فصل: في العين
لما كانت الحاجة إلى العين ماسة اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون في غاية الرقة واللين ووقاها بضروب كثيرة من الوقاية، فوضعها في حفرة من العظم، وجعل حولها عظاما صلبة، وغطاها بالأجفان، وصانها بالأهداب، وجعلها عينين اثنين حتى لو أصاب إحداهما آفة بقيت الأخرى سليمة، وجعلهما في الرأس؛ لأن حاسة البصر بمنزلة الديدبان وأنه كلما كان أعلى مكانا كانت مسافة مبصراته أكثر، ولأن العصبة التي فيها الروح الباصرة رقيقة جدا نازلة من الدماغ لا تحمل مسافة بعيدة وقد وضعت أمام البدن لتكون حارسة للأعضاء التي غطاؤها ضعيف كالبطن وغيره، ولأن عمل الأعضاء الخارجة كاليد والرجل من قدام لتكون مشاهدة لأعمالها وهي سبع طبقات، وتركيبها أنه ينشأ من الدماغ من تحت القحف عصبة مجوفة تنتهي إلى قعر العين وعليها غشاءان: أحدهما غليظ، والآخر رقيق، فإذا صارت إلى عظم العين فارقها الغشاء الغليظ، وصار لباسا وغشاء لعظم العين، وتسمى الطبقة الصلبية ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق ويسير لباسا وغشاء دون الطبقة الصلبية، وتسمى الطبقة المشيمية لشبهها بالمشيمية، وتعرض العصبية نفسها أن تصير غشاء بين الغشائين المذكورين، ويسمى الغشاء الشبكي، ثم يتكون في وسط هذا جسم لين رطب في لون الزجاج يسمى الرطوبة الزجاجية، ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر مستدير إلا أنه مفرطح شبيه بالجليد في صفائه، وتسمى الرطوبة الجليدية وتحيط الزجاجية بالجليد بمقدار النصف ويعلو النصف الآخر جسم شبيه بنسج العنكبوت شديد الصفاء والصقال وتسمى الطبقة العنكبوتية، ثم يعلو هذا الجسم جسم سائل في لون بياض البيض تسمى الرطوبة البيضية، ثم يعلو الرطوبة جسم رقيق أملس الخارج يختلف لونه في الناس فربما كان شديد السواد وربما كان دون ذلك، وفي وسطه حين يحاذي الجليد ثقب يتسع ويضيق في حال دون حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء، فيضيق عند الضوء الشديد ويتسع في الظلمة، وهذا الثقب هو الحدقة ويسمى هذا الغشاء الطبقة العينية، ويعلوها ويغشاها جسم كثيف صاف شبيه بصفيحة رقيقة من قرن أبيض وتسمى الطبقة القرنية غير أنها تتكون بكون الطبقة التي تحتها المسماه العينية ويعلوها ويغشاها إلى موضع سواد العين في حوله جسم أبيض اللون صلب يسمى الملتحم وهو بياض العين ونباته من الجلد الذي خارج القحف ونبات القرنية من الطبقة الصلبية، ونبات القرنية العينية من الطبقة المشيمية، ونبات العنكبوتية من الطبقة الشبكية، والله الموفق.
(أما الروح الباصر) فإنه في جوفه عصبان يبتدئان من غور البطنين المتلازمين المقدمين من
стр. 282
الدماغ نبتا يصير النابت منهما يسارا، ونبتا يصير النابت منهما يمينا، ثم يلتقيان على مقاطع صلبي، ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى، ولوقوع هذا التقاطع منافع، منها: أن الروح السائل إلى أحد الحدقتين لا يكون محجوبا عن الأخرى وإذا عرضت لإحداهما آفة صار الروح الناظر من الطريقين إلى العين السليمة، ولذلك ترى إحدى الحدقتين أقوى إبصارا إذا غمضت الأخرى لقوة اندفاع الروح الباصر إليها. وأما منافع الطبقات والرطوبات فكثيرة والحاجة إليها للطبيب ليس كتابنا بصدده، وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي هو خارج القحف والرأس، وفيه ثلاث عضلات تأتي اثنتان من جهة الموقين، يجذبان الجفن إلى أسفل جذبا متشابها، وأما فتح الجفن فيكفيه عضلة واحدة تأتي من وسط الجفن فينبسط طرف وتراها على طرف الجفن، فإذا نشجت فتحت العين، وأما الجفن الأسفل فإنه لا عضلة فيه وجعل الأسفل أصغر من الأعلى لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ويكشفها أخرى بتحركه، وأما الأسفل فإنه غير متحرك، فلو زيد على هذا القدر لستر شيئا من الحدقة دائما ولكن بفضول العين تجتمع فيه ولا يسيل، وأما منفعته فليمنع نكاده ما يلاقي الحدقة من خارج، ويمنع عند إطباقها وصول الغبار والدخان والشعاع ويصقل الحدقة دائما، ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذي، وأما الأهداب فإنها بمنزلة السياج حول العين يمنع عن الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن مع انفتاح العين (١) كما ترى عند هبوب الريح الذي يأتي بالقذي تفتح أدنى فتح وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية، فيحصل منها شبه شباك لينظر من ورائها، فتحصل الرؤية مع اندفاع القذي، والله أعلم.
فصل: في الآذان
ولما كانت القوة السامعة لا تفيد السمع إلا بواسطة قرع الصوت الهواء ووصول ذلك الهواء إلى الدماغ، فاقتضت الحكمة الإلهية مجرى السمع في عظم صلب ذي عطفات وتعاريج كثيرة إلى أن ينتهي إلى عصبتين ناشئتين من الدماغ، وذلك العصب لو كان بارزا لأضر به الهواء البارد، فيخرج من حد الاعتدال بملاقاة أدنى برودة؛ لأن طبعه بارد فجعل كامنا في الدماغ لهذا المعنى، وقد جعل مجراه مفتوحا أبدا ليصل إليه الهواء المقروع دائما فيسمع ما يشاء وما لم يشأ، ولما كان في فتحه سعه وكان متعرضا لآفات البرد والغبار ومصادمة الهواء المقروع بعنف كالرعد والصيحة العظيمة، جعل مجراه بذا عطاف وتعاريج على هيئة اللولب لئلا يصل الهواء إلى السمع
стр. 283
دفعة واحدة، بل يبقى في العطاف ويرد على السمع شيئا فشيئا وتسكن شدته في التعاريج فيفهم بالتأني وجعلت على مجراه صدفة ناشدة لرد الصوت إلى الثقبة وتمنعه من الإنتشار، وخلقت من الغضروف؛ لأن الغضروف موافق لقبول الصوت (١).
فصل: في الأنف
خلق الأنف بارزا عن الوجه لما فيه من الجمال، ولتكون أرنبته آلة لاستنشاق الهواء، وخلق مجراه مفتوحا؛ لأن الحاجة إلى استنشاق الهواء للتنفس ضرورية دائما، وإنما جعل مجراتين احتياطيا لمصلحة النفس حتى لو أصاب إحدى المجراتين آفة تحصل بالأخرى مصلحة التنفس، وخلقت قصبته صلبة لتكون وقاية للوجه من المصادمات، وأرنبته لينة ليحصل بانقباضها وانبساطها جذب الهواء، كما ترى من كير الحدادين ومجراه إذ علا ينقسم قسمين: أحدهما يفضي إلى فضاء الفم، والآخر يمر صاعدا حتى يفضي إلى العظم الشبيه بالمصفاة الموضوع في وجه محل الإحساس فيحصل بأحد القسمين الشم، وبالآخر التنفس، وإنما جعل في منتهى ثقبتي الأنف عظم مثقوب شبيه بالمصفاة؛ لتصل الروائح بنفسها إلى موضع الإحساس، ويستفرغ منها الفضول المخاطية ولم تجعل هذه المنافذ مستقيمة بل معوجة إذ لو كانت مستقيمة لكان الهواء المستنشق يصل إلى الدماغ بسرعة فيفسد، فجعلت معوجة ليبقى الهواء في تلك التعاريج مدة فتنكسر برودتها، فإذا وصل إلى الدماغ يكون معتدلا، وجعل منفذ المنخرين إلى الحنك حيث يوازي الحلقوم ليكون التنفس أسهل ولو لم يكن كذلك لما أمكن إطباق الفم ساعة ولو كان التنفس بالفم لكان الفم جافا بدخول الهواء وخروجه فلم يحصل إدراك الطعم ولا حركة اللسان ولا مضغ الطعام ولا بلعه.
فصل: في الشفة
خلقت الشفتان أمام الفم غطاء للحوم الأسنان، ومعينا في تناول الغذاء، وآلة للامتصاص ولمج ما يحتاج إليه الفم والكلام، وخلقتا من طبيعة اللحم ممتزجة بطبيعة الجلد، واتصلت بهما عضلات الوجنين من فوق، وعضلات الذقن من تحت، وعضلات الفك من الجانبين، وإنما خلقتا من طبيعة اللحم للحركة والحس والانبساط والانقباض والالتواء بواسطة الأوتار والأعصاب التي خالطتها، وإنما خلقتا من طبيعة الجلد ليكون لهما أدنى صلابة مع لين فتتشكل بالأشكال المختلفة بحسب الحاجة.
стр. 284
فصل: في الفم
ولما كان الإنسان محتاجا إلى غذاء يدخل من خارج خلق له الفم، ولما كانت الحاجة إلى الغذاء وقتا بعد وقت خلق الفم بحيث ينفتح مرة وينطبق أخرى بخلاف المنخرين فإنهما خلقتا مفتوحتين لدوام الاستنشاق، ثم لم يخلق مجرى الفم مستقيم التجويف كقصبة الرئة مثلا بحيث لا يصلح إلا لمرور الغذاء، بل جعل فيه فضاء يجتمع الطعام فيه حتى يصير مستعدّا للبلع، ولتختبره آلة الذوق، فإن كان صالحا طحنته آلة الطحن وإلا مجته، وجعل عليه الشفتان يطبقانه لئلا تجف رطوبته بالهواء الواصل إليه من خارج كما في سائر الأعضاء؛ لأن هذه الرطوبة معينة على بلع الطعام وتحريك اللسان للكلام. ومن منافعه كونه مدخلا للهواء إلى قصبة الرئة، ولما كان بقاء الإنسان لا يمكن إلا بالتنفس اقتضت عناية البارئ تعالى للتنفس طريقتين: أحدهما:
بالخياشيم، والآخر: بالفم، حتى لو تعطل أحد الطريقين لآفة أو مرض يحصل التنفس بالطريق الآخر، وأما اللسان فإنه مؤلف من لحم رخو وتحته فوهتان يخرج منهما اللعاب يفيض إلى الغدد الموضوعة عند أصله إلى جميع أطرف الفم وجعل أصله أعظم للثبات وأطرافه أدق لتسهيل حركته عند الكلام (١) وإدارة الطعام وتنقية أصول الأسنان عن بقية المأكول، وأما الأسنان فإنها خلقت من جوهر آخر مغاير لجوهر سائر العظام وقياسها بالنسبة إلى سائر العظام جوهر الذكر المسقى إلى الأنيث، وجعل مقاديمها حادة للعض والقطع، والأنياب غليظة حادة الرؤوس للنهش، والطواحن عريضة للطحن، وجعل أسناخ الأضراس العليا أكثر عددا من أسناخ الأضراس السفلى، وذلك لأن العليا معلقة فتحتاج إلى زيادة، وأما السفلى فإنها موضوعة على القرار فيكفيها أدنى وثاق وثبات كالسندان.
فصل: في اللحيين
ولما وجب أن يكون الفم متحركا للمضغ والكلام، ومفتوحا لاستنشاق الهواء في بعض الأوقات اقتضى التدبير الإلهي تحريك الفك الأسفل؛ لأن تحريكه أسهل من تحريك الفك الأعلى وأنفع. وأما سهولته فلأنه أصغر حجما وأطوع حركة، وأما نفعه فلأن الفك الأعلى متصل بالرأس ومواضع الحواس وكان يتحرك بحركته الدماغ والحواس، وذلك فيه من الفساد ما لا يخفى، فخلق الفك الأعلى ثابتا، والأسفل متحركا، وجعل في عظم الرأس عند الصدغين ثقبتين واسعتين علق فيهما الفك الأسفل تعليقا سلسا ليسهل انطباقه وانفتاحه.
стр. 285
فصل: في الشعر
قالوا: إن الفضلة الباقية من الغذاء إذا أثرت فيها الحرارة بحدتها وأخرجتها من الجلد فما كان منها لطيفا تحلل تحليلا خفيفا على الحس، وما كان غليظا تحلل في المسام وتكاثف فيحدث منه الشعر، فجعل بعضها زينة ووقاية كشعر الرأس فإنه غطاء وزينة، وكالحاجب فإنه يمنع ما ينحدر من الجبهة إلى العين وهو زينة ينظر أيضا من ورائها عند هبوب الرياح وتنثرها القذي وفيه من الزينة ما لا يخفى، ومنها ما جعل للزينة كالشارب واللحية، فإنهما يفيدان الجمال والبهاء ومن لا لحية له لا بهاء له، ومنها ما ينبت في المواضع الحارة الرطبة كالإبط والعانة وهو كالعشب الذي ينبت في القراح ذات الندى (١) وإن لم يقصد إنباته فإنه فضلة يندفع إليها الإنسان بخلاف سائر الحيوان فإن شعورها لباسها وزينتها.
