← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

• قوله: ١٤ - «وإن حلف بالله ليفعلن معصية؛ فليكفر عن يمينه، ولا يفعل ذلك، وإن تجرأ وفعله؛ أثم، ولا كفارة عليه ليمينه». المعصية محرمة، فمن نذرها؛ فقد ارتكب معصية أخرى بالتزام فعل الحرام، ولأنه ألزم نفسه أن يتقرب إلى الله تعالى بما حرم عليه، أو ترك ما وجب عليه، فالمطلوب منه عدم الفعل، ومع ذلك يُكَفِّرُ، فإن تجرأ وفعل المحرم؛ فليتب من ذلك، ولا كفارة عليه. واعلم أن قول أهل المذهب بلزوم الكفارة لمن حلف على فعل معصية؛ قد يلزمون به القولَ بلزوم الكفارة لمن نذر المعصية، لكون نذر المعصية يسمى يمينا، ولأن النذر أقوى من اليمين في الإلزام، وقد تقدم بيان ذلك، والحاصل أن نذر الطاعة يلزم الوفاء به، فإن عجز كفّر، وأن نذر المعصية لا يوفى به فتلزم الكفّارة، وأن النذر المباح إن لم يف به كفّر، والله أعلم.

стр. 1367

• قوله: ١٥ - «ومن قال: علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث؛ فعليه كفارتان». من قال علي عهدٌ لأفعلن كذا لا يعتبر قوله يمينا، وهذا هو محترز الإضافة في كلامه، أما من قال علي عهد الله وميثاقه وأمانته وعزته فإن هذا من جملة ما تنعقد به اليمين في المذهب، لأن العهد الإلزام بالتكاليف، والأمانة التكليف من إيجاب وتحريم، والتكليف راجع إلى خطابه سبحانه، والعزة هي المنعة فالجميع صفات، قالوا فإن أريد المعنى المخلوق فلا تنعقد اليمين به، لكن لم يتبين لي وجه تعدد الكفارة على من جمع بين العهد والميثاق في حلف واحد، لأنه لا يخرجه ذلك عن كونه كرر الحلف، كأن يقول والله، والله، والله، أو يقول والله، والذي لا إله إلا هو، فمن أين أتى لزوم الكفارتين إذا حنث في هذا ونحوه مع أن الحلف به فيه خلاف؟، وقد علل بعضهم تعدد الكفارة بقوله «لأن العهد يمين، والميثاق يمين، فإذا جمعهما فقد حلف يمينين»، وقد يكون المراد أنه مع اختلاف اللفظ والقصد يلزم تعدد الكفارة كما ذهب إليه القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة بقوله: «فإن أراد التكرار أو التأكيد فكفارة واحدة، وإن أراد الاستئناف فلكل واحد كفارة»، وانظر المدونة (٢/ ٣٠) باب الرجل يحلف بعهد الله وميثاقه، وعلى كل فإن ما ذكره المصنف خلاف المشهور، وهو عدم تعدد الكفارة بتعدد المحلوف به من أسماء الله وصفاته من غير فرق بين أن يقصد التوكيد أو الإنشاء، أو لا قصد له إلا أن ينوي تعدد الكفارة. وبعد هذا فاعلم أنه قد جاء النهي عن الحلف بالأمانة فيما رواه أبو داود عن بريدة مرفوعا: «من حلف بالأمانة فليس منا»، ووجه ذلك أن المسلم منهي عن الحلف بغير الله والأمانة ليست من أسمائه لأنها التكاليف كالصلاة والصوم والحج، والمعنى الذي قيد به أهل المذهب الحلف بهذه الألفاظ قد يخرج الحلف بالأمانة عن المنع لمن استحضر ذلك، بيد أنه عسير، فاجتناب الحلف بها هو الصواب، والله أعلم.

стр. 1368

• قوله: ١٦ - «وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد؛ غير كفارة واحدة». وهذا لأن الواجب هو كفارة واحدة، متى حنث في الشيء الواحد، ومن وكد اليمين بتكريره الحلف على الشيء الواحد؛ لا يخرجه التوكيد عن ذلك، ولو قصد التأسيس أي الإنشاء على المشهور، ما لم ينو كفارة مقابل كل من أيمانه التي كررها، فتتعدد الكفارات عليه في الشيء الواحد يحنث فيه، قال مالك ﵀: فأما التوكيد؛ فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين،،، فكفارة ذلك واحدة،،،»، الموطأ (١٠٢٧).

стр. 1369

• قوله: ١٧ - «ومن قال أشركت بالله، أو هو يهودي، أو نصراني إن فعل كذا؛ فلا شيء عليه، ولا يلزمه غير الاستغفار». سبحان الله، كيف ينطق المسلم بمثل هذا ونحوه من الألفاظ الغليظة المكروهة لله ورسوله وصالح المؤمنين؟، بل إن كثيرا من الناس ليتَفَوَّهُونَ بأعظم منها فلا يكادون يذكرون ربهم إلا في حالة الغضب ساخطين ناقمين، وتأمل كيف ذكر المؤلف هذا اللفظ بضمير الغائب ليتجنب ذكره بضمير المتكلم، فمن قال شيئا من هذا ونحوه ليمنع نفسه من شيء أو يحضها عليه فقد عصى ربه، فلزمته التوبة والاستغفار، لكن لا كفارة عليه، لأن هذا ليس يمينا، أما إن قال ذلك من غير يمين فهي في المذهب ردة، وفي حديث ثابت الضحاك عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام؛ كاذبا فهو كما قال»، رواه الشيخان (خ/ ٦٦٥٢)، والملة بكسر الميم الدين والشريعة، وقد اختلف في معنى قوله ﷺ فهو كما قال، فقال بعضهم ظاهره أنه يكفر بذلك، وهذا والله أعلم إذا طابق قصده قوله من الإخبار عن نفسه بما ذكر، أما إن تخالفا؛ فالأمر ليس كذلك، قال الحافظ في الفتح (١١/ ٦٥٦): «التحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر؛ كَفَر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر: فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك؛ كَفَر، لأن إرادة الكفر؛ كفر، وإن أراد البعد عن ذلك؛ لم يكفر»، انتهى. واعلم أن كون الألفاظ التي ذكرها المؤلف وما كان نحوها لم يلزم منها الردة لأنها خرجت مخرج اليمين، أما من قال: هو مشرك بالله، أو كافر، أو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي من غير ربط؛ فإنه مرتد لأن هذه الألفاظ يحصل بها الارتداد على هذا الوجه في المذهب، قال الدردير في شرح المختصر (٢/ ١٢٨): «فإن كان في غير يمين فردة ولو هازلا».

стр. 1370

• قوله: ١٨ - «ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له؛ فلا شيء عليه، إلا في زوجته، فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج». لا يجوز للمرء أن يحرم شيئا مما أحل الله تعالى ورسوله، ولا أن يحلل شيئا مما حرم الله ورسوله، فإن فعل شيئا من ذلك بالقول؛ فهو معصية، وإن كان بالاعتقاد لما هو معلوم الحرمة بالضرورة؛ فهو كفر، فإن التحليل والتحريم لله تعالى وحده، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧]، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يلتزم تحريم شيء مما أحله الله له بالقسم، فإن فعل ففيه كفارة يمين، لأنه أقسم على فعل معصية، وإن كان بغير قسم؛ فهو لغو لا شيء فيه، إلا الزوجة فإنها تحرم عليه بذلك إلا بعد زوج، إن لم يكن قد دخل بها، فإن كان قد دخل بها ونوى أقل من الثلاث؛ لزمه ما نوى، وهكذا الأَمَة، فإنها متى حرمها، ونوى بالتحريم العتق؛ عتقت عليه، ولا يطؤها إلا بعقد نكاح، لأن تحريمها يتنافى مع ملك اليمين الذي يباح له به وطؤها، قالوا فإن لم ينو العتق بالتحريم؛ فذلك لغو، وإنما استُثنيت الزوجة من تحريم الحلال؛ لأن في إمكان المرء تحريمها بالطلاق والظهار والإيلاء، بخلاف غيرها مما أحل الله، فلا يؤثر ذلك شيئا فيه، ومشهور المذهب أن من قال لزوجته أنت علي حرام، أو أنت حرام، أو أنا منك حرام؛ أنها تحرم عليه إلا بعد زوج، لأن هذا اللفظ إنما يصدق تمام الصدق بالطلاق البائن، فحملوه على أكبر ما يحتمله من المعاني، والموضع اللائق للكلام على هذا الأمر هو كتاب النكاح وتوابعه.

