Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
• قوله:
٣٤ - «ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مرارا».
العمدة في أخذ العشر من أهل الذمة؛ ما أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ كما في الموطإ (٦٢٣) عن السائب بن يزيد قال: كنت غلاما مع عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فكنا نأخذ من النبط العشر»، انتهى، فأهل الذمة المقيمون ببلاد الإسلام، كيفما كانوا رجالا أو نساء، أحرارا أو عبيدا، متى خرجوا في تجارة إلى ما وراء الأفق الذي هم فيه، أعني خارج الإمارة التي فرضت عليهم فيها الجزية؛ لزمهم أن يدفعوا لسلطان المسلمين عشر ما يتاجرون فيه، قيل إنما يدفعون عشر ما يبيعونه، وقيل بل يعطون عشر قيمة السلع التي يدخلون بها إلى الأفق، باعوا أو لم يبيعوا، والأول لابن القاسم، وعليه؛ لو أرادوا الرجوع قبل البيع؛ لم يلزمهم شيء، والثاني لابن حبيب، وعليه؛ لو أرادوا الرجوع بعد دخولهم وقبل بيعهم؛ لزمهم العشر، وقد عللوا قول ابن القاسم بأن المأخوذ منهم لحق الانتفاع بما باعوه، وعللوا قول ابن حبيب بأن المأخوذ منهم لحق الوصول إلى القطر، وقد وصلوا، وعلم مما سبق أنه لا يؤخذ منهم شيء إذا اتجروا في الأفق الذي فرضت عليهم فيه الجزية، لأن ذلك مما يقتضيه إقرارهم على دينهم فيه، وقد نص مالك في الموطإ على أن من خرج منهم من بلاده إلى غيرها يتجر فيها فعليه العشر، من يتجر منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن أهل الشام إلى العراق، ومن أهل العراق إلى المدينة أو اليمن،،، إلى أن قال: «مضت بذلك السنة»، وقوله وإن اختلفوا في السَّنَةِ مرارا؛ معناه أن أخذ العشر يتكرر بتكرر خروجهم من أفقهم إلى الأفق الآخر لتكرر سببه، وهو الوصول، أو البيع على الخلاف المتقدم، قال مالك: «وإن اختلفوا في العام الواحد مرارا في بلاد المسلمين؛ فعليهم كلما اختلفوا العشر، لأن هذا ليس مما صالحوا عليه، ولا مما
стр. 1052
شرط لهم، وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا».
وقد ورد في كتاب عمر بن عبد العزيز الذي وجهه إلى زريق بن حيان، وصدر به مالك باب زكاة العروض (٥٩٦)، قوله: «،،،، واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول»، وهذا يدل على عدم تكرر الأخذ منهم إذا تكرر دخولهم في العام الواحد، ولم يرد الأمر بالكتابة في كتاب عمر بن الخطاب، فأخذ مالك به، ورأى تكرر العشر كلما عاودوا الدخول إلى أفق غير أفقهم، كما أن مالكا ﵀ خالف قول عمر بن عبد العزيز في أخذ نصف العشر من أهل الذمة إلى قول عمر بن الخطاب الذي فيه أخذ العشر، وقد وجه ذلك بن عبد البر بقوله في الاستذكار (٣/ ١٦٦): «رأى مالك قول عمر بن الخطاب أعلى من قول عمر بن عبد العزيز فمال إليه، فأخذ العشر من الذمي».
стр. 1053
• قوله:
٣٥ - «وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة؛ أخذ منهم نصف العشر من ثمنه»
خاصة الأولى في كلام المؤلف؛ لتقييد المحمول بكونه طعاما، وخاصة الثانية؛ لتقييد المحمول إليه بمكة والمدينة، ومعناه أن أهل الذمة إذا جلبوا الطعام وهو كل ما يقتات وما يجري مجراه من مصلحه إلى مكة والمدينة بخاصة؛ فلا يؤخذ منهم إلا نصف العشر، وقد اختلف في علة ذلك، فقيل لما لمكة والمدينة من الفضل، وقيل إن تقليل الرسم ينشأ عنه كثرة الجالبين إليهما من تجار أهل الذمة، وحاجة أهلهما شديدة إلى الطعام، وهذا والله أعلم يبين أن التحديد بالعشر أمر اجتهادي، فيمكن للحاكم أن يخفف منه بحسب ما يرى من المصلحة، وأن ذلك لا يقتصر على مكة والمدينة، والدول تعمل بهذا اليوم، فتشجع من يقيم في جهة لعمارتها برفع راتبه، أو بالمد في عطلته، أو بتقصير أمد تقاعده، وبغير ذلك من المرغبات، وقد ترفع الضريبة عن نشاط معين مدة من الزمان ليقبل الناس عليه، أو تخفف منها لتشجع على ما ترى من تعمير المناطق، وشغل الوظائف، وجلب الأرزاق، وهذا ليس إلا ذكرا للواقع، وليس إقرارا للمكس المحرم.
وفي الموطإ (٦٢٢) عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت؛ نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر».
стр. 1054
• قوله:
٣٦ - «ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك».
روى أبو يوسف في الخراج ص (١٣٥) عن عمرو بن شعيب أن أهل منبج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر بن الخطاب: «دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا، فشاور عمر أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشر من أهل الحرب».
ونظير هذا ما رواه يحي بن آدم في كتابه الخراج (٦٣٩) عن الحسن قال: كتب أبو موسى إلى عمر ﵁: «إن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب؛ أخذوا منهم العشر، قال فكتب إليه عمر: خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك العشر، وخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر، وخذ من المسلمين من مائتين خمسة، فما زاد؛ فمن كل أربعين درهما درهم»، انتهى، وهو في كتاب الخراج لأبي يوسف أيضا وفيه معاملتهم بمثل ما عاملوا به المسلمين، والمقرر أن الذي يؤخذ منهم هو العشر ما لم يصالحوا على أكثر من ذلك كما ذكره المؤلف.
ويختلف أهل الذمة عن الحربيين في خروج كل منهما من أفق إلى أفق، فبلاد الإسلام كلها تعتبر أفقا واحدا بالنسبة للحربيين، فإذا خرجوا من بلادهم إلى بلاد الإسلام؛ أخذ منهم عشر ما معهم من السلع باعوا أو لم يبيعوا، وتركوا وشأنهم يتاجرون في بقية الآفاق، لكن إن شارطهم المسلمون على أكثر من العشر؛ لزمهم إعطاء المشروط، ولا يمكنون من أن يبيعوا للمسلمين ما هو محرم عليهم، كالخمر والخنزير، وغير ذلك، والمشهور جواز تمكينهم من بيع الخمر لغير المسلمين، ولا يجوز تمكينهم من ذلك في أمصار المسلمين التي لا يوجد بها أهل ذمة.
стр. 1055
• قوله:
٣٧ - «وفي الركاز وهو دفن الجاهلية؛ الخمس على من أصابه».
الركاز بكسر الراء من مادة ركز الرمح في الأرض إذا غرزه، قال في مختصر الصحاح هو «دفين أهل الجاهلية كأنه ركز في الأرض»، وقال غيره: «يقال لما يوضع في الأرض، ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب، أو الورق»، فجعله شاملا للأمرين، وهو في المذهب ما فسره به المؤلف، من كونه دفن الجاهلية بكسر الدال وسكون الفاء كذِبْح، وإنما خالفوا بين المعدن وبين الركاز؛ لأن النبي ﷺ غاير بينهما في قوله: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»، رواه الشيخان، وأصحاب السنن عن أبي هريرة، والعجماء البهيمة، وجبار معناه هدر، ووجه الدلالة منه؛ أنه لو كان المراد شمول المعدن للدفن وغيره؛ لما غاير بينهما النبي ﷺ بالإظهار في موضع الإضمار، والدول الآن قد أعلنت اختصاصها بما في باطن الأرض فضلا عن ظاهرها، فتعين مذهب أبي حنيفة في إحياء الموات، وهو إذن الحاكم، ويظهر أن ما يستخرج من باطنها كذلك حتى المياه، فإن حفر الآبار في كثير من الدول لا يسمح به إلا برخصة.
