Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
• قوله:
٥٠ - «وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزمه إن وقع».
بعد أن ذكر المؤلف الطلاق المشروع؛ ذكر هنا استعجال الزوج فيه، بحيث يجمع منه أكثر من طلقة في كلمة، أو من غير تخلل رجعة، ومثل ذلك أن يطلق بعض تطليقة، أو يطلق عضوا من المرأة، فهذا من الطلاق المبتدع، والطلاق الذي دل عليه كتاب الله تعالى هو أن يطلق ويراجع، ثم يطلق ويراجع، ثم يطلق، فتحرم عليه بالطلقة الثالثة إلا بعد زوج، هذا هو الذي يدل عليه قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فبين الطلاق المشروع الذي يترتب عليه التحريم كما هو واضح، ومن قال إن ذلك مجرد فسحة للناس، فمن ضيق على نفسه منهم لزمه؛ لم يقبل منه من غير دليل، ومن ذلك أن الله تعالى لما ذكر الطلاق قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، واعتبار الطلاق على غير ما تقدم؛ يلغي أن يكون الزوج أحق بزوجته في العدة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله جلت قدرته: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، أي إذا طلقتموهن، وقاربن نهاية عدتهن، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، قال البغوي في تفسيره: «يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين»، وهذا لا يتأتى مع اعتبار الطلاق الثلاث المجموع محرما، ولعل هذا المعنى المأخوذ من كلام الله في عدة مواضع والمدلول عليه بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، هو المقصود من حديث محمود بن لبيد الذي فيه أن النبي ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات فقام غضبان، فقال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم»، رواه النسائي بإسناد صحيح، قاله في الروضة الندية، وقد دل على هذا أيضا ما
стр. 1472
جرى عليه الأمر في حياة النبي ﷺ ، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم»، رواه مسلم (١٤٧٢)، فقوله كان طلاق الثلاث واحدة؛ قيل معناه كان يجعل واحدة، فلا يعتبر باتا، وقيل كان الناس إنما يطلقون واحدة إلى عهد عمر، فصاروا يطلقون ثلاثا مجموعة، والأول أقوى، يؤيده لفظ تجعل في رواية مسلم الأخرى، التي فيها قول ابن الصهباء لابن عباس: «أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر؟، فقال ابن عباس: نعم»، وهذا يدل على أن الجاعل ليس المطلق، بل المفتي كما هو واضح، وقوله استعجلوا وفي رواية تتايعوا يعني تعجلوا فراق زوجاتهم بهذا الذي أكثروا منه بعد أن كانوا في فسحة يطلقون ويراجعون، والتتايع في الشيء الإسراع إليه، والأناة المهلة، وقوله فلو أمضيناه عليهم، يعني اعتبرناه مانعا من الرجعة، وهذا يؤكد أن الثلاث كانت موجودة على عهد رسول الله ﷺ ، وكانت لا تمضى، ثم أمضاها عمر ﵁، ووافقه الصحابة، وإلا ما صح أن يقول عمر هذا القول، ولو لم تثبت مخالفة واحد من الصحابة لعمر على ذلك؛ فليس إلا لأنه اجتهد في تأديب رعيته وزجرهم عما تتايعوا فيه، فلا يكون دالا على أنه حكم شرعي دائم، لأنه حكم حاكم، ولا ينطبق عليه لهذا السبب أنه إجماع سكوتي، فكيف إذا ثبتت مخالفة بعض الصحابة له كابن عباس وغيره؟، والكلام من الفريقين كثير، وما من دليل لواحد منهما إلا وفيه مطعن بتضعيفه، أو تشكيك في دلالته، أو ذكر معارض له، وقد بلغ أن طعن في ثبوت حديث ابن عباس، حيث ضعفه ابن عبد البر، لكن الباجي أقر بثبوته، ومع ذلك أوله، غير أن الحديث بظاهره بل بنصه مع ذلك يظل دليلا أقوى من أي دليل آخر، أو تأويل، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وبناء على اعتبار صحة جمع أكثر من طلقة، فإن أوقع ذلك دفعة واحدة، كأن يقول: أنت طالق مرتين، أو أنت طالق ثلاثا، أو كرر الطلاق كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق،
стр. 1473
أنت طالق، أو نسق الطلاق كأن يقول: أنت طالق، وطالق، وطالق، أو أتبع الطلاق من غير تخلل رجعة، فحالة الجمع واضحة، وحالة العطف تحمل على الأصل من المغايرة، فيعتبر العدد، وحالة التكرير من غير عطف ينظر فيها إلى القصد، فإن كان قصده التوكيد؛ فهي واحدة، وإن كان قصده التأسيس؛ فالعدد معتبر، وإن لم يكن له قصد؛ روعي الأصل، وهو التأسيس.
стр. 1474
• قوله:
٥١ - «وطلاق السنة مباح، وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة، ثم لا يتبعها طلاقا؛ حتى تنقضي العدة».