стр. 1371

• قوله: ١٩ - «ومن جعل ماله صدقة أو هديا؛ أجزأه ثلثه». من عين شيئا من ماله نذرا لزمه ما عينه، ولو استغرق مالَه كله على المشهور، فإن قلت: هذا ثقيل، وفيه حرج عظيم، فالجواب: لم يتلاعب المؤمن بدينه؟ ومن ألزمه بذلك وهو في تمام إدراكه واختياره؟، قال الباجي في المنتقى (٣/ ٢٦١): «ومن تصدق بشيء معين وهو جميع ماله فالمشهور من المذهب أنه يلزمه إخراج جميعه وفي النوادر عن ابن نافع يجزئه الثلث»، انتهى، وهذا أولى، أما من قال: مالي صدقة؛ فيكفيه أن يخرج منه ثلثه، فإن قيل: كيف وسع على هذا، وضيق على الذي قبله؟، فالجواب: أن السابق نطق قاصدا ما نذر الصدقة به، وهذا عم ولم يخص. قال مالك: «الذي يقول مالي في سبيل الله، ثم يحنث؛ يجعل ثلث ماله في سبيل الله»، وهو قوله في المدونة أيضا، أما من حدد ما يتصدق به كأن يقول داري أو كذا وكذا فإنه يلزمه ذلك، ولو كان جميع ماله، وهو في المدونة (١/ ٢٤ و ٢٥). قلت: الظاهر عدم الفرق بين من عين شيئا، وكان ذلك جميع ماله، وبين من نذر الصدقة بجميع ماله في كفاية الثلث عنهما لاستوائهما في الواقع، ومما يذكر أن ربيعة كان يرى على من نذر الصدقة بماله كله أن يتصدق بمقدار الزكاة منه، لأن ذلك طهارة له، وقال ابن وهب بقول مالك في الملي، وبقول ربيعة في القليل المال، وبكفارة يمين في الفقير، وانظر النوادر (٤/ ٣٥). وقد روى مالك في الموطإ (١٠٣٣) عن ابن شهاب أنه بلغه أن أبا لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه قال: يا رسول الله، أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأجاورك، وأنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله؟، فقال رسول الله ﷺ : «يجزيك من ذلك الثلث»، وقد وصله أبو داود (٣٣١٩) في سننه، وجاء عن كعب بن مالك نحوه، وهو في

стр. 1372

سنن أبي داود أيضا، واللفظ الذي هنا لا يعطي أنه نذر، بل هو استشارة، لكن إذا نظر إلى كل الروايات أمكن أن ينتزع منها ذلك، إذ لم يأت في بعضها الاستفهام، بل العزم والتصميم، منها قوله: «إن من تمام توبتي،،،» كما هو عند أبي داود، وروي أيضا أن أبا لبابة كان عاهد الله تعالى قبل أن يتوب عليه أن لا يطأ بني قريظة، وأن لا يرى في بلد خان فيه الله ورسوله، ويقوي هذا قوله ﷺ : «يجزيك»؛ فإنه يشعر بلزوم الأصل.

стр. 1373

• قوله: ٢٠ - «ومن حلف بذبح ولده؛ فإن ذكر مقام إبراهيم؛ أهدى هديا يذبح بمكة، وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه». هذا كما لو قال: إن فعلت كذا؛ فعلي نحر ولدي، فإنه مما لا يجوز الحلف به أعني نذره، لأنه معصية، وقال ابن العربي في المسالك في باب الحكم في الصيد: «قال علماؤنا إذا قال الرجل لله علي أن أقتل ولدي فهو عاص لا شيء عليه، وإذا قال: لله علي أن أذبح ولدي؛ فإنه يفديه بشاة»!!، ووجه الفرق ذكر الذبح هنا والقتل هناك، والمقصود أن قائل ذلك يحرم عليه الوفاء بما نذر، والمذهب عدم لزوم التكفير في هذا، لأنهم يقولون لا كفارة في نذر المعصية، وهذا معصية بلا شك، لكن لما كان هذا الالتزام محتملا لوجه صحيح؛ فرقوا بين من ذكر مقام إبراهيم أو نواه، وبين من لم يذكره، فمن ذكره؛ كان ذلك قرينة على أنه أراد الهدي، وقد فدى الله تعالى إسماعيل ﵊ بذبح عظيم بعد أن رأى إبراهيم ﵊ في المنام أنه يذبحه، فمن حصل له ما ذكر؛ لزمه الهدي، فينحر بدنة إن تيسر له، وإلا فبقرة، وإلا ذبح شاة، وقد أفتى بذلك ابن عباس ﵄، رواه سحنون في المدونة (٢/ ٢٧)، وقال مالك فيها: «إني أرى أن آخذ فيها بحديث ابن عباس ولا أخالفه»، انتهى، وكأنه ﵀ رأى أن القياس يقتضي عدم اللزوم، لكنه اتبع الأثر، أما من لم يذكر مقام إبراهيم؛ فقد تمحض نذره للمعصية، فلا كفارة فيه، هكذا قالوا، وقد علمت أن نذر المعصية فيه كفارة يمين.

стр. 1374

• قوله: ٢١ - «ومن حلف بالمشي إلى مكة، فحنث؛ فعليه المشي من موضع حلفه، فليمش إن شاء في حج، أو عمرة، فإن عجز عن المشي؛ ركب، ثم يرجع ثانية إن قدر، فيمشي أماكن ركوبه، فإن علم أنه لا يقدر؛ قعد وأهدى، وقال عطاء: لا يرجع ثانية، وإن قدر، ويجزئه الهدي». من نذر المشي إلى مكة؛ تعين عليه أن يجعل مشيه في حج أو عمرة أيهما شاء، إن كان قد حج حجة الإسلام، لأن الناس إنما يمشون إلى مكة من أجل ذلك. فإن قيل: إن المشي ليس بطاعة فكيف يلزمه الوفاء به؟، فالجواب: أن المشي لمن قدر عليه، يلزم معه الحج، لأنه مستطيع كما تقدم، فهو من الوسائل الواجب اصطناعها حينئذ، وقد اعتبر في كتاب الله تعالى من وسائل بلوغ الحرم، قال ربنا : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فمن نذر المشي لزمه، وهو لا يكون نذر معصية إلا إذا أدى إلى مشقة فادحة، وقد نُص على ما ذكره المؤلف في المدونة (٢/ ٩): «قلت: ويجعلها في قول مالك إن شاء حجة وإن شاء عمرة؟، قال: نعم»، وينبغي أن يمشي في ذهابه كله إلى مكة، حتى ينتهي من سعيه إن اعتمر، ومن طواف الإفاضة إن حج، ويبتدئ المشي من موضع حلفه، فإن عجز؛ ركب، وأتم نسكه، ثم يعود فيمشي المواضع التي ركب فيها، وله أن يركب المواضع التي مشى فيها، فإن علم أنه لا يقدر على مشي تلك المواضع؛ أهدى ولا يلزمه ذلك والذي يترجح هو قول عطاء ﵀ الذي أثبته المؤلف، وهو أنه إن عجز عن المشي أول مرة، فلا يلزمه الرجوع ليمشي ما ركب، بل يكفيه الهدي عن ركوبه لحديث ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا ضعفها،

стр. 1375

فقال النبي ﷺ : «إن الله غني عن نذر أختك، فلتركب، ولتهد بدنة»، رواه أحمد وأبو داود (٣٢٩٦)، وفي رواية: «إن الله لغني عن نذرها، مرها فلتركب»، وفي ثالثة: «لتمش، ولتركب»، فالظاهر أن القادر على المشي؛ يمشي، والعاجز عنه مطلقا أو بعضا يركب ويهدي، وقد روى الشيخان وأبو داود (٣٣٠١) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يهادى بين ابنيه فسأل عنه، فقالوا نذر أن يمشي، فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه»، وأمره أن يركب»، يهادى مبني للمجهول معناه يمشي معتمدا على ابنيه لضعفه. فإن قلت: فما يفعل اليوم من نذر المشي إلى مكة؟، فالجواب: أن المانع اليوم ليس عدم القدرة على المشي فحسب، بل المانع أمور أخرى مستجدة، فمن لم يكن داخل البلاد السعودية أو فيما جاورها؛ فحكمه حكم العاجز عن المشي إذا نذره، وكان قصده المشي لا مطلق الذهاب كما هو العرف عندنا.

стр. 1376

• قوله: ٢٢ - «وإذا كان صرورة؛ جعل ذلك في عمرة، فإذا طاف وسعى وقصر؛ أحرم من مكة بفريضة، وكان متمتعا، والحلاق في غير هذا أفضل، وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج». الصرورة من الصر وهو الحبس والمنع، ويطلق على التبتل وترك النكاح، وعلى من لم يحج هكذا في النهاية، والمراد هنا الأخير، وفي الحديث: «لا صرورة في الإسلام»، رواه أبو داود (١٧٢٩) عن ابن عباس مرفوعا، وسكت عنه، ورمز السيوطي لصحته، وضعفه المناوي والألباني من أجل عمر بن عطاء، وقد بين الغماري أن عمر الذي في الحديث هو ابن أبي الخوار، وأنه ثقة من رجال مسلم، وليس هو ابن وراز الضعيف، انظر المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (٦/ ٥٩٦)، وقال المنذري عن ابن الخوار كما في عون المعبود (٦/ ١٠٧) إنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة. والمراد بالنفي في الحديث النهي، أي لا يصح أن يكون في المسلمين من يستطيع الحج ثم لا يحج، أو من يقدر على النكاح ثم لا يتزوج، وهو تغليظ شديد كأن المخالف ليس بمسلم، ومعنى كلام المؤلف، أن من نذر الذهاب إلى مكة وكان قد حج، أو لم يحج وليس الحج واجبا عليه لعدم استطاعته إياه؛ فإنه يجعل ذهابه في حجة أو عمرة على الخيار، فإن كان ممن لزمه الحج؛ أحرم بعمرة يوفي بها نذره، قيل على سبيل الوجوب، حتى لا ينعقد الإحرام عن حجتين واجبتين، وهما حجة الإسلام، والحجة التي نذرها، وذلك لا يتأتى، وقيل يحرم بالعمرة أولا استحبابا، ولعل القائل به يرى أن حجه ينصرف للواجب الأصلي الذي هو حجة الإسلام فلا تعارض، قال خليل: «وعلى الصرورة جعله في عمرة ثم يحج من مكة على الفور»، ومن أحرم بعمرة وكان الفاصل بينها وبين الإحرام بالحج قصيرا؛ فالأفضل له أن يقصر رأسه، ليستبقي الشعث للحج.

