← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30006

عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات

زكريا القزويني

Полный текст (398 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جحفلته خلف الأربعة التي على قطعة الفرس يسمى فم الفرس، والعرب تسمي الأربعة النيرة التي على المربع أحدهما عند منتهى العنق متن الفرس، ومنكب الفرس، وجناح الفرس، والمنكب المشترك الدلو، وتسمي الاثنين المتقدمين عليها العرقوة، والاثنين اللذين في البدن النعائم، والكرب أيضا شبهته العرب بمجموع العرقوتين في الوسط في رأس الدلو حيث يشد فيه الحبل، وذلك الموضع من الدلو يسمى الكرب، وتسمي الاثنين اللذين على الرأي سعد البهائم، والاثنين اللذين على العنق سعد الهمام، والاثنين المتقاربين اللذين في الصدر سعد البارع، والاثنين الذين على الركبة اليمنى سعد المطر. (كوكبة المرأة المسلسلة) كواكبها ثلاثة وعشرون من الصورة سوى النير الذي على الرأس فإنه على سرة الفرس، وسميت هذه المرأة مسلسلة؛ لامتداد إحدى يديها وهي اليمنى نحو الشمال والأخرى نحو الجنوب، ولاجتماع الكواكب بين رجليها شبهوها بمن سلسل، ويسمى الكوكب النير الذي فوق مئزرها بطن الحوت. (كوكبة الفرس التام) هي أحد وثلاثون كوكبا وهي فرس آخر أحسن شبها بالفرس من الأول وبعض الفرس الأول داخل فيه، ومن السطر الذي من الكوكب على وجهه ورأسه تولدت صورة الرأس، وتمر على عرفه على تقويس فيفصل بكوكب على متنه وهو من كواكب الفرس الأعظم الذي على طرف اليد اليسرى للفرس الأعظم، ثم على كوكبين أحدهما في وسط ذنبه، والآخر على طرف الذنب، ويخرج من الجحفلة سطر يمر على الغلصمة والنحر، وبه تتم صورة العنق والصدر. (كوكبة المثلث) كواكبها أربعة بين الشطرين وبين النير الذي على الرجل اليسرى من صورة المرأة وهي على شكل مثلث فيه طول أحدها على رأس المثلث، ويسمى هذا الاسم وثلاثة على قاعدتها. فصل: في البروج الاثني عشر هذه صورة قريبة من الدائرة التي تمر على أوساط البروج في المائل عن طريقة الكواكب السيارة وهي التي سميت البروج الاثنا عشر بأسمائها كل اسم باسم الصور التي كان فيه، فلنذكر كوكبة كل صورة وعدد كواكبها وموقعها من الصورة وألقاب بعضها على رأي المنجمين العرب، ولنبدأ بالصورة التي في الوجه الأول منها:

стр. 37

(كوكبة صورة الحمل) كواكبه ثلاثة عشر في الصورة، وخمسة خارجها مقدمة إلى جهة المغرب، ومؤخرة إلى المشرق، ووجهه على ظهره، والنيران اللذان على القرن يسميان الشرطين، والنير الخارج عن الصورة يسمى النطح، واللذان على الألية مع الذي على الفخذ وهو على مثلث متساوي الأضلاع تسمى البطين، والعرب جعلت بطن الحمل منزلا للقمر كبطن السمكة وسمته البطين. (كوكبة الثور) صورته صورة ثور مؤخره إلى المغرب، ومقدمه إلى المشرق، وليس له كف ولا رجلان تلفت رأسه إلى جنبه وقرناه إلى ناحية المشرق وكواكبه اليمنى من ممسك الأعنة مشترك بينهما، والخارج عن الصورة أحد عشر كوكبا، وعلى موضع القطع منه أربعة مصطفة، والنير الأحمر العظيم الذي على عينه الجنوبية يسمى الدبران، وعين الثورة أيضا، وتالي النجم، وحادي النجم، والفنيق، والعرب تسمي الكواكب التي على كاهل الثور الثريا وهما كوكبان نيران في خلالهما ثلاثة كواكب صارت مجتمعة متقاربة كعنقود العنب، ولذلك جعلوها بمنزلة كوكب واحد وسموا النجم، وزعموا أن في ذلك المطر عند نوثها الثروة، وتسمي الاثنين المتقاربين على الأذنين الكلبين، ويزعمون أنهما كلبا الدبران، والعرب تتشاءم بالدبران، وتقول: أشأم من حادي النجم، ويزعمون أنهم لا يمطرون بنوء الدبران إلا وسنتهم مجدبة. (كوكبة التوءمين) كواكبها ثمانية عشر في الصورة، وسبعة خارجها وهي صورة إنسانين رأسهما في الشمال الشرقي، وأرجلهما إلى الجنوب والمغرب وقد اختلطت كواكب أحدهما بكواكب الآخر، والعرب تسمي الاثنين النيرين اللذين على رأسهما الذراع المبسوطة، واللذين على ثدي التوءم الثاني الهقعة واللذين على قدم التوءم المتقدم وقدام قدمه البخاتي. (كوكبة السرطان) كواكبه تسعة من الصورة، وأربعة خارجها، والعرب تسمي الكواكب النيرة منها النثرة، وفي المجسطي ذكر النثرة باسم المعلف، واسم الكوكبين التاليين للننره الحمارين، والكوكب النير الذي على الرجل المؤخرة الجنوبي الطرف. (كوكبة الأسد) كواكبه سبعة وعشرون في الصورة، وثمانية خارجها، والعرب تسمي الكوكب الذي على وجهه مع الخارج عن الصورة سرطان الطرف وتسمي الأربعة التي في الرقبة والقلب الجبهة، وتسمي التي على البطن وعلى الحرقفة (١) الزبرة (٢) والذي على مؤخر

стр. 38

الذنب قلب الأسد وتسميه أيضا الصرفة؛ لانصراف البرد عند سقوطه بالمغرب بالغدوات، وانصراف الحر عند طلوعه من تحت شعاع الشمس بالغدوات. (كوكبة العذراء) وهي ستة وعشرون في الصورة، وستة خارجها وهي صورة امرأة رأسها على جنوب الصرفة، وقدماها الزبانان اللذان على كفتي الميزان، والعرب تسمي التي على طرف منكبها الأيمن العواء وهو المنزل الثالث عشر من منازل القمر، وزعم بعضهم أن الكواكب التي على بطنها، وتحت إبطها كأنها كلاب تعوي خلف الأسد وتسمى عواء البرد أيضا؛ لأنها إذا طلعت أو سقطت جاءت ببرد والكوكب النير الذي بقرب يدها التي فيها السلسلة السماك الأعزل سمّى أعزل؛ لأنه بإزائه السماك الرامح، ويسمى أعزل؛ لأنه لا سلاح معه والمنجمون يقولون لهذا الكوكب: السنبلة، ويسمى أيضا ساق الأسد والذي على قدمه اليسرى الغفر، وإنما سمي بالغفر؛ لنقصان ضوء كواكبه كأنه سترها. (كوكبة الميزان) ثمانية كواكب في الصورة بين كوكبة العذارء وكوكبة العقرب، وتسعة خارجها، وليس فيها شيء من الكواكب المشهورة. (كوكبة العقرب) أحد وعشرون كوكبا من الصورة، وثلاثة خارجها وهي صورة مشهورة، والعرب تسمي الثلاثة التي على الجبهة الإكليل، وتسمي النير الأحمر الذي على البدن قلب العرب، وتسمي الذي قدام القلب والذي خلفه النياط، وتسمي الذي في الخزوات الفقرات، وتسمي الاثنين اللذين على طرف الذنب الشولة. (كوكبة الرمي) وهي القوس أحد وثلاثون كوكبا في الصورة، وليس حواليه شيء من الكواكب المرصودة، والعرب تسمي الأول الذي على النصل، والذي على مقبض القوس، والذي على الطرف الجنوبي من القوس، والذي على طرف اليد اليمنى من الدابة النعام الواردة؛ لأن المجرة شبهت بنهر، والنعام قد وردت النهر، وتسمي الذي على المنكب الأيسر والذي فوق السهم والذي على الكتف الأيسر، والذي تحت الإبط وهو بعيد عن المجرة إلى ناحية المشرق

стр. 39

النعام الصادرة شبهتها بنعام شرب الماء، وصدر عن النهر، وتسمي اللذين على الستة الشمالية من القوس الظليمين، واللذين على الفخذ اليسرى والساق الصردين (١). (كوكبة الجدي) كواكبه ثمانية وعشرون كوكبا في الصورة، وليس حوالي الصورة شيء من الكواكب المرصودة، والعرب تسمي الاثنين اللذين على القرن الثاني سعد الذابح سمي ذابحا للصغير الملاصق له، قيل: الصغير شأنه الذي يذبحه، وتسمي الاثنين النيرين اللذين على الذنب المحبين. (كوكبة ساكب الماء وهو الدلو) كواكبه اثنان وأربعون كوكبا في الصورة، وثلاثة خارجها، والعرب تسمي اللذين على منكبه الأيمن سعد الملك، واللذين على منكبه الأيسر مع الذي على ذنب الجدي سعد السعود، والثلاثة التي على يده اليسرى سعد بلع، وإنما سميت بهذا الاسم؛ لأن البعد بين هذين الاثنين أوسع من البعد بني الذابح، فشبهتها بفهم مفتوح؛ ليبلع، وتسمي الذي على ساعده مع الثلاثة التي على يده اليمنى سعد الأخبية، وإنما سمي بذلك؛ لأنه إذا طلع اختبأت الهوام تحت الأرض من البرد، وتسمي النير الذي على فم الحوت الجنوبي الضفدع الأول. (كوكبة السمكة وهو الحوت) وكواكبها أربعة وثلاثون في الصورة، وأربعة خارجة، وهما سمكتان: إحداهما السمكة المتقدمة، وهي التي على ظهر الفرس الأعظم في الجنوب، والأخرى على جنوب كوكبة المرأة المسلسلة، وبينهما خيط من كواكب يصل بينهما على تعريج. فصل: في الصورة الجنوبية هي الكواكب التي في النصف الجنوبي من الكرة وهي خمس عشرة صورة، نذكر مواضع كواكبها من الصورة إن شاء الله تعالى، ومواضع صورها وأسمائها على مذهب العرب والمنجمين على ما رسمنا فيما تقدم. (كوكبة قيطس) هي صورة حيوان بحري مقدمه في ناحية المشرق على جنوب كوكبة الحمل، ومؤخره في ناحية المغرب خلف الثلاثة الخارجة عن صورة ساكب الماء وكواكبه اثنان

