← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

• قوله: ٤١ - «وتذبح ضحوة». هذا هو الوقت المفضل في ذبح العقيقة، شأنها شأن الأضحية والهدي، من الضحى إلى الزوال، فلا يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، ولا في الليل، على ما تقدم في الضحية والهدي، ويكره ذبحها من الزوال إلى الغروب، وقال ابن الماجشون يجزئ ذبحها قبل طلوع الشمس، والذي قالوه في الاستدلال على عدم جواز ذبحها في الليل يقال هنا لقوله ﷺ : «يوم سابعه»، وقد تقدم ما فيه.

стр. 1262

• قوله: ٤٢ - «ولا يمس الصبي بشيء من دمها». هذه العبارة هي نفس ما جاء في الموطإ من قول مالك، بل هي جملة من حديث يزيد ابن عبد المزني عن أبيه مرفوعا عند ابن ماجة، وقد رد بهذا على من قال بتدمية رأس المولود كما في رواية همام لحديث الحسن عن سمرة عند أبي داود (٢٨٣٧)، وقد بين أنها وهم منه، وأن الصحيح يسمى، لكن فسرها قتادة ﵀ وهو شيخ همام في هذا الحديث بقوله: «إذا ذبحت العقيقة، أخذت منها صوفة، واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي، حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق»، واليافوخ وسط الرأس، فيظهر أن الوهم من قتادة لا من همام كما ذكره بن االعربي في المسالك (٥/ ٣٢٧)، وقد يكون هذا من قتادة تفسيرا لما كانت تفعله الجاهلية، وقد ورد وصف ذلك عن غير قتادة، والذي ثبت إنما هو «يسمى»، فالمشروع تسميته يوم السابع، وهو ما لا يتأنى اليوم للحاجة إلى التسجيل السريع إثر الولادة مباشرة، وإلا احتاج الأمر إلى حكم قضائي، وتسمة المولود إثر الولادة إنما يشرع إذا لم يعق عنه كما ترجم به البخاري. ومما يدل على بطلان التدمية؛ قول النبي ﷺ : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى»، رواه البخاري (٥٤٧١) عن سلمان ابن عامر الضبي، فالتدمية مخالفة لأمره بإماطة الأذى، ومن جملة الأذى الذي يماط حلق رأسه، وكذا ما يكون عليه من أقذار الدم والرطوبات ونحوها.

стр. 1263

• قوله: ٤٣ - «ويؤكل منها، ويُتصدق، وتكسر عظامها». العقيقة من النسائك التي يجوز الأكل منها بلا خلاف، والأفضل أن يجمع المرء بين الأكل والصدقة، ومشهور المذهب أنها توزع لحما ولا تعمل طعاما لما في ذلك من المباهاة، كذا قالوا، وإذا لم يمنع من صنعها طعاما دليل؛ فإن الأصل الجواز، بل هو من الإحسان إلى الناس، إلا إذا خشي اعتقادهم أنه أمر لا بد منه، فمن تركه كان محقا، وقد ورد عن مالك صنع الطعام للناس، ولا يشرع اجتناب كسر عظامها، بحيث تتبع المفاصل في ذلك، فإن هذا لم يرد به دليل، وهو من فعل الجاهلية، قال مالك: ويكسر عظامها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها،،،».

стр. 1264

• قوله: ٤٤ - «وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة؛ فذلك مستحب حسن». اعتبر بعض أهل العلم حلق رأس المولود من جملة الأذى الذي أمرنا بإماطته عنه، وهو قول الحسن كما في سنن أبي داود، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة اقتران الذبح بالحلق والتسمية، واختلف في الذي يبدأ به منها، وصنيع البخاري أن المولود إذا لم يرد النسك عنه؛ فإنه يسمى قبل السابع، كما اختلف هل يحلق رأس الجارية أم لا؟، ولعل من قال بعدم حلق رأسها؛ راعى أن الأصل عدم حلق رأس المرأة لأنه مثلة، ولا مثلة هنا، ولأن الذبح والتسمية والحلق جاء بعضها ببعض مقترنا، فمن فرق بين الذكر والأنثى؛ فقد تحكم، ولأن ما علل به الحلق يشمل الذكر والأنثى، كما أن الأصل المساواة في الأحكام. أما التصدق بزنة شعر المولود ذهبا فلم يرد ذكر له في حديث يثبت كما قاله الحافظ في التلخيص الحبير والغماري في مسالك الدلالة، وإنما جاء ذكر التصدق بزنة شعره فضة في حديث أبي رافع أن الحسن بن علي لما ولد؛ أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين، فقال النبي ﷺ : «لا تعقي عنه، ولكن احلقي شعر رأسه، ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله»، رواه أحمد والطبراني في الكبير، والبيهقي وهو ضعيف، وجاء ذلك في حديث علي عند الترمذي (١٥١٩) وحسنه، ولينظر التلخيص الحبير (ح/ ١٩٨٤)، ولا ينبغي أن يؤخذ من قوله ﷺ «لا تعقي عنه معارضة ما ورد من مطلوبية العق، إذ إن النبي قد ثبت عنه أنه عق عن الحسن والحسين ﵄ وعن سائر آل النبي ﷺ وأتباعه. وكثيرا ما يرد السؤال عن المفاضلة بين العقيقة والأضحية إذا اجتمعتا، ولم يتمكن المرء إلا من إحداهما أيهما يقدم؟ وهل يجوز جمعهما؟، والجواب هو أنهما إذا كان حكمهما واحدا فإن العق مقدم لعدم تكرره بخلاف الأضحية، وهو الذي قاله مالك كما ذكره ابن عبد البر في الكافي، والله أعلم.

стр. 1265

• قوله: ٤٥ - «وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية؛ فلا بأس بذلك» الخلوق بفتح الخاء هو الطيب، قال في النهاية: «هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة بإباحته، وتارة بالنهي عنه، والنهي أكثر وأثبت، وإنما نهي عنه لأنه من طيب النساء، وكن أكثر استعمالا له منهم، والظاهر أن أحاديث النهي ناسخة»، انتهى. قلت: في بعض الروايات جاء ذكر الزعفران، فلعله لكونه أصل الخلوق، ولعل الشارع استثناه من المنع لأنه جاء بدلا مما كانت عليه الجاهلية من تلطيخ رأس المولود بالدم، ولأنه صغير والقلم عنه مرفوع، وصحيح ابن حبان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا مكان الدم خلوقا»، وهو في الصحيحة برقم (٤٦٣).

стр. 1266

• قوله: ٤٦ - «والختان سنة في الذكور واجبة، والخفاض في النساء مكرمة». الختان هو قطع الجلدة الساترة للحشفة كي تنكشف، ويسمى إعذارا، وهو مما يساعد على كمال طهارة العضو لخروج البول من رأس الحشفة، فلو ظلت مستورة؛ لكان ذلك ذريعة للتلوث، وعسر التطهير، وفي القطع كذلك تأمين جهاز الأنثى مما قد يصيبه منها عند الجماع وقد ثبت لدى أطباء هذا العصر أن من أسباب سرطان الرّحم عند نساء الكفار الذين لا يختنون هو ترك الختان، فاعتبروا يا أولي الألباب. قال ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ويظهر هذا المعنى من كون الشارع جعل الختان من جملة خصال الفطرة، أي الخصال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضل الصفات، كما يظهر ذلك من اقترانها بأمور كلها معينة على النظافة، قال النبي ﷺ : «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط»، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. وحكم الختان أنه سنة مؤكدة لهذا الحديث، هذا قول مالك وكثير من أصحابه، وذهب سحنون إلى وجوبه، وهو مذهب الشافعي، والمذهب أنه يكره أن يختن يوم ولادته، أو يوم السابع لأنه من فعل اليهود، إلا لعلة. قلت: لا نهي أعلمه عن الختان في السابع، والأصل الجواز، مع أنه قد روى البيهقي عن جابر أنه ﷺ عقّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام، والجملة الأخيرة لم تثبت، والصحيح أنه لا وقت محددا له غير أنه لا يترك إلى وقت البلوغ للحاجة حينئذ إلى الكشف عن عورة الكبير، بخلاف ما قاله بعضهم من تأخيره إلى البلوغ، والله أعلم. ووقته المستحب عندهم يبدأ من وقت أمره بالصلاة - وهو سبع سنين - إلى عشر، ذكر هذا ابن حبيب عن مالك، وقال الباجي اختار مالك وقت الإثغار، يعني وقت نبات

стр. 1267

الأسنان، وروى اللخمي يختن يوم يطيق الختان، وانظر شرح الشيخ زروق. أما الخفاض وهو الخفض أيضا، ويسمى ختانا كذلك؛ فهو قطع شيء يسير من الناتئ بين شفري فرج المرأة، وهي الجلدة التي كعرف الديك، وحكمه كالختان، كما صرح به القاضي عبد الوهاب في المعونة، وإنما قال المؤلف مكرمة في النساء تبعا لحديث: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء»، رواه أحمد عن والد أبي المليح، والطبراني عن شداد بن أوس وابن عباس، وقد رمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير، وأيده الغماري في المداوي، وضعفه الألباني ﵏، وقد روى أبو داود (٥٢٧١) عن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : «لا تنهكي، فإنه أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل»، ضعفه أبو داود بجهالة محمد بن حسان، وصححه الألباني، وفي حديث أنس بن مالك أنه ﷺ قال لأم عطية: «إذا خفضت فأشمي، ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى للزوج»، انظر الصحيحة (٧٢١)، وأشمي من الإشمام، وهو الاقتصار على قطع شيء يسير، وهو أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، شبهه بشم الرائحة، وأكده بالنهي عن ضده، وهو الإنهاك، أي المبالغة في القطع، وقوله أحظى للزوج لعل المراد أحظى عنده، من الحظوة، وهي المكانة والمنزلة، وفي النهاية يقال حظيت المرأة عند زوجها؛ إذا سعدت به ودنت من قلبه وأحبها، وقوله أسرى للوجه، أي أشرق له، فكأنه يُسرى عنه به فيُكسى جمالا وبهاء. وقد اختلف في ختان المرأة هل هو مشروع للنساء قاطبة، أو هو خاص بنساء المشرق لوجود تلك الفضلة فيهن كما قالوا دون نساء المغرب!، قال زروق: وهو في نساء المشرق لا في نساء المغرب، ونقله علي الصعيدي العدوي عن غيره. قلت: لا أحسب إلا أن الأمر على العموم، ثم ينظر هل هناك فرق في هذا بين نساء المشرق ونساء المغرب؟، واسأل عن مصر من أي الجهتين هي؟. لقد رأيتَ ما جاء في الحديث من كون الخفاض مكرمة ومن كونه أحظى للزوج والزوجة، وأسرى للوجه، فهو سبب لكمال لذة الزوجين، وفيه وفي الختان تخفيف الشبق الجنسي لدى المرأة والرجل، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٤): «والمقصود