стр. 1377

• قوله: ٢٣ - «ومن نذر مشيا إلى المدينة، أو إلى بيت المقدس؛ أتاهما راكبا إن نوى الصلاة بمسجديهما، وإلا فلا شيء عليه». من نذر المشي إلى مدينة النبي ﷺ ، أو إلى بيت المقدس ردها الله على المسلمين، وأخزى مغتصبيها من اليهود الظالمين، ومناصريهم من الكفرة المعتدين فإن كان قصده المسجدين ليصلي فيهما؛ لزمه السفر إلى كل منهما ولا بد، ولا يلزمه المشي الذي نذره، لأن السفر إليهما طاعة يلزم الوفاء بها، لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، رواه الشيخان عن أبي سعيد وهذا لفظ البخاري، أما المشي فليس طاعة في نفسه، بل هو وسيلة لبلوغ ما نذره، واختلافه عما تقدم في نذر الذهاب إلى مكة واضح، لأن ذلك النذر قد صرف إلى الحج أو العمرة، والقادر على المشي إليها مستطيع، وإن لم يكن قصده المسجدين؛ فلا شيء عليه، بل ولا يجوز له السفر للمدينتين بنية العبادة من غير أن يكون قصده كذلك، وقد جاء في مسجد قباء ما يؤخذ منه لزوم الوفاء بالذهاب إليه وقد كان النبي ﷺ يذهب إليه كل أسبوع، وعدل الصلاة فيه بعمرة، ولعل ذلك لمن كان بالمدينة والله أعلم.

стр. 1378

• قوله: ٢٤ - «وأما غير هذه الثلاثة مساجد؛ فلا يأتيها ماشيا ولا راكبا لصلاة نذرها، وليصل بموضعه». المساجد كلها متساوية في الفضل عدا المساجد الثلاثة، فإن أفضلها المسجد الحرام عند جمهور العلماء، يليه مسجد رسول الله ﷺ ، فالمسجد الأقصى، وعند مالك ﵀ وبعض أتباعه الأول في الرتبة؛ هو مسجد النبي ﷺ ، وسيأتي الحديث عن ذلك في باب آخر، فمن نذر الذهاب إلى واحد منها؛ تعين عليه، إلا أن يكون ساكنا بقرب ما هو أفضل منه؛ فلا يتعين عليه السفر إلى غيره، بل يصلي في الأفضل، والعبرة منه أن البقاع كلها متساوية في المنزلة، فلا يصح أن يطلب شيء منها لبركة المكان، عدا المساجد الثلاثة، أما غيرها من المساجد فلا يصح السفر إليها بنية طلب فضيلة المكان، وإذا كان هذا في المساجد التي هي خير البقاع؛ فكيف بغيرها من الأماكن؟، فكيف إذا كان السفر لأجل المعصية وتقديم النذور، التي لا تكون إلا لله تعالى، أو للتطواف وتعظيم ساكني القبور؟. ولا يصح أن يعترض على هذا بأن الحديث المتقدم ليس على عمومه، فالمراد به على ما ذهب إليه بعضهم أن الرحال لا تشد إلى مسجد عدا المساجد الثلاثة، ولا دخل له فيما خلا من البقاع، فإن الناس يسافرون لغير المساجد الثلاثة، وسفرهم جائز بإجماع المسلمين، هكذا يقولون، والجواب أن النهي المتقدم إنما هو عن السفر لأجل طلب بركة البقعة وفضيلتها، أما السفر المباح والواجب والمستحب كالسفر للتجارة، وصلة الرحم، والجهاد، وطلب العلم، والرباط، والصيد، فإن قصد المسافر هنا ليس خصوص البقعة، بل ما فيها من المعاني التي لأجلها سافر، فلا يدخل في النهي، ومن ثم فلا يصح أن يعترض على من قال بعمومه بمثل ما ذكرت، ولأنه إذا كانت المساجد وهي خير بقاع الأرض لا

стр. 1379

تشد الرحال إلا إلى الثلاثة المذكورة منها، فأحرى أن لا تشد إلى غيرها من الأماكن لطلب فضيلة بقاعها، فإنها دون المساجد في ذلك، ووقوع حدث تأريخي هام في حياة المسلمين بها لا يكسبها الفضيلة الدائمة، وإلا لبينها النبي ﷺ بسنته لأمته، وقد أوكل الله إليه البيان، وقام به من غير توان.

стр. 1380

• قوله: ٢٥ - «ومن نذر رباطا بموضع من الثغور؛ فذلك عليه أن يأتيه». تقدم الكلام على معنى الرباط، وبيان فضله في أثناء الحديث عن الجهاد، ولما كان الرباط قربة، بل من أعظم القربات؛ تعين على من نذره الوفاء به لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه،،، الحديث، لكن إن كان الناذر في موضع رباط هو في الأهمية لحراسة بلاد الإسلام مثل الموضع الذي نذر المرابطة فيه، أو أعظم منه أهمية؛ فإنه يفي بنذره فيه، ولا يسافر للآخر، لأن الغرض ليس خصوص البقعة، بل المعنى الذي فيها كما تقدم، وهو حراسة أرض المسلمين، وإذا كان من نذر أن يسافر إلى مسجد من المساجد المفضلة الثلاثة؛ لا يتعين عليه السفر إن كان مقيما قرب ما هو أعظم فضلا، مع أن المسجد مقصود لذاته؛ فأحرى أن يكون ذلك في الرباط مع أنه ليس مقصودا منه البقعة لذاتها، وأين نحن من الرباط في هذا الزمان؟، لكننا نحمد الله تعالى أن جعل لنا بدائل، عما فاتنا من الفضائل، ومنها الرباط كما قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»، رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1381

٣٢ - باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان هذا بعض ما ترجم به هنا، وهو ثمانية أمور: النكاح وتوابعه من الطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع، وسيأتي بيان معاني ما ترجم له عند الكلام عليه، وقد ابتدأ بالنكاح، وهو في اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وفي الشرع خلاف اللغة، لكن قد يراد به الوطء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإن اعتباره دالا على الوطء الذي لا تحل المطلقة ثلاثا لزوجها الأول إلا به؛ أولى من اعتباره مجملا تفسره السنة مع صلاحية اللفظ للمعنى، ثم وجدت ابن العربي ذكر هذا في أحكام القرآن فانظره. والنكاح هو أحد أمرين لا يحل قضاء الشهوة إلا بواحد منهما، والثاني ملك اليمين لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، فلا تجوز تلك المتعة المنوطة بهما بغيرهما من الوسائل، ومن جملة الممنوع الاستمناء الذي كان العرب يكنون عنه بجَلد عميرة، ودليل المنع ما في الآية من التصريح بأن ما خلاهما اعتداء وظلم، وما كان ربك نسيا، ولأن الله تعالى أمر بالنكاح من قدر عليه، وأمر من لم يقدر عليه بالاستعفاف، فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، وأرشد النبي ﷺ من لم يستطع الباءة إلى ما يستعان به على درء خطر الشهوة، وهو الصوم، فمن تجاوز ما شرع الله له؛ فقد تعدى حدوده، ومن تعداها فقد ظلم نفسه، قال حرملة بن عبد العزيز سألت مالكا عن الرجل يَجلد عميرة؛ فتلا هذه الآية، يعني الآيات الثلاث المتقدمة من سورة المؤمنون. قال ابن العربي ﵀ في أحكام القرآن (٣/ ١٣١) عن الاستمناء بعد أن ذكر تجويز

стр. 1382

أحمد ﵀ له: «عامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به، وقال بعض العلماء إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها؛ لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها»!!، انتهى، وما نقل عن بعض السلف من أنه خير من الزنا لا دليل فيه على جوازه. ولا يحل للرَّجُل من امرأته غير محل الحرث، لقول رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رَجُل جامع امرأته في دبرها» رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁. وحكم النكاح يختلف بحسب حال مريده، وأصله الندب للذي له رغبة فيه، مع قدرته على الإنفاق على زوجته، فإن انضم إلى ذلك خوف العنت على نفسه؛ كان واجبا عليه، ويحرم على من لا قدرة له على مؤنه، بحيث يضيع زوجته فلا ينفق عليها، مع عدم حاجته إليه، لأنه حينئذ ذريعة إلى المحرم، وقد قال النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن مسعود ﵁، والباءة هي القدرة على النكاح. ومن أقدم عليه فليفعل بنية غض البصر، وإحصان الفرج، وإنجاب النسل الصالح الذي يذكر به، ويكون سببا في رفع درجاته، ولا يكون همه مجرد المتعة وسفح الماء، فإن النكاح لم يشرع لذلك وحده، ولذلك كان الزنا ونكاح المتعة محرمين، وليذكر بلذته ما هو أعظم منها من ملاذ الجنة حين يتزوج الحور العين، المطهرات من النقائص حسا ومعنى، فإن كل نعيم في الدنيا يذكر المؤمن به نعيم الآخرة، كي يجتهد في نيل أسبابه، وأعظمها عيشه في كنف دينه، وهكذا كل ما يناله من متاعب ومشاق في طريق الحق ينبغي أن يكون هينا عنده متى كان ذلك من أسباب نجاته مما هو أعظم منه وأشد، وقد جاء أنه ليس في الجنة أعزب، وليتخير المرأة الصالحة ذات الدين التي تعفه، فإن جمعت مع ذلك الجمال؛ فهو مما يبتغيه من النساء الرجال، وليتزوج البكر إلا لمصلحة، وليصرف نفسه أن يتزوج امرأة لمالها أو وظيفتها كما عليه كثير من المعاصرين، وقال النبي ﷺ : «تخيّروا لنطفكم

стр. 1383

فأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم» رواه ابن ماجة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-. قال الشيخ الخرشي في شرحه على المختصر: «وهو باب مهم محتاج إليه لكثرة وقوع مسائله، وفيه فوائد أربع: دفع غوائل الشهوة، والتنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة، والمسارعة إلى تنفيذ إرادة الله تعالى ببقاء الخلق، وإرادة رسوله ﷺ بقوله: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم»، وبقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح»، انتهى بتصرف.

