Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
• قوله:
٧٠ - «والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك، وينتهي الكشف عنه، ثم تعتد كعدة الميت، ثم تتزوج إن شاءت، ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله».
المفقود عند مالك على أربعة أوجه، كما في المقدمات لابن رشد، وفي الاستذكار (٦/ ١٣٤) لابن عبد البر، والذي ذكره المؤلف أحدها، وهو من فقد في بلاد المسلمين في غير حرب، ولا مجاعة، أو وباء، كأن خرج لتجارة أو غيرها، لأن من هذا شأنه يغلب على الظن هلاكه، فهذا إن صبرت امرأته وانتظرت؛ فهو خير لها، وإلا شرع لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليبحث عنه، فإذا انقضى أمد البحث، وهو أربع سنين ولم يعلم خبره من حياة أو موت؛ اعتدت عدة وفاة، فإذا انقضت العدة؛ جاز لها أن تتزوج إن شاءت، وإنما يجب عليها ذلك الانتظار إذا كان له مال تنفق منه على نفسها، فإن لم يكن له مال؛ فلها طلب الطلاق من غير انتظار، وليس انقضاء العدة التي تضرب لها بمحرم لها على زوجها، فإنه إذا جاء ولما تتزوج بعد؛ فهو أحق بها، ولا يوزع ماله حتى يمر على غيبته من الزمان ما لا يعيش لمثله، وقد اعتمد في مدة تربص امرأة المفقود على ما أثر عن عمر من قضائه ﵁ بذلك في زوجة من اختطفته الجن كما رواه ابن أبي شيبة (١٦٨٦٩) وغيره، ولقوله ﵁: «أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل»، لفظ مالك في الموطإ (١٢١٣)، قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٣٣): «وأخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر أنها تتربص أربع سنين»، وذكر ممن صح عنهم مثل قول عمر: عثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ﵃، وجاء عن ابن مسعود في رواية، وعن علي أنها تنتظر حتى يقدم أو يموت.
стр. 1507
واعتبر بعضهم تلك المدة تعبدية، والظاهر أنها اجتهاد من عمر ﵁، وافقه عليه من وافقه من الصحابة، قال مالك: «وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها، فدخل بها زوجها، أو لم يدخل بها؛ فلا سبيل لزوجها الأول إليها»، ومفهومه أنها إن لم تتزوج؛ فهو أحق بها كما سبق.
وأهل المذهب على أن للمرأة أن ترفع أمرها إلى الحاكم أو إلى والي الماء، أو إلى جماعة المسلمين، قيل على الترتيب، وقيل على التخيير، والصواب إن شاء الله: أن ذلك على الترتيب بين الحاكم والجماعة، لما في الرفع إلى غير الحاكم من الافتيات عليه، ولأنه هو الذي يمكنه البحث، فإذا كانت المرأة التي فقد زوجها في بلد لا حاكم إسلامي فيه، فإنها ترفع أمرها إلى جماعة المسلمين.
أما الأنواع الثلاثة الأخرى فهي المفقود بين الصفين في أرض العدو، والأسير الذي تعرف حياته وقتا ثم ينقطع خبره، وهذان ينتظر بهما ما لا يعيشان إليه من السنين، ومفقود في الفتن التي بين المسلمين، وهذا يجتهد فيه الإمام على غالب ظنه.
стр. 1508
• قوله:
٧١ - «ولا تخطب المرأة في عدتها، ولا بأس بالتعريض بالقول المعروف».
العدة هي فترة تربص لا تجوز فيها الخطبة، لأنها تصريح بالرغبة في النكاح، والذي أباحه الله تعالى في العدة هو التعريض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فدلت إباحة التعريض على منع مقابلها وهو التصريح بالمفهوم، ودل المنع من التصريح بالخطبة؛ على المنع من عقد النكاح بمفهوم الأولى، غير أن ربنا صرح بمنعه في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والتعريض أن يذكر شيئا ويريد غيره كأن يقول إني فيك لراغب، وأنا لك محب، وأبشري بالخير، ووددت لو أن الله تعالى يسر لي امرأة صالحة، وبعض هذه الألفاظ يماس التصريح، والمذهب أن التعريض بالقذف قذف؛ لزجر الطباع اللئيمة، ولا حرج فيه في العدة للرفق بالطباع السليمة.
واعلم أنه لا يجوز التعريض في الطلاق الرجعي بالاتفاق، لأن عصمة المطلق فيه قائمة، وإنما يجوز في الطلاق البائن بقسميه، وللمتوفى عنها زوجها، والذي يحرم عليه التصريح بالرغبة في النكاح إنما هو غير المطلق، أما هو فيجوز له ذلك، بل يجوز له أكثر من ذلك وهو العقد في العدة لأنها منه.
стр. 1509
• قوله:
٧٢ - «ومن نكح بكرا؛ فله أن يقيم عندها سبعا دون سائر نسائه، وفي الثيب ثلاثة أيام».
قوله فله أن يقيم عندها، وفي نسخة فلها أن يقيم عندها، والموضع المناسب لذكر هذا هو ما سبق من وجوب العدل في القسم بين الزوجات، لكونه استثناء منه يخص الزوجة الجديدة، فمن نكح بكرا؛ أقام عندها سبعة أيام من غير أن يعتبر ذلك في القسم الواجب، ومن نكح ثيبا؛ أقام عندها ثلاثة أيام، فإذا انقضى ذلك ابتدأ بالقسم، من غير اعتبار لذلك التفضيل، قيل يبدأ بأيتهن شاء، والظاهر أنه يبدأ على ما سبق من الترتيب، على أن تكون الجديدة هي الأخيرة، وفي ذلك مراعاة الشارع للفروق بين الناس، لحاجة البكر إلى المؤانسة أكثر من حاجة الثيب، ودليل ما تقدم أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: «إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك؛ سبعت لنسائي»، رواه مسلم (١٤٦٠)، والهوان انحطاط المنزلة، والمراد بالأهل فيه نفسه ﷺ ، وقيل أهلها هي، وجاء في الصحيحين (خ/ ٥٢١٣) من حديث أبي قلابة عن أنس ﵄: «السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا».
وقد اختلف في إيثار البكر بسبع والثيب بثلاث، هل هو حق الزوجة، أو حق الزوج، وهما روايتان على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في المعونة، وهو في النوادر أيضا، وعليهما تتخرج النسختان في قول المؤلف «فله أن يقيم،،،»، بتذكير الضمير وتأنيثه، وعلى الأول يقضى لها به، وعلى الثاني لا يقضى، وحكى ابن القصار أن ذلك حقهما وهو الذي ذهب إليه ابن العربي في المسالك، والظاهر أنه حقها لأن النبي ﷺ لم يستأمر أم سلمة إلا بعد ثلاث، ويدل على ذلك أيضا التوطئة التي قدمها بين يدي ذكره عدم الزيادة على ثلاث، فهي كالاعتذار عن عدم الزيادة، لكون ذلك حكما شرعيا.
стр. 1510
وقد رأى بعض الناس في إيثار الشارع الزوجة الجديدة بما ذكر من الأيام دليلا على أن للزوج أن يترخص بترك الجماعة والجمعة، حكاه سحنون عن بعض العلماء، قالوا لا يخرج، وذلك لها بالسنة، وهو قول ساقط لا ينبغي الالتفات إليه، قال مالك ﵀ كما في العتبية من رواية ابن القاسم: «لا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن حضور الصلوات في جماعة، وهو في النوادر (٤/ ٦١٢)، وفي العتبية أيضا عنه: «،،، وإذا كان من يُنظر إليه يفتي بالجهالة؛ جرت في الناس»، انتهى، وقال ابن رشد في البيان والتحصيل معلقا على القول بالسقوط: «وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك ﵀، وغلطة غير خافية»، وانظر المسالك لابن العربي (٥/ ٤٧٦).