стр. 40

وعشرون، والعرب تسمي الكواكب التي في الرأس الكف الجذماء؛ لأن امتداده دون امتداد الكف الخضيب، وتسمي الخمسة التي على يديه النعامات، والكواكب التي على أصل الذئب تسمى النظام، والتي على الشعبة الجنوبية من الذنب تسمى الضفدع الثاني، والأول مذكور في الدلو. (كوكبة الجبار) كواكبه ثمانية وثلاثون كوكبا في الصورة وهو صورة رجل قائم في ناحية الجنوب على طريقة الشمس بيده عصا، وعلى وسطه سيف، والعرب تسمي الكواكب الثلاثة التي على الوجه الهنعة، والنير الأعظم الذي على منكبه اليمنى منكب الجوزاء، ويد الجوزاء أيضا، والكوكب النير الذي على المنكب اليسرى الناجذ، والمرزم أيضا، والثلاثة المصطفة التي على وسطه منطقة الجوزاء، والثلاثة المنحدرة المتقاربة سيف الجبار، والنير الأعظم الذي على قدمه اليسرى رجل الجبار، وتسمي التسعة المقوسة التي على الكم تاج الجوزاء. (كوكبة النهر) كواكبه أربعة وثلاثون في الصورة، وليس حواليه شيء من الكواكب المرصودة يبتدئ من عند النير الذي على قدم الجوزاء فيمر في المغرب على تعريج إلى قرب الأربعة التي على صور قيطس، ثم يمر في الجنوب على ثلاثة كواكب، ثم ينعطف إلى المشرق فيمر على ثلاثة كواكب أيضا، ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر على ثلاثة كواكب مجتمعة، ثم ينقطع فيمر في الجنوب على كوكبين متقاربين، ثم ينعطف إلى المغرب، فيمر على كوكبين متقاربين أيضا، ثم على ثلاثة كواكب متقاربة، ثم ينتهي إلى كوكب نير على آخر النهر، والعرب تسمي الأول والثاني والثالث من كوكبة الكرسي الجوزاء، وتسمي الأربعة التي في وسط النهر من الخمسة التي في جانبه الآخر أدحى النعام وهو عشه، والتي حوالي هؤلاء الكواكب تسمى البيض، والنير الذي على آخر النهر يسمى الظليم، وبين هذا الظليم والظليم الذي على فم الحوت كواكب كثيرة تسمى الرئال وهي فراخ النعام. (كوكبة الأرنب) هي اثنا عشر كوكبا في الصورة، وليس حواليه شيء من الكواكب المرصودة وهي تحت رجل الجبار، وجهه إلى المغرب، ومؤخره إلى المشرق، والعرب تسمي الأربعة التي اثنان منها على يديه، واثنان على رجليه كرسي الجوزاء، وعرش الجوزاء أيضا. (كوكبة الكلب الأحمر) كواكبه ثمانية عشر في الصورة، وأحد عشر خارجها وهي صورة كلب خلف كوكبة الجوزاء، ولذلك سمي كلبا، والعرب تسمي النير الأعظم الذي على موضع الفم الشعري العبور، وكان قوم في الجاهلية يعبدونه؛ لأنه يقطع السماء عرضا دون غيره من

стр. 41

الكواكب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] (١)، وسمي عبورا؛ لأنه عبر المجرة إلى سهيل، وتسمى اليمانية؛ لأن مغيبها في شق اليمن، وتسمى بالأربعة البيت منها على كتفه وعلى ذنبه ما بينهما وعلى فخذه العذارى، والأربعة المصطفة التي على الاستقامة خارج الصورة تسمى القرود، والنيران من خارج الصورة حضار الوزن، ومن العرب من يسميها مختلفين؛ لأنهما يطلعان قبل سهيل فيظن أحدهما سهيلا فيخلف عليه، والآخر يعلم أنه غير سهيل فيخلف له. (كوكبة الكلب المتقدم) وهما كوكبان بين النيرين اللذين على رأس التوءمين، وبين النيرين الذي على فم الكلب الأكبر يتأخر عنهما إلى المشرق، وأحدهما أنور وتسميه العرب الشعري الشامية؛ لأنها تغيب في شق الشام، وتسميه الشعرى الغميضاء؛ لأنه عندهم أحب سهيلا، وقد عبرت اليمانية المجرة إلى ناحية سهيل وبقيت هذه في الشمال الشرقية فبكت على سهيل وغمضت عيناها، وتسمي الاثنين أيضا ذراع الأسد المقبوض، وسميت مقبوضة؛ لتأخرها عن الذراع الأخرى، وهما النيران اللذان على رأس التوءمين. (كوكبة السفينة) كواكبها خمسة وأربعون كوكبا من الصورة، وليس حواليها شيء من الكواكب المرصودة، وذكر بطليموس أن النير العظيم الذي على المجداف الجنوبي هو سهيل وهو أبعد كوكب عن السفينة في الجنوب يرسم على الإسطرلاب، وأما العرب فالروايات عنها في سهيل وفي كواكب السفينة مختلفة الرأي، بعضهم أن النير الذي على طرف المجداف الثاني يسمى سهيلا على الإطلاق. فصل: في فوائد القطب الجنوبي أما القطب الجنوبي فإنه في مقابلة القطب الشمالي، وإنه خارج عن كواكب السفينة بقرب نير المجداف، وتدور حوله كواكبه أسفل سهيل، وزعموا أن لهذا القطب فوائد: (منها) أن كل حيوان أنثى إذا تعسرت ولادتها تنظر إلى القطب، وإلى سهيل تضع في الحال. (ومنها) أن من انقطعت عنه شهوة الباه (٢) من غير شرب دواء يداوم النظر إلى القطب الجنوبي في ليال متوالية ترجع إليه شهوته.

стр. 42

(ومنها) أن صابح الثآليل (١) إذا أخذ بعدد كل ثؤلؤل ورقة من شجرة الغرب، ويومئ إلى سهيل، وإلى القطب ويقول: هذا لقلع الثآليل حتى يقول اثنين وأربعين مرة إما في ليلة واحدة أو في ليال، ثم يدق الورق في هاون اسفيدوز، ويجعله على الثآليل فإنها تجف وتنفرك، وزعموا أنها من الخواص العجيبة المجربة. (ومنها) أن صاحب الماليخوليا (٢) إذا أدام النظر إلى القطب وسهيل مرة بعد أخرى، أو في ليلة مرات يزول عنه ذلك، وزعموا أنهم جربوه فوجدوه صحيحا، (ومنها) أن النظر إلى هذا القطب وسهيل يحدث للإنسان طربا وسرورا؛ ولهذا صنف من الزنج مخصوصون بمزيد من الطرب؛ لأنهم متقاربون من مدار القطب وسهيل. (ومنها) أن صاحب الظفرة في العين إذا أدام النظر إلى القطب وسهيل تزول ظفرته، وذلك بأن يديم النظر إلى القطب وسهيل، ويحدق النظر إليهما، ويكون النظر متواليا، أوله ليلة الثلاثاء ولا يقطعه إلى أن تزول الظفرة فإنها تذهب إلى تمام اثنتين وأربعين، أو تسع وأربعين. (كوكبة الشجاع) كواكبه خمسة وعشرون كوكبا في الصورة، واثنان خارجها رأسه على زباني الجنوبي من صورة السرطان وهي بين الشعرى الغميضاء، وقلب الأسد يميل عنهما إلى الجنوب ميلا يسيرا، ثم ينعطف إلى كوكب نير على آخر عقدته منشأة الظهر فوقه أربع كواكب على شمال النير، والعرب تسمي الذي على آخر العنق الفرد؛ لانفراده عن أشباهه وأما سائر كواكب الشجاعة فعن العرب فيها روايات كثيرة لا طائل تحتها. (كوكبة البلطية) هي سبع كواكب على شكل كوكبة الشجاع والعرب تسمي هذه الكواكب الملتف. (كوكبة الغراب) هي سبع كواكب خلف البلطية على جنوب السماك الأعزل، والعرب تسمي هذه الكواكب عجز الأسد، وتسميها أيضا عرش السماك الأعزل وتسميها أيضا الأحمال. (كوكبة قطورش) هي سبعة وثلاثون كوكبا، وصورته صورة حيوان، ومقدمه مقدم إنسان من رأسه إلى آخر ظهره، ومؤخره فرس من منشأ ظهره إلى ذنبه، وجهه إلى المشرق، ومؤخر ذنبه

стр. 43

إلى المغرب وبيده شمراخان وقد قبض بيده اليمنى كوكب حضار، وعلى يده الأخرى الوزن، وهما اللذان يسميان المخلفين كما ذكرنا قبل. (كوكبة السبع) وهي تسعة عشر كوكبا من الصورة خلف كوكبة قيطورش، وبعضها مختلط بكوكبة قيطورش وقد قبض قيطورش على يده، والعرب تسمي كوكبة قيطورش والسبع الشماريخ الجملة؛ لكثرتها وكثافة جميعها، وليس حولها شيء من الكواكب المرصودة. (كوكبة المجرة) كواكبها سبعة في الصورة، ولم يقع عن العرب شيء في هذه الكواكب. (كوكبة الإكليل الجنوبي) وهي ثلاثة عشر كوكبا في الصورة قدام الاثنين اللذين على عرقوب الرامي، فمن العرب من يسمي هذه الكواكب القبة؛ لاستدارتها، ومنهم من يسميها أدحى النعام وهو عشه؛ لأنها على جنوب النعامين الصادر والوارد اللذين قد مضى ذكرهما. (كوكبة الحوت الجنوبي) وهي أحد عشر كوكبا في الصورة على جنوبي كواكب الدالي رأسه إلى المشرق، وذنبه إلى المغرب، ويسمى النير الذي على فمه فم الحوت. تمت الكواكب الثابتة وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. فصل: في منازل القمر وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة بواحدة منها من مستهله إلى ثمان وعشرين ليلة من الشهر، ثم يستسر، واستسراره محاقه حتى لا يرى منه شيء، فإن كان الشهر تسعا وعشرين استسر ليلة ثمان وعشرين (١)، وإن كان ثلاثين استسر ليلة تسع وعشرين، وهو في السرار يقطع منزله، فهذه المنازل الثمانية والعشرون يبدو منها أبدا أربعة عشر بالليل فوق الأرض وأربعة عشر تحت الأرض وكلما غاب منها واحد طلع رقيبه، والعرب تسمي أربعة عشر من هذه بالنازل شامية، وأربعة عشر يمانية، فأول الشامية الشرطين، وآخرهما السماك الأعزل، وأول اليمانية الغفر، وآخرها الرشا، والعرب تسمي سقوط النجم في الغرب وطلوع مقابله مع الفجر نوءا، وسقوط كل نجم منها على ثلاثة عشر يوما خلا الجبهة فإن لها أربعة شعر يوما فيكون انقضاء سقوط الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى الأول في ابتداء السنة

стр. 44

المستقبلة، وما كان في هذه الثلاثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حر أو برد فهو من نتوء ذلك النجم الساقط عند الحكماء، ولهم أقوال طويلة في أحكام نزول النيرين. فأول هذه المنازل: (الشرطين) يقال لهما: قرنا الحمل، ويسميان الناطح وبينهما في رأي العين قاب قوسين، وإذا حلت الشمس بها اعتدل الزمان واستوى الليل والنهار، وطلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نسيان، وسقوطهما لثماني عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، وحلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من أدار، وكلما نزلت الشمس الشرطين فقد مضت سنة، وإنما سميا شرطين؛ لأنهما علامة دخول أول السنة وفي نوء الشرطين يطيب الرمان وتكثر المياه وتنعقد الثمار ويحصد الشعير ورقيب الشرطين الغفر. (البطين) يقال له: بطن الحمل وهي ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافي، وهذه صورتها، وهو بين الشرطين والثرياء وطلوعه لليلة تبقى من نيسان، وسقوطه لليلة تبقى من تشرين الأول، وعند سقوطه يرتج البحر فلا تجري فيه جارية، ويذهب الحداء والرخم والخطاطيف إلى الغور، ويستكن النمل، وتقول العرب: إذا طلع البطين فقد اقتضى الدين، وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون: ما أوتي البطين والدبران أو أحدهما، وكان لنوئه مطر إلا كاد أن يكون ذلك العام جديبا، وقالوا: إنه أشر الأنواء وأقلها مطرا وفي نوئه يجف العشب، ويتم حصاد الشعير، ويأتي أول حصاد الحنطة، ورقيب البطين الزبانا. (الثريا) ويقال له: النجم وهو أشهر هذه المنازل وهي ستة أنجم وهي هذه: وفي خلالها نجوم كثيرة خفية، والعرب تقول: إن طلع النجم غدية ابتغى الراعي كسية، وطلوعها لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، وسقوطها لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر، والثريا تظهر في المشرق عند ابتداء البرد ثم ترتفع في كل ليلة حتى تتوسط مع غروب الشمس، وفي ذلك الوقت أشد ما يكون البرد، ثم تنحدر عن وسط السماء؛ فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب إلى أن يهل الهلال معها، ثم تمكث يسيرا وتغيب نيفا وخمسين ليلة، وهذا المغيب هو استسرارها ثم تبدو بالغداة من المشرق في قوة بالحر، وقال النبي ﷺ : «إذا طلع النجم لم يبق من العاهة شيء» أراد عاهات الثمار؛ لأنها تطلع بها بالحجاز وقد أزهر البسر. وأما نوؤها فمحمود، وهو خير نجوم الوسمي؛ لأن مطره في الوقت الذي فقدت الأرض فيه الماء، فإذا طلعت الثريا ارتج البحر واختلفت الرياح وسلط الله الجن على المياه، وقال ﷺ : «من ركب البحر بعد طلوع الثريا فقد برئت منه الذمة»، وفي نوء الثريا تتحرك

