← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقال غريب، والحاكم عن بريدة قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يَطعم، ولا يَطعم يوم الأضحى حتى يصلي»، صححه الألباني. وقال الحافظ الفتح (/ ٥٧٨) بعد سوقه ثلاثة أحاديث في المسألة: «وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال»، وعند أحمد والدارقطني زيادة «فيأكل من أضحيته»، وهي زيادة صححها ابن القطان، قال ذلك الزيلعي في نصب الراية، وانظر تحفة الأحوذي للمباركفوري، لكن الأكل قبل الصلاة جائز لتقريره ﵌ أبا بردة عليه، أما سلوك من رجع من صلاة العيد طريقا غير الطريق الذي سلكه في ذهابه؛ فقد كرره المؤلف لمناسبته الحديث عن زكاة الفطر، وتقدم الكلام عليه وذكر دليله من فعل النبي ﷺ في صلاة العيد من الجزء الأول، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1087

٢٨ - باب في الحج والعمرة الحج هو خامس أركان الإسلام، وهو عبادة بدنية مالية، فيها إنفاق المال، وتعب البدن، وفيها التقرب إلى الله تعالى بالذبائح، وفيها من كمال التسليم لله ما ليس في غيرها، وقد أوجب الله فيها ضربا من التقشف والابتذال، وحرم فيها ما لم يحرم في غيرها، كالنكاح والطيب وإزالة التفث، ويتعين فيها السفر على غالب الحجاج، ولذلك كان فيها من شرط الاستطاعة ما ليس فيما عداها، فالحج كالدورة التدريبية، أوجبها الشرع مرة واحدة في العمر تخفيفا عن الناس، ولولا أنها كذلك؛ لخلت بلدان المسلمين منهم، وتعطلت بقية مصالح دينهم ودنياهم، وقد جاء الترغيب في التطوع بالحج والعمرة وتكريرهما، فقال النبي ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة»، رواه النسائي والترمذي (٨١٠) عن عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن ماجة (٢٨٨٧) عن عمر بسند ضعيف، والحج المبرور الذي لا معصية فيه، يؤيده قول النبي ﷺ : «من حج فلم يرفث، ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه»، وقيل المبرور الذي لا معصية بعده، وجعل الشرع الحج للنساء جهادا، ولعل الضعفاء مثلهن، فعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد»؟، قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد: حج مبرور»، رواه البخاري (١٥٢٠)، وقال عمر: «إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة، فإنه أحد الجهادين»، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٨٠٨)، وعلقه البخاري نحوه، ومعنى وضع السروج الرجوع من الغزو، والسفر لأجل النسك والجهاد هو ما سافر من أجله النبي ﷺ . قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨٠): «وتسمية الحج جهادا إما من باب التغليب، أو على الحقيقة، والمراد جهاد النفس لما فيه من إدخال المشقة على البدن والمال». والكعبة هي الموضع الذي دحيت الأرض من تحته، وهي قبلة المسلمين أحياء

стр. 1088

وأمواتا، يتجهون إليها في صلواتهم في أي جهة كانوا، ولذلك عرفوا بأهل القبلة، فأوجب الله على المستطيع منهم أن يجمع إلى هذا التوجه اليومي إليها بوجهه سفرا يراها فيه بعينه، وخصها الله تعالى هي وما حولها بعبادات لا توجد في غيرها، وقد قال الله عنها: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] أي جعل الكعبة سببا لقيام مصالح الناس ومنافعهم الدينية والدنيوية، إنهم يأمنون فيها مما يخافونه في غيرها، ويؤدون فيها وفيما حولها العبادات التي تزكو بها نفوسهم، وتتطهر قلوبهم، وتغفر ذنوبهم، وقد أودع في نفوس الناس حتى الكفار من تعظيمها وإكبار شأنها ما لا يكون من غير تقديره سبحانه، قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]. والظاهر أن الكعبة أول بناء ظهر على الأرض مع كونه خاصا بعبادة الله، وهو ظاهر آية سورة آل عمران، وكون الحديث قد صح في بناء إبراهيم ﵇ له؛ لا يمنع ما تقدم لظواهر نصوص وآثار عدة مع كون الأنبياء قد حجوه. وقد تواطأ العرب على أن أحدهم لو وجد قاتل أبيه بالحرم لا يثأر منه، فأقر ذلك في هذا الدين الخاتم، بل زاد عليه المنع من الصيد وترويع الحيوان في الحرم للحلال وللمحرم في أي مكان كان، وزاد المنع من إتلاف النبات غير الإذخر، إذ قال رسول الله ﷺ : «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها؛ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ﷺ ، ولم يأذن لك، وإنما أذن لي فيه ساعة من النهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب»، رواه الشيخان، واللفظ للترمذي أول كتاب الحج، وحرم رسول الله ﷺ المدينة أيضا إذ قال: «ما بين لابتيها حرام»، رواه البخاري عن أبي هريرة. قال ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة (١/ ١٤٤): «حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر فيه حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات بينات قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين

стр. 1089

لشعائر الله متضرعين راجين وراغبين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو قوله ﷺ : «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة». والحج في اللغة القصد، يقال حج فلان فلانا إذا قصده، وقيل هو القصد مع قيد التكرار، ويستعمل عند أهل الديانات - وهي باطلة غير الإسلام - في القصد إلى معظم، وهو بفتح الحاء وكسرها، والقياس الفتح لأنه مصدر فعل ثلاثي متعد، وما قيل عن الكسر إنه لغة شاذة كما في صحيح فقه السنة؛ فمما لا يلتفت إليه، فقد قرئ بهما في القرآن، أما الحج في الشرع؛ فهو عبادة ذات إحرام وطواف وسعي، ووقوف بعرفة، وغير ذلك تقربا لله تعالى». والعمرة بضم العين هي الزيارة، يقال اعتمر فلان فلانا إذا زاره، وقد يكون مرجعها إلى عمارة المكان، وفي الشرع مثل الحج، غير أنه ليس كل ما يطالب به الحاج يطالب به المعتمر، فهي حج أصغر كما قالوا، ومن الفرق بينهما أن زمن الحج محدد في أشهر لا يتعداها، بخلاف العمرة، والحج متفق على وجوبه، والعمرة مختلف في حكمها، وفي جواز تكرارها في العام، وهي مثل الحج في محرمات الإحرام، كما أنها مثله في الأركان، غير الوقوف بعرفة، وما تلاه من الأعمال.

стр. 1090

• قوله: ٠١ - «وحج بيت الله الحرام الذي ببكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا» المدينة التي يقع فيها بيت الله الحرام تسمى مكة بالميم وبكة بالباء، وكلاهما في القرآن، وقد قيل إن بكة لغة في مكة لتقارب مخرجي الميم والباء، وهذا هو الأقوى نحو لازب ولازم، وقيل إن بكة اسم بطن مكة حيث الحرم، سميت بذلك لازدحام الناس فيه، ومكة للبلدة، وقريب منه ما قاله مالك كما هو في العتبية، وقيل سميت كذلك لأنها كانت تبك أي تدق أعناق الجبابرة، وقيل إنها كلمة كلدانية، وقواه الشيخ الطاهر بن عاشور لارتباطها بذكر كونها أول بيت وضع للناس وبانيه إبراهيم ﵊، وهو من أرض الكلدانيين. وأضيف الحج إلى البيت الحرام؛ لأن البيت هو المقصود بالأصالة، وغيره تبع له، وكون الحج فرضا على المستطيع مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد دل على ذلك قول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال النبي ﷺ حين ذكر ما بني عليه الإسلام من الأركان: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وفي صحيح مسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم؛ لوجبت ولما استطعتم،،، الحديث، وهو دال على أن الأمر المطلق لا يدل على التكرار، وأن الحج فرض مرة في العمر، لكنه يجب على من نذره، فمن جحد وجوب الحج كفر، ومن تركه مع توفر شرطه الذي سيذكر بعد؛ فالله حسيبه، وقد ذكر هذا المؤلف في أحكام الدماء، وشدد فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فخرج كلامه مخرج التغليظ إذ قال: «لقد هممت أن أبعث

стр. 1091

رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة، ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين، رواه عنه سعيد بن منصور بسند صحيح قاله الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٧)، وانظر الدر المنثور للسيوطي. وجاء في حج التطوع قول الله تعالى في الحديث القدسي: «إن عبدًا أصححت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم»، رواه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، كما في الصحيحة برقم (١٦٦١)، وفيه حجة على أن الإنكار على من يكرر الحج والعمرة بدعوى أنه ينبغي أن ينفق في أوجه أخرى ليس على إطلاقه، والله أعلم. وقد اختلف في وجوب الحج على المستطيع هل هو على الفور، أو على التراخي، والفور هو أصل المذهب، والتراخي لأهل المغرب، ونص ابن العربي في أحكام القرآن على أن لا قول لمالك في المسألة، وذكر ابن خُوَيزمنداد كما في تفسير القرطبي أن تحصيل مذهب مالك التراخي، وجمهور البغداديين من المالكية على الفور، وقد احتج ابن عبد البر له بأن من أخر الحج وهو قادر عليه؛ لا يفسق بإجماع المسلمين، ولا يقال عنه إن حج بعد تأخير إنه قضى الحج كما يقال ذلك عمن أخر الصلاة، قال كاتبه: هذا ليس بحجة، لأنه مصادرة على المطلوب، على أن الإجماع كثيرا ما ادعي، وسبب هذا الاختلاف؛ عدم حج النبي ﷺ في العام الذي فرض فيه الحج، قالوا وقد ذكر في سورة الحج وهي مكية، وأنت تعلم أن سورة الحج إنما ذكر فيها ما أمر الله به نبيه إبراهيم ﵊ من الأذان في الناس به، وهذا سابق على الإسلام، وكان العرب يحجون، وقد حج النبي ﷺ مرتين قبل افتراض الحج، وفي كون سورة الحج مكية خلاف، بل الظاهر أنها مدنية لافتراض الجهاد فيها، وروى أحمد وابن ماجة (٢٨٨٣) عن الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من أراد الحج؛ فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»، وهو في صحيح الجامع، وجاء بلفظ: «تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»، رواه أحمد عن ابن عباس، وهذا كاف في ترجيح القول بأن الحج على الفور، فكيف بأمر الله تعالى بالمسارعة إلى الخيرات، وامتداحه عباده على ذلك.