стр. 1511
• قوله:
٧٣ - «ولا يجمع بين الأختين في ملك اليمين في الوطء، فإن شاء وطء الأخرى؛ فليحرم عليه فرج الأولى ببيع، أو كتابة، أو عتق، وشبهه مما تحرم به».
تقدم ذكر حرمة الجمع بين الأختين في النكاح، وهكذا الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وذكر ضابط من لا يجوز الجمع بينهما، وذكر هنا منع الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فمن ملك أختين ملك يمين؛ حرم عليه الاسمتاع بهما معا، فإن لم يطأ واحدة منهما؛ فهما على ملكه، وإن وطئ إحداهما، فلا تحل له الأخرى ويترك لدينه، فإن عن له أن يستمتع بالأخرى؛ فليحرم الأولى على نفسه ببيع، أو كتابة، أو عتق، أو تزويج، أو غير ذلك مما تحرم به عليه، ورأى بعض أهل العلم أنه لا يبقي في ملكه الأختين ولو لم يستمتع بإحداهما، بل يتعين عليه أحد تلك الأمور قبل ذلك.
стр. 1512
• قوله:
٧٤ - «ومن وطئ أمة بملك؛ لم تحل له أمها، ولا بنتها، وتحرم على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح».
سبق القول في تحريم أم المنكوجة بمجرد العقد، وذكر هنا أن أم الأمة تحرم بالوطء، وذلك لأنه لا عقد على المملوكة، وكما تحرم بنت المنكوحة بالدخول بأمها؛ تحرم بنت الأمة على مالكها إذا وطئها، وتحرم بذلك على أبيه وجده، وعلى أبنائه وأبناء أبنائه كما يحرم ذلك بالنكاح، وهذا قياس، فتحريم مصاهرة الملك كتحريم مصاهرة النكاح في الجملة، إلا أن تحريم بعض المصاهرة بالنكاح لا يتوقف على الوطء، كتحريم أم المعقود عليها، بخلاف تحريم المصاهرة بالملك.
стр. 1513
• قوله:
٧٥ - «والطلاق بيد العبد دون السيد».
تقدم أن العبد لا يصح نكاحه دون إذن سيده، لما في تزوجه من الإضرار بمصلحته، لكن إذا تزوج بإذنه؛ فليس للسيد الافتيات عليه بتطليق زوجته منه، لأنه لما قبل تزويجه؛ فقد قبل ما يترتب على الزواج من نقصان خدمته، وهكذا إذا طلق العبد فليس للسيد رد طلاقه من باب أولى، فإنه بإذنه له في النكاح أذن له في كل ما يستتبعه من آثار في الاستمرار والإنهاء، وقد استدلوا على ذلك بحديث ابن عباس مرفوعا: «يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما؟، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق»، رواه ابن ماجة (٢٠٨١) وغيره عن ابن عباس، وفيه ابن لهيعة، والمعتمد في الاستدلال استصحاب الأصل، وهو كون العصمة بيد الزوج، والحال أنه بالغ عاقل، وفي الموطإ (١٢١٢) في ترجمة ما جاء في طلاق العبد، أن عبد الله بن عمر كان يقول: «من أذن لعبده أن ينكح؛ فالطلاق بيد العبد، ليس بيد غيره من طلاقه شيء، فأما أن يأخذ الرجل أمة غلامه، أو أمة وليدته فلا جناح عليه»، انتهى.
قلت: لكن إذا طلب السيد من العبد الطلاق، ولم يكن ثمة مانع؛ فيظهر أنه يتعين عليه الاستجابة له، إذ لا يصلح الأمر إلا بذلك، وعلاقة العبد بسيده في لزوم الطاعة لا تقل عن علاقة الولد بوالده، وقد جاء ما يدل على استجابته له إذا طالبه بتطليق زوجته، والله أعلم.
стр. 1514
• قوله:
٧٦ - «ولا طلاق لصبي».
سبق القول أنه يجوز لولي الصبي تزويجه، وكذلك من له عليه وصاية، لما في ذلك من المصلحة له، فإذا زوج؛ فإنه لا يصح منه الطلاق لعدم تكليفه، فإن الطلاق إنما يصح من المسلم المكلف غير السكران بحلال، وحيث قيل بعدم مضي طلاق الصغير؛ فإن الطلاق يكون بيد وليه لمصلحته، وقالوا يصح طلاق الصغير والكافر لغيره إذا وكله، لأن المطلق حقيقة الزوج، وتعتد المرأة من يوم إجازته لا من يوم الطلاق.
واعلم أنهم قالوا بصحة بيع الصبي مع توقف ذلك على إجازة وليه، فانظر وجه الفرق بين الأمرين.
стр. 1515
• قوله:
٧٧ - «والمملكة والمخيرة لهما أن يقضيا ما دامتا في المجلس».
أصل هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا»، رواه البخاري (٥٢٦٢)، ومن الأدلة تخيير بريرة، فاختارت الفراق وهو في الصحيح، والتمليك كما في شرح أبي الحسن على الرسالة: «هو جعل الزوج إنشاء الطلاق حقا لزوجته أو لغيرها راجحا في الثلاث، يخص بما دون الثلاث بالنية، وليس له العزل»، ومثاله أن يقول لها: ملكتك نفسك أو أمرك، أو طلاقك بيدك، أو أنت طالق إن شئت، هكذا ضبطه بعضهم، أما التخيير؛ فهو جعل إنشاء الطلاق ثلاثا حكما أو نصا عليها؛ حقا للزوجة، ولغيرها، كأن يقول لها: «اختاريني، أو اختاري نفسك، أو يقول: اختاريني أو اختاري طلقة، أو طلقتين، ومشهور المذهب هو التفريق بين التمليك والتخيير على النحو الذي تقدم، وأكثر الفقهاء على عدم الفرق بينهما، وهو قول جماعة من المدنيين، ومنهم عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ونسبه ابن شعبان للكثير من الأصحاب، فمن ملك امرأته أو خيرها حسب ما تقدم؛ كان ذلك لها ما دامت في المجلس، وجعل بعضهم مشي المرأة واشتغالها بحديث غير التمليك، أو عمل غير التمليك؛ مسقطا لحقها، واحتجوا لذلك بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
والرواية الثانية عن الإمام أن لها الخيار ولو انتهى المجلس، ما لم يعلم أنها تركته، قالوا ويعلم ذلك بأن تمكنه من نفسها بقربان أو مباشرة، وهي الرواية التي قواها القرطبي، واحتج لها بقول النبي ﷺ لعائشة: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»، وهذا حق.
стр. 1516
• قوله:
٧٨ - «وله أن يناكر المملكة خاصة فيما فوق الواحدة، وليس لها في التخيير أن تقضي إلا بالثلاث، ثم لا نكرة له فيها».