стр. 1268

من ختان المرأة تعديل شهوتها، فإنها إذا كانت قلفاء كانت مغتلمة شديدة الشهوة، ولهذا يقال في المشاتمة: يا ابن القلفاء، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد من الفواحش في نساء التتر ونساء الإفرنج ما لا يوجد في نساء المسلمين، وإذا حصلت المبالغة في الختان ضعفت الشهوة، لا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة؛ حصل المقصود باعتدال». وقد ذكرالرازي حكمة لختان الرجل مفادها جعل شهوته معتدلة كما عند المخفوضة، نقلها عنه المناوي في فيض القدير (٣/ ٥٠٣)، قال: «إن الحشفة قوية الحس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوى اللذة عند المباشرة، وإذا قطعت صلبت الحشفة، فضعفت اللذة، وهو اللائق بشرعنا تقليلا للذة، لا قطعا لها، توسيطا بين الإفراط والتفريط». وإنما سجلت هذه الحكمة التي للختان والخفاض لأن متبعي الشهوات لما علموها؛ اجتهدوا في تعطيل الخفاض بخاصة، وقد صدر حكم بمنعه في مصر هذا العام بعد حملات شعواء عليه من مبتغي الشهوات، ومتبعي الشبهات، ورأوا أن فيه تعذيبا للمرأة، وليت شعري لم لا يقولون ذلك عن الرجل؟، وسبحان من قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٦ و ٢٧]، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1269

٣٠ - باب في الجهاد الجهاد ملحق بالعبادات، وقد بين الشيخ زروق ﵀ وجه ذلك في شرحه على الرسالة فقال: «وقد جرت عادة المالكية بإلحاقه بالعبادات، اعتبارا بقصد الجهاد، ولأنه نصرة لدين الله، وطلب إعلاء كلمته، وإعانة على الدخول في الإسلام، وجعله الشافعية في باب الجناية، اعتبارا بأنه جناية على الكافر لأجل كفره»، انتهى. قال ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠): «وأما الجهاد فناهيك به من عبادة، هي سنام العبادات وذروتها، وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعي، فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه، متقربا إليه بأعز ما بحضرته، يود لو أن له بكل شعرة نفسا يبذلها في حبه ومرضاته، ويود أن لو قتل فيه ثم أحيي، ثم قتل، فهو يفدي بنفسه حبيبه وعبده ورسوله، ولسان حاله يقول: يفديك بالنفس صب لو يكون له … أعز من نفسه شيء فداك به» والجهاد في اللغة من الجهد بفتح الجيم، وهو التعب والمشقة، وعرفوه بأنه: «قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخوله أرضه له»، فقوله غير ذي عهد؛ يخرج الذمي إذا لم يكن قتاله عاما كأن كان للذب عن نفسه، وهكذا إذا كان حرابة، فإنه ليس نقضا لعهده على المشهور، وقيد «لإعلاء كلمة الله» يخرج من قاتل لأجل الغنيمة وحدها، أو لإظهار الشجاعة، فضلا عمن قاتل رياء، قالوا ولا يستحق الغنيمة متى جاهر بذلك، ولا يجوز له أخذها إذا أعطيت له، فالقصد إلى إعلاء كلمة الله بعد التزام قواعد الشرع في الجهاد؛ أهم ما يدرك المرء به وصف المجاهد عند الله، فينال ما وعد الله به من جاهد في سبيله، وفي حديث أبي موسى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: «الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله»؟، قال النبي ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله»، رواه الشيخان (خ/ ٧٤٥٨)، وأبو داود

стр. 1270

(٢٥١٧)، وإنما أضافوا الحضور ودخول أرض العدو لأجله؛ لكون الجهاد أعم من مباشرة القتال، فيدخل فيه الحارس، ومتنطس الأخبار، والميار، والممد بالسلاح، ومعالج المرضى، وغيرهم، فالمقاتلة ليست شرطا، وعرف ابن العربي وزروق والفاكهاني الجهاد - ولعل بعضهم نقل عن بعض - فقالوا: «إن الجهاد هو المبالغة في إتعاب النفس في ذات الله تعالى، وإعلاء كلمته التي جعلها الله طريقا إلى جنته، وسبيلا إليها». هذا هو الجهاد المحدود في الزمان وفي المكان، والذي يتوقف وجوبه على شروط ستذكر، أما الجهاد في عمومه فواسع جدا، وتفاوت الناس فيه عظيم، ووسائله كثيرة، وأعظمه مجاهدة النفس والهوى والشيطان، وهذا دائم في كل زمان ومكان، قال ﵊: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه»، رواه ابن النجار عن أبي ذر كما في صحيح الجامع، ومن لم يجاهد نفسه وهواه كيف يجاهد الكفار؟، ثم مجاهدة الناكبين عن الحق على اختلاف دركات تنكبهم عنه، بتغيير ما هم عليه من المخالفات، باليد واللسان والقلب حسب ما هو مشروع من ذلك ومستطاع، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو خصيصة هذه الأمة، ومنه إنفاق المال لتحقيق ذلك، والجهاد باليد من الحكام والسلاطين بإقامة الحدود والتعازير، والأخذ على أيدي الظالمين، وأهل الدعارة والفجور، وجهاد العلماء بتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، والوعظ والتذكير، وكشف الشبهات، ورد المطاعن، ولهذا المعنى أمر الله تعالى بالجهاد من غير قيد كما في قول الله سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، جاء هذا بعد الأمر بالركوع والسجود وعبادة الله وفعل الخير، لأن شيئا من ذلك لا يكون إلا بمجاهدة النفس، وقد حذف مفعوله ليعم أنواع الجهاد، ولذلك قال الحسن: «إن الرجل ليجاهد في الله حق جهاده، وما ضرب بسيف»!!، وقال ابن جريج في تفسيرها: «لا تخافوا في الله لومة لائم»، وقال السدي: «يطاع فلا يعصى»، ذكرها في الدر المنثور، وقال ابن المبارك: «هو مجاهدة النفس والهوى»، وهو في تفسير البغوي، ومثله قول الله تعالى في سورة الروم وهي مكية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] حذف مفعوله كسابقه، وقوله ﴿فِينَا﴾ أي من أجلنا ولطاعتنا، قال الفضيل ابن عياض: «الذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل

стр. 1271

به»، وقال سهل بن عبد الله: «والذين جاهدوا في إقامة السنة، لنهدينهم سبل الجنة»، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢] يعني جاهدهم بالقرآن، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، جمع بين الفريقين في لزوم جهادهما، وإن اختلفت الوسائل، فهذا يجاهد بالسيف والسنان، والآخر يجاهد بالقرآن وباللسان، وقال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، رواه أحمد وأبو داود (٢٥٠٤) والنسائي عن أنس، وهذه الثلاثة قد تجتمع، وقد يتعذر بعضها، لكن لا نعدم وسيلة من وسائل الجهاد، وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال، قلت: يا رسول الله، إن الله قد أنزل في الشعر ما قد أنزل، فقال النبي ﷺ : «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذى نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل»، رواه ابن حبان وغيره، وهذا ينطبق اليوم على الجهاد بوسائل الإعلام، وقال ﵊: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»، وفي رواية «كلمة حق»، رواه أبو داود (٤٣٤٤) وغيره عن أبي سعيد، لكن تأمل كيف قال: «عند سلطان جائر»، وهذا ليس هو الذي يقوم به كثير ممن يدعون بالحركيين المهيجين والمهرجين. قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (١/ ١٣٤): «ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير!!، والثاني جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين، لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [سورة الفرقان: ٥٢]، فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن»، انتهى. والمسلمون اليوم وإن كانوا مختلفين في حكم جهاد الطلب الذي هو فرض كفاية إلى يوم الدين عند الجمهور، فقد فاتهم فضله في هذا العصر، لعدم قدرتهم عليه، وذلك

стр. 1272

لتفريطهم في الكثير من أحكام دينهم، والجهاد إنما شرع لحماية الدين، فعليهم أن يحموا دينهم من أنفسهم، وهم على ذلك إلى أن يأذن الله، وإلا فكيف يجاهدون غيرهم على الدين، وهم عن كثير من أحكامه معرضون، وعن حقائقه غافلون، وقد قال النبي ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، رواه أبو داود (٣٤٦٢) عن ابن عمر، صححه الألباني، فانظر كيف جمع النبي ﷺ بين أنواع من المخالفات، منها بيع العينة، بكسر العين، وذكرها والله أعلم فيه إشارة إلى التحايل على ما حرم الله تعالى، وقد شاعت فينا التجارة الطفيلية وهي لا تنفع المسلمين، ومنها الإفراط في الاشتغال بما هو مباح مشروع عما هو أهم منه، وذلك هو الرضا بالزرع، والزرع مطلوب مرغوب، ومنها الانعزال عن الحياة، فتصبح أزمتها وخطمها بيد الكفار، وذلك هو الذي رمز له باتباع أذناب البقر، وقال النبي ﷺ : «ما ترك قوم الجهاد إلا عمّهم الله بالعذاب» رواه الطبراني في الأوسط عن أبي بكر ﵁، وهو في الصحيحة برقم (٢٦٦٣). وقال أسلم بن أبي عمران: «غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: «مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب ﵁: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام؛ قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة؛ أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد»، قال أبو عمران: «فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية»، رواه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي، ومه اسم فعل أمر معناه كف، هكذا إذن كان الناس يفهمون أن الجهاد تأهب دائم، وترقب مستمر، ولا يعني انتهاء معركة عندهم إلا انتظار التي تليها. يحزنني أن أتكلم على شيء لا وجود له في حياة المسلمين، مع أن ذروة سنام الإسلام الجهاد، وإذا كانوا غير مستطيعين لتفريطهم فيما يلزم للقيام بهذه الفريضة الكفائية - والذي يترتب على التفريط فيها معروف - فما لكثير منهم قد تقاذفتهم في الجهاد الأهواء