وأذكر هنا أنه قد شاع في بلادنا البحث عن الركاز، ومخادعة الباحثين بعض الناس بإغرائهم ووعدهم بالكنوز فينفقون الأموال فيما هو باطل محرم ومنه الذبح للجن، وإعداد البخور ليستعينوا به على استخراج الدفائن زعموا، ويشترون آلات الاستكشاف، وأعرف بعض من يشارك في البحث منذ أزيد من عقدين فما عثر على شيء، قال مالك في المدونة (١/ ٢٤٩): «أكره حفر قبور الجاهلية والطلب فيها، ولست أراه حراما،،،».
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لسورة الفجر: «،،، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من
стр. 1056
الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهديانات، ويَطْنِزُونَ بهم!!، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وكنوزا كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها فكذب، ولم يصح ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم، أو نقل من أخذ عنهم، والله الهادي للصواب» انتهى، ويَطْنِزُون يسخرون ويستهزؤون، وهو من الدارج الفصيح.
وقد انضاف إلى الركاز الأموال التي كانت بأيدي بعض الجماعات التي حملت السلاح في هذه الفتنة التي ضربتنا، وجرى فيها ما جرى من سفك الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض، وأصبح الناس يسألون عن حكم هذه الأموال، ويظن بعضهم أنها كالركاز، وما هي منه بسبيل، وإنما هي لقطة، ولما كان التعريف بها لا يتأتى، تعين أن تسلم للحاكم، والله أعلم.
стр. 1057
٢٦ - باب في زكاة الماشية
• قوله:
٠١ - «وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة».
هذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، ولا حاجة إلى الاستدلال له، وسيأتي تفصيل ذلك من سنة النبي ﷺ عند الكلام على زكاة هذه الأنواع، وليس في غير الأجناس الثلاثة زكاة عند الجمهور، وقال الحنفية بزكاة الخيل، وقد أفرد المؤلف زكاة الماشية بالذكر لأنها أوغل في التعبد، إذ لا يطرد فيها ضابط من حيث النصاب إجمالا، ولا من حيث القدر المخرج كما في زكاة العين والحرث والركاز والمعدن، فهي دالة دلالة قوية على أن في الزكاة جانب الواساة، وجانب التعبد.
واعلم أن مذهب مالك عدم التفريق في وجوب زكاة الماشية بين السائمة والمعلوفة والعاملة، وعمدتهم في ذلك قول النبي ﷺ : «في كل أربعين شاة؛ شاة».
فإن قيل: ألا يحمل هذا المطلق على المقيد في قوله: «في سائمة الغنم الزكاة»؟؛ فالجواب: أنهم رأوا تقديم المنطوق في الأول على المفهوم في الثاني، أو لأن الوصف خرج على الغالب في الماشية وهو السوم، ولا عبرة بهذا المفهوم عند الجمهور، ولأن الغنم سائمة بطبعها وخلقها، واعتبروه كذلك من التنصيص على بعض أفراد العام، وليس من قبيل التقييد، وهذا نظير ما تقدم في باب الطهارة من التنصيص على تربة الأرض في بعض الروايات، مع ما ورد من ذكر جنس الأرض، ومع كل هذا، فالظاهر اعتبار قيد السوم في وجوب الزكاة.
стр. 1058
• قوله:
٠٢ - «ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود، وهي خمس من الإبل، ففيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد، من ضأن أو معز، إلى تسع، ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر، ثم في خمسة عشر ثلاث شياه، إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين؛ فأربع شياه، إلى أربع وعشرين».
الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهو مؤنث لا واحد له من لفظه، ودليل نصاب الإبل الذي هو خمس جمال؛ قول رسول الله ﷺ : «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، رواه مالك (٥٧٧) والشيخان (خ/ ١٤٤٧) وغيرهم عن أبي سعيد الخدري، وفرائض زكاة الإبل إحدى عشرة فريضة، منها ما يكون فيه المُخْرَج من غير جنس الإبل، وهو أربعة، وسبع فرائض من جنسها، واحدة أو أكثر.
أما الأول، فإنه لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمسا، فإذا بلغتها فالواجب شاة واحدة أوفت سنة ودخلت في الثانية، لا فرق بين الذكر والأنثى، وقال ابن القصار لا يكفي غير الأنثى، وتكون من غالب غنم البلد، ضأنا كانت أو معزا، بقطع النظر عن غالب ما عند المالك، وهذا لأن ما وجب في الذمة ولم يحدده الشرع؛ اعتبر فيه عرف البلد، والأصول تقضي أن يخرج المزكي مما عنده، ثم وجدت ابن العربي رجحه في العارضة (٣/ ١١٣)، ودليله ما في كتاب أبي بكر ﵁: «فيما دون خمس وعشرين من الإبل ففي كل خمس ذود شاة … ، ولعل إيجاب الشرع إخراج زكاة الإبل من غير جنسها إنما كان للجمع بين أمرين: الأول الرفق بالمزكين، ولهذا كان الصحيح أن رب المال إذا أعطى بعيرا بدلا عن الشاة أجزأه، لأن فيه مواساة من جنس المال بأكثر من المطلوب، وأباه ابن العربي، والثاني أن
стр. 1059
الشارع خص الإبل بإيجاب الزكاة فيها ابتداء من هذه الأعداد القليلة بخلاف الغنم والبقر؛ لأنها معظم أموال العرب، حتى كانت هي أصل إطلاق الأموال، فكانت المنة بها
أعظم، فينبغي أن يكون الشكر عليها أكبر، وقد ذكر الله سبحانه خلقها في موضع الاعتبار
مع السماء والأرض والجبال، وابتدأ بها فقال عز من قائل: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧].
стр. 1060
• قوله:
٠٣ - «ثم في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها؛ فابن لبون ذكر، إلى خمس وثلاثين، ثم في ست وثلاثين بنت لبون، وهي بنت ثلاث سنين، إلى خمس وأربعين، ثم في ست وأربعين حقة، وهي التي يصلح على ظهرها الحمل، ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين، إلى ستين، ثم في إحدى وستين جذعة، وهي بنت خمس سنين، إلى خمس وسبعين، ثم في ست وسبعين بنتا لبون، إلى تسعين، ثم في إحدى وتسعين حقتان، إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك؛ ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
هذا هو القسم الثاني مما يخرج من الإبل، وأنت تلاحظ أن الشرع أوجب في جميع فرائض الإبل إخراج الإناث، وأوجب في فريضة البقر الثانية مسنّة ولا بد، ولذلك كان الظاهر أنه وإن نص على التبيع في فريضة البقر الأولى أن التبيعة تجزئ، وهذا يدل والله أعلم على أن من مقاصد الشرع في زكاة الأنعام بعد سد حاجة الفقير؛ تنمية هذه الثروة، وإعطاء الأنثى أدعى إلى تحقيق هذا المقصد مما لو أعطي الذكر، بخلاف الهدايا والضحايا والعقيقة؛ فالقصد فيها إلى اللحم، فكان الأفضل فيها طيبه فقدم الذكر، واستبقيت الأنثى، ولهذا المعنى جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة قول النبي ﷺ لأبي الهيثم بن التيهان: «إياك والحلوب»، لأن استبقاءها مفيد في تكثير الغنم والاستفادة من الدر.
والمقصود أنه متى بلغت الإبل خمسا وعشرين؛ صار ما يخرج في الزكاة من جنسها، ودليله ما في حديث أبي سعيد المتقدم، والعمدة في تفصيل تلك الفرائض حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب لهم: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ
стр. 1061
على المسلمين، التي أمر الله بها نبيه ﷺ ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها؛ فليعطها، ومن سئل فوقها؛ فلا يعطه،،،، الحديث، رواه أحمد وأبو داود (١٥٦٧) وغيرهما، وهو في صحيح البخاري، لكنه فرقه على عدة أبواب، وفيه ذكر زكاة الإبل على النحو الذي ذكره المصنف إلى عشرين ومائة، ثم قال: «فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة».