يختلف أمر المملكة عن المخيرة، فالمملكة إن طلقت نفسها واحدة؛ فلا مناكرة للزوج عليها، أي لا اعتراض، لأن الواحدة أقل الطلاق، وله المناكرة فيما زاد عليها، وذكروا لذلك شروطا منها أن ينكر ذلك حين سماعه منها، وأن يدعي أنه نوى واحدة أو اثنتين في حال تمليكه، وأن يكون تمليكه طوعا، وأما المخيرة؛ فإما أن تخير في العدد أو في النفس، فإن خيرت في النفس؛ فقالت اخترت واحدة، أو اثنتين؛ لم يكن ذلك لها، وبطل خيارها، لأن الطلقة الواحدة أو الاثنتين في المدخول بها لا تحرمانها عليه، فلا يثبت لها الخيار، وإن قالت اخترت نفسي؛ كان ثلاثا، ولا يقبل قولها إن فسرت بما دون ذلك متى كان التخيير في النفس، أما التخيير في العدد؛ فليس لها أن تختار زيادة على ما جعل لها، وإذا كان إيقاع الطلاق ثلاثا من الزوج في كلمة واحدة بدعة، وقد علمت الخلاف فيه، فكيف يسوغ أن يخير أو يوكل فيها المؤمن زوجته أو غيرها؟، وإذا كان المعتمد ما في القرآن والسنة من تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ فكيف يصح منه أن يخيرهن في غير المشروع، وهو الطلاق البات، ولو كان دون الثلاث؟.
لكن قد يقال: إن من أثبت التخيير ثم زعم أنه لا يترتب على اختيار المرأة نفسها إلا طلقة رجعية يتعارض مع ذلك الإثبات، لأنها لا تملك نفسها حينئذ، بل بعلها أحق بها، والجواب: أنه لا شيء عليها في ذلك حيث لم يضارها، والحال أن الطلاق إنما جاء منه، فلا يخرج عن أصله، فإن كان قد سبق له عليها طلقتان؛ بانت منه، والله أعلم.
واعلم أن للعلماء في وقوع الطلاق بتخيير المرأة ثلاثة أقوال، الأول: اعتبار قول الزوج ذلك لزوجته طلاقا، ولو اختارته، فرأوا أن قوله لها اختاري؛ كناية عن الطلاق،
стр. 1517
والثاني أن الطلاق إنما يقع إذا اختارت الزوجة نفسها، وقد نقله مالك في الموطإ (١١٨٩) عن ابن شهاب، مع اختلافهم في الذي يقع باختيارها، وقد صرح مالك أنها إن اختارت نفسها فهو الثلاث، وليس له ان يناكرها في ذلك، وقد دل قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئا»، أن مجرد التخيير لا يقع به الطلاق، ومفهومه أنهن لو اخترن أنفسهن؛ لوقع الطلاق، لكن ستعلم أن هذا المفهوم معارض بمنطوق القرآن، وفي الموطإ (١١٧٠) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبة بنت أبي أمية فزوجوه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن وقالوا ما زوجنا إلا عائشة، فأرسلت عائشة إلى عبد الرحمن، فذكرت ذلك له، فجعل أمر قريبة بيدها، فاختارت زوجها، فلم يكن ذلك طلاقا»، وثمة آثار أخرى مثله، والثالث أن الطلاق لا يقع بالتخيير نفسه، بل بإيقاع الزوج له، ويدل عليه كتاب الله بالمنطوق، قال جلت قدرته: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وهو مقدم على المفهوم في حديث عائشة المذكور آنفا.
стр. 1518
• قوله:
٧٩ - «وكل حالف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ فهو مول».
الكلام هنا عن الإيلاء، وهو في اللغة الامتناع، وهو اليمين أيضا، لأن الامتناع عن الشيء يتقوى باليمين، وهذا المعنى موافق لحقيقة الإيلاء في الفقه، فإنه حلف المسلم المكلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر قصد الإضرار، فخرج بالمسلم الكافر، إلا إذا تحاكموا إلى المسلمين، فينظر في الأمر لرفع الضرر، وخرج بأكثر من أربعة أشهر ما إذا حلف أن لا يطأ أربعة أشهر أو أقل، فلا يدخل في الإيلاء، لكنه لا يلزم منه عدم الإثم إذا كان قصده المضارة، وقد يكون مشروعا إذا رمى به إلى تأديب زوجته لنشوز أو لغيره مما يستدعي ذلك، وقد آلى النبي ﷺ من نسائه شهرا، والظاهر من هذا التوقيت أن المرأة وإن كان لها الحق في الإعفاف بالوطء حسب قدرة الزوج إلا أنها لا تقاضيه فيما كان أقل من ذلك، وضرب تلك المدة؛ من الإصلاح الذي جاء به الإسلام لما كانوا عليه في الجاهلية من قصد إيذاء المرأة بالحلف على عدم قربانها السنة والسنتين كما ورد ذلك عن ابن عباس، وقيد الإضرار يخرج ما إذا آلى من امرأته المرضع ليجنب ولده الضرر المحتمل من الغيلة بكسر الغين، أي مجامعة الرجل زوجته وهي ترضع، وقد هم النبي ﷺ أن ينهى عنها، ويلحق بذلك ما إذا كان لمرض فيه، أو في المرأة، فيحلف ليلزم نفسه، فهذا لا يعتبر موليا، قال مالك في الموطإ (١١٧٨): «من حلف لامرأته أن لا يطأها حتى تفطم ولدها فإن ذلك لا يكون إيلاء، وقد بلغني أن علي ابن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء»، وإنما لم يعتبره إيلاء لعدم قصده المضارة، وفيه خلاف، وظاهر كلام المصنف وقوع الإيلاء.
وكل من لزمه الطلاق يلزمه الإيلاء وهو الحر والعبد والسكران والسفيه والخصي إذا لم يكن مجبوبا والشيخ إذا كان فيه بقية نشاط، وفي لزوم الطلاق والإيلاء والظهار
стр. 1519
للسكران الطافح نظر، وقد قيل فيما يلزم السكران وما لا يلزمه:
لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود
وقد ذكر الله تعالى الإيلاء عقب ذكره اليمين لأنه أخص منه فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ و ٢٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ يخرج ملك اليمين، إذ لا حق للمملوكة في الاستمتاع، والتربص الانتظار، والفيئة الرجوع عن الإيلاء، ولا تكون إلا بالوطء من القادر عليه، أما العاجز عنه والمسجون ونحوهما فلا يمكنهم ذلك، فيكتفى بإعلانهم الرجوع عن الإيلاء، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يشير إلى تشوف الشرع إلى الفيئة، فلذلك قدمها على العزم على الطلاق، وجواب الشرط فيه إشارة إلى أن الذي ارتكبوه قد يكون معصية تقع في حيز الغفران بالتوبة وتكون بالفيء، والفاء في قوله فإن؛ تفيد التعقيب، فيستدل بذلك على أن الإيلاء لا يكون إلا بما زاد على الأربعة أشهر، فالمعنى عليه فإن فاؤوا بعد ذلك، أما على أن الإيلاء أربعة أشهر فحسب؛ فيكون المعنى فإن فاؤوا فيهن، واعتبر ابن العربي المعنيين محتملين متكافئين، وبناء على ذلك رجح القرطبي الأول الذي هو المشهور، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ يؤخذ من ظاهره أن الطلاق لا يقع بمضي مدة الإيلاء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فإن لذكر صفتي السمع والعلم مدخلا في ذلك الترجيح، وهو الذي رواه مالك عن علي بن أبي طالب، وعن عبد الله بن عمر، ﵃، وقال بعده: «وذلك الأمر عندنا»، وكأنه إنما روى عن علي ليرد بذلك على الكوفيين الذين يرون مضي المدة طلاقا، وعلي ﵁ انتشر علمه في الكوفة موطن القائلين به، والقول بعدم الطلاق بمجرد مضي المدة أوفق بمقاصد الشرع في التماس وسائل الإصلاح، واستنفاذ طرقه، ولذلك قال المؤلف:
стр. 1520
• قوله:
٨٠ - «ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء، وهو أربعة أشهر للحر، وشهران للعبد، حتى يوقفه السلطان».