النوع الثاني: العنق
ولما كان الرأس معدن الحواس وكان بعض الحواس كالسمع والبصر يحتاج إلى أن يكون في أعلى الأماكن اقتضى التدبير الإلهي أن يكون الرأس على عضو طالع من البدن وهو العنق، ثم جعل هذا العضو متحركا إلى جهات مختلفة بعضلات تمده إلى فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين ويسار وموربا ومستدبرا؛ لتعم منفعته الحواس، وإنها في جهة واحدة فكأنها في جهات، وجعلت قصبة الرئة والمريء فيها وهي سبع فقرات، ولما كانت الفقرات العنقية محمولة على ما تحتها من الفقرات وجب أن تكون أصغر من الحامل، ولما كان مخرج أول النخاع وجب أن يكون ثقبها أعظم من ثقب فقرات الصلب، ولما كان جرمها رقيقا لا يحتمل الثقب الكبير اقتضى التدبير الإلهي أن يكون ثقبها في أطرافها ليكون في كل فقرة منها نصف الثقبو ويكون في طرفه لا في وسطه فإن النخاع وما أحاط به من الأغشية محتاجة إلى الغذاء فجعل في كل فقرة ثقبان يمينا ويسارا يخرج عن كل واحدة شعبة من العصب ويدخل فيه وريد وشريان، فيفيد كل ثقبة ثلاثة منافع، وفي جوف العنق المريء لازدراد الطعام والشراب، وقصبة الرئة لينفذ الهواء إلى الرئة، وجعل لقصبة الرئة غطاء ينطبق عليها وقت ازدياد الطعام والشراب؛ لئلا يقع في مجرى النفس شيء وهو آلة الصوت أيضا.
стр. 286
النوع الثالث: الصدر
ولما كان الصدر وقاية للقلب خلق صلبا من إحدى عشرة فقرة ذات سناسن وأجنحة عراض، لكونها وقاية للقلب واتصلت بالأضلاع لتحوي أعضاء التنفس، وإنما لم يخلق عظما واحدا ما عرف من الفائدة في سائر المواضع، وخلقت هشة لتكون أساس في مساعدة ما يطيف بها من أعضاء التنفس في الانبساط والانقباض.
النوع الرابع: اليد
ولما كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن النفس الإنسانية تدرك بالحواس ما ينفعها وما يؤذيها من قوام البدن، خلقت لها آلة لتتناول بها ما ينفعها وتبعد عنها ما يضرها وهي اليد، خلقت من ثلاثة أجزاء من العضد والساعد والكف، أما العضد فقد خلق من عظم واحد قوي تتصل بالكف بمفصل واحد حتى يمكنه التحرك إلى جميع الجهات، وذلك بأن خلق رأس العظم مستديرا وركب على أساس الكتف في حق ليكون خلفها سلسلة إلى جميع الجهات، ولما كانت اليد آلة لأعمال كثيرة مختلفة جعل الكتفان موضوعين على جانبي البدن غير ملاقين للأوضاع لينبسط اليدان في اليمين والشمال على استقامة ويلتقيان من قدام وخلف فيمكنهما الوصول إلى جميع الجهات بسهولة، وأما الساعد فخلق مؤلفا من عظمين متناسقين طويلين يسميان الزندين، والفوقاني الذي يلي الإبهام منهما أدق ويسمى الزند الأعلى، والسفلاني الذي يلي الخنصر منهما أغلظ؛ لأنه حامل ومنفعة الزند الأعلى أن يكون به حركة الساعد إلى الإلتواء والانقباض، ومنفعة الزند الأسفل أن يكون به حركة الساعد إلى الانقباض والانبساط، أما الكف فخلقت مركبة من أربعة عظام متباعدة؛ لتكون الأصابع الأربع مركبة عليها، وخلق عظم الرسغ صلبا قويا؛ لأن تركيب المشط والأصابع الأربع عليه فهو كالعهدة التي عليها اعتماد اليد.
وخلق وضع الأصابع الأربع على صف واحد والإبهام مقابلا لها ليدغمها كلها بواحدة، وجعلت غليظة قوية لتكون مساوية لقوة الباقي، وخلقت الأصابع مختلفة المقادير لتستوي أناملها كلها عند تقعير الراحة وعند القبض تبقى كالصندوق الحافظ للشيء والإبهام عليه كالقفل، ويمكن أن يكون سلاحا يضرب به العدو، فلو اجتمع الأولون والآخرون على وضع أحسن من هذا لا يمكنهم فسبحان من أحسن كل شيء خلقه، وخلق الأصابع من عظام مصمتة ليدغمها فلو كانت لحمة لكانت أفعالها واهية، ولم يخلق من عظم واحد لتشكل بالأشكال المختلفة ولم تزد على ثلاثة أنامل؛ لأنها كانت تورث ضعفا ولو خلقت من أنملتين لكانت الوثاقة
стр. 287
أزيد لكن الحركات كانت تنقص عن الكفاية، والحاجة إلى الحركات المتقنة أمس من الحاجة إلى الوثاقة، وخلق عظم قواعدها أعرض، رءوسها أدق؛ لتحسين نسبة الحامل إلى المحمول، وخلق عظاما مستديرة لتكون أبعد من الآفات وخلقت مصمتة؛ لتكون أقوى على الثبات، وخلق باطنها لحميّا؛ ليتمكن من القبض ولا كذلك ظاهرها ليكون سلاحا موجعا.
فصل: في الظفر
خلق الظفر للإنسان بمنزلة المخلب للطير والحافر للفرس والظلف في سائر الحيوان وقايه لقوائمها، وجعل معينا للأصابع في الإمساك إذ به يقوم وثاقها، ويمكنه التقاط الأشياء الدقيقة، وهي آلة لأعمال كثيرة كالحك والجرد والنتف وغيرها وجعل صلابتها مع لين ليفيد الفائدتين جميعا، وجعلها قد أحاط بها اللحم من الجوانب لئلا تتسارع إليها الآفات.
النوع الخامس: البطن
وهو غشاء مستدير من الصدر إلى الأنثيين (١) ليستبطن آلات الجوف التي هي تحت الحجاب ليكون وقاية جامعة لجميعها مع الوقاية الخاصة بكل واحد منها، وإنما اقتصر على غشاء من غير عظم؛ لأنه بين يدي الحاسة فتحرسه من الآفات بخلاف الظهر والدماغ وليكون لها انبساط وانقباض عند امتلاء المعدة وخلوها.
النوع السادس: الظهر
ولما كان الظهر غائبا عن الحاسة اقتضى التدبير الإلهي إحكامه وتوثيقه بعظام صلبة ذات سناسن وأجنحة ووقاية للآلات الشريفة التي وراءه كالرئة والقلب والمعدة وخلق فقاره كالقاعدة لسائر العظام كالخشبة التي تهيأ أولا ثم يربط بها سائر خشب السفينة ثانيا، فإن عظام الفص والأصابع والرأس واليدين والرجلين كلها مربوطة بها، وخلقت خرزات للإنحناء ولكون النخاع في وسطها والحاجة إلى حفظ النخاع ماسة وخلق لكل فقرة شوكة ثابتة إلى الجانب الوحشي وجناحان عن يمينها ويسارها وربطت برباطات عصبية وغشيت بالجوهر الغضروفي، يقال لهذه الشوكات السناسن، وإنما خلقت لتكون خشبة بارزة تلقاها الآفات الهاجمة من خارج فتصيبها النكاية، وتسلم الخرزات وإنما غشاها بالغضروف لئلا تنكسر عند مصادمة الأشياء بالصلبة.
стр. 288
وأما الرباطات العصبية ليربط بعضها ببعض رباطا وثيقا فتصير كالشيء الواحد، وأما الأجنحة فتكون مدخلا لرءوس الأضلاع فيها ووقاية للخرزات من جوانبها كما أن السناسن وقاية من ورائها، وإنما خلقت خرزات ليسلم الباقي إن أصابت الآفة شيئا منها ولما كان انحناء البدن إلى قدام أكثر من انحنائه إلى خلف جعل السناسن والربط بمن خلف ليكون قدامها أسلس للحركة فصار جملة الصلب كشيء واحد مخصوص بأفضل الأشكال وهو المستدير لأنه أبعد الأشكال عن قبول الآفات وتعطفت رءوس الخرزات العالية إلى أسفل والسافلة إلى أعلى، واجتمعت العاشرة وهي الواسطة ذات فقرة لا بارز لها وجعلت الفم الفوقانية والسفلانية متوجهة إليها؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الانحناء وذلك بأن تميل الواسطة إلى ضد الجهة وما فوقها وما تحتها إلى الجهة؛ لأن طرفي الصلب يميلان إلى الالتقاء والواسطة تميل إلى خلاف جهة ميل الطرفين كانحناء القوس عند المد، ولما كان الواجب أن يعم الحس الظاهر جميع البدن وجب أن يصل إليها شعب العصب، ولم يمكن إيصال عصب الدماغ إليها لبعد ما بين هذه الأعضاء والدماغ ودقة أعصابه فإن حجم الدماغ لا يحتمل أعصابا قوية تصل إلى جميع أعضاء البدن فاقتضت الحكمة الإلهية إخراج شعبة قوية من مؤخر الدماغ في طول البدن وهو النخاع، وأحاط به عظام الفقرات ليحفظ النخاع بصلابتها، وأخرج من النخاع في كل موضع يحتاج إلى التحريك والإحساس عصبا يتصل به والقطن مع العجز كالقاعدة الصلب وهو دعامة وحامل لعظم العانة ومنبت لأعصاب الرجل.
النوع السابع: الجنب
وهو مركب من الأضلاع وقد شدت خللها بلحم دقيق وقاية لما يحيط به من آلات التنفس وآلات الغذاء، ولم يجعل عظما واحدا؛ لئلا يثقل ولا تعم آفته وكل ضلع مقوس يدخل منه زائدتان في نقرتين غامرتين في كل جناح من أجنحة الفقرات فالصلب كالحائزة، والأضلاع كالجذوع واللحوم في خلالها كالعوارض، ولما كانت محيطة بالرئة والقلب وجب الاحتياط في وقايته، فخلقت الأضلاع السبعة العليا مشتملة على ما تحويها من جميع الجوانب ملتقية عند القص وجناح الفقرات وأما ما يلي ذلك فخلقت من خلف محرزة حيث لا يحرسه الحاسة ولم يتصل من قدام بل درجت يسيرا يسيرا في الانقطاع لتصير وقاية للكبد والطحال وتتوسع لمكان المعدة ولا تنضغط عند امتلائها فالخمسة المتقاصدة خلقت رؤوسها متصلة بغضاريف ليأمن الانكسار عند المصادمات، ولئلا يلاقي الأعضاء اللينة والحجاب بصلابتها بل بجرم متوسط في الصلابة واللين.
стр. 289
النوع الثامن: الرجل
ولما كان المقصود من الرجل القيام والمشي وحمل البدن واقفا وماشيا والقعود مع التشكيل بأشكال مختلفة، جعل آخر الرجل على ما يوافق إتمام هذه المقاصد في الجوهر والشكل والمقدار والعدد والوضع والتأليف (١) وخلق ركبة عظم الفخذ على الورك على استقامة وعظم الساق على الفخذ على نحو ينقبض إلى خلف؛ ليتم الانتصاب والتخطي والقعود مفترشا ومتربعا وغيرها من الانحناء والأشكال الكثيرة وخلق طول القدم ومشطها ووسعها لفائدة الثبات والاستقرار وخلق أصابعها على نحو آخر مخالف لأصابع اليد فإنها كلها في سطر واحد ليتم بها الثبات والاستقرار على الأشياء المختلفة كالمحدب والمقعر والصعود بالمراقي والدرج، وخلق العصب من عظم صلب ليكون حاملا للبدن وخلق الكعب فيما بين الساق والعقب ليعين القدم على الانقباض والانبساط في المشي وغيره من الحركات، والله الموفق للصواب.
(الضرب الثاني من الأعضاء المركبة) الأعضاء الباطنة وهي أنواع:
النوع الأول: الدماغ
وهو جسم لدن محوى في غشاءين منبع للروح النفساني ومنه ينبعث في الأعصاب إلى سائر البدن، ولما كان جوهر الدماغ شديد اللين اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في غشاء رقيق وهي الأم لتحفظه وتكون وقاية له، ثم خلق بين القحف والدماغ غشاء غليظا يلاقي القحف من داخل يكون كالبطانة لها ويكون هذا الغشاء وقاية للدماغ من الأشياء الغريبة ولما كان جوهر الدماغ لينا سريع الانفعال من أدنى سبب خلق له حصن صلب من العظم وهو القحف وجعل بعيدا منه ليدفع الآفات عنه وجعل خريطة للدماغ معلقة من القحف غير ملاقية له؛ لأنها لو كانت ملاقية والقحف صلب يصادمه دائما فينضغط عنه وكان دائم النكاية وللدماغ ثلاثة بطون وكل بطن في عرضه ذا جزءين، أما البطن المقدم فهو محسوس الانفصال ينقسم إلى جزءين عظيمين يمنة ويسرة، وهذا الجزء يعين على الاستنشاق وعلى نفض الفضول والعطاس، وأما البطن المؤخر فهو أيضا، وهو مبدأ النخاع لكنه أصغر من البطن المقدم، وأما البطن الأوسط فإنه كمنفذ من الجزء المقدم إلى الجزء المؤخر وكدهيلز مضروب بينهما يؤدي عن التصور إلى الحفظ فلما كان كذلك كان أحسن موضع للتفكر والتذكر فالحكمة الإلهية اقتضت أن يكون مقدم
стр. 290
الدماغ في غاية اللين؛ لأن ظاهره منشأ شعب الحواس، وباطنه محل التخيل والإحساس، ولين الموضع مناسب لهما للانطباع وسرعة القبول، وأن يكون مؤخر الدماغ أطلب من المقدم؛ لأن ظاهره منشأ الشعبة العظيمة التي هي النخاع، وباطنه موضع الحفظ والصلابة مناسبة لهما، فسبحان من أتقن كل شيء خلقه وهو اللطيف لما يشاء، والله الموفق.
