﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وإما في جحيم وشقاوة كما قال عز من قائل: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. وروي أن رسول الله ﷺ
стр. 268
قال في يوم بدر لما قتل صناديد قريش وألقوا في قليب بدر: «يا عتبة يا شيبة قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟» فقيل يا رسول الله: تناديهم وهم أموات؟ فقال:
«والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم لكلامي، لكنهم لا يقدرون على الجواب» (١) وهذه النفس في البدن كالوالي في مملكته والقوى والأعضاء كالخدم له، وهو متصرف فيها وإنها مجبولة على طاعته لا تستطيع مخالفته، فالبدن مملكة النفس ومدينته، والقلب واسطة المملكة والأعضاء كالخدم، والقوى الباطنة كصناع المدينة والعقل كالوزير المشفق الناصح، والشهوة طالب أرزاق الخدم، والغضب صاحب الشرطة وهو عبد مكار خبيث يتمثل بصورة الناصح سم قاتل ودأبه أبدا منازعة الوزير الناصح والقوة المتخلية في مقدم الدماغ كالخازن، واللسان كالترجمان والحواس الخمس جواسيس وقد وكل كل واحد منهما بأخبار صقع (٢) من الأصقاع، فقد وكل العين بعالم الألوان، والسمع بعالم الأصوات، وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه الأصقاع ويردونها إلى الحس المشترك الذي هو صاحب البريد، وهو يسلمها إلى الخازن، والخازن يحفظها لتستعمل النفس منها ما تحتاج إليه وقت حاجتها في تدبير مملكته، وهذه النفس أبدى الوجوه لكنه منتقل من حال إلى حال ومن دار إلى دار.
وقد ذكر علي ﵁ في بعض خطبه: إنما خلقتم للأبد من دار إلى دار تنتقلون من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى البرزخ ومن البرزخ إلى الجنة أو النار، ثم تلا قوله : ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] وقال الشيخ الرئيس في تعلق النفس بالبدن واستئناسها به ومفارقتها إياه شعرا:
هبطت إليك من المحل الأرفع … ورقاء ذات تعزز وترفع
محجوبة عن كل مقلة ناظر … وهي التي سفرت (٣) ولم تتبرقع (٤)
وصلت على كره إليك وربما … كرهت فراقك وهي ذات تفجع
стр. 269
أنفت وما سكنت فلما استأنست … ألفت مجاورة الخراب البلقع (١)
وأظنها نسيت عهودا بالحمى … ومنازلا بعراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها … من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها هاء الثقيل فأصبحت … بين المعالم والطلول الخضع
تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمى … بمدامع تهمى ولما تقطع
إذ عاقها شرك الكثيف وصدها … قفص عن الأوج الفسيح المربع
وتظل ساجمة (٢) على الدمن (٣) التي … درست بتكرار الرياح الأربع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى … ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلف … عنها حليف الدرب غير مشيع
سمعت وقد كشف الغطاء فأبصرت … ما ليس يدرك بالعيون الهجع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق … والعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شاهق … سام إلى قرع الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها الإله لحكمة … طويت عن البعد اللبيب الأروع
فهبوطها إن كان ضربة لازب (٤) … لتكون سامعة بما لم تسمع
وتكون عالمة بكل حقيقة … في العالمين وخرقها لم يرفع
وهي التي قطع الزمان طريقها … حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمى … ثم انطوى فكأنه لم يطلع
زعموا أن هذه النفوس في هذا العالم الجسماني وما قد ابتلى به من آفات هذا البدن كرجل
стр. 270
حكيم في بلد أو قرية، وقد ابتلى بعشق امرأة رعناء فاجرة سيئة الخلق وهي في أكثر الأوقات تطالبه بالمأكول الطيب والمشروب اللذيذ والثياب الفاخرة والمسكن المزخرف والشهوات المردية، وإن ذلك الحكيم من شدة محنته بعظم محبتها وعظم بلائه بصحبتها، قد صرف كل همته إلى إصراف أمرها وأكثر عنايته إلى إصلاح شأنها، وقد نسى أمر نفسه وإصلاح شأنه وبلدته وأقاربه الذين نشأ فيهم، ونعمته التي كان فيها ولا راحة لهذا الحكيم إلا بمفارقة هذه المرأة والتسلي عن حبها، ولكنه إن سمع هذا الحديث تنشق مرارته من خوف مفارقتها. ولا يخفى أن النفوس جواهر روحانية لا حاجة لها إلى الأكل والشرب واللباس والنكاح، فإن كل ذلك مما يحتاج إليه البدن في قوام وجوده، والنفس مادامت مع هذا البدن تكثر همومه لإصلاح هذا البدن، ولا راحة للنفس دون مفارقته كما قلنا: إن الحكيم المبتلى بحب المومسة لا راحة له إلا بمفارقتها والسلو عنها، والله المستعان، وعليه التوكل.
فصل: في نفوس عجيبة التأثيرات
ذهب أهل الحق إلى أن النفوس مختلفة بحسب جواهرها فمنها نفوس علوانية نورانية لها شعور بعالم الأرواح فتستفيد بالفيض من عالم الأرواح أمورا عجيبة، ومنها نفوس كثيفة كدرة مشغوفة بالجسمانية لاحظ لها من عالم الأرواح. وذهب بعض الحكماء إلى أن النفوس الناطقة جنس تحته أنواع، وتحت كل نوع أفراد لا يخالف بعضها بعضا إلا بالعدد، وكل نوع منها كالولد لروح من الأرواح السماوية، وهذا هو الذي تسميه أصحاب الطلسمات بالطباع التام، ويزعمون أنه يتولى إصلاح تلك النفوس تارة بالمنامات وتارة بالإلهامات وتارة بالنفث في الروح، فمن النفوس الفاضلة نفوس الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإن الله تعالى لما أراد أن يجعلهم قدوة للخلق جمع في نفوسهم أنواع الفضائل، ونفى عنها أصناف الرذائل؛ لاقتداء الخلق بهم وأظهر عليها الآثار العجيبة لانقياد الخلق إليهم.