وإنما ذكر ذلك لأن هناك من يرى وقوع الطلاق بمجرد مضي مدة الإيلاء، وهو في الموطإ (١١٧٦) عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وفيه أيضا أن مروان بن الحكم كان يقضي به، والعمدة في عدم وقوع الطلاق قول علي ﵁ ونحوه قول ابن عمر: «إذا آلى الرجل من امرأته؛ لم يقع عليه طلاق، وإن مضت الأربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء»، قال مالك: «وذلك الأمر عندنا».
والطلاق في الإيلاء رجعي، ولو أوقعه الحاكم، ومثله الطلاق لأجل الإعسار بالإنفاق، لأنه طلاق لأجل علة يمكن أن تزول فإذا زالت أمكن التدارك، ولعل الأولى تقييده بكونه رجعيا في حالة عدم التمكن من تبين قصد الزوج المضارة، ولذلك فإنه إن راجعها ولم يفئ بالوطء، مع قدرته عليه؛ فهو ليس برجعة عند مالك، ولم يذهب أحد مذهبه هذا كما قال ابن عبد البر، وقوله حتى يوقفه السلطان أي يدعوه إلى الفيء، فإن أبى؛ طلق عليه، وقيل يأمر الزوجة بتطليق نفسها!، فأما تنصيف مدة الإيلاء على العبد فبالقياس على الحد، وهو قول ابن شهاب في جوابه لمالك كما في الموطإ.
стр. 1521
• قوله:
٨١ - «ومن تظاهر من امرأته؛ فلا يطؤها حتى يكفر».
مما جاءت به هذه الشريعة الغراء، تمييز الأشياء بعضها عن بعض، والابتعاد عن اللبس والخلط في الاعتقاد والقول والعمل، فما حرم الله من الأشياء ليس كما أحل، ولذلك كان قول الحرام فيه كفارة، وكان الدعي ليس كالولد، والمسلم ليس كالمجرم، وجاء اللعن لمن ادعى إلى غير مواليه، والزوجة المظاهر منها ليست أما، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب: ٤]، وإنما تجاوز ربنا عنا إذا قلنا خطأ عن غير الولد ولدا، ومثله غيره مما نغلب عليه، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢]، وفي مختصر خليل: «وأدب قائل يا أمي ويا أختي»، والظهار من هذا القبيل وهو أن المظاهر في الجاهلية كان يرمي بقوله ذاك إلى تأبيد التحريم للمظاهر منها بتشبيه ما أحل الله له بما حرم عليه، فألغى الإسلام تأبيد التحريم، لكنه اعتبره منكرا من القول وزورا، وشرع له كفارة لشناعته، ومنع القربان قبل التكفير عنه، وسمي ظهارا لأن أصله أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، أي حرام علي قربانك كما يحرم علي قربان أمي، وإنما كان أصل الظهار هذا القول لأن الأم أقوى المحارم تحريما ولذلك ابتدأ الله تعالى ذكر المحرمات بذكرها، وحد الظهار عندهم أنه «تشبيه مسلم مكلف امرأته بمحرمة عليه»، فخرج بالمسلم الكافر فلا يعتبر ظهاره.
فإن قلت: فلم اعتبر إيلاؤه؛ فالجواب: أن الظهار معصية تُكَفَّرُ، ولا سبيل للكافر
стр. 1522
إلى العبادات لتوقفها على قصد القربة، ولا يكون هذا القصد إلا بالإيمان، أما الإيلاء؛ ففيه مضارة بالزوجة فإن تحاكموا إلينا دفعنا الضر عمن لحق به، ولفظ المرأة في التعريف يشمل الحرة والأمة، لكنهم حملوا لفظ نسائهم في الإيلاء على خصوص الحرائر، لأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، وحملوه في الظهار على عمومه رعاية للمنع، وحملوه في تحريم إبداء المرأة زينتها في قوله تعالى: «أو نسائهن»، على خصوص المسلمات.
والتشبيه المذكور يكون بأن يقول لها أنت علي كظهر أمي أو أختي، ويكون صريحا كما مر، وكناية ظاهرة وهي ما سقط منها واحد من لفظي الظهر أو مؤبدة التحريم، كما لو قال: أنت علي كيد أمي، وقوله بمحرمة عليه؛ يشمل المحرمات بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو لعان، أو خامسة، أو في عدة، أو دابة، هكذا وسعوا التشبيه إلى كل محرم ولم يراعوا خصوص القرابة في المشهور، وهي رواية عن الإمام، وقال ابن عبد البر في الكافي عن الرواية الثانية: «وقد روي عنه نصا أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء»، انتهى، وهذه أقوى، فمن حصل منه الظهار فقد ارتكب منكرا وقال زورا كما بينته الآية الكريمة السابقة، والأمر الآخر أنه إن عزم على الرجوع عن ظهاره؛ فلا يجوز له أن يقرب امرأته حتى يكفر، فإن فعل فقد ارتكب مخالفة أخرى، وقد بين المصنف الكفارة بقوله:
стр. 1523
• قوله:
٨٢ - «بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، ليس فيها شرك ولا طرف من حرية، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ أطعم ستين مسكينا: مدين لكل مسكين، ولا يطؤها في ليل أو نهار؛ حتى تنقضي الكفارة، فإن فعل ذلك؛ فليتب إلى الله ».
ودليله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ و ٤]، وهي كما ترى أمور ثلاثة على الترتيب، أولها تحرير رقبة مؤمنة خالصة الرق، فلا يجزئ تحرير المدبر، ولا المكاتب، ولا المشترك، ولا أم الولد، فإن لم يجد الرقبة أو لم يقدر على ثمنها؛ صام شهرين قمريين متتابعين، فإن لم يستطع لضعف بنيته أو لغير ذلك من الأعذار؛ أطعم ستين مسكينا كلا مدا بمده ﵊، وقيل يطعمهم مدا بمد هشام، ومقداره مد وثلث، وهو المشهور الذي في المدونة، وفي مختصر خليل، وقد قال ابن العربي كلاما غليظا في اعتبار مد هشام هذا مرجعا في معرفة مقدار ما يخرج في الكفارة ففي في أحكام القرآن (٤/ ١٢٥٦): «وددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر بها الرسول ﷺ وقع عندهم الظهار وقيل لهم: «فإطعام ستين مسكينا» فهموه وعرفوا المراد منه، وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم، متقدر لهم، فقد كانوا يجوعون لحاجة، ويشبعون بسنة لا بشهوة،،،، حتى نفخ الشيطان في أذن هشام فرأى مد النبي ﷺ لا يشبعه ولا مثله من حاشيته ونظرائه، فسول له أن يتخذ مدا، فجعله رطلين، وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو ثلاثة أرطال، فغير السنة، وأذهب محل البركة،،،»، انتهى، ولعل وجه أخذ الإمام
стр. 1524
مالك بمد هشام أنه كان يرى مراعاة الشبع في كفارة الظهار، لأن الله تعالى أطلق الإطعام ولم يذكر الوسط، وخير من يقدر ذلك الحاكم، فاعتمد مد هشام لهذا المعنى، ولم يقصد أن يجعله مقدارا شرعيا، يؤيده ما روى عنه مطرف أنه كان يفتي في كفارة الظهار بمدين لكل مسكين، ويكره أن يقال مد هشام، قال الباجي وذلك: «لما بلغه أنه قد ظُن به أنه قد جُعل مقدارا في نفسه أنكره وكرهه»، ثم قال في المنتقى (٤/ ٤٥): «إن هذا المد موجود إلى اليوم وهو كيل السراة وغيرها من بلاد العرب،،،، ولا شك فيه ولا مرية، فقد شاهدت ذلك وباشرته وحققته،،،».
