وهذا باق إلى يوم القيامة لقوله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، رواه أبو داود (٢٤٧٩) عن معاوية ﵁.
لكن الواقع الآن يختلف عما كان عليه قبل، فإن من أسلم من الكفار؛ لا حرج عليه في الإقامة في بلاد الكفر، لأن الدول الإسلامية لا تجيز الانتقال إلى أراضيها، ولا تمنح جنسياتها للمسلمين الراغبين في الإقامة بها، فينطبق على هؤلاء وصف المستضعفين، وتقوى الله بحسب الاستطاعة، فهؤلاء لا ينالهم الوعيد الذي في قول النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما»، رواه والترمذي (١٦٠٤) والنسائي وابن ماجة عن جرير، وصحح الحافظ إسناده في بلوغ المرام، وفيه كما ترى منع مساكنة المسلم للكافر، بل ومجاورته، وروى أبو داود (٢٧٨٧) عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله»، ومعنى جامعه؛ اجتمع معه، لكن يظهر والله أعلم أن مجرد الاجتماع بالمشرك للحاجة ليس هو المنهي عنه، بل المقصود اجتماع المرافقة فضلا عن الموافقة والمؤانسة والمصاحبة كما عليه كثير من المسلمين، حكاما ومحكومين.
فأما هجرة المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر ولو كان ساكنوها من أهل الصلح؛ فإنها محرمة لما يترتب عليها من الوقوع تحت سلطانهم والخضوع لقوانينهم، واستغلالهم في الضغط على بلدانهم، فضلا عن الامتهان الذي يلحق المسلم، والفتن التي يتعرض لها، ويعرض لها أولاده، فالذهاب إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا لواحد من أمور هي الجهاد المشروع كما تقدم، وطلب علم دنيوي لا يوجد في بلاد المسلمين، وصلة الرحم، والتجارة، والسفارة، بل لا تجوز الهجرة للإقامة في بلد مسلم إذا كان مريد الهجرة مقيما في بلد خير منه في ظهور السنة وقلة القوانين المناهضة للشرع، ومثال ذلك الهجرة من الجزائر للإقامة في تونس.
فإن قيل: إن بلاد المسلمين فيها من التفريط في الشرع ما لا يخفى، وبعضها قد فصل فيها الدين عن الدولة فعلا، وإن لم يرتض حكامها ذلك قولا؛ فالجواب: أن الدار عند أهل العلم إما دار إسلام وإما دار حرب، فدار الإسلام، قد قيل إنها هي التي يجري فيها حكم
стр. 1297
إمام المسلمين، وقيل إنها ما غلب فيه المسلمون وكانوا فيه آمنين، ودار الحرب ما يجري فيها أمر رئيس الكافرين، وقيل هي ما خاف فيه المسلمون من الكافرين، انظر كليات أبي البقاء.
والذي يقال إن الأصل أن دار الإسلام يقام فيها حكم الله تعالى، بواسطة الحاكم المسلم، ويقر للشرع فيها بالحاكمية، وإن كان فيها شيء من التفريط من حيث التطبيق فهذا لا يخرجها عن ذلك الوصف، ودار الحرب والكفر ما ليس كذلك، لكن هذا لا يمنع من القول إن البلد الذي تسكنه غالبية مسلمة، تقيم ما استطاعت من شعائر الإسلام هي دار إسلام، ولو كان فيها من القوانين ما هو مخالف لما أنزل الله، ما لم يكن كفر الحكام بواحا، وهذا بناء على التعريف الثاني الذي يرى أن دار الإسلام مرجعها إلى غلبة المسلمين عليها، قال الدسوقي في حاشيته (٢/ ١٨٨) على شرح الدردير: «لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها بالقهر، بل حتى تنقطع شعائر الإسلام عنها، وأما ما دامت شعائر الإسلام أو أغلبها قائمة فيها فلا تصير دار حرب»، انتهى.
وللشيخ رشيد رضا ﵀ رأي آخر فقد قال في تفسير المنار (٦/ ٤٠٧): «والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم؛ أن يلزموه بإبطال ما وضعه مخالفا لحكم الله، ولا يكتفوا بعدم مساعدته عليه ومشايعته فيه، فإن لم يقدروا؛ فالدار لا تعتبر دار إسلام فيما يظهر، وللأحكام فيها حكم آخر،،،»، وهذا قول لانوافق عليه.
стр. 1298
• قوله:
٠٥ - «والفرار من العدو من الكبائر، إذا كانوا مثلي عدد المسلمين، فأقل، فإن كانوا أكثر من ذلك؛ فلا بأس بذلك».
هذا حكم منصوص في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]، فهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالنار وبغضب الله، وقد ذكر في الموبقات السبع كما في قول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟، قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، لكنهم ذكروا لحرمته شروطا خمسة: أن لا يكون خدعة من الفار وحيلة ليكر على العدو، وهذا هو معنى المتحرف للقتال، وأن لا يكون بغية الالتجاء إلى فئة من المسلمين يستنصر بهم، وأن لا تختلف كلمة المقاتلين بحيث يترك بعضهم القتال، ولا يظهر أن هذا على إطلاقه، وأن يكون معهم سلاح، وأن لا يقل المسلمون في العدد عن نصف عدد الكفار، كما قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وفقد السلاح لا يمكن معه قتال بل هو تعريض للنفس إلى التهلكة بلا ريب، وشرط العدد يؤيده ما صح عن ابن عباس ﵄ من قوله: «إن فر رجل من اثنين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فما فر»، مع ما صح من سبب نزول الآية التي فيها التخفيف فتكون التي قبلها منسوخة، لا كما عليه بعض من بالغ في إنكار النسخ، فحمل آية المصابرة الأولى على حالة القوة، والثانية على حالة الضعف، وانظر إرواء الغليل للألباني ﵀ الحديث (١٢٠٦)، وإلا فما ذا يقال عن قول ابن
стр. 1299
عباس عن الآية المنسوخة: «كتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم نزلت ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وهكذا قوله: «شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف»، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٩٥) موجها كون الآية المراد بها الأمر وليس مجرد الخبر، يعني أن معناها الأمر بثبات الواحد للآيتين: «والسياق وإن كان بلفظ الخبر، لكن المراد منه الأمر لأمرين: أحدهما أنه لو كان خبرا محضا؛ للزم وقوع خلاف المخبر به، وهو محال، والثاني لقرينة التخفيف، فإنه لا يقع إلا بعد التكليف، والمراد هنا التكليف بالأخف، لا رفع الحكم أصلا»، انتهى
وفي شرط العدد رواية أخرى عن الإمام، وهي لابن الماجشون مفادها أن العبرة في وجوب الثبات وعدم الفرار القوة لا العدد، فيجب على المسلمين أن يثبتوا ولو كان عددهم أقل من نصف عدد الكفار إذا كانوا أقوى منهم عدة وجلدا، كما لا يلزمهم أن يثبتوا وإن كانوا أكثر من نصف عدد الكفار إذا كان الكفار أقوى منهم سلاحا وأكثر قوة وجلدا، وخافوا أن يغلبوهم، ومرد هذه الرواية إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وإذا كان هذا في ترك الثبات أمام الكفار حماية لأرواح المسلمين؛ فكيف بالتسبب في تحريكهم لقتلهم وتخريب ديارهم وممتلكاتهم ثم التطلع إلى المتمالئين معهم بل وإلى مناصريهم لتعمير ما خرب وإطعام الجائع وكسوة العاري ومداواة الجريح، وعقد اللقاءات للدول المانحة المتبرعة لأجل ذلك؟، وقد قيل لمالك يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟، فقال: «الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة»، انتهى، قال أبو عمر بن عبد البر معقبا على هذاالقول كما في الكافي ص (٢٠٦): «جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين، فإنه يشمل المشركين، ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين، ولم يجز له إباحة دمه لمن لم يقو عليه ويمكنه، ولا ينفع المسلمين بما يحاوله»، انتهى.