(ومنها نفوس الأولياء) فإنها لما كانت لنفوس الأنبياء مشتبهة بها صدرت عنها آثار عجيبة كما ذكرنا في مقامات الزهاد والعباد والعارفين من شفاء المرضى باستشفائهم، وسقي الأرض باستسقائهم وصرف الوباء والمؤذيات بدعائهم، وتبدل نفرة الطيور بالهدوء والوقوع وصولة السباع بالبصبصة والخضوع، وإلى غير ذلك من الأمور التي تحكي عنهم.
стр. 271
(منها نفوس أصحاب الفراسة) وهي نفوس تستدل بالأحوال الظاهرة على الأمور الباطنة وأنه استدلال صحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقد قال رسول الله ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» (١).
حكى أبو سعيد الخراز قال: رأيت في الحرم رجلا فقيرا ليس عليه إلا ما يستر عورته، فأنفت نفسي منه فتفرس في ذلك وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:
٢٣٥] فندمت على ذلك واستغفرت في فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وحكي أن الشافعي رضي الله تعالى عنه ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهما: رأيا رجلا فقال أحدهما: إنه نجار، وقال الآخر: بل حداد، فسألا عنه فقال: كنت حدادا قبل هذا والآن صرت نجارا.
وحكى عبيد الله بن ظبيان، وكان أميرا من أمراء العراق فنادى أنه كان يترصد الفتك بالحجاج مدة، قال: فظفرت به يوما كان واقفا على باب داره وحده فقلت في نفسي: الآن وقته، فتفرس ذلك في وبقي بيني وبينه مقدار رمح، فقال لي: أخذت كتابك من فلان فقلت: لا، قال:
امض إليه فإن كتابك معه فلما سمعت اسم الكتاب تركت عزمي، وانصرفت لطلب الكتاب فأدركني عدوانه.
(ومنها نفوس أصحاب القيافة) والقيافة على ضربين: قيافة البشر، وقيافة الأثر. أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، ويختص هذا الاستدلال بقوم من العرب يقال لهم: بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين امرأة فيهن أمه يلحقه بها.
(حكى) بعض التجار قال: ورثت من أبي مملوكا أسودا شيخا، فكنت في بعض أسفاري راكبا على بعير والمملوك يقوده، فاجتاز علنيا رجل من بني مدلج أمعن فينا نظره، وقال: ما أشبه الراكب بالقائد، فوقع في قلبي من قوله ما وقع حتى رجعت إلى أمي وأخبرتها بما قال المدلجي، فقالت: صدق والله المدلجي، اعلم يا بني أنه كان زوجي شيخا كبيرا ذا مال لم يولد له ولد، فخشيت أن يفوت ماله عنا بموته فمكنت نفسي من هذا المملوك الأسود، فحملت بك، ولولا أن هذا شيء ستعلمه في الآخرة ما أخبرتك في الدنيا.
стр. 272
(وأما قيافة الأثر) فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر، وقد اختص هذا الاستدلال بقوم في المغرب أرضهم ذات رمل، فإذا هرب منهم هارب، أو دخل عليهم سارق تبعوا آثار قدميه حتى يظفروا به، ومن العجب ما حكى أنهم يعرفون أثر قدم الشاب من الشيخ والرجل من المرأة والغريب من المتوطن.
(ومنها نفوس الكهنة) وهي نفوس تتلقى الروحانية وتكتسب أحوال الكائنات التي تدل عليها المنامات وغيرها من الحادثات.
حكي أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هائلة، فبعث إلى أهل مملكته سأل عن تفسيرها، فقالوا: ليبعث الملك إلى سطيح وشق فلا يجد أعلم منهما، فبعث إليهما فقدما، فقال الملك لسطيح: رأيت رؤيا هالتني فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، فقال سطيح: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نعمة فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا فما تأويلها؟ فقال: ليهبطن بأرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين وجرش، فقال الملك: يا سطيح إن هذا الغائظ فأخبرني متى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ فقال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعين أو يخرجون منها هاربين، فقال الملك: ومن الذي يملك قبلهم؟ قال: ابن ذي يزن يخرج عليهم من عدن ولا يترك منهم أحدا باليمن. قال الملك: أيدوم ملك ذلك أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع، قال: ومن يقطعه؟ قال:
نبي زكي كريم عظيم يأتيه الوحي من قبل العلي، قال الملك: ومن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقّ ما تخبر به؟ قال: نعم، والشفق والقمر إذا اتسق إن ما نبأتك به الحق. فلما فرغ من حديثه دعا بشق وخاطبه مثل ما خاطب سطيحا، وكتم جواب سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان؟ فقال شق: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة، فأكلت منها كل ذات نسمة، فعلم الملك اتفاقهما، فقال: ما أخللت بشيء منها يا شق فما تأويلها؟ قال: لينزلن أرضكم السودان وليملؤن ما بين نجران، فقال: إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن في زماني أما بعده؟ فقال: بعده بزمان ثم ينقذكم منه عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان، قال الملك: أيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول من الرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل، يبقى الملك في قومه إلى يوم الفصل. ثم إنه اتفق استيلاء الحبشة على اليمن وملوكها إلى أن جاء سيف بن ذي يزن إلى كسرى، واستنجده فأمده بعساكره برّا وبحرا، وقتلوا الحبشة قتلا ذريعا، وأخرجوهم من اليمن وملكها سيف بن
стр. 273
ذي يزن، فاجتمع على بابه رؤساء العرب، ودخل على عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ مع قومه وخلع عليه، وقال: إنا نجد في كتبنا أن هذا الملك صائر إلى أحد أولاده فليتني كنت أدركه.
(ومنها نفوس أصحاب العرافة) وهي النفوس تستدل ببعض الحوادث على بعض لمناسبة بينهما أو مشابهة خفيفة.