وقد عللواالزيادة في كفارة الظهار على كفارة اليمين بأن هذه قد نص فيها على أن الطعام يكون ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]، بخلاف الظهار فقد أطلق فيه الإطعام مع ما فيه من التغليظ، فكان المعتبر هنا الشبع، قال هذا ابن عبد البر، وينقضه أنهم يقولون في فدية الإفطار في رمضان مد، مع أن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]، ويقولون ذلك في بدل جزاء الصيد، والله تعالى يقول فيها: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]، أما فدية الأذى في الحج والعمرة فهي منصوصة، وقال بعضهم إن كون المدين هو المطلوب في الإطعام في كفارة الظهار إنما هو تغليظ على المظاهر لكونه قال منكرا من القول، وهذا لا يلزم، والذي يظهر هو أنه ما لم يأت نص أو إجماع يحتج به على اختلاف الإطعام في هذه الأمور أن أمره واحد كيفما كان، في فدية من أفطر، وفدية من أخر القضاء من غير عذر عن وقته، وفدية البدل في صيد البر للمحرم، وكفارة اليمين، وكفارة الظهار، فإما أن يؤخذ بمطلق الإطعام الذي يعني الشبع، وقد نص على مقداره في كفارة الفطر من رمضان في الحديث الصحيح، أما فدية الأذى للمحرم فقد جاء النص على مقدارها وهو مدان، والله المستعان.
والقدرة معتبرة قبل الشروع في الكفارة، لكن إن شرع في الصيام ثم أيسر بعد يوم أو يومين؛ استحب له أن يعتق، ولا يجب عليه ذلك لأنه دخل في نوع الكفارة بوجه مشروع، كمن شرع في الصلاة لعدم وجود الماء ثم حضر الماء، فإنه لا يجب عليه القطع، لاستصحاب الإجماع في موضع النزاع.
стр. 1525
• قوله:
٨٣ - «فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم؛ فليبتدئها».
جاء في كلام الله تعالى تقييد الكفارة أن تكون قبل المسيس في تحرير الرقاب، وفي الصيام، ولم يذكر القيد في الإطعام، فالظاهر حمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب، بل إن التقييد في الإطعام أولى لإمكان فعله دفعة، بخلاف الصيام فإنه يستمر شهرين، فإن استمتع بامرأته قبل أن يتم الكفارة؛ فليستأنفها، وإنما لم يذكر المؤلف أن تكون الكفارة بالعتق قبل التماس؛ لأنه لا يفعل إلا دفعة بخلاف الإطعام والصيام، والعلم عند الله.
стр. 1526
• قوله:
٨٤ - «ولا بأس بعتق الأعور في الظهار، وولد الزنا، ويجزئ الصغير، ومن صلى وصام أحب إلينا».
لفظ الرقبة المذكور في الكفارة في القرآن والسنة يشمل الكبير والصغير ولو رضيعا، قالوا ولو كان ابن غير مسلم كالنصراني واليهودي والمجوسي لجبره على الإسلام، كما يشمل ولد الزنا، ومن اللطائف أنهم قالوا إن من أعتق صغيرا وجب عليه الإنفاق عليه حتى يدرك، ومن أعتق شيخا كبيرا تعين عليه رعايته حتى يموت، لكن ينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن له من ينفق عليه من الأقارب، وإنما كان من صلى وصام أي بلغ حد التمييز أولى أن يعتق لأنه يستقل بنفسه ولا يحتاج إلى من يقوم على شؤونه في معاشه، وقد فضل ابن العربي ﵀ في كفارة اليمين الإطعام على العتاق متى كانت الحاجة إلى الطعام قائمة، وقال في أحكام القرآن (٢/ ٦٤٩): «لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجتهم، وزدت محتاجا حادي عشر إليهم»، انتهى، وهو نظر سديد، لكنك علمت في كفارة الظهار تقديم العتق على الإطعام.
стр. 1527
• قوله:
٨٥ - «واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعى قبله الاستبراء، أو رؤية الزنا كالمرود في المكحلة».
شرع الله تعالى حد القذف ثمانين جلدة على كل من قذف محصنا أو محصنة من المسلمين، إذا لم يقيموا البينة على ما رموا به غيرهم صيانة للأعراض المحرمة، لكنه جلت قدرته؛ استثنى الأزواج من هذا الحد، فشرع اللعان بين الزوجين، وكأنه من المستبعد أن يتهم الزوج زوجته بشيء من ذلك من غير مستند، لما في طباع الناس من الغيرة والحرص على صيانة أعراضهم، ولأن الزوج يعلم من زوجه ما لا يعلم من غيرها.
واللعان مفاعلة من اللعن، وهو الإبعاد والطرد، وكانت العرب تطرد الشرير وتسميه لعينا لئلا تؤاخذ بجرائره، والمراد هنا ما يجري بين الزوجين من التلاعن بألفاظ مخصوصة، وقد صار اللعان حقيقة شرعية، وسمي بأخطر كلمة في الشهادة الخامسة من الزوج المقدم في اللعان لأنه صاحب الدعوى، وهي قوله لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
وقد حد ابن عرفة اللعان بقوله: «حلف زوج على زنا زوجته، أو نفي حملها اللازم لها، وحلفها على تكذيبه، إذا أوجب نكولُها حدها، بحكم قاض»، والتعريف كما ترى يبين أن للعان سببين رمي الزوج زوجته بالزنا، بأن يراها تزني، أو نفيه أن يكون حملها منه، سواء كان ما يزال في بطنها أو وضعته، والمرود في كلام المؤلف بكسر الميم، هو الميل الذي يكتحل به، وهو المكحل اسم آلة، والمُكحُلة بمضمومين، ووزنها مما شذ في بابه؛ هو الوعاء الذي يجعل فيه الكحل، وهذان السببان متفق عليهما، وسيأتي الكلام على سبب آخر مختلف فيه وهو القذف المجرد، لكن ليس للزوج أن ينفي الحمل بعد علمه به وسكوته، وليس له أن ينفيه إلا إذا ادعى عدم الوطء، واستبرأ امرأته بعده، ولمالك في الاستبراء
стр. 1528
قولان: ثلاث حيض، وحيضة واحدة، وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وقيد اللازم لها مخرج لغير اللازم، كما لو أتت بالحمل لدون مدته وهي ستة أشهر، أو كان الزوج صبيا أو خصيا، فإن الحمل حينئذ يكون منفيا من غير لعان، مع فسخ النكاح لتبين وقوعه في العدة، وخرج بقوله وحلفها؛ ما إذا حلف الزوج ونكلت، أي امتنعت من الحلف، ولم يوجب النكولُ حدها، بأن اغتصبت وثبت اغتصابها فأنكر ولدَها؛ فلا لعان عليها ولا حد، واللعان عليه وحده لنفي الولد، وخرج بقوله بحكم قاض لعان الزوجين من غير قاض، فلا يعتبر لعانا شرعيا تترتب عليه آثاره.