قلت: فكيف إذا كان ذلك ليس قتالا أصلا، ولا نقول لا نفع فيه للمسلمين، بل فيه جلب أعظم الضرر عليهم كما ترى في هذا الزمان؟، والظاهر أن هذه الرواية هي التي ينبغي
стр. 1300
أن يعول على ما فيها في هذا العصر، لو كان المسلمون قائمين بالجهاد الذي فرضه الله عليهم، فإن العدد القليل مع العدة؛ يغني عن العدد الكثير مع انعدامها، أو ضعفها، ولا أحسب أن أحدا يكابر في هذا، وقد قيل:
اليوم فكرة عالم في مصنع … تغني عن الأسياف والأرماح
وتصد كل كتيبة موارة … خضراء تقذف بالكماة رداح
والعلم مصباح الحياة فنقبوا … من قبل أن تثبوا عن المصباح
وقد فسر نبينا القوة التي أمرنا الله بإعدادها بما رواه مسلم (١٩١٧) من حديث عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي ثلاثا»، وقد شهد العالم من التقدم في وسائل الحرب ما أصبح معلوما عند الخاص والعام أن القوة هي الرمي، لأنه ضرب للعدو من بعيد، وكان العلماء قي القديم يقولون عنه إنه أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة، وقال عمرو بن كلثوم:
نطاعن ما تراخى القوم عنا … ونضرب بالسيوف إذا غشينا
وقد كان مدى الرمي في عهده ﷺ لا يتعدى مئات الأمتار، وهو الآن يبلغ آلاف الكيلومترات، فغدت القوة منحصرة فيه كما حصرها فيه نبينا ﷺ ، ولذلك كان حضه على الرمي قويا، فقد صح عنه قوله: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا»، رواه البخاري (٢٨٩٩) عن سلمة بن الأكوع، وروى الترمذي (١٦٣٨) وقال حسن صحيح عن أبي نجيح السلمي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر»، العدل بكسر العين - وتفتح - المثل، يعني أن رميه يعدل تحرير رقبة، وفي صحيح مسلم (١٩١٧) عن عقبة بن عامر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه»، قال الأبي (٦/ ٦٧٤) في شرحه على صحيح مسلم: «وإنما خرج مخرج اللهو إمالة للنفوس إلى تعلمه، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو»، انتهى، وربط الرمي وغيره من وسائل الحرب باللهو جاء في عدة أحاديث، منها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر
стр. 1301
الجنةَ: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد أن بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها»، وهو في سنن أبي داود (٢٥١٣) عن عقبة بن عامر، وهو ضعيف، والفقرة الأخير منه يدل عليها بالأولى قول النبي ﷺ : «من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو فقد عصى»، رواه مسلم (١٩١٩)، وفي حديث أبي الدرداء: «اللهو في ثلاث: تأديب فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك أهلك»، وهو في الصحيحة برقم (٣١٥)، فيه شاهد لخصاله الثلاثة.
والمنبل اسم فاعل من أنبل فلان فلانا؛ إذا ناوله النبل ليرمي به، ثم يجمعه ليرده له، والنبل بفتح النون وسكون الباء السهام العربية لا واحد له من لفظه، ومفرده سهم ونشابة، هذا معنى ما في النهاية لابن الأثير.
وفيه دليل على تقديم الرمي على غيره من وسائل القتال الأخرى في عهد النبوة، حتى الركوب على الخيل التي جاء الأمر بإعداده في القرآن، فاللهو في الإسلام لا يخلو من هدف مشروع، ومنه كسب المهارات، وإعداد القدرات القتالية، فإذا خلا عن القصد النافع المشروع كان من جملة الباطل، ومعنى هذا أنه لا ثواب فيه بشرط أن لا يكون منهيا عنه، لكونه للدنيا محضا كما قال ابن العربي في العارضة (٧/ ١٣٩)، فكيف إذا أدى هذا اللهو إلى محرم من ترك الصلاة أو الاختلاط أو العري أو تضييع الأموال، أو إيذاء الناس، وكل هذا متوفر في اللعب بالكرة فضلا عن الإجارة عليها وهي باطلة، ويدخل في دعوة الإسلام إلى التأهب المذكور ما جوزه الشرع من السباق على الحافر والخف والنصل كما في حديث أبي هريرة مرفوعا: «لا سبَق إلا في خف، أو حافر، أو نصل»، رواه أبو داود (٢٥٧٤)، والسبق بفتح الباء ما يعطى للسابق من المكافأة، وسابق النبي ﷺ بين الخيل، وسابق عائشة -رضي الله تعالى عنها- فسبقته مرة وسبقها أخرى، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
стр. 1302
• قوله:
٠٦ - «ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة».
البر هو الموفي بالعهود، والفاجر الجائر في الأحكام، ومنها عدم الوفاء بالعهود، وقال الدردير في شرحه ممزوجا بالمختصر: «ولو مع وال، أي أمير جائر في أحكامه، ظالم في رعيته، إلا أن يكون غادرا ينقض العهد، فلا يجب معه على الأصح»، انتهى، ولم يفرق بعضهم بين نقض العهد مع المؤمن ومع الكافر على الأصح، والذي يظهر خلافه لما يترتب عليه من المفاسد والفتن وهي أعظم من نقض العهود، والمعنى أنه لا فرق في وجوب الجهاد كفاية أو عينا على المسلم بين أن يكون القائد برا أو فاجرا، لأن الجهاد طاعة، وفيه تعاون على البر والتقوى، وإخراج للمقاتلين من الكفر إلى الإيمان، ورد المتوقع من العدوان، وقد قال النبي ﷺ : «،،، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر»، رواه الشيخان (خ/ ٤٢٠٤) من حديث أبي هريرة، والطبراني عن عمرو بن النعمان، وقال النبي ﷺ : «إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم»، رواه النسائي عن أنس، وعنه عند أبي داود (٢٥٣٣) من جملة حديث: «،،، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل،،،»، وله (٢٥٣٢) من حديث أبي هريرة: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا،،،»، لكنهما ضعيفان، واستنبط البخاري ذلك من حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وهكذا كان السلف ﵃، لم يروا بالغزو مع ولاة الجور بأسا، فإن الضرر اللاحق من ترك الغزو معهم أعظم من الضرر المترتب على الغزو، ولأنه فرض فلا يسقط بجور السلطان كما لم يسقط الائتمام بهم في الصلاة لأجل ذلك، قال جابر: «قاتل أهلَ الضلالة وعلى الإمام ما حُمل وعليك ما حُملت»، وقيل لابن عباس: أغزو مع إمام لا يريد إلا الدنيا؟، قال: «قاتل أنت على حظك من الآخرة»،!! وكان ابن عمر يغزي بنيه معهم، وانظر النوادر (٣/ ٢٥)، وإن
стр. 1303
كان المعروف عنه أنه لم يكن يغزو، بل كان مواظبا على الحج.
قال ابن حزم: «ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه»، وقال بعضهم: لا يقاتل مع الفاجر، وهو قول مالك الذي رجع عنه، قال ابن القاسم في المدونة وكان فيما بلغني عنه ولم أسمع منه، أنه كان يكره قبل ذلك جهاد الروم مع هؤلاء، حتى لما كان زمن مرعش، وصنعت الروم ما صنعت؛ قال لا بأس بجهادهم»، ومن قوله في تعليل القتال مع الجائر ما قال ابن القاسم: قلت لمالك يا أبا عبد الله إنهم يفعلون، ويفعلون، - يعني الولاة - فقال: لا بأس على الجيوش وما يفعل الناس، لا أرى به بأسا، ويقول: لو ترك هذا لكان ضرارا على أهل الإسلام، ويذكر مرعش وما فعل بهم، وجراءة الروم
على أهل الإسلام»، انتهى، فانظر كيف تراجع عن قوله السابق لموازنته بين المصالح والمفاسد ﵀.
стр. 1304
• قوله:
٠٧ - «ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج».
هذا واحد من خمسة أمور يجوز أن تفعل بالأسارى، وإنما نص عليه لقول بعض أهل العلم لا يقتل الأسير، والأسير في الأصل هو من يشد بالإسار وهو القد من الجلد، بكسر القاف، ثم أطلق على كل أخيذ، شد أو لم يشد، ويجمع على أسرى، وأسارى بضم الهمزة وفتحها، والأعلاج جمع علج بكسر العين، وهو الرجل من كفار العجم.