стр. 1384

• قوله: ٠١ - «ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل». أركان النكاح خمسة، أولها: المحل، وهو وجود الزوج والزوجة الخاليين من الموانع، ولم يذكره المؤلف لوضوحه، والثاني: الولي، والثالث: الصيغة، وهي الإيجاب والقبول من الطرفين، وهي دليل الركن الذي هو التراضي، ويغني عنها الآن التوقيع على ما يعده الموثق أو غيره من أعوان الدولة مما يكتبه فإن الإيجاب والقبول دليل الرِّضا، لكن تقديم الإيجاب والقبول على الإمضاء خير، والرابع: الصداق، والخامس: الشاهدان العدلان، لكن الشروط الثلاثة الأول لا بد منها ابتداء، فأما الصداق؛ فلا يشترط في صحة العقد ذكره، لأن نكاح التفويض جائز كما سيأتي، وإن كان يستحب تقديم شيء منه وهو أقله على الدخول، ويستدل لذلك بما رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل بفاطمة ﵄ حتى يعطيها شيئا، فلما قال: «ما عندي شيء»، قال: «فأين درعك الحطمية»؟، والحطمية بضم ففتح، قال في النهاية هي التي تحطم السيوف، والصداق إن اتفق على إسقاطه؛ كان العقد فاسدا، وإن لم يذكر في العقد؛ صح، وعين قبل الدخول، فإن دخل وتنازعا مضى النكاح بصداق المثل، وسيأتي الحديث على الشاهدين. واعلم أنه متى قيل بفسخ النكاح قبل الدخول وثبوته بعده؛ كان «من باب إعادة الصلاة في الوقت، ليُدرَك العمل على سنته، وكمال حسنه»، ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٨٤)، يعني بذلك أن النكاح صحيح. والولي في المذهب وصي، أو قريب، أو مولى، أو سلطان، أو مُطْلَق مسلم، والقريب مرتب فيقدم الابن، فابن ابن، فالأب، فالأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، فالجد، فالعم، فابن العم، ورواية المدنيين عن مالك تقديم الأب على الابن،

стр. 1385

وشرط الولي في تزويج المسلمة؛ الإسلام والبلوغ والعقل، ويشترط في كماله العدالة، والرشد. ودليل شرطية الولي في النكاح قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا أمر مقيد والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو وإن كان في الإماء؛ فقد دل الدليل على عدم الفرق بين الحرة والأمة في هذا الأمر، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وأقوى من هذا قول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي موسى، وهو نص في انعدام ذات النكاح شرعا من غير ولي، أو يحمل على أقرب المجازات وهو انعدام الصحة، ولقول النبي ﷺ : «لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها»، رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي، عن أبي هريرة، قال الألباني في الإرواء (ح/ ١٨٤١) صحيح غير الجملة الأخيرة، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، رواه أصحاب السنن، (د/ ٢٠٨٣)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وأيما من ألفاظ العموم، فلا ولاية للمرأة على نفسها في النكاح من غير فرق بين ثيب وبكر، فإن هذا الحديث مبين للأحقية التي أعطيت للثيب دون وليها، فليس المراد منها إلا القدر المذكور، وهو أن تأمر بالتزويج صراحة، وإن شكك في هذا المعنى ابن رشد في بداية المجتهد، واشتجروا؛ تنازعوا واختلفوا، أي الأولياء المفهوم من ولي، بحيث يمنعون المرأة من النكاح، لا مجرد تشاحهم في الأولوية، فإن تساووا؛ فالعقد لمن سبق منهم، وقوله فالسلطان ولي من لا ولي له»؛ هذا يصدق على من لها ولي، لكنه عضلها، كما يدل على من لا ولي لها أصلا. ولا غضاضة على المرأة في شرطية الولي، فإنها يجوز على قول في المذهب أن تتولى تزويج الرجل بالوكالة، وكيف يكون في ذلك غضاضة والابن يزوج أمه باتفاق الناس، ومن الحكمة في عدم تولي المرأة عقد النكاح بنفسها صيانتها عن حضور المجالس

стр. 1386

العامة لما في ذلك من الاختلاط والتكشف، وإبقاء على حيائها من أن تصرح أمامهم بذلك، قال في الحجة البالغة: «واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن، منشؤها قلة الحياء، واقتضاب - كذا ولعل الصواب وافتيات - على الأولياء، وعدم اكتراث بهم،،،». واعلم أن الشارع باشتراطه تولي ولي المرأة إنكاحها ضمن لها صلتها ببيتها الأول، وأحسن نقلتها إلى بيت جديد، فإذا احتاجت إلى الأول بوفاة زوجها أو تطليقها؛ رجعت إليه، والذين يدعونها إلى الزواج من غير ولي، يريدون اجتثاثها من بيت أوليائها، وقطع صلتها بهم، والطلاق أمر محتمل، وصلة الرحم مطلوبة، وكثيرا ما لا تلتقي مع استئثار المرأة بإنكاح نفسها، ومما يترتب على عدم اشتراط الولي فتح المجال للزنا وتغطيته بدعوى الزواج، وقد جرى الاحتيال على ما في قانون الأسرة وهو بقية أحكام الله عندنا في العلاقات بين الناس مرارا ومن ذلك ما أدخل فيه إرضاء لجهات ناكبة داعية لمساواة المرأة بالرجل من أن المرأة تعقد نكاحها «بحضور وليها»، وهذا يعني إلغاء ولاية الولي عليها في النكاح، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما ذكره ابن رشد ﵀ في بداية المجتهد (٢/ ٨ - ١٢)، وبيان ما فيه حسب ما يسمح به المقام، فقد قرر أن الأدلة التي ساقها من قالوا بشرطية الولي وعدم شرطيته؛ ليست نصا فيما ساقوها له، واحتج بأن الولي لو كان شرطا؛ لما أغفل الشارع بيانه، ولذكر مراتب الأولياء، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولعموم البلوى بهذا الأمر، ولأن الناس كانوا يتزوجون في المدينة، وقد كان فيها من النساء من لا ولي لها، ولم ينقل عنه ﷺ أنه كان يعقد أنكحتهم، ولا نصب لذلك من يعقدها، وذكر أن هذا الأمر لو كان شرطا؛ لكان ينبغي أن ينقل نقلا متواترا، أو قريبا من التواتر، وكرره أكثر من مرة، وقرر أن الحديث إذا لم يكن متفقا على صحته؛ فلا يجب العمل به، هذا معنى ما قاله في كتابه عن اختلاف العلماء في شرطية الولي، فارجع إليه. وما قاله من أن الحديث إذا لم يتفق على صحته لا يجب العمل به؛ مردود لا يحتاج إلى بيان، سواء أراد به اتفاق المسلمين على صحته، أو اتفاق الشيخين، فإن لازم هذا؛ أن كثيرا من الأحكام يسقط وجوب العمل بها، بل تسقط معظم مباحث كتابه نفسه، وهي زلة

стр. 1387

عظيمة منه ﵀، وقد كررها في غير موضع من كتابه، فوجب التنبيه، وهكذا ما اشترطه لإثبات لزوم الولي من التواتر أو ما هو قريب منه، وحسبك من ذلك أن تغسيل الميت ليس فيه إلا حديث واحد، وإنما الذي ينبغي أن يقال: إن ما اتفق عليه الشيخان هو مما تلقته الأمة بالقبول فيتعين العمل به عند المسلمين، بل ويحصل به العلم، وقد يستثنى من كان عالما بالحديث إذا ضعف شيئا منها، كما يستثنى من اتبعه غير متعصب له، وما ليس فيهما، أو أحدهما؛ فإن من صح عنده الحديث من العلماء المختصين؛ لزمه العمل به ولا بد كما يلزم من اتبعه، ومن لا فلا، إلا أن يدل على ذبك دليل آخر إذ لا حصر للاستدلال في الحديث. ومن هذا القبيل حديث «لا نكاح إلا بولي»، فإنه ثابت عند فريق من أهل العلم، منهم علي بن المديني، والترمذي، وابن حبان، وغيرهم من الجهابذة، ومثله أحاديث أخرى مصرحة ببطلان النكاح من غير ولي، وظواهر القرآن وعموماته تؤيد تلك النصوص، وحكى ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وبهذا يتبين أن التسوية في الاستدلال بين الفريقين ليست كما ينبغي. وقوله بعدم بيان الشارع مراتب الأولياء ممنوع، فإن الشارع قد طلب استئذان البكر واستئمار الثيب، فمن الذي يوجه إليه الأمر بذلك ابتداء؟، وهل يعقل أن يحيل الشارع على المجهول في هذا الأمر؟، وقد قرر أهل الأصول تعذر توجيه الأمر للمجهول في باب الواجب الكفائي، فمن قيل إنه هو الذي يستأمر أو يستأذن فهو الولي، فلما قال النبي ﷺ : «وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»؛ عقلنا أن الأولياء قد يتفقون، فلا إشكال، ولا يمكن أن يكون الأولياء هنا عامة المسلمين، وإن كان بعضهم أولياء بعض بنص القرآن، بل المراد أولياء معينون، فإن اختلفوا؛ بحيث يمنعون المرأة من النكاح وهذا معنى الاشتجار؛ زَوَّجَ السلطانُ، ولما قال فالسلطان ولي من لا ولي له»، عقلنا أن هناك أولياء يسبقون السلطانَ في الرتبة، ولا يصح الافتيات عليهم بسلبهم الحق في تزويج نسائهم ولو من السلطان نفسه، ثم تطلبنا مراتبهم في الأحقية فكان الاعتبار بقوة تعصيبهم في الميراث، وهذا سند لا ينبغي الارتياب فيه، وقد علمت تلك المنازل فيما سبق على اختلاف العلماء فيها.