стр. 1273

ما بين غلو وجفاء؟، وإذا تأملت حالهم ألفيتهم فيه أصنافا، فمنهم من صار يستثقل سماع هذه الكلمة، وقد عشنا زمانا كان من يقرأ فيه شيئا من القرآن في الصلاة يذكر فيه الجهاد يرتاب في حاله، وربما نبز بوصف الخوارج والقتلة، وهذا شأن الفتن، تهيء المحيط الذي يلتبس فيه الحق بالباطل، ومنهم هؤلاء الذين يقاتلون المسلمين، بل يقتلونهم، والجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وترك الحرية للناس يختارون ما يريدون من غير إكراه وعسف، فلما عجز المسلمون عن مقاتلة عدوهم ظهر فيهم من يقاتلهم بعد أن كفروا حكامهم، ثم رأوا أن الناس قد سكتوا عليهم أو أعانوهم، فجعلوهم مثلهم، فنشروا بذلك الفتن التي شرع الجهاد لدفعها، وضيقوا مجال الدعوة إلى الله في بلاد المسلمين، وقد شرع الجهاد لإفساح المجال لها في بلاد الكافرين، وأراد فريق آخر أن ينتقم من الكفار الذين جاسوا خلال الديار بنقل القتال إلى أرضهم، فمات منهم عدد محدود في بلدان شتى من غير وسيلة قتال مشروعة، فما حصلنا من ذلك إلا على استعدائهم على غزو بلادنا مجاهرين معالنين، بعد أن كانوا يغزوننا مختفين متسترين، فسفكت دماؤنا، وخربت ممتلكاتنا، وانتهكت حرماتنا، وغدونا لاجئين في أوطاننا، بل احتلت بعض بلداننا، بعناوين جديدة، واستفاد الكفار من وراء ذلك استفادات جمة، أخطرها وجود من يتعاون معهم منا على هدم ما بقي من إقامة أحكام الله تعالى، وقد بلغ الأمر أن تدخل الكفار فيما نعلم أولادنا لأن مناهج التعليم عندنا هي التي تسببت فيما حصل لهم!!، ومما استفادوه ما توفر لهم من الأسواق لترويج أسلحتهم وبضائعهم وحصول شركاتهم على المشاريع الكبيرة والأموال الطائلة في بناء ما دمروه، وإقامة ما خربوه، كما حصل في العراق وأفغانستان، وكما جرى في غزة وجنوب لبنان، وقد يجري مثيله غدا في إيران وباكستان، وهو يجري الآن في الصومال والسودان، والأيام حبالى بالحوادث، وما لنا نجعل رائدنا في علاقتنا بعدونا غير هدي الشرع، من هذه المواثيق والالتزامات التي ألزمنا بها أنفسنا، مع أن علاقة المسلم بعدوه تختلف من حين لآخر حسب قوته وضعفه وليست ضربة لازب يبت فيها في وقت، فتصلح لكل وقت، ولئن كنا نعجب لما أظهره المؤمنون ويظهرونه من الصبر والجلد، وتحمل الحصار والإغلاق، ولئن كنا نكبر من إخواننا الذين أثبتوا ما علمناه من

стр. 1274

نصوص الكتاب والسنة ومن تأريخ أسلافنا أن قوة المسلم بإيمانه عظيمة، وأن القوة المادية مهما كانت؛ فإن الغلبة ليست حليفها دائما، لكننا نرى أن المطلوب منا التزام أحكام ربنا في تعاملنا مع عدونا، فإن الله تعالى لم يكلفنا مقاتلته حيث لا قدرة لنا، ولا جعل علة مقاتلته إثبات شجاعتنا، كيف نقاتله لمجرد أن نثبت أننا قادرون على الصمود، فنتسبب في تدمير بلدنا، حتى إذا فرغ العدو من تخريبه انعقد مؤتمر سموه مؤتمر الدول المانحة يلتقي فيه الذي شارك في القتل والتدمير بالفعل أو بالتأييد العلني أو الخفي على بناء ما دمر، وقد كان قادرا على إيقاف ذلك التدمير بكلمة واحدة، ثم تسمع الذي قاتل بالأمس يطالب تلك الدول الكافرة العدوة أن تبني البلد المدمر من غير أن تسيس عملية البناء!، أو يطالب عدوه بفتح المعابر وفك الحصار، ما ذا لو هادناه من أول مرة وسكتنا عليه فترة، ولنا في رسول الله أسوة، فاتهموا الرأي أيها المؤمنون، كما قال سلفكم المرحومون وقد مرت هذه الفريضة بمراحل قبل أن تستقر على الحكم النهائي الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وهو وجوب الجهاد على الكفاية إلى يوم القيامة، وأحسب أن تلك المراحل لا مانع من العمل على وفقها كلما تحقق المناط، وخلاصة القول فيما مرت به؛ أن المؤمنين كانوا ممنوعين من القتال في مكة المكرمة، رحمة من الله بهم، بأن جنبهم الاستئصال، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]، فهذا دليل على أنهم مأمورون بالإمساك عن القتال، ونظيره قول الله تعالى عن أمة تقدمتهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ [البقرة: ٢٤٦]. فلما اشتد ساعدهم، وكثر ناصرهم؛ أذن لهم في الجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنها أول آية شرع بها الجهاد، بعد أن أوذي المسلمون في مكة، واضطروا إلى الخروج منها فرارا بدينهم، كما يؤخذ من السياق الذي وردت فيه، ونفس المعنى جاء في

стр. 1275

التعقيب على القتال فيما قبل الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة: ٢٥١]، بين ربنا أن إذنه للصالحين من عباده في مقاتلة المفسدين من رحمته بهم، وإحسانه وفضله، لما فيه لهم من المصالح والمنافع، في الدنيا بمنع وقوع الظلم، أو تقليله ومحاصرته، وتوفير حرية العبادة للناس من غير فتنة ولا تضييق، ولهم في الآخرة رفع الدرجات، ودخول الجنات. ثم جاء الأمر بقتال من يقاتلهم في قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ثم جاء الأمر بقتال الكفار بعامة كما عليه الجمهور في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]، وفي غيرها من الآيات، لكن الاعتماد على هذه الآية في مطلوبية قتال عموم الكفار ليس كما ينبغي، لأن التشبيه الذي فيها مانع من ذلك. وقد كثر في تفسير الآيات الواردة في الجهاد وفي توجيهها، وبيان علافة بعضها ببعض؛ الاضطراب ودعوى النسخ، وما اشتهر أن آية السيف نسخت مائة وعشرين آية، مع أنه لم يتفق على آية السيف هذه، فإن كل آية فيها الأمر بقتال الكفار يحتمل أن تكون آية السيف، قال ابن تيمية في رسالة قاعدة قتال الكفار ومهادنتهم: «هي اسم جنس لكل آية فيها الأمر بالجهاد»، انتهى، ومما أوهم ذلك التعارض والتضارب عدم مراعاة مراد السلف من إطلاق القول بالنسخ، فإنهم يريدون به ما هو أعم من اصطلاح أهل الأصول، الذي هو رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بالخطاب المتأخر مع تراخيه عنه، إذ أدخلوا فيه أنواع العلاقات بين النصوص التي ظاهرها التعارض، كالتقييد مع الإطلاق، والتخصيص مع التعميم، والإجمال مع التبيين، ويجمع ذلك أن كل دلالة تفهم من آية إذا جاء في أخرى ما يعدلها؛ قالوا عنه إنه نسخ، فإذا قيل مثلا إن النسخ قد نال قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقوله تعالى:

стр. 1276

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، فليس معناه النسخ المصطلح عليه، وأي ضير أن تعتبر آية السيف مخصصة لما دلت عليه هذه الآيات ونحوها في حق المحاربين بعد التسليم بوجود التعارض، فيقال لسنا مطالبين بأن نقول للمحاربين حسنا، ولا أن نعرض عنهم، ولا أن نصبر على أذاهم متى كنا قادرين على رد عدوانهم ودفع شرهم، وهذا لا يمنع أننا مطالبون بالإحسان حتى في قتلهم وأسرهم، لكن هذا باب آخر، وقد يقال إن قول الحسن لهم مطلوب وهو أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر خذ مثلا أمر الله تعالى المؤمنين بقتال من يقاتلهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، فقد جاء عن أبي العالية أن هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة، وقال مثل ذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذهب إلى أنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، وليس القول بالنسخ هنا بينا، لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ إن حمل على قتال من يقاتلنا بالفعل، فالأمر لا نزاع فيه، ومع ذلك يدخل فيه المحاربون المتهيئون للقتال ولو لم يباشروه، أما أنها منسوخة بالآية التي في سورة براءة؛ فما الداعي إلى ذلك؟، فإن في سياق سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وهو بمعنى ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ التي في آية سورة براءة، وإنما جاء الأمر في سورة البقرة لرفع الحرج الذي كان المسلمون يشعرون به إن هم قاتلوا المشركين عام دخلوا مكة معتمرين عمرة القضاء، فقد تحرجوا أن يقاتلوا وهم محرمون وفي الحرم، ويؤخذ من الآية أن القتال إنما يشرع لمن كان من شأنه أن يقاتل، فيخرج النساء والصبيان ونحوهم، وقد حمل الآية على هذا المعنى ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد، فلا تكون منسوخة على هذا القول أيضا، قال ابن كثير يرد على دعوى النسخ: «وفي هذا نظر، لأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم،