والمعنى أنه يجوز قتل من أسر من الأعلاج، ولا مفهوم له، فإن غيرهم من العرب مثلهم، والإمام مخير فيهم بين أمرين: القتل والإبقاء، فإن قتلهم فذاك، وإن أبقاهم فله أن يسترق، وأن يفاديهم بمال أو بأسرى مسلمين عند الكفار، وأن يضرب عليهم الجزية، وأن يمن عليهم، والتفويض إلى الإمام بحسب المصلحة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (٤)﴾ [محمد ﷺ : ٤] والمذكور هنا ثلاثة هي القتل والمن والفداء، وإنما لم يذكر القتل فيما بعد الإسار، لأنه ذكر قبله، وقد يكون عدم ذكره لكونه مفضولا بعد الأسر إلا لمعنى خاص به، كشدة إيذاء الأسير للمسلمين أو نحوه، وقد قال بعض أهل العلم لا يقتل الأسير، والصواب: أنه قد يقتل كما قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث يوم بدر، وابن خطل وقد كان متعلقا بأستار الكعبة كما في الصحيح (خ/ ٣٠٤٤) عن أنس بن مالك، وقد ثبت عنه المن على ثُمامة بن أَثال الحنفي وكان أسيرا في يده فأسلم، وفادى أسارى من المسلمين بجارية كانت عند سلمة بن الأكوع، وهذه الأوجه إنما هي بالنسبة للرجال المقاتلين، أما الذراري والنساء فيخير الإمام فيهم بين ثلاثة: الاسترقاق والمن والمفاداة، ومما يدل على أن الذي ينبغي أن يراعى في ذلك هو مصلحة المسلمين، وقد تختلف من وقت لآخر قول الله تعالى يعاتب أصحاب رسول الله ﷺ فيما أقدموا عليه بعد غزوة بدر من قبول مفاداة
стр. 1305
المشركين: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (٦٧)﴾ [الأنفال: ٦٧]، والإثخان في الأرض ظهور القوة والغلبة فيها للمسلمين، وقد يكون من الوسيلة إلى ذلك قتل الأسارى أو استرقاقهم إرهابا للعدو، بدل المن عليهم ومفاداتهم، فقبل ظهور الغلبة للمسلمين في الأرض يكون الأسر مفضولا، وهو ما دلت عليه آية الأنفال، وإذا التقى الجمعان فضرب الرقاب هو المطلوب حتى الإثخان وإضعاف الكفار فحينذاك يأتي دور الإسار، وإذا جرى عرف الدول على عدم قتل الأسير فمراعاة الحاكم المسلم ذلك لا ضير فيه ما لم تكن ثمة حالة خاصة.
стр. 1306
• قوله:
٠٨ - «ولا يقتل أحد بعد أمان، ولا يخفر لهم بعهد».
ذكر هنا تأمين الكافر الحربي ومعاهدته فردا كان أو جماعة، ومعاهدة الكفار تكون مع الجزية، لكن لا مانع في حال ضعف المسلمين أن تكون معاهدة من غير جزية وهذا كان حال المسلمين إلى أن شرعت بعد غزوة تبوك، وأول جزية أخذت كانت من نصارى نجران كما في سنن أبي داود (٣٠٤١)، وروى أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ فأتوه به، فحقن دمه، وصالحه على الجزية، وفي حالة المعاهدة فإما أن يكون العهد مطلقا عن التوقيت، أي مبهما، وهذا ليس في المذهب، فإذا ظهر لإمام المسلمين نبذه أخبر الكفار بذلك، ويجوز أن يحدد العهد بمدة، والمذهب استحباب أن لا تزيد على أربعة اشهر! كما في مختصر خليل، فيتعين الوفاء بها ما لم يخل بها الكفار.
وقوله: لا يخفر لهم بعهد؛ يقال خفرت الرجل أخفره خفرا من باب ضرب، إذا أجرته وكنت له خفيرا تحميه وتمنعه، وأخفرته إذا نقضت عهده وغدرت به، والمعنى أن الكافر المحارب، غير الأسير؛ هو مهدر الدم، ما لم يؤمنه المسلم، فإذا أعطي الأمان؛ فلا يجوز قتله ولا ما يتنافى مع تأمينه لما في ذلك من الغدر، وقد قال رسول الله ﷺ : «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة»، رواه مسلم عن أبي سعيد، وفي رواية: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يرفع بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة»، ونحوه في الصحيح عن ابن عمر وابن مسعود، وقال: «من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يَرَح رائحة الجنة» وهو في الصحيحة.
والحربي المستجير قسمان: أولهما: من استجار وقد بين أن غرضه معرفة أحكام الإسلام؛ فهذا يتعين إجارته ولا بد، لأمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]، وكلام الله تعالى قد تضمن أحكام الدين، فالمراد به هنا والله أعلم ما هو
стр. 1307
أعم من سماعه ومعرفة أحكام الشرع منه ومن سنة نبيه ﷺ ، والثاني: المستجير الذي ليس كذلك، فهذا يرجع النظر فيه إلى ما فيه مصلحة للمسلمين ومنفعتهم، فإذا أجير؛ حرم التعرض له حتى يبلغ مأمنه، أي الموضع الذي يأمن فيه على نفسه، وهو بلاده، فإذا بلغها عاد حربيا، وهذا فيمن طلب الجوار ابتداء، أما من عثر عليه في بلاد المسلمين فادعى ذلك؛ فقد قال مالك: «إذا وجد الحربي في طريق بلاد المسلمين فقال: جئت أطلب الأمان، قال مالك: هذه أمور مشتبهة (في المدونة مشكلة)، وأرى أن يرد إلى مأمنه»، قال ابن القاسم: وكذلك الذي يوجد وقد نزل تاجرا بساحلنا فيقول: ظننت أن لا تعرضوا لمن جاء تاجرا حتى يبيع»، ذكرهما القرطبي في تفسيره (٨٧٦) وهما في المدونة.
والذي يعطي الأمان هو الإمام بالاتفاق، ومشهور المذهب أن غير الإمام من المسلمين الذكور والإناث والأحرار والعبيد والصغار الذين يعقلون معنى الأمان؛ مثل الإمام في لزوم الوفاء، ودليل لزوم ما تقدم من الاستئمان والمعاهدة الأمر بالوفاء بالعهد في كتاب الله ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨]، ولقول النبي ﷺ : «من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشد عقدة، ولا يحلها؛ حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ لهم على سواء»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (١٥٨٠) عن عمرو بن عبسة، وقال حسن صحيح، والمراد بالنهي عن حل العقدة وشدها؛ عدم تغيير شيء مما اتفق عليه في العهد من جانب واحد، تأكيدا للزوم الوفاء، وإلا فلا مانع من الزيادة فيه أو تعديل شيء منه بالاتفاق، والأمد مدة العهد، والنبذ الطرح، أي إخبارهم بإنهاء العهد، وقوله على سواء، أي ليكون خصمه مساويا له في العلم بالنقض، حتى لا يكون ذلك منه غدرا، ولهذا الحديث قصة ذكرها الترمذي، وهي أن معاوية ﵁ كان بينه وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس، وهو يقول: «الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة فسأله معاوية عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره، فرجع معاوية بالناس، قال الترمذي: حسن صحيح،
стр. 1308
قال مالك: «بلغني أن عبد الله بن عباس قال: «ما ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو»، والختر النقض، وروى أحمد عن حذيفة مرفوعا: «فُوا لهم، ونستعين الله عليهم» أي أوفوا لهم بعهدهم، ولا يصح أن نتخذ الغدر وسيلة للانتصار عليهم بل ندعو الله ونستعينه عليهم.
واعلم أن الذي يستفيده الحربي من التأمين إن كان قبل الفتح أمور منها: حرمة قتله، ومنع استرقاقه، وضرب الجزية عليه، فإن وقع التأمين بعد الفتح؛ فإن الذي يسقط عنه القتل فحسب، ويرى الإمام رأيه في باقي ما هو مخير فيه، وقد تقدم، قال خليل: «وسقط القتل، ولو بعد الفتح».
стр. 1309
• قوله:
٠٩ - «ولا يقتل النساء والصبيان، ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا، وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت».
الذين يمنع قتلهم من الكفار سبعة هم المرأة والصبي والمعتوه والشيخ الفاني والزمن والأعمى والراهب المعتزل بلا رأي، والرهبان جمع راهب هو العابد، والأحبار جمع حبر بفتح الباء وكسرها هو العالم، وإنما منع قتل النساء والصبيان لأنهم ليسوا من أهل القتال، ولذلك لا تضرب عليهم الجزية، ولأن الله تعالى إنما أمرنا أن نقاتل من يقاتلنا، فإذا قاتل النساء ومن ذكر معهم بما يقاتل به وهو السلاح؛ قاتلناهم لتوفر العلة، بخلاف ما إذا قاتلوا بنحو الحجارة، فهذا ليس قتالا في العرف، ودليل منع قتل النساء والصبيان أن امرأة وجدت مقتولة في بعض المغازي، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان»، رواه الشيخان (خ/ ٣٠١٥) وبعض أصحاب السنن (د/ ٢٦٦٨) عن ابن عمر، وروى أبو داود (٢٦٦٩) والنسائي عن الرباح بن الربيع التميمي قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال: «انظر علام اجتمع هؤلاء»؟، فجاء فقال: «على امرأة قتيل»، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فقال: «قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا»، العسيف هو الخادم، وفيه الإشارة إلى سبب المنع من قتل النساء، ويستدل بمفهومه على قتلهن إذا قاتلن، ويستدل به على أن قتل الكافر ليس لمجرد كفره، وقال النبي ﷺ : «لا تقتلوا الذرية في الحرب»، فقالوا يا رسول الله: أو ليس هم أولاد المشركين»؟، قال: «أو ليس خياركم أولاد المشركين»؟، رواه أحمد بسند صحيح كما قال الغماري في مسالك الدلالة، وفيه تشوف الشرع إلى استبقاء ذرية المشركين، عسى أن يسلموا، ولأنهم ما زالوا قريبين من الفطرة التي فطر الله عباده عليها، وفيهم قصور عن الشرك، وفي النساء ضعف، ولاحتمال استرقاقهم على ما كان عليه الأمر
стр. 1310
حينئذ، فهم بمثابة المال كما قال بعضهم، واسترقاق الأسرى ليس واجبا بل مباح، والشرع متشوف إلى العتاق كما لا يخفى.