стр. 1092

واختلف في العام الذي فرض فيه الحج على أقوال، فقيل فرض سنة خمس وقيل ست، وقيل سبع، وقيل ثمان، وقيل عشر، ولو افترضنا أنه فرض من قبل فإن الاستطاعة كانت مفقودة، وقد قال القاضي إسماعيل في توجيه القول بالفور ما نصه من جملة كلام له: «،،، ويستبعد أن يفرض عليه الحج فيحج أبو بكر قبله، ولو كان مفروضا يومئذ فأخره ﵊ لم يشبه غيره لأن الله سبحانه أخبره أنه يفتح عليه، ويدخل مكة آمنا، فكان على ثقة، فكيف يجوز لمن كان عليه فرض وهو غير معلوم بقاؤه إليه؛ أن يؤخره، وليس على علم من تأخر عمره»، وهو في غاية القوة كما ترى، وللألباني ﵀ كما في كتاب الموسوعة الفقهية للشيخ العوايشة قول يشبهه، ومعلوم أن مكة فتحت سنة ثمان وولى النبي ﷺ عليها عتاب بن أسيد، وهو أول أمراء الحج، وقد ولى النبي ﷺ أبا بكر على الحج سنة تسع، وحج هو سنة عشر، وكان الزمان قد استدار، فالظاهر أن النبي ﷺ إنما أخر الحج عن أول افتراضه إن كان قد فرض قبل سنة عشر؛ بوحي من الله تعالى لتكون حجة الإسلام مع استدارة الزمن، وخلو مكة وما حولها من الأصنام، ومنع المشركين من الطواف عراة، فلا يحتج بتأخيره كما قاله القاضي إسماعيل، والله أعلم.

стр. 1093

• قوله: ٠٢ - «من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره». شرط وجوب الحج الحرية والبلوغ والعقل والاستطاعة، وشرط صحته الإسلام، لكن من تكلف من غير المستطيعين وحج؛ سقط عنه الحج الواجب، بخلاف من حج من الصغار والعبيد؛ فإنه يجب عليه الحج متى بلغ وكان مستطيعا، وهكذا العبد إذا تحرر واستطاع السبيل؛ تعين عليه الحج من جديد. وقد جاء في ذلك قول النبي ﷺ : «أيما صبي حج، ثم بلغ الحنث؛ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج، ثم هاجر؛ فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق؛ فعليه ان يحج حجة أخرى»، رواه الخطيب والضياء في المختارة عن ابن عباس، وصححه ابن حزم في المحلى (٧/ ٤٤)، وهو في صحيح الجامع، وروى الحاكم نحوه عن ابن عباس، لكن لم يذكر الأعرابي، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٩٥٣)، والحنث الإثم، والمراد به هنا البلوغ، لأنه الزمن الذي يؤاخذ فيه على المعصية، وفي الحديث إشارة إلى أن الصبي يكتب له ثواب الأعمال الصالحات، وإنما يجب على العبد الحج إذا عتق، وعلى الصبي إذا احتلم؛ لأنهما حجا قبل زمن الوجوب، أما الأعرابي إن ثبتت فقرته؛ فلعله لأنه لم يهاجر يوم كانت الهجرة متعينة إلى المدينة، وقد نسخت بعد الفتح. وقد ضبط الحافظ في الفتح (٣/ ٤٧٧) شرط وجوب الحج وشرط صحته بقوله: «الناس قسمان: من يجب عليه الحج ومن لا يجب، الثاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع، ومن لا يجب عليه؛ إما أن يجزئه المأتي به، أو لا، الثاني العبد وغير المكلف، والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا، الثاني غير المميز، ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا، الثاني الكافر، فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج غير الإسلام»، انتهى، وهو الذي اختصره خليل بقوله عن شرط صحة الحج والعمرة: «وصحتهما بالإسلام».

стр. 1094

• قوله: ٠٣ - «والسبيل الطريق السابلة، والزاد المبلغ إلى مكة، والقوة على الوصول إلى مكة، إما راكبا، أو راجلا، مع صحة البدن». السبيل التي يجب الحج على مستطيعها تختلف باختلاف الأشخاص والزمان والقرب والبعد، ومع اختلاف ذلك فقد يحتاج المرء إلى الركوب، وقد لا يحتاج، وكل واحد أعرف بنفسه، وقد ذكر المؤلف ما رآه أهل المذهب في تفسير السبيل المشترط استطاعتها في وجوب الحج، وهو أربعة أشياء، وعدها بعضهم ثلاثة: أولها: الطريق السابلة، وهي السالكة التي يمكن السير فيها من غير خوف على النفس، ولا على المال الكثير الذي يجحف به. والثاني: الزاد الذي يبلغه إلى مكة، من غير اعتبار الرجوع كما هو ظاهر كلامه، وقيد بعضهم عدم اعتبار الرجوع في الزاد بما إذا لم يخش الضياع، والصواب: اعتباره في الذهاب والإياب كما رجحه القرطبي في تفسيره، ويقوم مقام الزاد الحرفة التي يتمعش منها مما لا يزري به ولا يخاف كساده، قالوا: ويبيع في زاده وما يوصله إلى مكة داره وغير ذلك مما يباع على المفلس. قلت: لو قيل بهذا فيما زاد عن حاجته كما إذا كان المسكن ضخما فخما، وكان في الأثاث ما لا حاجة له إليه؛ لكان حقا، ومما قالوه إنه يجب عليه الحج ولو أدى إلى أن يترك زوجته وأولاده من غير مال إلا أن يخشى عليهم الضياع فلا يلزمه، ولينظر في هذا مع قول رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، رواه أبو داود (١٦٩٢) وغيره عن عبد الله بن عمرو، وفي الصحيح عنه مرفوعا: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته»، يقال قات أهله يقوتهم إذا وفر لهم ما تقوم به أبدانهم من الطعام. والثالث القدرة على الوصول إلى مكة راكبا أو ماشيا متى كان قادرا على المشي،

стр. 1095

لأن الله تعالى ذكر نوعي الوافدين للحج، فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، ورجالا جمع راجل، هو الماشي، والضامر قليل لحم البطن من الحيوان الذي يركب كالإبل والخيل، وهي صفة محمودة، لأنها تساعد على سرعة السير، والرابع صحة البدن التي يتمكن بها من الوصول راكبا أو ماشيا مع القدرة على أداء المناسك، فمن كان مريضا لا يجب عليه الحج، وقد أعذر الله تعالى المرضى في التخلف عن الجهاد. وقد ورد في تفسير الاستطاعة حديث ابن عمر قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «من الحاج يا رسول الله»؟، قال: «الشعث التفل»، فقام آخر فقال: «أي الحج أفضل»؟، قال: «العج والثج»، فقام آخر فقال: «ما السبيل يا رسول الله»؟، قال: «الزاد والراحلة»، رواه الترمذي في كتابي الحج (٨١٣) والتفسير (٢٩٩٨) وحسنه، ورواه ابن ماجة، ومال ابن كثير إلى تقويته في تفسيره (٢/ ٧٩) بما أورده له من المتابعات، وقال الألباني: «ضعيف جدا»، انتهى، والفقرة الثانية منه يشهد لها حديث أبي بكر الصديق عند الترمذي (٨٢٧) وابن ماجة وغيرهما ونصه أن النبي ﷺ : «سئل أي الحج أفضل»؟، فقال: «العج والثج»، والعج رفع الصوت بالتلبية وغيرها من الذكر، والثج إراقة دماء الضحايا والهدايا تقربا إلى الله تعالى، وقال ابن المنذر: «لا يثبت الحديث الذي فيه الزاد والراحلة، والآية الكريمة عامة ليست مجملة، فلا تفتقر إلى بيان، وكأنه كلف كل مستطيع قدره من مال أو بدن»، وقول مالك في أول كتاب الحج من النوادر في تفسير آية الاستطاعة قريب منه. قال ابن ناجي في شرحه (١/ ٣٤٦): «واختلف في السائل الذي يغلب على الظن أنه يجد من يعطيه، فروى ابن وهب ما يقتضي الوجوب، وروى ابن القاسم أنه يسقط»، انتهى، ونفى خليل وجوب الحج إن توقف على السؤال، لكن شارحه الدردير (٢/ ٨) رجح الوجوب بشروط. قلت: رواية ابن وهب التي أشار إليها ابن ناجي كما في النوادر (٢/ ٣١٩) تدل على الإجزاء، ولا يلزم من القول بالإجزاء الوجوب المدعى، فإن من حج بمال حرام أجزأه

