Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
• قوله:
٠٦ - «وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا».
يعني بالأجنبي من له على المرأة ولاية الإسلام فحسب، ومشهور المذهب أن الدنية من النساء، وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال، ولا مال ولا حال، ولا قدر، وقيد بعضهم بما إذا كانت في قرية لا سلطان فيها، فهذه يختلف أمرها عن غيرها، فيجوز نكاحها بإذنها بالولاية العامة مع وجود الولي الخاص رعاية للمصلحة إن لم تكن مجبرة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وعللوا ذلك بأنها يتعذر عليها رفع أمرها إلى الحاكم، فلو كلفت ذلك؛ لأضر بها وتعذر إنكاحها، قاله الباجي، ولأن الوالي لا تلحقه معرة من زواجها كالشريفة، والرواية الثانية لأشهب عن الإمام أن الشريفة والدنية ومن لا خطب لها في ذلك سواء، وهذه الرواية هي التي ينصرها الدليل العام، قال ابن العربي كما في المسالك: «وتارة ألحق الدنية بالشريفة أخذا بعموم الحديث، وهو الأسلم في النظر، والأسلم في الحسب، فإن تعيين الدنية من الشريفة يعسر في المراتب، فسد الباب أولى»، انتهى، وإذا كان المراد من القول الأول تيسير سبيل التزويج على ما علل به الباجي؛ فإن القول الثاني لا يمنع التيسير متى قام داعيه، من غير فرق بين دنية وشريفة.
стр. 1402
• قوله:
٠٧ - «والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق، وإن زوجها البعيد مضى ذلك».
لما قدم الكلام على الولي عموما أشار هنا إلى ترتيب الأولياء الذين يتعددون حسب الأحقية في إنكاح المرأة الثيب، والمذهب مراعاة أحقيتهم في الميراث في الجملة، فأولاهم الابن وإن من زنا، فابنه، فالأب، فالأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، فالجد، فالعم، فابن العم، وقيل يقدم الجد على الأخ لكون الجد أبا، وتقديم الابن على الأب هو المشهور، لأنه أقوى منه في التعصيب، وهو قول ابن القاسم، وهو تحصيل المذهب من أصحاب مالك المصريين، وقيل إن الابن لا ولاية له على أمه إلا أن يكون من عشيرتها، لأنه لا ينسب إليها، ورد هذا بتزويج عمر بن سلمة أم سلمة ﵃ من النبي ﷺ ، رواه أحمد والنسائي عنها، لكن الاحتجاج به على تقديم الابن على الأب باطل، لأن أباها لم يكن موجودا حين تزويجها، وقد أعل الحديث المذكور بأن عمر كان سنه حين تزوج أم سلمة سنتين، وانظر في ذلك نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٢٥٦)، والمحلى لابن حزم (٩/ ٤٥٧)، لكن الغماري أقر الاستدلال به على المشروعية في مسالك الدلالة ص (١٨٣).
والظاهر رواية المدنيين عن مالك أن الأب أولى من الابن لكمال شفقته وحسن نظره مع ما في السنة مما يشهد لتقديم الكبير على الصغير في الكلام كقول النبي ﷺ كبر الكبر، وقد تقدم ذكر الخلاف فيما لو زوج الأبعد مع وجود الأقرب، وأن المشهور مضي النكاح بذلك، ويشعر الناظر في هذا الباب بكثرة اضطراب الأقوال كما قاله إسماعيل بن إسحاق القاضي وابن عبد البر.
стр. 1403
• قوله:
٠٨ - «وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها».
الوصي مقدم على غيره من الأولياء بشرطين: أن يوصيه الأب بتزويج ابنته، وأن يعين له الزوج، وقيل لا يشترط التعيين، وكل من جبرها الأب؛ فهي مجبرة للوصي، وهن المجنونة مطلقا، والبكر ولو عانسا، والثيب إن صغرت مطلقا، والثيب البالغ إن ثيبت بعارض، أو بحرام كزنا، أما الثيب الكبيرة بنكاح؛ فالوصي فيها ولي، ويكون في مرتبة الأب، وإذا كانت المرأة وصية؛ مضت وصيتها، لكن لا تباشر التزويج بنفسها، بل توكل غيرها من الرجال أولياء كانوا، أو غير أولياء، قال خليل: «وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف، وهو في الثيب ولي»، انتهى.
أما من كان وصيا على طفل؛ فإن له أن يزوجه ولو لم يوصه الأب، لأنه يقوم مقامه في رعاية مصالحه، فيمضي تصرفه فيها، كما يمضي تصرف والده، وإنما فرقوا بينه وبين الطفلة في الزواج؛ لأنه إذا بلغ يمكنه أن يختار لنفسه المرأة التي في عصمته أو غيرها، بخلاف المرأة فإن عصمتها بيد غيرها، فلا يمكنها التحرر ممن لم ترده إذا كبرت، وقد ترجم البخاري ﵀ على تزويج أبي بكر عائشة ﵄ بقوله إنكاح الرجل ولده الصغار، لكن ابن العربي ﵀ أبى هذا في المسالك (٥/ ٤٧٥) فقال: «وأغرب ما فيه قول علمائنا أن الوصي يزوج الصغير قبل البلوغ، ولا يزوج الصغيرة حتى تبلغ، وكان ينبغي أن تكون المسألة بالعكس، لأن زواج المرأة منحة، وزواج الصغير عزم، فلا أراه بحال حتى يبلغ ويعلم ما يدخل فيه»، انتهى، وهو قول ابن حزم أيضا، لكن إطلاق القول بالمنع فيه شيء.
فإن قلت: ما فائدة تزويج الصغير، وهو لا يعف المرأة؟، فالجواب: أن غرض الرجل والمرأة من النكاح ليس ذلك فحسب، وإذا قبلت المرأة الزواج بالصغير الذي له
стр. 1404
مال ينفق منه عليها، وكان هو في حاجة إلى من يخدمه ويقوم على شؤونه، وتعذر ذلك على الوالد، أو على الوصي، فأين المحذور مع ما للطرفين في هذا الزواج من المصالح، وهكذا إذا كان الزوج معتوها أو معوقا، وليس الكلام هنا إلا في الجواز، نظير الكلام في تزويج الصغيرة.
стр. 1405
• قوله:
٠٩ - «وليس ذوو الأرحام من الأولياء، والأولياء من العصبة».
كلام المؤلف هذا يبين أن قول عمر ﵁ أو ذي الرأي من أهلها؛ لا يراد به عندهم من ليس من عصبتها على المذهب، بل إن ذلك إشارة إلى من هو أبعد من الأولياء نحو الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وأما أقارب المرأة غير العصبة كالخال والأخ لأم والجد لأم فإنهم داخلون في ولاية المسلمين العامة، والذي يظهر أن غير العصبة من أولي الأرحام مقدمون على غيرهم من المسلمين ممن ليسوا مثلهم، من كان منهم وارثا كالإخوة لأم، ومن ليسوا كذلك كالأخوال، فإن اسم الولاية الخاصة يتناولهم، قال في الروضة الندية (٢/ ١٥٦): «الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال إن الأولياء هم قرابة المرأة الأدنى، فالأدنى، الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم، وهذا المعنى لا يختص بالعصبات،،،».
стр. 1406
• قوله:
١٠ - «ولا يخطب أحد على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه، وذلك إذا ركنا وتقاربا».
هذا شروع من المؤلف في بيان بعض ما يمتنع في النكاح لخروجه عما هو شرط فيه، أو حصوله مع مانع من صحته، وبيان فسخه متى يكون، ومتى يمضي، وجماع ذلك عائد إلى الصداق كأن يسقط، أو يكون محرما، أو إلى ما ينافي النكاح من التوقيت، أو لمانع من النكاح في الزوجين، وقد بدأ بالكلام على الخطبة، وهي من خطب يخطُب من باب نصر خطبة بالكسر فهو خاطب، والخطبة إبداء الرغبة في الزواج من الرجل أو وكيله، أو من المرأة أو وليها، وأما الخُطبة بالضم؛ فهي القول والكلام، فالخطبة بالكسر مضمونها طلب التزويج بخاصة، والخطبة بالضم أعم من ذلك.