وحكم اللعان لنفي الحمل؛ الوجوب متى توفرت شروطه، لأنه إن لم ينفه؛ لزم استلحاقه، واستلحاق من ليس ولده محرم، أما إذا كان لرؤية الزنا فلا يجب بل يجوز، لما في التستر من الخير، ويحرم إن كان مبنيا على الظنون والأوهام كما هو عادة كثير من الناس.
وذكر في التعريف الزوج والزوجة؛ يريد أن اللعان يقع بين كل زوجين؛ لا فرق بين أن يكونا حرين أو عبدين، عدلين، أو فاسقين، مؤمنين، أو كافرين تحاكما إلينا، لأن خطاب الله إنما هو للمؤمنين، وإنما رأوا وقوع اللعان بين الكافرين؛ لأنه عندهم يمين، فكل من جازت يمينه؛ ساغ لعانه، ولأنه لدفع الضرر كما تقدم في الإيلاء، بخلاف الظهار.
стр. 1529
• قوله:
٨٦ - «واختلف في اللعان في القذف»
هذا هو ثالث أسباب اللعان، وهو قذف الزوج زوجته مجردا، كأن يقول لها يا زانية، أو لقد زنيت، ولم يقيد ذلك برؤية، أو نفي حمل، فاختلف فيه هل يشرع معه اللعان، أم لا يشرع، فقال ابن القاسم هو سبب للعان، وقال غيره يحد ولا لعان، وظاهر القرآن أنه يلاعن لدخول ذلك في الرمي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، ولخصوصية الزوج في رمي زوجته كما سبق.
стр. 1530
• قوله:
٨٧ - «وإذا افترقا باللعان؛ لم يتناكحا أبدا».
متى تم اللعان بين الزوجين ترتبت عليه أربعة أحكام هي: قطع النكاح بمجرد الانتهاء منه على المشهور، ونفي النسب، ودرء الحد، وذكر المؤلف الرابع وهو تأبيد التحريم، ودليله قول النبي ﷺ لعويمر العجلاني: «لا سبيل لك عليها»، وقصة عويمر في الصحيحين فانظر (م/ ١٤٩٣)، ولا تحل الملاعنة بعد ذلك لزوجها السابق، ولو بعد زوج، وإذا أكذب نفسه بعد ذلك؛ لحق به الولد، وجلد الحد، لكنها لا ترجع إليه.
стр. 1531
• قوله:
٨٨ - «ويبدأ الزوج فيلتعن أربع شهادات: بالله ثم يخمس باللعنة، ثم تلتعن هي أربعا أيضا، وتخمس بالغضب، كما ذكر الله ، وإن نكلت هي رجمت إن كانت حرة محصنة بوطء تقدم من هذا الزوج، أو زوج غيره، وإلا جلدت مائة جلدة، وإن نكل الزوج؛ جلد حد القذف ثمانين، ولحق به الولد».
بيّن الله تعالى كيفية اللعان بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩]، وفي هذا السياق الكريم أن اللعان بين كل زوجين، فلا لعان بين الرجل وأمته، ولا بينه وبين أم ولده لأنها أمة، وفيه أن اللعان إنما يتعين إذا لم يكن للزوج من البينة ما يثبت به الزنا، وهو أربعة شهداء، وفيه أن الزوج هو الذي يبدأ في اللعان لأنه المدعي، ويحلف باللفظ المذكور، فإن كان اللعان لأجل نفي الحمل كانت يمينه أن يقول: «أشهد بالله ما هذا الحمل مني»، وإن كان اللعان بسبب رؤيته إياها تزني؛ كان اللفظ: «أشهد بالله لقد رأيتها نزني»، وفي الخامسة يقول: «لعنة علي إن كنت من الكاذبين»، فإن امتنع الزوج من اليمين جلد حد القذف، وألحق به الولد، وإن قال ذلك؛ فإما أن تقبل ملاعنته الشهادة بالحلف على تكذيبه، أو تنكل، فإن نكلت؛ أقيم عليها حد الزنا، وهو الرجم إن كانت محصنة منه، أو من زوج قبله، فإن كانت غير محصنة؛ جلدت مائة جلدة حد الزنا، وإن قبلت الملاعنة؛ فلتشهد أربع شهادات للرد عليه فتقول: «أشهد بالله إن الحمل الذي في بطني منه، وهذا الولد منه»، أو تقول أشهد بالله «ما رآني أزني»، وتقول في الخامسة: «غضب الله علي إن كان من الصادقين»، فإذا قالت ذلك درئ عنها الحد، وحرمت عليه أبدا.
стр. 1532
• قوله:
٨٩ - «وللمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها، أو أقل أو أكثر؛ إن لم يكن عن ضرر بها، فإن كان عن ضرر بها؛ رجعت بما أعطته؛ ولزمه الخلع، والخلع طلقة لا رجعة فيها إلا بنكاح جديد برضاها».
تقدم بعض الكلام على الخلع، ودليل ما ذكره من افتداء المرأة من غير تحديد قول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وهذا عموم يشمل ما كان أكثر من الصداق، وما كان أقل منه، لأن مرجعه إلى التراضي، ولأنه عندهم الطلاق بعوض، قال مالك: «لا بأس أن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها»، وقد جاء في حديث ابن عباس عند البخاري قول النبي ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: «اقبَل الحديقة وطلقها تطليقة»، وجاء في رواية ابن ماجة نهيه له أن يزداد، فتكون هذه الألفاظ مخصصة لعموم الآية، لكن ذلك قد لا يتيسر مع طول المدة وما يطرأ من النسيان، واختلاف قيم العروض، وإنما يصلح ذلك فيما كان قائم العين من الصدُقات، والله أعلم.
وإذا كان الزوج مضارا لامرأته وافتدت منه، وثبت إضراره؛ فإن الخلع يمضي، وترجع عليه بما أعطته، لأنه أخذه بغير وجه حق، وقد نهى الله تعالى الأزواج عن أخذ شيء من صدقات نسائهن بغير حق في أكثر من آية، وإنما أباح من ذلك ما تطيب به نفس المرأة، وما أخذه المضار ليس كذلك، وقد نص عليه مالك في الموطإ (١١٩١).
стр. 1533
• قوله:
٩٠ - «والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه، أو تفارقه».
الأمة إذا كان زوجها عبدا ثم عتقت؛ كانت مخيرة، فيجوز لها البقاء في عصمته، ويجوز لها أن تختار نفسها فيفرق بينهما، قيل إن ذلك على التراخي، وقيل على الفور، وعلى الأخير فإذا مكنته من نفسها بعد علمها بالعتق سقط حقها في الخيار وهو المذهب، كما يسقط خيارها بالقول، قالوا: ويعاقب الزوج إن وطئها عالما بالعتق والحكم، وفيه نطر، ولعل الشارع إنما جعل لها ذلك؛ لأن بقاءها في عصمته مضر بها لكونه مملوكا، أمره بيد سيده، فيخل ذلك بحقوقها عليه، ولأن صداق الأمة في الحقيقة لسيدها، ولأنها زوجت بولاية الملك، فلما تجدد لها هذا الأمر عوملت هذه المعاملة الخاصة اعتبارا به، أما الأمة التي تعتق وزوجها حر فلا خيار لها، لأن الأصل بقاء العصمة، والدليل جاء في الزوج العبد على الراجح من الروايتين، وفي الموطإ (١١٨٥) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان في بريرة ثلاث سنن: فكانت إحدى السنن الثلاث أنها عتقت، فخيرت في زوجها،،، الحديث، وفي صحيح مسلم: «وكان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله ﷺ »، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «في الأمة تكون تحت العبد فتعتق إن الأمة لها الخيار ما لم يمسها»، وفيه ما ذهب إليه مالك من أنها لا تعتذر بالجهل، فلا خيار لها بعد المسيس، ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال لبريرة حين أعتقت فخيرت وهي تحت مغيث عبد لآل أبي أحمد: «إن قربك فلا خيار لك»، (د/ ٢٢٣٦)، وفيه محمد ابن إسحاق وقد عنعن، ولو صح لتعين القول به، وقربك بكسر الراء من باب فرح، يقال قربه إذا دنا منه، وهو هنا كناية عن الجماع.