стр. 1388

أما ما ذكره ﵀ من وجود نساء في عهد النبي ﷺ لا أولياء لهن، ولم يُذكر أن النبي ﷺ زوجهن، ولا نصب من يزوجهن؛ فإنه من الأعاجيب في دفع العمل بالدليل، والتفصي منه بالقال والقيل، وما ذا لو قلبنا هذا الأمر على قائله، فقلنا هلم مثالا واحدا على أن امرأة زوجت نفسها من غير ولي، وأقر النبي ﷺ نكاحها، على أنه لو حصل؛ لما كان مستبعدا، ولو وقع هذا لما اختص بحكم الولي من بين سائر الأحكام، فإن التكليف مشروط بالعلم والاستطاعة، وبيان النبي ﷺ للشرع بقوله كاف، فمن علمه؛ لزمه العمل على وفقه، ومن لم يعلمه؛ فإنه غير ملوم لانعدام الشرط، ثم إن ما قاله غير مُسَلَّمٍ، فإن أخبارا عدة قد وردت بتزويج بعض الناس بناتهم أو غيرهن فبين الشارع حكم ذلك، ورد بعض الأنكحة، وخير النساء في بعضها، وجاءته الواهبة نفسها فزوجها من غيره، والظاهر من هديه أنها لم يكن لها ولي، وقد ترجم البخاري على الحديث بقوله: السلطان ولي، وهذا كاف في البيان والله المستعان، والمهتدي من هداه الله، وبعد كتابة هذا وقفت على كلام نفيس للعلامة الكحلاني في سبل السلام (٣/ ١٢٠) يرد فيه على تلك الشبهات التي في كلام ابن رشد، فارجع إليه إن شئت.

стр. 1389

• قوله: ٠٢ - «فإن لم يشهدا في العقد؛ فلا يبني بها حتى يشهدا». المذهب صحة عقد النكاح إذا لم يُشهد الطرفان عليه شاهدي عدل، لكن يلزم الإشهاد ولا بد قبل الدخول، فهو شرط في صحة الدخول لا في صحة العقد، فإن تم الدخول من غير إشهاد؛ فسخ، ولا يحدان إن اشتهر أمر الزواج بنحو دخان، أو دف، أو وليمة، فإن لم يشتهر؛ حدا لما في ترك ذلك من الذريعة إلى الفساد، إذ لا يشاء أحد أن يزني إلا زنى، ثم يزعم أنه تزوج، فقاومت هذه الذريعة الخطيرة الشبهة التي تدرأ الحد، وسد الذرائع إلى الفساد أصل اشتهر به مذهب مالك، وإنما قالوا بعدم شرطية الإشهاد في صحة العقد؛ لتشبيهه بعقود البياعات والإجارات، إذ لا يجب الإشهاد فيها، مع أن في ذلك نزاعا. وقد دل على شرطية الإشهاد على النكاح قول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، رواه البيهقي عن عمران بن حصين وعائشة ﵄، ورواه ابن حبان في صحيحه عنهما نحوه، وروى الطبراني عن أبي موسى مرفوعا: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»، وهذا مطلق يحمل على المقيد، فتكون العدالة مشترطة كما هو المذهب، وما أقلها في هذه الأعصار، فليعمد إلى كثرة الشهود كما قالوا، وقد رجح القرطبي في تفسيره القول باشتراط الشاهدين في صحة العقد، إذ قال: «قول الشافعي أصح للحديث الذي ذكرناه». وقد احتج أبو الوليد الباجي ﵀ على عدم الشرطية بحديث أنس ﵁ قال: «أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت، فألقي فيها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟، قالوا: إن حجبها؛ فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها؛ فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل؛

стр. 1390

وطأ لها خلفه، ومد الحجاب»، رواه البخاري (٤٢١٣)، قال الباجي في المنتقى (٣/ ٣١٣): «فوجه الدليل من هذا الحديث؛ أن أصحاب النبي ﷺ قالوا إن حجبها؛ فهي من أمهات المؤمنين، ولو كان أشهد على نكاحها؛ لعلموا ذلك بالإشهاد»، انتهى. قلت: قول أنس فقال المسلمون … ؛ لا يلزم منه أن يكون جميعهم لم يعلموا، فإن المطلوب في النكاح شاهدان فحسب، والناس في سفر، كما أنه لا ضير إذا لم يعلم أنس ﵁ بذلك. فإن قيل: كيف لا يعلم وهو خادم النبي ﷺ ؟؛ فالجواب: أن ذلك لا يقتضي علمه بكل أحواله، ولا يلزم أن يتم العقد في مكان أنس موجود فيه، ومما يلزم من احتج بهذا الحديث على أن النكاح يصح من غير إشهاد؛ أن يسقط الإشهاد من النكاح جملة، عند العقد وعند الدخول، لأن الصحابة على قول من احتج بالحديث لم يعلموا بزواج النبي ﷺ من صفية إلا بعد بنائه بها بثلاثة أيام كما هو ظاهر الخبر، أعني لم يعلموا أهو نكاح أو ملك يمين، ولو قيل إن نكاحه ﷺ إياها لم يشهد عليه غير أنه شاع؛ لما قبل هذا أيضا من قائله، وإن كان شيوع النكاح كافيا، لأنه إذا احتج بالحديث على عدم الإشهاد؛ فأحرى أن يستدل به على عدم الشيوع، وكل دليل من الكتاب أو السنة احتج به على غير ما هو له فأنت واجد فيه إن شاء الله توفيقك ما يرد ذلك الاحتجاج، لكن ينبغي أن يوضع في الحسبان بعد هذا البيان أن عدم اشتراط الإشهاد حال العقد هو قول عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير والحسن بن علي وعبد الرحمن بن مهدي، وممن قال بلزوم الإشهاد عند العقد الأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل وقبلهما عبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن المسيب، ذكرهم الباجي في منتقاه، فالحاصل أنه لا بد من إعلان النكاح؛ فإن تم باستفاضة الخبر كفى، وإلا فلا بد من الشاهدين، وقد رجح ابن تيمية مذهب أهل المدينة في هذا الأمر، فلينظر مجموع الفتاوى (٣٢/ ١٢٧).

стр. 1391

• قوله: ٠٣ - «وأقل الصداق ربع دينار». الصداق بفتح الصاد وكسرها؛ يجمع قياسا على أفعلة، أي أصدقة، قال ابن مالك: في اسم مذكر رباعي بمد * ثالث أفعلةُ عنهم اطرد». ويقال أيضا صدُقة وجمعها الصدُقات بضم الدال فيهما، والصداق حق للمرأة بالعقد، لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، وقد أبطل الله تعالى بهذا ما كان عليه أمر الجاهلية، كان الزوج يعطي المال لولي المرأة، ويسمونه حلوانا، فجعله الله تعالى للمرأة خالصا، وسماه نحلة، وهي العطية بلا قصد عوض، فهو منحة وإكرام من الرجل للمرأة، وليس في مقابل الاستمتاع، وإن قال به كثير من العلماء، حتى إنهم قيدوا البيع في تعريفه بما يخرج النكاح منه، فقالوا في تعريفه: «عقد معاوضة على غير منافع، ولا متعة لذة»، ولأنه لو كان في مقابل الاستمتاع؛ لكان على المرأة أن تعطي للرجل صداقا، لأن الاستمتاع قدر مشترك بينهما، فيسقط من الجانبين، فكما أن الاستمتاع حق له عليها، فهو حق لها عليه، ولهذا إذا كان لا قدرة له على إعفافها؛ ساغ لها أن تطلب مفارقته، كما يلزم بالفيئة إذا آلى، وإلا طلقت عليه، لأن في ذلك إضرارا بها، ثم إنه لو كان الصداق عوضا عن الاستمتاع؛ لكان ينبغي تجديده بتجدد ما هو عوض عنه، فإن هذا هو شأن الأعواض كلها، وما علمنا بعوض لم يحدد له حد أدنى، ومع ذلك يستمر طول الحياة، ومما يدل على ذلك أيضا؛ ما جاء من الترغيب والحض على تقليله والتياسر فيه، فإن الشارع لم يعهد منه التدخل في الأعواض تدخله في أمر الصداق حتى قبل فيه خاتم حديد، واعتبر الشرع أكثر النساء بركة؛ أيسرهن مهرا، وكان يلزم أهل المذهب أن يقولوا بهذا المعنى، لأنهم جعلوا أقله ربع دينار، واعتبروه حقا لله تعالى لا يجوز التنازل عنه كما سيأتي.