стр. 45

الرياح ويشتد الحر ويدرك التفاح والمشمش ويجف العشب، وفي آخره يمتد النيل ويكثر اللبن، ورقيب الثريا الإكليل. (الدبران) وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا، ويسمى تابع النجم، وسمي دبرانا لاستدباره الثريا، وهذه صورته: ونوؤه غير محمود، والعرب تتشاءم به، وطلوعه لست وعشرين ليلة من أيار، وسقوطه لست وعشرين ليلة من تشرين الأول، قال الساجع: إذا طلع الدبران يبست الغدران، وفي نوئه يشتد الحر، وهو أول البوارح وتهب السمائم (١) وسود العنب، ورقيب الدبران القلب. (الهقعة) هي رأس بالجوزاء، وهي ثلاثة كواكب صغار تشبه الأثافي، وهذه صورتها وإنما سميت هقعة تشبيها بعرض الفرس الذي يقال له: الهقعة، وتطلع لتسع خلون من حزيران، وتسقط لتسع خلون من كانون الأول، ونوؤها لا يكادون يذكرونه إلا بنوء الجوزاء، والعرب تقول: إذا طلعت الهقعة رجع الناس عن النجعة، وفي نوئها يدرك البطيخ وسائر الفواكه ويشتد الحر ويكثر هبوب السمائم، ورقيب الهقعة الشولة. (الهنعة) هي كوكبان أبيضان بينهما قيد سوط في المجرة، وهذه صورتها: ٥٥ يقال لأحد الكوكبين: الزر، والآخر: لنيسان وثلاثة تحيط بهما فمجموعهما خمسة؛ أربعة متتابعة إلى جانب، وواحد في جهة العرض على هيئة الألف الكوفي، وطلوع الهنعة لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول، ونوؤها من أنواء الجوزاء، وتقول العرب: إذا طلعت الجوزاء كسب الصبا، وفي نوئها انتهاء شدة الحر وإدراك الرطب والتين وتغير المياه، ورقيب الهنعة النعائم. (الذراع) هو ذراع الأسد المقبوضة، وللأسد ذراعان: مقبوضة ومبسوطة، فالمبسوطة تلي اليمن، والمقبوضة تلي الشام، وطلوعها لأربع تخلو من تموز، وسقوطها لأربع تخلو من كانون الآخر، ونوؤها محمود قل ما يخلف، وزعمت العرب أنه إذا لم يكن في السنة مطر لم يخلف الذراع، والعرب قد تقول: إذا طلع الذراع ترقرق الشراب في كل قاع، وفي نوئها تشتد بوارح الصيف حرّا وسموما، وفيه يدرك الرمان ويحمر البسر (٢) ويقطع القصب النبطي، ورقيب الذراع البلدة.

стр. 46

(النثرة) هي ثلاثة كواكب متقاربة، وهي أنف الأسد، وطلوعها لسبع عشرة ليلة من تموز، وتسقط لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، وتقول العرب: إذا طلعت النثرة قنأت البسرة؛ أي: اشتدت حمرتها، وعند سقوط النثرة يجري الماء في العود ويصلح تحويل الفسيل، وفي نوئها غاية شدة الحر، وفيه سموم حارة حتى قيل: إن نوءها كل يوم تظهر آفة تفسد شيئا من الزرع والثمار، ورقيب النثرة سعد الذابح. (الطرفة) هو طرف الأسد، وهما كوكبان صغيران مثل الفرقدين (١) وطلوعه لليلة تخلو من آب، وسقوطه لليلة تبقى من كانون الثاني، وتقول العرب: إذا طلعت الطرفة كثرت الطرفة، وعند ذلك قطاف أهل مصر، وفي نوئه بوارح وسموم، وفيه يؤكل الرطب ويقطف العنب، ورقيب الطرف سعد بلع. (الجبهة) هي جبهة الأسد، وهي أربعة كواكب فيها عوج بين كل كوكبين في رأي العين قيد سوط، وهي معترضة من الجنوب إلى الشمال، والجنوبي منها يسميه المنجمون قلب الأسد، وطلوعها لأربع عشرة ليلة تمضي من آب من مطلع سهيل، وسقوطه لاثنتي عشرة ليلة تخلو من شباط، عند سقوطها ينكسر حد الشتاء وتوجد الكمأة ويورق الشجر وتهب الرياح اللواقح، وتقول العرب: لولا طلوع الجبهة ما كان للعرب رفعة، ونوؤها محمود، يقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة ماء إلا امتلأ عشبا، وسهيل يطلع بالحجاز مع طلوع الجبهة، ومع طلوعها يصير البسر رطبا، وفي نوئها ينكسر البرد ويكثر الرطب ويسقط الطل، ورقيب الجبهة سعد السعود. (الزبرة) هي زبرة الأسد؛ أي: كاهله، وهي كوكبان نيران بينهما قيد سوط، والزبرة شعر الأسد الذي ينزل عند الغضب، وأحدهما أنور من الآخر، وفيهما قليل عوج، وطلوعهما لأربع ليال تخلو من آب، وسقوطهما لخمس ليال تخلو من شباط، ويكون في نوئها مطر شديد، فإن أخلف قصر، وعند طلوع الزبرة يرى سهيل بالعراق، ويبرد الليل مع السموم بالنهار، ورقيب الزبرة سعد الأخبية. (الصرفة) هي كوكب واحد على أثر الزبرة أزهر مضيء جدا، عنده كواكب صغار طمس، ويزعمون أنه قلب الأسد، وسميت صرفة لانصراف الحر والبرد عند طلوعها وسقوطها، وطلوعها لتسع ليال تخلو من أيلول، وسقوطها لتسع ليال تخلو من آذار، ومع طلوعها يزيد النيل

стр. 47

وأيام العجوز في نوئها، وزعموا أن الصبي إذا فطم بنوء الصرفة لم يكد يطلب اللبن، وفي نوئها مطر ورياح وبرد بالليل، ويأتي المطر الموسمي، ورقيب الصرفة فرع الدلو المقدم. (العواء) هي أربعة أنجم على أثر الصرفة تشبه الهاء المردودة الأسفل بالخط الكوفي، والعرب شبهوها بكلاب تتبع الأسد، وقال قوم: هي وركا الأسد، وطلوعها لاثنتي عشرة ليلة تخلو من أيلول، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من آذار، ونوؤها يسير، والعرب تقول: إذا طلعت العوا طاب الهوا، وفي نوئها يستوي الليل والنهار، ويأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان، وهو ابتداء الخريف، ورقيب العواء بفرع الدلو المؤخر. (السماك) هو السماك الأعزل، وأما السماك الرامح فلا ينزله القمر، وهو كوكب أزهر، وإنما سمي أعزل؛ لأن الرامح عنده كوكب يقال له: راية السماك، وأما الأعزل فلا شيء عنده، والأعزل هو الذي لا سلاح معه، والعرب يجعلون السماكين ساقا الأسد، وطلوع السماك الأعزل لخمس ليال مضين من تشرين الأول، وسقوطه لأربع ليال تخلو من نيسان، ونوؤه غزير قلما يخلف مطره إلا أنه مذموم؛ لأنه ينبت البسر، وهو نبت إذا بلعته الإبل مرضت، والعرب تقول: إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، وفي نوئه صرام النخل وقطع العنب، ويأتي المطر الولي، ورقيب السماك بطن الحوت، وهذه آخر المنازل الشامية. (وأما المنازل اليمانية فأولها): (الغفر) وهو ثلاثة كواكب خفية، وإنما سمي غفرا؛ لأن عند طلوعه تستتر نضارة الأرض وزينتها، وطلوعه لثمان عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، وسقوطه لست عشرة ليلة تخلو من نيسان، قال الساجع: إذا طلع الغفر اقشعر السفر وذبل النضر، وفي نوئه يؤبر النخل ويقطع القصب الفارسي، ومطره ينبت الكمأة، ورقيب الغفر الشرطين. (الزبانا) هي زبانا العقرب؛ أي: قرناها، وهما كوكبان مفترقان بينهما في رأي العين مقدار خمسة أذرع، وطلوع الزبانا آخر ليلة من تشرين الأول، وسقوطها لليلة تبقى من نيسان، والعرب يصفونها بهبوب البوارح، وهي الشمال الشديدة الهبوب، وتكون في الصيف حارة، قال الساجع: إذا طلعت الزبانا فاجمع لأهلك ولا تتوانى، وفي نوئه يدخل الناس بيوتهم في إقليم بابل ويشتد البرد، ومطره ينبت الكمأة، والزبانا رقيبه البطين. (الإكليل) هو رأس العقرب، وهو ثلاثة كواكب زاهرة مصطفة معترضة وطلوع الإكليل

стр. 48

لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الثاني، وسقوطه لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، والعرب يقولون: إذا طلع الإكليل هاجت السيول، فإذا سقط غارت مياه الأرض، ولا تزال تغور إلى سقوط بطن الحوت وذلك لخمس مضين من تشرين الأول، وفي نوئه تكثر الأمطار والغيوم، ورقيب الإكليل الثريا. (القلب) هو قلب العقرب، وهو الكوكب الأحمر وراء الإكليل بين كوكبين يقال لهما: النياط، وليسا على حمرته، وأول النتاج بالبادية عند طلوع القلب وطلوع النسر الواقع، وهما يطلعان معا في البرد، وذلك لست وعشرين ليلة تخلو من تشرين الثاني، وسقوطه لست وعشرين ليلة تخلو من أيار، وما نتج في هذا الوقت يكون سيئ الغذاء؛ لشدة البرد وقلة اللبن والزيت، والعرب يقولون: إذا طلع القلب جاء الشتاء كالكلب، ونوء القلب تتشاءم به العرب، ويكرهون السفر إذا كان القمر نازلا في العقرب، وفي نوئه يشتد البرد وتهب الرياح الباردة ويسكن الماء في عروق الشجر، ورقيب القلب الدبران. (الشولة) هي كوكبان متقاربان يكادان يماسان ذنب العقرب، وسميت شولة لارتفاعها، يقال: شال بذنبه، وبعدها إبرة العقرب كأنها لطخة غيم، وهي تطلع لتسع ليال خلون من كانون الأول، وتسقط لتسع تخلو من حزيران، وتقول العرب: إذا طلعت الشولة اشتدت على العيال العولة، وفي نوئها يسقط الورق كله وتكثر الأمطار وتتفرق الأعراب الذين حضروا المياه، ورقيب الشولة الهقعة. (النعائم) هي ثمان كواكب على أثر الشولة: أربعة في المجرة، وهي النعائم الواردة، وسميت واردة؛ لأنها شرعت في المجرة كأنها تشرب، وأربعة خارجة عن المجرة، وهي النعائم الصادرة، سميت صادرة؛ لأنها خارجة عن المجرة، كأنها شربت ثم صدرت عن الماء، وكل أربعة منها على تربيع، وطلوعها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران، والعرب تقول: إذا طلعت النعائم توسعت البهائم، وفي نوئها أول الشتاء واستواء الليل والنهار، ورقيب النعائم الهنعة. (البلدة) هي فضاء في السماء لا كوكب بها بين النعائم وبين سعد الذابح، وليس فيه إلا نجم واحد خامد لا يكاد يرى، وهي ستة كواكب مستديرة صغار خفية تشبه القوس، ويسميها بعض العرب القوس، وطلوع البلدة لأربع ليال خلون من كانون الآخر، وسقوطها لأربع ليال مضين