стр. 1277

كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، انتهى، فأنت ترى أن ابن كثير جعل معنى الآيتين واحدا في السورتين، وقد نسب صاحب الدر المنثور لمقاتل أن هذه الاية نسخت كل رخصة، وهذا فيه نظر أيضا، لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾؛ خرج مخرج التعليل للأمر بالقتال، فهو راجع إلى معنى آية سورة البقرة، وقد جعلها ابن كثير مثلها كما علمت، ومثله ابن العربي أيضا في أحكام القرآن، ونظيره في التعليل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولأن ذلك الأمر إنما أريد به الاحتراس من أن يظن المسلمون أن نهيهم عن أن يظلموا أنفسهم في الأشهر الحرم؛ يشمل ترك قتال المشركين إذا قاتلوهم فيها، وهذا يظهر مدى تحفظ المسلمين في القتال والتزامهم فيه أقصى درجات الحيطة مع ما كانوا يعانونه من فرط العدوان، والظلم والطغيان، أما قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، فلا يصح أن يستدل به على قتال عموم الكفار، فإنه وارد في الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد مطلق من مشركي العرب كما يدل عليه ما جاء في أول السورة، ولجزيرة العرب خصوصية ليست لغيرها من البلدان، فإنها دار الإسلام الأولى فلا يصح أن يقر فيها دينان. لكن جاء الأمر بقتال الكفار من أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وقيد ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، لا يدل على عدم مقاتلة غيرهم، فإنه إذا جاء الأمر بقتال من تؤكل ذبائحهم ويتزوج من نسائهم فغيرهم أولى بأن يقاتلوا كما لا يخفى، ولهذا كان ذلك القيد عند بعض العلماء مانعا من إقرار غير أهل الكتاب على دينهم بأخذ الجزية منهم كما سترى. أما قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله،،، الحديث؛ فليس معناه أنه لا يكف عنهم حتى يسلموا، بل إنه إما مخصوص بآية الجزية في قتال أهل

стр. 1278

الكتاب، ويدخل في ذلك أيضا المعاهدون عهدا مطلقا أو مؤقتا ولو من غير جزية لضعف المسلمين، فيكون قتالهم ممنوعا بلا نزاع، وقد يقال إن عموم الحديث مراد به خصوص مشركي العرب في جزيرتهم لكونهم لا يقبل منهم غير الإسلام، وقد أدرج بعض المتقولين على الله تعالى هذا الحديث ضمن كتاب له سماه حديث خرافة واعتبره لفرط جهله وتقوله معارضا لقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهذا شأن أهل الباطل يضربون نصوص الوحي بعضها ببعض. أما قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]، فإنه أمر منه سبحانه بتقديم مقاتلة من يلي المسلمين من الكفار لدفع الضرر القريب الماثل قبل البعيد، كما هو مطلوب في إيصال النفع للقريب قبل البعيد، قيل أراد سبحانه بهم الروم سكان الشام، والشام أقرب إلى المدينة من العراق، وقيل أراد قبائل قريظة والنضير وخيبر ونحوها، وقد نسب لابن المبارك أنه كان يرى تقديم قتال أهل الكتاب على غيرهم، لأنهم يقاتلون عن دين، وقيل في توجيهه إنه لما كان جهاده تطوعا كان يقصد الجهة التي يراها، وقد أنكر أحمد قوله، ورأى أن الأولى أن يقاتل من كان قريبا من بلاد الإسلام كما هو أمر الله، وقد يكون معتمد ابن المبارك ما رواه أبو داود (٢٤٨٨) عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد،،، فذكر الحديث، وفيه قوله ﷺ : «ابنك له أجر شهيدين»، قالت: «ولم ذاك يا رسول الله»؟، قال: «لأنه قتله أهل الكتاب»، فهذا لو صح لكان حجة في المسألة. فإن قيل: فقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠]، فَلِمَ تُعَدُّ القوةُ إذا كان من المشروع معاهدة الكفار ومهادنتهم؟؛ فالجواب: أن الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة، والأمر به لا يلزم منه القتال بالفعل، وإنما فيه الحض على الاستعداد الدائم للقتال المتوقع، لكن قد لا توجد أسبابه، وإعداد القوة لا يتأتى على وجه السرعة، ولا سيما في هذا العصر الذي ازدادت فيه العناصر التي تتوقف عليها القوة، وقد

стр. 1279

جاء في الآية بصيغة العموم، وبلغ به سبحانه قدر الطاقة، ويدل على ما قلت قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فإن هذا في معنى التلعيل للأمر بذلك الإعداد، وإرهاب العدو بقوة المسلمين؛ قد يكون من موانع حصول القتال، إذ كيف يقاتل من لا يعلم؟، وقد قال بعض المفسرين إن المراد بمن لا يعلمهم المسلمون في الآية من الأعداء؛ هم بنو قريظة، وقيل هم أهل فارس، وقيل المنافقون، فالمقصود أن الكفار متى علموا بقوة المسلمين وشوكتهم؛ لم يتجرأوا على حربهم وظلمهم، وبهذا يتبين أن إعداد القوة باستمرار من وسائل منع القتال، لا من مقدمات حصوله، وقد شاع في هذا العصر ما يعرف بأسلحة الردع التي تمنع القتال، وعلم الناس مصطلح الحرب الباردة وسباق التسلح. فإن قيل: فقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] فالجواب: أن المراد بالفتنة أن يفتن المسلم عن دينه، فأما أن يكون الدين لله، فليس معناه إسلام جميع الناس، بل المراد أن يكون للإسلام السيطرة والغلبة، وذلك بدفع الكفار الجزية، وإذا فسرت الفتنة بالشرك من بعض السلف؛ فإن ذلك لا ينافي ما تقدم، إذ لا يصح أن يكون المراد بها الشرك مجردا بالإجماع، لأن الشرع قد أقر الكفار على دينهم إذا قبلوا دفع الجزية، فيكون المراد بالفتنة الكفر مع ما يصحبه من منع الناس من حرية دينهم، أو منع الدعوة إلى الله أن تأخذ طريقها إليهم، وهذا لا يجتنب غالبا إلا إذا كان لسلطان الإسلام الهيمنة على الحياة، ولذلك جمع نفي الفتنة مع كون الدين كله لله. وقد تنازع الناس في علة قتل الكافر هل هي مجرد كفره، أو هي المحاربة، وما يترتب على الكفر غالبا من ظلمه وعدوانه وتسلطه، والظاهر من الأدلة أن الصواب: هو القول الثاني، وتظهر ثمرة الخلاف في جواز قتل الزمن من الكفار والمريض والشيخ، فالمالكية يقولون لا يقتلون، وقال الشافعية يقتلون، وعللوا ترك قتل النساء والصبيان بأنهم مال، والمال لا يتلف، ومع الخلاف السابق في علة القتل اتفقوا على أن الجهاد فرض كفاية مستمر لا يستثنى منه غير أهل الذمة والمعاهدون، لأن هناك فرقا بين مشروعية قتال

стр. 1280

الكفار، ومشروعية قتلهم، فقتال الكفار مشروع لكفرهم مع كونهم ليسوا معاهدين ولا أهل ذمة، أما قتلهم فليس لكفرهم بل لحربهم وظلمهم وعدوانهم وتسلطهم، وقد جاء من الأدلة ما يؤخذ منه أن هذه الأمور ملازمة للكافر إلا في حال ضعفه، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، لكن ظلمه في حال ضعفه قاصر، وفي حال قوته متعد، أو قل إن الكفر نوعان مغلظ ومخفف، فغير المعاهد والذمي كفره مغلظ والمرتد من هذا القبيل، بل أمره أعظم، ولذلك لا يقبل منه غير الإسلام، ولو كان الكافر إنما يقتل لأجل كفره؛ لكان الرهبان أولى بذلك من غيرهم لأنهم متبوعون، وغيرهم تابعون، وقد نص النبي ﷺ على علة قتل الكافر حيث قال عن المرأة التي وجدت مقتولة: «ما كانت هذه لتقاتل»، ويدل على التلازم بين الكفر والظلم إلا في حالة الضعف وسيطرة سلطان الإسلام أن الله تعالى أخبرنا عن ذلك وهو أصدق القائلين فقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]، وما ورد عن بعض السلف من كون المقصودين بهذا هم كفار قريش؛ لا يمنع من استمرار الحكم لاتحاد العلة وهي الكفر، وإنما قال سبحانه: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؛ لأن رجوع المسلم الذي خالطت بشاشة الإيمان قلبه عن دينه مستبعد، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وهذا وإن كان خطابا لنبينا محمد ﷺ ؛ فأمته مثله، بل هم أولى، بل هم المقصودون لأنه معصوم، ونفي الرضا من الكفار عنا يستلزم إنفاذهم لمقتضى غضبهم علينا عند القدرة عليه، ولهذا أخبر الله تعالى أنه «متم نوره ولو كره الكافرون»، فذكر الكره، لأن من كره شيئا سعى غالبا في دفعه ورده، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (١١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨]، فربنا قد أيسنا من رضا الكفار عنا حتى نتبع ملتهم، وأنبأنا أنهم غير تاركين قتالنا ما قدروا عليه حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا، فظهر جليا أن الحرب بيننا وبينهم لا تنتهي، فيكون الجهاد فرض كفاية علينا تجاه كل الكفار الذين لم يدفعوا الجزية ولا كانوا معنا في هدنة ومعاهدة، ولولم يصدر عنهم اعتداء فعلي علينا، لكن هل معنى ذلك أنه يمتنع دوام مهادنتهم؟، والجواب أن القول بفرض جهاد الطلب يستلزم عدم دوام المهادنة، لكنه لا يستلزم عدم المهادنة المطلقة،