ليس المراد بالسنة هنا أن الطلاق في نفسه مطلوب، بل الظاهر من النصوص أنه من غير سبب مكروه، ومقصود المؤلف أنه موافق لإذن الشرع، كما يقال السنة في المتلاعنين كذا، ولأن هذه القيود إنما وردت في السنة، وهي أربعة أن يطلقها طاهرا، وأن لا يكون قد مسها في ذلك الطهر، والطلاق بعد المسيس في الطهر مكروه على المذهب، وأن يطلقها طلقة واحدة، وأن لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي عدتها، والعمدة في منع طلاق الحائض حديث ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ، فقال: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، رواه الشيخان، (خ/ ٥٢٥١)، وفي رواية عند مسلم: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، والظاهر منه وجوب مراجعة من طلقت في حال الحيض، وهو المذهب، ومن كان عالما بالحيض؛ حرم عليه أن يطلق، فإن طلق؛ وجب عليه أن يراجع إذا لم تكن الثالثة على القول باحتساب الطلاق في الحيض، يؤخذ ذلك من قوله ﷺ : «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١)﴾ [الطلاق: ١]، أي لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن»، قاله البغوي، وهذا منهما تفسير لا قراءة.
وفي الرواية الأولى من الحديث أنها بعد المراجعة تترك حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، أما الطهر الأول؛ فلأن الشرع منع من الطلاق في حال الحيض، إما لأن فيه تطويلا للعدة على القول بأن القروء الحيض، وقيل إن ذلك أمر تعبدي، وقد يكون من الحكمة في
стр. 1475
ذلك أن الحيض يتسبب في شيء من النفرة بين بعض الأزواج، بسبب المنع من القربان، وقد تؤدي هذه النفرة إلى الطلاق، ولهذا جوز الشرع في حال الحيض ما عدا الجماع على الصحيح، وكان المنتظر أن يجوز طلاقها بمجرد طهرها لزوال المانع، وهو ما دلت عليه الرواية الثانية للحديث، لكنه مد في المهلة، واستأنى بالزوج، فندب إلى ترك المرأة حتى تحيض، ثم تطهر، فإذا مر على الزوج كل هذا، ولم يتراجع عن رغبته في فك العصمة؛ كان هذا دليلا على أن الأمر قد تجاوز ما يعرض للناس من الغيظ العابر، والتبرم المؤقت، ثم يتراجعون عنه ويستدركون، ولذلك شرط في الطهر أن لا يكون قد مس فيه، فإن مس؛ وجب عليه أن ينتظر حتى تحيض وتطهر، فسبحان الله ما أعظم احتياط هذا الدين، وما أشد تشوفه إلى الإبقاء على صلات الزوجين!!، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 1476
• قوله:
٥٢ - «وله الرجعة في التي تحيض، ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة، أو الثانية في الأمة».
إذا طلق الرجل زوجته ولم يكن الطلاق بائنا بينونة كبرى، بأن لم يكن الطلقة الثالثة، ولا بينونة صغرى كالخلع فإنه طلاق بائن في المذهب، ومثله طلاق القاضي إلا في حال الطلاق لأجل عدم القدرة على الإنفاق وفي الإيلاء، إذا كان الأمر كذلك؛ جاز للزوج مراجعة زوجته، لكونه أحق بها ما لم تنقض عدتها، ولا خيار لها في ذلك، وعدة الحرة أن لا تدخل في الحيضة الثالثة، فإنها تطلق طاهرا فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، فإذا ظهر أول الحيضة الثالثة بانت منه، فلا ترجع إليه إلا بعقد جديد مستوف لما هو مطلوب فيه، وليست العبرة في انقضاء العدة بتوثيق القاضي للطلاق متى طلق الزوج قبل الترافع، فإن كانت المطلقة أمة؛ فعدتها قرآن، فله مراجعتها ما لم تدخل في الحيضة الثانية، فإنها تطلق طاهرا، فتحيض، ثم تطهر، ثم تحيض فتبين منه بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ قيد في أحقية الزوج بزوجته ما دامت في العدة، وفيه تشوف الشرع إلى رأب الصدع، فإن كانت رغبة الزوجة كذلك؛ تكامل المرغوب، وإلا فإن إرادة زوجها الإصلاح بمراجعتها مقدم، أما إن كان غرضه المضارة بتطويل بقائها في عصمته؛ فإنه يأثم بمراجعتها، وإن كنا نحن لا نعلم؛ فالله بكل شيء عليم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالحمد لله على نعمة الإسلام لا نحصي ثناء عليه.