стр. 49

من تموز، وتقول العرب: إذا طلعت البلدة حمت الجعدة، وفي نوئها يجمد الماء، ويشتد كلب الشتاء، وتنقى البساتين من الأدغال والحشيش، وتكرب الكروم، ورقيب البلدة الذراع. (سعد الذابح) هو كوكبان غير نيرين بينهما في رأي العين قدر ذراع، وأحدهما مرتفع في الشمال، والآخر هابط في الجنوب، وطلوعه لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، وسقوطه لسبع عشرة ليلة تمضي من تموز، والعرب تقول: إذا طلع سعد الذابح حمى أهله النابح، وفي نوئه يصعد الماء إلى فروع الشجر، ويدرك الجوز واللوز، ويرجى المطر، ورقيب سعد الذابح النثرة. (سعد بلع) هو نجمان مستويان في المجرى: أحدهما خفي، وسمي الأكبر بالعا كأنه بلع الآخر الخفي وأخذ ضوءه، وطلوعه لليلة تبقى من كانون الآخر، وسقوطه لليلة تبقى من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد بلع صار في الأرض لمع، وفي نوئه يكثر المطر، وتنقى الضفادع، وتتزاوج العصافير، ويبيض الهدهد، وتهب الجنوب، ويقل اللبن، ورقيب سعد بلع الطرف. (سعد السّعود) هو ثلاثة كواكب: أحدهما نير، والآخران دونه، والعرب تتيمن به؛ فلهذا سمي بهذا الاسم، وطلوعه لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شباط، وسقوطه لأربع عشرة ليلة تمضي من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد السعود كره في الشمس القعود، ونوؤه محمود، وفي نوئه يتحرك أول الشعب ويصوت الطير وتهيج السنانير ويورق الشجر وتأتي الخطاطيف وتصيب الإبل مرعاها ويدرك الورد وسائر الرياحين، ورقيب سعد السعود الجبهة. (سعد الأخبية) هو أربعة كواكب متقاربة، واحد منها في وسطها، وهو مثل رجل بطة، اثنان منها على الطول، واثنان منها على العرض، يقال: إن السعد منها واحد، وهو أنورها، والثلاثة خفية، وقيل: إنما سمي الأخبية لأن عند طلوعه تخرج الحشرات المختبئة في الأرض وطلوعه لخمس وعشرين ليلة تخلو من شباط، وسقوطه لأربع ليال تبقى من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد الأخبية خلت من الناس الأبنية، ونوؤه غير محمود، يكثر فيه المطر جدّا ويقطع الكرم، ورقيب سعد الأخبية الزبرة. (الفرع الأول) هو فرع الدلو المقدم، والدلو أربعة كواكب واسعة مربعة، فاثنان منها هما الفرع الأول، واثنان هما الفرع المؤخر، وفرع الدلو هو مصب الماء بين العرقوتين، وطلوع الفرع الأول لتسع ليال خلون من آذار، وسقوطه لتسع ليال مضين من أيلول، والعرب تقول: إذا طلع الدلو طلب اللهو، ونوؤه محمود، وفيه تسقط الجمرة الثالثة، وينعقد اللوز والتفاح والمشمش بالحر، وبرده يهلك الثمار، ورقيب الفرع الأول الصرفة.

стр. 50

(الفرع الثاني) قد وصف عند الفرع الأول، وطلوعه لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من آذار، وسقوطه لاثنتين وعشرين ليلة تمضي من أيلول، ونوؤه محمود، وطلوع الفرعين وغروبهما يكون في إقبال البرد وإدباره، وعند سقوط الفرع المؤخر يجز النخل بالحجارة وتهامة وكل غور، ويشتار العسل، وفي نوئه آخر أمطار الشتاء، وفيه يكثر العنب ويدرك النبق والبلاقاء، ويستوي الليل والنهار، ورقيب الفرع الثاني العواء. (بطن الحوت) هي كواكب كثيرة في مثل حلقة السمكة، وتسمى الرشاء أيضا، وهي كواكب معترضة ذنبها نحو اليمن ورأسها نحو الشام، وطلوعها لأربع ليال تخلو من نيسان، وسقوطها لخمس تمضي من تشرين الأول، وعند سقوطه ينتهي غور المياه، ويطلع بعده الشرطين، ويعود بالأمر إلى ما كان عليه في السنة الأولى، وتقول العرب: إذا طلعت السمكة أمكنت الحركة، ورقيب بطن الحوت السماك. ونوؤه غزير المطر قلما يخلف، وهو أوان حصاد الشعير بالجروم، قال أبو إسحاق الزجاجي: إن السنة أربعة أجزاء، كل جزء منها سبعة أنواء، كل نوء منها ثلاثة عشر يوما، وزادوا فيها يوما لتتم السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وهو مقدار قطع الشمس فلك البروج، والله الموفق. (النظر العاشر في فلك البروج) اعلم أنه ليس فلكا كسائر الأفلاك، بل هو أمر موهوم؛ وذلك لأنهم ذهبوا إلى أن لكل كوكب من الكواكب كرة تخصه، وأن لكل كرة حركة تخصها، وأن الكوكب مركوز في جرم الفلك كنقطة، وأن كل كرة تتحرك على قطبين، وأن النقطة التي عليها برسم دائرة موهومة على سطح الكرة، فإذا تحرك فلك الشمس من المشرق إلى المغرب كانت حركته قسرية، وإنما حركة فلك الشمس المختصة به من المغرب إلى المشرق فإذا تمت دورته حدثت من مركز الشمس دائرة عظيمة في فلك الشمس، وتتوهم هذه الدائرة قاطعة للعالم؛ فتحدث في سطح الفلك الأعلى دائرة عظيمة مركزها مركز العالم وهي الدائرة التي تسمى فلك البروج. ثم إن الدائرة التي هي أعظم الدوائر التي تمر بمركز العالم، وتقطع العالم نصفين وقباها قطبا العالم اللذان يسميان الشمالي والجنوبي تسمى دائرة معدل النهار، فنقول: دائرة فلك البروج تقطع دائرة معدل النهار نصفين على نقطتين متقابلتين، تسمى إحداهما: نقطة الاعتدال الربيعي، والأخرى: نقطة الاعتدال الخريفي، ثم تتوهم دائرة أخرى تمر بنقطتي معدل النهار، وهما قطبا

стр. 51

العالم، ونقطتي فلك البروج؛ فتقطع دائرة فلك البروج على نقطتين متقابلتين: إحداهما: مما يلي الشمال، والأخرى: مما يلي الجنوب. أما الشمالية فتسمى نقطة الانقلاب الصيفي، وأما الجنوبية فتسمى نقطة الانقلاب الشتوي، فهاتان الدائرتان تقسمان فلك البروج أربعة أقسام متساوية، وأما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الربيعي وبين الانقلاب الصيفي فهو الذي يحدثه زمان الربيع؛ لأن الشمس ما دامت بحركة فلكها الخاص مسامته لهذا القوس يسمى ذلك الزمان ربيعا. وأما الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الصيفي والاعتدال الخريفي فهو الذي يحدثه زمان الصيف؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى ذلك الزمان صيفا. وأما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الخريفي والانقلاب الشتوي هو الذي يحدثه زمان الخريف؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى الزمان خريفا. وأما الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الشتوي والاعتدال الربيعي فهو الذي يحدثه زمان الشتاء؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى الزمان شتاء. وتتوهم أيضا دائرتين عظيمتين تخرجان من قطبي دائرة البروج؛ فيقطعان الربع الربيعي ثلاثة أقسام متساوية، ويقطعان أيضا الربع الخريفي المقابل لهذا الربع ثلاثة أقسام متساوية، وتتوهم أيضا دائرتين عظيمتين تخرجان من قطبي دائرة البروج وتقطعان الربع الصيفي والربع الشتوي المقابل له لكل واحد منها ثلاثة أقسام متساوية؛ فتصير جملة الدوائر الخارجة من قطبي دائرة البروج ست. فإذا توهمنا ست دوائر قاطعة للعالم تمر بقطبي الدائرة بنقطتين متقابلتين القسم كل واحد من الأفلاك التسعة اثني عشر قسما، يسمى كل قسم منها برجا، وكل برج منها مقسوم ثلاثين قسما، يسمى كل قسم منها درجة، فالدوائر بجملتها ثلاثمائة وستون درجة. ثم قسموا فلك الثوابت بهذه الدوائر الست اثني عشر قسما، في كل قسم كواكب متشكلة بأشكال مختلفة، ففي أحد هذه الأقسام كواكب متشكلة بشكل يشبه صورة الحمل، فسمي ذلك القسم برج الحمل. ثم يلي هذه القطعة قطعة عليها كواكب متشكلة بصورة شبيهة بالثور؛ فيسمى هذا القسم برج الثور، وهكذا إلى آخر الأقسام.

стр. 52

وذكر بطليموس: أن دائرة البروج أربعمائة وستة وثمانون ألف ألف ومائتان وتسعة وخمسون ألفا وسبعمائة وأحد وعشرون ميلا وسبع ميل، فطول كل برج تسعة وثلاثون ألف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وثلاثمائة وعشرة أميال ونصف وسدس ميل، وعرض كل برج ألف ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ألفا وتسعمائة وثلاثة وأربعون ميلا وثلث ميل، والله الموفق للصواب. (النظر الحادي عشر: في فلك الأفلاك) سمي بهذا الاسم؛ لإحاطته بجميع الأفلاك وتحريكه كلها، ويقال له: الفلك الأعظم؛ لأنه أكبر الأفلاك، يقال له: الفلك الأطلس؛ لأنهم لم يعرفوا له كوكبا، وحركة هذا الفلك من المشرق إلى المغرب على قطبين ثابتين، يقال لأحدهما: القطب الشمالي، والآخر: القطب الجنوبي، وتتم دورته في أربع وعشرين ساعة، وبحركته تتحرك الأفلاك كلها مع كواكبها، وحركته أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الشمس تتحرك بحركتها القسرية، وهي حركة الفلك الأعظم في مقدار ما يرفع الإنسان قدمه للخطو إلى أن يضعها ثمنمائة فرسخ. ويشهد بصحة هذا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريل ﵇ عن دخول وقت الصلاة فقال: لا نعم، فسأل رسول الله ﷺ عن قوله: لا نعم، فقال: من وقت قلت لا إلى أن قلت نعم مرت الشمس خمسمائة فرسخ. وبحركة هذا الفلك يتكون الليل والنهار، فإذا طلعت الشمس بدوارن هذا الفلك على جانب من الأرض أضاء جوها وأشرق سطحها وتحركت حيواناتها وربا نباتها وفاح نسيمها، وإذا غابت بدوران هذا الفلك عن جانب من الأرض أظلم جوها واسود وجهها وسكنت حيواناتها وذبل نباتها، فما دامت هذه الحركة محفوظة فهذه الحالة موجودة، وأشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. والحكماء سموها هذا الفلك محددا؛ لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك خلا وملا، وقال ابو عبد الله محمد بن عمر الرازي بعد ما أظهر فساد القول بالمحدد: من أراد أن يكتال مملكة الباري تعالى بمكيال العقل فقد ضل ضلالا بعيدا. وقد أحب بعض السلف التوفيق بين الآيات والأخبار وقول الحكماء، فزعم أن الكرسي هو الفلك الثامن الذي ذكرنا سعته وعجائبه، والعرش هو الفلك التاسع الذي هو أعظم الأفلاك،