وقد فضل مالك ﵀ أن يعتمد على كتاب عمر ﵁ وهو أحد كتب أربعة في زكاة الماشية، أوردها الزيلعي ﵀ في نصب الراية، وإنما فضله؛ لطول مدة خلافته، واتساع رقعة دولة الإسلام في عهده، وانتشار العمل على وفقه، هكذا قالوا، وقد يكون السبب أن مالكا لم يطلع على ما في كتاب أبي بكر، يدل عليه عدم قوله بالتراد بين الجابي والمزكي في حالة عدم وجود السن المطلوب في الإبل، وكتاب عمر في الموطإ (٥٩٩) عن مالك أنه قال: قرأت كتاب عمر في الصدقة، قال فوجدت فيه بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصدقة، في أربع وعشرين من الإبل فدونها؛ الغنم في كل خمس شاة،،، الخ، وقد رواه أبو داود (١٥٧٠) أيضا، ومن الفروق بينه وبين كتاب أبي بكر؛ أنه مختصر، ولم يذكر فيه حكم من لم يكن عنده ما فرض عليه من الأسنان، وكان عنده ما هو أدنى منها، أو أعلى، ولذلك لم يقل مالك به، ومثاله أن من وجب عليه إعطاء بنت لبون، فلم تكن عنده؛ فإنه يعطي للمصدق بنت مخاض معها شاتان إن استيسرتا، أو عشرين درهما، ومن لم تكن عنده حقة؛ أعطى المصدق جذعة، وعوضه المصدق الفرق شاتين، أو عشرين درهما، ونزع به من قال بجواز إعطاء القيمة في الزكاة، ولم يسلم له هذا الانتزاع، وقد قطع النبي ﷺ النزاع بين الجابي والمصدق ببيان البدل عند عدم وجود السن المطلوب، فالشاتان بدل أصلي عن الفارق بين السن الواجبة والسن المعطاة، والعشرون درهما بدل من الشاتين، ويؤخذ منه أن المزكي لا يكلف إعطاء ما ليس عنده، وهذا هو الأصل فيما يطالب به المكلف من الأموال، أما أنه يكلف شراء شيء ليعطيه إلى من لا يستعمله، بل يبيعه ليحصل على قيمته، فهذا لا تأتي به الشريعة، وهذا جدول بينت فيه فرائض صدقة الإبل وما يجب إخراجه من أسنانها:
стр. 1062
- (٢٥) = بنت مخاض، دخلت في السنة الثانية، فإن لم تكن؛ فابن لبون
- (٣٦) = بنت لبون، وهي التي دخلت في الثالثة.
- (٤٦) = حقة، وهي التي دخلت في الرابعة.
- (٦١) = جذعة، وهي التي دخلت في الخامسة.
- (٧٦) = بنتا لبون.
- (٩١) = حقتان.
- (١٢١) = ثلاث بنات لبون، أو حقتان، الخيار للساعي.
- (١٣٠) = حقة وبنتا لبون.
- ما زاد على (١٣٠)؛ ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة
وهذه الفرائض متفق عليها وعلى ما يجب إخراجه منها، لكن حصل الخلاف فيما زاد على العشرين ومائة، وهو (١٢١)، فذهب مالك إلى أن الساعي يخير بين ثلاث بنات لبون وحقتين، وجاء في كتاب عمر عند أبي داود أن الواجب أخذ ثلاث بنات لبون عن (١٢١)، وبنتي لبون وحقة عن (١٣٠)، وحقتين وبنت لبون عن (١٤٠)، وثلاث حقاق عن (١٥٠)، وأربع بنات لبون عن (١٦٠)، وكل هذا وغيره إنما هو تطبيق للقاعدة التي في كتاب أبي بكر وعمر فيما زاد على (١٢٠): «في كل خمسين حقة، وفي كل اربعين بنت لبون».
وقد روعي في تسمية الأسنان المتقدمة إما أم المخرَج، أو المخرج نفسه، فبنت المخاض هي من كانت أمها حاملا بالفعل أو بالقوة، لأن من شأن الإبل أن تحمل سنة وتربي أخرى، وبنت اللبون؛ تكون أمها لبونا، أي ذات لبن بوضع الحمل، والحقة بكسر الحاء سميت كذلك لاستحقاقها أن تركب، ويطرقها الفحل، والجذعة لأنها تجذع سنها أي تسقطه، وهي آخر ما يؤخذ من الزكاة في أسنان الإبل، وقد سمى العرب غيرها مما فوقها.
стр. 1063
• قوله:
٠٤ - «ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها؛ ففيها تبيع: عجل جذع قد أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين، فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى، وهي بنت أربع سنين، وهي ثنية، فما زاد؛ ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع».
في زكاة البقر فريضتان جاءتا فيما رواه مالك (٦٠٠) عن طاوس اليماني؛ أن معاذا الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأُتي بما دون ذلك، فأبى أن يأخذ منه، وقال: «لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله»، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ»، وهو منقطع، لأن طاوسا لم يلق معاذا، لكن الحديث جاء متصلا من رواية غير طاوس بمعنى ما رواه مالك عند أصحاب السنن، وحسنه الترمذي (٦٢٣)، وجاء أيضا من حديث ابن مسعود، وإنما جاءت زكاة البقر مقرونة باليمن؛ لأن تهامة ونجدا لم تكن أرض بقر.
والشارع لا يوجب الزكاة في غير الموجود، فلما كان معاذ في اليمن، وفيها البقر؛ ارتبط ذكر زكاتها بها، وقد أشار إلى هذا الأمر ابن العربي في المسالك، ولعل هذا يفسر سبب الاختلاف في ثبوت زكاة البقر بالنص المرفوع، ومن جنسه ما تقدم في زكاة الحرث من حصرها في الأربعة، وقد يكون من هذا القبيل ما رآه بعض الصحابة في مقدار الحنطة التي تعادل صاع الشعير وغيره لكونها كانت قليلة في الحجاز، وقيمتها أعلى، وهذا جدول في زكاة البقر:
- (٣٠) = تبيع، أو تبيعة.
- (٤٠) = مسنة.
стр. 1064
- (٦٠) = تبيعان.
- (٧٠) = تبيع، ومسنة.
- (٨٠) = مسنتان.
- (٩٠) = ثلاثة أتبعة.
سمي التبيع كذلك؛ لأنه يتبع أمه، وقيل لأنه يتبع قرناه أذنيه، وهو ما أوفى سنتين، ودخل في الثالثة، وهو ظاهر كلام المصنف، وقيل ما أوفى سنة، ودخل في الثانية، وهذا أقرب، قال في الصحاح: «التبيع ولد البقرة في أول سنة»، والمسنة بضم الميم وكسر السين؛ هي ما أوفت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وقيل ما أوفت أربع سنين، ودخلت في الخامسة، وكلام المؤلف محتمل للقولين، والأول أقرب.
стр. 1065
• قوله:
٠٥ - «ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها؛ ففيها شاة جذعة، أو ثنية، إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة؛ ففيها شاتان، إلى مائتي شاة، فإذا زادت واحدة؛ ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فما زاد؛ ففي كل مائة شاة».
في زكاة الغنم أربع فرائض مذكورة في حديث أنس المتقدم، قال: «وفي صدقة الغنم، في سائمتها إذا كانت أربعين؛ ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت؛ ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة؛ ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت؛ ففي كل مائة شاة،،،»، والمذهب أنه لا يشترط في المخرج أن يكون أنثى، لأن المطلوب إخراج شاة، والتاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وقال بعضهم لا يكفي إلا الأنثى، وهو في المسالك لابن العربي، ولعل ذلك بالقياس على زكاة الإبل، وقد تقدم توجيهه، وهذا جدول يبيّن زكاة الغنم:
- (٤٠) = (١) شاة
- (١٢١) = (٢) شاتان
- (٢٠١) = (٣) ثلاث شياه
- (٤٠٠) = (٤) أربع شياه
- (٥٠٠) = (٥) خمس شياه
стр. 1066
• قوله:
٠٦ - «ولا زكاة في الأوقاص، وهي ما بين الفريضتين من كل الأنعام».