стр. 1281

والفرق بينهما بين، والنبي ﷺ لم يقاتل أبدا من كان معه في عهد ما لم ينكث عهده، أو ينقض، وقد أمره الله تعالى بالوفاء بالعهود، وأن ينبذها إلى أصحابها إن خشي منهم خيانة، وقد قال جماعة من الفقهاء إن الجهاد بعد فتح مكة؛ ليس بفرض، إلا أن يستنفر الإمام أحدا منهم، وممن قال ذلك سفيان الثوري، وعطاء، ومال إليه سحنون، وانظر الأحكام لابن العربي (١/ ١٠٣)، وتفسير البغوي (١/ ٢٠٢). ومشهور المذهب أن قتال الكفار في الجهاد الكفائي مطلوب وإن خاف المجاهدون محاربا في طريقهم أو طُرُوَّه على مال أو حريم حال الاشتغال بالجهاد ولعلهم يريدون بهذا قطع ما قد يتعلل به المتكاسل عنه من الفتن التي في أرض الإسلام، وكثيرا ما يكون الدافع إليها الحفاظ على الملك، أو الاستيلاء عليه وافتكاكه ممن هو في يده، فيقدم القتال لأجل الدين على القتال لمجرد درء الاعتداء لما فيه من الحظوظ النفسية، والذي يظهر أن المقدم هو درء أعظم المفسدتين إن لم يمكن دفعهما معا، وذهب بعض علماء المذهب إلى أن قول النبي ﷺ : «اتركوا الحبشة ما تركوكم،،، الحديث»، رواه أبو داود (٤٣٠٩) عن ابن عمرو، ومثله الحديث الذي فيه قوله ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم»، رواه أبو داود (٤٣٠٢) والنسائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا إنما جاء هذا للإرشاد بتقديم الأهم على المهم بحسب الخطر واحتماله في ذلك الوقت، لا للإلزام. ولا بأس أن نتأمل غزوات النبي ﷺ التسع عشرة أعني التي خرج فيها مع الجيش، وقد قاتل بنفسه في ثمان منها، وكذلك غيرها مما لم يخرج فيه؛ لنعلم أنه لم يقاتل من كان من الكفار معه في سلم أو عهد، وقد كانت أولاها غزوة العشيرة ثم الأبواء ثم بواط، قصد بالثلاثة إلى اعتراض عير قريش التي كانت في حرب معه، فقد أخرجته وأخرجت أصحابه من ديارهم، واضطهدت ضعفاءهم، وقد توجت هذه الغزوات الثلاث بغزوة بدر الكبرى التي لم يخرج فيها المسلمون إلا لمثل ماخرجوا له من قبل، وهو غير ذات الشوكة، ومع ذلك أصيبت فيها قريش بهزيمة نكراء، فكان ذلك أعظم أسباب قدومها إلى المدينة بعد عام لأخذ الثأر مما لحقها ببدر، فكانت غزوة أحد، ولم تكتف قريش بالذي أصاب

стр. 1282

المسلمين في أحد بسبب مخالفة الرماة، بل تحالفت مع غيرها لقتالهم في عقر دارهم فكانت غزوة الأحزاب على مشارف المدينة أيضا، أما غزوة بني المصطلق وتسمى المريسيع التي صح الحديث فيها بأنه ﷺ غزا أهلها وهم غارون، وذلك هو عمدة العلماء الذين قالوا لا تجب دعوة الكفار إلى الإسلام إذا كان الأمر قد بلغهم؛ فقد جاء أيضا فيها ما ذكره ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومحمد بن يحي بن حبان أنه ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، فلما سمع بهم؛ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع قريبا من الساحل،،،»، وهو في سيرة ابن هشام (٣/ ٢٣٥)، ولا منافاة بين هذا والذي قبله كما بينه الحافظ في الفتح (٧/ ٥٣٦)، وهكذا غزواته ليهود المدينة قينقاع وقريظة والنضير، فإنما كانت بسبب نقضهم العهود والمواثيق، أو تآمرهم على قتله، وإعانتهم قريشا عليه، ولو كان قتالهم لكونهم يهودا لما اختلف وقت قتالهم أو إجلائهم بفارق سنوات، ولما كان يهود خيبر مصدر تحريك اليهود في المدينة وحضهم على قتاله والغدر به؛ غزاهم، ثم جاءت غزوة فتح مكة وسببها نقض قريش ما تضمنه صلح الحديبية، حيث أعانت بني بكر حلفاءها على خزاعة التي كانت في حلف مع النبي ﷺ ، وكانت غزوة حنين بعد الفتح لما بلغ النبي ﷺ أن مالك بن عوف جمع القبائل من هوازن ووافقهم على ذلك الثقفيون وقصدوا محاربة المسلمين، فخرج إليهم، أما غزوتا أوطاس والطائف؛ فإنما كانتا لتتبع فلول الهاربين المنهزمين من غزوة حنين، فمنهم من يمم وادي أوطاس، فوجه إليهم النبي ﷺ بعض جيشه، ومنهم من قصد الطائف وتحصن فيها، فحاصرهم النبي ﷺ حتى فتح الله عليه الحصن بعد خطوب أصابت المسلمين، وجاءت غزوة تبوك سنة تسع قبل حجة الوداع، وسببها ما بلغ المسلمين عن طريق الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة؛ أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء،،،»، وتبوك أول غزوات النبي ﷺ وآخرها التي خرج فيها بنفسه لقتال دولة الروم، وقد سبقتها سرية مؤتة التي كان الباعث عليها أن النصارى قتلوا من أسلم من كبرائهم، ومنهم فروة بن عمرو، فكان هذا

стр. 1283

القتال لأجل ضمان حرية الدين، وهو أول قتال بين المسلمين والنصارى، وقد مات فيه الأمراء الثلاثة ﵃، وهم زيد ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. والخلاصة أن الجهاد فرض لتحقيق أغراض ثلاثة هي: الدفاع عن المسلمين وأوطانهم، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، والثانية تأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد فيه، ونصرة المستضعفين، دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والثالثة تأمين سلطان الإسلام وسيادته بدفع المخالفين له للجزية، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، ويمكن في حال الضعف الاكتفاء بالمعاهدة من غير دفع جزية كما كان النبي ﷺ يفعل قبل نزول آية الجزية، والكفار في نظر المسلمين لا يخرجون عن حالات ثلاث أهل الذمة، وهم الذين يدفعون الجزية، وسموا كذلك لأنهم يُعطون ذمة المسلمين بمقتضى ما شرع الله ورسوله لهم من الحقوق، فتحفظ أنفسهم وأموالهم، وتضمن لهم حريتهم في دينهم، والمعاهدون، وهم الذين بيننا وبينهم عهد مؤقت أو مطلق، مع استقلال كل من الفريقين ببلده، والمحاربون وهم الذين لا يربطنا بهم رابطة من ذمة أو معاهدة أو هدنة.

стр. 1284

• قوله: ٠١ - «والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض». هذا هو جهاد الدعوة إلى الله تعالى، وسماه بعضهم جهاد الاختيار، وجهاد الطلب، ويقابله جهاد الاضطرار، وهو جهاد الدفع، وسيشير إليه المؤلف في نهاية الباب، وفرض الكفاية هو الذي يكون غرض الشارع منه حصوله من غير نظر إلى فاعله لتعلق المصلحة بالفعل نفسه، ودليل هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، فلو كان الجهاد فرض عين ما وعد القاعد بالحسنى، ومن ذلك ربط النبي ﷺ أمره بالخروج للجهاد بالاستنفار في قوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، ومن ذلك أنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يرسل للقتال بعض المسلمين دون بعض، قال سحنون: «هو فرض على الجميع، يحمله بعضهم عن بعض، إلا أن ينزل أمر يحتاج إليهم أجمعين؛ فيكون عليهم فرضا، ولا ينبغي مع ذلك أن يعطل الإمام الجهاد، والدعاء إلى الإسلام». ولما كان الجهاد فرض كفاية، وكانت عواقب التفريط فيه خطيرة على المسلمين، فقد جاء في الحث عليه ما لم يأت في غيره من الأعمال، من الجهاد بالنفس وبالمال، والوعيد على عدم تحديث النفس به ممن لم يفعله، وفضل سؤال الشهادة، وبيان فضيلة الصوم فيه، واعتبار المجاهد كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، وأجر تجهيز الغازي، واغبرار القدم فيه، وربط الفرس لأجله، والحرس والمرابطة فيه، وما أعد الله لمن مات في سبيله، وكون الشهداء أحياء عند ربهم، وجعل الغدوة فيه خيرا من الدنيا وما فيها،

стр. 1285

وأمر الله نبيه ﷺ أن يحرض المؤمنين عليه، وأن يقاتل ولو وحده، وجاء في ذم القاعدين عنه ما جاء، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «من لم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو؛ مات على شعبة من نفاق»، رواه مسلم وأبو داود (٢٥٠٢) عن أبي أمامة، وعنه أيضا: «من لم يغز، أو يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة»، وفي رواية قبل يوم القيامة، رواه أبو داود (٢٥٠٣)، وهذا أقل ما يجزئ من الغزو، وقد ترجم بذلك أبو داود على حديث «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا»، وقد رواه الشيخان عن زيد بن خالد الجهني، ومما جاء في ذم الجبن عن القتال قول النبي ﷺ : «شر ما في رجل؛ شح هالع، وجبن خالع»، رواه أبو داود (٢٥١١)، والشح أشد من البخل، والهالع الشديد الجزع، وصف الشح به مجازا، على غرار يوم عاصف، والجبن الخالع هو الشديد، كأنه يخلع فؤاد صاحبه، وحرم سبحانه الفرار عند الزحف، وهو من الكبائر، وحسبك أن الترمذي ﵀ عقد لفضل الجهاد بابا أورد فيه نحو الخمسين حديثا ليس فيها من الضعيف إلا اليسير، وما كل هذا إلا لما في القتال من الشدة والعسر ونفور الطباع عنه، وقد بين كراهية النفوس للقتال لما فيه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح، لكن ما يبدو فيه من المضار؛ لا يرقى إلى ما فيه من المنافع والمصالح، فإن الدين أول الكليات الخمس التي يجب أن تحمى فإذا تعارضت حماية الدين بوقاية النفس؛ قدم الأوكد، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]: الشيب كره وكره أن نفارقه … فاعجب لشيء على البغضاء محبوب ومع هذا قال النبي ﷺ : «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وهو نهي عن طلب البلاء، ولما قد يكون فيه من إظهار الشجاعة وطلب الرفعة، ولا يتنافى مع تمني الشهادة، فإنه أعم من طلب اللقاء، قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٧٥): «أو لعل الكراهية مختصة بمن يثق بقوته، ويعجب بنفسه ونحو ذلك». والقتال مما لا ينفك عنه الاجتماع البشري، فهو سنة من السنن التي شاء الله تعالى وجودها في خلقه، لتنازع الناس البقاء، ورغبتهم في توسيع الملك، والسلطة والنفوذ، فجعل