стр. 1096

حجه مع تحمله وزر جنايته، وعليه فلا يكون بين هذه الرواية ورواية ابن القاسم تناف، وهي في النوادر أيضا، وفيها: «وإني لأكره ذلك»، فالذي يظهر هو القول بمنع المرء أن يحج معتمدا على السؤال، فإنه إذا كان سؤاله لأجل معاشه؛ جاء فيه من التشديد والتقييد ما لا يخفى؛ فكيف بتجشم السفر لأجل الحج الذي لم يجب عليه مع الاعتماد فيه على السؤال المحرم في الأصل إلا للحاجة؟، وقد كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومعناه تزودوا لتَتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم، وما يترتب على ذلك من الإثم، وقد ذكر ابن العربي في أحكام القرآن أن الخطاب في الأية لأرباب الأموال، أوجب الله عليهم أن يتزودوا، قال: «فإن كان ذا حرفة تَنفُق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه»، انتهى. قلت: بعد التسليم بأنه لا خطاب عليه في هذه الآية؛ أفترى حكم هذه المسألة مقصورا على هذه الآية؟، إن هناك الكثير الطيب من النصوص التي تخاطبه بما قلناه. وينطبق هذا على الشباب الذين يفدون على بعض الدول ليحضروا حلقات العلم كما يفعل شبابنا في ذهابهم إلى مدينة النبي ﷺ وغيرها، لكنهم يعيشون على نفقات المحسنين، بتوسط أهل العلم لديهم جزاهم الله خيرا، فهذا مما لا ينبغي الإقدام عليه لما فيه من التعرض للسؤال والابتذال، مع احتمال تعريض النفس للمهالك بالسجن والطرد والتغريم، فضلا عن كون كثير من الذاهبين لا قدرة لهم على التحصيل لتدني مستواهم في العلم. ومما يذكر أن عددا من الشراح يذكرون أن المعتبر في الوصول إلى مكة راكبا الوجه المعتاد في الركوب احترازا ممن قدر عليه بنحو طيران!!، فإنه لا يجب عليه الحج، وإن كان يسقط عنه إن فعله»، وإنما قالوا هذا لأن الطيران كان في زمانهم من خوارق العادات، أما اليوم فإن الأسفار البعيدة لا تتم غالبا إلا بالطيران، وإنما نبهت على هذا لأن بعض الناس ربما أخذ من كلام أهل العلم في بيئة مختلفة؛ ما لا ينبغي أن يؤخذ منه، وسيأتي مثل هذا عند الحديث على قطع السعي إذا أقيمت الصلاة.

стр. 1097

ومن ذلك قول بعض من لا يرجو لله وقارا في هذه الأيام وهم يروجون لفصل الدين عن الدولة إن ابن باديس والإبراهيمي رحمهما الله كانا يدعوان إلى فصل الدين عن الدولة، وهذا حق، لكن المتحكم يومئذ هو فرنسا الكافرة المستعمرة، فلم يضعوا في الحسبان جهلا، - والغالب أنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه - أن فصل الدين عن الدولة يومئذ يعني استقلال الجزايريين المسلمين عن فرنسا في تدبير شؤون المساجد وغيرها مما يرجع إلى أحكام دينهم، ومع ذلك فهم يفاخرون بأن النص الأدبي يراعى في دراسته بيئته!!.

стр. 1098

• قوله: ٠٤ - «وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات». الميقات مفرد مواقيت، والتوقيت يكون في الزمان، يقال وقت توقيتا إذا جعل للشيء وقتا، ثم توسع فيه فأطلق على المكان، وكل من أركان الإسلام لها ميقات زماني فحسب، إلا الحج والعمرة فإن لهما ميقاتين زمانيا ومكانيا، والميقات في كلام المصنف؛ اسم مكان، وهو الميقات المكاني للحج، وثمة ميقات زماني له؛ هو الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومشهور المذهب أنه ثلاثة أشهر هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بتمامه على ظاهر الآية، وهو رواية أشهب، وقال ابن حبيب عن مالك الحج شهران وعشرة أيام، وعلى المشهور؛ فمن أخر طواف الإفاضة إلى ما قبل نهاية شهر ذي الحجة؛ فلا شيء عليه، وعلى القول الآخر عليه هدي، والمذهب أنه يكره أن يتقدم الإحرام على تلك الأشهر لكنه ينعقد حجا، وتعلقوا بقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فالتحديد على هذا؛ للتيسير لا للاشتراط، فمن أحرم قبل الميقات الزماني؛ فقد أساء بالتشديد على نفسه، وأيد القرطبي في تفسيره عدم انعقاده، وانصرافه إلى عمرة، وهو مذهب الشافعي، لما بين الآيتين من العموم والخصوص، وهذا هو الصواب إن شاء الله. أما الميقات المكاني؛ فهو الموضع الذي يتعين على مريد الحج والعمرة أن لا يتجاوزه من غير إحرام، أما إن أحرم قبله؛ فقد اختلف فيه، والمذهب انعقاد الإحرام مع الكراهة، قال خليل في بيان حكم الإحرام قبل الميقاتين: «وكره قبله، كمكانه»، يعني يكره الإحرام قبل شوال كما يكره قبل الميقات، فاعتبروا التوقيت المكاني تيسيرا على قاصد الحج، قالوا: والأصل أن يحرم من داره ذكره ابن رشد في المقدمات، مع أن مالكا كره تقديم الإحرام على الميقات، وكلامه للذي أراد أن يحرم من المدينة من عند القبر الشريف

стр. 1099

بدل ذي الحليفة مشهور، ولعله علم منه الميل إلى الزيادة في التعبد فشدد عليه، ومتمسكه فعل النبي ﷺ ، فإنه لم يقدم الإحرام على المواقيت التي وقتها، فاجتمع القول والفعل وهو غاية في القوة، وقد تواتر أنه أحرم من ذي الحليفة مع قربها من المدينة، وأحرم بالعمرة من الجعرانة، وقد حمل القائلون بجواز الإحرام قبل الميقات فعله وقوله على التيسير، فإنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقد جاء عن جماعة من الصحابة أنهم أحرموا قبل الميقات، وقد فسر علي ﵁ قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أن تحرم بهما من دويرة أهلك، رواه الحاكم، وقوى إسناده الحافظ في التلخيص (ح/ ٩٦٦) ولا يظهر أن له حكم الرفع، مع ما يحتمله من إفرادهما بالسفر ابتداء كما قاله ابن عبد البر، وممن نقل عنهم الجواز عمر وابنه عبد الله وعلي وغيرهم ﵃، فالظاهر الإجزاء، مع أن خير الهدي هدي محمد ﷺ .

стр. 1100

• قوله: ٠٥ - «وميقات أهل الشام ومصر والمغرب؛ الجحفة، فإن مروا بالمدينة؛ فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليفة، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة؛ فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة، إذ لا يتعداه إلى ميقات له». لعل الحكمة من جعل هذه المواقيت حدودا لا يتعداها من أراد الحج والعمرة دون إحرام؛ إشعار المؤمن نفسه بمزيد تعظيم للبيت الحرام، وتطويل زمن التلبس بالإحرام بالمد في المسافة الذي يسيرها مريدها متصفا به، فيزداد بذلك أجره ومثوبته، كما أن فيه تشويقا للنفس إلى رؤية البيت الحرام المراد بالنسك، وفيه كثرة ترديد التلبية ورفع الصوت بها، وهي شعار الحج، وفيه طول الزمن الذي يترك فيه المحرم الكثير مما اعتاده في غير الإحرام، فيزداد شعثه وتفثه. وقد جاء بيان المواقيت من النبي ﷺ نفسه، ولعله راعى في ذلك الطرق التي كانت توصل إلى مكة من الحواضر والأقاليم التي يفد الناس منها إليها، ولهذا نظر العلماء إلى أصحاب الأقاليم والجهات التي تقع على طريق لا يمر بتلك المواقيت، فألحقوهم بأهل المواقيت التي نصّ عليها النبي ﷺ ، كما فعل المؤلف وغيره بحسب ما في أزمنتهم، إذ أُلحق أهل مصر والمغرب بميقات أهل الشام، وهو الجحفة، ومثلهم من وراءهم من أهل الأندلس!!، وألحق فارس وخراسان بميقات العراقيين، ويقال الآن إن أهل الشام لهم طريقان أحدهما يمر بالمدينة، فيكون ميقاتهم ذا الحليفة، والطريق الآخر المباشر المار بالجحفة فيكون ميقات من مر به منها، وهذه المواقيت توقيفية لا تتساوى في البعد عن مكة، وأبعدها عنها ذو الحليفة، وقول المؤلف «ومن مر من هؤلاء من المدينة؛ فواجب