стр. 1534
• قوله:
٩١ - «ومن اشترى زوجته؛ انفسخ نكاحه».
معنى هذا أن من تزوج أمة ثم اشتراها من مالكها، أن نكاحها يبطل، لتعارض حقوق الرق مع حقوق الزوجية وقد تقدم بيانه، ولأن الاستمتاع بها يصير بملك اليمين، ولا مفهوم للشراء فإن الأمر كذلك إذا كانت من نصيبه في ميراث، أو عطية، أو هبة، وكذلك تحرم المرأة على زوجها العبدَ إذا اشترته أو وهب لها، فلا يجوز لها قربانه لا بنكاح ولا بالملك الذي لها عليه، فإن رغبت في الزواج منه فلتعتقه ثم لتتزوجه.
стр. 1535
• قوله:
٩٢ - «وطلاق العبد طلقتان، وعدة الأمة حيضتان».
قول المؤلف حيضتان، الصواب: طهران، لأن الأقراء في المذهب هي الأطهار كما تقدم، وما ذكره من باب القياس، فكما يتنصف الحد على العبد والأمة؛ فكذلك تتنصف العدة والطلاق، لكن لما كانت الثلاثة لا نصف لها؛ جبر الكسر، والقاعدة أن الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء، فمن كان حرا وطلق لم تحرم عليه مطلقته إلا بثلاث تطليقات، حرة كانت أو أمة، فإن كان عبدا فتحرم بتطليقتين، وتعتد هي إن كانت حرة عدة الحرة، وإن كانت أمة عدة الأمة، وقد احتج مالك في موطئه (١٢٠٨) بآثار عن سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي - وهذا لفظ الأول - أن نفيعا مكاتبا كان لأم سلمة زوج النبي ﷺ أو عبدا لها كانت تحته امرأة حرة فطلقها اثنتين، ثم أراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي ﷺ أن يأتي عثمان بن عفان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدرج آخذا بيد زيد بن ثابت فسألهما، فابتدراه جميعا فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك، قال ابن العربي في المسالك (٥/ ٦١٤): «ذكر هذه الآثار في هذا الباب ردا على أهل العراق حيث قلبوا القضية، وقالوا: الطلاق بالنساء، والعدة بالرجال».
стр. 1536
• قوله:
٩٣ - «وكفارات العبد كالحر، بخلاف معاني الحدود والطلاق».
إنما ألحقوا الطلاق بالحدود؛ لأن تحريم الزوجة بعدد منه؛ هو في معنى الجناية التي يترتب عليها العقاب، ولم يجر ذلك في الكفارات لأنها عبادات محضة، فاستوى فيها الحر والعبد.
стр. 1537
• قوله:
٩٤ - «وكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن؛ فإنه يحرم، وإن مصة واحدة، ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين، إلا ما قرب منهما كالشهر ونحوه، وقيل والشهرين».
ألحق الشرع الرضاع بالنسب في تحريم الزواج، وجواز النظر، والخلوة، والسفر، ولم يلحقه به في الميراث، ووجوب الإنفاق، ولزوم العتق بالملك، والشهادة، والعقل، أعني الدية، وإسقاط القصاص، ووجه ذلك أن الرضاع المعتبر شرعا يجعل بنية الشخصين مشتركة بسبب اللبن الذي ينفصل من المرأة، لكنه لا يصل إلى قوة النسب، والمراد هنا بيان الرضاع الذي يتم به التحريم في القدر والزمان، فأما القدر؛ فكل ما وصل إلى جوف الرضيع ولو مصة، فإنه ينشئ الحرمة، لأن التحريم جاء مطلقا في كتاب الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]، ويصدق ذلك على القليل والكثير، ولقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وقوله: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة»، وهو في الموطإ أول كتاب الرضاع عن عائشة وفي أول أبواب الرضاع من صحيح البخاري، أي يحرم بسبب الثاني مثل ما يحرم بسبب الأول، كالأمهات، والأخوات، والعمات، والخالات، قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٧٧) نقلا عن القرطبي: «في الحديث دلالة على أن الرضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها، يعني الذي وجد الإرضاع بلبن ولده منها، أو السيد، فتحرم على الصبي لأنها تصير أمه، وأمها لأنها جدته فصاعدا، وأختها لأنها خالته، وبنتها لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلا؛ لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنت بنته فنازلا؛ لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدا لأنها جدته، وأخته لأنها عمته،،،،»، انتهى.
واعلم أنه قد صح ما ينبغي اعتماده في تقييد التحريم بمطلق الرضاع الذي دل
стр. 1538
عليه كتاب الله تعالى، من ذلك قول النبي ﷺ : «لا تحرم المصة والمصتان»، رواه مسلم (١٤٥٠) وغيره عن عائشة، وقوله ﷺ : «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»، رواه مسلم وأصحاب السنن عن أم الفضل، والإملاجة بكسر الهمزة - وهي الملجة أيضا - المصة، وقد جاء بيانها في بعض روايات الحديث بالرضعة، ولو لم يرد غير هذا في الباب لكان الأخذ به متعينا، فلا ينشر ما كان من الرضاع كذلك، وينشر بالمفهوم ما زاد على ذلك، لكن صح عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قولها: «كان فيما يتلى قرآنا عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن»، رواه مسلم (١٤٥٢)، والذين لم يأخذوا به ومنهم أهل المذهب يقولون لم يثبت إلا من طريقها، والقرآن لا يثبت بالآحاد، وما لم يثبت قرآنا لا يثبت به حكم، ولا يكون سنة أيضا فيثبت به حكم، لأنه لم يرو على أنه سنة، لكن يقال حيث صح قول عائشة هذا عنها فأقل ما يؤخذ منه الحكم الذي تضمنه، بقطع النظر عن ثبوت القرآن بالآحاد وعدم ثبوته، فما ذا لو قالت عائشة من السنة كذا فإن هذا يعطى حكم المرفوع، وقولها كان ذلك قرآنا أقوى في الدلالة من سابقه، ويتأيد كون هذا العدد له مدخلٌ في التحريم أمر النبي ﷺ سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، والظاهر أن العدد الذي فعلته سهلة لم يكن رأيا منها، بل هو توقيت من الشارع، يدل عليه رواية مالك في الموطإ (١٢٨٤)، فإن فيها قول النبي ﷺ : «أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها»، وكانت عائشة تأمر بهذا العدد وتوقت به نشر الحرمة فيمن تريد أن يدخل عليها من الرجال، وليس كلامنا إلا في العدد لا فيما رأته أم المؤمنين من التوسع في ذلك، إذ كيف يظن بها التزام العدد من غير أن يكون لها فيه مستند وتوقيف؟.
وقد استثنى أهل المذهب مما دل عليه الحديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ست مسائل لا تحريم فيها مع أنها في النسب محرمة، واستثنى بعضهم أربعة كما في الفتح (٩/ ١٧٨) والستة هي:
١ - أم الأخ من الرضاع، فإنها في النسب زوجة الأب.