стр. 1286

مقاومة الظالمين إلى عباده المؤمنين، تكريما لهم، ورفعا لشأنهم عنده، وليكون ذلك برهانا على محبتهم له، واسترخاص أغلى ما عندهم طلبا لمرضاته، يفعلون ذلك لإعلاء كلمته، وإزالة الفتنة عن الناس، حتى يكونوا أحرارا لا سلطان لأحد على عقائدهم، وإنما شرع لهم ذلك منذ رسالة موسى ﵊، وقبلها كان ربنا ينتقم من الظالمين بآفات عذابه، وغواشي نقمته، يرسلها عليهم، يشير إلى ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص: ٤٣]، وقد روى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: «ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى»، وهذا وإن كان موقوفا فليس مما يقال بالرأي. ومن لوازم فرض الجهاد على الدوام؛ فرض إعداد القوة له، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن إعداد القوة كما يكون للجهاد، يكون وسيلة للاستغناء عنه ولو مؤقتا، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال»، رواه أبو داود (٢٤٨٤) عن عمران بن حصين، ويعجبني تفسير بعض السلف كمجاهد وابن جبير لقوله تعالى ذاكرا الغاية في القتال: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد ﷺ : ٤]، قالا حتى خروج عيسى ﵇، وهذا من عظيم فقههما رحمهما الله، فإن الحروب لا تنقطع ما بقي كفر وإيمان، وهما مستمران لا ينتهيان حتى قرب قيام الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق. وأهل الجهاد الكفائي هم المسلمون من الذكور الأحرار البالغين القادرين، فلا يجب الجهاد على النساء، ولا على الصبيان والعبيد، ولا على المرضى، فإن النبي ﷺ قد نص على أن جهاد النساء الحج، والعبيد مستغرقون في خدمة مالكيهم، والصبيان غير مكلفين، والمرضى معذورون بنص الكتاب، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (١٧)﴾ [الفتح: ١٧]، أما الكفار فلا يستعان بهم في القتال، وقد قيل يستعان بهم في الخدمة، فإن خرجوا من تلقاء أنفسهم فالمعتمد عدم منعهم، وقد روى الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، حتى إذا كان بحرة الوبرة؛

стр. 1287

أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جراءة ونجدة، قال: «يا رسول الله جئت لأتبعك، وأصيب معك»، فقال له رسول الله ﷺ : «أتؤمن بالله ورسوله»؟، قال: «لا»، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك»، قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان بالبيداء؛ أدركه ذلك الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : «أتؤمن بالله ورسوله»؟، قال: «نعم»، قال: «فانطلق»، وروى أحمد عن عبد الرحمن بن حبيب عن النبي ﷺ وفي الحديث قصة؛ قال: «إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين»، قال في مجمع الزوائد أخرجه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات، وإذا كان ممنوعا أن يستعان بالمشرك على المشرك؛ فإن الاستعانة به على المسلم أشد وأشد، ومعارض هذين الحديثين لم يرق إلى درجة القبول. وقد صار إلى هذه الاستعانة كثير من حكام المسلمين في هذا العصر قبل أكثر من ربع قرن، تحالفوا مع أمريكا ودول أوربا وغيرها لقتال صدام حسين، فترتب على ذلك أن قامت في العراق دولة للشيعة الروافض، ولكي يجدوا ما يعتمدون عليه ليقضوا على أهل السنة أنشأوا ما سمي بالدولة الإسلامية في مناطقهم، أو حصب ذلك بسبب ما سلطوه عليهم من ظلم معتمدين على ارتباطهم وتعاونهم مع نظام صدام، فكان ذلك ذريعة لتحالف جديد لقتال تلك الدولة المزعومة؛ فخربوا مدنا كالرمادي والموصل وغيرها، ومن نتائج ذلك التحالف قوة شوكة الشيعة في لبنان بإنشاء حزب الله، واشتداد ساعدهم في سوريا، فحصلت حرب أتت على الأخضر واليابس لا يعرف لها نظير فيما أتت عليه من القتل والتهجير والتدميرإلا ما جرى في الحرب العالمية، وها هي ذي قوتهم تظهر في اليمن على أيدي أتباع الحوثي الذين تمدهم دولة إيران بالمال والسلاح المتطور، فقاموا بانقلابهم على حكام البلد بتواطؤ ثم مشاركة وتعاون مع حاكم البلد المخلوع المحسوب على السنة، وسكوت من جماعة الإخوان، فقامت الحرب هناك منذ ثلاث سنوات، والجديد فيها أن التحالف هنا خاص بدول المسلمين، فهذا خير مما سبق، وما أدري متى تنتهي، وكل هذا أثر مخالفة الحق وموالاة الكفارعمليا بالاستعانة بهم واستنصارهم، وهو يضعف الولاء الذي بين المسلم والمسلم، ولله عاقبة الأمور. وبعد فقد علمت الحال التي يجب على المسلمين فيها وجوبا كفائيا أن يجاهدوا في

стр. 1288

سبيل الله مرة واحدة في السنة تحت إمرة الإمام إن كان، وقال ابن حزم في المحلى (٧/ ٢٩٩) إن الفرد من المسلمين يجب عليه هذا الجهاد إن لم يكن إمام، وقال فيه (٧/ ٣٥١): «قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ فلم يخص بأمر الإمام ولا بغير أمره، ولو أن إماما نهى عن قتال أهل الحرب؛ لوجبت معصيته في ذلك لأنه أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة له، وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]، وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم، فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد، وقال تعالى: «انفروا خفافا وثقالا» ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، انتهى، وهذا الذي قاله ﵀ فيه خطر عظيم، وفساد كبير، ولئن لم يكن فساده في عصره بينا؛ فقد جد من الأمور ما لا يجوز معه القول بهذا الذي قاله، وقد عشنا في هذا العصر منه فصولا دامية، واصطلينا منه بنيران حامية، وما قاله بعض العلماء من ذلك بسبب بعد من يُستأذن من الأمراء والأئمة كما في النوادر لم يعد له وجود الآن لتوفر وسائل الاتصال. ويتجه جيش المسلمين إلى أهم الجهات التي يخشى منها العدو، فإن تساوت الجهات في توقع الخطر؛ فالنظر للإمام يتخير منها واحدة إن لم يكن في عدد المسلمين وعددهم كفاية للقيام بذلك في أكثر من جهة، وإلا وجب سد الجميع، وإنما وجب الجهاد الكفائي مرة في العام نظرا إلى أن الجزية تؤخذ في العام مرة، إلا إذا احتيج إلى القتال في العام أكثر من مرة؛ فيتعين ذلك. ويكون الجهاد فرض عين في حالات أربعة، أولاها: أن يفجأ العدو محلة قوم، فيتعين عليهم جميعا لا فرق بين من كان من أهله، ومن لم يكن منهم كالنساء والعبيد، ويتعين على المقصودين بالحرب، ومن جاورهم الأقرب فالأقرب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]، والثانية: أن يكون للمسلمين أسرى، فيجب عليهم افتكاكهم، لأمر النبي ﷺ بذلك، ولا يظهر لي في هذه الحال أنه فرض على الأعيان، والثالثة: النذر لأنه طاعة فيجب الوفاء بها، لكن مع وجود الإمام، وإلا فقد عجز عنه فكفارته كفارة يمين، لقول النبي ﷺ : «من نذر أن

стр. 1289

يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه»، والرابعة: استنفار الإمام، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال النبي ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، فإذا عين الإمام واحدا أو أكثر للقتال؛ فإنه يتعين عليه، ولا يسعه أن يخالف، لا فرق بين من كان يلي العدو ومن كان بعيدا عنه، وينبغي أن يضاف إلى ما تقدم ما إذا تواجه الجيشان، فإنه لما جاء المنع من الفرار؛ وجب ضده وهو الثبات المقتضي للجهاد، وهذا من المسائل التي يتعين فيها فرض الكفاية بالشروع، ومنها ما لا يتعين، وهو ما كان ذا أجزاء، وقد ذكروا للجهاد فرائض هي طاعة الإمام، وترك الغلول، والوفاء بالأمان، والثبات عند الزحف، بأن لا يفر واحد من اثنين، وسيأتي مزيد بيان.

стр. 1290

• قوله: ٠٢ - «وأحب إلينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله، إلا أن يعاجلونا». ذهب مالك إلى استحباب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم، ذكره ابن عبد البر في الكافي، فلعله هو الذي عناه المؤلف، وفي المسألة أقوال منها الوجوب مطلقا، وهو ظاهر قول الإمام في المدونة في أول كتاب الجهاد قال: «لا أرى أن يقاتل المشركون حتى يدعوا»، ومنها التفريق بين من بعدت داره؛ فتجب دعوته، ومن قربت فلا تجب لعلمه بالإسلام، وهو في المدونة، ومنها وجوب الدعوة إذا كان الجيش كثيرا وإلا فلا، ومهما يكن فوجوب الدعوة إلى الإسلام هو الأصل، وهو مشهور المذهب كما في مختصر خليل، لأمر النبي ﷺ بذلك، وقد صح عن ابن عمر أنه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم»، متفق عليه، وغزوة بني المصطلق كانت سنة خمس، وقد كانوا على علم بالإسلام بلا شك، ولقربهم من المدينة، ومع علمهم بالإسلام فثمة ما يدل على أن الإغارة عليهم جاءت بعد أن بلغ النبي ﷺ تهيأهم لمقاتلة المسلمين، وقد ضلّ في هذا الحديث رَجُلان: رَجُل ردّه لأنه مخالف للحق حسب زعمه، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، ورَجُل اعتبره حجّة في قتال الكفار من غير دعوة، وقد أمر النبي ﷺ عليا أن يدعو أهل خيبر إلى الإسلام قبل قتالهم مع قربهم وبلوغ الدعوة إليهم، فقال له: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم»، وهو في صحيح البخاري (٣٠٠٦) عن سهل بن سعد، وهذا مع أنهم كانوا محاصرين، ودلالته بينة على أن الغرض من الجهاد دخول الناس في الحق والسلم، وبالنظر إلى الحال قد ينتظر أن يؤمر علي بقتلهم، وقد يقال إن تقديم الدعوة على

стр. 1291

القتال مع علمهم إنما كان لظهوره وقوة جيشه، ولكون تجديد الدعوة فيه تذكير بالله وبالإيمان به، فعسى أن تنفع في وقت ما لم تنفع في آخر، والخلاف المذكور في حق من بلغته الدعوة، أما من لم تبلغه؛ فلا خلاف في وجوب دعوته قبل مناجزته، وهكذا من طلب من المحاربين الأمان لأجل أن يعرف ما يريد من الإسلام. وقد روى مسلم (١٧٣١) عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، وفيه: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم،،،» الحديث بطوله، وجعله في بلوغ المرام من مسند عائشة فانظره. وقوله إلا أن يعاجلونا؛ يعني فلا تستحب دعوتهم لأن المعاجلة تنقل الجهاد من كونه جهاد طلب إلى جهاد دفع عن النفس، حتى ولو لم يكن الكفار قد غزوا دار المسلمين، إذ كيف تكف عن قتال من يقاتلك، هذا يؤدي إلى موت المسلمين، ولذلك رأى بعضهم حرمة الدعوة حينئذ.