والمستحب أن يخطب الراغب في الزواج بخطبة الحاجة وهي الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا، فمن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ الآيات الثلاث المعروفات من سور آل عمران، والنساء، والأحزاب، هكذا جاء عن ابن مسعود ﵁، قال: علّمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة فذكر الأول، ثم قال: والتشهد في الحاجة فذكره، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وحسنه الترمذي (١١٠٥).
قال مالك: «وكانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه، ثم يخطب المرأة، ثم يجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد الله، والصلاة على نبيه، ثم يذكر إجابته»، وقال: «الخطبة في النكاح مستحبة، وهي من الأمر القديم، وما قل منها فهو أفضل»، وهو في النوادر، وقد قال النبي ﷺ لعلي حين خَطَب إليه فاطمة ﵄: «هي لك،
стр. 1407
على أن تحسن صحبتها» رواه الطبراني عن حجر بن قيس.
ويحسن التنبيه هنا على أن الناس قد اعتادوا أن يحضروا إمام مسجد أو من يظنونه من أهل العلم والصلاح ليتولى العقد، وجرت عادتهم أن تلقى كلمة بعد العقد يظن بعضهم أنها لازمة، والعقد بدونها ناقص أو باطل، فكان من الواجب على من يتولى ذلك أن يعلمهم أنها كلمة لا دخل لها في العقد، وأنه صحيح بدونها، وأن يغتنمها لتعليمهم شيئا من دينهم لا أن تكون كلمة محفوظة تكرر في كل العقود، وقد تتضمن أحاديث ضعيفة بل باطلة كالقول بأن مهر حواء كان صلاة آدم على النبي صلى الله عليهما وسلم، ومن الخير أن يتدرج معهم في الوصول إلى تركها لأن المخالفات هذا شأنها تبتدئ خفيفة ثم تصير عادة وينقلها الناس إلى حيز السنة، ويعتقد بعضهم لزوم قراءة فاتحة الكتاب قبل الخطبة، ويختار بعضهم صيغة للصلاة على النبي ﷺ بألفاظ متكلفة، ومنها صلاة (الفاتح)، وقد تنطوي على ما لا يشرع قوله، مع ترك الصلاة الإبراهيمية المشروعة، أو يقال الصداق هو صداق الولي الفلاني لشخص يعظمونه، وهكذا ما يعتقده بعضهم من أن ولي المرأة لا يجيب حتى يكرر عليه الزوج أو وكيله الخطاب ثلاث مرات، والله الهادي
ومن أراد أن يخطب امرأة؛ فإن علم أن غيره تقدمه إلى خطبتها، فإما أن يكون قد ركن إليها، أي مال إليها وتراضيا، أو وعد بذلك ولم يرد، وأولى إذا اتفقا على الصداق، ولم يبق إلا العقد؛ فإن كان هذا؛ حرم عليه أن يخطبها لقول النبي ﷺ من جملة حديث أبي هريرة: «،،، لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه»، رواه الشيخان والترمذي (١١٣٤) وغيرهما عنه، ورواه أحمد والبخاري (٥١٤٢) والنسائئ عن ابن عمر، وانظر التحفة للمباركفوري (٢/ ١٩٢)، وقد يقال إذا علم من أراد أن يخطب أن من تقدمه إلى المرأة لا يرد؛ وجب عليه ترك الخطبة، لأن علمه بذلك يقوم مقام علمه بركونها إليه، وقد استنبط البخاري ﵀ هذا المعنى من حديث ابن عمر في تزوج النبي ﷺ حفصة -رضي الله تعالى عنها- فانظرة فيه برقم (٥١٤٥).
وإنما قيد منع الخطبة بالركون والتراضي لحديث فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- قالت من جملة حديثها: «،،، فلما حللت ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية بن سفيان وأبا جهم بن هشام
стр. 1408
خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله في ذلك خيرا واعتبطت به»، رواه مالك (١٢٢٨) ومسلم والأربعة، ووجه الدلالة منه حسب رواية مالك أنه ﷺ علم بخطبة معاوية وأبي جهم فاطمة، ومع ذلك اقترح عليها الزواج بأسامة، فيحمل على أنها لم تكن ركنت لواحد منهما، بل ذلك هو المتعين، وإلا فكيف تذكرهما له؟، وبهذا يجمع بين فعله ﷺ هذا، وبين نهيه عن خطبة المسلم على خطبة أخيه، فيكون حديث النهي مخصصا بالفعل، وقد اعتبر مالك تأويل الحديث بما ذكر مما لا بد منه، وإلا «فهذا باب فساد يدخل على الناس»، قاله في الموطإ، وقريب منه كلام الترمذي في جامعه، وليس في الحديث غيبة، بل هو من باب النصيحة وقد تكون فاطمة طلبتها من النبي ﷺ ، أو بادرها بها، ولأنه مبرأ من أن يتكلم في واحد من أمّته تشهيا، ولأن كلامه إذا لم يوافق ما هو عليه في الواقع كان رحمة للمتكلم كما جاء ذلك عنه.
وظاهر المصنف أنه لا يخطب على خطبة الفاسق بالجارحة لأنه مسلم، لكن المذهب أنه لا حرمة له، فيجوز للصالح الخطبة عليه، وهو قول ابن القاسم، وقال: «فإنه ينبغي للولي أن يحضها على تزويج الرجل الصالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه»، وهو في الاستذكار (٥/ ٣٨٤)، وأحرى أن يجوز له خطبة الكتابية على خطبة الذمي، فيكون المراد بالأخ في الحديث على هذا خصوص المؤمن غير الفاسق، وقيل إن الحديث خرج مخرج الغالب، فيكون المراد الأخوة العامة، وعلى هذا فلا يجوز له أن يخطب على الذمي وهو المشهور، وهو قول مالك ﵀، وقد أجابوا عن المشهور وهو جواز الخطبة على المؤمن الفاسق وعدم جوازها على الذمي، بأن المسلم الفاسق لا يقر على ما هو عليه بخلاف الذمي، وقالوا إن الفاسق بالاعتقاد كالقدرية الذين يقولون بأن الإنسان خالق أفعاله؛ لا يتزوج منهم، ولا يزوجون، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
стр. 1409
• قوله:
١١ - «ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع».
يقال شغر البلد يشغر شغورا من باب قطع، إذا خلا من الناس، ولم يبق به أحد يحميه ويضبطه، والشغار بكسر الشين من هذا المعنى على الراجح، فإنه نكاح جاهلي، يتزوج فيه الرجل المرأة بغير مهر، على أن يزوج غيره امرأة بغير مهر، فخلو النكاح من المهر شرطا، مع جعل الفرج مقابل الفرج هو وجه تسميته شغارا، وقد أبطل الإسلام هذا الضرب من النكاح في جملة ما أبطله من الأنكحة، قال ابن عمر ﵄: «نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق»، رواه مالك (١١٢٤) والشيخان وأصحاب السنن، والتفسير المذكور للشغار من كلام نافع، كما في سنن أبي داود، وقيل هو من كلام مالك، وتخصيص البنت بالذكر في الحديث ليس قيدا في النهي، بل هو فرد من أفراده المنهي عنها كما عليه أهل العلم، وفي بعض الروايات جاء ذكر غير البنت وجاء مطلقا أيضا، لأن العلة حسب التسمية إسقاط الصداق مع اشتراط التزويج عوضا عنه، وهو ما يفيده قول المؤلف في تعريف الشغار: «وهو البضع بالبضع»، بضم الباء، أي الفرج بالفرج.
ونكاح الشغار في المذهب أنواع ثلاثة: صريح الشغار، ووجه الشغار، ومركب منهما، وجميعها فيه شرط المبادلة، لكن الأول فيه إسقاط الصداق من الطرفين، والثاني فيه إثبات الصداق من الطرفين، والثالث فيه إسقاطه من أحدهما، وقد قيل إن المؤلف اقتصر على الأول، وهو إسقاط الصداق من الطرفين، ولا يسلم هذا لقائله، فإن كلامه يشمل الأنواع الثلاثة، لأن كلا منها فيه البضع مقابل البضع.