٢ - ومرضعة ولد الولد، وهي في النسب إما بنتك، أو زوجة ابنك.
стр. 1539
٣ - وجدة الولد من الرضاع، وهي في النسب إما أم، أو أم الزوجة.
٤ - وأخت الولد من الرضاع، وهي في النسب إما بنت، أو ربيبة.
٥ - وأم العم والعمة، وهي في النسب جدة لأب.
٦ - وأم الخال والخالة، وهي في النسب جدة لأم.
قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٧٧) نقلا عن القرطبي، وهو تتمة كلامه السابق: «ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع: فليست أخته من الرضاعة أختا لأخيه، ولا بنتا لأبيه، إذ لا رضاع بينهم، والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وزوجها وهو اللبن، فإذا اغتذى به الرضيع؛ صار كالجزء من أجزائهما، فانتشر التحريم بينهم، بخلاف قرابات الرضيع لأنه ليس بينهم وبين المرضعة، ولا زوجها نسب ولا سبب، والله أعلم».
وأما الزمن الذي يكون فيه الرضاع معتبرا؛ فهو ما بينه الله تعالى في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال النبي ﷺ : «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»، رواه الحاكم والترمذي (١١٥٢) عن أم سلمة وقال حسن صحيح، وفتق الأمعاء؛ شقها وفتحها ولا يكون ذلك إلا في وقت الرضاع، ووجه ما قال به أهل المذهب من اعتبار بعض ما زاد على الحولين في الرضاع؛ أن الطفل لا يفطم دفعة واحدة بل يتدرج به، ويمرن على الأكل، فتعطى تلك المدة التي يمرن فيها حكم الحولين، لكن حصل في تقديرها خلاف، فقيل إن هي إلا أيام يسيرة، وقيل شهر، وقيل شهران، وقيل أكثر من ذلك، وظاهر القرآن الاكتفاء بالحولين، فإن العلة التي بنوا عليها ذلك القول وإن كانت موجودة، فللشارع أن يلغيها إذا لم تكن في المدة التي قدرها، ويؤيده حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين»، رواه الدارقطني وقال: تفرد به الهيثم بن جميل، وكان ثقة حافظا، وهو في الموطإ (١٢٧٥) نحوه موقوفا على ابن عباس، ورواية ابن وهب عن مالك توافق قول الجمهور في عدم الاعتداد بالرضاع بعد الحولين، بل هو صريح قول مالك في الموطإ، فإنه اعتبر الرضاع بعدهما بمنزلة الطعام.
стр. 1540
• قوله:
٩٥ - «ولو فصل قبل الحولين فصالا استغني فيه بالطعام؛ لم يحرم ما أرضع بعد ذلك».
إذا فصل الولد عن الرضاع قبل الحولين؛ واستغنى بالطعام؛ فلا يترتب على الرضاع أثره، لأنه لا ينشز العظم، ولا ينبت اللحم، بل الحكم للطعام غير اللبن، فإنما الرضاعة من المجاعة كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة، أي أن الرضاعة التي تنشر الحرمة هي ما كان الرضيع في حاجة إليها.
стр. 1541
• قوله:
٩٦ - «ويحرم بالوجور والسعوط».
العبرة في الرضاع الذي ترتب عليه الحرمة وصول اللبن إلى جوف الصبي، سواء مصه بنفسه كما هو الأصل، أو صب في فمه، لأنه لا فرق بين المص والصب، وهو المراد بالوجور بفتح الواو، وأصله الدواء يوجر في وسط الفم، أي يصب، أو صب في أنفه، وهو المراد بالسعوط بفتح السين، لأن الأنف متصل بالحلق، وقد أمر النبي ﷺ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون المتوضئ صائما، قالوا ويلزم من السعوط التحريم، وإن لم يتحقق من وصوله إلى الجوف، وهو رواية ابن حبيب عن مالك، وقال ابن القاسم إنما يحرم السعوط إذا وصل إلى الجوف، وهو الصواب إن شاء الله على المذهب من التحريم من غير قيد بعدد.
стр. 1542
• قوله:
٩٧ - «ومن أرضعت صبيا؛ فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر؛ إخوة له، ولأخيه نكاح بناتها».
إذا أرضعت امرأة شخصا؛ صارت أما له من الرضاع، وبناتها أخوات له، وبنات الزوج الذي أرضعت وهي في عصمته؛ أخوات لمن أرضعته من أبيه، وهذا هو المسمى لبن الفحل، لكن أخ من أرضعته المرأة هذه لا يربطه بها رضاع، فليست أمه من الرضاع، وإنما هي أم أخيه، فيجوز له نكاح بناتها، ونكاح بنات فحلها من غيرها، بل ويجوز له نكاحها هي، لأنها ليست أمه من الرضاع، وإنما هي أم أخيه من الرضاع، لا من النسب، لأنها من النسب زوجة أبيه، وهي إحدى المسائل المستثناة عند أهل العلم من عموم قول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وقد تقدم ذكرها.
стр. 1543
٣٣ - باب في العدة والنفقة والاستبراء
عقد هذا الباب لبيان ثلاثة أشياء هي العدة والنفقة والاستبراء، وقدم النفقة على الاستبراء في الترجمة، وخالف ذلك تحتها وهو المناسب، وقد تبرع بذكر غير ما ترجم له مما له علاقة به، وهو الإحداد والحضانة.
стр. 1544
• قوله:
١ - «وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء، كانت مسلمة، أو كتابية، والأمة ومن فيها بقية رق؛ قرآن، كان الزوج في جميعهن حرا، أو عبدا».
العدة بكسر العين مرجعها عد يعد عدا وعدة إذا حسب، سميت كذلك لأن فيها عددا من الحيض أو الشهور، وهي عند العلماء تربص المرأة زمانا قدره الشرع علامة على براءة الرحم»، وفصل بعضهم في التعريف فقال: «هي مدة منع النكاح لفسخه، أو موت الزوج، أو طلاقه»، والقيد الأخير في الأول مشعر أن جميع العدة لبيان حال الرحم، والظاهر خلافه، فإن براءة الرحم تتبين بحيضة، وأهل المذهب يقولون إن عدة الأمة قرآن، وعدة أم الولد من وفاة زوجها حيضة، ولو كانت المدة كلها للعلة التي ذكروها لما اختلفت عدة الحرة عن عدة الأمة، والظاهر أنها روعي فيها أمور قد يجتمع بعضها، وقد لا يجتمع، منها براءة الرحم، وإفساح المجال للإبقاء على إمكان مراجعة الزوج زوجته، ورعاية حق الزوج المتوفى، والفصل بين النكاحين، والتعبد في عدة المتوفى عنها أظهر، ولا ينتقض ذلك بالطلاق البائن لأنه يقال إن تلك الحال أجريت مجرى الأصل تطريدا للقاعدة وتيسيرا على الناس.
والعدة نوعان عدة بالأقراء وعدة بالشهور، أما عدة الأقراء فهي للمطلقة المدخول
стр. 1545
بها من ذوات الحيض حرة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو كتابية، غير أن عدة الحرة ثلاثة قروء لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أما الأمة القن، ومن فيها بقية رق كالمكاتبة، والمدبرة؛ فعدتها قرآن، وقد تقدم أن الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، وقد حكى ابن عبد السلام كما هو في شرح زروق قولا في المذهب بأن عدة الأمة المطلقة ثلاثة قروء لعموم الدليل، وهو الظاهر ما لم يأت ما يستوجب الانتقال عنه.
следующие страницы →