النوع الثاني: الرئة
وهو جسم متخلخل رخو كأنه زبد منعقد، وذلك لكونه آلة الترويح عن القلب دعت الحاجة إلى الخفة والانبساط والانقباض، ومعنى الترويح جذب هواء صاف يقع على القلب، ويخرج هواء محترقا أحرقته حرارة القلب، ومدخل الهواء ومخرجه قصبة الرئة وخلقت مجرى واسعا من عظم غضروفي على شكل حلق مربوطة بعضها ببعض، وإنما خلق واسعا لينفذ فيه من الهواء شيء كثير في زمان يسير وإنما خلق من حلق غضروفية ليكون مفتوحا دائما، ولا يحتاج إلى آلة تفتحها؛ لأن الحاجة إلى التنفس ماسة دائما، وإنما خلقت قصبة الرئة محتاجة إلى أن تتسع في حال وتضيق في حال لاختلاف الحاجة عند شدة الصوت وضعفه، ولذلك لم يخلق حلقاتها تامة وإلا لم تتمدد في العرض المذكور فخلق ثلاثة أرباعها غضروفية وتمم الباقي بالغشاء وجعل جانبها الغشائي إلى نحو المريء ليتطاوع عند الازدياد، وجانبها الغضروفي إلى الخارج؛ لأنه أصلب فيكون أصبر على المصادم الخارجي، ثم إن قصبة الرئة لما جاوزت الترقوة وانبسطت إلى فضاء الصدر انقسمت إلى قسمين يمينا ويسارا ثم ينقسم كل قسم منها إلى أقسام مختلفة على حسب أقسام الأوردة والشرايين في منافذ هذه القصبات ليدخل الهواء في الشرايين من الرئة عند انبساط القلب، ويندفع فيها الدخان عند انقباضها، ولما كان الهواء الذي تجذبه الرئة ليس صالحا لترويح القلب حتى يصير معتدلا، خلقت القصبات التي هي خزانة الهواء تحفظ جوهر الهواء المحصور فيها (١) وإعداده موافقا للقلب وصالحا لأن يتكون منه الروح، كما أن جوهر الكيلوس المحصور في الكبد ينضجه الكبد ويجعله صالحا لأن يتكون منه بدل ما يحلل من الأعضاء، وأما نفس الرئة فتكتنف بالقلب وهي منقسمة قسمين: أحدهما في تجويف الصدر الأيمن، والآخر في تجويف الصدر الأيسر لتحصل منفعة الرئتين ما دامت الرئة سليمة وومتى وقعت في إحدى الجهتين آفة تمنعها من تأدية فعلها، قام الجانب الآخر بفائدة الترويح ولا يؤدي إلى فساد البدن، والله تعالى الموفق.
стр. 291
النوع الثالث: القلب
وهو جسم صنوبري الشكل، لحمي الجوهر، له جوف يحوي الدم، والروح الحيواني ينشأ منه وينصب في الشرايين إلى سائر البدن، ولحمه قوي لئلا يتناثر من المؤذيات، وأعلاه غليظ لأنه منبت الشرايين، وأسفله مستدق ليبعد عن عظام الصدر من جهاته، وله غلاف يسمى الشغاف، خلق لوقايته؛ لأنه منبع الروح الحيواني ولهذا وضع في وسط البدن في موضع حصين مثل نتوء من عظام الصدر والظهر والأضلاع، وجعل هذا الحصن متجافيا عنه ليفيد الوقاية من غير مماسة، ولما كان محتاجا إلى الدم أنضجه الكبد ورققه ولطفه وأسخنه ليفيد قوة الحياة جعل في القلب تجويف يرد إليه الدم من الكبد ويستقر فيه حتى يتغذى منه هو، ويغذي غيره، ولما كان القلب محتاجا إلى الغذاء كسائر الأعضاء، وجب أن يرد إليه الغذاء من الكبد، فخرج من جذبة الكبد عرق عظيم ودخل في تجويف القلب من الجانب الأيمن ليملأ ما يتغذى منه القلب، والباقي يسري في الشرايين إلى البدن، ولما كان القلب محتاجا إلى الإحساس بالمؤذي خلق له شعبة دقيقة متصلة بالغشاء الذي على القلب منشؤها من الدماغ لفائدتين: الأولى: للأحساس بالمؤذي بواسطة الغشاء، والأخرى: أن القلب معدن القوة الحيوانية وهذه القوة تنفعل بالأفعال النفسانية كالغضب والخوف والسرور، فهذه أفعال أسبابها أمور خارجة عن البدن، فالحواس تدركها وتؤديها إلى النفس فيصل آثارها إلى القلب فينفعل بالانفعالات التي تبتغي، فوجب أن يكون بين الدماغ والقلب اتصال، فجعل الشعبة الواصلة من الدماغ مثبوتة في جميع جرم القلب، لتتم الفوائد التي ذكرناها، والله أعلم.
النوع الرابع: الكبد
وهو جسم لحمي ألين من القلب وأرطب، يحمل روحا طبيعيا ودما غذائيا منه في العروق إلى سائر الأعضاء، وهو موضوع في الجانب الأيمن تحت الضلوع العالية من ضلوع الخلف، وشكله هلالي وتقعيره في الجانب الذي يلي المعدة، وحدبته تلي الحجاب وهو مربوط برباطات تتصل بالغشاء الذي عليه، وينبت من مقعره قناة تنقسم إلى أقسام منها ما يأتي قعر المعدة وإلى الأمعاء، وبهذه الفوهات تجذب الغذاء إلى الكبد، ويصير إلى الكبد ما ينضجه، وفي جذبة الكبد عروق تسمى الأوردة، يجري فيها الدم إلى سائر الأعضاء، وخلق جرم الكبد شبيها بالدم الجامد ليحيل الكيلوس فيه إلى شبه جوهرة.
стр. 292
النوع الخامس: المرارة
وهي وعاء المرة الصفراء، موضوعة في قعر الجانب الأعلى من الكبد ولها مجريان: أحدهما:
يتصل بتقعير الكبد، والآخر: يتشعب فيتصل بالأمعاء العليا وبأسفل المعدة، فالمرارة تجذب من مقعر الكبد المرة الصفراء وتقذفها إلى الأمعاء، أما الجذب فلتصفية الدم عن المرة الصفراء، وأما القذف فلتنقية الأمعاء من الفضول وينصب منها إلى عضلة المخرج فيثبته على الحاجة، ولما كانت المعدة والأمعاء محتاجة إلى التنقية من الفضول لما بقي فيها من بقية الغذاء فضلة لزجة يتلطخ بها، وجعل للمرة مجرى ضيقا إلى المعدة فتنصب إليها المرة وتجلوها من الخلط البلغمي وتغسلها، فإن البلغم لا يزال يتولد في المعدة عند خلاء المعدة واشتداد الجوع، فلو كان انصبابها وقت امتلاء المعدة لاختلطت بالغذاء وأفسدتها.
النوع السادس: الطحال
وهو جسم لحمي طويل الشكل موضوع في الجانب الأيسر يحوي دما سوداويّا ينبت منه قناتان: إحداهما: تتصل بتقعير الكبد تجذب الخلط السوداوي من الدم لئلا ينفذ الدم مع السوداء، بل يصفو عن الخلط الرديء، والقناة الثانية تتصل بفم المعدة وتثبته على شهوة الغذاء، انظر إلى حكمة الصانع جلت قدرته كيف اقتضى تدبيره تصفية الدم من الصفراء والسوداء ليكون الغذاء صالحا سليما من الفضول، ثم استعملها لفائدتين عظيمتين: إحداهما: التنبيه على شهوة الغذاء، والأخرى: التنبيه على خروج الفضلة.
النوع السابع: المعدة
وهي شبيهة بقرعة طويلة العنق، مركبة بثلاث طبقات مركبة من شظايا دقاق شبيهة بشظايا العصب، تسمى الليف يحيط بها لحم وليف أحد الطبقات بالطول والأخرى بالعرض والأخرى بالورب، فالليف الطولاني يجذب الغذاء، والليف الذي بالعرض يدفعها، والورب يمسكها ربما تؤثر فيه الحرارة وتنضجها (١) ووضعت تحت القلب وبين الكبد والطحال يمينا ويسارا ولحم الصلب من خلف لينال من حرارة هذه الأعضاء فينهضم فيها الغذاء وجعل أمامها إلى صفاق البطن ليمدد إذا امتلأت من الغذاء وخلقت مستديرة الشكل لتسع غذاء كثيرا وقعرها أوسع من أعلاها؛ لأن قامة الإنسان منتصبة وما يتناوله من الطعام والشراب ثقيل، فميل الجميع إلى جهة
стр. 293
قعر المعدة فوجب أن يكون أوسع وفم المعدة مفتوح أبدا لأن وضعه فوق المعدة فلا يخرج منه ما في المعدة وخلق مجراها إلى الأمعاء، بحيث ينفتح في وقت وينغلق في وقت؛ لأن وضعه أسف فيحتاج الغذاء إلى أن يلبث فيه ريثما ينهض، فلو كان مفتوحا لنزل الغذاء فيه من غير هضم، فإذا صار الغذاء نضيجا كف الماسكة عن الإمساك، وأخذت الدافعة في الدفع إلى الأمعاء وخلق من خارج المعدة عليها غشاء وترب، أما الغشاء فليكون وقاية لها ويربطها بالأعضاء التي حولها، وأما الترب فلتسخين المعدة بالحار الدسم، وجعل الترب من قدام أكثر؛ لأن توقع وصول البرد من هذا الجانب أكثر وخلق فم المعدة عصبانيا ليكون قوي الإحساس بالحاجة إلى الغذاء وخلق قعرها لحما نيّا لينضج الغذاء بحرارة اللحم.
النوع الثامن: المعي
وهو جسم من جوهر المعدة مجوف ليس بواسع التجويف، له شظايا بالطول والعرض والورب، ينزل فيه ما انهضم في المعدة من الغذاء، وهذا الجسم ينعطف ويلتف وفي مروره عطاف كثيرة، ويليه من الكبد جداول كثيرة ضيقة، وإنما خلق من جوهر المعدة ليتم فيه هضم ما قصرت المعدة عن هضمه، وإنما خلق ضيقا ليكون اشتماله على ما ينفذ فيه زمانا طويلا فيتمكن من هضم الغذاء، وأما طوله فليهضم الثاني ما فات الأول وهكذا إلى آخرها، ولا يبقى مع الفضول غذاء فيه، وأما الشظايا فالموضوع بالطول لجذب الغذاء، والموضوع بالعرض لدفعه، والموضوع بالورب لإمساكه والأمعاء جميعا ستة، وفي آخرها تجويف واسع يجتمع فيه التفل كما يجتمع البول في المثانة، وعلى طرف هذا المعاء العضلة المانعة حتى تطلقه عند الإرادة.
النوع التاسع: الكلية
وهي جسم صلب لحمي من شأنه تصفية الدم (١) يجذب مائية ويرسل تلك المائية إلى المثانة، وهما اثنتان على جنبي خرز الصلب بالقرب من الكبد، ولكل واحد منهما عنقان: أحدهما: يتصل بالعرق الطالع من جذبه الكبد، والآخر: يمر إلى المثانة ولما كان الغذاء محتاجا إلى قوام رقيق ليمكن نفوذه في العروق الدقيقة، ولا بد لها من قوام صالح جذبت الكلية منها ما زاد على قدر الحاجة وأرسلتها إلى المثانة، وخلق كليتان إذ لو كانت واحدة لكبر جرمها فإن وضعت في أحد الجانبين مال البدن إليها، وإن وضعت في الوسط انفعلت عن الفقار.
стр. 294
النوع العاشر: المثانة
وهي جسم مجوف عصباني مؤلف من طبقتين على فمه عضلة تضمه وتفتحه وتمنع خروج البول من غير إرادة وذكرنا أنها تفيض البول ويأتيها من الكليتين وإنما خلقت عصبانية لتحس بالامتلاء، وجعل داخلها من ثلاث لفائف إحداها بالطول، حتى تجذب المائية من الكليتين، والثانية بالعرض ليتم بها الدفع إلى خارج، والثالثة بالورب ليتم بها الإمساك إلى أن يجتمع شيء كثير ثم تدفعها مرة واحدة، وجعل على فمها عضلة تفتحها وتغلقها بالاختيار.
النوع الحادي عشر: آلات التوليد
وهي متساوية في الذكور والإناث إلا أن القوة المدبرة آلة الذكور لفرط حرارتهم، وتركت آلات الإناث داخله لنقصان حرارتهم، فإذا فرضت الآلة بارزة فالصفن الذي هو كيس الأنثيين الرحم في الإناث، والإحليل عنق الرحم إلا أن الخصي في الذكور داخل الصفن وفي الإناث خارج الرحم بجنبها ليتسع مكان الجنين، والأنثيان من الرجل (١) والمرأة من لحم غددي صلب، ينصب المني منهما في الذكور إلى الإحليل وفي الإناث إلى داخل الرحم، والقضيب جسم عصبي نابت من عظم العانة كثير التجاويف فيه عروق كثيرة ينفذ منه مجريان إلى الأنثيين، ينصب منها المني إلى الإحليل وهو بمنزلة رقبة الرحم التي في الإناث ولما وجب أن يكون القضيب متوترا حالة التوليد لإيصال المني إلى فم الرحم متقلصا في غير تلك الحالة، اقتضت القوة المدبرة خلقه في جوهر صلب ذي تجاويف حتى إذا امتلأ تجويفه من الريح توتر، وإذا خلى من الريح استرخى، والرحم من جوهر عصبي لتكون صادقة الحس والالتذاذ، وليمكنها أن تتمدد وتتسع عند نمو الجنين، وتنقبض عند خلوها وخلق الرحم بطنان يمينا ويسارا وجعل البطن الأيمن أسخن من الأيسر ليكون الأيمن موافقا للذكور، والأيسر موافقا للإناث، ولها عنق يمتد إلى القبل وأنه بمثابة الإحليل من الذكر، هذا ما صح عند أصحاب التشريح، والله أعلم بالصواب.