كما حكي أن الإسكندر تملك بعض البلاد فدخل هيكلها، فوجد فيها امرأة تنسج ثوبا، فقالت: أيها الملك، أعطيت ملكا ذا طول وعرض، ثم دخلها والى بلدها، فقالت له: إن الإسكندر سيعزلك، فغضب الوالي، فقالت: لا تغضب إن النفوس تعلم أمورا بعلامات، فإن الإسكندر لما دخل كنت أدبر طول الثوب وعرضه، وأنت لما دخلت فرغت منه وأردت قطعه فكان الأمر كما قالت.
وحكي أن سيف بن ذي يزن لما استنصر بكسرى على قتال الحبشة، بعث إليهم كسرى في جند عظيم برّا وبحرا، فخرج إليهم ملك الحبشة مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير وكهلان، فتصاف القوم وكان بين عيني مسروق بن أبرهة ياقوتة حمراء معلقة من تاجه بعلاق من الذهب تضيء كالنار وهو على فيل عظيم فقاتل عليه ساعة، ثم نزل عن الفيل وركب جملا ساعة، ثم نزل عن الجمل وركب فرسا ساعة، ثم أنف من محاربتهم على الفرس استصغارا لأصحاب سيف فدعا بحمار فركبه، فتأمل هرمز ذلك وقال: احملوا عليه فإن ملكه قد ذهب انتقل من كبير إلى صغير فحملوا عليهم وكشفوا الحبشة فأخذتهم السيوف من كل جانب، وقتلوا مسروق بن أبرهة وخواصه.
وحكي عن علي ﵁ أنه لما جلس للبيعة فأول من بايعه طلحة بن عبيد الله، فبايعه وكانت أصبعه شلاء فتطير منه علي ﵁ وقال: ما أخلقه أن ينكث، فكان كذلك ولم تصف له الخلافة إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى.
وحكي أن إبراهيم بن المهدي قال: بعث إلي الأمين فسرت إليه فإذا هو جالس في طارم خشبها عود وصندل مزين بأنواع الحرير والديباج الأخضر والذهب الأحمر، وإذا سلمان بن منصور معه في القبة، وبين يدي الأمين قدح من بلور مخروط، وكان شديد الإعجاب به فقال:
إنما بعثت إليكما لما بلغني وصول طاهر بن الحسين إلى النهروان، وقد صنع في أمرنا من المكروه مما صنع فدعوتكما لأفرج همي بكما، فأقبلنا نحدثه فدعا بجارية تسمى صعب فتطيرنا بها لاسمها
стр. 274
فأمرها أن تغني فغنت:
أبكى فراقهم عيني فأرقها … إن التفرق للمشتاق بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فزجوا وتطير من قولها، وقال لها: لعنك الله ما عرفت غير هذا. فقالت: يا سيدي ما قصدت إلى ما نطقت إلا أنك تحبه فعاد إلى حزنه فأقبلنا نحدثه إلى أن ضحك ثم أقبل وقال لها هاتي ما عندك فغنت:
همو قتلوه كي يكونوا مكانه … كما فعلت يوما بكسرى مرازبه
بني هاشم كيف التواصل … بيننا وعند أخيه سيفه ونجائبه
فزجرها وعاد إلى الحالة الأولى فسليناه حتى عاد إلى الضحك، وأقبل عليها في الثالثة وقال لها: غني غنت:
أما ورب السكون والحرك … إن المنايا شديدة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا … دار نجم السماء في فلك
إلا بنقل النعيم عن ملك … قد انتهى ملكه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي لعنك الله، فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته، وكانت ليلة مقمرة ونحن على شاطئ دجلة فقمنا متعجبين مما شاهدنا متفكرين في أمره فسمعنا قائلا يقول: ﴿الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾ [يوسف: ٤١] وكان ذلك آخر الإجتماع به.
وحكى صاعد بن محمود النهاوندي أنه كان ببغداد عراف من الطرقيين يخبر بأشياء قلما يخطئ فيها بجاءه رجل وقال له: إن لي مسألة إن أصبت فيها فلك كذا وكذا، فقال: سلها، فقال:
إن أخرجتها لك لا أطمئن إلى جوابها، فمكث يسيرا ثم قال: تسألني عن محبوس؟ فقال: أصبت والله، فأخبرني عن حبسه؟ فقال: الشرط أملك إذا وفيت بالوعد أخبرتك بحاله فمضى الرجل إلى بيته وأتما بما وعده به وقال: أخبرني عن حبسه، فقال: إنه يخرج عن قريب، ويخلع عليه فلم يمض أيام حتى كان الأمر على ما قال فأتى السائل إلى العراف وقال له: أخبرني بكيفية معرفتك أمر هذا المحبوس، فقال له: اعلم أني إذا سئلت عن شيء أنظر أمامي وعن يميني وعن يساري
стр. 275
فإن رأيت شيئا يكون بينه وبين المسئول مناسبة أو مشابهة أجبت على وفق ذلك، فإنك لما سألتني رأيت قربة فيها ماء مع رجل سقاء فقلت: السؤال عن محبوس، ولما سألتني ثانيا: رأيت تلك القربة بعينها قد أفرغت وألقاها الرجل السقاء على منكبه فقلت: يخرج ويخلع عليه، والله أعلم بغيبه.