وحكم صريح الشغار الفسخ قبل الدخول وبعده من غير خلاف، والفسخ يكون بغير طلاق، لأنه نكاح باطل من أصله، والمشهور أن يكون بطلاق.
стр. 1410
ووجه الشغار وهو أن يسمى لكل واحدة من المرأتين صداقا، فيكون المحذور فيه اشتراط تزويج هذه بتلك، وهذا يفسخ قبل البناء لا بعده، وقد تقدم وجه التفريق بين الفسخ قبل الدخول وإمضائه بعده من كلام ابن عبد البر، ولكل من المرأتين حينئذ الأكثر من مهر المثل والمسمى، يعني إن كان الصداق المسمى لكل منهما يساوي مهر المثل اكتفي به، وإن كان أكثر ترك لها، وإن كان أقل من مهر المثل زيد فيه ليبلغه، وإنما قالوا ذلك؛ لأنه قد يكون لشرط مقابلة التزويج بالتزويج؛ تأثير في نقص الصداق عن صداق مثيلات المرأة، ويدل على أن وجه الشغار داخل في الشغار ما رواه أبو داود (٢٠٧٥) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: «هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ »، وقد احتج به الألباني ﵀ في التعليقات الرضية (٢/ ١٧٣) لمذهب الجمهور القائلين بالبطلان، لكن الحديث ليس فيه بيان م إذا كان ذلك قبل الدخول أو بعده.
وسمي الثالث مركبا لأن فيه اشتراط التزويج مع إسقاط الصداق من جهة فقط، فهو أشد من الثاني ودون الأول، وحكمه أنه يفسخ قبل البناء، أما بعده فيثبت نكاح المرأة التي سمي لها بالأكثر من صداق المثل والمسمى، وقيل بصداق المثل، والأول هو الراجح عندهم، أما من لم يسم لها؛ فيفسخ نكاحها، وليس لها إلا صداق المثل، والمراد بمهر المثل أن يفرض للمرأة نظير ما يفرض لمثيلاتها في الحال، وهو الدين والحسب والنسب والمال والجمال، ولا ينظر في ذلك إلى أختها وقريباتها، إذ قد يزوج الفقير لقرابته بصداق أقل من صداق المثل، ويزوج البعيد لغناه بصداق أكثر من مهر المثل، وإثبات النكاح بعد الدخول مهما قيل به إنما يكون إذا لم يمنع منه مانع آخر كأن تزوج المرأة كارهة على ما تقدم.
стр. 1411
• قوله:
١٢ - «ولا نكاح بغير صداق»
وهذا لأن الله تعالى أمر به، ونهى عن أخذ شيء منه بغير رضا المرأة، وقد تقدم أنه من أركان النكاح، غير أنه لا يلزم ذكره في العقد، لكن لا يصح العقد إذا اتفق على إسقاطه، فإذا لم يذكراه كان المطلوب تحديد الصداق قبل الدخول، فإن دخل بها؛ فرض لها ما يتراضيان عليه، فإن اختلفوا كان لها مهر المثل، وسيأتي مزيد كلام على هذا عند الحديث على نكاح التفويض.
стр. 1412
• قوله:
١٣ - «ولا نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل».
معنى المتعة الاستمتاع، سمي كذلك عنوانا على أن غرض المتزوج التمتع بسفح الماء، وقضاء الوطر، لأنه تزوج إلى أجل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (٢١)﴾ [الروم: ٢١]، فرتب الله تعالى على الزواج هذه الأمور الثلاثة: السكون إلى الزوجة، بزوال اضطراب الوحشة، والمودة، فإذا عزبت بقيت الرحمة الباعثة على حسن المعاملة، فأين هذا من نكاح المتعة، كما أن المراد من النكاح النسل، إذ قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو الولد أو هو من جملة ما يرتب على النكاح، وقال النبي ﷺ : «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، رواه أحمد وصححه ابن حبان كما في بلوغ المرام، ووصف الطلاق بأنه أبغض الحلال إلى الله تعالى، مع أنه طارئ على عقد النكاح المراد به الدوام، فكيف بالعقد المؤجل من أصله الذي لا حاجة فيه إلى الطلاق؟، ورتب الله تعالى على الزواج التوارث من الطرفين، وثبوت النسب، وأوجب الإنفاق على المطلقة مدة العدة، ومدة الحمل والرضاع إن كانا، وحرم أم الزوجة بالعقد، وبنتها بالدخول، وكثير من هذه الأمور تفوت في نكاح المتعة، أو يعسر مراعاتها والتأكد منها، إذ يمكن أن يكون الأجل في نكاح المتعة يوما أو يومين، فأنى لنا مع هذا التأجيل أن نضبط ما تقدم من الأحكام، وأن نلتزمها؟.
والمعروفون بهذا النكاح هم الشيعة الإمامية فلنعرف حقيقته عندهم، وإن كان لا يلزم من قال بجوازه من غيرهم ما ضبطوه هم به فإن العمدة في رده عند جمهور أهل السنة التوقيت، ولهذا حده المؤلف بقوله «وهو النكاح إلى أجل»، فما زاد على التأجيل من المخالفات؛ فإنما هي ظلمات بعضها فوق بعض، وضغث على إبالة كما كانت العرب
стр. 1413
تقول.
وقد ذكر الصنعاني في سبل السلام (٣/ ١٢٧) نكاح المتعة عند الشيعة الإمامية نقلا عن كتبهم فقال هو: «النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول وغايته إلى خمسة وأربعين يوما،،،، وحكمه أنه لا يثبت لها مهر غير المشروط، ولا تثبت لها نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا يثبت به نسب إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه،،،»، فأنت ترى بأن معظم ما هو مرتب على النكاح في الشرع لم يرتب على هذا النكاح المزعوم.
ومن المنقول عنهم أن المستمتع بها لا تعد في عدد الزوجات الأربع الجائز الجمع بينهن عند الجمهور، فله أن يجمع بين الكثير من النساء، وهم لا يقولون برجم المستمتع، لأنهم لا يعدونه محصنا بنكاح المتعة، وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه قوله تعالى: «محصنين غير مسافحين»، وهذا تناقض صريح منهم،،،»، ذكر ذلك الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، ثم قال: «فالحاصل أن القرآن بعيد عن هذا القول، ولا دليل في هذه الآية، ولا شبه دليل عليه البتة»، انتهى، وقال ﵀: «وقد كنا قلنا إن عمر منع المتعة اجتهادا منه، وافقه عليه الصحابة، ثم تبين لنا أن ذلك خطأ فنستغفر الله منه،،،»، انتهى باختصار.
وقد أشار كتاب الله تعالى إلى أن الزواج المشروع لا يراد منه سفح الماء وحده، وإنما هو للإحصان، واشترط ذلك في الزوجات حرائر وإماء، وفي الأزواج ولو تزوجوا الكتابيات!، إذ لو كان المراد سفح الماء لكان المناسب لكمال اللذة ودفع الشهوة غير هذا، فيكون أشبه بنزو البهائم، بل البهائم لها ضابط فطري لا تتجاوزه، قال تعالى في المسلمات الحرائر: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى في الإماء: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى في نساء أهل الكتاب: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
فإن قلت: ما وجه ذكر هذه المساوئ وقد كان نكاح المتعة مباحا، فالجواب: أن
стр. 1414
ذلك الاستمتاع جرى في وقت الحل، والله أعلم بمصالح عباده، وهو سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، وحيث حرمه فلا لوم على من ذم من ارتكب ما حرمه، ولو كان ذلك غير محرم في وقت ما كالخمر والربا وغيرهما، فأين المحذور؟.
قال القرطبي في تفسيره للآية (٢٣٦) من سورة البقرة: «ولما نهى رسول الله ﷺ عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة، وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن»، انتهى.