стр. 1292

• قوله: ٠٣ - «فإما أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية، وإلا قوتلوا». هذا مضمون ما يدعى إليه الكفار، وهو الدخول في الإسلام، بأن يعرض عليهم إجمالا، فإن أبوا؛ طولبوا بدفع الجزية من غير تفصيل، فإن أبوا قوتلوا، ولا يطالبون بالإسلام والجزية من غير ترتيب كما هو ظاهر كلام المؤلف، ودليله آية الجزية، فإن فيها بيان غاية مقاتلتهم، ثم ما تقدم في حديث بريدة الصحيح، وليس في المذهب بيان زمان إعطائها هل هو من وقت قبولهم بها، أو بعد مرور الحول، قالوا لا نص فيه، وصحح الباجي في المنتقى وابن العربي في المسالك؛ أنها تؤخذ بعد مرور الحول، وهذا هو الظاهر لأنها إنما تعطى في مقابل حمايتهم ومنع ظلمهم، والأصل في مثل هذا التأخير. فأما ما يعامل به من تقبل منهم الجزية من الكفار؛ فإن علماء السنة وحكام المسلمين؛ مرجعهم في ذلك إلى العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب ﵁ لنصارى الشام حين صالحهم، وشرط عليهم فيه ما شرط، فاقرأه إن شئت في المحلى لابن حزم (٧/ ٣٤٦)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٨/ ٦٥١ - ٦٥٣) واعتبروه كالتفسير للصَّغَار الذي ينبغي أن يكونوا عليه مدة قبول الجزية منهم كما هو في كتاب الله تعالى، والصغار إذعانهم لحكم الإسلام فيهم، ووجه كونه مرجعا أنه كتب بمحضر من المهاجرين والأنصار ﵃، وعليه العمل عند أئمة المسلمين لقول رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ،،،». والجزية فعلة، وجمعها جزى كلحى، من الجزاء، لأنها تعطى مقابل شيء، لكن اختلف فيما تؤخذ بدلا عنه، فقول مالك في الموطإ هو: «وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم، ويقاتل عنهم عدوهم،،،»، انتهى، وقال سحنون كما في النوادر (٣/ ٢١): «وعليهم أن يذبوا عن أهل ذمتهم في أنفسهم وأموالهم

стр. 1293

مثل ذبهم عن أنفسهم في ذلك كله،،،»، انتهى، وهذا هو الذي يعثر عليه الباحث في العهود التي كتبها الصحابة للبلدان التي صالحوا أهلها، وهي مبثوثة في كتب الخراج، وفتوح البلدان، وكتاب الأموال لأبي عبيد، وأحكام أهل الذمة لابن القيم، وانظر طرفا من تلك المعاهدات في نفسير المنار (١٠/ ٢٩٣)، بل في بعضها ما يدل على أن المسلمين كانوا متى عجزوا عن حماية دافعي الجزية ردوها عليهم أو لم يأخذوها منهم، وقرر ابن العربي في المسالك أنها تؤخذ لأجل ترك قتل الكافر، وهو الذي نسبه زروق لمالك جازما، وهذا لا ينافى الحماية لأنها مرتبة عليه، والذي يؤخذ من كلام خليل أنها في مقابل سكنى الكافر في بلاد الإسلام، فإنه قال معرفا لها: «عقد الجزية؛ إذن الإمام لكافر صح سباؤه مكلف حر قادر مخالط لم يعتقه مسلم؛ سكنى غير مكة والمدينة واليمن ولهم الاجتياز بمال،،،»، لكن هذا قد يسكت عن التعليل به إذا كانت الدار دار الإسلام، فما ذا عن الجزية تفرض على الكفار المعاهدين مع بقائهم في ديارهم، وقد رد ابن القيم هذا التعليل من عدة وجوه تراها في كتابه أحكام أهل الذمة (١/ ٣٦)، وقال الباجي في المنتقى (٢/ ١٧٤): «وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين، والذب عنهم، والحماية لهم،،،»، انتهى، ومن أسلم منهم قبل حلول أجل الدفع تقررت الجزية في ذمته عند الشافعية لأن العلة عندهم السكنى، وأهل المذهب يسقطونها بالإسلام، ولو بيوم قبل أجلها. والمذهب أن لقب أهل الكتاب في الآية لا يؤخذ بمفهومه، فليس شرطا في الكف عن الكفار بقبولهم إعطاء الجزية أن يكونوا أهل كتاب، كما اتفق المسلمون على أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وحرم ما هو محرم وحلل ما هو محلل في كتبهم لا يجعله ذلك في منجاة من المقاتلة ودفع الجزية، والمقصود أن جميع الكفار يقررون بالجزية على دينهم إلا من كان منهم في الجزيرة العربية، ويؤيد هذا عموم قوله ﷺ في حديث بريدة المتقدم: «قاتلوا من كفر بالله»، لكن لقب أهل الكتاب مأخوذ بمفهومه بمعية غيره من الأدلة في تحريم ذبائح غير أهل الكتاب، وتزوج غير نسائهم، وأصل المسألة هل يصدق لقب أهل الكتاب على كل من تبين أن له كتابا، أو هو خاص بمن اشتهر بذلك في زمن التنزيل وليس

стр. 1294

إلا اليهود والنصارى كما دل عليه قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وبدليل أن النبي ﷺ قال عن المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، رواه مالك (٦١٨) عن عبد الرحمن بن عوف، فألحقهم بهم، ولم يقل هم من أهل الكتاب، وهذا هو المتبادر لو كانوا كذلك، وقي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر»، بخلاف من فهم من اللفظ الأول أن المجوس من أهل الكتاب كابن حزم وغيره، وإذا كانوا ليسوا أهل كتاب؛ فالقياس يقضي بإلحاق كل المشركين كيفما كانت مللهم بهم، وهذا هو الذي يتيسر الأخذ به وتسهل إقامته في الواقع في هذا العصر، وقد ورد أن عمر أخذها من مجوس فارس، وأن عثمان أخذها من البربر، وليسوا أهل كتاب، ذكرهما مالك في الموطإ (٦١٧) بلاغا. وقال ابن حزم ﵀ في المحلى (٧/ ٣١٧): «ولا يقبل من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي جزية إلا بأن يقروا بأن محمدا رسول الله إلينا، وأن لا يطعنوا فيه، ولا في شيء من دين الإسلام، لحديث ثوبان الذي ذكرناه آنفا، ولقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ (١٢)﴾ [التوبة: ١٢]، وهو قول مالك، قال في المستخرجة «من قال من أهل الذمة إنما أرسل محمد إليكم لا إلينا؛ فلا شيء عليه، قال: فإن قال: لم يكن نبيا قتل»، وقد قال خليل عن نواقض عهد الذمة: «وينتقض بقتال ومنع جزية، وتمرد على الأحكام،،، وسب نبي بما لم يكفر به، قالوا: كليس بنبي، أو لم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن، أو تَقَوَّلَهُ، أو عيسى خلق محمدا،،، وقُتل إن لم يسلم».

стр. 1295

• قوله: ٠٤ - «وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا، فأما إن بعدوا منا؛ فلا تقبل منهم الجزية، إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا، وإلا قوتلوا». الكفار الذين يقبلون بالجزية إما أن يكونوا أهل عنوة بفتح العين وهم الذين فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وإما أن يكونوا أهل صلح، فأهل الصلح تقبل منهم الجزية في موضعهم حيثما كان، وأهل العنوة لا تقبل منهم الجزية إلا إذا كانوا بحيث ينالهم سلطان المسلمين، وذلك لأنهم إن كانوا بعيدين عن بلاد المسلمين بحيث لا تنالهم سلطتهم؛ فإنهم لا يؤمن كرهم عليهم، واستعدادهم لقتالهم في غفلة عنهم، فأي فائدة في قبول الجزية وقد لا يكون قبولهم لها إلا لالتقاط أنفاسهم واستجماع قوتهم؟، لكن الانتقال قد يتأتى إن كان عدد هؤلاء محدودا، وإلا فلم يبق إلا قتالهم حسب ما تقدم إن رفضوا الدخول في الإسلام، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، والظاهر من الأدلة تقريرهم حيث قبلوا الجزية، وقد علمت أن النبي ﷺ كان يوصي أمراء الجيوش والسرايا بدعوة من أسلم إلى الهجرة إلى المدينة، لكن لا على وجه الإلزام، وقد نسخ هذا الحكم بفتح مكة كما جاء في الحديث الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح»، قال سحنون: «من أجاب إلى الإسلام أو إلى الجزية لم يؤمر بالتحول من محله إن كان تحت حكم الإسلام». وأما من أسلم منهم؛ فإن كانوا بحيث ينالهم سلطان الكفار؛ فهم مطالبون بالهجرة إلى أرض الإسلام، فإن لم يهاجروا كانوا عاصين لله ورسوله ﷺ ، وإسلامهم صحيح، إذ الإقامة بدار الحرب بمجردها؛ لا تقدح في إسلامهم، وإن كانت الهجرة إلى بلاد الإسلام واجبة عليهم، لقول النبي ﷺ : «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو»، رواه النسائي وابن حبان، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ١٨٢٢)، فربط بين وجوب الهجرة ومشروعية القتال، لأن القتال معناه وجود عدو للمسلمين، ويلزم من القتال أن يكون هناك دار حرب، ودار إسلام،