стр. 295
خاتمة
قال بعض الحكماء في تشبيه بدن الإنسان بمدينة: لما خلق الله تعالى بدن الإنسان وسواه ونفخ فيه من روحه كان مثل أساس بيته وتركيب أجزائه مثل مدينة بنيت من أشياء مختلفة كالحجارة والآجر واللبن والجص والطين والنورة والرماد والخشب والحديد وما شاكلها، فأحكم بنيتها وشيد بنيانها، وحصن سورها، وحفظ شوارعها وقسم محالها وزين منازلها وملأ خزائنها وأجرى أنهارها، وفتح سواقيها وأشغل صناعها وأقعد تجارها ودبر ملكها، وأخدم ملكا فخلق تسعة جواهر مختلفة أشكالها وهي ملاك بنيانها ثم ألفها وركب بعضها فوق بعض عشر طبقات متصلات بهندامها، ثم أسندها بمائتين وثمانية وأربعين عمودا، ثم إنه سمرها ومد حبالها وشد وصالها بسبعمائة وعشرين رطبا ممدودات ملتفات عليها، ثم قدر بيوتها وقسم جوانبها وأودعها إحدى عشرة خزانة مملوءة جواهر مختلفة ألوانها، وخط شوارعها، وأنفذ طرقاتها وفتح أبوابها ثلاثمائة وثلاثين مسلكا لسكانها، واستخرج منها عيون وشق فيها أنهارا ثلاثمائة وستين جدولا مختلفات بجريانها، وفتح على سورها اثنى عشر بابا من درجات مسالك لخزانها، وأحكم بناء هذه المدينة على أيدي ثمانية صناع متعاونين هم خدامها، ووكل بحفظها خمس حراس خواص على حفظ أركانها، ثم رفع هذه المدينة في الهواء على عمودين وحركها إلى ست جهات بجناحين، ثم أسكن فيها ثلاث قبائل من الجن والإنس والملائكة هي سكانها، ثم رأس عليهم ملكا واحدا وأمره بحفظها وأوصاه بسياستهم.
(تفسير ذلك) أما الجواهر التسعة فهي العظام والمخ والعصب والعرق والدم واللحم والجلد والظفر والشعر والطبقات العشر هي الرأس والرقبة والصدر والبطن والجوف والحقوان والوركان والفخذان والساقان والقدمان، والأعمدة هي العظام والرباطات هي الأعصاب، والأحد عشر جزءا هي الدماغ والنخاع والرئة والقلب والكبد والطحال والمرارة والمعدة والمعي والكليتان والأنثيان، والشوارع والطرقات هي العروق الضوارب والأنهار الأوردة والأبواب الإثنا عشر العينان والأذنان والمنخران والثديان والسبيلان (١) والفم والسرة، والصناع الثمانية هي القوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة والمصورة، والحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والعمودان الرجلان والجناحان اليدان، والجهات الست المعروفة والقبائل الثلاثة، فالنفس الشهوانية كالجن والنفس الحيوانية كالإنس، والنفس الناطقة كالملائكة، والرئيس الواحد عليهم هو العقل، والله الموفق للصواب.
стр. 296
النظر الخامس في القوي
القوى صنف من الملائكة خلقها الله تعالى لتدبير الأبدان وقوام منافع أعضائها من الأفعال والإدراكات، فتشبه أفعالها فيها أفعال صناع البلاد وسكانها، فإن حال البدن مع الروح وهذه القوة تشبه مدينة عامرة بآلاتها مأنوسة بسكانها، مفتوحة الأسواق مسلوكة الطرقات مشتغلة الصناع، وحاله عند النوم وهذه الحواس وسكون الحركات تشبه حال المدينة بالليل إذا غلقت أبوابها، وتعطلت صناعها ونام أهلها. ومنهم من قال إن البدن كبيت بنقوش وصور عجيبة، وألوان مختلفة فالقوى تلك النقوش، والصور والنفس كالسراج الذي يدار في أطراف البيت، وبسبب وصول ضوئه إلى آخر البيت يرى له في سقفه وحيطانه وفرشه عجائب يبينهن فيها، بل في كل زاوية من زواياه مثل الحس والعقل والفهم، والقوى الظاهرة والباطنة والجمال وغيرها، فإذا فارق النفس بطلب هذه المعاني كما أن البيت عند انطفاء السرج لا يرى لتلك النقوش والصور أثر عجائب القوى خارجة عن فهم الإنسان، لكن أحببت أن أذكر بعض ما أدركه أذكياء النفوس من الحكماء من العجائب المودعة في الأنواع الأربعة من القوى، والله الموفق للصواب.
(النوع الأول: القوى الظاهرة)
وهي الحواس الخمس.
(الأولى: حاسة اللمس)
وهي قوة منبثة في جميع جلد البدن تدرك ما يلاقيه ويؤثر فيه، فإنها أول حاسة خلقت للحيوان حتى إذا مسه نار أو حديد جارح يحس به فيهرب منه، ولا يتصور حيوان إلا وله هذه الحاسة حتى الدودة التي في الطين فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت.
(الثانية: الشم)
وهو قوة في مقدمة الدماغ تدرك الروائح التي يؤدي إليها الهواء المتكيف بتلك الكيفية.
(الثالثة: البصر)
وهو قوة مركبة في عصبة مجوفة في العين تدرك صور الأشياء ذوات الأضواء والألوان، فإن الضوء إذا سرى في الأجسام الشفافة وحمل معه ألوان الأجسام واتصل بحدقة الحيوان، وسرى فيها كما يسري في الأجسام الشفافة، انصبغت الحدقة بتلك الألوان كما ينصبغ الهواء بالضياء، فعند ذلك تحس القوة الباصرة.
стр. 297
(الرابعة: السمع)
(١) وهو قوة مرتبة في عصب داخل الصماخ يدرك الصوت الذي يؤدي إليه الهواء بالتموج، وحاله شبيهة بتموج الماء، فإن الهواء أشد لطافة من الماء، فإذا وقع شيء في الماء يحدث من وقوعه دوائر وكلما اتسع ذلك الشكل ضعفت حركته وتموجه إلى أن يضمحل، فكذلك يحصل من وقوع الصوت في الهواء تموج، فأي سامع حصل في ذلك التموج دخل أذنه فتحس به القوة السامعة.
(الخامسة: الذوق)
وهو قوة منبثة في جرم اللسان، يدرك بها ما يماسه من الطعوم بواسطة الرطوبة العذبة التي تحت اللسان، فإن تلك الرطوبة تخالف الجسم الذي فيه كيفية الطعام فيتكيف بتلك الكيفية فيحصل الإحساس بالطعم.
فصل: في فوائد هذه القوى
أما اللمس فقد بينا أن كل حيوان له هذه الحاسة حتى الدودة تدرك بها الحار والبارد والرطب واليابس والصلب واللين والخشن والأملس والثقيل والخفيف إلا أن الحيوان لو لم تخلق له إلا هذه القوة لكان ناقصا إذا كان لا يحس بالغذاء إذا كان بعيدا عنه، فافتقر إلى قوة أخرى يدرك بها ما يبعد عنه، فاقتضت حكمة الباري خلق البصر ليدرك به ما يبعد عنه، ويدرك جهته إلا أنه لو اقتصر على هذا لكان أيضا ناقصا؛ لأنه لا يدرك إلا الشيء المحاذي، وأما ما بينه وبينه حجاب فلا يمكنه إدراكه إلا بكلام منظوم، فاقتضت حكمة الباري تعالى السمع ليدرك به الغرض ممن يكون وراء الجدار، ولو اقتصر على هذا لكان ناقصا لأنه إذا وصل إليه الغذاء فلا يدري أنه موافق أو مخالف فربما يكون شيئا مضرا فيهلكه، فاقتضت حكمة الباري خلق الذوق ليدرك به الموافق والمخالف.
(النوع الثاني: القوى الباطنة)
وهي أصناف:
(الأولى: القوى الجاذبة)
وهي التي تجذب النافع من الغذاء، وهي موجودة في سائر الأعضاء؛ لأن كل عضو يجذب ما يوافقه وغذاء كل عضو يخالف غذاء الآخر.
(الثانية: الماسكة)
وهي التي تمسك الغذاء ريثما تتصرف فيها القوة المغبرة وذلك بأن تجعل العضو محتويا على الغذاء بحيث لا تترك فرجة.
стр. 298
(الثالثة: الهاضمة)
وهي التي تحيل ما جذبته الجاذبة وأمسكته الماسكة إلى مزاج صالح تجعل بعضها جزءا من المغتذي وبعضها فضلا.
(الرابعة: الدافعة)
وهي التي تدفع الفضل الذي لا يصلح أن يكون غذاء أو زاد على قدر الكفاية، والله أعلم بالصواب.
(الصنف الثاني: القوى الخادمة)
وهي أربع أيضا.
(الأولى: الغاذية)
وهي التي تحيل الغذاء إلى مشابهة المغتذي ليخلف بدل ما يتحلل.
(الثانية: النامية)
وهي التي تزيد في أقطار الجسم على التناسب الطبيعي، ليبلغ به تمام النشوى والفرق بينهما وبين الغاذية أن الغاذية تورد الغذاء تارة مساويا وتارة ناقصا وأما النامية فلا تورده إلا زائدا من المتحلل.
(الثالثة: المولدة)
وهي القوة التي تولد ما يصلح أن يكون مبدأ لشخص آخر كالنطفة في الحيوان والحب والنوى في النبات.
(الرابعة: المصورة)
وهي التي يصدر عنها التخطيط والتشكيل والملامسة والخشونة وأمثال ذلك.
فصل: في الفوائد العجيبة لهذه القوة في أمر التغذية
وذلك أن تصير جزء النبات، جزء الحيوان بأن تصيره في المعدة مثل ماء الكشك الثخين، ثم تجذبه إلى الكبد فيصير دما ثم الكبد يقسمه على البدن بواسطة الأوردة، فيصل إلى كل عضو حظه فيصير لحما وعظما بأطوار وتصرفات كثيرة فيه، كما أن البر يجعل طحينا ثم خبزا يتصرف صناع البلد فيه، فصناع الباطن القوى كما أن صناع الظاهر أهل البلد، فقد أسبغ الله عليك نعمة ظاهرة وباطنة فأقول لا بد من قوة تجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم، فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه، ولا بد من قوة أخرى تمسك الغذاء في جواره ريثما تعمل فيه القوة الأخرى، ولا بد من قوة أخرى تخلع عنه صورة الدم، وتعطيه صورة العضو ولا بد من قوة أخرى تدفع عنه الفضل والزائد على الحاجة فهذه هي القوى الخادمة، ثم لا بد من قوة تلصق ما اكتسب صفة العظم بالعظم وما اكتسب صفة اللحم باللحم حتى يصير جزءا منهما، ثم لا بد من قوة تراعي المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته، وبالعريض ما لا يزيل عرضه، وبالمجوف ما لا يزيل تجويفه، ويحفظ على كل واحد قدر حاجته فلو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع
стр. 299
على الفخذ كبر الأنف وبطل تجويفه وتشوهت صورة الإنسان، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان مع دقتها وإلى الحدقة مع صفائها وإلى الفخذ مع غلظها وإلى العظام مع صلابتها ما يليق بكل واحد من حيث القدر والشكل وإلا بطلت الصورة، ولا بد من قوة أخرى تتصرف في أمور التناسل بأن يفصل من الغذاء جوهر النطفة لبقاء النوع فإن كل فرد من الأفراد ضروري الفناء ولا بد من قوة أخرى يصدر عنها تمريخات مختلفة بحسب كل عضو حتى يجعل من النطفة المتشابهة الأجزاء أعضاء مختلفة طويل وعريض ومستدير وزاوية ومجوف ومصمت ودقيق وغليظ وصلب ورخو، وهي أنقاص تنقش في ظلمة الأحشاء هذه الأشكال العجيبة الحدقة والأجفان والجبهة والخد والأنف والشفة والذقن، ولا يرى ذلك النقاش لا داخلا ولا خارجا ولا خبر للأم به ولا للأب، فسبحان من فتح عين أوليائه حتى شاهدوه في جميع ذات العالم.
(الصف الثالث: القوى المدركة التي في الباطن)
وهي خمس:
(الأول: الحس المشترك)
وهي القوة في مقدم الدماغ تدرك صورة المحسوسات على سبيل المشاهدة وذلك غير البصر ألا ترى القطرة النازلة خطّا مستقيما والنطفة الدائرة بسرعة خطّا مستديرا، وليس ذلك في البصر؛ لأن البصر لا يدرك إلا المقابل، والمقابل نطفة، وقطره الذي يدرك الخط، والدائرة قوة أخرى غير البصر فالصور الواردة على هذه القوة تارد تكون من خارج بواسطة الحواس وتارة تكون من داخل فإن القوة الثانية المتخيلة ربما ركبت صورة وأوردتها على الحس المشترك فتصير مشاهدة كالصور التي يدركها الحس المشترك وهي خزانته.
(الثالثة) الوهم
وهو قوة في وسط الدماغ التي تدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كصداقة زيد وعداوة عمرو وهي التي تحكم في الشاة أن الولد معطوف عليه والذئب مهروب عنه.
(الرابعة) الحافظة
وهي القوة في مؤخر الدماغ تحفظ المعاني التي يؤدي إليها الوهم كأنها خزانته.
(الخامسة) المفكرة
وهي قوة في وسط الدماغ أيضا تتصرف في الصور الموجودة في الخيال والمعاني الحاصلة في الحافظة بالتفصيل والتركيب فإن كانت في طاعة العقل تسمى مفكرة وإن لم تكن تسمى متخيلة وهي التي تتخيل إنسانا عظيم الرأس أو إنسانا ذا رأسين.