ومتى ضرب للنكاح أجل لم يصح العقد، فإن أضمر الزوج التأجيل؛ فإن ذلك لا يؤثر في صحته عند الجمهور، وذهب الأوزاعي إلى بطلانه، وإن كان الفاعل آثما، قالوا والتأجيل مبطل للعقد ولو كان لعشرات السنين، إلا أن يكون الأجل مما لا يدركه عمر الزوج عادة، وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن تزوج امرأة على أن يأتيها نهارا، ولا يأتيها ليلا؛ أنه كره ذلك، وقال لا خير فيه، ثم اختلفوا إن وقع، فقال ابن القاسم يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وقال ابن الجلاب يفسخ فيهما، ووجه ذلك أنه شرط في النكاح ضد مقتضاه، لأن مقتضاه تأبيد المواصلة، وانظر المسالك لابن العربي (٥/ ٥١١).
أما دليل تحريم نكاح المتعة على التأبيد فهو قول النبي ﷺ : «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء؛ فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا»، رواه مسلم (١٤٠٥) وأبو داود (٢٠٧٣) والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن ربيع بن سبرة عن أبيه كما في بلوغ المرام، وقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره: «وانفراد سبرة به في مثل ذلك اليوم - يقصد يوم فتح مكة - معمز في روايته»؛ لا يلتفت إليه، لما هو معلوم عند أهل الحق من أن خبر العدل يجب العمل به، وما أكثر ما ردت الأخبار بمثل هذا.
أما استدلال من استدل على أن جواز نكاح المتعة حكم قرآني دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤] فمما لا يتجه وإن
стр. 1415
قال به الجمهور، فإن السياق كله في النكاح الذي لم يختلف المسلمون في حله، وللسياق مدخل في بيان المجمل من النصوص كما قاله فحول الأصوليين، وقد استدل الشيعة على فضل آل البيت - وهم أهل فضل - بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، مع سبهم زوجات النبي ﷺ ، فعقوا أمهاتهم بنص القرآن، والحال أن السياق كله وارد في الحديث عنهن، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
ومما يدل على أن الآية ليست في نكاح المتعة المحرم؛ أن كثيرا من الأحاديث الواردة في المتعة جاءت بلفظ الترخيص والإذن، مما يعني أنه كان معلوم الحرمة عندهم، ولو كانت الآية دالة على ذلك؛ ما استقام التجويز تحت لفظ الترخيص.
فإن قلت: فتفسير من فسر الآية بذلك من السلف وعلى رأسهم عبد الله بن عباس ﵄، وهو من نال دعاء نبينا محمد ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»؛ فالجواب: أن تفسير سلفنا الصالح لكتاب الله يقدم على كلام غيرهم، وليس الخلاف في هذا، ثم إنهم لم يتفقوا على ذلك، وقول من اعتبر الآية دالة على ذلك الجواز يمكن أن يكون إدراجا منهم لفرد من أفراد العام تحته، كما أنه صالح من حيث إطلاق اللغة في وقت كان فيه جائزا، لكن السياق كما علمت يأباه، فإنه في النكاح المعهود عندهم، والنبي ﷺ أوتي القرآن ومثله معه، وكثيرة هي الأحكام التي شرعت بالسنة ونسخت أو أبقيت، وللمخالفين لما ذهب إليه ابن عباس في الآية قولان أحدهما أنها منسوخة، وقد نقل هذا عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وقاله سعيد بن المسيب، والناسخ عند بعضهم آيات الطلاق والصداق والعدة والميراث، والقول الثاني أن معنى الآية الطلاق قبل الدخول، قال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣١٩): «فهذان القولان عليهما أهل العلم إلى اليوم في جميع أمصار المسلمين مخالفين لابن عباس في ذلك»، أما أن عبد الله بن عباس ﵄ هو حبر الأمة؛ فمما لا ينازع فيه، ولكن هل يلزم من ذلك أن الحق معه في كل ما قال؟، هذا لا يقوله مستبرئ لدينه، وقد رجح ابن كثير غير قول ابن عباس في مدة حمل مريم بعيسى ﵉، إذ كان حبر الأمة يرى أنها وضعته بمجرد الحمل اعتمادا على فاء التعقيب في قوله تعالى:
стр. 1416
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ (٢٣)﴾ [مريم: ٢٢ و ٢٣]، ومعتمد ابن كثير أن التعقيب في كل شيء بحسبه، ومثل ذلك قول ابن عباس ﵄ في معنى الحمإ المسنون الذي خلق منه آدم ﵇، قال ابن كثير: «قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب اليابس»، والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٤ و ١٥]، وعن مجاهد الصلصال المنتن، وتفسير الآية بالآية أولى»، انتهى.
وقد رجح ابن العربي وبعده النووي أن النسخ اعترى نكاح المتعة مرتين، وسواء علينا أقلنا إنه نسخ متكرر، أو ترخيص تكرر للضرورة، ولعله هو الذي يترجح؛ فإن تحريمه على التأبيد قد ثبت كما رأيت ابتداء من عام الفتح، وقد ورد أن النبي ﷺ رخص عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها، رواه مسلم (١٤٠٥) عن سلمة بن الأكوع ﵁، وأوطاس كانت عام الفتح، وعن علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر»، رواه الشيخان: (م/ ١٤٠٧) وخيبر قبل أوطاس، وجاء في حديث ربيع بن سبرة أنه نهى عنها في حجة الوداع، رواه أبو داود (٢٠٧٢)، ولو ثبت؛ فليس بين روايتيه في زمن التحريم تضارب، لأن ذلك من باب تكرير ذكر الحكم للبيان في مواضع مختلفة، وليس بالضرورة أنه كلما تكرر ذكر التحريم أن يسبقه تحليل، فالصواب: أن يقال إن نكاح المتعة روعي التدرج في منعه نهائيا، بإباحته للضرورة أكثر من مرة، ولم ينفرد بهذا الأمر، فإن تحريم الخمر قد تدرج في مراحل ثلاثة، ومثله الربا.
ولتكرر ما ظاهره من الأدلة التحريم والتحليل؛ ترى بعض المحدثين إما أن لا يوردوا إلا أحاديث المنع كأبي داود ﵀، فإنه اكتفى في الباب بذكر حديث ربيع بن سبرة، وإما أن يوردوا من هذا وهذا، ولكنهم يجزمون بالحكم كالبخاري فإنه ترجم على الأحاديث الأربعة التي أوردها بقوله: «باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرا»، وصدر بحديث علي ﵁ وفي سنده ثلاثة من أهل البيت وهو حجة على الشيعة الذين شذوا بتجويزه، فإن عليا إمام أئمة آل البيت عندهم، وهو عندنا أيضا إمام وخليفة من الخلفاء الأربعة الراشدين الذين أمرنا أن نتبع سنتهم، وحديث علي لم يورد مالك غيره من
стр. 1417
المرفوع تحت الترجمة في الموطإ (١١٤٠)، ولعله قصد ما قصده البخاري، وأورد أثر ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب ﵁ فزعا يجر رداءه فقال: «هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت»، والشيعة تفتري على عمر بأنه هو الذي حرم المتعة اعتمادا على بعض الظواهر، ومنها ما نسب لابن عباس من قوله: «يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي»، وهو في مصنف عبد الرزاق، والقول بأن فلانا منع كذا لا يعني أنه هو المانع في الأصل، ومثال ذلك أن عمر بن الخطاب هو الذي كتب الله له أن يكون أول من أحيا إقامة صلاة التراويح جماعة في المسجد بعد أن كان رسول الله ﷺ قد سنها بقوله، وصلاها جماعة بالناس بعض الليالي، ثم تركها خشية الافتراض، والشيعة تفتري على الله تعالى وتعتبرها بدعة وقد كذبوا، ومن ذلك ما جاء من أنه ﵁ هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق، وهو في الصحيح، لكن ذلك لا يمنع أن يكون النبي ﷺ هو الذي وقتها، وقد سبق الحديث عن ذلك، ومنه قول علي بن أبي طالب ﵁ عن رجم الزاني المحصن جلدتهما بكتاب الله، ورجمتهما بسنة رسول الله، فهذا لا يدل على أن ليس هناك ما يستدل به على حكم الرجم من القرآن كما عليه الجمهور القائلين بآية الرجم المنسوخة اللفظ الباقية الحكم، والنهي عن المتعة كان متأخرا كما سبق، فحصل فيه هذا أول الأمر.