فأما الرهبان والأحبار فيكفي في بيان شرهم قول الله تعالى عنهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، فهم أعظم خطرا من المقاتلين، لشدة كفرهم، ودعوتهم غيرهم إلى الكفر، ولما ينتفع به من آرائهم، وتدبيرهم وقد قيل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أول وهي المحل الثاني
فإن اجتمعا لنفس حرة … نالت من العلياء كل مكان
فليس مجرد اتصافهم بذلك مانعا من قتلهم، ولذلك اشترط فيه على المشهور أن يكونوا منقطعين عن أهل ملتهم حسا في دير أو صومعة، وأن لا يكون لهم نوع إعانة في الحرب بالرأي والمشورة، فهؤلاء يتركون ولا يسترقون كما تسترق الذرية والنساء، ويُترك لهم ما يقوم بهم من الأموال إن كانت لهم، فإن لم يكن لهم مال؛ ترك لهم من أموال الكفار، قالوا وإلا وجب على المسلمين مواساتهم!!، وقيل تترك لهم جميع أموالهم، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٦٠): «وإنما نهي عن قتل هؤلاء لأنهم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمى أحدهم حبيسا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به، فتنازع الناس في قتلهم،،،»، وقال التتائي ﵀: «ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم، بل هم من الله أبعد من غيرهم، لشدة كفرهم، وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم، فصاروا كالنساء»،!! انتهى.
والمعتمد فيما تقدم؛ ما جاء في وصية أبي بكر ﵁، ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه أميرا على فتح الشام: «وستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في الصوامع فذروهم وما حبسوا أنفسهم له،،،»، وهي في موطإ مالك، وفي نسخة للرسالة بدل الأحبار الأجراء، ودليله النهي عن قتل العسيف، وهو الخادم والأجير كما تقدم، ومشهور المذهب عدم
стр. 1311
جواز قتلهم، قال الشيخ زروق: «المشهور عدم جواز قتل الفلاح والأجير والصانع إن لم يقاتلوا، وقدر عليهم، وهذا عند ابن حبيب، وعند سحنون يقتلون»، انتهى، وقد روى أبو داود والترمذي (١٥٨٣) وصححه عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم»، وفيه الحسن عن سمرة، واستحيوا استبقوا كما في رواية، وهذا إذا صح فلا دليل فيه على مشروعية قتل الشيخ الفاني، فإن المقصود بالشيوخ الكبار، يدل عليه مقابله وهو الشرخ فإنهم الذين لم يدركوا.
стр. 1312
• قوله:
١٠ - «ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان، وقيل: إن أجاز ذلك الإمام؛ جاز».
لو جاء هذا مع ما تقدم عند ذكر وجوب الوفاء بالأمان للحربي؛ لكان أولى، ولعل مناسبة عدم قتل النساء والصبيان في جانب الكفار هي التي استدعت ذكر حال النساء والصبيان في جانب المسلمين، ودليل ما قاله؛ حديث أم هانئ قالت: «أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول ﷺ : «قد أمنا من أمنت»، رواه مالك في الموطإ (٣٥٥) في باب صلاة الضحى، وأبو داود والترمذي (١٥٧٩)، وقال حسن صحيح، وهو في الصحيحين بلفظ آخر، ولعلّ مالكا لم يستدل بهذا الحديث على حكم أمان النساء لما فيه من الاحتمال، فإن قوله ﷺ «قد أمنا من أمنت»؛ يحتمل أنه تقرير لها على تأمينها فيحتاج التأمين إلى ذلك دائما، وهو ما ذكره المصنف بصيغة التمريض، ويحتمل أنه بيان لمضي تأمين المرأة في نفسه، وهذا هو الذي تدل عليه النصوص الأخرى، منها حديث أبي هريرة يرفعه: «إن المرأة لتأخذ للقوم»، رواه الترمذي (١٥٧٩) وحسنه، ونقل عن شيخه البخاري تصحيحه، ومعنى تأخذ للقوم؛ تجير عليهم، ولقوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، رواه أحمد وأبو داود (٤٥٣١) والنسائي والحاكم عن علي، ورواه نحوه أبو داود (٤٥٣١) والبيهقي عن ابن عمرو، وقوله أدناهم يدل على وجوب الوفاء بأمان العبد المسلم، وروى أبو داود (٢٧٦٤) عن عائشة رضي الله قال: «إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين، فيجوز»، وقول المؤلف «وقيل إن أجاز ذلك الإمام»؛ هو قول ابن الماجشون وسحنون، وقد أشار إليه ابن المنذر في الإجماع، وذهبا إلى تأويل حديث أم هانئ بما تراه في النوادر والزيادات (٣/ ٧٩)، وهو ما ألمحت إليه من قبل، ويقع في نفسي أنهما أخذا ذلك من عدم استدلال الإمام بالحديث كما سبق، وقد أشار خليل إلى
стр. 1313
الخلاف في هذه المسألة بقوله: «وإلا فهل يجوز - وعليه الأكثر - أو يمضى من مؤمن مميز، ولو صغيرا، أو امرأة، أو رقا، أو خارجا على الإمام، لا ذميا، أو خائفا منهم؛ تأويلان».
وقد ذكروا للزوم التأمين شروطا منها أنه إنما يلزم من غير الإمام إذا كان من أُمنوا أفرادا مخصوصين، أما تأمين أهل ناحية، أو بلد؛ فلا يعقد لهم الأمان إلا الإمام، فإن عقده غيره لم يلزمه، فإن شاء أمضاه، وإن شاء نقضه، ومنها أن لا يكون في التأمين ضرر على المسلمين كتأمين الجاسوس، وهكذا الطليعة وهم الذين يبعثون أمام الجيش يتعرفون طلع العدو بكسر الطاء، أي أخباره، فالأصل قتلهم، غير أنه يجوز للإمام بدل ذلك أن يسترقهم أو يسلموا، قال خليل عاطفا على ما يجوز فعله في الجهاد: «وقتل عين وإن أمن، والمسلم كالزنديق».
стр. 1314
• قوله:
١١ - «وما غنم المسلمون بإيجاف؛ فليأخذ الإمام خمسه، ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش».
حل الغنائم من خصائص نبينا محمد ﷺ وأمته، والأموال التي يحصل عليها المسلمون من الكفار قسمان: غنيمة وفيء، فالفيء من فاء يفيء إذا رجع، وفي الشرع كل مال حصل عليه المسلمون من الكفار من غير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف في اللغة سرعة السير، والمراد هنا لازم ذلك من التعب والحملات والقتال، والغنيمة في اللغة ما يناله المرء بالسعي، وخصها الشرع بما أخذه المسلمون من العدو بإيجاف.
وفي المذهب ولو لم يحصل القتال بالفعل كأن ينزل الجيش بأرض الكفار فيهربوا ويتركوا أموالهم، أما إذا تخلوا عنها قبل خروجه فليست غنيمة بالاتفاق، والمقاتلون ومن في حكمهم لهم حق معين في الغنيمة، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]، ومفهوم كون الخمس لرسول الله؛ أن أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين، لكن هذا ليس على عمومه، فقد دل الدليل على أن سلب المقتول لقاتله على ما يأتي، وكذا الأسارى إذا رأى الإمام أن يمن عليهم ولم يسترقهم وقد تقدم، ويستثنى من الأخماس الأربعة؛ الأرض، فإنها لا تقسم، وقد استدل بعضهم على ذلك بقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم (٢٨٩٦) عن أبي هريرة: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم»، وفي هذا الاستدلال الذي ذهب إليه الطحاوي وأيده القرطبي في تفسيره (٨/ ٤) نظر لا يخفى، والمعول عليه في استثناء الأرض من القسمة على المقاتلين فعل عمر ﵁ (١).
стр. 1315
أما الفيء فليس للمقاتلين فيه حق متعين، وإنما هو لبيت المال، والأمر فيه وفي خمس المغنم للإمام يتصرف فيه مراعيا مصلحة المسلمين مبتدئا بالفقراء من الرجال والنساء وذوي قربى النبي ﷺ وهم بنو هاشم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وسائر بني هاشم، وقد قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (٦)﴾، [الحشر: ٦]، إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، فمصرف الفيء هو مصرف خمس المغنم باجتهاد الإمام.