стр. 300
(النوع الثالث: القوى المحركة)
وهي صنفان:
(الصنف الأول: الباعثة)
وهي ضربان الأول الشهوانية، وهي القوة التي تدعو إلى طلب النافع، ومن جملتها شهوة المأكل فإنها مادة القوى كلها، فلو خلق للحيوان جميع القوى سوى الشهوانية لكانت القوى كلها ساطعه، والحواس معطلة فكم من مريض يرى الطعام وقد يقع الاشتياق له، وقد سقطت شهوته، فالقوى كلها بسبب ذلك معطلة، فاقتضت حكمة الباري تعالى شهوة الغذاء في الحيوان، ووكلها به ليضطره كالمتقاضي إلى التناول ليبقى بالغذاء سليم القوى، صحيح الأعضاء، ومنها شهوة الوقاع فلو لم يخلق للحيوان هذه القوى، لأدى إلى انقطاع نسله سيما نوع الإنسان فإن له قوة الفكر والحظر كأن يمتنع عن المباشرة لما فيه من تعب الحمل والوضع والتربية، فاقتضت حكمة الباري تعالى قوة الوقاع في الحيوان، ووكلها به كالمتقاضي لتدعوه إلى الوقاع فيبقى نسله.
(الضرب الثاني: القوة الغضبية)
وهي التي تدعو إلى الغلبة فلو لم يخلق للحيوان هذه القوة لبقى عرضة للآفات؛ لأنه كثير الأعداء فكل حيوان يقصد إما نفسه ليجعله طعمة أو يقصد ما عنده من الغذاء ونوع الإنسان أحوج إلى هذه القوة لكثرة من يزاحمه في النفس والمال والجاه والحزم وغيرها فلا بد للحيوان من قوة يدفع بها من يغلبه بالدفع.
(الصنف الثاني: القوة الفاعلة)
وهي التي يصدر عنها تحريك الأعضاء بمباشرة الأفعال طاعة للقوة الشوقية، وذلك بأن تشد الأوتار أو ترخيها، فتحرك بها الأعضاء والمفاصل فلولا هذه القوة لكان جميع بدن الحيوان كاليد الشلاء، فكان الانفعال والقبض والبسط غير ممكن فلم يكن له آله الطلب والهرب كالزمن، فاقتضت حكمة الباري آلات الحركة لتكون حركته بمقتضى الشهوة طلبا وبمقتضى الكراهة هربا.
(النوع الرابع: القوى العقلية)
(١) وهي أربع مراتب:
(الأولى: القوة التي بها يفارق الإنسان البهائم)
وهي استعداد لقبول العلوم النظرية والصناعات الفكرية.
(الثانية: القوة التي تدخل الوجود للصبي المميز)
وبها يدرك الضروريات والممكنات والممتنعات كالعلم بأن الإثنين أكثر من الواحد والشخص الواحد لا يكون في مكانين فيقال له التصورات والتصديقات الضرورية.
стр. 301
(الثالثة: قوة تحصل بها العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال)
فمن اتصف بها يقال له عاقل في العادة ومن خلا عنها يقال له غبي وهي معان مجتمعة في الذهن فيستنبط بها مصالح الأغراض.
(الرابعة) قوة يعرف بها حقائق الأمور
مباديها ومقاطعها حتى يقمع الشهوة العاجلة للذة الآجلة ويحتمل المكروه العاجل لسلامة الآجل فيسمى صاحبها عاقلا من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة، والأولان مجبولان والأخيران مكتسبان، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
رأيت العقل عقلين … فمطبوع ومسموع
فلا ينفع مسموع … إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس … وضوء العين ممنوع
فصل: في تفاوت الناس في العقل
اختلف الناس فيه والحق أن التفاوت يتطرق إلى القسم الأول والثالث والرابع، أما الثاني فهو العلم بوجوب الضروريات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات فإنه غير قابل للتفاوت.
(أما القسم الأول) هو الغريزة
فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس، ومبادئ إشراقه عند سن التمييز ثم لا يزال ينمو إلى تمام الأربعين، وقد شاهدنا الناس في ذلك مختلفين في فهم العلوم وانقسامهم إلى ذكي وبليد، ومغفل ويقظ وقد روي عن رسول الله ﷺ في حديث طويل آخره قال الله تعالى: «إني خلقت العقل من أصناف شتى كعدد الرمل فمن الناس من أعطي حبة ومنهم من أعطي حبتين ومنهم الثلاث والأربع ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا ومنهم من أعطي أكثر من ذلك».
(ومن الحكايات) العجيبة ما يحكى أن بعض الأطباء دخل على مريض وجس نبضه، وشاهد تعسره فقال له لعلك تناولت شيئا من الفواكه؟ قال المريض: نعم، قال الطبيب: لا ترجع تأكل فإنها تضرك. ثم دخل عليه في اليوم الثاني ورأى النبض والتفسرة فقال: لعلك أكلت لحم فروج؟ قال المريض: نعم، قال الطبيب: لا ترجع تأكله فإنه يضر. فتعجب الناس من حذق الطبيب وكان للطبيب ابن فقال له: يا أبت كيف عرفت تناوله الفاكهة والفروج؟ قال: يا بني ما
стр. 302
عرفت ذلك بالطب وحده بل بالطب والفراسة فقال له كيف عرفت بالفراسة؟ قاله له إني لما دخلت دار المريض رأيت على سطح الدار سقاطات الفواكه، ثم رأيت في وجه المريض انتفاخا وفي النبض لينا وفي التفسرة غلظا وفجاجة، وعلمت أن الفاكهة إذا حضرت عند المريض لا يصبر عنها، فظهر لي من هذه الشواهد أنه تناول الفاكهة وما جزمت بها، بل قلت: لعلك أكلت، وفي اليوم الثاني: رأيت على باب الدار ريش الفروج وفي النبض امتلاء وفي الرسوب غلظ فعرفت أن الفروج لا يأكله إلا المريض غالبا فظهره بهذه الشواهد وما جزمت به بل قلت: لعلك فعلت هذا، فسمع ابنه هذا الكلام فأحب أن يسلك مسلك أبيه، فدخل على مريض وجس نبضه وشاهد تفسرته فقال له: لعلك أكلت لحم حمار فقال المريض: حاشا وكلا كيف يؤكل لحم الحمار أيها الطبيب، فخجل ابن الطبيب وخرج فانتهى ذلك إلى أبيه، فأحضره وسأله كيف عرفت أنه أكل لحم الحمار فقال: لأني رأيت في دارهم برذعة فعلمت أنها لا تكون إلا للحمار ثم قلت: لو كان الحمار حيا لكانت برذعته عليه وإذا لم يكن حيا فإنهم ذبحوه وأكلوه، فقال أبوه: لو كان شيء من هذه المقامات صحيحا، لرجوت فيك النجابة، ولكن المقدمات كلها فاسدة، وطمع النجابة فيك محال، ونعم ما قال: فلا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع.
(وحكي) أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه: كان جالسا يذكر الدروس فدخل عليه شخص ذو هيئة فلما بدأ قال لأصحابه: تثبتوا كيلا يأخذ عليكم هذا الرجل شيئا، فلما جلس وأبو حنيفة رحمة الله عليه يذكر أوقات الصلاة قال: أما الصبح فوقته من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس زال وقتها، فقال ذلك الرجل: فإن طلعت الشمس قبل الفجر كيف يكون حكمها؟ فالتفت أبو حنيفة إلى أصحابه وقال: كونوا كما شئتم فإن الأمر على خلاف ما حسبنا.
(وحكي) أن معاوية بن مروان ضاع له باز فقال أغلقوا باب المدينة كيلا يخرج.
(وحكي) أن الوزير أبا السعادات خطأ الفرس تحته فأمر بقطع قضيبه فقيل له في ذلك، فقال أعطوه، ولكن لا تعرفوه أني علمت ذلك.
(أما القسم الثالث) وهو علم التجارب والرسوم والعادات
فتفاوت الناس فيه ظاهر ويدل عليه حكايات: منها ما حكي أن أبا النجم العجلي دخل على هشام بن عبد الملك وأنشد أرجوزته التي أولها: الحمد لله الواهب المجزل وهي من أجود شعره أصغى إليه إلى أن انتهى إلى قوله:
والشمس في الجو كعين الأحول، فغضب هشام وكان أحول وأمر بصفعه وإخراجه.
стр. 303
(وحكي) أن بعض الملوك قال لصاحب خيله: قدم الفرس الأبيض، فقال له الوزير: لا تقل الفرس الأبيض فإنه عيب يخل بهيبة الملوك ولكن قل: الفرس الأشهب فلما أحضر السماط قال لصاحب سماطه: قدم الصحن الأشهب. فقال له الوزير: قل ما شئت فما في تقويمك حيلة.
(وحكي) أن عتاب بن ورقاء دخل على عمرو بن هداب وقد كف بصره فقال له: يا سيدي لا يسوءك فقد همها، فإنك لو رأيت ثوابهما لتمنيت أن الله تعالى يقطع يديك ورجليك ويدق عنقك.
القسم الرابع
انتهاء القوة الغريزية إلى حد يعرف به عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، لأجل سلامة العاقبة، ولا يخفى اختلاف الناس فيه فإن إقدام الشبان على المعاصي، أكثر من إقدام المشايخ وكذلك إقدام العلماء أقل من إقدام العوام لقوة علمهم بضرر المعاصي كما ترى أن الأطباء أقدر على الاحتماء من غيرهم.
(وحكي) أن بعض الملوك كان يتخذ كل سنة وزيرا، فإذا تمت السنة عزله وبعثه إلى جزيرة واستوزر غيره إلى أن يتخذ وزيرا عاقلا، فلما ولي بعث إلى تلك الجزيرة وبني بها دارا لنفسه ونقل إليها ما كان له من الأموال فلما تمت السنة لم يعزله الملك بل أقره على حاله فسئل الملك عن ذلك فقال:
اعلموا أني كنت محتاجا إلى وزير عاقل ينظر في العواقب فما وجدت إلا من يراعي الحال ولا ينظر في العواقب فكرهت أن أعجل عزله فصبرت على سوء تدبيره سنة فلما عزلته كرهت اختلاطه بالناس وهو مطلع على أسرار ملكي فبعثته إلى الجزيرة، وأما هذا الرجل فوجدته مراعيا للعواقب في جميع أموره، فلست أستبدل به مادام هذا تدبيره والله الموفق للصواب بمنه وكرمه.
فصل: في خواص الإنسان وفوائد أجزائه وهو النظر السادس
أما خواصه فكثير منها النطق وهو القوة التي يعرف بها الإنسان ما في ضمير غيره بواسطة رمز أو إشارة أو كناية والكلام أقوى الدلالات منها ومنها قوة التعجب وهي التي توجب الضحك عند رؤية ما يتعجب منه ذلك من خاصة الإنسان دون غيره من سائر الحيوانات، ومنها نبات الشعر على رأسه بخلاف سائر الحيوان؛ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون شعر الحيوانات كسوتها ووقايتها من الحر والبرد، وأما الإنسان فلما كانت كسوته من خارج جعل شعره على رأسه ليكون زينة ووقاية وخلق الإنسان أزعر إذ لو كان أزغب لبطل الجمال وحاسة اللمس.
стр. 304
(ومنها) الشيب (١) فإنه لا يوجد إلا في الإنسان وسببه أن الإنسان أضعف حرارة وأكثر رطوبة، وبياض الشعر إنما يكون من بلغم متعفن ولهذا لا يوجد إلا عند تغير المزاج إلى الرطوبة في آخر سن الكهولة عند قصور الحرارة وكثرة الرطوبة، فيحدث بخار متروح متعفن يتولد منه شعر أبيض.
(ومنها) أنه إذا لمس العضو الوجع بالكف خف وجعه، وكذلك إذا أصابه ضربة أو خدشة يمسكها بكفه فيسكن في الحال.
(ومنها) سراية بعض الأمراض زعموا أن من أدام النظر إلى العين الرمدة ترمد عينه، ومن خالط الأجرب والأبرص والمجذوم يحل به مثله.
(ومنها) أن الأبرص إذا مشى حافيا على الأرض لا ينبت موضع قدمه.
(ومنها) أن الإنسان إذا خصي يضعف بدنه بخلاف كثير من الحيوانات وينتن ريحه ويتغير رأيه وتكثر شهوة أكله، وتطول عظامه وتعوج أصابعه وتقوي شهوة جماعه ويحتلم كثيرا ويطول عمره ويقل شعر بدنه ويصير صوته حادا دقيقا. ومن عجيب ما يعرض للخصيان سرعة الغضب والرضا وضيق الصدر عن كتمان السر وحب اللعب بالشطرنج.
(ومنها) أن الأعمى يصير أكثر الناس نكاحا، كما أن الخصي يصير أصح الناس إبصارا فإنهما طرفان ما نقص من أحدهما زاد في الآخر، فازداد العميان إما قوة الفهم أو الحفظ أو النكاح.
(ومنها) أن الحائض إذا كشفت عن سرتها انقشع السحاب، وإذا استقلت في الأرض يخاف عليها البرد سلمت من ضره، وإذا دنت من الرياض والأشجار فسدت وإذا مرت في المقثأة تصير القثاء مرة، وإذا نظرت في المرآة تكدرتو وإذا وطئها الرجل يصير بليدا، وينقص من نشاطه وطراوته وحسنه، وإذا مست المصروع سكن صرعه وإذا وطئت سلخ الحية ماتت تلك الحية، وإذا رعت الغنم لم يقربها الذئب ولو دنا منها يوجع بطنه، وخرقة حيضها إذا شدت على مؤخر السفينة تأمن من الرياح المخالفة. (ومنها) أن صاحبة الطلق إذا لبس قميصها من به حمى الربع قبل أن يغسل تزول عنه.