стр. 53

والله تعالى أعلم بصحة هذا القول أو فساده، ولا شك في وجود العرش والكرسي؛ لنصوص الآيات، ولما رواه أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». وأما العرش فإنه مخلوق عظيم من مخلوقات الله تعالى قبلة لأهل السموات، كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض، فسبحان الله العظيم. (النظر الثاني عشر: في سكان السموات وهم الملائكة) زعموا أن الملك جوهر بسيط ذو حياة ونظر وعقل، والاختلاف بين الملائكة والجن والشياطين كالاختلاف بين الأنواع، واعلم أن الملائكة جواهر مقدسة عن طلب الشهوة وكدورة الغضب، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس وأنسهم بذكر الله تعالى وفرحهم بعبادته، خلقوا على صور مختلفة وأقدار متفاوتة؛ لإصلاح مصنوعاته وإسكان سمواته، وقال ﷺ : «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها قدر شبر إلا فيه ملك راكع أو ساجد» (١). وقال بعض الحكماء: إن لم يكن في فضاء الأفلاك وسعة السموات خلائق فكيف يليق بحكمة البارئ جلت قدرته تركها فارغة مع شرف جوهرها؟ فإنه لم يترك قعر البحار المالحة المظلمة فارغا حتى خلق فيه أجناس الحيوانات وغيرها، ولم يترك جو الهواء الرقيق حتى خلق له أنواع الطير، ولم يترك البراري اليابسة والآجام والجبال حتى خلق فيها أجناس الهوام والحشرات. وأما أصناف الملائكة فلا يعرفهم غير خالقهم، كما قال تعالى: ﴿يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ﴾ [المدثر: ٣١] غير أن صاحب الشرع أعلم ببعضهم، وبحسب وقوع الحوادث اهتدى العقل إلى بعضهم حتى قيل: ما من ذرة من ذرات العالم إلا وقد وكل بها ملك أو ملائكة، وما من قطرة إلا ومعها ملك ينزل بها من السحاب ويدعها في المكان الذي قدر الله تعالى، هذا حال الذرات والقطرات، فما ظنك بالأفلاك والكواكب والهواء والغيوم والرياح والأمطار والجبال والقفار والبحار والعيون والأنهار والمعادن والنبات والحيوان؟

стр. 54

فبالملائكة صلاح العالم وكمال الموجودات بتقدير العزيز العليم، ولنذكر بعض من أخبر بهم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وهم الملائكة المقربون عليه وعليهم السلام، فمنهم: حملة العرش صلوات الله عليهم، وهم أعز الملائكة وأكرمهم على الله تعالى، تتقرب إليهم سائر الملائكة، ويسلمون عليهم بالغدو والرواح؛ لمكانتهم عند الله تعالى، وهم يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا، فمنهم من هو على صورة النسر، ومنهم من هو على صورة البشر. قال ابن عباس ﵄: خلق الله حملة العرش وهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيمة أمدهم الله تعالى بأربعة أخرى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] وهو عظيم لا يوصف، فمنهم - كما تقدم - من هو على صورة ابن آدم، يشفع لبني آدم في أرزاقهم، ومنهم من هو على صورة الثور، يشفع للبهائم في أرزاقها، ومنهم من هو على صورة النسر، يشفع للطيور في أرزاقها، ومنهم من هو على صورة الأسد، يشفع للسباع في أرزاقها. ومنهم: الروح الأمين ﵇، وهو ملك يقوم صفّا والملائكة كلهم صفّا؛ لكرامته عند الله تعالى وعظمته، وإنما سمي روحا؛ لأن كل نفس من أنفاسه يصير روحا لحيوان، وقد وكله الله تعالى بإدارة الأفلاك وحركات الكواكب وبما تحت فلك القمر من العناصر والمولدات من المعادن والنباتات والحيوانات، وهو أكبر من الفلك وأقوى منه وأعظم وأشرف وأعلى من الجسمانيات، وهو قادر على تسكين الأفلاك، كما هو قادر على تحريكها بإذن الله تعالى. ومنهم: إسرافيل ﵇، وهو مبلغ الأوامر ونافخ الأرواح في الأجساد، قال رسول الله ﷺ : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأصغى بالإذن حتى يؤمر فينفخ» (١). قال مقاتل: القرن الصور، وذلك أن إسرافيل ﵇ واضع فاه على القرن وهو كهيئة البوق ودائرة رأس البوق كعرض السموات والأرض، وهو شاخص ببصره نحو العرش ينظر متى يؤمر فينفخ، فإذا نفخ صعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى. قالت السيدة عائشة ﵂: قلت لكعب الأحبار ﵁: سمعت رسول الله

стр. 55

ﷺ يقول: «يا رب جبريل وميكائيل وإسرافيل» (١) أما جبريل وميكائيل فسمعت بهما في القرآن، وأما إسرافيل (٢) فأخبرني عنه فقال كعب: إنه ملك عظيم الشأن له أربعة أجنحة؛ أحدهما: سد المشرق، والآخر: سد به المغرب، والثالث: ينزل به من السماء إلى الأرض، والرابع: التثم به من عظمة الله تعالى، قدماه تحت الأرض السابعة، ورأسه ينتهي إلى أركان قوائم العرش، وبين عينيه لوح من جوهر، فإذا أراد الله أن يحدث أمرا في عباده أمر القلم أن يخط في اللوح، ثم أدنى اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه، ثم هو ينتهي إلى ميكائيل صلوات الله عليهم فهم له أعوان في جميع العالم حتى على الأركان والمولدات، ينفخون أرواحها فيها فيصير معدنا ونباتا وحيوانا، وهي القوى التي بها صلاحها وحياتها، فسبحان الخالق البارئ المصور. ومنهم: جبريل الأمين ﵇، وهو أمين الوحي وخازن القدس، ويقال له: الروح (٣) الأمين وروح القدس والناموس الأكبر وطاوس الملائكة، جاء في الخبر: إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق فينادون الحق بالحق. وجاء في الخبر أيضا أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: «إني أحب أن أراك على صورتك التي صورك الله فيها» فقال: إنك لا تطيق ذلك، فقال ﷺ : «أرني» فواعده جبريل بالبقيع (٤) في ليلة مقمرة فأتاه فنظر إليه النبي ﷺ فإذا هو قد سد الآفاق؛ فوقع مغشيّا عليه، فلما أفاق عاد جبريل ﵇ إلى صورته الأولى؛ فقال ﷺ : «ما ظننت أن أحدا من خلق الله تعالى هكذا» فقال له جبريل ﵇: كيف لو رأيت إسرافيل، وإن العرش على كاهله، وإن رجليه قد مرقتا تحت تخوم الأرض السفلى، وإنه ليتصاغر من عظمة الله تعالى حتى يصير كالوصع (والوصع العصفور الصغير).

стр. 56

وقال كعب الأحبار ﵁: إن جبريل ﵇ من أفضل الملائكة، له ستة أجنحة، في كل واحد مائة جناح، وله وراء ذلك جناحان لا ينشر هما إلا عند هلاك القرى، ولما نزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ﴾ سأله رسول الله ﷺ عن قوته فقال: «رفعت قرى قوم لوط بجناحي وصعدت بها حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبتها». وأعوانه موكلون على جميع العالم من شأنهم إحداث القوة الغضبية والحمية؛ لدفع الشر والإيذاء. ومنهم: ميكائيل ﵇، وهو موكل بالأرزاق للأجساد والحكمة والمعرفة للنفوس، قال كعب الأحبار: في السماء السابعة البحر المسجور، وعليه من الملائكة ما شاء الله، وميكائيل قائم على البحر المسجور لا يعرف وصفه وعدد أجنحته إلا الله تعالى، ولو أنه فتح فاه لم تكن السموات فيه إلا كخردلة في بحر، ولو أشرف على أهل السموات والأرض لاحترقوا من نوره، وله أعوان موكلون على جميع العالم من شأنهم إحداث قوة النهوض في الأركان والمولدات وغيرها التي بها الوصول إلى الغايات وبلوغ الكمال في الكائنات. ومنهم: عزرائيل (١) ﵇، وهو مسكن الحركات ومفرق الأرواح من الأجساد، قال كعب الأحبار: عزرائيل في السماء الدنيا، وخلق الله تعالى رجليه في تخوم الأرضين، ورأسه في السماء العليا، ووجهه مقابل اللوح المحفوظ، وله أعوان بعدد من يموت، والخلق كلهم بين عينيه، لا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه وينقضي أجله. وعن أشعث بن أسلم أن إبراهيم ﵇ سأل ملك الموت ﵊ فقال له: ماذا تصنع إذا كان نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووقع الوباء بأرض، والتقى الزحفان بأخرى؟ فقال: أدعو الأرواح بإذن الله تعالى فتكون بين أصبعي هاتين. وعن وهب بن منبه ﵁ أن سليمان بن داود ﵉ تمنى أن يرى ملك الموت؛ ليتخذه صديقا، فلم يشعر سليمان حتى أتاه كأنه خرج من تحت سريره، فقال له سليمان: من أنت؟ فقال: ملك الموت؛ فصعق سليمان ﵇.

стр. 57

فلما رأى ملك الموت ذلك قال: اللهم إن عبدك سليمان تمناني ونزل به ما ترى، اللهم إني أسالك أن تقويه على رؤيتي، فأوحى الله تعالى إليه أن ضع يدك على صدره ففعل ذلك فأفاق سليمان علي السلام، وقال: يا ملك الموت، إني أراك عظيم الخلق أو كل الملائكة مثلك؟ فقال: والذي بعثك بالحق نبيّا إن رجلي الآن على منكبي ملك قد جاوزت رأسه السموات السبع، وارتفع فوق ذلك بمسيرة خمسمائة عام، ورجلاه قد جاوزتا الثرى بمسيرة خمسمائة عام، وهو فاتح فاه رافع رأسه باسط يديه، فلو أذن الله تعالى له أن يطبق شفته العليا والسفلى لأطبق على ما بين السماء والأرض، فقال له سليمان ﵇: ولقد وصفت أمرا عظيما، فقال له: كيف لو رأيتني على صورتي التي أقبض فيها أرواح الكفار، فصار ملك الموت صديقا له، ويأتيه كل خميس ويقعد عنده إلى أن تزول الشمس. فقال له سليمان ﵇ يوما: ما لي أراك لا تعدل بين الناس، تأخذ هذا وتدع هذا؟ فقال له ملك الموت: ليس المسئول بأعلم من السائل، إنما هي كتب فيها أسماء المقبوضين تلقى إليّ ليلة الصك، وهي ليلة النصف من شعبان إلى مثلها من السنة القابلة، فأما أهل التوحيد فأقبض أرواحهم بيميني في حريرة بيضاء مغموسة في المسك وترفع إلى عليين، وأما أهل الكفر فأقبض أرواحهم بشمالي في سربال من قطران وتنزل إلى سجين وآمرهم إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعلمون. وعن الأعمش، عن خيثمة قال: دخل ملك الموت على سليمان ﵇ فجعل ينظر إلى أحد جلسائه ويديم النظر إليه، فلما خرج ملك الموت قال الرجل: يا نبي الله، من كان هذا؟ قال: إنه ملك الموت، قال: رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني أريد أن تخلصني منه بأن تأمر الريح لتحملني إلى أقصى بلاد الهند؛ فأمر سليمان الريح بذلك ففعلت، فلما عاد ملك الموت إلى سليمان ﵇ قال له: رأيتك تديم النظر إلى بعض جلسائي، قال: كنت أعجب منه؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بأقصى بلاد الهند في ساعة قريبة ورأيته عندك. وقال وهب: قبض ملك الموت روح جبار من الجبابرة، فقالت الملائكة لملك الموت: لمن كنت أشد رحمة ممن قبضت أرواحهم؟ فقال: أمرت بقبض روح امرأة في فلاة من الأرض فأتيتها وقد ولدت مولودا فرحمتها لغربتها ورحمت ولدها لصغره وكونه في فلاة لا أحد بها، فقالت الملائكة: الجبار الذي قبضت الآن روحه هو ذلك المولود، فقال ملك الموت: سبحان اللطيف بعباده.