النظر الثالث في تولد الإنسان
اعلم: أن الغذاء إذ ورد المعدة وأثرت فيها القوة الهاضمة تصفيه وتجذب ما فيه إلى الكبد يقسمه على جميع البدن، وما فضل من الغذاء في الهضم الأخير يبعث إلى النخاع، ومن النخاع إلى الأشبين فيستحيل فيهما إلى طبيعة المني يدغدغ ويهيج اضطراب القدم، فلا يسكن إلا بنفض تلك المادة فيكون ذلك سبب اجتماع الذكر والأنثى، فإذا حصلت النطفة في الرحم صار نطفة الذكر والأنثى ممتزجين على شكل كرة فتنعقد عليها بحرارة الرحم قشرة رقيقة ما ترى في العجين إذا وضع في شيء حار، وتتشبث بها أفواه العروق التي يرد منها دم الحيض إلى الرحم، ثم إن القوة المصورة بإذن الله تعالى تجمع دهنية النطفة فتأخذ منها حصة إلى الوسط إعدادا للقلب، ومن عن يمينه حصة للكبد ومن أعلاه حصة للدماغ، ثم تخلق السرة متصلة بوريد وشريان وهذا يتم في ستة أيام، ثم تأخذ في التخطيط والتنقيط ويتم ذلك إلى خمسة عشر يوما، ثم ينفذ دم الحيض في جميع الكرة فيصير علقة وبعده بإثنى عشر يوما تصير الرطوبة لحما متميزا الأجزاء وتمتد رطوبة النخاع فإنه أساس البدن، وبعده بسبعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف من الضلوع والبطن إلى أربعين يوما، ثم يظهر عظامه وتكسى العظام باللحم المتولد من دم الحيض، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون:
١٣ - ١٤].
فصل في وضع الجنين في الرحم
قال بقراط: إنه جالس ورأسه على ركبتيه وعضده ملتصقتان بأضلاعه ويداه حاملتان لرأسه، ورأسه نحو رأس الأم ورجلاه نحو رجليها، مقبوض الأعضاء على غاية ما يمكن من الهندام، ووجهه إلى صلب حاملته وصلبه إلى مراقها، وكونه على هذا الوضع بعناية الله ، وذلك أن الرأس أثقل من سائر الأعضاء فاحتيج إلى ما يحمله فأسنده بالركبتين والركبتان ضعيفتان رطبتان خفف عنهما بأن عاونتهما اليدان في الحمل، وصير الوجه إلى جانب صلبها
стр. 276
ليكون أحفظ من المصادمات بدفع الصلب، وصلبه إلى جهة مراقها؛ لأن صلبه أبعد عن قبول الآفة لأن هذا الوضع موافق جدا لسهولة الولادة لأن رأسه إذا كان قريبا وانحل الرباط من الرحم جاء على رأسه؛ لأن الرأس ثقيل يهوي إلى أسفل بسرعة، وأيضا فإن أقرب الأشكال إلى المستديرة المنحنى، والمستديرة أبعد عن قبول الآفات، ولأن القلب الذي هو ينبوع الحياة يكون محفوظا وأن شكله على هذه الهيئة ضروري الوقوع؛ لأن الجنين في موضع ضيق فجمع بالحكمة الإلهية سائر أعضائه وجعله كالكرة ليسعى في ذلك الموضع الضيق، كما أنا نحن إذا كنا في موضع ضيق جمعنا أعضاءنا فيكون شكلنا قريبا من شكل الجنين في الرحم.
فصل: في سبب الذكورة والأنوثة
زعم بعضهم أن السبب لذلك زيادة حرارة خلقها الله تعالى للمادة التي يخلق منها الذكر، ونقصانها في المادة التي يخلق منها الأنثى، وكذلك تبرز أعضاء التناسل من هذا وتختفي من هذه، ثم إذا كانت. الحرارة الغريزية في أصل الخلقة كاملة خرج الذكر تام الأعضاء قوي التذكير، وإن نقصت نقصت قوة تذكيره فتشبه أفعاله أفعال النساء، وهكذا قوة التأنيث فإن من الإناث من تشبه أفعالها أفعال الرجال، وإذا تصورت هذه المراتب فربما يقع فيها مرتبة غريبة بعيدة الاتفاق، فيكون المولود لا ذكر ولا أنثى بل خنثى. ومنهم من زعم أن الأغلب على خلقة الذكور وقوعها في الجانب الأيمن من الرحم، ومن خلقة الأنثى وقوعها في الجانب الأيسر، وربما يعين على الإناث الفصل الحار والبلد الحار والريح الجنوب وسن الكهولة، كما أن أضداده تعين على الذكور وهو الفصل البارد والبلد البارد والريح الشمالي وسن الشباب. وزعم قوم أن نطفة الذكر إن جرت من يمينه إلى يمينها كان الولد ذكر تام الذكورة، وإن جرت من يساره إلى يسارها كان الولد أنثى تام الأنوثة، وإن جرت من يمينه إلى يسارها كان ذكرا مؤنثا كما ترى في الرجال من تشبه أفعاله أفعال النساء، وإن جرت من يساره إلى يمينها كانت أنثى مذكرة كما ترى في النساء من تشبه أفعالها أفعال الرجال، والله تعالى أعلم.
فصل: في وضع الحمل
اعلم أن القوة الإلهية إذا كملت في المولود أبرزته القوة الموجودة في الرحم إذ لو بقي في الرحم بعد كماله لاحتاج إلى غذاء كثير لكبره ولا يسهل خروجه لكبره، والوعاء لا يحمله فيفضي إلى هلاكه وهلاك أمه، فإذا كمل المولود كفت القوة الماسكة عن الإمساك، وتحركت الدافعة للدفع، وهو أيضا يتحرك بيده ورجليه فينشق الغشاء المطيف به، وانحل رباط الجنين فيقع كالشيء
стр. 277
الواقع من أعلى إلى أسفل فعند ذلك ينقبض قعر الرحم وينتفخ عنقه ويبتدئ بالرطوبات التي كانت في الأغشية قبل ورود الجنين لينزلق المجري فيسهل الخروج. وإذا كان طبيعيّا يبتدئ بالرأس؛ لأن أعاليه أثقل من أسافله فإن من السرة إلى الرأس أثقل مما هو من السرة إلى القدم، فينزل الثقيل أولا ثم يتبعه الخفيف بتقدير العزيز العليم.
النظر الرابع: في تشاريع أعضاء الإنسان
اعلم: أن في تشريح الأعضاء من العجائب (١) ما تحير فيها عقول الأولين والآخرين، وقصر عن إدراك بعضها فهم الخلق أجمعين ولكثرة ما فيها من العجائب قال جل من قائل: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
ولنذكر شيئا من عجائب الإنسان والأسرار المودعة فيه وفي تركيبها إن شاء الله تعالى فنقول: الأعضاء أجسام متولدة من أول مزاج الأخلاط وهي على قسمين متشابهة ومركبة.