стр. 305
فصل: في فوائد أجزاء الإنسان
(شعره) يدخن به ينفع من النسيان، ويغلي على النار ثم يطلى به رجل المنقرس يزول وجعه، وشعر المرأة إذا وقع في الماء الملح المكشوف للشمس يصير حية. (جمجمة الإنسان) إذا كانت نخرة تجعل في برج الحمام يكثر فيه ويألفه، وإذا وقعت في الأرض يهرب عنها البق.
(دماغه) سقي للملسوع أو يجعل على الموضع قدر حبتين أخرج السم من الموضع.
(ودمع الإنسان) إذا كان من الفرح وهو بارد يجمع ويعطي للحزين يزول حزنه، وإن أعطي للمصروع يزول صرعه وإن كان من حزين يجمع ويعطي إنسانا يبكي بكاءا شديدا.
(ريقه) سم للعقرب ذكر لجالينوس أن هاهنا رجلا يرقي العقارب فتموت، فأحضره وأحضر غذاء وأكل معه ثم أحضر عقربا فرقى وتفل عليها فلم يظهر بها شيء فعلم أن تلك الخاصية للعاب على الريق.
(ريق الصائم) يبل به المغناطيس تبطل قوته، فلا يجذب الحديد، أول سن تقع من الصبي يحفظ كيلا تقع على الأرض وتتخذ لها عروة من الفضة وتعلق على المرأة لا تحبل، وزعم بعضهم أن السن التي تقع من الألم يوم السبت أول الشهر، إذا جعلت تحت رأس من يغط في نومه فإنه لا يغط، وسن الصبي تدق ناعما وتجعل على نهش الحيات تنفع نفعا بينا.
(سن الميت) تعلق على من به وجع السن يسكن ألمه.
(عظم الميت) يعلق على صاحب حمى الربع تزول حماه وتشد على رجل المنقرس تنفعه ويسحق وينفخ في دماغ السكران يبطل سكره، ومن غلب عليه السهر فإن كان رجلا ينفخ في دماغه سحاقة عظم المرأة الميتة فإنه ينام، وإن كانت المرأة نفخ في دماغها سحاقة عظم الرجل الميت فإنها تنام.
(عظم الإنسان) يحرق ويسقى من الصرع، قال جالينوس رأيت إنسانا يسقي الناس به تبرأ سرة الإنسان المقطوعة حال ولادته، يجعل شيء منها تحت فص زبرجد من تختم به أمن من القولنج.
стр. 306
(قلفة الصبي) (١) تجفف وتدق ويخلط معها شيء من المسك ويسقى من به ابتداء الجزام يقف ولا يزيد.
(خصيته) إذا علقت في خشبة وغرزت في وسط الزرع لا يقربه الجراد، وكذلك لو جعل في بستان، ولو أكل خصية الإنسان كلب أو سنور أصابه الجنون، ولو جففت وسحقت واكتحل بها الأجهر يزول عنه، ولو أكل منها الخصي يحتلم، زعموا أن قلامة أظافر الإنسان كلها إذا أحرقت وسقيت إنسانا يحبه حبا شديدا، بشرط أنه يعلم، قالوا إنه مجرب.
(دمه) يخلط بالماء ويطلى به بدن اللديغ يسكن وجعه، وإذا رعف الإنسان فكتب اسمه بدمه على خرقة ووضعها نصب عينيه انقطع دمه.
(دم الحيض) يطلى به عضة الكلب الكلب يبرئه وكذلك من البهق والبرص، وإذا طلي العين به من خارج سكن وجعها.
(دم حيض البكر) ينفع من بياض العين إذا اكتحل به.
(ثدي الجارية) إذا طلي بدم بكارة جارية حال افتضاضها لا يكبر.
(نطفته) يطلى بها البهق والبرص والقوبا يزيلها، وإذا خلط به زهر الغبير أو جفف وأعطي امرأة عشقته عشقا مبرحا.
(عرقه) إذا ترشح في الحمام يطلى به الدماميل ينضجها.
(عرق المصارعين) يطلى به ثدي المرأة التي انعقد اللبن من ثديها يزول وجعها.
(عرق النساء) يطلى به الجرب ينفعه.
(لبن النساء) يشرب مع شيء من العسل يفتت الحجر من المثانة.
(لبن الجارية) يضاف بشيء من الزعفران أو حب السفرجل ويقطر في الأذن قليلا يسكن وجعها.
(بوله) يغلي ويطلى به رجل المنقرس يزول وجعها، وإذا شرب ينفع من نهش الأفاعي والأدوية القتالة.
стр. 307
(بول الصبي الذي لم يحتلم) يطبخ في إناء نحاس مع العسل جلاء للبياض العارض في العين، ويشرب منه صاحب اليرقان ماء مقداره رطل بحيث لا يدري يزول عند ذلك.
(بول من لم يبلغ عشرين) إذا شربه صاحب البرص برئ منه، ويطلى به الجرب المتقرح والحكة والقوبا يمنعها من أن تسعى، قال ابن سينا: بول الإنسان مع رماد الكرم يوضع على موضع النزف يقف، وينفع من نهش الأفاعي شربا، وقال أيضا: أمر إنسان مطحول في النوم يشرب من بوله كل يوم ثلاث حفنات ففعل فعوفي وجرب فوجد عجيبا.
(رجيعه في الصبا) يكتحل به يزيل بياض العين (١) قال بليناس: يضاف شيء منه مع خل خمر ويسقى من به القولنج العسر فإنه يطلى، ومن لسعته الرتيلا يسقى منه ويجعل في تنور حتى يعرق عرقا كثيرا فإنه ينجو من الموت، ويؤخذ الرجيع من بيت الزنبور ويحرقان ويطلى به الجرب في الحمام ثلاثة أيام، فإنه يزول وإن اكتحل به أيام يزول جرب العين وإذا جفف الرجيع وسحق وعجن بالعسل يطلى به ينفع من الخوانيق ويزيلها، وكذلك شربها ينفع أيضا لمن أصابه سهم مسموم.
(حيات بطن الإنسان) تجفف وتسحق ويكتحل بها يذهب بياض العين، والله الموفق للصواب.
النوع الثاني من الحيوان
زعموا أن الجن حيوان ناري مشف الجرم من شأنه أن يتشكل بأشكال مختلفة. واختلف الناس في وجود الجن، فمنهم من ذهب إلى أن الجن والشياطين مردة الإنس، وهم قوم من المعتزلة، ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى خلق الملائكة من نور النار، وخلق الجن من لهبها، والشياطين من دخانها، وأن هذه الأنواع لا يراها الناظر، وأنها تتشكل بما شاءت من الأشكال فإذا تكاثفت صورتها يراها الناظر. وجاء في الأخبار أن نوع الجن في قديم الزمان قبل خلق آدم ﵊ كانوا سكان الأرض وكانوا قد طبقوا الأرض برّا وبحرا وسهلا وجبلا، وكثرت نعم الله تعالى عليهم فكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة فطغت وبغت وتركت وصية أنبيائها وأكثرت في الأرض الفساد، فأرسل الله تعالى إليهم جندا من الملائكة فسكنت الأرض وطردت الجن إلى أطراف الجزائر وأسرت منها كثيرا وكان ممن أسر عزازيل وجرى
стр. 308
بينهم قتال، وكان عزازيل إذا ذاك صبيا نشأ مع الملائكة وتعلم من علمهم وأخذ يسوسهم، وطالت أيامه حتى صار رئيسا فيهم، وبقي الأمر على ذلك زمانا طويلا حتى جرى بينه وبين آدم ما جرى كما قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ قال مجاهد:
لإبليس خمسة من الأولاد وقد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره فذكر أن أسماءهم: بيره والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، أما بيره: فصاحب المصائب يأمر بالثبور وشق الجيوب، وأما الأعور: فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه في أعينهم، وأما مسوط: فصاحب الكذب، وأما داسم:
فيدخل بين الزوجين ويوقع بينهما البغضاء، وأما زلنبور: فهو صاحب السوق فبسببه لا يزال أهل السوق متخاصمين.
وعن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني وجعلتني رجيما فاجعل لي بيتا، قال: الحمام، قال: فاجعل لي مجلسا، قال الأسواق ومجامع الطرق، قال: فاجعل لي طعاما، قال: ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لي شرابا، قال: كل مسكر، قال: فاجعل لي مؤذنا، قال: المزامير قال: فاجعل لي قرآنا، قال:
الشعر، قال: فاجعل لي خطّا قال: الوشم، قال: فاجعل لي حديثا، قال: الكذب، قال: فاجعل لي مصائد، قال: النساء» (١).
فصل: في عجائب من مكايد الشيطان
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كان راهب في بني إسرائيل اسمه برصيصا مستجاب الدعوة، فأخذ الشيطان جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فحملوها إليه فأبى أن يقبلها فما زالوا به حتى قبلها، وكانت عنده ليعالجها، فأتاه الشيطان فوسوس إليه وزين له مقاربتها فلم يزل حتى وقع عليها فحملت منه، فوسوس إليه وقال: الآن يأتيها أهلها فتفتضح فاقتلها وقل لهم: ماتت. فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها وأخبرهم أنه أحبلها وقتلها ودفنها، فأتاه أهلها وأرادوا قتله فأتاه الشيطان، وقال له أنا الذي أخذتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعني تنجح وتنجو واسجد لي سجدتين ففعل فقتل على الكفر» (٢) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٩].
стр. 309
(ومنها) ما روي عن عيسى ﵇ أنه لما رفع كان له تلامذة يدعون الناس إلى التوحيد وأكبرهم أربع نفر: مرقس: وهو أصغرهم سنا، ومحسن: وهو أعبدهم، ومنبوس: وهو أوسطهم، ويوقاس: وهو أسنهم فبنى كل واحد منهم صومعة يعبد الله تعالى فيها فجاء الشيطان إلى مرقس وبيده سراج، فقال له: من أنت؟ قال أنا رسول المسيح إليك وإلى أصحابك يقول:
ويلكم أنتم عرفتم أني كنت أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى ومن كان كذلك يكون إلها فكيف تنسبوني إلى العبودية، فنزل من صومعته ودخل على محسن وأخبره بما سمع من الشيطان، فقاما إلى صومعة منبوس وذكرا له ما كان من الشيطان، فقال منبوس: كانت نفسي تحدثني بذلك غير أني كنت أكذبها، فقاموا إلى صومعة يوقاس وحدثوه بذلك، فقال لهم: أن عيسى ثالث ثلاثة فدعوا الناس إلى ذلك فضلوا وأضلوا لعنهم الله.
(ومنها) ما ذكر في الإسرائيليات أن عابدا سمع أن قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فقام بالفأس لقطع الشجرة فلقيه إبليس لعنه الله في صورة شيخ، فقال له: وأي شيء تريد يرحمك الله؟ فقال أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله فقال له ما أنت وذاك تركت عبادتك وتفرغت لهذا، فالقوم إن قطعتها يعبدون غيرها، فقال العابد: لابد لي من قطعها، فقال إبليس:
أنا أمنعك عن قطعها فقاتله العابد وضربه على الأرض وقعد على صدره، فقال له إبليس:
أطلقني حتى أكلمك، فأطلقه فقال له: يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا وله في الأرض عباد لو شاء أمرهم بقطعها، فقال العابد: لابد لي من قطعها، فنابذه للقتال فغلبه العابد مرة أخرى وصرعه، فقال له إبليس لعنه الله هل لك أن تجعل بيني وبينك أمرا هو خير لك من هذا الحال؟ فقال له العابد: وما هو فقال له: أنت رجل فقير فلعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وجيرانك وتستغني عن الناس فقال: نعم فقال ارجع عن ذلك ولك علي أن أجعل تحت رأسك كل ليلة دينارين تأخذهما وتنفقهما على عيالك وتتصدق منهما فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة فتفكر العابد وقال: صدقت فيما قلت فعاهده على ذلك وحلف له وعاد العابد إلى متعبده فلما أصبح العابد رأى دينارين تحت رأسه فأخذهما، وكذلك في اليوم الثاني فلما كان في اليوم الثالث وما بعده لم ير شيئا فغضب وأخذ الفأس وذهب نحو الشجرة، فاستقبله إبليس لعنه الله في صورة ذلك الشيخ وقال له إلى أين تريد؟ قال إلى قطع هذه الشجرة فقال له:
ليس لك إلى ذلك من سبيل فتناوله العابد فغلبه كما غلبه قبل ذلك، فقال إبليس هيهات هيهات وأخذ العابد وضربه على الأرض كالعصفور وقال له لئن لم تنته عن هذا الأمر وإلا ذبحتك، فقال العابد: خل عني وأخبرني كيف غلبتني؟ فقال لما غضبت لله تعالى سخرني الله تعالى لك والآن غضبت للدنيا ولنفسك فصرعتك.
стр. 310
(ومنها) ما ذكر أن مردك ادعى النبوة في زمن قيار ملك الفرس وجعل الأموال والأبضاع مشتركة بين الناس فتبعه خلق كثير لا يحصى ولا يعد، فاحتال ابن كسرى الخير وقتل مردك وأصحابه اثنى عشر ألفا في يوم واحد، وهرب منهم كثيرون واختلفوا في البلاد فإذا مات منهم ميت دفنوه وقعدوا مترصدين أول ليلة من دفنه، فيأتيهم إبليس لعنه الله على صورة الميت يقول:
جئتكم لأودعكم اعلموا أن دين مردك حق حتى لو مات أحدهم فجأة وكان عنده وديعة، قالوا اصبر فإنه يأتينا للوداع فنستخبره عن الوديعة.