стр. 1296

وهذا باق إلى يوم القيامة لقوله ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، رواه أبو داود (٢٤٧٩) عن معاوية ﵁. لكن الواقع الآن يختلف عما كان عليه قبل، فإن من أسلم من الكفار؛ لا حرج عليه في الإقامة في بلاد الكفر، لأن الدول الإسلامية لا تجيز الانتقال إلى أراضيها، ولا تمنح جنسياتها للمسلمين الراغبين في الإقامة بها، فينطبق على هؤلاء وصف المستضعفين، وتقوى الله بحسب الاستطاعة، فهؤلاء لا ينالهم الوعيد الذي في قول النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما»، رواه والترمذي (١٦٠٤) والنسائي وابن ماجة عن جرير، وصحح الحافظ إسناده في بلوغ المرام، وفيه كما ترى منع مساكنة المسلم للكافر، بل ومجاورته، وروى أبو داود (٢٧٨٧) عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله»، ومعنى جامعه؛ اجتمع معه، لكن يظهر والله أعلم أن مجرد الاجتماع بالمشرك للحاجة ليس هو المنهي عنه، بل المقصود اجتماع المرافقة فضلا عن الموافقة والمؤانسة والمصاحبة كما عليه كثير من المسلمين، حكاما ومحكومين. فأما هجرة المسلم من دار الإسلام إلى دار الكفر ولو كان ساكنوها من أهل الصلح؛ فإنها محرمة لما يترتب عليها من الوقوع تحت سلطانهم والخضوع لقوانينهم، واستغلالهم في الضغط على بلدانهم، فضلا عن الامتهان الذي يلحق المسلم، والفتن التي يتعرض لها، ويعرض لها أولاده، فالذهاب إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا لواحد من أمور هي الجهاد المشروع كما تقدم، وطلب علم دنيوي لا يوجد في بلاد المسلمين، وصلة الرحم، والتجارة، والسفارة، بل لا تجوز الهجرة للإقامة في بلد مسلم إذا كان مريد الهجرة مقيما في بلد خير منه في ظهور السنة وقلة القوانين المناهضة للشرع، ومثال ذلك الهجرة من الجزائر للإقامة في تونس. فإن قيل: إن بلاد المسلمين فيها من التفريط في الشرع ما لا يخفى، وبعضها قد فصل فيها الدين عن الدولة فعلا، وإن لم يرتض حكامها ذلك قولا؛ فالجواب: أن الدار عند أهل العلم إما دار إسلام وإما دار حرب، فدار الإسلام، قد قيل إنها هي التي يجري فيها حكم

стр. 1297

إمام المسلمين، وقيل إنها ما غلب فيه المسلمون وكانوا فيه آمنين، ودار الحرب ما يجري فيها أمر رئيس الكافرين، وقيل هي ما خاف فيه المسلمون من الكافرين، انظر كليات أبي البقاء. والذي يقال إن الأصل أن دار الإسلام يقام فيها حكم الله تعالى، بواسطة الحاكم المسلم، ويقر للشرع فيها بالحاكمية، وإن كان فيها شيء من التفريط من حيث التطبيق فهذا لا يخرجها عن ذلك الوصف، ودار الحرب والكفر ما ليس كذلك، لكن هذا لا يمنع من القول إن البلد الذي تسكنه غالبية مسلمة، تقيم ما استطاعت من شعائر الإسلام هي دار إسلام، ولو كان فيها من القوانين ما هو مخالف لما أنزل الله، ما لم يكن كفر الحكام بواحا، وهذا بناء على التعريف الثاني الذي يرى أن دار الإسلام مرجعها إلى غلبة المسلمين عليها، قال الدسوقي في حاشيته (٢/ ١٨٨) على شرح الدردير: «لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها بالقهر، بل حتى تنقطع شعائر الإسلام عنها، وأما ما دامت شعائر الإسلام أو أغلبها قائمة فيها فلا تصير دار حرب»، انتهى. وللشيخ رشيد رضا ﵀ رأي آخر فقد قال في تفسير المنار (٦/ ٤٠٧): «والظاهر أن الواجب على المسلمين في مثل هذه الحال مع مثل هذا الحاكم؛ أن يلزموه بإبطال ما وضعه مخالفا لحكم الله، ولا يكتفوا بعدم مساعدته عليه ومشايعته فيه، فإن لم يقدروا؛ فالدار لا تعتبر دار إسلام فيما يظهر، وللأحكام فيها حكم آخر،،،»، وهذا قول لانوافق عليه.

стр. 1298

• قوله: ٠٥ - «والفرار من العدو من الكبائر، إذا كانوا مثلي عدد المسلمين، فأقل، فإن كانوا أكثر من ذلك؛ فلا بأس بذلك». هذا حكم منصوص في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]، فهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بالنار وبغضب الله، وقد ذكر في الموبقات السبع كما في قول النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؟، قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، لكنهم ذكروا لحرمته شروطا خمسة: أن لا يكون خدعة من الفار وحيلة ليكر على العدو، وهذا هو معنى المتحرف للقتال، وأن لا يكون بغية الالتجاء إلى فئة من المسلمين يستنصر بهم، وأن لا تختلف كلمة المقاتلين بحيث يترك بعضهم القتال، ولا يظهر أن هذا على إطلاقه، وأن يكون معهم سلاح، وأن لا يقل المسلمون في العدد عن نصف عدد الكفار، كما قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وفقد السلاح لا يمكن معه قتال بل هو تعريض للنفس إلى التهلكة بلا ريب، وشرط العدد يؤيده ما صح عن ابن عباس ﵄ من قوله: «إن فر رجل من اثنين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فما فر»، مع ما صح من سبب نزول الآية التي فيها التخفيف فتكون التي قبلها منسوخة، لا كما عليه بعض من بالغ في إنكار النسخ، فحمل آية المصابرة الأولى على حالة القوة، والثانية على حالة الضعف، وانظر إرواء الغليل للألباني ﵀ الحديث (١٢٠٦)، وإلا فما ذا يقال عن قول ابن

стр. 1299

عباس عن الآية المنسوخة: «كتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم نزلت ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين، وهكذا قوله: «شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف»، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٣٩٥) موجها كون الآية المراد بها الأمر وليس مجرد الخبر، يعني أن معناها الأمر بثبات الواحد للآيتين: «والسياق وإن كان بلفظ الخبر، لكن المراد منه الأمر لأمرين: أحدهما أنه لو كان خبرا محضا؛ للزم وقوع خلاف المخبر به، وهو محال، والثاني لقرينة التخفيف، فإنه لا يقع إلا بعد التكليف، والمراد هنا التكليف بالأخف، لا رفع الحكم أصلا»، انتهى وفي شرط العدد رواية أخرى عن الإمام، وهي لابن الماجشون مفادها أن العبرة في وجوب الثبات وعدم الفرار القوة لا العدد، فيجب على المسلمين أن يثبتوا ولو كان عددهم أقل من نصف عدد الكفار إذا كانوا أقوى منهم عدة وجلدا، كما لا يلزمهم أن يثبتوا وإن كانوا أكثر من نصف عدد الكفار إذا كان الكفار أقوى منهم سلاحا وأكثر قوة وجلدا، وخافوا أن يغلبوهم، ومرد هذه الرواية إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وإذا كان هذا في ترك الثبات أمام الكفار حماية لأرواح المسلمين؛ فكيف بالتسبب في تحريكهم لقتلهم وتخريب ديارهم وممتلكاتهم ثم التطلع إلى المتمالئين معهم بل وإلى مناصريهم لتعمير ما خرب وإطعام الجائع وكسوة العاري ومداواة الجريح، وعقد اللقاءات للدول المانحة المتبرعة لأجل ذلك؟، وقد قيل لمالك يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟، فقال: «الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة»، انتهى، قال أبو عمر بن عبد البر معقبا على هذاالقول كما في الكافي ص (٢٠٦): «جواب مالك هذا وإن كان في جهاد غير المشركين، فإنه يشمل المشركين، ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين، ولم يجز له إباحة دمه لمن لم يقو عليه ويمكنه، ولا ينفع المسلمين بما يحاوله»، انتهى. قلت: فكيف إذا كان ذلك ليس قتالا أصلا، ولا نقول لا نفع فيه للمسلمين، بل فيه جلب أعظم الضرر عليهم كما ترى في هذا الزمان؟، والظاهر أن هذه الرواية هي التي ينبغي

стр. 1300

أن يعول على ما فيها في هذا العصر، لو كان المسلمون قائمين بالجهاد الذي فرضه الله عليهم، فإن العدد القليل مع العدة؛ يغني عن العدد الكثير مع انعدامها، أو ضعفها، ولا أحسب أن أحدا يكابر في هذا، وقد قيل: اليوم فكرة عالم في مصنع … تغني عن الأسياف والأرماح وتصد كل كتيبة موارة … خضراء تقذف بالكماة رداح والعلم مصباح الحياة فنقبوا … من قبل أن تثبوا عن المصباح وقد فسر نبينا القوة التي أمرنا الله بإعدادها بما رواه مسلم (١٩١٧) من حديث عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي ثلاثا»، وقد شهد العالم من التقدم في وسائل الحرب ما أصبح معلوما عند الخاص والعام أن القوة هي الرمي، لأنه ضرب للعدو من بعيد، وكان العلماء قي القديم يقولون عنه إنه أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة، وقال عمرو بن كلثوم: نطاعن ما تراخى القوم عنا … ونضرب بالسيوف إذا غشينا وقد كان مدى الرمي في عهده ﷺ لا يتعدى مئات الأمتار، وهو الآن يبلغ آلاف الكيلومترات، فغدت القوة منحصرة فيه كما حصرها فيه نبينا ﷺ ، ولذلك كان حضه على الرمي قويا، فقد صح عنه قوله: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا»، رواه البخاري (٢٨٩٩) عن سلمة بن الأكوع، وروى الترمذي (١٦٣٨) وقال حسن صحيح عن أبي نجيح السلمي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر»، العدل بكسر العين - وتفتح - المثل، يعني أن رميه يعدل تحرير رقبة، وفي صحيح مسلم (١٩١٧) عن عقبة بن عامر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه»، قال الأبي (٦/ ٦٧٤) في شرحه على صحيح مسلم: «وإنما خرج مخرج اللهو إمالة للنفوس إلى تعلمه، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو»، انتهى، وربط الرمي وغيره من وسائل الحرب باللهو جاء في عدة أحاديث، منها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر
следующие страницы →