وقد ذكر ابن حزم في المحلى نفرا من الصحابة ومن تلاهم كانوا على جواز نكاح المتعة، وتعقبه الحافظ في الفتح (٩/ ٢١٧) بما يحسن الوقوف عليه، ولا ضير في ثبوت ذلك عن بعضهم، وما هي بالمسألة الوحيدة التي اختلفوا فيها فيكون ذلك حجة على جوازها فكيف إذا اكتنفها ما علمت من الأسباب.
وحكم نكاح المتعة إن اطلع عليه أنه يفسخ قبل الدخول وبعده بغير طلاق، ويعاقب فيه الزوجان، لكن لا يبلغ بهما في العقاب الحد للشبهة، ويلحق الولد بأبيه، وعلى المرأة العدة كاملة، ولا صداق لها إن كان الفسخ قبل الدخول، لأنه نكاح غير معتبر، وإن كان بعد الدخول وسمي لها؛ فلها ما سمي، وإلا فلها صداق المثل.
стр. 1418
وبطلان هذا النكاح آت من ضرب الأجل، وإن كان بولي وشهود وصداق، وهو المشهور في المذهب، وقيل هو نكاح من غير ولي ولا شهود ولا صداق، والصواب: هو الأول، وإنما قيل بعدم الحد بناء على افتراض أنه مستوف لشروط النكاح، ولم يخالف إلا في ضرب الأجل، أما على التفسير الأول؛ فإنهما يحدان إذ لا فرق بينه وبين الزنا.
стр. 1419
• قوله:
١٤ - «ولا النكاح في العدة».
العدة هي المدة التي وقتها الشارع للمطلقة أو المتوفى عنها بحيث يمتنع فيها النكاح، فرضها الله تعالى لحفظ الأنساب، وتوسعة على الأزواج في مراجعة مطلقاتهم إن أرادوا إصلاحا متى كان الطلاق رجعيا، وقد لا يكون للزوج خلالها سبيل على المرأة كالمعتدة من خلع في المذهب، وكالتي يطلقها القاضي إلا في حال العسر بالإنفاق وحالة الإيلاء، وقد ذكر المؤلف حرمة نكاح المرأة وقت العدة، والشارع قد منع التصريح لها بالخطبة في العدة فكيف بما هو أعظم منها، إلا إذا كان من يريد نكاحها زوجها الذي طلقها، ومتى عقد على من كانت في العدة؛ فالعقد باطل، وإن دخل بها؛ فسخ النكاح وتأبد تحريمها في المذهب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهذا تحريم لخطبة المعتدة من وفاة، ومثلها سائر المعتدات، وحيث حرم الله تعالى الخطبة كان تحريم العقد أولى، وفوقهما حرمة الدخول والبناء، ومع ذلك لم يكتف في كتاب الله تعالى بدلالة مفهوم الأولى فيهما حتى نص على تحريم العقد كما ترى في الآية.
وعمدة المشهور في تأبيد تحريم من دخل بها في العدة ما رواه مالك (١١٢٧) عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن الخطاب، وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما، ثم قال: «أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها؛ فرق بينهما … ، وفي نهاية الأثر قول عمر ﵁: «ثم لا يجتمعان أبدا»، وهو في مصنف عبد الرزاق
стр. 1420
(١٠٥٣٩)، (قوله: الأسدية بين ابن عبد البر أنها التيمية)، وقد نقل الإجماع على هذا الحكم غير واحد، وهم يعنون الإجماع السكوتي، والخلاف في اعتباره متى ثبت معلوم، وثمة رواية أخرى عن الإمام ذكرها صاحب التفريع وهو الشيخ أبو القاسم بن الجلاب مضمونها أن من تزوج امرأة في عدة من طلاق أو وفاة فهو زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها، وهذا موافق لما رجع إليه عمر كما ذكره البيهقي، وهو قول علي وابن مسعود كما في المصنف، فلا يظهر أن ثمة إجماعا، والقاعدة التي يذكرونها في مثل هذا الأمر لا تطرد، مع أنها ليست دليلا، وهي قولهم: «من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه».
قال الباجي في المنتقى (٣/ ٣١٧) موجها الرواية المشهورة: «ووجه الرواية الأولى ما ثبت من قضاء عمر ﵁ بذلك، وقيامه به في الناس، فكانت قضاياه تسير وتنتشر، وتنتقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع،،،»، ثم قال الباجي: «قال القاضي أبو الحسن: إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر».
стр. 1421
• قوله:
١٥ - «ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق، ولا بما لا يجوز بيعه».
لا يصح النكاح إذا تضمن ما يترتب عليه غرر، وهو نوعان: غرر في العقد، وغرر في الصداق، فالأول: كالنكاح على الخيار، أعني خيار التروي، كأن يكون للزوج أو الزوجة أو لغيرهما من أحد العاقدين أو كليهما خيار مدتُه كذا، فهذا يفسخ قبل الدخول وجوبا، ويثبت بعده بالمسمى، وإلا فبصداق المثل، والمعتمد أن خيار المجلس لا يضر، وقد يحتج على من قال بذلك أنهم لا يرون خيار المجلس في البيع، مع صحة الحديث فيه وعدم قبوله ما ذهبوا إليه من التأويل، فكيف يقال بجواز خيار المجلس في النكاح، ولم يرد فيه النص؟.
والثاني: ما يكون من غرر في الصداق، كأن يقال الصداق ما ينض من ربح التجارة الفلانية، أو ما في بطن هذه الشاة من نتاج، أو يكون على عبد آبق، أو بعير شارد، أو يتزوج امرأتين، ويفرض لهما مجتمعتين ولا يعلم ما ينوب كلا منهما، وهكذا إذا كان الصداق حراما كالخمر والخنزير؛ فإنه يفسخ قبل البناء، ولا شيء للزوجة، ويثبت بعده بصداق المثل.
فإن قيل: كيف لا يكون للزوجة نصف الصداق إذا فسخ النكاح قبل الدخول كما هو منصوص القرآن؟، فالجواب: أن القرآن إنما نص على ثبوت نصف المسمى في النكاح الصحيح، لأنه هو المراد عند الإطلاق، فإذا لم يصح النكاح؛ لم يترتب عليه أثره، أما إذا كان قد سمى لها محرما أو ما فيه غرر؛ فهو كما لو لم يسم لها شيئا، فإذا تم الفسخ قبل الدخول؛ فلا شيء لها، أما أن لها مهر المثل بالدخول؛ فلقول النبي ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فتكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، رواه أصحاب السنن،
стр. 1422
(د/ ٢٠٨٣) عن عائشة وقد تقدم، فأبطل النبي ﷺ النكاح من غير ولي، وجعل ما بعد الدخول مخالفا لما قبله في الصداق، وقوله ﷺ فلها المهر بما استحل من فرجها؛ بين فيه علة استحقاقها المهر، فإن كان قد سمي؛ فهو لها، وإن لم يكن قد سمي؛ فلها مهر المثل، فإن العرف محكم عند التنازع في مثل هذا الأمر، وقد جاء ذكر مهر مثل المرأة في حديث علقمة عند أصحاب السنن وصححه الترمذي (١١٤٥) قال: «أتي عبد الله يعني ابن مسعود في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها، فقال: أرى لها مهر مثل نسائها ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بروع ابنة واشق بمثل ما قضى».
стр. 1423
• قوله:
١٦ - «وما فسد من النكاح لصداقه؛ فسخ قبل البناء، فإن دخل بها؛ مضى، وكان فيه صداق المثل».