стр. 58

ومنهم: الكروبيون ﵈، وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى غير الله تعالى؛ لاستغراقهم بجمال حضرة الربوبية، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وفي الخبر: إن لله تعالى أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوما محشوة خلقا من خلق الله تعالى، لا يعلمون أن الله تعالى يعصى طرفة عين، قالوا: يا رسول الله، أمن ولد آدم هم؟ قال: «لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم» قيل: يا رسول الله، أنى غفل عنهم إبليس؟ قال: «لا يعلمون أن الله تعالى خلق إبليس» ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. ومنهم: ملائكة سبع سموات، قال كعب الأحبار: هؤلاء ملائكة مداومون على التسبيح والتهليل في القيام والقعود والركوع والسجود، يسبحون الليل والنهار، لا يفترون حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ملائكة سماء الدنيا على صورة البقر، وقد وكل الله تعالى بهم ملكا اسمه إسماعيل، وملائكة السماء الثانية على صورة العقاب، ووكل الله بهم ملكا اسمه ميخائيل، وملائكة السماء الثالثة على صورة النسر، والملك الموكل بهم اسمه صاعد ياييل، وملائكة السماء الرابعة على صورة الخيل، والملك الموكل بهم اسمه صلصاييل، وملائكة السماء الخامسة على صورة الحور العين، والملك الموكل بهم اسمه كلكاييل، وملائكة السماء السادسة على صورة الودان، والملك الموكل بهم اسمه سمخائيل، وملائكة السماء السابعة على صورة بني آدم، والملك الموكل بهم اسمه روفاييل. قال وهب: وفوق السموات السبع حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضا؛ لكثرة عددهم، يسبحون الله تعالى بلغات مختلفة كالرعد القاصف. ومنهم: الحفظة ﵈، وهم الكرام الكاتبون، قال ابن جريح: هما ملكان موكلان بابن آدم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. وقال بعضهم: هم أربعة: اثنان بالليل واثنان بالنهار، وخامس لا يفارق ليلا ولا نهارا، وللكفار أيضا حفظة؛ لأن آية الحفظة نزلت في شأن الكفار، وهي قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢]. وفي الخبر: إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات، فإذا تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبه، وفي رواية أخرى: فإذا كتبه عليه وعمل حسنة قال صاحب اليمين

стр. 59

لصاحب الشمال وهو أمين عليه: ألق هذه السيئة حتى ألقي من حسناته واحدة من تضعيف العشرة، وأرفع تسع حسنات، فيفعل صاحب الشمال. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى وكل بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات قالا: يا رب، قبضت عبدك فلانا فإلى أين نذهب؟ قال الله تعالى: سمائي مملوءة من ملائكتي يعبدونني، وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني، اذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني وكبراني وهللاني واكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة». ومنهم: المعقبات ﵈، وهم الملائكة الذين ينزلون بالبركات ويصعدون بأرواح بني آدم وأعمالهم بالليل والنهار، فإذا واظب الإنسان على الصلوات في أول أوقاتها فإذا صلى الفجر أتاه ملائكة النهار وجدوه مصليا، وفارقوه ملائكة الليل وتركوه مصليا، وهكذا إذا صلى المغرب وما بين الصلاتين من الذنوب تكفرها الصلاة، وإذا كان كذلك فلا يرفعون له غير الحسنات. ويحقق أمر هذه الملائكة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: يا بن آدم، ما تنصفني أتحبب إليك بالنعم وتمقت إلى بالمعاصي خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح، يا بن آدم، لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف لأسرعت إلى مقته». ومنهم: منكر ونكير ﵉، وهما ملكان فظان غليظان يسألان في القبر كل أحد عن ربه ونبيه، عن أنس بن مالك ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (يعنيان: محمدا ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدل بمقعد من الجنة فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطراق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١).

стр. 60

ومنهم: السياحون ﵈، وهم صنف من الملائكة يحبون مجالس الذكر فإذا رأوا مجالس الذكر احتووا عليها. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لله تعالى سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى ينادون: هلموا إلى بغيتكم؛ فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا، فإذا انصرفوا يقول الله تعالى: على أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ فيقولون: تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويقدسونك، فيقول الله تعالى: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتمجيدا، فيقول لهم: من أي شيء يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد هربا منها وأشد تعوذا، فيقول: أي شيء يطلبون؟ فيقولون: الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد طلبا لها، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: كان فيهم فلان لم يردهم إنما جاء لحاجة، فيقول: هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم» (١). ومنهم: هاروت وماروت، هما ملكان معذبان ببابل، عن ابن عباس ﵄: لما خرج آدم ﷺ من الجنة عريان، نظرت إليه الملائكة وقالت: إلهنا، هذا آدم بديع فطرتك أقله ولا تخذله، فمر بملأ من الملائكة فوبخوه على نقضه عهد ربه، وكان ممن وبخه يومئذ هاروت وماروت، فقال آدم: يا ملائكة ربي، ارحموا ولا توبخوا، فذلك الذي جرى عليّ كان قضاء ربي، فأبلاهما الله تعالى حتى عصيا ومنعا من الصعود إلى السماء. فلما كان أيام إدريس ﵇ صارا إليه وذكرا له قصتهما، ثم قالا له: هل لك أن تدعو لنا حتى يتجاوز عنا ربنا؟ فقال إدريس ﵇: كيف لي العلم بالتجاوز عنكما؟ قالا: ادع لنا، فإن رأيتنا فهو الاستجابة، وإن لم ترانا هلكنا، فتوضأ إدريس ﵇ وصلى ودعا الله تعالى، ثم التفت فلم يرهما، فعلم أن العقوبة حلت بهما واختطفا إلى أرض بابل، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فهما مسلسلان معذبان في بئر بأرض بابل منكسين إلى يوم القيامة (٢).

стр. 61

وعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «أشرفت الملائكة على الدنيا فرأوهم يعصون الله، فقالوا: يا ربنا، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك؟ فقال الله تعالى: لو كنتم في سلاحهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ فقال: اختاروا ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض، وركبت فيهم شهوات بني آدم، ومثلت لهما، فما عصما حتى واقعا المعصية فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال له: ما تقول؟ فقال: أقول إن عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]». وفي رواية أخرى: «قال لهما: إني أرسل رسولا إلى الناس، وليس بيني وبينكما رسول أنزل، ولا تشركا بي شيئا، ولا تقتلوا ولا تسرقا» قال كعب: فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم عليهما. ومنهم: الملائكة الموكلون بالكائنات؛ لإصلاحها ودفع الفساد عنها، وقد وكل بكل فرد من أفرادها من الملائكة ما شاء الله تعالى. وروى أبو أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا، يذبون عنه ما لا يقدر عليه من ذلك، بالبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب عن قصعة العسل في اليوم الصائف»، وأما المائة والستون فأمر عرفه النبي ﷺ بنور النبوة، ولكنا نمثل جهة التغذي فإنه أمر مشترك بين الحيوان والنبات، وأنت تقيس عليه غيره من الجهات. فتقول: إن جزءا من الغذاء لا يصير جزءا من المتغذي حتى يعمل فيه عدة من الملائكة، ومعنى التغذي أن يصير جزءا من الغذاء من المتغذي، فإن الغذاء جماد لا يصير دما ولحما وعظما بنفسه، كما أن البر لا يصير طحينا وعجينا ورغيفا حتى تعمل فيه الصناع، فصناع الظاهر أناس، وصناع الباطن الملائكة، فقد أسبغ الله عليك نعمه ظاهرة وباطنة. وأقول: أولا: لابد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم، فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه، ولا بد من ثان يمسكه حتى تعمل فيه الحرارة، ثم لا بد من ثالث يلبسها صورة الدم، ثم لابد من رابع يدفع القدر الفاضل عن الغذاء، ثم لابد من خامس يميز العزم واللحم والعروق وما يليق بها، ولا بد من سادس يلصق ما اكتسب صورة العظم بالعظم وما اكتسب صورة اللحم باللحم.

стр. 62

ثم لا بد من سابع يراعي المقادير في الإلصاق؛ فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته، وبالعريض ما لا يبطل عرضه، وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه، ويحفظ على كل واحد مقدار حاجته، ويدفع الزائد، فإنه لو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع للفخذ حاجته؛ لتشوهت الصورة، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان رقيقها، وإلى الحدقة صافيها، وإلى الأفحان غليظها، وإلى العظم صلبها مع مراعاة القدر والشكل، وإلا بطلت الصورة. فلو لم يراع هذا الملك هذا القسط فساق الغذاء إلى جميع البدن، ولم يسق إلى رجل واحدة مثلا لبقيت تلك الرجل كما كانت في أيام الصغر، وكبر جميع البدن، فترى شخصا في ضخامة رجل، وله رجل كأنها رجل صبي، ولا ينتفع بنفسه البتة. فمراعاة هذه الهندسة مفوضة إلى هذا الملك، فهذا حال بعض الملائكة الموكلين ببدن بني آدم، فهم مشتغلون بك وأنت في النوم أو تترد في الغفلة، وهم يصلحون بدنك ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] هكذا حال جميع الكائنات، فما من شيء إلا وقد وكل الله به ملكا أو ملائكة، والله الموفق. (النظر الثالث عشر: في الزمان) زعموا أن الزمان مقدار حركة الفلك، وهذا على رأي أرسطاطاليس وأصحابه، وعند غيره مرور الأيام والليالي، ثم مقدار حركة الفلك ينقسم إلى القرون، والقرون إلى السنين، والسنون إلى الشهور، والشهور إلى الأيام، والأيام إلى الساعات. والزمان أنفس رأس مال به تكتسب كل سعادة، وإنه يضمحل شيئا فشيئا، وزمانك عمرك، وهو معلوم القدر عند الله تعالى، وإن لم يكن معلوما عندك وما مثله إلا كمسافة ساع يسعى في قطعها قوي على السير لا يفتر طرفة عين، فما أعجل انقطاعها وإن كانت بعيدة! وما أسرع زوالها وإن كانت كعمر لقمان مدة مديدة! ولنذكر شيئا من خواصها وعجيبها: (القول: في الليالي والأيام) أما اليوم فهو الزمان الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وأما الليل فهو الزمان الذي يقع بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ومجموعهما أربع وعشرون