стр. 1101

عليه أن يحرم من ذي الحليفة،،،»، وهذا لأنهم لا يمرون وهم في طريقهم إلى مكة بمواقيتهم، وهي ذات عرق، ويلملم، وقرن المنازل، بخلاف من كان ميقاته أمامه كأهل المغرب والشام ومر بالمدينة، فإنه يجوز له التأخير إلى الجحفة، وهذا منصوص المدونة (١/ ٣٠٢)، ونص العلماء على أن من مر بغير هذه المواقيت يتحرى ما حاذاها من الأماكم ويحرم منه. وحديث المواقيت هو ما رواه الشيخان (خ/ ١٥٢٤) عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك؛ فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». وفي الموطإ (٧٣٠) وصحيح البخاري وسنن أبي داود (١٧٣٧) عن ابن عمر مرفوعا: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن»، قال عبد الله بن عمر: «وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: «ويهل أهل اليمن من يلملم»، وهذا من عظيم تحريه ﵁، وفي هذا الحديث أربعة مواقيت، وقد اختلف في ذات عرق هل هو من توقيت النبي ﷺ ، أو هو من توقيت عمر بن الخطاب ﵁، ومعلوم أن العراق لم تفتح في حياة النبي ﷺ ، فليس بها مسلمون يوقت لهم، ودليل الأول قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق»، رواه أبو داود (١٧٣٩) والنسائي. ودليل الثاني ما رواه البخاري (١٥٣١) عن ابن عمر أن عمر هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق»، وقد تم ذلك لما فتحت البصرة حيث طلبوا ذلك، ولعل هذا كان اجتهادا منه وافق فيه الحق كما حصل ذلك له مرارا، وقد أجمع عليه المسلمون، فهو ميقات لا خلاف فيه، ولو وجدت طرق أخرى ومسالك تفضي إلى مكة؛ لكان المتعين على علماء المسلمين بيان مواقيت للمارين بها بمراعاة المسامتة والمحاذاة والله أعلم. واعلم أن ظاهر ما في حديث ابن عباس وهو قوله ﷺ «ولمن مر بهن من غير أهلهن؛ أن على من مر بذي الحليفة من أهل الشام، أو أهل المغرب، أو غيرهم من أهل الآفاق؛ أن

стр. 1102

يحرموا منها، لكن المذهب أنه يفضل لهم ذلك، ويجزئهم إن أخروا الإحرام إلى ميقاتهم حيث كانوا يمرون به، وإلا تعين عليهم الإحرام من الميقات الذي مروا به. وقوله في الحديث «ممن أراد الحج والعمرة»؛ دليل على أن من لم يرد الحج أو العمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، لكن مشهور مذهب مالك لزوم الإحرام بأحد النسكين لمن يريدها، ولم يستثنوا إلا من كان كثير التردد كالحطابين وكمن خرج من مكة للانتقال غير أنه نسي بها شيئا فرجع إليها، وكذا من خرج منها إلى مكان قريب ورجع قبل طول مكث، واعتبروا دخول النبي ﷺ مكة من غير إحرام كما رواه مسلم (١٣٥٧) وغيره من خصائصه. وقد جاء عن ابن عباس: «لا يدخل أحد مكة إلا محرما»، رواه البيهقي وقال الحافظ إسناده جيد، والذي يظهر خلاف هذا، لاسيما إذا كان المرء قد سبق له أن حج أو اعتمر على القول بوجوب العمرة، فإن كلا منهما لا يجب إلا مرة في العمر، إلا أن ينذره المرء، فأما حديث: «لا يجاوز أحد ذات عرق حتى يحرم»، رواه ابن أبي شيبة (١٥٦٨٥) عن ابن عباس؛ فحديث ضعيف، ولو صح؛ لكان تقييده وكذا ما قبله بمريد الحج والعمرة، وقوله في الحديث «حتى أهل مكة من مكة»، يعني أن من أراد الحج والعمرة من أهل مكة يحرمون منها، ولا يحتاجون إلى الخروج إلى الحل، ولا إلى الميقات، لكن المذهب أن مريد الحج من أهل مكة يحرم منها، أما القارن والمعتمر؛ فلا بد له من الخروج إلى الحل، للقاعدة التي ذكروها، وهي أن كل نسك لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، لكن لما كان الحاج يخرج إلى الحل لزوما وهو عرفة؛ كان إحرامه من مكة كافيا، بخلاف المعتمر، وقد عولوا في ذلك على فعل النبي ﷺ ، فإنه لم يحرم إلا من خارج مكة، وقد يقال إن هذا خارج عن مورد النزاع، لأن الكلام فيمن كان بمكة، وهو ﷺ لم يكن مقيما بها، وقال المحب الطبري: «إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة». قال في سبل السلام (٢/ ١٨٦) مجيبا عن هذا: «وجوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتا لها بهذا الحديث، كما أجاب عن حديث إعمار أم المؤمنين عائشة من التنعيم بأمره ﷺ بما يعلم من موضعه في كتابه، وفحواه أن خروجها لم يكن على وجه الإلزام.

стр. 1103

قلت: وفي هذا نظر، فإنه وإن كان اعتمارها ليس واجبا إلا أنه ﷺ قد أمر أخاها أن يعمرها من الحل، فكيف لا يكون خروجها لازما مع ما فيه من الكلفة والمشقة والخروج من الحرم؟، ويظهر أن من جرى لها مثل ما جرى لأم المؤمنين تكون مثلها في مشروعية العمرة المكية، ويلتحق بذلك من اتبع أهل العلم القائلين براجحية الإفراد، مع كونه لم يسبق له أن اعتمر، ولا يتيسر لجميع الناس الذهاب إلى الميقات لموانع بعضها ذاتي وبعضها إداري، فهذا إن اعتمر من التنعيم يرجى أن لا يكون به بأس، والله أعلم.

стр. 1104

• قوله: ٠٦ - «ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة». جاء في فاتحة كتاب الحج في النوادر والزيادات من رواية ابن القاسم عن مالك قوله: «الحج كله في كتاب الله تعالى، وأما الصلاة والزكاة فذلك مجمل فيه، ورسول الله ﷺ بينه»، انتهى، ومراده أمهات مسائل الحج، وقد بين وجه ذلك ابن رشد في المقدمات، وإلا فقد قال رسول الله ﷺ : «لتأخذوا عني مناسككم»، كما قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وكلام المصنف بيان لصفة الإحرام، وهو وصف لكيفية الحج بطريقة الإفراد، لأنه في المذهب أفضل أنواع النسك كما سيأتي، وسيذكر المؤلف ما يفعله المتمتع والقارن، ولا فرق بين الأنساك الثلاثة في كيفية الإحرام إلا في النية، فإذا تم السعي؛ استمر المفرد والقارن على إحرامهما، وحلق المعتمر رأسه أو قصره فانتهت عمرته، ثم يحرم بالحج بعدُ إن أراد. أما أنه يستحب أن يكون الإحرام دبر الصلاة؛ فنعم، لكن الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه إنما أحرم عقب صلاة الظهر ركعتين، وقد احتج النووي بما في حديث جابر على صلاة ركعتين من غير الفريضة، وليس في الحديث إلا أنه صلى في المسجد، والأخبار قد يبدو عليها في هذا الأمر الاختلاف نتيجة الاختصار، وعليه فالنزاع ليس إلا في كون الإحرام له صلاة خاصة تفعل لأجله، ويقرأ فيها بسورتي الكافرون والإخلاص، وأن على مريد الإحرام انتظار وقت جواز النافلة إذا لم يوافق وقت جوازها، كما عليه بعض المصنفين والشراح، فهذا لم أقف له على دليل، فيكون الصواب: أن من أراد الإحرام إذا وافق صلاة فريضة؛ صلاها وأحرم عقبها، وإلا فإن صلى عقب الوضوء سنته وأحرم؛ فقد أحسن، وما ورد مما قد يظن دليلا لصلاة خاصة بالإحرام فإما ضعيف، وإما أنه لا دليل فيه على المدعى لاحتماله، ومن ذلك حديث ابن عباس عند الترمذي (٨١٩) والنسائي «أن رسول الله ﷺ أهل في دبر الصلاة»، وهو ضعيف، ولو صح لكان التعريف مرجحا لكونها صلاة