стр. 1392

ولعل المراد من الصداق في الأصل التفريق بين المخادنة المحرمة، والزواج المباح الذي تكون به المرأة خاصة بزوج واحد، ومن ذلك أن الزوج يبرهن أنه قادر على الإنفاق على زوجته، وتسمية الله تعالى له أجرا في أكثر من آية لا يدل على خلاف ما قلنا، فإنه سبحانه سماه أيضا بغير ذلك الاسم، كالنحلة والصدقة وهي من الصدق، على أن الأجر في العربية لا يقع دائما في مقابل منفعة تلحق معطي الأجر كما لا يخفى، ومعنى الأجر في النكاح كما قال الراغب في مفردات القرآن أنه كناية عن المهر، ويذكر هنا ما قاله ابن المنير ونقله الحافظ في الفتح في كتاب النفقات الباب الأول: «تسمية النفقة صدقة؛ من جنس تسمية الصداق نحلة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل؛ كاحتياجه إليها؛ في اللذة، والتأنيس، والتحصن، وطلب الولد؛ كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أن الله خص الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم جاء إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة»، انتهى، والعلم عند الله. والصداق عند أهل المذهب فيه جانبان تعبدي هو حق الله تعالى، وهو أقل ما يجزئ فيه، فلا يجوز التنازل عنه من المرأة، وما زاد على ذلك؛ ترك لطرفي النكاح يتفقان عليه، ولهذا كان له في المذهب حد أدنى، وهو ربع دينار ذهبي، وهو ٠٦، ١ غ، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أي ٩ غ تقريبا، أو قيمة كل منهما من العملات، أو ما يعادلها من العروض، ويشترط فيه ما يشترط في الثمن من الطهارة والانتفاع والقدرة على التسليم، وهذا وجه قول خليل: «الصداق كالثمن»، ولا حد لأكثره لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وإن كان التغالي في المهور مكروها عند الإمام وغيره، لما ورد من امتداح المرأة القليلة المهر، وما قاله بعض أهل العلم ومنهم الشبخ مشهور بن حسن سدده الله من أن المرأة إذا خطبها من ترضى أمانته ودينه وأصدقها مهر مثيلاتها يلزمها القبول اعتمادا على حديث: «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»، رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة، وهو في الصحيحة برقم (١٠٢٢)، قلت الاستدلال بالحديث على ما ذكر ليس بالبين، والله أعلم.

стр. 1393

وقد رأوا أن أقرب ما يمكن اعتماده في بيان حده الأدنى مما له به شبه؛ هو نصاب القطع في السرقة، وهذا مع ما فيه من الشناعة؛ فقد وقع في مقابل النص، فيكون فاسد الاعتبار، والمقيس عليه؛ هو نصاب القطع في السرقة، وهو ربع دينار، بجامع استباحة العضو المحرم!!، قال مالك في الموطإ: «لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع»، مع أنه ﵀ قد روى في موطئه حديث سهل بن سعد الساعدي في الواهبة نفسها، وفيه قول النبي ﷺ لمن أراد تزوجها: «التمس ولو خاتما من حديد»، ولهم في الجواب عنه آراء هجرانها أولى. قال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٦٢): «وقد ضعف جماعة من المالكية هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة؛ ليس بالبين، لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز، ونحوه لعبد الله بن الفخار منهم، ثم قال الحافظ: «نعم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾، يدل على أن صداق الحرة؛ لا بد أن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر، يحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة»، انتهى، قال كاتبه: هو دال على ارتفاع مهر الحرة على الأمة بحسب الواقع، وليس بحسب الشرع، فلا يتم المراد، ولأن أهل المذهب لم يفرقوا في أقل الصداق بين الحرة والأمة، ولأنه لا خلاف أن الصداق إنما يتحدد باتفاق الطرفين، فإذا طلب من الزوج ما لا يقدر عليه؛ كان غير مستطيع، ثم وجدت صاحب الاستذكار قد أشار إلى بعض ما قلت، وكما أنه لا حجة في هذه الآية، فلا حجة في قوله سبحانه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فالصواب إن شاء الله: ترك التحديد، وهو قول ابن وهب ﵀ انفرد به من بين أصحاب مالك، قاله في الاستذكار (٥/ ٤١٠)، إذ يرى جواز النكاح على الدرهم والنعل والسوط، وهو في شرح أبي الحسن (٢/ ٣٠٣) بالنقل عن اللخمي، وعدم التحديد هو قول أكثر علماء المدينة كسعيد بن المسيب وابن شهاب ورييعة شيخي مالك، قاله ابن عبد البر في الكافي، وقد قال الدراوردي لمالك رحمهما الله حين سمعه يذكر هذا القياس: «تعرقت يا أبا عبد الرحمن»، يعني اتبعت القياس كأهل العراق. قلت: ولو كان هذا القياس صحيحا ما كان فيه بأس، فإن القياس لا يختص به أهل العراق، وإن كانوا قد أكثروا منه.

стр. 1394

• قوله: ٠٤ - «وللأب إنكاح بنته البكر بغير إذنها، وإن بلغت، وإن شاء شاورها، وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره؛ فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها، ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول». لما كان الولي شرطا في صحة النكاح، وكان الأولياء مختلفين في إجبار من هم أولياء عليهن؛ بين هنا ما للأب من الخصوصية في تزويج بنته الصغيرة، والبكر وإن كانت بالغة من غير اشتراط رضاها، فيجوز له أن يزوجها بمن يرى، ولو كان دونها قدرا وحالا، ما لم يكن فيه إضرار بها كتزويجها من مجبوب، وأبرص، أو مجذوم، أو مجنون يخشى عليها منه، قالوا: كما له أن يزوجها على أقل من صداق مثلها، دون غيره من الأولياء، والمراد بالبكر من لم يسبق لها أن أنكحت، أو أنكحت ولم يدخل بها، أو دخل بها، ولم توطأ، ما لم تطل إقامتها عند الزوج، ويدخل في البكر من ثيبت بزنا، ومن كانت عانسا، وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها، فهذا حكم الأب مع البكر، لكن يستحب له إن كانت بالغة مشاورتها، وأن لا يزوجها من قبيح منظر، ولا من أعمى، ولا من أشل. واعلم أن البكر إما صغيرة لم تبلغ، وإما بالغة، فالأولى يجوز تزويجها جبرا من الأب باتفاق أهل العلم إلا من شذ، بل نُقل على جوازه الإجماع، ودليله قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، ووجه الدلالة منه أن الشارع ألزم من لم تحض بالعدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة إلا من طلاق، ولا يكون الطلاق إلا بعد النكاح، ولما كانت الصغيرة لا رأي لها؛ فمشاورتها وعدمها سواء، لكن تسليم إمضاء تزويج الأب بنتَه الصغيرة من غير رضاها؛ لا يلزم منه تسليم جواز تزويجها ممن فيه إضرار بها في عشرتها، كما ذكروا في الأعمى، والأشل، وقبيح المنظر، ثم إن كونها لا رأي لها لا يسلم على إطلاقه، فإنها إن كانت مميزة؛

стр. 1395

كان لها رأي، بدليل صحة بيع الصبي عندهم، وإن توقف على إمضاء وليه، وإن كانت غير مميزة؛ فلينظر في جدوى تزويجها، والاحتجاج للمسألة بتزويج أبي بكر عائشة للنبي ﷺ ، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع؛ قوي، ودعوى الخصوصية لا تقبل من القائل بها، ولكن الرجل إذا كان عالما بموافقة ابنته على الزواج؛ فلا ينبغي أن يختلف في إمضائه، ولا علم عندنا بما جرى في ذلك التزويج من التفاصيل. وقد صار تزويج الصغيرة في هذا الزمن مما يتعجب منه بعضهم كيف يشرعه الله تعالى؟، وقد رأيت بعض المنسوبين للعلم يقيده بتسع عشرة سنة وما دريت ولا إخالني أدري من أين استقى هذا القيد إلا أن يكون ذلك مِنْ خبراء الأمم المتحدة الذين صاروا يقترحون على المسلمين السن التي يباح فيها تزويج نسائهم، والحكم كما علمت قرآني والقرآن لم يوجب تزويج الصغيرة، ولكنه لم يمنع ذلك، ومن أنكر الجواز بإطلاق فما بي من حاجة إلى ذكر موقعه من الدين، وقد روى النسائي عن بريدة بن الحصيب قال: خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة -رضي الله تعالى عنها- فقال رسول الله ﷺ : «إنها صغيرة»، فخطبها علي فزوجها منه، قال الألباني بسند صحيح، قال السندي: «فيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى الألفة، نعم قد يترك ذلك لما هو أعلى منه كما في تزويج عائشة -رضي الله تعالى عنها-» انظر التعليقات الرضية للألباني (٢/ ١٥١). أما البكر البالغ؛ فقد أثبت مالك في موطئه أثرين عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهما كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن، ونقل عنهما وعن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون في البكر يزوجها أبوها بغير إذنها؛ إن ذلك لازم لها، واحتج بعمل أهل المدينة فقال: «وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار». وقد احتج لتزويج الأب بنته البكر من غير رضاها بمفهوم المخالفة في قول النبي ﷺ : «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت؛ فهو إذنها، وإن أبت؛ فلا جواز عليها»، رواه أبو داود (٢٠٩٣) والترمذي (١١٠٩) عن أبي هريرة، وحسنه، قالوا هذا دليل على اختلاف اليتيمة عن غيرها فلا تستأمر، وهذا كما ترى اعتماد على مفهوم اللقب، وهو من أضعف المفاهيم، وقالوا إن تسمية المرأة يتيمة هنا باعتبار ما سبق، وهو موت أبيها قبل بلوغها،