واعلم أن الفيء واحد من الموارد المالية التي يختص بها بيت المال، وهي: الجزية العنوية والصلحية، وخمس الغنيمة، وخمس الركاز، وخراج أرض الصلح، أو ما صولح عليه أهل الحرب، وعشور أهل الذمة، وما أخذ من تجارتهم ومن الحربيين كما تقدم في الزكاة، ومال المرتد إذا مات على ردته، والمال الذي جهل صاحبه، ومال من لا وارث له، وقد ذكر بعضها في هذا البيت:
جهات أموال بيت المال سبعتها … في بيت شعر حواها فيها كاتبه
خمس وفيء خراج جزية عشر … وإرث فرض ومال ضل صاحبه
وينبغي أن يضاف إلى ما تقدم في هذا العصر الأموال المجموعة من الثروات الباطنية كالبترول والغاز والمعادن والمشروع من الضرائب والجبايات والرسوم المختلفة على البطاقات والجوازات وريوع المطارات والمرافئ والأسواق والهبات التي قد تحصل عليها الدولة، وقد أصبحت الضرائب وما تبعها الأساس في ميزانيات الدول الحديثة، والأصل فيها التحريم الشديد فإنها راجعة إلى المكس، ومال المسلم في الحرمة مقترن بدمه وعرضه، وقد يجوز أخذها بشرط عجز مداخيل الدولة الأخرى كالمعادن والمناجم والبترول والغاز وغيرها عن سد الحاجات، فيأخذ الحاكم ما يكمل قدرته على سد ذلك بالقسط والعدل من كل حسب طاقته، وذلك أن الحواضر لا يمكن أن يستقيم حالها إذا تركت المرافق العامة للأفراد يدبرها كل منهم كما يرى، كجلب مياه الشرب، وصرف
стр. 1316
المياه القذرة، ورصف الطرقات، والإنارة، وتوفير رواتب العمال في قطاع الخدمات العامة، كالإدارات والتعليم والصحة والقضاء، والتكفل بالعجزة والمعوقين والمتقاعدين، لكن لا شك أن المحذور موجود بل غالب، وهو التوسع الفاحش في جباية الضرائب، وعدم العدل بين المتماثلين فيها، يليه التوسع في عقوبة من تأخر في دفعها برفع المستحقات عليه، وهكذا في تقويم أعوان إدارة الضرائب لمداخيل التجار والصناع وأرباب الحرف، ومن ذلك تجاوز أوجه الإنفاق المشروعة إلى أوجهه الممنوعة المكروهة والمحرمة، ومن ذلك الإنفاق على الأمور الكمالية والزينة مع عدم سد الحاجات الأساسية، فهذه محاذير في الإنفاق لا تخفى، تنظم إلى محاذير الجباية فيعظم الخطب، ويشتد خطر هذا الأمر الذي يمس أموال الناس، ومما لا جدوى فيه الإنفاق على تسليح الجيوش والحال أن الأسلحة التي تشترى لم ترصد لما هو مشروع أولا، بل ولا تستعمل غالبا، وعلى فرض استعمالها في مقاتلة الكفار فلا جدوى في ذلك عندي إلا في حرب الدفع التي يضطر إليها، لأن الذين يبيعونها للمسلمين هم أعداؤهم، وقتالهم واجب عليهم لو كانوا قادرين، قتال دعوة، وقتال دفع، وهل يعقل أن يبيع لك عدوك ما تقاتله به قتالا ناجعا؟، وهم لا يبيعون لهم منها إلا ما مضى وقت نفعه، وانقضى أمد تأثيره، ثم يضطر المشترون إلى تحديثه، فيطلبون من الكفار قطع الغيار، بل ويعتمدون عليهم في التدرب على استعماله، إنها حلقة مفرغة لا جدوى منها والله غير تبذير أموال المسلمين، وترويج بضائع الكافرين، ولذلك فليس مستبعدا أن يقال بعدم جواز الإنفاق على الأسلحة التي لا تستعمل إلا في حروب المواجهة، ولسنا من المحلقين في الخيال فلتكتف الدول المسلمة بالأسلحة التي ترد بها الغوغاء مما هو شأن داخلي، وخير للمسلمين أن ينفقوا تلك الأموال في البحث العلمي عموما، وفي الخاص منه بالأسلحة خصوصا حتى يكونوا مستقلين فيها، فإذ ذاك يكون معنى لامتلاكها، وما عدا هذا فهو إعانة للكفار بترويج بضاعتهم من غير حاجة دنيوية ولا دينية، أقر به الناس أو أنكروا، رضوا أم سخطوا.
يؤيد هذا الذي ذكرته ما توصل إليه أهل غزة في فلسطين من صنع صواريخ وطائرات بدون طيار حلقت في سماء الأرض التي يحتلها اليهود كان مدى هذه الصواريخ
стр. 1317
كيلومترين، ثم انتهى إلى مائة كيبومتر، وقد أنتجوا منها أنواعا كثيرة، استعملوها إبان هذه الحرب التي شنها عليهم اليهود برا وبحرا وجوا في رمضان من سنة (١٤٣٥ هـ)، (٢٠١٤)، فكادوا يفرضون بها على اليهود حصارا جويا، وقدموا فيها من التضحيات ما الله به عليم، فليس أمام المسلمين إلا توطين البحث العلمي فهو خير بكثير من إنفاق المال في شراء الأسلحة والله، ولا تظنن أني بهذا الذي ذكرته أمتدح سياسة المشرفين على قطاع غزة ولا منهجهم، ولا تعاونهم مع الروافض، وامتداح حكامهم، ولا عقدهم البيعة على منهج حسن البنا، وهي أصل للقول بالخروج على الحكام، ولا تحكيمهم ميثاق حركتهم في علاقتهم بأعداء الله اليهود بدل تحكيم شرع الله تعالى في هذه العلاقة، وما ترتب على ذلك من القتل والتدمير، ثم الاستجداء لإعادة البناء والتعمير، ولا في فك أيديهم من يد حاكمهم وخروجهم عليه، وإنما غرضي أن أضرب بهم مثلا في الذي قلته، ولولا هذه المخالفات لما كان لقتال اليهود القتال الجاد نظير يوازي قتالهم، ولهذا يصعب على كثير من الناس أن يصيب الحق حين يتكلم على هؤلاء، لفساد منهجهم من جهة، وما أظهروه من استماتة وصبر وتحمل في قتال أعداء الله اليهود، فهم فتنة من هذه الحيثية لكثير من الناس الذين لا يميزون ولا ينصفون.
واعلم أن مشهور المذهب أن الذي يقسم من الغنيمة أو الفيء؛ إنما هو غير الأرض والدور، ومثل ذلك في هذا العصر المصانع والمعامل والقطارات والطائرات ونحوها، أما هما فلا يخمسان ولا يقسمان على المشهور، بل يكونان وقفا بمجرد الفتح ولا حاجة إلى حكم حاكم بذلك، وقيل بل تقسم، وقيل الأمر إلى الإمام، والمراد بالأرض هنا الزراعية، ويؤخذ لها كراء، وتخالف الأبنية الأرض في كونها لا يؤخذ لها كراء، فإذا انهدمت وبنى أهل الإسلام مكانها دورا فلا تكون وقفا، قالوا: ولو قسمت الأرض بناء على مذهب من يرى قسمتها مضى عمله، ويشار إلى أن مذهب مالك أن مكة فتحت عنوة، فأرضها على هذا وقف.
стр. 1318
• قوله:
١٢ - «وقسم ذلك ببلد الحرب أولى».
ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين»، وهو في الصحيح (خ/ ٣٠٦٦) عن أنس، قال خليل: «والشأن قسمها ببلد الحرب»، يعني بالشأن السنة وما مضى عليه عمل السلف، وقد كان النبي ﷺ يقيم بأرض العدو ثلاثة أيام، وهذا لأن في قسمتها هناك مزيد نكاية في المحاربين، وفيه إظهار للإسلام، ولأن الغنيمة فيها حق المقاتلين، والمبادرة إلى تمكين الناس من حقوقهم مطلوبة، ولأن قسمها يجعل حفظها أيسر لتولي كل أحد حفظ ماله.
стр. 1319
• قوله:
١٣ - «وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب، وما غنم بقتال».
الركاب الإبل، فلا يقال في اللغة للفارس راكب، والمراد بيان أن الذي يخمس هو ما حصل عليه المسلمون من الكفار بقتال، أو بدخول جيش المسلمين أرض الكفار فهربوا وتركوا أموالهم لذلك، أما ما لم يكن كذلك؛ فلا يعطى حكم الغنيمة، وعليه فلا حظ خاصا للمقاتلين فيه، بل هم وسائر المسلمين فيه سواء، فيجوز للإمام تنفيل من شاء منهم ومن غيرهم، كما يجوز تنفيلهم من الخمس الذي يتولاه الإمام من الغنائم.