هذه قاعدة التعامل مع الأنكحة الفاسدة، فإنه لا يخلو أن يكون الخلل في الصداق، أو في العقد، فإن كان في الصداق فقد تقدم أنه يفسخ قبل البناء، ويكون بطلاق، وإن قبضت ما هو محرم ردته، ويثبت بعد الدخول بصداق المثل، وقال عما يفسد لخلل في العقد:
стр. 1424
• قوله:
١٧ - «وما فسد من النكاح لعقده، وفسخ بعد البناء؛ ففيه المسمى».
وهذا كالنكاح بغير ولي، أو في العدة، أو حال الإحرام بحج أو عمرة، أو كان صريح الشغار، أو كان نكاح متعة، أو زوجت المرأة من غير رضاها، أو تزوج خامسة، أو محرما، فهذا يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق إن كان متفقا على فساده، وبطلاق إن كان مختلفا فيه، فإن كان قبل البناء فلا صداق للمرأة، وما كان بعده؛ فلها المسمى إن كان الصداق مما يجوز، فإن سمي ما لا يجوز، أو لم يسم شيء؛ فلها صداق المثل.
стр. 1425
• قوله:
١٨ - «وتقع به الحرمة، كما تقع بالنكاح الصحيح، ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا، ولا يحصن به الزوجان».
ما فسد من النكاح لعقده وكان متفقا على فساده وتم فيه البناء، أو حصلت بعض مقدماته كالقبلة والمباشرة فإنه يعتبر في التحريم بالمصاهرة، فلا يجوز للناكح أن يتزوج بنت المرأة ولا أمها، كما تحرم هي على آبائه وأبنائه، وليس قصد المؤلف أنها تحرم عليه، فإنه يجوز له أن يستأنف نكاحها ما لم يكن ثم مانع كأربع نسوة في عصمته، أو أختها، أو عمتها، أو كانت مما قيل بتأبيد تحريمها كالمنكوحة في العدة على ما تقدم، لكن مثل هذا النكاح لا تحل به المطلقة ثلاثا لزوجها الأول، ولا يحصن به الزوجان، ولعل الجامع بين ثبوت التحريم به، وعدم ثبوت التحليل به أن الأصل حرمة الفروج فلزم الاحتياط، أما عدم ثبوت الإحصان به، فلأن دم المسلم محرم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، وقد يكون هذا أولى من قول بعضهم إن الإحصان متوقف على صحة العقد، أما إن كان النكاح مختلفا في فساده فإن التحريم يقع بعقده على ما في مختصر خليل، وظاهر كلام المصنف عدم التفريق بينهما.
стр. 1426
• قوله:
١٩ - «وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة، وسبعا بالرضاع والصهر فقال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].
ما ذكره هنا من المحرمات؛ يرجع إلى أحد أركان النكاح، وهو المحَل، أعني
خلو الزوجين من موانعه، ومن الموانع أن يكون بين من يريدان التزاوج علاقة محرمية، بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة، ونحن إذا لم نقف على علة هذا التحريم، وما يترتب
عليه من المفاسد؛ سمعنا وأطعنا، فإن علمنا من علل الأحكام شيئا لم نكن نعلمه، أو تبين لنا بعض الحكمة مما كنا نجهله؛ فلا ضير علينا إن التمسنا ذلك وذكرناه، فإن النفس مفطورة على السكون أكثر إلى ما علل، وعلى الاطمئنان إلى ما تبيّنت لها الحكمة منه، وحسبك أن الملائكة الكرام وهم من هم في طاعة الله والإذعان له سألوه سبحانه عن الحكمة من جعل خليفة في الأرض، لكن المؤمن ينبغي له أن يجزم بأن ما حرم فيه مفسدة اطلع عليها أو لا، وقد قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ
стр. 1427
أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]، ومن الخير له أن يكتفي بالاتباع والامتثال، هذا يصطنعه أحيانا الصغير مع الكبير، والتلميذ مع الشيخ، فكيف بالمخلوق مع الخالق الذي قال بعد ما تقدم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
ومن المقاصد التي رمى إليها الشرع من النكاح الاستجابة لصرف الغريزة الجنسبة بالطريقة المقبولة المختلفة عما عليه الأمر عند الحيوان البهيم، ومنها ما يحصل للزوج والزوجة من سكون النفس واطمئنانها، وما ينشأ بينهما من المودة والرحمة، ومنها التوالد والتناسل، ومنها إنشاء صلات جديدة بين الناس، فإنه لولا النكاح الذي ينشأ عنه الصهر ما تجددت الأنساب، ولهذا امتن الله تعالى بهما علينا في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]، وهو وسيلة من وسائل التعارف كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]، وهذه المقاصد منها ما لا يتحقق شيء منه بالتزوج بالمحارم، ومنها ما يتناقض معه، وقد صان الله تعالى بما حرم من النساء بالنسب والمصاهرة والرضاع أن تغلب دواعي الشهوة والاستمتاع واللهو على ما تتقاضاه الفطرة السليمة والجبلة المستقيمة تجاه المحارم من التكريم والتعظيم والتجلة والاحترام.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره (٤/ ٢٩٥): «واعلم بأن شريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارا ينزه عن شوائب الاستعمال في اللهو والرفث، إذ الزواج وإن كان غرضا صحيحا باعتبار غايته إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث عليه، وهو خاطر اللهو والتلذذ»، انتهى.
كما صان بذلك أن تختلط الأنساب ولا تحفظ، وانظر كيف يجتمع بهذا النكاح لو لم يحرم في الشخص الواحد أكثر من وصف، فيكون ابنا وزوجا في آن، أو أخا وزوجا، أو زوجا وابن أخ، أو زوجا وابن أخت، وهكذا.
والرضاع من امرأة يجعل الرضيع بمثابة الجزء منها، فمن رضع منها كان شبيها بأخيه الذي مر بالرحم الذي حواه، فلهذا جعل الله تعالى الحرمة بالرضاع كالحرمة
стр. 1428
بالنسب، لاجتماعهما في العلة.
والمصاهرة تجعل أم الزوجة بمثابة أم النسب في الاحترام والتقدير، وتجعل بنت الزوجة بمثابة البنت في النسب، وحليلة الابن بمثابة البنت، وزوجة الأب بمثابة الأم، وإن كان لا يصح إطلاق ذلك لفظا، مع ما في التحريم بالمصاهرة من تجنب ما يفسد العلاقات، ويثير الحفائظ والضغائن، ويجلب التحاسد وتضارب المصالح بسبب الاشتراك في الشخص الواحد بين المرأة وبنتها، والمرأة وأمها، وهكذا تحريم الجمع بين المرأة وأختها والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
ومن المضار في التزوج بالقرابة القريبة ما عرف بالتجربة أن التزوج بهن يأتي معه الولد ضاويا أي ضعيفا نحيفا، وقد روي في ذلك «لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاويا»، وهو ضعيف، وقال عمر بن الخطاب لآل السائب: «اغتربوا لا تضووا»، أي تزوجوا الغرائب لا تجيء أولادكم نحافا ضعافا، لكن من القرابة ما يجوز التزوج به، ومع ذلك يفضل عند بعضهم تركه، وقد أصبح مشترطا في توثيق النكاح معرفة فصيلة دم الراغبين في التزاوج، وغدا معلوما عند المشتغلين بالطب ما يكون عليه النسل من المضار إذا أنجب من أبوين لهما نوع من فصائل الدم، والشرع لا يرفض هذا إذا لم يصحبه ما ينقله إلى المنع، ومما لا يقبل اشتراط شهادة البكارة في العقد حيث تتم بعد معاينة السوأة، فهذا مما يجزم بتحريمه، وهكذا ما تفعله من ذهبت بكارتهن من رتق الغشاء عند الأطباء قبيل الدخول بهن حتى يوهمن المتزوج أنهن أبكار.
والمحرمات بالنسب سبع ذكرت في القرآن الكريم وهن:
١ - الأم، وفي معناها الجدة لأم، ولأب وإن علت.