стр. 1396

وإلا فإن من بلغت لا تدعى يتيمة، فالمراد باليتيمة البكر البالغة، هذا معنى ما قاله الخطابي في معالم السنن، والمسألة مبنية على جواز إطلاق الوصف بعد مفارقته الذات، وفي ذلك أقوال ذكرها صاحب المراقي في الأبيات (١٨١) إلى (١٨٤)، وقد بنوا عليها حكم من قذف مطلقته قبل زواجها، هل يلاعن أو يحد؟، وحمل لفظ اليتيمة على البكر البالغة مجاز مفتقر إلى دليل صارف عن الحقيقة فأين هو؟، ولذلك فالظاهر صحة الاحتجاج بهذا الحديث على جواز تزويج اليتيمة، ومعنى لا جواز عليها، أي فلا تعدي عليها بإجبارها على النكاح. ومن الأدلة على تزويج الأب بنته البكر من غير رضاها عندهم؛ قول النبي ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها»، رواه مالك (١١٠٣) ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس، ووجه الدليل منه أنه أثبت الحق للثيب في الزواج، ومعناه عند الجمهور؛ أنها لا تزوج إلا برضاها، وتصريحها بقولها، فدل على أن البكر بخلافها، وهذا ليس بجيد، فإنه كما ترى ليس فيه إلا التفريق في درجة التعبير عن قبول الزواج من الثيب والبكر، مراعاة لطبيعة كل منهما، وما هي عليه من الخصوصية، ومن الخفر والحياء، ولأن الحديث ذكر استئذان البكر، فيكون الاستئذان مطلوبا، والظاهر وجوبه، إذ كيف يقال بوجوب الاستئمار، وندبية الاستئذان وهما في سياق واحد؟، وبعد ذلك فما الفائدة من الاستئذان إذا أبت فزوجت من غير قبولها؟، يقويه أنه اعتبر إذنها وهو صماتها أي سكوتها، فإذا أبت؛ فلا يصدق عليها أنها أذنت، وقد اعتل بعض أهل العلم بأن الاستئذان لا يراد منه هنا إذن المرأة المراد تزويجها، قالوا: يدل عليه قول النبي ﷺ : «آمروا النساء في بناتهن»، رواه أبو داود (٢٠٩٥) عن ابن عمر، قالوا وليس المراد أنهن إذا أبين تزويج بناتهن لا يمضي تزويج الآباء. قلت: هذا غريب، فإنه إذا صح هذا؛ وقد جاء ما يصرفه عن ظاهره؛ فأين ما يصرف استئذان البكر عن ظاهره؟، ثم إن الأول استئذان في الغير، وهذا استئذان في النفس، فكيف يسوى بينهما؟. أما مالك ﵀؛ فقد حمل البكر في الحديث على من لا أب لها، روى ذلك عنه ابن

стр. 1397

القاسم وابن وهب وعلي بن زياد كما في المدونة، ولعل سبب الحمل ما سبقت الإشارة إليه مما ذكره من الآثار في تزويج الأبكار من غير استئذانهن، مع شيوع ذلك في المدينة، وقد رد الباجي في المنتقى (٣/ ٢٦٦) رواية مسلم التي صُرح فيها بالفاعل، أعني قوله ﷺ : «يستأنذنها أبوها»، بترجيح الرواية التي بُني فيها الفعل لما لم يسم فاعله، أعني قوله والبكر تستأذن، وهذا ليس بشيء، فإن الروايتين لا داعي للترجيح بينهما، فإن إحداهما من تصرف الرواة بلا ريب؛ متى كان الحديث واحدا، ولم يرد ما يدل على تكريره منه ﷺ ، ولأن التصريح بالفاعل هو الأصل. ثم رجح الباجي ما ذهب إليه بما جاء من ذكر اليتيمة في بعض الأحاديث، وهذه اللفظة إن جاءت في الحديث نفسه؛ كانت شبهة قوية، وإن جاءت في غيره من الأحاديث فلا منافاة، لما تقدم من أن لفظ اليتيمة مفهوم لقب، ومما احتج به مالك على تزويج الأب البكر البالغ من غير موافقتها قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]، ولم يذكر مشورة، وهو من سماع ابن القاسم عنه كما في النوادر (٤/ ٣٩٤). وعدم ذكر المشورة في السياق بعد تسليم الاستدلال بشرع من قبلنا، وهو معروف عن مالك، عده من أصوله غير واحد من أعلام المذهب؛ لا يدل على عدم وجودها، والتي تزوجها موسى ﵊ يظهر أنها هي التي أرسلها إليه أبوها، فقالت له: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، وهي التي اقترحت على أبيها أن يستأجره لقوته التي رأتها، وأمانته التي خبرتها، فأي مشورة بقيت على أبيها تجاهها وقد صدر عنها هذا الامتداح إذا سلمنا أنه لم يشاورها؟، ولو سلمنا ذلك؛ فإن هذا شرع من قبلنا، والخلاف فيه معروف؛ لو لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وقد ترجم البخاري بقوله: «لا يُنكح الأبُ وغيُره البكر والثيب إلا برضاهما»، وأورد تحت الترجمة قول النبي ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟، قال: «أن تسكت»، قال الحافظ: «إن الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة، بكرا كانت أو ثيبا، صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر

стр. 1398

الحديث، لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى، لأنه لا عبارة لها»، انتهى، كما أطلق في ترجمته على حديث خنساء بنت خدام (خ/ ٥١٣٨)، وقد رواه مالك في الموطإ، وهي التي زوجها أبوها وهي كارهة فرد النبي ﷺ نكاحها بقوله: «إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة؛ فنكاحه مردود»، ولعله لم يقيد الرد بالثيوبة؛ للعلة الجامعة، وهي كراهة التزويج من الثيب والبكر، أو لأن الحديث وإن لم يذكر فيه غير الثيب؛ فقد دل الحديث الآخر على استئذان البكر، فراعاه في الاستنباط، وفقه البخاري كما قيل في تراجمه، وعلل الحافظ إطلاق البخاري بما في بعض الروايات من أن التي رد نكاحها كانت بكرا. ومن الأدلة على رد نكاح البكر إذا زوجت بغير إذنها؛ حديث ابن عباس ﵄ أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة؛ فخيرها النبي ﷺ «رواه أبو داود (٢٠٩٦)، وفيه مع ذلك حجة لمن قال يزال ما في العقود من الفساد، ويبقى عليها، متى أمكن ذلك، وقال النبي ﷺ : «استأمروا النساء في أبضاعهن» رواه أحمد والنسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-. أما غير الأب من الأولياء وصيا كان أو غيره؛ فلا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، فإذا بلغت استؤذنت، وإذنها صماتها على ما ورد في الحديث المتقدم، وهكذا إذا قبلت باللفظ، خلافا لمن جمد على اللفظ، وسيأتي أن الوصي مثل الأب في الإجبار بشروط، وفي المذهب جواز تزويج اليتيمة، أعني التي لم تبلغ الحلم بشروط ذكرها خليل في مختصره وغيره، وقد سبق أن لفظ اليتيمة حقيقة فيمن لم تبلغ، فلا يصرف إلى البالغة إلا بدليل، وانظر في تزويج اليتيمة مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٢/ ٤٨). ومن زالت بكارتها بعارض كالقفز أو الحيضة القوية أو الحادث أو بزنا؛ فإنها لا تعطى في المذهب حكم الثيب، وهكذا من ثيبت قبل البلوغ؛ فإنها تعامل معاملة الصغيرة، فلا يزوجها إلا الأب أو وصيّه بشروط على ما تقدم، أما الثيب فلا يزوجها أب ولا غيره إلا برضاها بالقول، وقد نقل على ذلك الإجماع.