стр. 63

ساعة، لا تزيد ولا تنقص، وكلما نقص من النهار زاد في الليل، وكلما نقص من الليل زاد في النهار، كما قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] (١). وأطول ما يكون النهار سابع عشر حزيران عند حلول الشمس آخر الجوزاء؛ فيكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون، ثم يأخذ النهار في النقصان والليل في الزيادة إلى ثامن عشر أيلول، وهو عند حلول الشمس آخر السنبلة، فيستوي الليل والنهار، ويصير كل واحد منهما اثنتي عشرة ساعة. ثم ينقص النهار ويزيد الليل إلى سبع عشرة من كانون الأول، فيصير الليل خمس عشرة ساعة، وهو أطول ما يكون، والنهار تسع ساعات، وذلك أقصر ما يكون، ثم يأخذ الليل في النقصان والنهار في الزيادة إلى سادس عشر آذار عند حلول الشمس إلى آخر الحوت، فيستوي الليل والنهار، ويصير كل واحد اثنتي عشرة ساعة، ثم يستأنف الدور. وقد شبهوا أوقات اليوم والليلة بأرباع السنة، فقالوا: إن الغدو بمنزلة الربيع، وانتصاف النهار بمنزلة الصيف، والمساء بمنزلة الخريف، وانتصاف الليل بمنزلة الشتاء، لكن اختلافها لما كان اختلافا يسيرا لا تتأثر منه الأبدان تأثرها عن السنة وربما تأثرت منه الأبدان الضعيفة. ومن لطف الله بعباده جعل الليل والنهار؛ لأن الإنسان مضطر إلى الحركات في أعماله لمعاشه، ولا تنفك قواه عن كلال، فعند ذلك يغلب عليه النوم ولا بد له من ذلك لزوال الكلال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] فعين وقتا للنوم ينام فيه كلهم، ووقتا للمعاش يعمل فيه كلهم، ولولا ذلك لأفضى إلى عسر قضاء حوائج الناس؛ لأن أحدهم إذا طلب غيره لشغل وجده نائما. فصل: في فضائل الأيام وخواصها (يوم الجمعة) عيد الملة الحنيفية (٢) وسيد الأيام، روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه

стр. 64

أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرا إلا أعطاه الله إياه» (١)، وقال بعض السلف: إن لله تعالى فضلا سرى أرزاق العباد لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية يوم الخميس ويوم الجمعة، وعن ابن مسعود ﵁: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه داء، وأدخل فيه شفاء (٢). وقال

стр. 65

الأصمعي: دخلت على الرشيد يوم الجمعة وهو يقلم أظفاره، ويقول: قلم الأظفار يوم الجمعة من السنة (١)، وبلغني أنه ينفي الفقر فقلت: يا أمير المؤمنين وأنت تخشى الفقر؟ فقال: وهل أحد أخشى من الفقر مني. وفي الأثر: إن الملائكة يتفقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا فيقولون: ما فعل فلان؟ وما الذي أخره عن وقته؟ ثم يقولون: اللهم إن كان آخره فقر فأغنه، وإن كان آخره مرض فاشفه، وإن كان آخره شغل فأفرغه لعبادتك، وإن كان آخره لهو فأقبل بقلبه على طاعتك. (يوم السبت) هو عيد اليهود، قال الكلبي: أمر موسى ﵇ بني إسرائيل أن يفرّغوا في كل أسبوع يوما للعبادة فأبوا أن يقبلوا إلا يوم السبت، وقالوا: إنه يوم فرغ الله فيه من خلق الأشياء، وزعموا أن الأمور التي تحدث في يوم السبت تستمر إلى السبت الآخر، فلذلك امتنعوا فيه من الأخذ والعطاء، والمسلمون يخالفونهم في ذلك؛ لقوله ﷺ : «بورك لأمتي في بكور سبتها وخميسها» (٢).

стр. 66

وزعم أصحاب الفلاحة أن النخلة إذا غرست يوم السبت لم تحمل. (يوم الأحد) عيد النصارى، قال أصحاب السّير: إن أول الأيام الأحد وهو أول أيام الدنيا، وبدأ الله فيه خلق الأشياء، وذكروا أن عيسى ﵇ أمر قومه بالجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيد اليهود بعد عيدنا فاتخذوا الأحد، وزعموا أنه صالح لابتداء الأمور. (يوم الاثنين) يوم مبارك، كان رسول الله ﷺ كثير المواظبة على صومه وصوم الخميس فسئل عن ذلك فقال: «هما يومان ترفع فيهما الأعمال فأنا أحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (١). وفي الحديث: أنه ﷺ ولد يوم الاثنين، وأتاه الوحي يوم الاثنين وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، أورده الإمام أحمد بن حنبل (٢) في مسند ابن عباس ﵃. (يوم الثلاثاء) تستحب فيه العقود وإصلاح حال النفس والحجامة، وقيل: إن قابيل قتل هابيل يوم الثلاثاء. (يوم الأربعاء) يوم قليل الخير (٣)، والأربعاء الأخير من الشهر يوم نحس مستمر يحمد فيه الاستحمام. (يوم الخميس) يوم مبارك سيّما لطلب الحوائج وابتداء السفر، روى الزهري (٤) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه: أن رسول الله ﷺ ما كان يخرج إذا أراد سفرا إلا يوم الخميس (٥).

стр. 67

وتكره الحجامة فيه، حدث حمدون بن إسماعيل قال: سمعت المعتصم بالله يحدث عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: «من احتجم يوم الخميس فحمّ مات في ذلك المرض»، قال: دخلت على المعتصم يوم الخميس فإذا هو يحتجم فلما رأيته وقفت واجما ساكتا حزينا فقال: يا حمدون لعلك تذكرت الحديث الذي حدثتك به؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: والله ما ذكرت حتى شرط الحجّام فحم من ساعته وكان المرض الذي مات فيه رحمه الله تعالى. (القول في المشهور) لكل صنف من أصناف الناس شهور مثل شهور العرب والروم والفرس والقبط والهند والزنج، لكن الشهور المستعملة في زماننا هذا شهور العرب والروم والفرس فاقتصرت على ذكرها وذكر بعض خواصها والمواسم فيها، وبالله التوفيق. فصل: في شهور العرب الشهر عندهم عبارة عن الزمان الذي بين الهلالين، ويتفق ذلك في كل سنة من سنينهم اثنتي عشرة مرة؛ لأن سنينهم ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وكسر من يوم، فإذا جعلنا شهرا ثلاثين، وشهرا تسعة وعشرين صارت الشهور منطبقة على أيام السنة، وإذا صارت الكسور يوما زادوه في آخر ذي الحجة، وقد نطق بذلك الكتاب المجيد: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، والأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. واحد فرد وثلاثة سرد للمحرم زيادة وقع عند الله تعالى، فالطاعات فيها أكثر ثوابا والمعاصي أعظم عقابا، وهذه الأشهر كانت محرمة في الجاهلية، وكانت العرب في هذه الأشهر تنزع الأسنة عن رماحها، وتقعد عن شن الغارات، وكان الخائف فيها يأمن من أعدائه حتى إن الرجل إذا لقي قاتل أبيه، أو أخيه لم يتعرض له، فلنذكر الآن الشهور. (المحرم) سمي محرما لحرمة القتال فيه (١)، فاليوم الأول منه معظم عند ملوك العرب يقعدون للهناء كما أن اليوم الأول من سنة الفرس كان عندهم معظما وهو النيروز والسابع منه هو الذي خرج فيه يونس من بطن الحوت، وقيل: إنه كان في رابع عشر ذي القعدة، والعاشر منه يوم عاشوراء يوم معظّم في جميع الملل؛ لأنه فيه تاب الله تعالى على آدم ﵇، واستوت

стр. 68

السفينة على الجودي، وولد الخليل وموسى عيسى ﵈، وبردت النار على إبراهيم ﵇، ورفع العذاب عن قوم يونس، وكشف ضر أيوب، ورد على يعقوب بصره، وأخرج يوسف من الجب، وأعطي سليمان ملكه، وأجيب زكريا حين استوهب يحيى، وهو يوم الزينة الذي غلب فيه موسى السحرة، ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد يهودها يصومون عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه اليوم الذي غرق فيه فرعون وقومه، ونجا موسى ومن معه، فقال ﵊: «أنا أحق بموسى منهم فأمر بصوم عاشوراء» (١). وكان الإسلاميون يعظمون هذا الشهر بأجمعهم، حتى اتفق في هذا اليوم الحسين ﵁ مع كثير من أهل البيت، فزعم بنو أمية أنهم اتخذوه عيدا فتزينوا فيه، وأقاموا فيه الضيافات، والشيعة اتخذوه يوم عزاء ينوحون فيه، ويجتنبون الزينة وأهل السنة يزعمون أن الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة، والسادس عشرة منه جعلت القبلة لبيت المقدس، والسابع عشر منه فيه قدوم أصحاب الفيل فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل (٢). (صفر) سمي صفرا؛ لأن الرباع كلها تصفر من أهلها؛ لأنهم خرجوا للقتال لانقضاء الأشهر الحرم، وذهب الجمهور إلى أن القعود في هذا الشهر أولى من الحركة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من بشرني بخروج صفر أبشره بالجنة»، اليوم الأول منه عيد بني أمية، أدخلت فيه رأس الحسين ﵁ بدمشق، والعشرون منه ردّت رأس الحسين إلى جثته، وترك المأمون لبس الخضرة وعاد إلى السواد بعدما لبسها خمسة أشهر ونصف، والثالث والعشرون منه عاد الأمر إلى بني هاشم، وجلس السفاح للخلافة، والرابع والعشرون منه دخل النبي ﷺ الغار مع أبي بكر ﵁. (ربيع الأول) سمي ربيعا؛ لارتباع الناس والمقام فيه، هو شهر مبارك فتح الله فيه أبواب السعادات على العالمين بوجود سيد المرسلين ﷺ ، الثامن منه قدم رسول الله ﷺ المدينة، والعاشر منه تزوج رسول الله ﷺ خديجة ﵂، والثاني عشر منه مولد رسول الله ﷺ .

стр. 69

(ربيع الآخر) في اليوم الثالث منه رمى الحجاج (١) الكعبة بالنار في حصار ابن الزبير فاحترقت، والرابع عشر منه فيه تقرر فرض الصلاة، وفي الحادي والعشرين غزوة رسول الله ﷺ . (جمادى الأولى) إنما سميا بذلك والأخرى؛ لأنهما صادفا أيام الشتاء حين اشتد البرد وجمد الماء، في الثامن منه مولد علي بن أبي طالب ﵁، وفي الخامس عشر وقعة الجمل. (جمادى الأخرى) زعموا أن الحوادث العجيبة كثيرا ما تقع في هذا الشهر حتى قالوا: العجب كل العجب بين جمادى ورجب، في اليوم الأول منه نزل الملك (٢) على رسول الله ﷺ ، وفي السادس ولاية عمر بن الخطاب ﵁، وفي التاسع مولد جعفر الصادق، وفي الرابع عشر مولد موسى بن جعفر، وفي الخامس عشر هدم ابن الزبير الكعبة بيده؛ لحديث (٣) سمعه من عائشة ﵂، وردّها على هيئة ما كانت عليه في زمن الخليل ﵇، وفي العشرين مولد فاطمة ﵂. (رجب) سمي رجب؛ لأنه رجب، أي: عظم، ويقال له أيضا: الأصم؛ لأنه لا يسمع فيه صوت مستغيث، وقيل: لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح (٤)، ويقال له أيضا: الأصب؛ لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة والمغفرة على عباده، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة دلت على عظم شأنه، وعلى أن الطاعات فيه مقبولة، والدعاء فيه مستجاب، وكان في الجاهلية إذا أراد المظلوم أن يدعو على الظالم أخّره إلى دخول رجب ودعا عليه فيستجاب له، وفي اليوم الأول منه ركب نوح السفينة، وفي الرابع وقعة صفين، وفي الثاني عشر مولد جعفر الصادق، وفي الخامس عشر يوم أم داود وصلواتها التي تستجاب، وفي السابع والعشرين ليلة المعراج، وفي الثامن والعشرين البعثة النبوية.