٢ - والبنت، ومثلها بنت الابن وإن سفلت.
٣ - والأخت الشقيقة، أو لأب، أو لأم.
٤ - والعمة، وعمة الأم، وعمة الأب.
٥ - والخالة، وخالة الأم، وخالة الأب.
٦ - وبنات الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم.
стр. 1429
٧ - وبنات الأخت الشقيقة، أو لأب، او لأم.
فهؤلاء هن المحرمات بالنسب، وهن ستة أنواع أصول المرء، وفروعه، وحواشيه القريبة، وحواشيه البعيدة من جهة الأب، وحواشيه البعيدة من جهة الأم، وحواشيه البعيدة من جهة الإخوة والأخوات.
وقول المؤلف وسبعا بالرضاع والصهر؛ يعني أن الله تعالى حرم في كتابه سبعا بالرضاع والصهر، أي المجموع من النوعين، وسيأتي ذكر المحرمات من الرضاع، فحرمت الأم من الرضاع، والأخوات منه، ومن الصهر أم المنكوحة متى عقد عليها، وبنت المنكوحة إذا دخل بها، وزوجة الابن وإن سفل، وزوجة الأب وإن علا، وأخت الزوجة، لكنها ليست من المحارم الدائمة، بل المحرم جمعها مع أختها في عصمة واحدة.
стр. 1430
• قوله:
٢٠ - «وحرم النبي ﷺ بالرضاع ما يحرم من النسب».
هذا الحديث في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وفي الصحيحين وسنن أبي داود (٢٠٥٥) من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- مرفوعا: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، وقول ابن عباس أريد على ابنة حمزة؛ أي قيل له تزوجها، وفيه العناية بمعرفة صلة الرضاع، وقد ذكر في كتاب الله من المحرمات به اثنتان هما:
١ - الأم، فتشمل المرضعة، ومن فوقها من أم وجدة.
٢ - والبنت وهي من أرضعتها زوجتك بلبنك، أو أرضعتها بنتك من نسب أو رضاع، ونبه الحديث على باقي المحرمات بالرضاع، وهن:
٣ - الأخت، وهي من أرضعتك أمها، أو وُلدت لفحلها، فإن جاءت من التي أرضعتك مع فحلها؛ فهي أخت شقيقة من الرضاع، وإن ولدت لأمك من الرضاع من غير ذلك الفحل؛ فهي أخت لأم من الرضاع، وإن ولدت لذلك الفحل من غير أمك من الرضاع؛ فهي أخت لأب من الرضاع.
٤ - والعمة وهي أخت من أرضعتك زوجته.
٥ - والخالة وهي أخت من أرضعتك.
٦ - وبنت الأخ، وهي بنت من أرضعتك أمه، وكذلك بنات من أرضعتهن امرأة أخيك من النسب بلبنه.
٧ - وبنت الأخت، هي من أرضعتها أختك من النسب، وكذلك بنت من أرضعتك أمها.
стр. 1431
• قوله:
٢١ - «ونهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها».
أصل هذا التحريم؛ المنع من الجمع بين الأختين المنصوص عليه في قوله تعالى عطفا على تحريم الأمهات: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، وكما ألحقت السنّة الرضاع بالنسب في التحريم؛ جاء في السنة المنع من الجمع بين من ذكر في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٢٠٦٦)، وقد جاء في بعض الروايات التنبيه على العلة بقوله: فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، لكن لا يصح الزعم بأن العلة إذا انتفت في ظن بعضهم جاز هذا الجمع، ولا عبرة بالسابق من المرأتين الممنوع الجمع بينهما كما قد يتوهم، ولا تأثير لصغر إحدى المرأتين أو كبرها في منع هذا الجمع.
ولذلك جاء بيان هذا في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٢٠٦٥) قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى»، وقد قرر أهل العلم ضابطا للمنع من الجمع بين المرأتين، وهو أن كل امرأتين لو قدرت إحداهما رجلا امتنع زواجها بالأخرى؛ فإنه يحرم الجمع بينهما، وقد رواه ابن المواز عن أشهب عن مالك نحوه كما ذكره الباجي في المنتقى (٣/ ٣٠٢).
стр. 1432
• قوله:
٢٢ - «فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على آبائه، وأبنائه، وحرمت عليه أمهاتها، ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها: بنكاح، أو ملك يمين، أو بشبهة من نكاح، أو ملك».
فصل هنا بعض ما أجمله فيما تقدم في المحرمات بالمصاهرة، وهو أن من عقد على امرأة ولو لم يمسها، حرمت على آبائه وأبنائه، وحرمت عليه أمهاتها، أما الآباء فلقول الله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، وأما الأبناء فلقوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وأما أمهات من عقد عليها؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وإذا دخل بالمرأة، أو تلذذ بها، - قالوا ولو بمجرد النظر لغير الوجه والكفين - حرمت عليه بناتها لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، وقيد ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ خرج مخرج الغالب؛ فلم يعتبر جمهور العلماء مفهومه في تحريم بنت المنكوحة، بل هو عندهم من المفاهيم المهجورة، والتحريم بالنظر على ما تقدم لابن القاسم، والدخول بالمرأة يعرفه الناس من غير حاجة إلى بيان، وهو كناية عن المباضعة كما هو شأن كتاب الله تعالى في مثل هذا المقام، وهو معنى الإفضاء في قوله : ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والله تعالى حيي كريم يكني، ومن اعتبر غير الجماع دخولا؛ فبالحمل عليه، ولأن الأصل في الفروج التحريم، وتحقيق معناه في اللغة هو الذي يعول عليه، وقد نصر القرطبي في تفسيره ما ذكره أهل المذهب من التوسع في معنى الدخول بالمرأة فقال: «والدليل على أن بالنظر يقع التحريم؛ أن فيه نوع استمتاع، فجرى مجرى النكاح، إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ، وقد يحتمل أن يقال إنه نوع من الاجتماع والاستمتاع، وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا:
стр. 1433
أليس الليل يجمع أمَ عمرو … وإيانا فذاك بنا تدان؟
نعم وترى الهلال كما أراه … ويعلوها النهار كما علاني
وقوله «بنكاح أو ملك يمين أو بشبهة من نكاح، أو ملك»، حرمة البنت على من نكح أمها تقدم ذكرها، أما الحرمة بملك اليمين؛ فكما إذا ملك امرأة وتلذذ بها؛ فإنه يحرم عليه نكاح بنتها، وأما شبهة النكاح؛ فمثالها أن يتزوج امرأة خامسة غير عالم بالحرمة؛ فإن بنتها تحرم عليه متى دخل أو تلذذ، وإن كان النكاح باطلا مفسوخا، لكن اعتبرت شبهة النكاح في التحريم، ومن ذلك أن يتزوج من في العدة، أو يتزوج محرما غير عالم في الحالتين، ويدخل أو يتلذذ، ومثال شبهة الملك أن يشتري أمة ويتلذذ بها فتُستحق عليه، أو تُرد لبائعها بسبب عيب ظهر فيها، فروعيت شبهة ملك اليمين في التحريم أيضا احتياطا للفروج، لأن الأصل فيها التحريم، وقد فرق مالك -رحمه الله تعالى- في موطئه بين الحرام كالزنا، فإنه لا يحرم الحلال، وبين النكاح الصحيح، والنكاح الذي فيه شبهة فإنه يترتب عليه التحريم، وسيأتي ذكر قوله في شرح كلام المصنف:
стр. 1434
• قوله:
٢٣ - «ولا يحرم بالزنا حلال».