القسم الأول: المتشابهة
وهي التي يكون حدها كلها حد خروجها. وهي أنواع:
النوع الأول: العظام
وهي أجسام صلبة جعلت قواما للبدن ودعامة تنشأ منها الرطوبات وتمتد من بعض الأعضاء إلى بعض فيشدها ويقويها ويكون له بها الاعتماد في الحركات، ولم يتم ذلك بشيء من الأعضاء الرخوة كاللحم، فاقتضت حكمة البارئ تعالى خلق العظام لتلك المنافع، فمنها ما يكون للبدن كالأساس مثل فقار الصلب فإن البدن يبني عليه كالخشبة التي تبني عليها السفينة،
стр. 278
ومنها ما قياسه قياس المجن كعظم اليافوخ، ومنها ما هو كالدافع يدفع به المؤذي كالأساس على فقار الظهر، ومنها ما هو لسد فرج بين التناسل كالعظام السمسمانيات بين السلاميات، وما خلق للدعامة والوقاية خلق مصمتا لزيادة الحاجة إلى صلابته، وما كان لأجل الحركة خلق مجوفا ليكون جرمه خفيفا وجوفه يكون محل غذائه وهو المخ فيغذيه ويربطه كيلا يتفتت. والحكمة في أن كل عضو خلق من عظام لا من عظم واحد؛ لأن الآفات صائبة لها، فعند ذلك يسلم الآخر بخلاف ما إذا كان عظما واحدا فإن الآفة إذا أصابت بعض أطرافها صار الكل موجعا، وأيضا عند الحاجة إلى حركة بعضها لا يفتقر إلى حركة؛ لأن الكل وجميع العظم إذا عدت تكون مائتين وثمانية وأربعين عظما سوى السمسمانيات وعظم الحنجرة الشبيهة باللام.
النوع الثاني: في الغضروف
وهو جسم متوسط بين اللحم والعظم في الصلابة واللين، ينبت على أطراف العظام في موضع دعت الحاجة فيه إلى العظم وإلى اللحم، فيدخل الغضروف بينهما حتى لا يتأذى اللحم بصلابة العظم ولا يتألم العظم برطوبة اللحم، وأيضا إنها آلات الحركة والاحتكاك تكسر اليابس وتفسخ الرطب فاحتاج إلى متوسط لا ينكسر ولا ينفسخ برطوبته وهو الغضروف.
النوع الثالث: العصب
وهو جسم لين لدن ينشأ من الدماغ والنخاع كنهر يأخذ من عين، فالعين الدماغ والنهر النخاع، وفائدته الحس والحركة لسائر الأعضاء، ولما كان الدماغ غير محتمل للأعصاب ينشأ منها ويصل إلى أقصى غاية البدن، أجرى الله تعالى منها نهرا في الدماغ ليتشعب منه الجداول، وتصل إلى جميع أجزاء البدن، وأما أعصاب الرأس فتفيد الحس والحركة للوجه والأعضاء الباطنة، وأما سائر الأعضاء الظاهرة فإنها تستفيد بالحس والحركة من النخاع.
النوع الرابع: الرباط
وهو جسم كالعصب في الشكل إلا أنه أصلب منه ينشأ من العظام فيربط بعضها ببعض، ولما كانت الحركة الإرادية إنما تكون بقوة تفيض من الدماغ بواسطة العصب والعصب لدن لطيف لا يحسن اتصاله بالعظام بلطف البارئ تعالى بإنبات جسم من العظام شبيه بالعصب أصلب منه وألين من العظام وهو الرباط؛ ليحسن اتصال العصب بالعظم بواسطته.
стр. 279
النوع الخامس: اللحم
وهو جسم حار رطب، من منافعه معاونة الأعصاب والشرايين والأوردة فإنها باردة يابسة، فلولا حرارة اللحم لأتاها الهواء من خارج وأفسدها، ولما كانت هي حوامل الروح والغذاء، واحتاجت إلى الهضم ولا يتم ذلك بنفسها، خلق الله تعالى معينا من اللحم محيطا بها ليتم الهضم الجيد، ومن منافعه حشو خلل العظام فيستوي شكل الأعضاء به كما يستوي البناء بالطين فيفيدها حسنا وزينة.
النوع السادس: الشحم
وهو جسم حار لطيف هوائي خلق على أطراف العضل ومواقع العصب فإنهما آلة الحس والحركة فافتقرت إلى مواتاه في الفعل والانفعال، وذلك إنما يتم بالحار الرطب، ولما كان العصب باردا يابسا ألحق بالشحم يسخنه ويعينه على هضم الغذاء وإنضاجه، ولم يلحقه باللحم كالعروق؛ لأن الغرض من اللحم هضم ما في داخل العروق فحسب، والغرض من الشحم تسخين العصب على وجه لا يمنعه من سرعة الحركة، فلو ألحق بجسم غليظ كاللحم تعسرت حركته وتبلد جسمه وكما قلنا: إن مثال اللحم كطين البناء فكذلك أمثال الشحم كحصته.
النوع السابع: الشرايين
وهي جداول مضاعفة؛ لأنها وعاء الروح خلقت ذات صفاقين إلا واحدة منها، فإن الشرايين تحمل الروح الحيواني من القلب إلى سائر البدن كالزيت للمصباح وإنما خلقت ذات صفاقتين صيانة للروح التي فيها واحتياطا بحفظها، فيطلع من القلب شعبتان: إحداهما إلى الرئة وأنها ذات طبقة واحدة ليكون أسلس وأطوع للانبساط والانقباض عند الاستنشاق، والشعبة الأخرى تنقسم قسمين: أحدهما يمضي صاعدا، والأخر إلى أسفل حتى استوعبا جميع البدن.