الأوقاص جمع وقص بفتح القاف، ومرده في اللغة إلى قولهم وقص العنق، وهو قصوره، وسمي كذلك لنقصه عن النصاب، وقريب منه الشنق بفتح النون، والمراد هنا ما بين الفريضتين في الأنعام، فمثلا الوقص بين فريضتي أربعين، ومائة وواحد وعشرين في الغنم؛ هو ثمانون، والوقص بين فريضتي خمسة وعشرين، وستة وثلاثين في الإبل هو عشرة، والوقص بين فريضتي ثلاثين وأربعين في البقر هو تسعة، وكونه لا زكاة في الوقص هو المشهور، والقول الآخر أن فيه زكاة، وهو الراجح كما قالوا، وتظهر ثمرة الخلاف بين القولين في الخلطة، وسيأتي ذكرها، فمثلا خليطان لأحدهما خمسة عشر من الإبل، وللآخر تسعة، فالمجموع (٢٤)، والوقص أربعة، فعلى القول بأن لا زكاة في الأوقاص؛ يكون على صاحب الخمسة عشر؛ ثلاث شياه، وعلى صاحب التسعة شاة واحدة، وعلى القول الآخر؛ يكون عليهما أربع شياه، تجزأ أربعة وعشرين جزءا، على صاحب التسعة منها (٩/ ٢٤)، وعلى صاحب الخمسة (١٥/ ٢٤).
стр. 1067
• قوله:
٧ - «ويجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب».
هذا الضم نص عليه مالك في الموطإ (باب ما جاء في صدقة البقر)، واحتج بلفظ السائمة الذي في الحديث، وإنما قيل بضم الضأن إلى المعز؛ لأن كلا منهما يصدق عليه لفظ شاة، فاسم الجنس وهو شاة يدخل تحته ذوات الشعر، وذوات الصوف، وقد جاء الدليل على وجوب الزكاة على من كان عنده أربعون شاة كما تقدم، وهكذا فإن لفظ البقر يشمل البقر والجواميس، وقد وجبت الزكاة في الثلاثين منها، ولفظ الإبل يدخل تحته البخت والعراب، فيضم أحدهما إلى الآخر لتكميل النصاب، والبخت بضم الباء إبل ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان، والعراب بكسر العين هي إبل العرب، وصفة الأخذ في حال الضم تختلف، فإذا تساوى النوعان، كعشرين من الضأن، وعشرين من المعز؛ خير الساعي إن كان، فإن لم يكن فالظاهر أنه يخرج ضائنة للتأكد من براءة الذمة، وإن لم يتساو النوعان كعشرين من الضأن وثلاثين من المعز، أو العكس؛ أخرج من الأكثر على المشهور، وإن وجبت اثنتان وتساوى النوعان كواحد وستين من كل منهما؛ أخذ من كل صنف شاة، ومثل ذلك ما إذا لم يتساويا لكن كان الأقل نصابا وهو غير وقص، كمائة ضائنة وأربعين معزا، فإنه يخرج من كل شاة، فلو كان الأقل نصابا ولكنه وقص كمائة وإحدى وعشرين ضائنة، وأربعين معزا، أو بالعكس؛ أخذت الشاتان من الأكثر، وانظر بقية الصور في المنتقى للباجي، وشروح المصنفات.
стр. 1068
• قوله:
٠٨ - «وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية، ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة».
هذا طرف مما في كتاب عمر ﵁ وغيره في الزكاة، وعادة المصنف الإتيان بألفاظ نصوص الكتاب والسنة، والخلطة جعل مال اثنين أو أكثر مالا لواحد في الزكاة، والظاهر أن المقصود تيسير أخذ الجابي من الماشية الزكاة متى بلغت النصاب، لما في البحث عن المالكين من العسر، مع أن الزكاة كانت تؤخذ على المياه، وإنما يكون مع الماشية الرعاة لا المالكون في الغالب، فيأخذ الجابي ما ينبغي، ثم يتراد الخلطاء بعد ذلك، وهذا يقوي مذهب من لم ير اشتراط امتلاك كل من الخلطاء نصابا، لكن عورض بأن هناك موانع من أخذ الزكاة كعدم مرور الحول، والرق عند بعض أهل العلم وغير ذلك، فلا بد من أن يسأل الجابي عن ذلك، والمذهب اشتراط امتلاك كل من الخليطين النصاب حتى تكون الزكاة على الخلطة، وقد تمسك مالك في هذا بعمومات النصوص المفيدة كون الزكاة لا تجب فيما دون خمس ذود، وأربعين شاة، وثلاثين بقرة، وهذا فيه استصحاب العموم، وذهب ابن وهب إلى عدم اشتراط امتلاك المخالط النصاب، ولا بد مع ذلك أن تتوفر شروط الخلطة، وهي اتحاد النوع، وأن يقصد بها الارتفاق، وكون ذلك قبل الحول ما لم يقرب جدا، ونية الخلطة، وأن يملك كل نصابا على المشهور، وحلول حول كل نصاب، واجتماعهما في الجل من خمسة أشياء: الماء، والمبيت، والراعي، والفحل، والمراح، والمؤكد أنه لا يشترط جميع هذه الأمور، لكن قيل يشترط الجل وهو ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل يكفي الراعي.
والذي يترتب على زكاة الخلطاء؛ قد يكون فيه رفق بهم وتخفيف، وقد يكون فيه تشديد، فمثال الأول؛ أن يكون لكل من الخليطين أربعون شاة، فالواجب شاة واحدة، على
стр. 1069
كل منهما نصفها بالقيمة يوم الأخذ، وقال أشهب يوم الوفاء، يعني يوم التراد، ولو زكيا على الانفراد؛ لكان على كل منهما شاة، ومثال (التشديد)؛ أن يكون لكل منهما مائة وعشرون من الغنم، فالواجب ثلاث شياه، على كل منهما شاة ونصف بالقيمة، ولو زكيا على الانفراد؛ لكان الواجب على كل منهما شاة فحسب، وقد سبق القول أن راجح المذهب وجوب الزكاة في الوقص مع الخلط، وقد تقدم ذكر مثال له، فاستحضره هنا، فإن هذا هو موضعه لأنه في حال انفراد المرء بزكاة ماشيته لا يظهر للخلاف في زكاة الوقص أثر.
стр. 1070
• قوله:
٠٩ - «ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما بافتراقهما، أو باجتماعهما؛ أخذا بما كانا عليه قبل ذلك».
هذا أيضا من كتاب الزكاة المأثور، والمراد منه المنع من اللجوء إلى الحيلة لتجنب قدر المخرج زيادة أو نقصا، فيحتمل أن يكون النهي موجها إلى مالكي الماشية كل منهما ترعى غنمه على انفراد، فإذا اقترب مجيء الساعي ضما غنمهما بعضها إلى بعض لتقل الصدقة، وقد قيل إذا كان الخلط قبل الحول بشهرين؛ فهم خلطاء، وقيل ولو أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول جدا، ويكون غرضهما الهرب من الزكاة، ويحتمل أن يكون الكلام موجها إلى الجابي أيضا بحيث لا يقدم على الجمع أو على التفريق لتكثير الصدقة أو تقليلها.
ومثال الجمع بين المتفرق لتقليل الصدقة ثلاثة أشخاص لكل منهم أربعون شاة، فيجعلون ذلك شيئا واحدا، فلا يكون على كل منهم إلا ثلث شاة بالقيمة، وكان الواجب على كل منهم شاة، ومثال التفريق بين المجتمع خشية الصدقة؛ شخصان لكل منهما مائة شاة وشاة، فيفرقان غنمهما في آخر الحول خشية كثرة المأخوذ، فيؤخذ من كل منهما شاة، وكان الواجب عليهما في حال الجمع ثلاث شياه، فهذه حيلة محرمة، ومتى اطلع عليها أخذ من المالك الزكاة كما لو كان منفردا، لأنه في حكم مانع الزكاة، وكما لا يجوز أن يفعل المالك ذلك؛ لا يجوز أن يفعله الجابي ليكثر المأخوذ أو يقلله، لأن النبي ﷺ نهى عن الجمع والتفريق خشية الصدقة، فيشمل ذلك كل من فعله من أرباب الأموال والمصدقين، لأن في الأول أخذ حق المساكين، وفي الثاني إما أخذ حقهم، وإما أخذ مال الناس بالباطل.