ما تقدم من التحريم بالمصاهرة؛ إنما يتم إذا كان النكاح صحيحا، أو فيه شبهة بعدم العلم بالتحريم لأنه يدرأ الحد، ويلحق فيه الولد بأبيه، أما إن كان ذلك زنا؛ فلا يحرم به شيء، كمن زنا بامرأة فلا تحرم عليه بنتها، ولا أمها، فإن الحرام لا يحرم الحلال، وهذه المسألة مما أخذ فيه المغاربة بقول الإمام في الموطإ مع أنه مخالف لما في المدونة التي يقدمونها على غيرها من الأمهات بما في ذلك الموطأ، وقد جاء فيه تحت ترجمة «نكاح الرجل أم امرأة قد أصابها على وجه ما يكره»؛ قال مالك في الرجل يزني بالمرأة فيقام عليه الحد فيها: إنه ينكح ابنتها، وينكحها ابنه إن شاء، وذلك أنه أصابها حراما، وإنما الذي حرم الله ما أصيب بالحلال، أو على وجه الشبهة بالنكاح، قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فلو أن رجلا نكح امرأة في عدتها نكاحا حلالا فأصابها؛ حرمت على ابنه أن يتزوجها، وذلك أن أباه نكحها على وجه الحلال لا يقام عليه فيه الحد، ويلحق به الولد الذي يولد فيه بأبيه،،،».
لكن جاء في المدونة (٢/ ٢٠٢) في جواب مالك على ما ذكر قال: «يفارقها ولا يقيم عليها، وهذا خلاف ما قال لنا مالك في موطئه، وأصحابه على ما في الموطإ، ليس بينهم فيه اختلاف، وهو الأمر عندهم»، انتهى، وقد حمل معظم أهل المذهب المفارقة على الوجوب، ومشهور المذهب الجواز اعتمادًا على ما في الموطإ، فإن كل أصحاب مالك عليه عدا ابن القاسم، وقيل بالتحريم اعتمادا على ما ذكره ابن حبيب رواية عن مالك أنه رجع عنه وأفتى بالتحريم إلى أن مات، والقياس الأول، ولأن الله تعالى إنما حرم أم المنكوحة وبنتها، والمقصود بالنكاح المشروع منه.
وقال الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٣٣٤): «فإن قلت:
стр. 1435
كيف يكون الراجح ما في الموطإ، وهو عدم التحريم بالزنى، مع رجوع الإمام عنه، مع أن المرجوع عنه لا ينسب إلى قائله، فضلا عن كونه راجحا؟، فالجواب أن أصحابه أخذوا من قواعده أن المعتمد عدم التحريم، فصار عدم التحريم مذهبا لمالك، وإن كان قوله مخالفا له، ولا شك أن ما يستنبطه أصحاب الإمام من قواعده من المسائل ينسب إليه، وإن لم يقله، ولا تكلم به»، انتهى.
قال كاتبه عفا الله عنه: لو اعتمد أصحاب مالك ﵏ هذا الذي اعتمدوه هنا في الموازنة بين الروايات؛ لحصل من الخير الشيء الكثير، ولو تكافأت أدلة الأقوال؛ لكان الأولى بالتقديم الموطأ، وأسباب تقديم المدونة عليه عند الاختلاف معروفة، والتزام ذلك ليس متعينا لمن آتاه الله بصيرة في دينه، وممن كثر تنويهه بهذه المسألة ابن العربي ﵀، فقد قال في أحكام القرآن (٢/ ٣٨٧): «عن مالك في ذلك روايتان، ودع من روى، وما روى!!، أقام مالك عمره كله يقرأ عليه الموطأ، ويقرئه، لم يختلف قوله فيه: إن الحرام لا يحرم الحلال، ولا شك في ذلك،،،».
стр. 1436
• قوله:
٢٤ - «وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح».
دلّ على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، فهذا عموم خص بآية المائدة عند الجمهور، وقد جرى كتاب الله في مواضع على التفريق بين المشركين وأهل الكتاب، فبقي ما عدا الكتابيات على التحريم، ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أما منع الاستمتاع بملك اليمين من غير أهل الكتاب؛ فإنه من باب الإلحاق إذ المعنى واحد، وقد نَقَل الباجي في المنتقى اتفاق الفقهاء عليه.
стр. 1437
• قوله:
٢٥ - «ويحل وطء الكتابيات بالملك، ويحل وطء حرائرهن بالنكاح».
أما دليل حل النساء الكتابيات بالنكاح فقول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر يؤيده وصف الإيمان الذي قيد به نكاح الإماء عند فقد الطول وخوف العنت في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أما حل وطء الكتابيات بملك اليمين فلعموم قول الله تعالى: أو ما ملكت أيمانكم»، وهذا الحل هو من جملة ما خص الله تعالى به المسلمين في علاقتهم بأهل الكتاب دون غيرهم من الكافرين، ومن ذلك حل ذبائحهم، ومنه الاتفاق على تقريرهم على دينهم، مع أخذ الجزية منهم، وممن ألحق بهم وهم المجوس، ويراد بذلك تمكينهم من الاطلاع على محاسن الإسلام لعلهم يسلمون، ولهذا كان سهم المؤلفة قلوبهم من جملة مصارف الزكاة، وهو دليل على أن الكفر وإن كان كله شرا فإن بعضه أخف من بعض.
стр. 1438
• قوله:
٢٦ - «ولا يحل وطء إمائهن بالنكاح لحر ولا لعبد».
دلّ على ذلك ما تقدم من وصف المحصنات في سورة المائدة، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهو مخصوص بآية المائدة عند الجمهور، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]، وجه الدلالة منه أن الله أباح تزوج الأمة في حال عدم الطول مع خوف العنت، وقيد ذلك بالأمة المؤمنة، فبقي من عدا المؤمنات على أصل المنع، أما شمول الآية للحر والعبد؛ فلأن أصل الخطاب عدم الفرق بينهما.
стр. 1439
• قوله:
٢٧ - «ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده».
جاء في هذا آثار كثيرة أوردها سحنون في المدونة (٢/ ١٨٨)، وثمة آثار عن عمر بن الخطاب ﵁ في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وفيها التصريح بالحرمة، والهم برجم المرأة، ولأن تزوج المرأة عبدها يحصل بسببه تعارض بين ملكها رقبته، فهو مسخر لخدمتها، وطاعتها واجبة عليه، وهو من جملة مالها تبيعه وتهبه، ويجب عليها الإنفاق عليه، فكيف يجتمع ذلك مع كونه زوجا يجب عليه أن ينفق عليها، مع وجوب طاعتها له، فلهذا التعارض بين الحقوق؛ منع زواجها به.
ومن كانت له أَمَة؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوجها، لما سبق من أن التزوج بالإماء مشروط بعدم الطول وعدم استطاعة تزوج الحرائر مع خوف العنت، وزيادة على هذا فإن مالك الأمة يباح له الاستمتاع بها من غير حاجة إلى نكاح، وسببية ملك اليمين في الاستمتاع أقوى من سببية الزواج، فما الحاجة إلى ضم سبب أضعف إلى ما هو أقوى منه؟، فإذا أراد أن يتزوجها فليعتقها.
أما أن المرأة لا تتزوج مملوك ولدها، والأب لا يتزوج مملوكة ولده؛ فلما لهما من الشبهة في مال الولد، ولذلك لا يقطعان إذا سرقا ماله، فإذا فعلا فكأنما تزوج كل منهما أمته، وقد قال النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» رواه البيهقي عن جابر، وقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو.
стр. 1440
• قوله:
٢٨ - «وله أن يتزوج أمة والده وأمة أمه».
وهذا لأن الابن لا شبهة له في مال والديه، فإنه يقطع إذا سرق مالهما، وهل يشترط في تزوجه بأمة أمه وأمة أبيه خوف العنت كما هو الأمر في تزوجه أمة غيرهما؟، المذهب عدم اعتبار ذلك الشرط هنا، فإنهم لما عللوا المنع من تزوج الحر بالأمة بالتسبب في استرقاق الولد، لأنه تابع لأمه في الرق، وهي مملوكة للغير؛ وكان ابن الابن يعتق على جده جبرا؛ قالوا يجوز للولد أن يتزوج أَمَة أبيه وأَمَة أمِّه من غير خوف العنت، وعلة الخوف من استرقاق الولد مستنبطة، ومع ذلك علقوا عليها الحكم كما ترى.
следующие страницы →