فصل في ذكر بعض المتشيطنة
وأشهرها الغول، زعموا أن الغول حيوان شاذ مشوه لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج مفردا لم يستأنس وتوحش وطلب القفار وهو يناسب الإنسان والبهيمة وأنه يتراءى لمن يسافر وحده في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون أنه إنسان فيصد المسافر عن الطريق. وقال بعضهم: إن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع تصيبهم الشهب فمنهم من احترق ومنهم من وقع في البحر فصار تمساحا، ومنهم من وقع في البر فصار غولا. قال الجاحظ: الغول كل شيء من الجن يتعرض للفساد ويكون في ضروب الصور والثياب قال كعب بن زهير:
فما تدوم على حال تكون بها … كما تلون في أثوابها الغول
وذكر جماعة من الصحابة ﵃ أنهم رأوا الغول في أسفارهم منهم عمر بن الخطاب ﵁ رأى الغول في سفره إلى الشام قبل الإسلام، فضربه بالسيف وذكر ثابت بن جابر الفهمي رحمة الله عليه أنه لقي الغول وجرى بينها ما ذكر فقال الشاعر المعروف بتأبط شرّا الفهمي في ذلك.
ألا من مبلغ فتيان فهم … بما لاقيت عند رحا بطان
فإني لقد لقيت الغول تهوى … بشهب كالصحيفة صحصحان
فقلت له كلانا نضو دهر … أخا سفر فخلى لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوى … لها كفي بمصقول (١) يماني
فأضربها بلا دهش فخرت … صريعا لليدين وللحران
стр. 311
فقالت عد فقلت له رويدا … مكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفك متكئا لديها … لأنظر مضبخا ماذا أتاني
إذا عينان في رأس قبيح … كرأس الهر مشقوق اللسان
وساق مخدج وسرار كلب … وثوب من علا وشنان
(ومنها) السعلاة وهي نوع من المتشيطنة مغايرة للغول. قال عبيد بن أيوب يذكرها:
وساخرة مني ولو أن عينها … رأت ما ألاقيه من الهول حبت
أبيت وسعلاة وغول بقفرة … إذا الليل وارى الجن فيه أزنت
وأكثر ما توجد السعلاة بالغياض إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما تلعب الهرة بالفأرة، رأيت رجلا من بلاد أصفهيد ذكر أن عندهم من هذا النوع كثير، وذكروا أن الذئب ربما يصطادهم بالليل يأكلها فإذا افترسها ترفع صرتها تقول أدركوني فإن الذئب قد أكلني، وربما تنادي من يخلصني ومعي مائة دينار يأخذها، والقوم يعرفون أنه كلام السعلاة ولا يخلصها أحد فيأكلها الذئب.
(ومنها) الغدار وهو نوع آخر من المتشيطنة يوجد بأكناف اليمن وربما توجد بتهائم مصر وأعاليها، يلحق الإنسان فيدعوه إلى نفسه فيقع عليه فإذا أصاب الإنسان منه يقول أهل النواحي أمنكوح أم مذعور، فإن كان منكوحا يئسوا منه لأن له قضيبا كقرن الثور يقتل الإنسان بغرزه فيه، وإن كان مذعورا سكن روعه وشع، والإنسان إذا عاين ذلك يخر مغشيّا عليه وربما لم يكترث لشجاعة نفسه.
(ومنها) الدلهاب وهو نوع آخر من المتشيطنة يوجد في جزائر البحار وهو على صورة إنسان راكب على نعامة يأكل لحوم الناس الذين يقذفهم البحر، وذكر بعضهم أن الدلهاب إذا تعرض لمركب في البحر وأراد أخذهم فحاربوه فصاح بهم صيحة خروا على وجوههم فأخذهم.
(ومنها) الشق وهو نوع آخر من المتشيطنة صورته كنصف آدمي زعموا أن النسناس مركب من الشق والإنسان يظهر للإنسان في أسفاره.
(وذكر) أن علقمة بن صفوان بن أمية خرج في بعض الليالي فانتهى إلى موضع يعرف بحومان فإذا قد تعرض له شق فقال علقمة إني مقتول، وإن لحمي مأكول، أضربهم بالهدلول
стр. 312
ضرب غلاب بهلول، فقال علقمة: يا شق أقبل ما لي وما لك عهد علي بفضلك تقتل من لا يقتلك فقال شق: هيت لك نفسي فاصبر لما قد حم لك فضرب كل واحد منهما صاحبه فقتله فوقعا ميتين وهو مشهور أن علقمة بن صفوان قتله الجن، والله تعالى أعلم.
(ومنها) المذهب ذهب بعض العباد أن لهم شيطانا يقال له المذهب يخدمهم ويريد أن يريهم العجب، وأن بعض العباد نزل به ضيف وأقام عنده أياما لم ير في صومعة العابد أحدا وكان يرى كل ليلة عند الإفطار منارة ومسرجة وخوانا عليه طعام فتعجب الضيف من ذلك وسأل العابد عنه، فأعرض عن جوابه فألح عليه فقال اعلم أن هذا منذ مدة يأتيني به شيطان يريد أن أحمله على كراماتي، وأنا أعلم أنه من الشيطان من أول يوم فعند ذلك انطفأ السراج وزال الطعام، والله الموفق للصواب.
فصل: في حكايات عجيبة عن الجن وما جرى لهم
روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : «أن إبليس لعنه الله يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأعظمهم فتنة أدناهم منه مجلسا، فيجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: فرقت بينه وبين أهله فيقول: نعم أنت ابني فيدنيه منه» (١).
(ومنها) ما حكي أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان ﵇ نادى جبريل ﵊: أيتها الجن والشياطين أجيبوا بإذن الله تعالى لنبيه سليمان بن داود فخرجت الجن والشياطين من المفازات ومن الجبال والآكام والأودية والفلوات والآجام وهي تقول: لبيك لبيك تسوقها الملائكة سوق الراعي غنمه حتى حشرت لسليمان طائعة ذليلة، وهي يومئذ أربعمائة وعشرون فرقة فوقفوا بين يدي سليمان فجعل ينظر إلي خلقها وعجائب صورها وهم بيض وسود وصفر وشقر وبلق على صورة الخيل والبغال والسباع ولها خراطيم وأذناب وحوافر وقرون فسجد سليمان لله تعالى وقال، اللهم ألبسني من القوة والهيبة ما أستطيع النظر إليهم فأتاه جبريل ﵇ وقال: إن الله تعالى قواك عليهم قم من مكانك فقام والخاتم في أصبعه فخرت الجن والشياطين ساجدة، ثم رفعت رؤوسها وقالت: يا بن داود إنا قد حشرنا إليك وأمرنا لك بالطاعة، فجعل سليمان ﵇ يسألهم عن أديانهم وقبائلهم ومساكنهم
стр. 313
وطعامهم وشرابهم وهم يجيبونه فقال لهم ما لكم صوركم مختلفة وأبوكم الجان واحد، فقالوا: إن اختلاف صورنا لاختلاف معاصينا واختلاطه بنا ومناكحتنا مع ذريته، فنظر سليمان ﵇ فرأى المردة يهمون بالفساد، والملائكة يحولون بينهم وبين ذلك بالأعمدة فصفد المردة وفرقهم في الأعمال المختلفة من عمل الحديد والنحاس وقطع الأحجار والصخور وأبنية الحصون وأمر نساءهم بغزل القز (١) والإبريسم والقطن ونسج البسط والنمارق، وأمر بعضهم بعمل المحاريب والتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات فاتخذوا له قدورا من الحجارة كل قدر تأكل منها ألف نسمة، وأشغل طائفة منه بالطحن، وطائفة بالخبز وأخرى بالذبح والسلخ، وطائفة بالغوص في البحار لاستخراج الجواهر واللآلى، وطائفة لحفر الآبار والقني وشق الأنهار، وطائفة لاستخراج الكنوز من تحت الأرض، وطائفة بالمعدنيات واستخراجها من المعدن، وطائفة برياضة الخيل الصعاب، فأشغل كل طائفة منهم بأمر صعب ليقل فسادهم ويكون قوة ملكه.
وقال وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه: كان سليمان ﵊ إذا شرب الماء كلحت الشياطين في وجهه وهو لا يراهم لأن الكوز كان يمنعه، فكره ذلك منهم فاتخذ له صخرا لجني الأواني من القوارير كان يشرب ولا يمنعه ذلك رؤية الشياطين ثم أمره أن يتخذ له مدينة من القوارير لا تحجب سقوفها وحيطانها شيئا، فبنى مدينة على طول عسكر سليمان ﵊ وعرضه، وجعل لكل سبط من الأسباط فيها قصرا في طول ألف ذراع وعرض مثله، وفي كل قصر دور ومجالس وبيوت، وعرف للرجال والنساء، ثم بنى مجلسا في طول ألف ذراع، وعرضه كذلك ليجلس فيه العلماء والقضاة، ثم بنى سليمان ﵇ قصرا رفيعا عجيبا في طول خمسة آلاف ذراع وعرضه مثله، وزخرفه بأنواع القوارير ورصعه بأنواع الجواهر، وكان سليمان ﵊ إذا ركب الريح على بساطه في هذه المدينة يرى كل شيء كان على بساطه خارج المدينة لصفاء القوارير حتى الطباخين والخبازين وجميع من ركب بساطه من الجن والإنس والخيل والخدم والحشم وكان الكل بمرأى من سليمان ﵊، والريح تمشي بأمره رخاء حيث أصاب.
وقال وهب بن منبه: لما رد الله تعالى على سليمان ملكه أمر الريح الصرصر حتى حشرت إليه شياطين الدنيا فرآهم سليمان ﵇ على صور عجيبة، منهم من كانت وجوههم إلى
стр. 314
أقفيتهم ويخرج النار من فيه، ومنهم من كان يمشي على أربعة، ومنهم من كان له رأسان، ومنهم من كانت رءوسهم رءوس الأسد وأبدانهم أبدان الفيلة، فرأى سليمان ﵇ شيطانا نصفه صورة الكلب ونصفه صورة السنور وله خرطوم طويل، فقال له: من أنت؟ فقال أنا مهر بن هفان بن فيلان فقال سليمان ﵇ ما عندك من الأعمال؟ فقال: عندي عمل الغناء وعصر الخمر وشربه وأزين الشرب والغناء لبني آدم فأمر بتصفيده، ثم مر به أخر قبيح الشكل أسود له سمج الكلاب والدم يقطر من كل شعره على بدنه، وهو قبيح الشكل جدا فقال له من أنت؟ قال: أنا الهلهال بن المحول فقال له: ما عملك؟ فقال: سفك الدماء فأمر بتصفيده، فقال: يا نبي الله لا تقيدني فإني حشرت إليك جبابرة الأرض، وأعطيك العهد والميثاق أن لا أفسد في مملكتك فأخذ عليه الميثاق ظافر، وختم على عنقه وأطلقه.
ومر به آخر في صورة قرد له أظافر كالمناجل، وهو قابض على بربط فقال له: من أنت؟ فقال: أنا مرة بن الحارث، فقال له: ما عملك؟ فقال: أنا أول من وضع هذا البربط وحركها فلا يجد أحد لذة الملاهي إلا بي فأمر بتصفيده.
قال أبو عبيدة: خرج عبيد بن الأبرص يريد الشام فلما كان ببعض الطريق عرض له شجاع يلهث عطشا، فعمد عبيد إلى راوية ونزل عن بعيره وسقى الشجاع حتى روي ثم مضى حتى أتى الشام وقضى حاجته وانصرف، فإذا في بعض الليالي أضل بعيره ونكب عن الطريق وساء ظنه وإذا هاتف يقول:
يا صاحب البكر المضل مذهبه … دونك (١) هذا البكر منا فاركبه
حتى إذا الليل تراءى عيهبه … وأقبل الصبح ولاح كوكبه
فحط عنه رحله وسيبه.
فرأى بعيرا فاستوى على ظهره فلم يلبث أن رأى باب داره وكان على مسيرة عشرين مرحلة فأقبل يحط عنه الرحل وهو يقول:
يا صاحب البكر قد أنجبت من كرم … ومن فياف تضل المدلج الهادي
هلا بدأت لنا خلوا لنعرف من … هذا الذي جاد بالنعماء في الوادي
стр. 315
ارجع حميدا فقد بلغت حاجتنا … بوركت من ذي سلام رائح غادي
فأجابه بقوله:
أنا الشجاع الذي أرويتني ظمأ … في ضحضح خصب عن أهله صادى
وجدت الماء لما عز مطلبه … نصف النهار على الرمضاء في الوادي
هذا جزاؤك منا لا تمن به … لك الجميل علينا إنك البادي
الخير يبقى وإن طال الزمان به … والشر أخبث ما أوعيت من زاد
قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: وفدت إلى رسول الله ﷺ فأمسيت بواد وحدي فإذا شخص واقف علي فقال لي: انطلق قلت وأنا آمن؟ قال: نعم، فذهبت معه إلى جميع شيب وشبان فقالوا: إنسي؟ قال: إنسي، قالوا: أنشدنا فأنشدتهم:
ودع هريرة إن الركب مرتحل (١)
فضحكوا وقالوا: شعر سجل، ادعه يا غلام فأقبل شخص كأنه رمح ورأسه مثل قلة، فقالوا: هذا إنسي أنشدنا من شعرك قال جرير: فحدثتهم إلى الصبح وعلموني دواء لا أحد يعرفه إلى اليوم فلما قدمت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته به قال حدث الناس به.