стр. 1071
• قوله:
١٠ - «ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتعد على رب الغنم، ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل، وتعد عليهم، ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس».
وهذا تمام الإنصاف والعدل، وهو توجيه وتعليم للجباة، ثم هو حكم يعمل به المصدقون أنفسهم إن لم يكن جباة، فلا تؤخذ كرائم أموال الناس لما في ذلك من الإضرار بهم، ولا تؤخذ الشرار والصغار لأن في أخذها إجحافا بحق المساكين، والسخلة جمعها سخال هي الصغار من الغنم تحسب على المالك ولا تؤخذ، والعجاجيل جمع عجل هي صغار البقر، إذ الواجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، والفصلان بضم الفاء جمع فصيل؛ هو ولد الناقة الصغير، وقد تقدم أن أدنى ما يخرج من الإبل بنت مخاض، وتعد العجاجيل والفصلان على المالكين، والتيس ذكر المعز الصغير، وهو داخل في السخال، وقيل التيس ذكر المعز مطلقا، وهو من حيث اللغة صحيح، جاء فيه قول النبي ﷺ عن المحلل: «التيس المستعار»، والهرمة الكبيرة الهزيلة، والماخض الحامل التي ضربها الطلق، وقيل مطلقا، لأنها من خيار أموال الناس، والراجح أنها التي دنا ولادها، كأن أخذها يعني أخذ اثنتين، وإنما لا يؤخذ فحل الغنم سواء كان من الضأن أو من المعز؛ لأنه معد للطرق، فأخذه يفوت المنفعة على المالك، ولأنه من خيار الأموال، ومثله الشاة التي تعلف لتسمن، والربى بضم الراء وتشديد الباء هي التي تربي ولدها، وإنما نهي عن أخذها؛ لأنها إما أن تؤخذ وحدها؛ فيفرق بينها وبين ولدها، وفيه إضرار به وبها، وإما أن يؤخذ معها، فيكون في ذلك إضرار بالمالك.
стр. 1072
• قوله:
١١ - «ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها؛ أجزأه إن شاء الله».
هذا نص منه على عدم كفاية أخذ القيمة في الزكاة، والوارد في نصوص السنة؛ أخذ الزكاة من جنس ما وجبت فيه، عينا كان أو حرثا أو ماشية، لكن هل ذكر الشارع ما يجب إخراجه؛ هو من باب التنصيص على الأصل، فيكون ساكتا عن القيمة، لما في ذلك من التخفيف عن الناس والتيسير عليهم، فيعطون الزكاة مما بأيديهم، أو هو من باب إلزامهم بما ذكر، فلا يكفي أن يعطوا قيمة ما وجب عليهم؟.
ومشهور المذهب؛ أنه لا يكفي إعطاء القيمة في زكاة الماشية ولا في غيرها من العين والحرث، بل لا بد أن يكون المخرج من جنس ما وجب فيه، ولا يعترض على هذا بعدم إعطاء العروض قي زكاة التجارة، لأن الزكاة إنما وجبت في القيمة، وهو قول مالك في المدونة (١/ ٢٥٨)، وقد عقب سحنون ذلك قائلا: «وقد كره غير واحد شراء صدقة ماله، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله … »، انتهى، فيظهر أنه ذكر هذا تعليلا للمنع من إعطاء العروض بدلا من العين، قال ابن عبد السلام: وظاهر المدونة أنه من باب شراء الصدقة، لكن المذهب أن الحاكم إذا أجبر المزكي على أخذ القيمة أجزأه لأن حكمه يرفع الخلاف.
وقد اختلف في المسألة قول ابن القاسم، فقال مرة يجزئ طوعا كان ذلك أو كرها، وهو في العتبية، واشترط في كتاب ابن المواز الإكراه، وقال مرة يجزئ إن كان الحكام يضعونها مواضعها، يعني يعطونها للأصناف الثمانية، وذهب أشهب إلى إجزاء إخراج القيمة كما في شرح ابن ناجي، وقيد قوله زروق في شرحه بأخذ العرض عن العين.
وذكر أبو الحسن أن المعتمد إجزاء إخراج القيمة، فانظره مع حاشية علي الصعيدي
стр. 1073
(٢/ ١٠٨ و ١٠٩)، وإذا كان هذا مع السعة، وعدم قيام الحاجة إلى القيمة؛ فمتى كانت ثمة مصلحة للمعطى، كأن لا تكون له حاجة إلى الحب أو غيره، بحيث لا ينتفع به إلا ببيعه وأخذ ثمنه، أو كانت ثمة حاجة لتفريقه على جملة من المحتاجين كالبقرة والجمل يعطيان لساكن الحضر، ساغ إن شاء الله إخراج القيمة، وهكذا بيعه وتوزيع قيمته، لكن لا يأخذه المزكي، وهذا لا يقتصر على زكاة المال، بل يشمل غيرها كزكاة الفطر، والفدية، والكفارات، والله أعلم.
стр. 1074
• قوله:
١٢ - ولا يسقط الدين زكاة حب، ولا تمر، ولا ماشية».
فرق أهل المذهب بين زكاة العين، فإنها تسقط أو تنقص بالدين، وبين زكاة الحرث والماشية، فإنه متى امتلك المرء نصابا زكى، ولا عبرة بما عليه من الدين، وقد وجهوا الفرق بينهما أن العين أموال خفية لا تتعلق بها أنظار الناس، ولا يجبيها الحاكم إلا أن يطلبها، فيسع المرء احتساب دينه قبل الزكاة، بخلاف الحرث والماشية، ولأن الجباة كانوا يأخذون الزكاة ولا يسألون المالكين هل عليهم دين أو لا، وقد تقدم الكلام على ذلك فأغنى عن الإعادة.
стр. 1075
٢٧ - باب في زكاة الفطر
يقول عنها العامة الفطرة، وهي تسمية بديعة لأنها زكاة على الأنفس، وإنما أضيفت إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان، لكن اختلف في زمان الوجوب على أقوال خمسة، أشهرها اثنان، فقيل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم ومطرف أن وقت الوجوب طلوع الفجر، ووجه الأول أن ظهور الهلال ينقضى به زمن الصوم، أما القول الآخر فلأنه به يتبين الفطر بالفعل، ذكر الروايتين في النوادر (٢/ ٣٠٧)، والباجي في المنتقى (٢/ ١٩٠).
وعلى القول الأول؛ فإن من مات قبل الغروب؛ لا يجب إخراجها عنه، لأنه لم يدرك زمن الوجوب، وتخرج عمن ولد قبل الغروب، وعلى الثاني ينتقل الحكم إلى طلوع الفجر، والراجح الأول لحرمة تبييت الصوم ليلة العيد.
وقد تكلم المؤلف في هذا الباب عن حكم هذه الزكاة، ومقدار ما يُخرج، ومن تُخرج عنه، ومن يلزمه الإخراج، وعن وقت الإخراج.
стр. 1076
• قوله:
٠١ - «وزكاة الفطر سنة واجبة، فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير، أو صغير، ذكر، أو أنثى، حر، أو عبد، من المسلمين».
ما ذكره جزء من حديث ابن عمر ﵄، ونصه: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، رواه مالك (٦٢٩) مختصرا والشيخان (خ/ ١٥٠٣) وغيرهم، وقول ابن عمر فَرَض؛ معناه أوجب، وقيل معناه قدر، وقد ساق في نصب الراية (٢/ ٤١١) بعض الأحاديث، ثم قال: «وهذه الألفاظ تمنع تأويل الفرض المذكور في الصحيح بالفرض التقديري»، انتهى، ومما يقوي ما ذلك أنها سميت زكاة فهي فرد من أفرادها وهي واجبة.
وقول المؤلف ظاهر في أنها واجبة بالسنة، وهو مشهور المذهب، وقيل هي سنة مؤكدة، ونقل عن أشهب، وقد اعتمد مالك في القول بوجوبها على قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فهي فرد منها، النوادر (٢/ ٣٠٠)، وقال الحافظ في الفتح: «وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات،،،»، انتهى.