стр. 1320
• قوله:
١٤ - «ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك».
الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها محرم، وهو الغلول، لكن إذا احتيج إلى الطعام وعلف الدواب؛ جاز سد الحاجة منه، ولا يكون جواز ذلك متوقفا على حال الضرورة، ولا على إذن الإمام، لأن منعه يلحق الضرر بالجيش، فإن لم تكن لهم إليه حاجة؛ فالترك هو المطلوب، ودليل هذا حديث ابن عمر ﵄ قال: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله، ولا نرفعه»، رواه البخاري (٣١٥٤)، وفي سنن أبي داود (٢٧٠١) عنه أن جيشا غنموا في زمان النبي ﷺ طعاما وعسلا فلم يؤخذ منهم الخمس»، يعني فيما أكلوا منه لا ما فضل.
وقال مالك: «لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ما وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع المقاسم، وأنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يؤكل الطعام،،، ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم، ويقسم بينهم؛ أضر ذلك بالجيوش، فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف، ولا أرى أن يدخر أحد من ذلك شيئا يرجع به إلى أهله».
ولعل غير الطعام والعلف يعطى حكمهما متى احتيج إليه، كمن حاز سلاحا فإن له أن يقاتل به، وهكذا من غنم فرسا فله أن يركبه، لكن عليه أن يجعل ذلك بعد القتال في الغنيمة ليخمس، وفي المدونة (١/ ٣٩٦): «أرأيت السلاح يكون في الغنيمة فيحتاج رجل من المسلمين إلى سلاح يقاتل به، أيأخذه فيقاتل به بغير إذن الإمام؟، قال: سمعت مالكا يقول في البراذين تكون في الغنيمة فيحتاج رجل من المسلمين إلى دابة يركبها يقاتل عليها ويقفل عليها، قال: يركبها يقاتل عليها، ويركبها حتى يقفل إلى أهله يريد أرض الإسلام إن
стр. 1321
احتاج إلى ذلك»، انتهى، البراذين بفتح الباء جمع برذون وزن فرعون، هي الخيل من غير نتاج العرب، ولعل ابن القاسم إنما أجاب السائل عن السلاح بقول مالك في البراذين لكون استعمال السلاح ممن احتاجه أولى من الركوب للرجوع إلى الأهل.
قال الحافظ في الفتح (٦/ ٣٠٧): «واتفقوا على جواز ركوب دوابهم، ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب»، وقد ترجم ابو داود (٢٧٠٩) بقوله: «باب في الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة»، وأورد تحته قصة من أجهز على أبي جهل بسيفه، وهو في البخاري، وقد ورد ما يدل على خلاف ما تقدم، وحمله على عدم الحاجة أولى للجمع بين الأدلة.
стр. 1322
• قوله:
١٥ - «وإنما يسهم لمن حضر القتال، أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم، ويسهم للمريض، وللفرس الرهيص».
سبق أن للمجاهدين من الغنيمة أربعة أخماسها، يأخذ كل منهم سهما أو أكثر كما سيأتي، وقد بين هنا من يسهم له، وهو من حضر القتال، فإن الغنيمة خاصة بالمقاتلين، وقال أبو بكر الصديق: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، رواه الشافعي، وعن عمر مثله، وقد ترجم به البخاري، ووهم القرطبي في تفسيره (١٦/ ٧) فعزاه للبخاري مرفوعا، ووقع ذلك لابن العربي في أحكام القرآن أيضا، ولا يريدون بحضور القتال؛ حضور المواجهة، بل حضور المناشبة، فمن مات قبل المناشبة؛ لم يسهم له، يقال ناشبه الحرب إذا نابذه، وكذلك يسهم لمن تخلف عن القتال لمصلحة المسلمين نحو كشف طريق، أو جلب عُدد، أو طعام، لكن النبي ﷺ أسهم لعثمان بن عفان من غنائم بدر، ولم يحضرها لمرض زوجه بنت رسول الله ﷺ ، وقال له: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»، رواه البخاري (٣١٣٠) عن ابن عمر، وقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله، وحاجة رسوله»، وهذا تعليل للإسهام، فقيل هذا كان قبل بيان من تكون له الأربعة الأخماس، وممن قال بذلك البغوي في شرح السنة (١١/ ١٠٠)، وقيل كان هذا من الخمس، وقيل هذا خاص به، فلا يقاس عليه، وممن ذهب إليه القرطبي، ويدل عليه كون النبي ﷺ جعله بمثابة من حضر بدرا، فهو من البدريين، فأما إسهام النبي ﷺ لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب عن غزوة خيبر؛ فوعد من الله تعالى في قوله مخاطبا إياهم: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ (٢٠)﴾ [الفتح: ٢٠].
وقوله ويسهم للمريض؛ بيان لحكم من خرج للقتال ثم منعه عذر من حضوره، كأن مرض، أو ضل الطريق، ففي الإسهام لهؤلاء أقوال ثلاثة، أصحها كما قال ابن العربي
стр. 1323
الإسهام إن حصل العذر قبل القتال وبعد الإدراب، أي دخول أرض العدو، فإن كان قبل الإدراب فلا، وقال بعضهم يسهم لمن ضل ولو قبل دخول أرض العدو، بخلاف المريض فلا يسهم له إذا حصل عذره قبل القتال ولو دخل أرض العدو، لانقطاع القصد بالموت ووجوده عند التائه.
والفرس الرهيص المصاب بداء الرهص وهو داء يصيبه في الحافر، فيسهم له إذا أصيب بذلك في حال القتال أو بعده، ومثل الرهص غيره من الأدواء فيما يظهر، ويجري في الفرس الرهيص ما يجري في المريض من التفصيل عندهم.
стр. 1324
• قوله:
١٦ - «ويسهم للفرس سهمان، وسهم لراكبه».
المقاتل إما أن يكون راجلا، أو غير راجل، فالراجل له سهم واحد، والفارس له ثلاثة أسهم، سهمان للفرس، وسهم لصاحبه، ولا يسهم على المشهور للبعير، وراكبه يدعى جمالا، ولا للحمار، ويدعى راكبه حَمارا، ودليل ذلك ما صح عن النبي ﷺ أنه جعل للفرس سهمين، وللفارس سهما، رواه الشيخان وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وذكره مالك في الموطإ (٩٨٣) بلاغا عن عمر بن عبد العزيز، ولا يختلف الأمر إذا لم يقاتل على الأفراس، كأن كانت في السفن، ووقعت الغنيمة في البحر لكونها معدة للنزول إلى البر، لأن الدليل ورد مطلقا من غير استفصال، وذلك منزل منزلة العموم في المقال، ولا لأكثر من فرس لشخص واحد، لأن المقاتل لا يحتاج إلى أكثر من واحد، وقد سئل مالك عن رجل يحضر بأفراس كثيرة فهل يقسم لها كلها؟، فقال: «لم أسمع بذلك، ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذي يقاتل عليه»، انتهى، وفي إعطاء الفرس سهمين تشجيع لما يجدي في الحرب، وقد كان للخيل أهمية كبرى فيها يومئذ، ولذلك نهي عن خصائها من دون بقية الحيوان، لأن ذلك يقلل عددها، وذكرها الله تعالى في كتابه فقال ﴿رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وقال النبي ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، رواه مالك والشيخان وغيرهما عن ابن عمر، وقال النبي ﷺ : «إنه ليس من فرس عربي إلا يُؤْذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: «اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وماله إليه»، رواه أحمد والحاكم عن أبي ذر، تأمل دعاء الفرس العربي بتحبيبه إلى مالكه حتى سأل أن يكون محببا إليه أكثر من أهله وماله!!، ولا يكون ذلك إلا لأنه يرتبطه ليجاهد عليه، والجهاد ذروة سنام دينه، وقارن بما يربط الناس من أجله اليوم الخيل، إنه الزينة والفخر والقمار و (الوعدات).
стр. 1325
فإن قلت: ما عاد للخيل علاقة بالجهاد لو كان المسلمون قائمين به، فما وجه ربط الخير بنواصيها إلى يوم القيامة؟، فالجواب: أنا جازم بصدق ما قاله نبينا محمد ﷺ على ما أراد، وإن لم أفهم مراده وعجزت عن ربطه بالواقع، ومع ذلك فإن في الحديث دلالة على استمرار الجهاد إلى يوم القيامة، وقد احتج به البخاري على ذلك، ولما كان للخيل تلك المكانة في عهد النبوة؛ فإن الحديث دال على أن امتلاك المسلمين للقوة حسب كل زمان بعد استمساكهم بدينهم هو مناط عزهم وسلطانهم إلى يوم القيامة.