وقد جرى ذكر الجن في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال رجل من بني الحارث: خرجت عاشرة عشرة أريد الشام فتأخرت عن أصحابي حتى اختلط الظلام، فرفعت لي نار فقصدتها، فإذا بخيمة أمامها جارية جميلة فقلت لها ما تصنعين في هذا المكان؟ فقالت: أنا جارية من فزارة اختطفني عفريت وهو يغيب عني بالليل ويأتيني بالنهار، قلت لها: امضي معي، فقالت: إني أخاف على نفسي الهلاك فألححت عليها فأركبتها ناقتي وجعلت أمشي فسرنا حتى طلع القمر فالتفت، فإذا ظليم عظيم عليه راكب، فقالت: ها هو قد أتى فما تريد أصنع فنزلت، وأنخت راحلتي وخططت حولها وقرأت آية من القرآن وتعوذت بالله فتقدم إليّ وأنشد يقول:
يا ذا الذي للحين يدعوه القدر … خل عن الحسناء رسلا ثم سر
إني أمر مالك حين فاصطبر
стр. 316
فأجبته وقلت:
يا ذا الذي للحين يدعوه الحمق … خل عن الحسناء رسلا وانطلق
فلست في الجن بأول من عشق.
فبرز إلي في صورة أسود فتصارعنا فلم يغلب أحد منا صاحبه فقال لي: هل لك في خصال ثلاث؟ قلت: ما هي قال تجز ناصيتي وتعرض عن الجارية، قلت: ناصيتك أهون شيء علي، قال:
فتأخذ ما تشاء من الإبل، قلت: لا أبيع ديني بعرض الدنيا قال: فأخدمك أيام حياتي، قلت: ما لي إلى خدمتك حاجة فأنشد يقول:
بلي جسدي والحب يبلى جديده … ولم يبل مني إذ بلي جسدي وحدي عليك
سلام الله يا دعد (١) ما جرت … رياح الصبا في الغور يوما وفي نجد
فسرت بها إلى أهلها فزوجنيها أهلها ولي منها أولاد.
(وحكى) بعض الرعاة أنه نزل بواد بغنمه فسلب ذئب شاة من غنمه، فقام ورفع صوته ونادى يا عامر الوادي، فسمع صوتا يقول: يا سرحان رد عليه غنمه جاء الذئب بالشاة وتركها وذهب.
فصل: النوع الثالث من الحيوان الدواب
(أرنب) حيوان كثير التوالد يقال له بالفارسية حوز كوش قيل: إنه سنة ذكر وسنة أنثى، وتحيض مثل النساء يديه أقصر من رجليه إذا نام تشخص عيناه وإذا مرض أكل من القصب الأخضر يزول مرضه.
فصل: خواص أجزائه
(دماغه) تأكل المرأة منه وتتحمل ويباشرها زوجها تحبل، وإذا مرج به أسنان الصبي أسرع نباتها بلا وجع، قالوا: يؤخذ من الأرنب مثل السن المتأكلة إن كانت أعلى أو أسفل أو يمينا أو يسارا، يؤخذ من الأرنب مثل ذلك إذا وضعت عليه تنبته بإذن الله تعالى.
(مرارته) إن سقي منها إنسان غلب عليه النوم ولم يزل كذلك حتى يسقى الخل.
стр. 317
(طحاله) يأكله صاحب الشرقة مع السكر النبات تزول شرقته.
(دمه) إذا شربته المرأة لم تحبل أبدا.
(ذكره) في كتاب الخواص: وإذا اكتحل به لا ينبت الشعر في العين، قال ابن سينا: ويطلى به البهق الأسود والكلف فيزول، قال ابن سينا: يطبخ ويقعد في مرقته صاحب النقرس وصاحب وجع المفاصل ينفعه نفعا جيدا.
(أنفحته) تداف في ماء ولبن ويشربه صاحب القولنج يزول وجعه من ساعته، قال بليناس:
أكل أنفحته تنفع القولنج إلا أن أنفحة الأرنب أقوى وإذا شرب بخل نفع من الصرع وهي بالخل ترياق نافع من جميع السموم.
(رجله) تشد على من به وجع المفاصل اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى يزول وجعه.
(فرجها) تأكله المرأة ثم يجامعها زوجها فإنها تحبل.
(كعبه) زعم العرب أنها تنفع من العين والسحر ويشد على المرأة مع زبله لا تحبل، وشعره يبخر به يمنع من وجع الرئة ويجعل شيء منها على الموضع الذي يسيل منه الدم ينقطع.
(أسد) هو أشد السباع قوة وأكثرها جراءة وأعظمها هيبة وأهولها صورة لأنه لا يهاب شيئا من الحيوان، ولا يوجد حيوان له شدة بطشه، زعموا أنه لا يأكل من صيد غيره البتة، وإذا صاد شيئا أكل قلبه وترك الباقي لغيره، ولا يرجع إليه ويحب الغناء وصوت الدف والشبابة، وإذا رأى ضوءا بالليل ذهب إليه ووقف بالبعد منه، وحينئذ يسكن غضبه. وزعموا أنه من ذل له وتواضع ينجو منه، وإذا أكل لحم الفريسة يقصد السلخ ويأكل منه، وإذا مرض أكل قردا يزول مرضه، وقل ما تفارقه الحمى ولذلك يقال للحمى داء الأسد، وإن أصابه نصل وبقي في بدنه يأكل السعد يخرج النصل من بدنه وهذه خاصية في الأسد، وإن أصابه خدش أو جراحة تجتمع عليه الذئاب ولا تنتقل عنه حتى تقتله، ويهرب من الديك الأبيض ومن ضرب الطاس وجميع الحيوانات تهرب من زئيره إلا الحمار فإنه يقف عن السعي، ولا يزأر حالة جوعه حتى لا يهرب الصيد، والنمل يفعل بالأسد ما يفعله البق بالفيل فإنه في عذاب من النمل، وإذا ولدت اللبوة يتعرض لأشبالها فعند الولادة تطلب أرضا ندية لدفع النمل، واللبوة تضعف عند الولادة لأن الولد يخدش رحمها ببراسنه، فالليث يأتي بحرباء لتأكلها فتبرأ من مرضها، وقالوا: ليس في السباع أشد تجرؤا من الأسد، وأنه لا يتعرض للمرأة الطامث.
стр. 318
وحكى القاضي محمد بن سهل الواسطي أنه خرج صناع لقطع القصب من قرنه على نهر جعفر فرأوا شبلا كالسنور فقتله أحدهم، فقال الباقون: الساعة يأتي أبواه يطلبانه ونحن نبيت في الصحراء فلا نأمن، فما كان بأسرع من أن سمعنا زئير الأسد فهربنا ولجأنا إلى بيت خارج الأجمة فصعدنا الغرفة ولها باب فلما رأى الأسد شبله قتيلا جاء على أثرنا فوجدنا مجتمعين في الغرفة فجعل يثب نحو الغرفة حتى يصعد، فلم يقدر فصعد أكمة هناك وصاح صيحة شديدة فأتى بضعة عشر سبعا فلما جاءوا الغرفة فلم يقدروا ونحن كالموتى، فاجتمعت السباع كالحلقة وصاح صيحة هائلة فما كان إلا ساعة حتى جاء سبع أسود هزيل متجرد الشعر طويل فتلقته السباع، ووقفت بين يديه فجاء نحو الغرفة والسباع حوله فوثب حتى صعد إلى باب الغرفة ونحن قد أغلقناه وقعدنا خلفه فلم يزل يدفع الباب بمؤخره حتى كسر منه لوحين فدخل عجزه ألينا فعمد أحدنا إلى ذنبه وجذبناه إلى داخل وقطعناه بمنجل فصاح صيحة عظيمة منكرة ورمى نفسه إلى الأرض، فلم يزل يخدش السباع وينهشها حتى قتل غير واحد منها، وهربت السباع من بين يديه، وهام هو في الصحراء يتبعها، فنزلنا ولحقنا بالقرية وأخبرنا أهلها بما رأينا، فقال شيخ كبير:
إنه كالجراد العتيق إذا قطع ذنبه أكله الفأر، والله أعلم.
فصل في خواص أجزائه
(سنه) من استصحبه أمن من وجع السن، ويعلق على الصبي تنبت أسنانه بسهولة.
(مرارته) تسقى الإنسان يبقى جريئا جسورا شجاعا مقداما، ويزول عنه الصرع وداء الثعلب، والاكتحال به يمنع سيلان الدم، وتطلى به الخنازير يستأصلها.
(شحمه) يطلى به البواسير والأورام والحارة ينفعها، ويطلى به الوجه والبدن لا يقربه شيء من السباع وإن ترك في بيت يهرب منه الفأر والعقرب، ولو ألقي فقي ظرف ماء لا يشربه شيء من الدواب، والشحم الذي بين عينيه يذاب ويمسح به الرجل وجهه يهابه كل من يراه.
(لحمه) ينفع الفالج والاسترخاء.
(دمه) إذا طلي به السرطان يزيله وكذا جميع أنواع السباع وإذا مزج بالحتليت (١) وطلي به البرص مرارا أزاله.
стр. 319
(خصيته) تولد العقر في الرجال ومن أكلته لم تحبل.
(برثنه) يأخذه الإنسان معه لا يقربه شيء من السباع وإذا طرح في الماء وشربته الدواب أو النعم أصابها هزال ولم تسمن بعده البتة.
(جلده) ينام عليه صاحب الحمى الربع يوم نوبته وغطى بالثياب حتى يعرق تزول عنه وإذا داوم عليه الجلوس يذهب البواسير ويذهب أيضا الخوف من الخائف ولو اتخذ من جلده طبل أي فرس سمع صوته فزع، وجلد جبهته يشد على الجبهة تحت العمامة يبقي صاحب هيبة وافرة عند الملوك، وإذا أدرج جلده في جلد سائر الدواب تساقط وبرها، وإذا أحرق شعره في موضع تهرب منه سائر السباع، ومن به حب القرع يخلط رماد هذا الشعر بدهن الشمع ويحمله تزول عنه ذلك.
(شعره) يجعل منه في النبيذ قليل ويسقى الإنسان فإنه يبغضه ولا يعود إلى شربها بعد ذلك.
(ببر) حيوان هندي أقوى من الأسد، بينه وبين الأسد معاداة وإذا قصد الببر النمر فالأسد يعاون النمر وبين العقرب والببر مصادقة، وربما تتخذ العقرب في شعر الببر بيتا. وقال الجاحظ إذا رمى الببر استكلب فعند ذلك تخافه جميع السباع، وإذا مرض الببر يأكل كلبا يزول مرضه، وإذا هرم لا يتعرض للناس بخلاف الذئب، وإذا وضعت ببرة ولدها يأكله الضب.
فصل في خواص أجزائه
من به برسام يطلى رأسه بمرارة الببر مضروبة بالماء تنفعه نفعا بينا، وإذا احتملت المرأة منه لا تلد أبدا، وإن كانت حاملا تسقط الجنين.
(كعبه) يشد على البريد لا يتعب من السير، ولو سار كل يوم عشرين فرسخا. (جلده) يجلس عليه من به حب القرع يزول عنه، ويدخن به تحت ذيل من به حمى الغب تزول حمّاه، ويتولد النمل من رائحة دخانه.
(جلده، وشعره) يدخن به تهرب منه جميع الهوام إلا النمل؛ فإنها تجتمع بدخانه.
(ثعلب) حيوان كثير الحيل عجيب الروغان والعطفات والمكر والالتفات، يتخذ لو كره أبوابا؛ حتى لو سد عليه باب يخرج من الآخر.
стр. 320
(شعره) يتساقط كل سنة؛ لذلك سمى تساقط شعر الإنسان داء الثعلب، ويجعل العنصل حول بيته حتى لا يقصده الذئب؛ فإن الذئب إذا وقعت رجله على العنصل يموت، وينام في وجاره بطمأنينة، وإذا جاع يرمي نفسه في الصحراء متماوتا، ويمد يديه ورجليه ويركز بطنه وينفخه؛ حتى يحسبه الطير أنه ميت فيجتمع عليه الطير؛ ليأكله فيصيد منها ما شاء.
(وحكي) بعضهم قال: مررت على ثعلب فوجدته قد ركز بدنه فظننت أنه مات منذ أيام فتركته، فلما أحس بالكلاب علم أن حيلته لا تخفى على الكلاب فوثب وولى هاربا، وصار في شجرة. وإذا نزلت عليه الجوارح تضرب بجناحها حتى يدركه الكلب يستلقي ويخدش الجارحة خدشا لا تقربه بعد ذلك، وله حيلة في قتل القنفذ؛ وذلك أنه إذا لقي القنفذ استدار القنفذ وأمكنه من شوكه، فيبول الثعلب عليه، فإذا فعل ذلك اعتراه الانسياب فانبسط وتمدد، فيقبض على مراق بطنه ويأكله، وإذا مرض أكل البصل البري يبرأ، وإذا تولدت القمل فيه وتأذى منه أخذ بفيه ليفة أو صوفة ويقف في الماء ثم ينزل قليلا قليلا حتى يجتمع القمل في تلك الليفة أو الصوفة، ثم يخليها ويغوص في الماء ويسبح ويستريح.
فصل: في خواص أجزائه
(رأسه) إذا ترك في برج الحمام يهرب عنها.
(نابه) يشد على الصبي الذي به ريح الصبيان يذهب عنه، ويزول عنه فزع النوم وتحسن أخلاقه، ونابه اليسرى يعلق على من تألم من نابه اليسرى، واليمنى على اليمنى يزول ألمها.
(مرارته) تنفخ في أنف المصروع لا يصرع في ذلك الشهر، ويكتحل بها من نزول الماء.
(لحمه) ينفع من اللقوة والجذام والفالج إذا داوم على أكله.
(شحمه) يذاب ويطلى به رجل المنقرس يزول وجعه في الحال، ويطلى به خشب الرمان ويفرش في البيت تجتمع عليه البراغيث.
(خصيته) تشد على الصبي ينبت سنه بسهولة.
(قضيبه) يشد على من به صداع يزول عنه.
(جلده) من أحسن الفراء ليس في الوبر أكثر وفاء منه.
قال ابن سينا: إنه أنفع شيء للمبطونين.