стр. 70

(شعبان) سمى شعبان؛ لتشعب القبائل فيه، اليوم الثالث منه مولد الحسين، وفي الرابع مولد الحسن ﵄، وفي الخامس عشر ليلة الصك وهي ليلة يغفر الله تعالى فيها أكثر من شعر غنم بني كلب، وفي السادس عشر صرفت القبلة إلى الكعبة (١)، والعشرون منه النيروز المعتضدي. (رمضان) سمي رمضان؛ لمصادفته شدة الرمضاء (٢) في أول الوقت، وفي أوله فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين (٣)، وفي الثالث أنزلت صحف إبراهيم ﵇، وفي الرابع أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، وفي السابع أنزلت التوراة على موسى ﵇، وفي الثامن أنزل الإنجيل على عيسى ﵇، وفي التاسع عشر فتحت مكة، وفي الحادي والعشرين ليلة القدر على رأي (٤) وهي الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، والثالث والعشرون قيل: ليلة القدر على رأي آخر، وفي الخامس والعشرين ظهور الدولة العباسية بخراسان بدعوة أبي مسلم، وفي السابع والعشرين وقعة بدر (٥) ونزول الملائكة لنصرة النبي ﷺ وليلته هي ليلة القدر على رأي حسن، وفي اليوم الأخير أعتق الله فيه بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره وله عند الفطر كل ليلة سبعون ألف ألف عتيق من النار (٦).

стр. 71

(شوال) سمي شوالا؛ لإشالة الإبل أذنابها عند اللقاح في ذلك الوقت؛ لأنه أول أشهر الحج، في اليوم الأول منه عيد الفطر، ويقال له: يوم الرحمن؛ لأن الله تعالى يرحم فيه عباده، وفيه أوحى الله تعالى إلى النحل صنعة العسل (١)، وفي الرابع منه خرج رسول الله ﷺ ؛

стр. 72

لمباهلة نصارى نجران، وفي السابع عشر منه غزوة أحد (١)، ومقتل حمزة ﵁، وفي الخامس والعشرين إلى آخر الشهر هي الأيام النحسات أهلك الله تعالى فيها عادا، وقيل: إنها أيام العجوز التي كانت تنوح عليهم كل سنة. (ذو القعدة) سمي ذا القعدة؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال؛ لكونه أول الأشهر الحرم، في الأول منه واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة، وفي الخامس رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ﵉، وفي السابع منه فلق البحر لموسى ﵇، وفي الرابع عشر خرج يونس ﵇ من بطن الحوت، وفي التاسع عشر أنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين (٢)، ونزل جبريل بالوحي على رسول الله ﷺ . (ذو الحجة) سمي الحجة؛ لأنهم كانوا يحجون فيه، العشر منه: الأيام المعلومات وهي أحب الأيام إلى الله تعالى، في اليوم الأول تزوج علي بفاطمة ﵄، الثامن منه يوم التروية، وسقاية الحاج بالمسجد الحرام تملأ، ويسقى الحجيج في الجاهلية والإسلام حتى تروى، والتاسع منه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، وفيه فدي الذبيح بالكبش، وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، الثاني عشر منه عيد الغدير وهو اليوم الذي واخى النبي ﷺ عليّا رضي الله تعالى عنه فيه، وفي الرابع عشر تصدق علي ﵁ بخاتمة في الصلاة، وفي السادس والعشرين نزل الاستغفار على داود ﵇، وفي السابع والعشرين منه واقعة الحرة، وفي الثامن والعشرين منه خلافة علي ﵁. خاتمة: في معرفة أوائل هذه الشهور، وقد عمل لها جدول ليسهل علمها (أما) طريق العمل بها أن تلقي عدد سنين الهجرة من أولها إلى السنة التي أنت فيها أو السنة التي تريد معرفة أول شهر من شهورها ثمانية ثمانية فما بقي تعد من تحت الشهر الذي أنت طالب أوله، فاليوم الذي ينتهي فيه العدد هو أول ذلك الشهر، وإن بقي ثمانية بعد أن أسقطتها كلها كان أول الشهر اليوم الذي في البيت الأخير.

стр. 73

قال جعفر الصادق ﵁: إذا أشكل عليك أول شهر رمضان فعد الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي فإنه أول يوم من شهر رمضان الذي في العام المقبل، وقد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا. فصل: في شهور الروم وهي مختلفة العدد؛ لأنهم أرادوا أن تكون شهورهم مساوية لمسير الشمس وحركات الشمس، مختلفة في أرباع السنة فبعضها أكثر أياما من البعض على ما نطقت به الأرصاد القديمة والحديثة، فلهذا جعلوا بعض الشهور ثلاثين، وبعض الشهور أحدا وثلاثين، وبعضها ثمانية وعشرين، فأعطوا كل شهر ما يستحقه حتى صار المجموع ثلاثمائة وستين يوما، وجعلوا يوما في آخر السنة وهذا مجموع أيام سنتهم، وقد وضعوها على هذا الوجه: تشرين الأول تشرين الثاني كانون لأول كانون الثاني لال لالا شباط آذار نيسان أيار حزيران تموز آب أيلول كح لا ل لا ل لا لا ل وقد جمعها الشاعر في هذين البيتين فقال: فتشرينكم الثاني كأيلول ونيسان ثلاثون ثلاثون أتوا بعد حزيران شباط خص بالنقص وذاك النقص يومان وباقيها ثلاثون ويوم واحد كاني (تشرين الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول تهيج الصّبا (١)، وفي الثالث عيد دير

стр. 74

الثعالب، وفي الخامس عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس (١)، يزعمون أن نارا من السماء تنزل وتسرج الشمع هنالك، وفي السابع عيد التباريك، وفي الثلاث عشر تفور المياه ويقوم سوق أذرعات ويضطرب البحر، وفي الخامس عشر يبرد الزمان وتكثر الرياح ويصرم (٢) النخل، وإذا قطع خشب لم ينخر خشبه ولم يسوس، وفي الثامن وعشر ينقص النيل، وفي الحادي والعشرين يزرع على نيل مصر، وفي الثاني والعشرين يبتدئ الهواء بالبرد، وفي الثلاثين تذهب احدأ والرخم (٣) والخطاطيف إلى الغور، ويسكن النمل جوف الأرض. (تشرين الآخر) ثلاثون يوما، في اليوم الأول تهب الجنوب، وفي الثاني في أوقات المطر، وفي الخمس تخفى الهوام، وفي السابع لقط الزيتون بالشام وكثرة الغيوم واضطراب البحر فلا تجري فهي جارية (٤)، وفي الثامن غليان البحر، وفي التاسع أول المرور في بحر فارس، وفي الثالث عشر ابتداء اضطرابه وإن قطع فيه خشب لا تقع فيه الأرضة والسوس، وفي السابع عشر ابتداء صوم الميلاد وهو أربعون يوما، وفي العشرين تموت كل دابة لا عظم لها، وفي الثاني والعشرين ينهى عن شرب الماء البارد بالليل، وفي الثالث والعشرين لقط الزيتون عند القبط، وفي الثامن والعشرين امتداد أمواج البحر. (كانون الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يقوم سوق ثوما بدمشق ويغرس قضيب البان، وفي الحادي عشر قيام سوق الأردن، والرابع عشر أول الأربعينيات، والسابع عشر ينهى عن تناول لحم البقر والأترنج وشرب الماء بعد النوم وعن الحجامة وطلي النورة ويسمون هذا اليوم الميلاد الأكبر يعنون به الانقلاب الشتوي، ويقولون: إن فيه مخرج النور من حد النقصان إلى حد الزيادة، وتأخذ الإنس في النشوء والنماء والجن في الذبول والفناء، وفي التاسع عشر غاية طول الليل وقصر النهار، وفي الثالث والعشرين تنتهي زيادة النيل وتكثر الأنداء

стр. 75

ويسقط ورق الأشجار، وفي الخامس والعشرين ميلاد المسيح ﵇، وفي التاسع والعشرين ينهى عن شرب الماء عند النوم، ويقولون: إن الجن تتقيأ في الماء، ومن شربه يغلب عليه البله (١). (كانون الثاني) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يرجى المطر وفقه القلفداس بالشام يوقدون نارا عظيمة، وفي السادس عيد الذبح زعموا أن فيه ساعة تصير فيها المياه المالحة عذبة، وفي العاشر صوم العذارى، وفي السابع عشر يذهب البرد ببلاد فارس، وفي الثاني والعشرين تنتهي الأربعينيات، وفي الرابع والعشرين يدور العشب في الأرض وتتزاوج الطيور، وفي الخامس والعشرين يزرع القطن والبطيخ وتغرس الأشجار بأرض الروم، وتكسح الكروم بأرض مصر، وتغتلم فحول الإبل. (شباط) ثمانية وعشرون يوما، وفي السابع منه تسقط الجمرة الأولى، وفي الثالث عشر يجري الماء في العود من أسفله إلى أعلاه، وتنق الضفادع، وفي الرابع عشر صوم النصارى وتسقط الجمرة الثانية، وفي العشرين يخرج الذئب وتتحرك البراغيث، وفي الخامس والعشرين تزرع القثاء والبطيخ وتلد الوحوش ويصوت الطير وتطير الخطاطيف ويلد الماعز ويغرس شجر الورد ويزرع الياسمين والنرجس، ويورق الكروم ويكثر العنب، وفي الحادي والعشرين سقوط الجمرة الثالثة، معنى سقوط الجمرات: أن الناس كانوا يتخذون في قديم الزمان أخبية ثلاثة في الشتاء محيطا بعضها البعض، وكانت دوابهم الكبار كالإبل والبقر في البيت الأول، ودوابهم الصغار كالغنم في البيت الثاني، وهم كانوا في البيت الثالث وكانوا يشعلون النار في كل بيت ويتخذون الجمر؛ للاصطلاء، فلما كان السابع من شباط أخرجوا دوابهم الكبار إلى الصحراء، وجعلوا الصغار مكانها وهم سكنوا مكان الصغار فحينئذ سقطت من الجمرات الثلاث جمرة، فإذا مضى أسبوع آخر أخرجوا إلى الصحراء، وتركوا إشعال النار لقلة البرد وطيب الهواء فسقطت الجمرات الثلاث، وفي الخامس والعشرين يظهر الدفء وتهب الرياح اللواقح وتكسح الكروم، وفي السادس والعشرين أول أيام العجوز وأيام العجوز سبعة أيام ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، قيل: إنها سميت أيام العجوز؛ لأن الله تعالى أهلك قوم عاد في هذه الأيام فتخلفت منهم عجوز كانت تنوح عليهم كل سنة في هذه الأيام، فهذه الأيام لا تخلو من برد أو رياح أو كدورة، فذهب بعضهم إلى أنها من الأمور الطبيعية وأن البرد يشتد في آخر الشتاء كما أن الحر يشتد في آخر الصيف، وذلك يجري مجرى السراج الذي فنيت رطوبته فإنه عند انطفائه يشتد ضوؤه دفعات.
следующие страницы →