стр. 1399

• قوله: ٠٥ - «ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها، كالرجل من عشيرتها، أو السلطان». قد تقدم اشتراط الولي في النكاح، وأن المرأة لا تتولى العقد بنفسها، وأشار هنا إلى أنواع الأولياء، وهو قول لعمر بن الخطاب ﵁ في الموطإ بلاغا عن سعيد بن المسيب أنه قال فذكره، ووصله الدارقطني في كتاب النكاح (٣٢) من سننه عن سعيد، لكن لفظ «كالرجل من عشيرتها»؛ ليس من قول عمر، فيظهر أنه تفسير مالك نقله المصنف. وقد اختلف في كلام عمر في موضعين: في معنى ذي الرأي، وفي لزوم ترتيب الجهات الثلاثة المذكورة، أما الاول فقال مالك: «فذو الرأي من أهلها الرجل من العشيرة أو ابن العم، أو المولى، وقال ابن نافع هو الرجل من العصبة، وذو الرأي قيل ذو الصلاح والفضل، وقيل هو الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور»، انظر شرح أبي الحسن، وعلى هذا التفسير لذي الرأي من أهلها، يكون المراد بالولي في قول عمر نوعا من الأولياء، وهو الأقرب الأقعد بالمرأة، ويدخل في هذه المرتبة الكافل على المذهب لأنه مقدم على السلطان. وأما الثاني فإنه إذا وجد أكثر من جهة من هؤلاء؛ فقد وقع النزاع هل يجب الترتيب بحيث لا يزوج القريب إلا إذا فقد الأقرب، أو يجوز من غير ترتيب إذا وافق المزوج وجه الصواب من الكفاءة والمصلحة، ولو كان ذلك مع الكراهة، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٩١): «قول عمر اختلف فيه أصحابنا على قولين: فمنهم من قال: إن قوله وليها أو ذو الرأي من أهلها أو السلطان أن كل واحد من هؤلاء جائز نكاحه ونافذ فعله إذا أصاب وجه الصواب من الكفاءة والصلاح، وقال آخرون أراد بقوله وليها أقرب الأولياء وأقعدهم بها، وأراد بقوله ذو الرأي من أهلها عصبتها أولو الرأي، وإن بعدوا منها في النسب، إذا لم يكن

стр. 1400

الولي الأقرب، وكذلك السلطان إن لم يكن ولي قريب، وجعلوا قول عمر على الترتيب لا على التخيير»، انتهى. قلت: والترتيب هو قول اللخمي، والتخيير قول الباجي، أشار إليه ابن ناجي في شرحه، وقد أشار خليل إلى المشهور بقوله: «وبأبعد مع أقرب، إن لم يجبر»، انتهى، يعني فلو زوجت المرأة البالغة البكر بالولاية العامة، مع وجود وليها المجبر كالأب في ابنته؛ فإن النكاح في المذهب فاسد، ويفسخ أبدا، ولو أجازه المجبر، انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ٢٢٦)، فليعتبر بهذا الذين يزعمون أنهم مالكيون، ثم لا تمنعهم تلك الدعوى من ارتكاب حماقات تخالف الحق ثم المذهب الذي يحاجون غيرهم بما فيه، فيركبون الأحموقات والمجازفات التي تقطع صلة المرأة بأهلها فتكون إضرارا بها وهم يزعمون أنهم يلهثون وراء مصلحتها.

стр. 1401

• قوله: ٠٦ - «وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا». يعني بالأجنبي من له على المرأة ولاية الإسلام فحسب، ومشهور المذهب أن الدنية من النساء، وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال، ولا مال ولا حال، ولا قدر، وقيد بعضهم بما إذا كانت في قرية لا سلطان فيها، فهذه يختلف أمرها عن غيرها، فيجوز نكاحها بإذنها بالولاية العامة مع وجود الولي الخاص رعاية للمصلحة إن لم تكن مجبرة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وعللوا ذلك بأنها يتعذر عليها رفع أمرها إلى الحاكم، فلو كلفت ذلك؛ لأضر بها وتعذر إنكاحها، قاله الباجي، ولأن الوالي لا تلحقه معرة من زواجها كالشريفة، والرواية الثانية لأشهب عن الإمام أن الشريفة والدنية ومن لا خطب لها في ذلك سواء، وهذه الرواية هي التي ينصرها الدليل العام، قال ابن العربي كما في المسالك: «وتارة ألحق الدنية بالشريفة أخذا بعموم الحديث، وهو الأسلم في النظر، والأسلم في الحسب، فإن تعيين الدنية من الشريفة يعسر في المراتب، فسد الباب أولى»، انتهى، وإذا كان المراد من القول الأول تيسير سبيل التزويج على ما علل به الباجي؛ فإن القول الثاني لا يمنع التيسير متى قام داعيه، من غير فرق بين دنية وشريفة.

стр. 1402

• قوله: ٠٧ - «والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق، وإن زوجها البعيد مضى ذلك». لما قدم الكلام على الولي عموما أشار هنا إلى ترتيب الأولياء الذين يتعددون حسب الأحقية في إنكاح المرأة الثيب، والمذهب مراعاة أحقيتهم في الميراث في الجملة، فأولاهم الابن وإن من زنا، فابنه، فالأب، فالأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، فالجد، فالعم، فابن العم، وقيل يقدم الجد على الأخ لكون الجد أبا، وتقديم الابن على الأب هو المشهور، لأنه أقوى منه في التعصيب، وهو قول ابن القاسم، وهو تحصيل المذهب من أصحاب مالك المصريين، وقيل إن الابن لا ولاية له على أمه إلا أن يكون من عشيرتها، لأنه لا ينسب إليها، ورد هذا بتزويج عمر بن سلمة أم سلمة ﵃ من النبي ﷺ ، رواه أحمد والنسائي عنها، لكن الاحتجاج به على تقديم الابن على الأب باطل، لأن أباها لم يكن موجودا حين تزويجها، وقد أعل الحديث المذكور بأن عمر كان سنه حين تزوج أم سلمة سنتين، وانظر في ذلك نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٢٥٦)، والمحلى لابن حزم (٩/ ٤٥٧)، لكن الغماري أقر الاستدلال به على المشروعية في مسالك الدلالة ص (١٨٣). والظاهر رواية المدنيين عن مالك أن الأب أولى من الابن لكمال شفقته وحسن نظره مع ما في السنة مما يشهد لتقديم الكبير على الصغير في الكلام كقول النبي ﷺ كبر الكبر، وقد تقدم ذكر الخلاف فيما لو زوج الأبعد مع وجود الأقرب، وأن المشهور مضي النكاح بذلك، ويشعر الناظر في هذا الباب بكثرة اضطراب الأقوال كما قاله إسماعيل بن إسحاق القاضي وابن عبد البر.

стр. 1403

• قوله: ٠٨ - «وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها». الوصي مقدم على غيره من الأولياء بشرطين: أن يوصيه الأب بتزويج ابنته، وأن يعين له الزوج، وقيل لا يشترط التعيين، وكل من جبرها الأب؛ فهي مجبرة للوصي، وهن المجنونة مطلقا، والبكر ولو عانسا، والثيب إن صغرت مطلقا، والثيب البالغ إن ثيبت بعارض، أو بحرام كزنا، أما الثيب الكبيرة بنكاح؛ فالوصي فيها ولي، ويكون في مرتبة الأب، وإذا كانت المرأة وصية؛ مضت وصيتها، لكن لا تباشر التزويج بنفسها، بل توكل غيرها من الرجال أولياء كانوا، أو غير أولياء، قال خليل: «وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف، وهو في الثيب ولي»، انتهى. أما من كان وصيا على طفل؛ فإن له أن يزوجه ولو لم يوصه الأب، لأنه يقوم مقامه في رعاية مصالحه، فيمضي تصرفه فيها، كما يمضي تصرف والده، وإنما فرقوا بينه وبين الطفلة في الزواج؛ لأنه إذا بلغ يمكنه أن يختار لنفسه المرأة التي في عصمته أو غيرها، بخلاف المرأة فإن عصمتها بيد غيرها، فلا يمكنها التحرر ممن لم ترده إذا كبرت، وقد ترجم البخاري ﵀ على تزويج أبي بكر عائشة ﵄ بقوله إنكاح الرجل ولده الصغار، لكن ابن العربي ﵀ أبى هذا في المسالك (٥/ ٤٧٥) فقال: «وأغرب ما فيه قول علمائنا أن الوصي يزوج الصغير قبل البلوغ، ولا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، وكان ينبغي أن تكون المسألة بالعكس، لأن زواج المرأة منحة، وزواج الصغير عزم، فلا أراه بحال حتى يبلغ ويعلم ما يدخل فيه»، انتهى، وهو قول ابن حزم أيضا، لكن إطلاق القول بالمنع فيه شيء. فإن قلت: ما فائدة تزويج الصغير، وهو لا يعف المرأة؟، فالجواب: أن غرض الرجل والمرأة من النكاح ليس ذلك فحسب، وإذا قبلت المرأة الزواج بالصغير الذي له

стр. 1404

مال ينفق منه عليها، وكان هو في حاجة إلى من يخدمه ويقوم على شؤونه، وتعذر ذلك على الوالد، أو على الوصي، فأين المحذور مع ما للطرفين في هذا الزواج من المصالح، وهكذا إذا كان الزوج معتوها أو معوقا، وليس الكلام هنا إلا في الجواز، نظير الكلام في تزويج الصغيرة.

стр. 1405

• قوله: ٠٩ - «وليس ذوو الأرحام من الأولياء، والأولياء من العصبة». كلام المؤلف هذا يبين أن قول عمر ﵁ أو ذي الرأي من أهلها؛ لا يراد به عندهم من ليس من عصبتها على المذهب، بل إن ذلك إشارة إلى من هو أبعد من الأولياء نحو الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وأما أقارب المرأة غير العصبة كالخال والأخ لأم والجد لأم فإنهم داخلون في ولاية المسلمين العامة، والذي يظهر أن غير العصبة من أولي الأرحام مقدمون على غيرهم من المسلمين ممن ليسوا مثلهم، من كان منهم وارثا كالإخوة لأم، ومن ليسوا كذلك كالأخوال، فإن اسم الولاية الخاصة يتناولهم، قال في الروضة الندية (٢/ ١٥٦): «الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى، فالأدنى، الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات،،،».
следующие страницы →