النوع الثامن: الأوردة
وهي جداول تشبه الشرايين إلا أنها ذات طبقة واحدة؛ لأن ما تحويه من الدم أغلظ مما تحويه الشرايين وتنشأ من الكبد وتحمل الغذاء إلى سائر الأعضاء، وأول ما ينبت من الكبد عرقان: أحدهما من الجانب المحدب، ومنفعته جذب الغذاء من الكبد ويسمى الباب والآخر من الجانب المحدب ومنفعته اتصال الغذاء من الكبد إلى سائر الأعضاء ويسمى الأجوف.
стр. 280
النوع التاسع: الترب
وهو جسم شحمي خص بإلحاق المعدة من قدام ليفيدها حرارة مع سهولة الانبساط إذا امتلأت المعدة من الغذاء.
النوع العاشر: الغشاء
هو جسم منتسج من ليف عصباني كنسج الثياب ينبسط على سطوح الأعضاء التي لا حس لها يحويها كاللفائف فيصير لها حافظا يحفظ جواهرها وأشكالها على هيئاتها، ومنبها لها على المؤذي إذ طرأ عليها.
النوع الحادي عشر: الجلد
وهو جسم مركب من الشظايا العصبية والرباط والأجزاء الشعرية من العروق، ينسج بعضها في بعض كما ينسج بالغشاء فيحل البدن بأسرها فيحفظ ما تحويه لصلابتها، ويشعر بسبب الحس بما يوافقه ويخالفه وهو مفيض فضولا إلى أعضاء البدن الظاهرة؛ لأنها تدفع الفضول من العروق والوسخ إلى المسام.
النوع الثاني عشر: المخ
وهو جسم مناسب لطبيعة العظم خلقت في تجاويف العظام لغذائها، وذلك أن حرارة الدم ورطوبته اعتدلت ببرودة العظم ويبوسته فصار غذاء صالحا للعظم (١)، والله أعلم بالصواب.
القسم الثاني: في الأعضاء المركبة وهو على نوعين ظاهرة وباطنة
أما الظاهرة فأنواع:
الأول الرأس:
ولما كان الرأس محل السمع والبصر وهما محتاجان إلى مكان عال؛ لأن محل الديدبان لا يصلح إلا عاليا ليطلع على الأخبار من البعد ويخبر بها، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الرأس في أعلى موضع من البدن، وخلق مستديرا؛ لأن الشكل المستدير أكثر مساحة من غيره من الأشكال، وقد احتيج إلى زيادة المساحة لكثرة ما تضمنها، والشكل الكروي أحسن الأشكال ولا يفعل من المصادمات إنفعال ذي الزوايا، وخلق مستديرا إلى الطول لأن منابت الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول، وخلق الجمجمة صلبة حاوية للدماغ لتمنع الآفات عنه كالبيضة التي يتوقى بها الرأس، وخلقت مركبة من عظام ليبقى بعضها سليما إذا أصاب البعض آفة.
стр. 281
فصل: في العين
لما كانت الحاجة إلى العين ماسة اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون في غاية الرقة واللين ووقاها بضروب كثيرة من الوقاية، فوضعها في حفرة من العظم، وجعل حولها عظاما صلبة، وغطاها بالأجفان، وصانها بالأهداب، وجعلها عينين اثنين حتى لو أصاب إحداهما آفة بقيت الأخرى سليمة، وجعلهما في الرأس؛ لأن حاسة البصر بمنزلة الديدبان وأنه كلما كان أعلى مكانا كانت مسافة مبصراته أكثر، ولأن العصبة التي فيها الروح الباصرة رقيقة جدا نازلة من الدماغ لا تحمل مسافة بعيدة وقد وضعت أمام البدن لتكون حارسة للأعضاء التي غطاؤها ضعيف كالبطن وغيره، ولأن عمل الأعضاء الخارجة كاليد والرجل من قدام لتكون مشاهدة لأعمالها وهي سبع طبقات، وتركيبها أنه ينشأ من الدماغ من تحت القحف عصبة مجوفة تنتهي إلى قعر العين وعليها غشاءان: أحدهما غليظ، والآخر رقيق، فإذا صارت إلى عظم العين فارقها الغشاء الغليظ، وصار لباسا وغشاء لعظم العين، وتسمى الطبقة الصلبية ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق ويسير لباسا وغشاء دون الطبقة الصلبية، وتسمى الطبقة المشيمية لشبهها بالمشيمية، وتعرض العصبية نفسها أن تصير غشاء بين الغشائين المذكورين، ويسمى الغشاء الشبكي، ثم يتكون في وسط هذا جسم لين رطب في لون الزجاج يسمى الرطوبة الزجاجية، ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر مستدير إلا أنه مفرطح شبيه بالجليد في صفائه، وتسمى الرطوبة الجليدية وتحيط الزجاجية بالجليد بمقدار النصف ويعلو النصف الآخر جسم شبيه بنسج العنكبوت شديد الصفاء والصقال وتسمى الطبقة العنكبوتية، ثم يعلو هذا الجسم جسم سائل في لون بياض البيض تسمى الرطوبة البيضية، ثم يعلو الرطوبة جسم رقيق أملس الخارج يختلف لونه في الناس فربما كان شديد السواد وربما كان دون ذلك، وفي وسطه حين يحاذي الجليد ثقب يتسع ويضيق في حال دون حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء، فيضيق عند الضوء الشديد ويتسع في الظلمة، وهذا الثقب هو الحدقة ويسمى هذا الغشاء الطبقة العينية، ويعلوها ويغشاها جسم كثيف صاف شبيه بصفيحة رقيقة من قرن أبيض وتسمى الطبقة القرنية غير أنها تتكون بكون الطبقة التي تحتها المسماه العينية ويعلوها ويغشاها إلى موضع سواد العين في حوله جسم أبيض اللون صلب يسمى الملتحم وهو بياض العين ونباته من الجلد الذي خارج القحف ونبات القرنية من الطبقة الصلبية، ونبات القرنية العينية من الطبقة المشيمية، ونبات العنكبوتية من الطبقة الشبكية، والله الموفق.