وقد اختلف هل السهام الثلاثة للفارس، أو هي على الظاهر من كون اثنين منها للفرس، وواحد لصاحبه، وتظهر ثمرة الخلاف في عبد غزا على فرس، فعلى الثاني يأخذ سهمي الفرس، ولا شيء له هو، لأنه ليس ممن يسهم لهم، وعلى الأول لا شيء له أصلا، والظاهر الثاني، لكون الحكمة من فرض السهمين للفرس ما في الخيل من الجدوى والمنفعة في الغزو، وصاحبها يتلقي مؤونتها من علف وغيره فلو لم يعوض عن ذلك لتضرر.
стр. 1326
• قوله:
١٧ - «ولا يسهم لعبد، ولا لامرأة، ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم القتال، ويجيزه الإمام، ويقاتل؛ فيسهم له».
شرط الحصول على سهم في الغنيمة؛ حضور القتال، ثم الشروط التي يكون معها المقاتل ممن يتوجه إليه الخطاب، وهي الإسلام، والعقل، والبلوغ، والصحة، والذكورة، والحرية، فلا يسهم لغائب إلا من كان عونا للمقاتلين، ولا لذمي، ولو قاتل على المشهور، ولا لمجنون، فإن أفاق وقاتل؛ فالظاهر الإسهام له، ولا لامرأة، ولا لعبد، ولا لصبي، لسقوط فرض الجهاد عن الثلاثة، والمشهور أنه يسهم للصبي المراهق بثلاثة شروط: إطاقة القتال، وإجازة الإمام، والمقاتلة بالفعل.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن،،،»، رواه مسلم (١٨١٢)، وقوله يحذين؛ يعني يعطين، من أحذاه الرباعي إذا أعطاه، ومثله الرضخ، فإنه العطاء القليل، ومن أدلة عدم الإسهام للنساء والعبيد ما رواه مسلم وأبو داود (٢٧٢٧) عن ابن عباس حيث أجاب نجدة الحروري الخارجي بأنهما ليس لهما شيء»، فإذا ورد ما يدل على الإسهام لمن ذكر أو بعضهم؛ حمل على الإحذاء والرضخ جمعا بين الأدلة.
стр. 1327
• قوله:
١٨ - «ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل».
الأجير لا يسهم له، فإن قاتل أسهم له لوجود السبب، فإن فوت على مستأجره شيئا نقص من أجرته بحسب ما فوت عليه، ويتخلى عن الأجرة إن كانت جعالة لأجل الجهاد، حتى لا يجمع له بين البدل والمبدل منه.
وهذه مسألة هامة بالنظر إلى ما طرأ على تنظيم الجيوش من أوضاع، وانتشار ما يسمى بالاحتراف فيها لو افترضنا أن المسلمين قائمون بالجهاد الذي فرضه الله عليهم، والحال أن جيوشهم نظامية كما يقولون، أي أن أفرادها أجراء يتلقون رواتب لقاء عملهم، فهل يسهم لهم من الغنيمة أو لا؟، الجواب أن الذي يستحق الغنيمة هو من خرج بنية الجهاد حسب الظاهر، والله يتولى السرائر، والمذهب أن من استؤجر لأجل القتال؛ لا يسهم له، قال ابن عسكر في مختصره: «والأجير لمستأجره»، يعني يعطى المستأجر سهمه، وهذا فيمن استؤجر للجهاد، لا من كان أجير خدمة لفرد أو جماعة، وقال النبي ﷺ : «للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي»، رواه أبو داود (٢٥٢٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والجاعل من يدفع جعلا أي أجرة لشخص كي يغزو، فللغازي أجر السعي، وللجاعل أجران: أجر إعطاء المال في سبيل الله، وأجر كونه سببا في غزو غيره، وقيل الجاعل هو المجهز الغازي، لا المستأجر له، وقد يترجح هذا لكون الجهاد عبادة والشرع لا يشجع على الاستئجار فيها، فيكون هذا على غرار حديث: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا».
وقد اختلف في جواز الاستئجار للجهاد، فأجازه الحنفية، ومنعه الشافعي، والاستئجار الآن ليس من قبل الأفراد حتى يختلف فيه، بل هو من قبل الدول فيجوز، وقد قال ابن عبد البر في الكافي ص (٢٠٧): «ويجوز أخذ الجعل من السلطان لأنه شيء من حق
стр. 1328
الغازي يأخذه»، انتهى، وإذا عم نظام الاستئجار للجهاد فيمكن أن يقال إن الغنيمة ما عادت أربعة أخماسها للمقاتلين بل أمرها إلى الإمام فتعطى حكم الفيء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أمر الغنيمة إلى الإمام يجتهد في توزيعها حسب المصلحة لظنهم أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، منسوخ بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ (١)﴾ [الأنفال: ١]، وهذا ليس بشيء، فإن إثبات كونها لله والرسول لا يتنافى مع جعل الأربعة أخماس للمجاهدين لأن ذلك حكم الله بلغه رسوله إلى الناس، والغرض من السياق صرف الصحابة عن الاختلاف في الأنفال، بل عليهم انتظار حكم الله فيها، وقد جاء فيما بعد من السياق.
أما إن تعلقت الإجارة بغير القتال، كمن خرج أجيرا عند مجاهد مثلا؛ فالظاهر أنه إنما خرج لهذا العمل فلا يسهم له، لأنه مستغرق في خدمة من خرج لنفعه، وهذا هو الذي سماه بعضهم الأجير الخاص، وهو أجير الخدمة، والأجير العام عندهم مثل الخياط والخراز غير المتقيد بشخص، فهذا إن كان في خدمة الجيش؛ فله حكم المقاتل، وإن كان يأخذ أجرة من الأفراد؛ فهو ملحق بالأول، والظاهر أنه لا فرق بينهما لأن كلا منهما خرج عاملا أجيرا، فإن قاتلا أسهم لهما وإلا فلا، مع أنه ينبغي أن ينقص من أجر خدمتهما بقدر اشتغالهما بالقتال.
ويدل على عدم الإسهام للأجير على القتال؛ حديث يعلى بن أمية - ومنية أمه - قال: «أذن رسول الله ﷺ بالغزو، وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيرا يكفيني وأُجري له سهمَه، فوجدت رجلا، فلما دنا الرحيل؛ أتاني فقال: «ما أدري ما سهمك؟، وما يبلغ سهمي؟، فسم لي شيئا، كان السهم أو لم يكن»، فسميت له دنانير، فلما حضرت الغنيمة؛ أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي ﷺ ، فذكرت له أمره، فقال: «ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى»، رواه أبو داود (٢٥٢٧)، وانظر الفتح (٦/ ١٥٢) وهذا يدل على أنه لا يأخذ شيئا من الغنيمة، كما أنه لا يحصل على أجر المجاهد، لأنه أخذ البدل.
ويدل على أن أجير الخدمة إذا قاتل يسهم له من الغنيمة؛ حديث سلمة ابن الأكوع
стр. 1329
أنه كان أجيرا لطلحة بن عبيد الله يسقي فرسه، ويحبسه ويخدمه، وأنه قاتل، فأسهم له النبي ﷺ ، أخرجه مسلم (١٨٠٧) من حديث طويل في غزوة ذي قرد، وفيه احتمال، والتمسك بأحد الحديثين دليلا على الإسهام أو عدمه مطلقا ليس كما ينبغي.
قال القاضي عبد الوهاب في المعونة (١/ ٦١٣): «ولا يسهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم، لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠]، ففرق بين حكميهما، فأما من قاتل؛ فله سهمه، لأنه ممن خوطب بالجهاد، ولأنه ليس في كونه أجيرا أكثر من أنه عوض على منافعه، وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل، كالذي يحج عن غيره ومعه تجارة، أو يؤاجر نفسه للخدمة، لأن ذلك لا يمنع صحة الحج»، انتهى باختصار.
стр. 1330
• قوله:
١٩ - «ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين؛ فهو له حلال».
يريد أن الكافر الحربي إذا أسلم وفي يده شيء من أموال المسلمين استولى عليها في حال كفره؛ فإنها لا تنتزع منه، وهذا لأنه بإسلامه قد عصم دمه وماله وعرضه، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، ولأن الإسلام يجب ما قبله، ونظير هذا ما كان عنده من الأموال المحرمة من ربا أو خمر أو خنزير؛ فإنه لا يطالب بتركها لما تقدم، بخلاف المسلم إذا تاب، فإنه يخرج منها ولا يبقي إلا ما له إليه حاجة شديدة، وينتزع من الكافر إذا أسلم من استرقه من المسلمين في حال كفره على المشهور، وألحقوا بالرقيق المسلم في الانتزاع؛ اللقطة والحبس، فإنهما ينتزعان منه، وهكذا إذا امتلك الكافر شيئا من أموال أهل الذمة ثم أسلم؛ فهي أولى أن لا يرجعها إلى أصحابها، لا فرق بين استرقاق وغيره عند ابن القاسم، وعند أشهب؛ ينتزع منه الذمي ويرد إلى ذمته.