стр. 1077
• قوله:
٠٢ - «صاعا عن كل نفس بصاع النبي ﷺ ».
هذا من نص الحديث المتقدم بالمعنى، فإن قوله عن كل نفس؛ يعم الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد، ولا يكفي ما دون الصاع كيفما كان المخرج منه، ويظهر أن مالكا من جملة ما رامه في موطئه (٦٣٠) تحت ترجمة مكيلة زكاة الفطر بروايته حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو في الصحيحين أيضا - قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب وذلك بصاع النبي ﷺ »؛ أراد أن يرد قول من قال بكفاية نصف صاع من البر، وهو مذهب الحنفية، قال في النوادر: «وأنكر مالك ما روي في الحديث من نصف صاع، ولم يصح عنده»، انتهى، وقد رأى بعض الصحابة ذلك، منهم عمر بن الخطاب وهو في سنن أبي داود (١٦١٤)، ورواه البخاري مختصرا، ورأى ذلك أيضا معاوية ﵁، وهو في الصحيحين (خ/ ١٥٠٨)، وقد قيل إن ذلك كان اجتهادا منهم في مقدار قيمة القمح التي تقابل الصاع من التمر والشعير وغيرهما مما ورد في المرفوع لقلة الحنطة في أرض الحجاز، ولغلاء ثمنها يومئذ، أما حديث أبي سعيد فلا يستقيم الرد به على الحنفية ومن ذهب مذهبهم، لأنه لا يتعين أن يكون المراد من الطعام فيه البر كما أفاض في الحديث عن ذلك الحافظ في فتح الباري أثناء كلامه على ما تحت ترجمة البخاري (باب صاع من زبيب)، فإن ثبت نصف الصاع من البر مرفوعا ولا إخاله إلا كذلك فهو توقيت يلتزم.
قلت: وقد جاء ذلك من قوله ﷺ : «أدوا صاعا من بر أو قمح بين اثنين أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل حر وعبد وصغير وكبير»، رواه الدارقطني وأحمد عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه، وهو في الصحيحة برقم (١١٧٧).
وقال مالك: «والكفارات كلها، وزكاة الفطر، وزكاة العشور، كل ذلك بالمد الصغير
стр. 1078
مد النبي ﷺ ، إلا الظهار فإنه بمد هشام»، انتهى، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين.
ولا فائدة في التحديد بالوزن لاختلاف المواد في الكثافة، وقد رأيت بعض من كتب في ذلك يذكر وزن الصاع من غير أن يبين من أي المواد هذا الوزن؟، وإنما النافع معرفة سعة الصاع، وقد تقدم أن حجم المد نحو ٠.٦٩ ل من المائة من اللتر، فيكون حجم الصاع مساويا (٠.٦٩) × (٤) = ٢.٧٦ ل.
ولا يكفي ما دون الصاع للقادر عليه، ولو كان ثمنه أغلى من غيره، لكن من لم يقدر إلا على بعض الواجب كآصع هي دون عدد من يجب عليه إخراج الزكاة عنهم، أو بعض صاع عن واحد منهم أو عن نفسه؛ تعين عليه إخراج ما قدر عليه، إذ لا يشترط في المزكي أن يكون غنيا، بل كل من كان عنده ما يزيد عن حاجته يوم العيد أخرج الزائد للإطلاق الذي في الحديث، وبهذا يكون كثير ممن وجب عليهم إخراج زكاة الفطر مستحقين لأخذها، لانطباق وصف الفقر عليهم، فكأن من حكمة مشروعيتها حض المسلم على التعود على أن يتصدق بما يقدر، وأن لا يكون همه الادخار، بل ينبغي أن يعيش متضامنا مع غيره ممن هو دونه في الرزق، ويتضامن غيره معه ممن هو فوقه، بل إن المذهب أن من وجد من يسلفه، وكان له وفاء تسلف وأخرج، قال في المدونة (١/ ٢٨٩): «أرأيت من تحل له زكاة الفطر، أيؤديها في قول مالك؟، قال: نعم، قلت: فالرجل يكون محتاجا؛ أيكون عليه صدقة الفطر؟، قال: قال لي مالك: «إن وجد فليؤد»، قال: فقلنا له: «فإن وجد من يسلفه»؟، قال: «فليتسلف، وليؤد»، لكن لا يظهر الإيجاب على من هذا شأنه.
стр. 1079
• قوله:
٠٣ - «وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد: من بر، أو شعير، أو سلت، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو دخن، أو ذرة، أو أرز، وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه، وهو حب صغير يقرب من خلقة البر».
السلت بضم السين وسكون الميم؛ نوع من الشعير، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف؛ اللبن المجفف غير منزوع الزبد، وقيل ولو منزوعه، والعلس بفتحتين قد بينه المؤلف، وما ذكره مما تخرج منه زكاة الفطر، وهو التسعة الأولى؛ هو عين ما في المدونة: (١/ ٢٩٣)، وأضاف العلس ابن حبيب، قال زروق ويسمى في جبال بلادنا نيشنتيت، وقال أشهب لا تخرج إلا من الأربعة المذكورة في الحديث، والظاهر خلافه، إذ ليس المراد منه، ولا مما ذكره المصنف وغيره الحصر، بل المطلوب أن يخرج من غالب قوت أهل البلد، سواء كان مما ذكر، أو من غيره مما قاسه عليه أهل العلم، لكن قال بعضهم لا يصح الإخراج من غيرها إذا كانت موجودة، فإن لم توجد جاز، وقيل العبرة بغالب قوت المزكي وهو الأقرب، قال ابن العربي: «مساكينهم شركاؤهم لا يتكلفون لهم بغير ما عندهم، ولا يحرمونهم مما بأيديهم»، نقله عنه ابن ناجي في شرحه، ولو قيل إن المراد الحصر في تلك العشرة أو غيرها؛ لكان لا يجب على الذين يقتاتون السمك أو اللحم أو البطاطس زكاة، وهذا بعيد عن قصد الشارع منها.
وفي المدونة (١/ ٢٩٣): قيل لمالك: «فالدقيق والسويق؟، قال: لا يجزئه»، ولعل ذلك لكونه اعتبره كالقيمة للصاع، وقد يكون أقل منه، ومالك يرى أن لا يخرج المزكي أكثر من صاع، فإن أراد أن يتطوع فلا يجمع ذلك مع زكاة الفطر، والشارع قدر المخرج بصاع، وصاع دقيق يختلف عن صاع قمح أو شعير، لكن الذي يظهر هو الإجزاء، بل هو اليوم من الإحسان إلى الفقراء لعدم تمكنهم من الطحن والتصفية.
стр. 1080
ثم وجدت ابن أبي زيد يقول في النوادر (٢/ ٣٠٢): «وأما الدقيق فإنما نهي عنه لريعه، فمن أخرج منه قدر ما يزيد عن كيل القمح أجزأه»، انتهى، والريع النماء والزيادة، قال ابن العربي: «يخرج من قوت كل أمة، من اللبن لبنا، ومن اللحم لحما، ومن التين تينا، ولو أكلوا ما أكلوا»، انتهى، وهو المشهور، وهو قول ابن القاسم.
فالمقصود من زكاة الفطر أمران: أولهما: أنها طهرة للصائم، والثاني: أنها يستغني بها الآخذ عن السؤال يوم العيد، وهما أمران يتحققان بكل ما يقتات به الناس، بل وبالقيمة أيضا متى دعت إليها مصلحة راجحة، أو حاجة الآخذ، قال ابن عباس ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات»، رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة (١٨٢٧) وغيرهما، وابتدأ به الدارقطني كتاب زكاة الفطر وقال: «ليس فيهم مجروح»، وقوى سنده محققا زاد المعاد لابن القيم.
стр. 1081
• قوله:
٠٤ - «ويخرج عن العبد سيده، والصغير لا مال له؛ يخرج عنه والده، ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته، وعن مكاتبه، وإن كان لا ينفق عليه، لأنه عبد له بعد».