(أما الروح الباصر) فإنه في جوفه عصبان يبتدئان من غور البطنين المتلازمين المقدمين من
стр. 282
الدماغ نبتا يصير النابت منهما يسارا، ونبتا يصير النابت منهما يمينا، ثم يلتقيان على مقاطع صلبي، ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى، ولوقوع هذا التقاطع منافع، منها: أن الروح السائل إلى أحد الحدقتين لا يكون محجوبا عن الأخرى وإذا عرضت لإحداهما آفة صار الروح الناظر من الطريقين إلى العين السليمة، ولذلك ترى إحدى الحدقتين أقوى إبصارا إذا غمضت الأخرى لقوة اندفاع الروح الباصر إليها. وأما منافع الطبقات والرطوبات فكثيرة والحاجة إليها للطبيب ليس كتابنا بصدده، وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي هو خارج القحف والرأس، وفيه ثلاث عضلات تأتي اثنتان من جهة الموقين، يجذبان الجفن إلى أسفل جذبا متشابها، وأما فتح الجفن فيكفيه عضلة واحدة تأتي من وسط الجفن فينبسط طرف وتراها على طرف الجفن، فإذا نشجت فتحت العين، وأما الجفن الأسفل فإنه لا عضلة فيه وجعل الأسفل أصغر من الأعلى لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ويكشفها أخرى بتحركه، وأما الأسفل فإنه غير متحرك، فلو زيد على هذا القدر لستر شيئا من الحدقة دائما ولكن بفضول العين تجتمع فيه ولا يسيل، وأما منفعته فليمنع نكاده ما يلاقي الحدقة من خارج، ويمنع عند إطباقها وصول الغبار والدخان والشعاع ويصقل الحدقة دائما، ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذي، وأما الأهداب فإنها بمنزلة السياج حول العين يمنع عن الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن مع انفتاح العين (١) كما ترى عند هبوب الريح الذي يأتي بالقذي تفتح أدنى فتح وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية، فيحصل منها شبه شباك لينظر من ورائها، فتحصل الرؤية مع اندفاع القذي، والله أعلم.
فصل: في الآذان
ولما كانت القوة السامعة لا تفيد السمع إلا بواسطة قرع الصوت الهواء ووصول ذلك الهواء إلى الدماغ، فاقتضت الحكمة الإلهية مجرى السمع في عظم صلب ذي عطفات وتعاريج كثيرة إلى أن ينتهي إلى عصبتين ناشئتين من الدماغ، وذلك العصب لو كان بارزا لأضر به الهواء البارد، فيخرج من حد الاعتدال بملاقاة أدنى برودة؛ لأن طبعه بارد فجعل كامنا في الدماغ لهذا المعنى، وقد جعل مجراه مفتوحا أبدا ليصل إليه الهواء المقروع دائما فيسمع ما يشاء وما لم يشأ، ولما كان في فتحه سعه وكان متعرضا لآفات البرد والغبار ومصادمة الهواء المقروع بعنف كالرعد والصيحة العظيمة، جعل مجراه بذا عطاف وتعاريج على هيئة اللولب لئلا يصل الهواء إلى السمع
стр. 283
دفعة واحدة، بل يبقى في العطاف ويرد على السمع شيئا فشيئا وتسكن شدته في التعاريج فيفهم بالتأني وجعلت على مجراه صدفة ناشدة لرد الصوت إلى الثقبة وتمنعه من الإنتشار، وخلقت من الغضروف؛ لأن الغضروف موافق لقبول الصوت (١).
فصل: في الأنف
خلق الأنف بارزا عن الوجه لما فيه من الجمال، ولتكون أرنبته آلة لاستنشاق الهواء، وخلق مجراه مفتوحا؛ لأن الحاجة إلى استنشاق الهواء للتنفس ضرورية دائما، وإنما جعل مجراتين احتياطيا لمصلحة النفس حتى لو أصاب إحدى المجراتين آفة تحصل بالأخرى مصلحة التنفس، وخلقت قصبته صلبة لتكون وقاية للوجه من المصادمات، وأرنبته لينة ليحصل بانقباضها وانبساطها جذب الهواء، كما ترى من كير الحدادين ومجراه إذ علا ينقسم قسمين: أحدهما يفضي إلى فضاء الفم، والآخر يمر صاعدا حتى يفضي إلى العظم الشبيه بالمصفاة الموضوع في وجه محل الإحساس فيحصل بأحد القسمين الشم، وبالآخر التنفس، وإنما جعل في منتهى ثقبتي الأنف عظم مثقوب شبيه بالمصفاة؛ لتصل الروائح بنفسها إلى موضع الإحساس، ويستفرغ منها الفضول المخاطية ولم تجعل هذه المنافذ مستقيمة بل معوجة إذ لو كانت مستقيمة لكان الهواء المستنشق يصل إلى الدماغ بسرعة فيفسد، فجعلت معوجة ليبقى الهواء في تلك التعاريج مدة فتنكسر برودتها، فإذا وصل إلى الدماغ يكون معتدلا، وجعل منفذ المنخرين إلى الحنك حيث يوازي الحلقوم ليكون التنفس أسهل ولو لم يكن كذلك لما أمكن إطباق الفم ساعة ولو كان التنفس بالفم لكان الفم جافا بدخول الهواء وخروجه فلم يحصل إدراك الطعم ولا حركة اللسان ولا مضغ الطعام ولا بلعه.
فصل: في الشفة
خلقت الشفتان أمام الفم غطاء للحوم الأسنان، ومعينا في تناول الغذاء، وآلة للامتصاص ولمج ما يحتاج إليه الفم والكلام، وخلقتا من طبيعة اللحم ممتزجة بطبيعة الجلد، واتصلت بهما عضلات الوجنين من فوق، وعضلات الذقن من تحت، وعضلات الفك من الجانبين، وإنما خلقتا من طبيعة اللحم للحركة والحس والانبساط والانقباض والالتواء بواسطة الأوتار والأعصاب التي خالطتها، وإنما خلقتا من طبيعة الجلد ليكون لهما أدنى صلابة مع لين فتتشكل بالأشكال المختلفة بحسب الحاجة.