ولا مفهوم لقول المؤلف «أسلم»، فلو دخل الحربي بلاد المسلمين بأمان، وفي يده شيء من ذلك استولى عليه قبل تأمينه؛ فلا ينزع منه، لعموم التأمين، أما ما استولى عليه من أموال المسلمين وأهل الذمة بعد التأمين؛ فإنه ينتزع منه، أسلم أو بقي على كفره، ومثل من أسلم؛ من استولى على شيء من ذلك ثم ضربت عليه الجزية، أو دخل في عهد.
стр. 1331
• قوله:
٢٠ - «ومن اشترى شيئا منها من مال العدو؛ لم يأخذه ربه إلا بالثمن».
يريد أن المسلم إذا اشترى شيئا من أموال المسلمين أو من أموال أهل الذمة بدار الحرب من العدو؛ فإن صاحب المال المسلم أو الذمي لا يسترده إلا بثمنه الذي اشتري به، هذا إذا كان الثمن مما يحل للمشتري تملكه، فإن كان مما لا يحل له تملكه كما إذا اشترى المسلم شيئا من تلك الأموال بخنزير أو خمر؛ فإن ربه يأخذه من غير عوض، بخلاف ما إذا كان المشتري لها ذميا؛ فإنه لا يأخذه منه إلا بقيمته، لأن أموالهم المحرمة علينا محترمة، وإنما قيدوا شراءه بدار الحرب، ليخرج ما إذا وفد الحربي إلى بلاد الإسلام تاجرا بأمان منا، وباع شيئا من أموال المسلمين التي قدم بها؛ فإن أصحابها لا يقضى لهم باستردادها لا بعوض ولا بغيره.
стр. 1332
• قوله:
٢١ - «وما وقع في المقاسم منها؛ فربه أحق به بالثمن، وما لم يقع في المقاسم؛ فربه أحق به بلا ثمن».
إذا عثر على مال المسلم في الغنيمة قبل أن تقسم؛ فربه أحق به بلا ثمن، هذا قول مالك، وذهب ابن القاسم إلى عدم التفريق بين أن تكون الغنيمة قد قسمت أو لا، ودليل الأول ما رواه البخاري (٣٠٦٧) معلقا عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال ذهب فرس له فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ »، وهو في سنن أبي داود (٢٦٩٩) موصولا نحوه، وفيه أن عبدا لابن عمر أبق فلحق بأرض الروم، فظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ .
أما إن عثر على المال بعد القسمة، ولم يكن قد علم من هو مالكه؛ فهو أحق به بالثمن، فإن تكرر بيعه؛ فله أخذه بالثمن الأول الذي باعه به من وقع في نصيبه من الغنيمة، وإن قسم في الغنيمة، وقد علم مالكه؛ فالأصل أن يأخذه مجانا، ومذهب مالك - ونقل عن الفقهاء السبعة - وسط بين من قالوا لا يرد له أصلا، ومن قالوا يرد له مطلقا، وحديث ابن عمر ﵄ المتقدم ليس فيه بيان ما إذا كان هذا الرد قبل القسمة أو بعدها، والاحتمال الأقوى أن ذلك كان قبل القسمة، وإلا لذكر كيف رد.
стр. 1333
• قوله:
٢٢ - «ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام، ولا يكون ذلك قبل القسم».
النفل بفتح النون وسكون الفاء وجمعه نوافل، هو الزيادة، ومثله النافلة، والنفَل في كلام المؤلف بفتح النون والفاء جمعه أنفال هو في اللغة الغنيمة والهبة، وفي الاصطلاح الزيادة في عطاء المقاتل على السهم المقدر له في الغنيمة لما يراه الإمام من المصلحة في ذلك، وقد يعم جميع المقاتلين، أو يخص بعضهم ممن له نكاية في العدو، أو مزيد بلاء في القتال، أو يعطى للتقوية وإزالة الفتور، ويكون النفل من الخمس الذي هو للإمام يتصرف فيه بما يراه مصلحة، وقد دل على ذلك مفهوم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، ولا يتأتى معرفة الخمس إلا بعد القسم، فلا يكون النفَل من رأس الغنيمة على المعروف من مذهب مالك، وقوله الآخر أنه يكون من خمس الخمس، ذكره القرطبي في تفسيره (٨/ ٣٦٢)، وقول المؤلف إلا من الخمس هو حصر إضافي، إذ أن الإمام كما يجوز له أن ينفل من الخمس يجوز له أن ينفل من الجزية وغيرها من موارد بيت المال المتقدم ذكرها، وغرض المؤلف أنه لا ينفل من الغنيمة قبل القسم، قال مالك (٩٨٣): وليس عندنا في ذلك أمر معروف موثوق إلا اجتهاد السلطان، ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ نفل في مغازيه كلها.
стр. 1334
• قوله:
٢٣ - «والسلب من النفَل».
السلب بفتح السين واللام؛ هو ما يكون مع المقتول من سلاح ومركب ونحوهما، والمراد أن المقاتل إذا أعطي السلب؛ فإنه يحسب من الخمس الذي للإمام، ولا يدخل في الأربعة الأخماس التي للمجاهدين، والمذهب أن المقاتل لا يستحق السلب إلا بقول الإمام: «من قتل قتيلا فله سلبه»، ولا يقول الإمام ذلك إلا بعد انتهاء القتال لئلا تصرف نيات المقاتلين إلى حطام الدنيا، قيل إن ذلك حرام، وقيل هو مكروه، وبعد انتهاء القتال والقدرة على العدو؛ يجوز أن يقول الإمام ذلك إذ لا محذور فيه، وقد سموا النفل من غير السلب بالنفل الجزئي لكونه معينا محدودا، بأن يعطي الإمام للمقاتل من الخمس شيئا زائدا على سهمه، بعيرا أو بقرة، وسموا تنفيلَ االإمام المقاتلَ السلبَ بالنفل الكلي، لأنه غير محدد، وإنما يأخذ المنفل من السلب؛ ما يوجد مع القتيل من ثيابه، وسلاحه، ودرعه، وفرسه، وما يشبه ذلك مما يعتاد لُبسه واستعماله، دون ما ينفرد به زعماء الكفار كالسوار، والتاج، ونحو ذلك، ودون ما يكون معهم من العين أعني الذهب والفضة، أما قول النبي ﷺ : «من قتل قتيلا له عليه بينة؛ فله سلبه»، متفق عليه من حديث أبي قتادة؛ فمذهب مالك ﵀ فيه أنه من قبيل الحكم الصادر منه ﷺ بمقتضى الإمامة لا بمقتضى الفتوى، فلا يكون السلب من حق القاتل حتى يأذن له الإمام، لكن ما عللوا به إعلان الإمام أن السلب للقاتل قبل انتهاء القتال؛ وهو أن يقاتل الناس لأجل حطام الدنيا، ينقضه أن المجاهد يعلم أن له حقا في الغنيمة، وهو لا يتنافي مع القتال لإعلاء كلمة الله إذا قصده المجاهد، نعم القصد الخالص يكون الأجر معه أعظم، ومما اعتمدوا عليه في كون السلب من النفل؛ قول ابن عباس ﵄: «الفرس من النفل، والسلب من النفل»، رواه مالك (٩٨٢) وغيره، وهو في كتاب الأموال (٧٨٧) لأبي عبيد بلفظ: «السلب من النفل، وفي النفل الخمس»، ومما
стр. 1335
يستدل به على أن السلب للقاتل وأنه لا يدخل في الخمس ما رواه مسلم وأبو داود (٢٧٢١) عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب»، لكن في الرواية المطولة عند مسلم وأبي داود ما يدل على أن للإمام أن يمنع السلب عن مستحقه لمصلحة من تأديب أو غيره، وقد كان أول سلب خمس في الإسلام هو ما حصل عليه البراء بن مالك حين قتل مرزبان الزارة وكان عليه سواران وقَباء من ديباج ومنطقة فيها ذهب وجوهر، فقال عمر إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء بلغ مالا فأنا خامسه»، رواه أبو عبيد (٧٨١)، وقد روى أحمد وأبو داود (٢٧١٨) عن أنس أن النبي ﷺ قال يوم حنين: «من قتل رجلا فله سلبه»، فقتل أبو طلحة عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم، ونحوه في الصحيحين عن أبي قتادة (د/ ٢٧١٧)، والظاهر أن كون السلب للقاتل لا يحتاج إلى تصريح الإمام، وقد رجح القرافي في الفروق كون السلب للقاتل راجعا للفتوى لا للقضاء، فخالف ﵀ المعروف في النذهب لما تنلبن له الحق.