стр. 1105

فريضة، وروى أبو داود (١٧٧٠) عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه؛ أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه»، وهو ضعيف أيضا، وهذا وإن كان ظاهرا في ركعتين غير الفريضة، لكن ينبغي صرفه عن ظاهره لموافقة ما في حديث ابن عباس عند مسلم (١٢٤٣) أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها، ثم ركب راحلته،،، الحديث، فإنه نص، ووجه دلالته أن الثابت عنه ﷺ عدم التسبيح في السفر، فيكون قد أحرم عقب صلاة الظهر، ولا يضره مخالفته لظاهر حديث أنس عند البخاري (١٥٥١) الدال على أنه أحرم بعد الصبح، فإن الأول نص، وبهذا يتبين لك أن لا وجه لما قاله الأبي ﵀ (٤/ ٣٠٥) من عدم منافاة هذا التنصيص على الإحرام عقب الفريضة للإحرام عقب النافلة، وفي حديث جابر الطويل: «فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء،،، فأهل بالتوحيد،،،». وقد ذهب بعض أهل العلم ومن المعاصرين منهم الألباني ﵀ إلى أن من أحرم من ذي الحليلفة يستحب له بخاصة الصلاة بها لبركة المكان وخصوصيته لا للإحرام أسوة بالنبي ﷺ ، فقد قال عمر: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: أتاني الليلة آت من ربي، فقال: «صلّ في هذا الواد المبارك، وقل عمرة في حجة»، قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٩٥): «وفي الحديث فضل العقيق كفضل المدينة وفضل الصلاة فيه، وفيه استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليتدارك حاجته من نسيها مثلا، فيرجع إليها من قريب»، انتهى. لكن الحافظ ابن كثير لا يرى هذا، فقد حقق أن الصلاة التي أمر النبي ﷺ بفعلها في وادي العقيق؛ هي صلاة الظهر التي أحرم عقبها، فقال في كتابه البداية والنهاية بصدد الكلام على حجة الوداع: «فالظاهر أن أمره ﵇ بالصلاة في وادي العقيق هو أمر بالإقامة به إلى أن يصلي صلاة الظهر، لأن الأمر إنما جاء في الليل، وأخبرهم في صلاة الصبح، فلم يبق إلا صلاة الظهر، فأمر أن يصليها هنالك، وأن يوقع الإحرام بعدها»، انتهى.

стр. 1106

• قوله: ٠٧ - «يقول لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وينوي ما أراد من حج أو عمرة». الإحرام هو الدخول في الحج أو العمرة بالنية مع قول أو فعل متعلق به، هذا معنى قول خليل، ومن القول؛ التلبية، ومن الفعل التوجه على الطريق، ولا تكفي النية وحدها؛ لأنها قد توجد قبل الميقاتين الزماني والمكاني، إذ ما يزال من يريد الحج أو العمرة قاصدا النسك بقلبه، وقيل ينعقد بالنية والتلبية، قاله ابن حبيب، فكأنه جعل التلبية بمثابة تكبيرة الإحرام من الصلاة، وقيل إن المعتمد في المذهب كفاية النية وحدها في الإحرام، والمؤلف جمع بين مطلوبية النية والقول، كما هو دأبه في هذا الكتاب من اعتماد الوصف، لا بيان الحكم في الغالب، وقد ورد ما قد يؤخذ منه النطق بالنسك مع النية، وهو ما رواه الترمذي (٨٢٩) عن خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية»، هذه رواية الترمذي بالعطف، فلا بد من المغايرة. والذي في تحفة المباركفوري أنها بأو، فيظهر أن الأصل هو الشك من الراوي كما في سنن أبي داود، وسيأتي ذكر الحديث، لكن جاء ما يؤخذ منه النطق بالنسك، وهو ما رواه الترمذي في الشمائل، وابن ماجة عن أبان: حجّ رسول الله ﵌ على رحل رث، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم فقال: «اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة» وانظر الصحيحة رقم (٢٦١٧). والتلبية التي أثبتها المؤلف هي تلبية النبي ﷺ ، وهي في الموطإ (٧٣٥) وصحيح البخاري (١٥٤٩) عن ابن عمر، وفي الصحيح (خ/ ١٥٥٠) من حديث عائشة نحوها، ومن مرفوع التلبية «لبيك إله الخلق لبيك»، وهي في مصنف ابن أبي شيبة، والمذهب استحباب

стр. 1107

الاقتصار على التلبية المرفوعة، وقد أثر عن بعض الصحابة الزيادة عليها، فمن ذلك زيادة ابن عمر: «لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل»، وهي في الموطإ (٧٣٥)، وصحيح مسلم (١١٨٤) وسنن أبي داود (١٨١٢)، ومنها «لبيك ذا المعارج»، جاءت في حديث جابر عند أبي داود (١٨١٣)، وهو في صحيح مسلم، و «لبيك ذا الفواضل»، ذكرها الألباني في منسكه، ومما قيل إن عمر كان يزيده «لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك، مرهوبا منك، ومرغوبا إليك»، وهذا ذكره أبو الحسن في شرحه، وهي في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٦٢٨) مع تقديم وتأخير، فيظهر من هذا جواز الزيادة على التلبية المرفوعة متى ثبت ذلك عن الصحابي، إذا كان مما أقره النبي ﷺ ، مع فصله عن المرفوع حتى لا يختلط به. وقد كان للمشركين تلبية فيها شرك كما رواه مسلم (١١٨٥) عن ابن عباس ﵄ قال: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله ﷺ : «ويلكم!!، قد، قد»، فيقولون: «إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك»، يقولون هذا، وهم يطوفون بالبيت»، وقوله ﷺ : «قد، قد» جاء بإسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا، فاقتصروا عليه، ولا تزيدوا ما بعده، وهو الذي ذكره الراوي بعد: «إلا شريكا هو لك … الخ، فسبحان الله ما أعظم عناية النبي ﷺ بمقاومة الشرك!!، هكذا يقول وهووأصحابه مستضعفون، ويلكم قد قد!!، يعني كفى كفى، فالمستضعف لا يتخلى عما يمكنه فعله والزجر به عم الباطل، ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يقرأ عليهم من القرآن ما يزجرهم ويرهبهم، فقد قرأ على بعضهم قوله تعالى: «فإن أعرضوا فقد أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة هاد وثمود»، فأصيب بالفزع، حتى قال إنه لم يسمع منه غيرها. والتلبية من واجبات الحج، فمن لم يلب عقب إحرامه وطال؛ لزمه هدي، ومن لبى أول الأمر ثم انقطع؛ فقد اختلف فيه، وما ذكره بعضهم من أن التلبية سنة؛ يريد به أنها من جملة أعمال الحج، ولا يريد به ما اصطلح عليه الفقهاء من معنى السنة. ومعنى لبيك؛ إجابة بعد إجابة إلى ما لا نهاية له، قاله القسطلاني، أو إخلاصا لك بعد إخلاص، وقيل اتجاهي وقصدي إليك، وقيل محبتي، فهي مصادر مثناة، يراد بها التكثير

стр. 1108

والتكرير، فقائلها بعد أن نوى الشروع في الإحرام يعلن استجابته دعوة مولاه للمجيء إلى بيته بألفاظ غير معهودة في التأكيد والتكرير، ولا متداولة في معاني التثنية، لأن التأكيد المعهود هو أن يقول لبيتك، لبيتك، أو لبيت دعوتك، لبيت دعوتك، والتثنية يراد بها الدلالة على اثنين، ومثلها عند العرب سعديك، ودواليك. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥١٦) نقلا عن ابن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه »، انتهى، ومما يذكر هنا ما في المدونة من أن مالكا ﵀ سئل عن قول الرجل في غير الحج والعمرة لبيك،،، الخ، فقال هذا به خُرق!!، يعني أن من فعل ذلك فهو مدخول في عقله، لكون هذا الدعاء وإن كان صالحا من حيث لفظه لغير المحرم بالحج والعمرة، لكنه في الشرع خاص بهما، فلا يقال في غيرهما، وقد سمعت بعض المحسوبين على الدعوة في إحدى القنوات الفضائية يكرر التلبية من جملة الدعاء الذي اعتاده، بل سمعته يلبي وقد رمى جمرة العقبة!! وهو في طريقه إلى مكة في نفر من أصحابه، والمصورون مهتمون بنقل ذلك، من باب الدعوة إلى الحق!!، والمشارأليه هو عمرو خالد المصري الذي افتتن الناس به مدة من الزمن، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا: «ما أهلّ مهلّ قط إلا بشر، ولا كبّر مكبّر قط إلا بشر» قيل: بالجنة؟ قال: «نعم».