القاعدة أن المرء يخرج زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته من المسلمين بقرابة، أو نكاح، أو ملك، صرح بذلك في المدونة، وقد ورد التقييد بأن يكونوا من المسلمين في حديث عبد الله بن عمر المتقدم، فيخرج عن الزوجة، ولو كانت غنية، ما دامت في العصمة، والمطلقة طلاقا رجعيا هي في العصمة، وعن الولد والوالد إذا لم يكن لهم مال، وعن المكفول، والمملوك، ويخرج عن الذكور من أولاده حتى يبلغوا قادرين على الكسب، وعن الإناث حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يدعون إلى الدخول.
ويدل على ما سبق الزيادة التي في رواية الدارقطني لحديث ابن عمر في زكاة الفطر بلفظ: «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون»، وهو في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني، فإن قوله تمونون معناه تقومون بكفايتهم وتتحملون مؤونتهم.
стр. 1082
• قوله:
٠٥ - «ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر».
لزكاة الفطر وقت إجزاء، ووقت فضيلة، ووقت قضاء، أما وقت الإجزاء؛ فهو قبل العيد بيوم أو يومين، أي ابتداء من ليلة التاسع والعشرين، ففي الموطإ (٦٣٢) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، وفي الصحيحين (خ/ ١٥١١): «وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين»، والمقصود بمن يقبلونها الذين ينصبهم الإمام لقبضها، فيمكن أن يقال إن تقديمها على زمن الوجوب إنما كان للعلة المذكورة، وهي تمكن الجباة من جمعها وتوزيعها، وقد جاء ما يدل على هذا في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري (٢٣١١) في كتاب الوكالة، وفيه: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان»، وفيه أنه جاءه الشيطان ثلاث ليال، مما يدل على أن إخراجها كان متقدما على العيد بيومين على الأقل.
واعلم أن إطلاق القول بجواز إخراجها باليوم واليومين من غير قيد كون ذلك لتسليمها لمن يوزعها؛ مخالف لمشهور المذهب من أن من ولي توزيعها بنفسه لا يجزئه إن أخرجها قبل وقت وجوبها، صرح به الباجي في المنتقى (٢/ ١٩٠)، والقيد واضح في حديث ابن عمر، ورواية ابن القاسم يجوز ذلك من غير قيد بناء على جواز إخراج الزكاة قبل أوان وجوبها.
أما وقتها المفضل؛ فهو ما بين طلوع الفجر من يوم العيد إلى أن تؤدى الصلاة، وذلك لما ورد في حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ومثله حديث ابن عباس عند أبي داود وابن ماجة، وانظر كيف رتب وقت إخراج زكاة الفطر على ما قبل الخروج إلى المصلى، لأن الغرض منها نفع الغير بها، ورتب وقت الأضحية على ما بعد الصلاة، لأنها ليست متمحضة للغير، ولكون الأضحية محتاجة
стр. 1083
إلى معالجة وصناعة.
فإن قلت: كيف يكون إخراجها قبل الصلاة مندوبا وقد جاء في الحديث أمر رسول الله ﷺ بذلك، فالجواب أنهم قالوا إن التقييد بما قبل الصلاة لأنه أول النهار، والمقصود إغناؤهم عن السؤال في يوم العيد، وقد قال مالك في الموطإ تحت ترجمة (وقت إرسال زكاة الفطر): «وذلك واسع إن شاء الله أن تؤدى قبل الغدو من يوم الفطر وبعده»، انتهى، وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات»، رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي، وفيه كما ترى خلاف ما مضى من قول مالك، فينبغي إخراجها قبل الصلاة، وفيه أيضا بيان لمقصد الشرع من هذه الزكاة في المعطي والآخذ، وهو يرجح أن مصرفها ليس مصرف زكاة الأموال الثمانية، بل خصوص المساكين كما هو المذهب، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان الجمهور على أن مصارفها هي مصارف زكاة الأموال، قال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٢٢): «وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه،،،»، انتهى.
وينبغي للمسلم أن يتخير من يعطيه زكاة الفطر وزكاة المال من الذين يتوفر فيهم الوصف المعتبر شرعا، وأن يكونوا من المصلين، وأن لا يكونوا من أهل البدع المكفرة، ولا من الذين يستعينون بالزكاة على المعاصي، فإن نعم الدنيا إنما خلقها الله تعالى ليستعان بها على طاعته، والكفار يستمتعون بها تبعا للمؤمنين، على أن تكون يوم القيامة خالصة لهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وأهل العلم على أن من أخرها عن وقتها أثم، وترتبت في ذمته فيلزمه إخراجها، وتكون صدقة من الصدقات، وينبغي له التوبة والاستغفار، والمتجه أن يفرق بين متعمد تأخير إخراجها فلا يخرجها بخلاف من جهل الحكم أو نسيها، وعن عكرمة قال: «يقدم الرجل زكاته يوم فطره بين يدي صلاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]، يعني ليقتدي بالترتيب الذي في القرآن حيث ذكرت زكاة الفطر
стр. 1084
قبل صلاة العيد، ونظير هذا أن النبي ﷺ لما رقي الصفا قال: أبدا بما بدأ الله به، وفي رواية ابدأوا على الأمر، وكان ابن مسعود يقول: «رحم الله امرأ تصدق ثم صلى»، ويقرأ هذه الآية، وانظر تفسيير البغوي والقرطبي مع ملاحظة أن سورة الأعلى مكية، ولم يفرض بمكة لا صيام رمضان ولا زكاة الفطر.
وفي المدونة قلت: «أرأيت زكاة الفطر، هل يبعث فيها الوالي من يقبضها»؟، فقال: قال مالك وسألناه عنها سرا، فقال لنا: «أرى أن يفرق كل قوم زكاة الفطر في مواضعهم: أهل القرى حيث هم في قراهم، وأهل العمود حيث هم، وأهل المدائن في مدائنهم»، قال: ويفرقونها هم ولا يدفعونها للسلطان إن كان لا يعدل فيها، قال: «وقد أخبرتك في قول مالك إذا كان الإمام يعدل؛ لم يسع أحدا أن يفرق شيئا من الزكاة، ولكن يدفع ذلك إلى الإمام».
стр. 1085
• قوله:
٠٦ - «ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى، ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق، ويرجع من أخرى».
اعتنى الشرع بالفصل والتمييز بين العادات والعبادات عناية عظيمة، فكانت النية شرطا في صحة العبادة، ورتب الأجر على النية فيما كان من الأعمال عادة، وندب إلى تعجيل الفطر لانتهاء وقت العبادة، وتأخير السحور لامتداد وقت العادة، ومن هذا القبيل النهي عن صوم يوم الشك، واستحباب الفطر يوم عيد الفطر قبل الذهاب إلى المصلى، ولا يستحب ذلك في عيد الأضحى؛ لأنه ليس قبله صوم لازم بالزمن، ومنه عدم الزيادة على الواجب في زكاة الفطر وغيرها عند المالكية كي تحفظ حدود الشرع، قال ابن قدامة: «الحكمة في ذلك أن يوم الفطر حرم فيه الصيام عقب وجوبه، فاستحب تعجيل الفطر لإظهار المبادرة إلى طاعة الله وامتثال أمره في الفطر، على خلاف العادة، والأضحى بخلافه، مع ما فيه من استحباب الفطر على شيء من أضحيته»، انتهى.
وقد روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، وكان يأكلهن وترا»، وإنما جعلهن وترا إشارة إلى الوحدانية، وكذا كان ﷺ يفعل في جميع أموره تبركا بذلك، ولذلك لا يبعد أن يقال بمثل هذا في الفطر من الصيام وإن لم يأت التقييد بالوتر، والله أعلم.
وقد روى مالك (٤٣١) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يأكل يوم عيد الفطر قبل أن يغدو»، وقال عن سعيد بن المسيب إنه أخبره أن الناس كانوا يؤمرون بالأكل يوم الفطر قبل الغدو»، قال مالك: ولا أرى ذلك على الناس في الأضحى»، فلم يستعمل القياس ﵀ للفارق.