стр. 284
فصل: في الفم
ولما كان الإنسان محتاجا إلى غذاء يدخل من خارج خلق له الفم، ولما كانت الحاجة إلى الغذاء وقتا بعد وقت خلق الفم بحيث ينفتح مرة وينطبق أخرى بخلاف المنخرين فإنهما خلقتا مفتوحتين لدوام الاستنشاق، ثم لم يخلق مجرى الفم مستقيم التجويف كقصبة الرئة مثلا بحيث لا يصلح إلا لمرور الغذاء، بل جعل فيه فضاء يجتمع الطعام فيه حتى يصير مستعدّا للبلع، ولتختبره آلة الذوق، فإن كان صالحا طحنته آلة الطحن وإلا مجته، وجعل عليه الشفتان يطبقانه لئلا تجف رطوبته بالهواء الواصل إليه من خارج كما في سائر الأعضاء؛ لأن هذه الرطوبة معينة على بلع الطعام وتحريك اللسان للكلام. ومن منافعه كونه مدخلا للهواء إلى قصبة الرئة، ولما كان بقاء الإنسان لا يمكن إلا بالتنفس اقتضت عناية البارئ تعالى للتنفس طريقتين: أحدهما:
بالخياشيم، والآخر: بالفم، حتى لو تعطل أحد الطريقين لآفة أو مرض يحصل التنفس بالطريق الآخر، وأما اللسان فإنه مؤلف من لحم رخو وتحته فوهتان يخرج منهما اللعاب يفيض إلى الغدد الموضوعة عند أصله إلى جميع أطرف الفم وجعل أصله أعظم للثبات وأطرافه أدق لتسهيل حركته عند الكلام (١) وإدارة الطعام وتنقية أصول الأسنان عن بقية المأكول، وأما الأسنان فإنها خلقت من جوهر آخر مغاير لجوهر سائر العظام وقياسها بالنسبة إلى سائر العظام جوهر الذكر المسقى إلى الأنيث، وجعل مقاديمها حادة للعض والقطع، والأنياب غليظة حادة الرؤوس للنهش، والطواحن عريضة للطحن، وجعل أسناخ الأضراس العليا أكثر عددا من أسناخ الأضراس السفلى، وذلك لأن العليا معلقة فتحتاج إلى زيادة، وأما السفلى فإنها موضوعة على القرار فيكفيها أدنى وثاق وثبات كالسندان.
فصل: في اللحيين
ولما وجب أن يكون الفم متحركا للمضغ والكلام، ومفتوحا لاستنشاق الهواء في بعض الأوقات اقتضى التدبير الإلهي تحريك الفك الأسفل؛ لأن تحريكه أسهل من تحريك الفك الأعلى وأنفع. وأما سهولته فلأنه أصغر حجما وأطوع حركة، وأما نفعه فلأن الفك الأعلى متصل بالرأس ومواضع الحواس وكان يتحرك بحركته الدماغ والحواس، وذلك فيه من الفساد ما لا يخفى، فخلق الفك الأعلى ثابتا، والأسفل متحركا، وجعل في عظم الرأس عند الصدغين ثقبتين واسعتين علق فيهما الفك الأسفل تعليقا سلسا ليسهل انطباقه وانفتاحه.
стр. 285
فصل: في الشعر
قالوا: إن الفضلة الباقية من الغذاء إذا أثرت فيها الحرارة بحدتها وأخرجتها من الجلد فما كان منها لطيفا تحلل تحليلا خفيفا على الحس، وما كان غليظا تحلل في المسام وتكاثف فيحدث منه الشعر، فجعل بعضها زينة ووقاية كشعر الرأس فإنه غطاء وزينة، وكالحاجب فإنه يمنع ما ينحدر من الجبهة إلى العين وهو زينة ينظر أيضا من ورائها عند هبوب الرياح وتنثرها القذي وفيه من الزينة ما لا يخفى، ومنها ما جعل للزينة كالشارب واللحية، فإنهما يفيدان الجمال والبهاء ومن لا لحية له لا بهاء له، ومنها ما ينبت في المواضع الحارة الرطبة كالإبط والعانة وهو كالعشب الذي ينبت في القراح ذات الندى (١) وإن لم يقصد إنباته فإنه فضلة يندفع إليها الإنسان بخلاف سائر الحيوان فإن شعورها لباسها وزينتها.
النوع الثاني: العنق
ولما كان الرأس معدن الحواس وكان بعض الحواس كالسمع والبصر يحتاج إلى أن يكون في أعلى الأماكن اقتضى التدبير الإلهي أن يكون الرأس على عضو طالع من البدن وهو العنق، ثم جعل هذا العضو متحركا إلى جهات مختلفة بعضلات تمده إلى فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين ويسار وموربا ومستدبرا؛ لتعم منفعته الحواس، وإنها في جهة واحدة فكأنها في جهات، وجعلت قصبة الرئة والمريء فيها وهي سبع فقرات، ولما كانت الفقرات العنقية محمولة على ما تحتها من الفقرات وجب أن تكون أصغر من الحامل، ولما كان مخرج أول النخاع وجب أن يكون ثقبها أعظم من ثقب فقرات الصلب، ولما كان جرمها رقيقا لا يحتمل الثقب الكبير اقتضى التدبير الإلهي أن يكون ثقبها في أطرافها ليكون في كل فقرة منها نصف الثقبو ويكون في طرفه لا في وسطه فإن النخاع وما أحاط به من الأغشية محتاجة إلى الغذاء فجعل في كل فقرة ثقبان يمينا ويسارا يخرج عن كل واحدة شعبة من العصب ويدخل فيه وريد وشريان، فيفيد كل ثقبة ثلاثة منافع، وفي جوف العنق المريء لازدراد الطعام والشراب، وقصبة الرئة لينفذ الهواء إلى الرئة، وجعل لقصبة الرئة غطاء ينطبق عليها وقت ازدياد الطعام والشراب؛ لئلا يقع في مجرى النفس شيء وهو آلة الصوت أيضا.