стр. 1109

• قوله: ٠٨ - «ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم، ويتجرد من مخيط الثياب». هذا الاغتسال من أغسال الحج والعمرة الثلاثة في المذهب، وهو أوكدها، فإنه من سنن الإحرام، ويجوز فيه التدلك وغيره مما يرافق الاستحمام دون الاغتسال لدخول مكة، وللوقوف بعرفة، ولعل الغرض منه التنظف للإحرام، لاسيما والمحرم ممنوع من إزالة الشعر، وقص الظفر، والتطيب، وإزالة الدرن، ودليله حديث زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل»، رواه الدارمي والترمذي (٨٣٠) وحسنه، وصححه الألباني، والإهلال أصله رفع الصوت، ثم توسع فيه فأطلق على الإحرام، وهو المراد هنا، لأنه إنما يعرف برفع الصوت بالتلبية، وقال ابن عمر ﵄: «من السنة أن يغتسل إذا أرد الإحرام، وإذا أراد دخول مكة»، ذكره في سبل السلام، وهو في الموطإ (٧٠٩) من فعله للإحرام ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة، ويسن الغسل كذلك للحائض والنفساء لأجل الإحرام، ففي في الموطإ (٧٠٧) أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول ﷺ ، فقال: «مرها فلتغتسل، ثم لتهل»، وهو مرسل، وهو في صحيح مسلم وسنن أبي داود (١٧٤٣) عن عائشة موصولا، وجاء ذلك أيضا في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ ، ودلالة الحديث على سنية الاغتسال للإحرام بالأولوية، لأن الحائض لا يرتفع حدثها، ومع ذلك أمرت بالاغتسال، فغيرها أولى، هكذا قيل، وقال الخطابي في معالم السنن: «فيه استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم، طمعا في درك مراتبهم، ورجاء لمشاركتهم في نيل المثوبة،،،» انتهى باختصار، وهو نفيس فانظر بقيته، وما ذكره يدل على أنه يعلل اغتسال الحائض بالتشبه بأهل الفضل، كما في إمساك مريد الأضحية عن قص شعره وقلم أظافره

стр. 1110

إذا أهل هلال ذي الحجة، وليس بممتنع أن يكون القصد من هذا الاغتسال مع ذلك؛ التنظف، وإزالة رائحة المحيض، كي لا يتأذى الناس. وقوله «ويتجرد من مخيط الثياب»؛ هذا من واجبات الإحرام التي تجبر بالهدي في المذهب متى فعلها من كان معذورا، فإن فعلها غير المعذور فهو عاص مع ذلك، ودليله منع النبي ﷺ المحرم أن يلبس القمص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف، وقد نبه بهذه الأمثلة على غيرها مما يلبس على قد الجسم مخيطا، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.

стр. 1111

• قوله: ٠٩ - «ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة». هذا الاغتسال لأجل الطواف، ولا ينافيه ظاهر كلام المؤلف، ولذلك قالوا لا تطالب به الحائض والنفساء لأنهما لا تطوفان، وهو ثابت من فعل ابن عمر مع رفعه، ففي الصحيحين (خ/ ١٥٧٣) عنه أنه كان لا يقدم مكة؛ إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ ، وهو في الموطإ من فعله وقد تقدم، وطوى بضم الطاء وفتحها اسم موضع، ومن لم يمر به اغتسل قبل الدخول إن أمكنه ذلك وهو غير متيسر الآن لعدم نزول الحجاج خارج مكة.

стр. 1112

• قوله: ١٠ - «ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك». المتفق عليه أن التلبية أول الإحرام واجبة يجبر تركها بالهدي في النذهب، ثم إن المحرم مطالب بالاستمرار عليها من غير أن يشق على نفسه أو يبلغ الأمر به الملل، وقد جاء في الحديث؛ «أفضل الحج؛ العج والثج»، رواه الترمذي عن ابن عمر، وقال غريب، وهو في الصحيحة للألباني (١٥٠٠)، والثج؛ إراقة دماء الهدايا تقربا لله تعالى، والعج رفع الصوت بالذكر والدعاء، فالتلبية شعار الحج والعمرة، ومن أبرز شعائرهما، والمشروع للحاج أن يرفع صوته بالتلبية كما قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، أو بالإهلال» رواه مالك (٧٤١) وأصحاب السنن الأربعة (د/ ١٨١٤) و (ت/ ٨٢٩) عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه، وفي رفع الصوت بها أجر عظيم لقوله ﷺ : «ما من ملب يلبي؛ إلا لبى ما على يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا، يعني عن يمينه وشماله»، رواه ابن خزيمة والبيهقي بسند صحيح كما في منسك الألباني، وقال العلماء يجدد التلبية كلما تجددت له حال، كما إذا علا شرفا، أو هبط واديا، وقالوا مثل ذلك في الركوب، والنزول، وملاقاة الناس، وأدبار الصلوات، وفي الصحيحين (خ/ ١٥٥٥) واللفظ لمسلم عن ابن عباس مرفوعا: «كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا إصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية»، والجؤار رفع الصوت، وفي ذلك آثار عن السلف، وقال مالك في الموطإ «سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبركل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض»، وفيه أيضا: «لا يرفع المحرم صوته بالإهلال في مساجد الجماعات، ليُسمع نفسه ومن يليه، إلا المسجد الحرام، ومسجد منى؛ فإنه يرفع صوته فيهما»، انتهى، يعني لأنهما

стр. 1113

مسجدان للحجاج، وبقاعهما مناسك، وللأمن فيهما من الرياء، بخلاف غيرها، فإنها على الأصل من اجتناب رفع الصوت بالذكر والدعاء، ولم يذكر مالك مسجد نمرة؛ لأن مذهبه قطع التلبية إذا خرج إلى مصلاها كما سيأتي للمؤلف، وقد حصل وهم للشيخ محمد بن إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٢/ ١٩٠)، ولغيره - ولعله نقل عنه - فنسب لمالك قوله: «لا يرفع صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام، ومسجد منى»، وقد علمت أن مالكا إنما أراد الرفع في تلك المساجد دون غيرها من المساجد لا مطلق البقاع فتنبه، والرواية الأخرى عن مالك أن المحرم يرفع صوته في المساجد التي بين المدينة ومكة، وقياس قوله أنه يرفع صوته بين الميقات ومكة من جميع الجهات، إذ لا خصوصية لميقات المدينة في هذا الأمر.

стр. 1114

• قوله: ١١ - «فإذا دخل مكة؛ أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى، ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة، ويروح إلى مصلاها». إذا دخل المحرم بيوت مكة؛ أمسك عن التلبية ليتفرغ للاشتغال بغيرها، فإن عليه المبادرة إلى الطواف والسعي، والمطلوب فيهما الإكثار من الذكر والدعاء، فإن كان حاجا؛ عاود التلبية بعد تمام طوافه وسعيه، كما قال المؤلف، وسيأتي له بيان وقت انتهائها عند الحاج، فلنرجئ الكلام عليه. وقد روى مالك في الموطإ (٧٥٢) أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا؛ ترك التلبية، وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم»، وفي الصحيحين أنه كان إذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التلبية، وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك»، ذكره الغماري في مسالك الدلالة، وفي الموطإ (٧٥٣) عن ابن شهاب أنه كان يقول: «كان عبد الله بن عمر لا يلبي وهو يطوف بالبيت». والمذهب التفريق في موضع قطع التلبية بين من أحرم من التنعيم أو الجعرانة؛ فإنه لا يقطع حتى يرى البيت، وبين من أحرم من الميقات؛ فإنه يقطعها عند بداية الحرم، وقريب من هذا التفصيل رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة (١/ ٢٩٧)، وعمدتهم ما تقدم من أثر ابن عمر، ومن حيث النظر فإن من أحرم من الميقات استدام التلبية أياما، وقل في وقتك إنه قد استغرق وقتا أطول في التلبية، أما من أحرم من التنعيم مثلا فإنه لا يفصله عن المسجد كبير مسافة، فكان عليه استدامتها إلى أقصى ما يمكن، وعللوا قطع التلبية قبل الطواف بأن «من حكم النسك أن يعرى بعضه من التلبية كالحج»، ذكره الباجي في المنتقى، ونقله عنه ابن العربي في المسالك كعادته، وبعض هذا التفصيل فيه نظر.

стр. 1115

• قوله: ١٢ - «ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية، التي بأعلى مكة، وإذا خرج؛ خرج من كُدى، وإن لم يفعل في الوجهين؛ فلا حرج». هذا من تمام الاقتداء بالنبي ﷺ ، فمن تركه بسبب ما جد من الطرق والتنظيم لحركة الحجاج؛ فلا حرج عليه إن شاء الله، وهو وغيره كثير مما لا يتيسر فعله لمعظم الحجاج والمعتمرين، فقد كانوا يختارون الطريق التي يدخلون منه، ومواضع النزول، وزمان الدخول والخروج، واليوم لا يتأتى لهم ذلك غالبا، ولأن الحجاج والمعتمرين لو دخلوا كلهم أو خرجوا من طريق واحد، أو باب واحد، أو أقاموا بمكان واحد، أو دخلوا كلهم ليلا، أو نهارا؛ لحصل ضيق شديد، ولما استقام لهم أمر، وقد دخل النبي ﷺ مكة نهارا كما في الصحيحين وغيرهما (د/ ١٨٦٥) عن ابن عمر، وورد أنه دخلها ليلا في عمرته من الجعرانة، ولعل ذلك لعارض، وعللوا دخوله نهارا بأنه إمام الناس، فيكون ذلك أنسب ليروه، وفي الصحيحين عن عائشة أنه دخل مكة من أعلاها، وخرج من أسفلها (خ/ ١٥٧٧) و (د/ ١٨٦٩) وهو في الموطإ (٧١٢) من فعل ابن عمر، وأعلى مكة يسمى كَداء بفتح الكاف، وهو من جهة باب المعلى، وتقع في جهته المقبرة، وهو طريق الحجون بفتح الحاء، وكُدى بضم الكاف، تقع أسفل مكة، وهو طريق جرول، وأهل مكة يقولون رابطين بين ضبط الكلمتين - كداء وكدى - وبين الدخول من الآولى والخروج من الثانية: «افتح وادخل، وضم واخرج»، ولعل الموضع الذي يدخل منه إلى مكة ليس شأنه التوقيف، فلا يكون فيه ائتساء، بل ما يكون مناسبا لجهة قدومه، ودليله أنه ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كدى، وهو في الصحيحين وسنن أبي داود (١٨٦٨)، ومما يحتمله هذا الأمر أنه ﷺ لما دخل من كداء يوم الفتح؛ استمر على ذلك، وسببه قول أبي سفيان بن حرب للعباس ﵄: «لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء»، فقال له

стр. 1116

العباس: ما هذا؟، قال: «شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل من هنالك أبدا»، قال العباس: فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل رسول الله ﷺ »، وللبيهقي من حديث ابن عمر قال قال النبي ﷺ لأبي بكر: «كيف قال حسان»؟، فأنشده شعرا: عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء فتيسم رسول الله ﷺ وقال: ادخلوها من حيث قال حسان»، ذكر هذا الحافظ في الفتح باب من أين يخرج من مكة، والبيت الذي أحفظه هو قول حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء ويؤيد ما ذكرته من أن الأمر ليس توقيفا قول النبي ﷺ : «كل فجاج مكة طريق ومنحر»، وقوله ﷺ : «مكة كلها طريق: يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا»، قال الألباني في منسكه الفقرة (٢٣): «رواه الفاكهي بسند حسن».