وقد جاء في تأجيل الفطر يوم الأضحى إلى ما بعد الصلاة ما رواه الترمذي (٥٤٢)
стр. 1086
وقال غريب، والحاكم عن بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطعم، ولا يَطعم يوم الأضحى حتى يصلي»، صححه الألباني.
وقال الحافظ الفتح (/ ٥٧٨) بعد سوقه ثلاثة أحاديث في المسألة: «وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال»، وعند أحمد والدارقطني زيادة «فيأكل من أضحيته»، وهي زيادة صححها ابن القطان، قال ذلك الزيلعي في نصب الراية، وانظر تحفة الأحوذي للمباركفوري، لكن الأكل قبل الصلاة جائز لتقريره ﵌ أبا بردة عليه، أما سلوك من رجع من صلاة العيد طريقا غير الطريق الذي سلكه في ذهابه؛ فقد كرره المؤلف لمناسبته الحديث عن زكاة الفطر، وتقدم الكلام عليه وذكر دليله من فعل النبي ﷺ في صلاة العيد من الجزء الأول، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1087
٢٨ - باب في الحج والعمرة
الحج هو خامس أركان الإسلام، وهو عبادة بدنية مالية، فيها إنفاق المال، وتعب البدن، وفيها التقرب إلى الله تعالى بالذبائح، وفيها من كمال التسليم لله ما ليس في غيرها، وقد أوجب الله فيها ضربا من التقشف والابتذال، وحرم فيها ما لم يحرم في غيرها، كالنكاح والطيب وإزالة التفث، ويتعين فيها السفر على غالب الحجاج، ولذلك كان فيها من شرط الاستطاعة ما ليس فيما عداها، فالحج كالدورة التدريبية، أوجبها الشرع مرة واحدة في العمر تخفيفا عن الناس، ولولا أنها كذلك؛ لخلت بلدان المسلمين منهم، وتعطلت بقية مصالح دينهم ودنياهم، وقد جاء الترغيب في التطوع بالحج والعمرة وتكريرهما، فقال النبي ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة»، رواه النسائي والترمذي (٨١٠) عن عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن ماجة (٢٨٨٧) عن عمر بسند ضعيف، والحج المبرور الذي لا معصية فيه، يؤيده قول النبي ﷺ : «من حج فلم يرفث، ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه»، وقيل المبرور الذي لا معصية بعده، وجعل الشرع الحج للنساء جهادا، ولعل الضعفاء مثلهن، فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد»؟، قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور»، رواه البخاري (١٥٢٠)، وقال عمر: «إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة، فإنه أحد الجهادين»، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٨٠٨)، وعلقه البخاري نحوه، ومعنى وضع السروج الرجوع من الغزو، والسفر لأجل النسك والجهاد هو ما سافر من أجله النبي ﷺ .
قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨٠): «وتسمية الحج جهادا إما من باب التغليب، أو على الحقيقة، والمراد جهاد النفس لما فيه من إدخال المشقة على البدن والمال».
والكعبة هي الموضع الذي دحيت الأرض من تحته، وهي قبلة المسلمين أحياء
стр. 1088
وأمواتا، يتجهون إليها في صلواتهم في أي جهة كانوا، ولذلك عرفوا بأهل القبلة، فأوجب الله على المستطيع منهم أن يجمع إلى هذا التوجه اليومي إليها بوجهه سفرا يراها فيه بعينه، وخصها الله تعالى هي وما حولها بعبادات لا توجد في غيرها، وقد قال الله عنها: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] أي جعل الكعبة سببا لقيام مصالح الناس ومنافعهم الدينية والدنيوية، إنهم يأمنون فيها مما يخافونه في غيرها، ويؤدون فيها وفيما حولها العبادات التي تزكو بها نفوسهم، وتتطهر قلوبهم، وتغفر ذنوبهم، وقد أودع في نفوس الناس حتى الكفار من تعظيمها وإكبار شأنها ما لا يكون من غير تقديره سبحانه، قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والظاهر أن الكعبة أول بناء ظهر على الأرض مع كونه خاصا بعبادة الله، وهو ظاهر آية سورة آل عمران، وكون الحديث قد صح في بناء إبراهيم ﵇ له؛ لا يمنع ما تقدم لظواهر نصوص وآثار عدة مع كون الأنبياء قد حجوه.
وقد تواطأ العرب على أن أحدهم لو وجد قاتل أبيه بالحرم لا يثأر منه، فأقر ذلك في هذا الدين الخاتم، بل زاد عليه المنع من الصيد وترويع الحيوان في الحرم للحلال وللمحرم في أي مكان كان، وزاد المنع من إتلاف النبات غير الإذخر، إذ قال رسول الله ﷺ : «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها؛ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ﷺ ، ولم يأذن لك، وإنما أذن لي فيه ساعة من النهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب»، رواه الشيخان، واللفظ للترمذي أول كتاب الحج، وحرم رسول الله ﷺ المدينة أيضا إذ قال: «ما بين لابتيها حرام»، رواه البخاري عن أبي هريرة.
قال ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة (١/ ١٤٤): «حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر فيه حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات بينات قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين
стр. 1089
لشعائر الله متضرعين راجين وراغبين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو قوله ﷺ : «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة».
والحج في اللغة القصد، يقال حج فلان فلانا إذا قصده، وقيل هو القصد مع قيد التكرار، ويستعمل عند أهل الديانات - وهي باطلة غير الإسلام - في القصد إلى معظم، وهو بفتح الحاء وكسرها، والقياس الفتح لأنه مصدر فعل ثلاثي متعد، وما قيل عن الكسر إنه لغة شاذة كما في صحيح فقه السنة؛ فمما لا يلتفت إليه، فقد قرئ بهما في القرآن، أما الحج في الشرع؛ فهو عبادة ذات إحرام وطواف وسعي، ووقوف بعرفة، وغير ذلك تقربا لله تعالى».
والعمرة بضم العين هي الزيارة، يقال اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وقد يكون مرجعها إلى عمارة المكان، وفي الشرع مثل الحج، غير أنه ليس كل ما يطالب به الحاج يطالب به المعتمر، فهي حج أصغر كما قالوا، ومن الفرق بينهما أن زمن الحج محدد في أشهر لا يتعداها، بخلاف العمرة، والحج متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في حكمها، وفي جواز تكرارها في العام، وهي مثل الحج في محرمات الإحرام، كما أنها مثله في الأركان، غير الوقوف بعرفة، وما تلاه من الأعمال.
стр. 1090
• قوله:
٠١ - «وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا»
المدينة التي يقع فيها بيت الله الحرام تسمى مكة بالميم وبكة بالباء، وكلاهما في القرآن، وقد قيل إن بكة لغة في مكة لتقارب مخرجي الميم والباء، وهذا هو الأقوى نحو لازب ولازم، وقيل إن بكة اسم بطن مكة حيث الحرم، سميت بذلك لازدحام الناس فيه، ومكة للبلدة، وقريب منه ما قاله مالك كما هو في العتبية، وقيل سميت كذلك لأنها كانت تبك أي تدق أعناق الجبابرة، وقيل إنها كلمة كلدانية، وقواه الشيخ الطاهر بن عاشور لارتباطها بذكر كونها أول بيت وضع للناس وبانيه إبراهيم ﵊، وهو من أرض الكلدانيين.
وأضيف الحج إلى البيت الحرام؛ لأن البيت هو المقصود بالأصالة، وغيره تبع له، وكون الحج فرضا على المستطيع مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد دل على ذلك قول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال النبي ﷺ حين ذكر ما بني عليه الإسلام من الأركان: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وفي صحيح مسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم؛ لوجبت ولما استطعتم،،، الحديث، وهو دال على أن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، وأن الحج فرض مرة في العمر، لكنه يجب على من نذره، فمن جحد وجوب الحج كفر، ومن تركه مع توفر شرطه الذي سيذكر بعد؛ فالله حسيبه، وقد ذكر هذا المؤلف في أحكام الدماء، وشدد فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فخرج كلامه مخرج التغليظ إذ قال: «لقد هممت أن أبعث
следующие страницы →