стр. 1117

• قوله: ١٣ - «قال فإذا دخل مكة؛ فليدخل المسجد الحرام، ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة». ينبغي لداخل مكة لأجل الحج أو العمرة؛ أن يكون أول ما يفعله المبادرة إلى الطواف بالبيت، ولا يصح أن يشتغل بغير ذلك من الأمور إلا ما لا بد له منه من حط رحله، وترتيب أمر إقامته، والأكل إن كان في حاجة إليه، وينصح باصطحابه عنوان منزله، وقد اعتبر أهل العلم عدم المبادرة إلى الطواف من إساءة الأدب، وقلة الهمة، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة؛ أنه توضأ ثم طاف بالبيت»، رواه الشيخان، وقد استدل بهذا لمذهب الجمهوروهو لزوم الطهارة للطواف لأن النبي ﷺ قال: «لتأخذوا عني مناسككم»، وهذا منها، وليس بلازم لأنه فعل الواجب والشرط والمندوب، فلا يتجه الاستدلال. ومن تيسر له؛ فليدخل من باب بني شيبة، ويسمى باب بني عبد مناف، وهو المعروف اليوم بباب السلام، وقد سميت الأبواب بأسماء المسالك التي تربط بين مساكن القبائل التي كانت تسكن حول الكعبة وبينها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يحفظه، فإن أول من عرف أنه بنى حوله جدارا إنما هو عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة من الهجرة، كما ذكر ذلك الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره (١٥/ ١٣)، وقد روي أن النبي ﷺ دخل من باب بني شيبة، وهو موافق للجهة التي دخل منها مكة، وإنما كان الدخول من هذا الباب مطلوبا بعد ما تقدم من موافقة جهة دخول مكة؛ لأنه كان قريبا من الركن الذي فيه الحجر الأسود من حيث يبتدأ الطواف، ولقصر المسافة بينهما، ومن فوائد ذلك اليوم أن الداخل لا يحتاج إلى الدوران لأجل ابتداء طوافه، مع ما في ذلك من المشقة، ولا سيما في أوقات الزحام، وكان هذا الباب في العهود الماضية قريبا من المطاف، فلما أدخل

стр. 1118

المسعى في المسجد ازدادت المسافة الفاصلة بينهما، وازدادت الآن أكثر بعد الشروع في توسيع المسعى إلى الشرق سنة (١٤٢٨)، وقد أثار ذلك خلافا بين العلماء ما عرف عنهم من قبل، وهو الآن من أبعد الأبواب عن ركن الحجر الأسود، وليأت الداخل إلى المسجد بالذكر المشروع، وهو: «اللهم صل على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك»، ويقدم رجله اليمنى في دخوله كما يفعل في بقية المساجد. ولم ير مالك ﵀ رفع اليدين عند رؤية بيت الله الحرام، لكنه في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄، وصححه الألباني، وجاء ذلك عن بعض الأئمة كأحمد وابن المبارك والثوري وابن راهويه، ذكرهم الخطابي في المعالم (٢/ ١٩١)، ومما جاء في ذلك دعاء عمر بقوله كما في المصنف المذكور (١٥٩٨٥): «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام»، ولم يثبت حديث رفع اليدين ولا دعاء «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حج أو اعتمر تشريفا وتعظيما»، وليحذر أن يقف لأجل ذلك، فيتسبب في الزحام وإذاية الناس، وهذا الذي ثبت عن السلف لا يعارض بما رواه أبو داود (١٨٧٠) والترمذي (٨٥٥) عن المهاجر المكي أن جابر بن عبد الله سئل: أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت؟، فقال: «حججنا مع النبي ﷺ أفكنا نفعله: رفع اليدين عند رؤية البيت»، لأنه حديث ضعيف، وفي سنن أبي داود (١٨٧٠) جعله من فعل اليهود، ولك أن تسأل عن علاقة اليهود بالكعبة، إلا أن يكون المراد أنهم هم الذين يفعلون ذلك بما يعظمونه من المزارات.

стр. 1119

• قوله: ١٤ - «فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه من غير تقبيل». المذهب أن استلام الحجر في بداية الطواف سنة، وفي باقي الأشواط مندوب، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: «لما قدم مكة؛ دخل المسجد الحرام فاستلم الحجر»، ذلك أن بداية الطواف تكون منه. وقد اجتهد أولو الأمر هناك فوضعوا خطا يخرج من ركن الحجر إلى أبعد مدى في المطاف، ليتمكن الناس من بداية الطواف بداية صحيحة، لكن ذلك تسبب في الازدحام لوقوف الناس عليه مكبرين رافعي أيديهم، ثم إنهم تفطنوا فأزالوه فأحسنوا، فعلى الطائف أن يستيقن بداية طوافه بحيث يكون تاما، وإلا ألغى الشوط الناقص، وأول ما يفعله؛ هو التكبير مع استلام الحجر بفيه إن قدر، وإلا كبر ووضع يده عليه، ثم يضعها على فمه فيقبلها. واعلم أن لفظ الاستلام يطلق على ما هو أعم من التقبيل بالفم ولمسه باليد مع تقبيلها أو عدمه، والعمدة في التفريق النقل، فالحجر يقبل بالفم ويستلم باليد مع تقبيلها، والركن اليماني مختلف فيه، والصواب استلامه باليد من غير تقبيل لها. وفي صحيح مسلم عن نافع أن ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: «ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله»، فلعل قول المؤلف من غير تقبيل؛ يريد به من غير صوت، أو مراعاة لرواية عن مالك أنه أنكر تقبيل اليد، كما في الفتح (٣/ ٥٩٧)، فإن لم يصل إليه بيده؛ كبر ومسه بعود وقبل العود، وهو في حديث ابن عباس عند مسلم من فعله ﷺ ، فإن لم يقدر استقبله وكبّر وأشار إليه بيده، وهو في البخاري (١٦١٣)، ولم ير مالك

стр. 1120

الإشارة أيضا، أما الآن فيمتنع حمل العود وكل ما يؤذي حال الطواف والسعي والرمي ونحوها من مواضع الزحام، لما فيه من الضرر والأذى، والذي يتأتى لمعظم الناس اليوم؛ هو التكبير إذا قابل الحجر، وهو الذي قاله النبي ﷺ لعمر: «يا عمر إنك رجل قوي، فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر؛ فإن خلا لك؛ فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر»، رواه الترمذي وصححه كما في منسك الألباني.

стр. 1121

• قوله: ١٥ - «ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف، ثلاثة خببا، ثم أربعة مشيا، ويستلم الركن كلما مر به كما ذكرنا، ويكبر». مما جاء في فضل الطواف بالبيت قول النبي ﷺ : «من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه؛ كان كعتق رقبة، لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة»، رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عمر، وهو في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني. هذا هو طواف القدوم وبأتي به من أفرد الحج، ومن قرن، ويسمى طواف الورود، أما المعتمر فيندرج عنده في طواف العمرة، والثاني طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، والثالث طواف الوداع، ويسمى أيضا طواف الصدر. وطواف القدوم من الواجبات الأحد عشر التي يجبر تركها بالهدي في المذهب، ولا شيء على المراهق أعني من ضاق عليه الوقت بخشيته فوات وقت الوقوف بعرفة، وكذلك الحائض والنفساء، وإنما يطالب به غير المقيم بمكة، أما المحرم بعمرة فيندرج طواف الورود في طوافها الركن. وللطواف من حيث هو واجبات، وسنن، ومستحبات، فأما الواجبات فقد ذكر المؤلف منها ثلاثة هي أن يجعل البيت على يساره، وهذا مما لا خلاف فيه، وفي حديث جابر بعد ذكره استلام الحجر: «ثم مشى على يمينه … »، وأن يكون سبعة أشواط كاملة، وهذا أيضا لا خلاف فيه وهو مذكور في حديث جابر كما سيأتي، وينبغي له أن يتأكد من بداية طوافه عند الحجر الأسود، ونهايته عنده، وإن شك بنى على اليقين كالصلاة، وإن زاد على السبعة سهوا؛ فلا شيء عليه، فإن تعمد الزيادة؛ بطل طوافه، لأنه عبادة مؤقتة بعدد، فتبطل بالزيادة عمدا كالصلاة، والواجب الثالث الذي ذكره المؤلف هو أن يركع ركعتين

стр. 1122

بعد الطواف، وحكمهما الوجوب إن كان الطواف واجبا أو ركنا، وإلا يكن كذلك؛ فقد اختلف فيهما، فإن تركهما فثمة تفصيل يطلب في الشروح. وبقي من الواجبات أن يكون الطواف بالبيت كله، فلو طاف داخل الحجر لم يصح طوافه لقول النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت»، رواه أبو داود (٢٠٢٨) والترمذي (٨٧٦)، والحجر بكسر الحاء هو الموضع غير المبني من الكعبة إلى جهة الشمال، ومقداره ما بين ستة أذرع إلى سبعة، وسببه أن الكعبة حين هدمها السيل في الجاهلية وبنتها قريش قصرت بهم النفقة عن إقامتها على قواعد إبراهيم، وقد قال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لولا قومك حديثو عهد بكفر لأقمت الكعبة على قواعد إبراهيم»، وهو في الصحيح، وقد أقامها على قواعد إبراهيم ﵊ عبد الله بن الزبير رضي لله عنهما، ثم هدم ذلك البناء الأمويون، واستشار بعض الخلفاء مالكا في إعادة بنائها على تلك القواعد؛ فنصحه أن لا يفعل حتى لا تكون الكعبة مضحكة للناس، ولو أعيد بناؤها اليوم على قواعد إبراهيم لكان ذلك خيرا، إذ لا مانع منه، وقد ألمح إلى ذلك ابن كثير ﵀، ومن الواجبات أن يكون الطائف محصلا لشرائط صحة الصلاة وهي الطهارتان، وستر العورة، فإن أحدث في أثنائه؛ تطهر واستأنف، ولا يبني على المشهور، ونقل ابن حبيب عن مالك أنه يبني، وفرق بعضهم بين الفرض والنفل، والثاني من الواجبات التي لم يذكرها المؤلف أن يكون الطواف داخل المسجد، والثالث أن يوالي بين الأشواط، فلا يقطعه قطعا طويلا، ولا غير طويل لغير حاجة كالشرب، أو المريض والضعيف يقف للاستراحة قليلا، فإن نسي شوطا، ولم ينتقض وضوؤه؛ عاد إليه بالقرب كما في الصلاة، وإن طال بطل الطواف بالقياس عليها. واعلم أنه لم يقم الدليل الصحيح الصريح على وجوب طهارة الحدث في الطواف فضلا عن شرطيتها، وحديث الترمذي (٩٦٠) عن عن ابن عباس مرفوعا «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»؛ لا دليل فيه على الوجوب، مع ما في ثبوته من الكلام، وقد أطال الكلام في الاستدلال به على الشرطية

стр. 1123

القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة فأجاد، وما كل مجيد يقبل كلامه، ولا يدل على الشرطية ما ثبت من توضئه ﷺ قبل أن يطوف، لأنه مجرد فعل وهو يدل على الاستحباب، وقد سبق الكلام عليه، ولأنه لا خلاف في اشتراط الطهارة للصلاة، والطواف يصلى بعده، ولأن استحباب الطهارة لذكر الله لا خلاف فيه، وفيه النص حيث تطهر النبي ﷺ ليرد السلام. ومع هذا يتعين القول إن على من أراد الطواف أن يتطهر، فإن انتقض وضوؤه فليتم طوافه، ثم ليتوضأ لصلاة الركعتين، وفي الحديث دليل على استحباب ترك الكلام بغير الذكر والدعاء في الطواف. وسنن الطواف خمسة: أولها الرمل بفتح الميم في الأشواط الثلاثة الأول كلها، والمشي في باقي الأشواط، لكن هذا إنما يكون في طواف القدوم بخاصة، لا في النفل، ولا في طواف الإفاضة إلا للمراهق، فإنه لما لم يطف؛ كان مطالبا بالرملان، ودليله ما في حديث حجته ﷺ : «فرمل ثلاثا ومشى أربعا»، وأصله قوله ﷺ : «ارملوا بالبيت، ليرى المشركون قوّتكم» رواه أحمد عن ابن عباس، والرمل هو الخبب أيضا بفتح الخاء والباء؛ سير فوق المشي ودون الجري، وإنما يسن في حق الرجال لا النساء. وثاني السنن المشي، فلا يركب ولا يحمل إلا من عذر، فإن فعل؛ أعاد، فإن رجع إلى بلده؛ فعليه هدي، ومشهور المذهب أن المشي واجب، وهو اللائق بالقول بوجوب الدم على تاركه من غير عذر متى تعذرت إعادته، فيلتقي القولان. ودليل المشي في الطواف؛ حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور»، رواه البخاري (١٦٣٣)، وقولها «أني أشتكي»؛ تعني أني مريضة، من التعبير بالمسبب عن السبب، فدل على أن الإذن بالركوب مقيد بحال المرض، لكن النبي ﷺ قد طاف راكبا على بعيره كما في الصحيح عن جابر وأبي الطفيل، وجاء ذلك عن صفية بنت شيبة، وجاء عن ابن عباس أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته … الحديث، رواه أحمد وأبو داود (١٨٨١)، وفيه من لا يحتج

стр. 1124

به، ولو صح لكان فيه بيان لعلة الركوب، فيلتقي مع حديث أم سلمة، لكن التعليل في حديث جابر عند مسلم وأبي داود جاء بأمر آخر، وهو «ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه»، فدل على الركوب للحاجة. والسنة الثالثة الدعاء في الطواف، وهو غير محدود، ولا ينبغي التزام أدعية معينة يظن أنها هي السنة، وليحذر من رفع صوته بالدعاء فيشوش على الناس، وما يفعله كثير منهم من قراءة الأدعية وحده جهرا، أو مع ترديد مرافقيه من ورائه؛ فإنه لا يشرع، وهكذا ما يزعم بعضهم من تخصيص كل شوط بدعاء كما في بعض الكتب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دعا بين الركن اليماني والحجر الأسود بقوله: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، رواه أبو داود (١٨٩٢) وغيره عن عبد الله بن السائب، كما كان يدعو بهذا الدعاء في غير الطواف، وهو في صحيح البخاري عن أنس، بل كان ذلك أكثر دعائه كما في مسند أحمد عن أنس، وقال مالك في المدونة (١/ ٣١٨): «ليس من السنة القراءة في الطواف»، وقيل لابن القاسم: «هل كان مالك يوسع في إنشاد الشعر في الطواف»؟، قال: «لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر»؟. قلت: لو قرأ الطائف سرا فلا بأس بذلك إن شاء الله، فإن قراءة القرآن خير ما يتكلم به المرء، وفي الحديث المتقدم: «فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»، وهذا في المباح فكيف بغيره؟، والرابع استلام الحجر الأسود أول طوافه كما تقدم، والخامس استلام الركن اليماني في أول الأشواط. ومستحباته استلام الحجر في بقية الأشواط على التفصيل المتقدم، واستلام الركن اليماني فيها بوضع اليد عليه، من غير تقبيله ولا تقبيل اليد، فإن لم يتمكن فلا يشير إليه، وقد وروى أبو داود (١٨٧٦) عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة»، وهو عند أحمد والحاكم نحوه، ومن المستحبات الدنو من البيت للرجال دون النساء كالصف الأول، والدعاء عند الملتزم بعد الفراغ من الطواف وركعتيه، وقيل إن هذا ليس من مستحبات الطواف لأنه يفعل بعد الفراغ منه، وقد انقضى بصلاة الركعتين، والملتزم هو جدار الكعبة الذي يقع بين الحجر الأسود وباب الكعبة،

стр. 1125

فيشرع وضع الصدر والوجه والذراعين عليه، لما رواه البيهقي عن ابن عمرو قال: كان النبي ﷺ يلزق صدره ووجهه بالملتزم، وروى أبو داود وابن ماجة تفسير الملتزم مرفوعا، ووضع الصدر والوجه والذراعين والكفين عليه، قال هبد الواحد بن عاشر في المرشد المعين: وادع بما شئت لدى الملتزم … والحجر الأسود بعدُ استلم ومما يسن في الطواف الاضطباع، وهو أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، فيكون منكبه الأيمن ظاهرا، ومنكبه الأيسر مغطى، وقد دل على ذلك وعلى تفسير الاضطباع ما رواه أبو داود (١٨٨٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قذفوها على عواتقهم اليسرى»، كما دل عليه ما رواه أبو داود (١٨٨٣) والترمذي (٨٥٩) وابن ماجة عن ابن يعلى عن أبيه أن النبي ﷺ طاف بالبيت مضطبعا»، وصح عن عمر ﵁ قوله: «فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب؟، وقد أَطَّأَ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، مع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ »، ولا يشرع الاضطباع قبل هذا الطواف ولا بعده، وكثير من الناس يفعلونه طيلة مدة الإحرام!!.
следующие страницы →