والرجعة تكون بالنية مع القول، كراجعتك، أو راجعتها، أو ما يقوم مقام القول
стр. 1477
كالقربان ومقدماته، واختلف في الرجعة بالنية وحدها، فصحح ذلك ابن رشد، وخالفه ابن عبد السلام وخليل، والظاهر كفاية النية في الفتوى، وللزوج مراجعة زوجته ولو كان محرما، أو مريضا، أو مفلسا، أو سفيها، أو عبدا لم يأذن له سيده، لأن الطلاق بيده، قالوا: هؤلاء خمسة تجوز رجعتهم، ولا يصح نكاحهم.
стр. 1478
• قوله:
٥٣ - «فإن كانت ممن لم تحض، أو ممن قد يئست من المحيض؛ طلقها متى شاء، وكذلك الحامل».
المرأة التي لم تحض، وهي الصغيرة، ومن يئست من الحيض، ومن كانت حاملا؛ يجوز طلاق كل منهن من غير قيد، لعدم وجود المانع وهو تطويل العدة، ولا الخشية من ظهور حمل يندم الزوج على الطلاق بعد العلم به، وقد سبق في حديث ابن عمر عند مسلم قوله ﷺ : «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، واليائسة والصغيرة طاهرتان.
стр. 1479
• قوله:
٥٤ - «وترتجع الحامل ما لم تضع، والمعتدة بالشهور ما لم تنقض العدة».
يملك الزوج الحق في مراجعة زوجته الحامل؛ ما لم تضع حملها إن كان واحدا، أو آخر ما تحمل إن كان أكثر من واحد، ويملك الرجعة على زوجته الصغيرة واليائسة من المحيض؛ ما لم تنقض عدتهما، وهي ثلاثة أشهر قمرية، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة كان خاطبا من
الخطاب.
ويحسن أن ينتبه هنا إلى فراغ في قانون الأسرة عندنا، وهو أنه لما كان الزوج قد يوقع الطلاق ولا يوثق عند المحكمة، فإنه إذا رفع أمر زوجته إلى المحكمة أو رفعت هي أمرها إليها؛ فقد يعقد القاضي بينهما صلحًا، فيرجع إلى امرأته وقد انقضت أقراؤها، وهي لا تحل له إلا بعقد جديد، وقد يكون طلق ثلاثا والقاضي لا يدري، أو يدري ولكن الطلاق غير موثق فلا يرى لزومه والصواب اللزوم، فيقضي برجوعها، ولهذا فإن الواجب تدارك هذا الخلل بسد الفراغ المذكور وغيره مما في هذا القانون الذي هو بقية أحكام الله تعالى في حياتنا، فيتيعين على من راجع امرأته أن يشهد لزوما على إرجاعها عند قوم قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وهو في المذهب ندب، والواجب على القضاة أن يسألوا المتقاضين عن ذلك وعن خروج المطلقة من العدة، وقد أمر الله تعالى بإحصائها فقال: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾.
стр. 1480
• قوله:
٥٥ - «والأقراء هي الأطهار».
ذكر هذا هنا ليبين أمد امتلاك المطلق العصمة، وسيتحدث عن أنواع العدة في باب خاص، ولا بأس ان نعجل هنا ما حقه التأخير، فنقول يحرم على المطلقة إن كانت ممن تحيض أن تتزوج حتى يمضي على طلاقها ثلاثة قروء، لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا أمر جاء في صورة الخبر تأكيدا له، ولأن الفطر السليمة لا تستسيغ مخالفته، حتى كأنه امتثل والتزم، نظير قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والأقراء جمع قلة لقرء بفتح القاف وضمها، ويجمع جمع كثرة على قروء، وهو من الأضداد، يطلق على الحيض والطهر كما في الصحاح، وقيل هو للانتقال من الحيض إلى الطهر، أو من الطهر إلى الحيض، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: وأحسب أن أشهر معاني القرء عند العرب هو الطهر، ولذلك ورد في حديث ابن عمر،،، وذكر الحديث المتقدم.
وقد اختلف العلماء في المراد من القرء في الآية: هل هو الطهر أو الحيض؟، ومن أدلة القائلين بأنه الطهر قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] فسره قول النبي ﷺ : «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، لكن يلزم على هذا القول أن لا تتم الثلاثة فيكون مجازا، كأن يطلقها في آخر الطهر، والأصل الحقيقة، لأن المرأة تنتهي عدتها بأول الحيض بعد الطهر الثالث، لكنه استعمال سائغ في العربية، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، [البقرة: ١٩٧] غير أنه موضع اختلاف فلا يصح الاحتجاج به، وثمرة الخلاف أنه على القول الأول تكون مدة العدة أقل منها على القول الثاني، ففيه تخفيف عن المرأة، يقابله تضييق في المهلة المعطاة للزوج، والثاني فيه عكس ذلك، إذ لا تنقضي العدة إلا بعد انقضاء الطهر من الحيضة
стр. 1481
الثالثة، وفي الثاني من المناسبة أن العقد على المرأة خالية من مانع قربان زوجها أنسب من العقد عليها متلبسة بالمانع من ذلك، والخطب في ذلك سهل، فإنه على كل منهما يتحقق مقصود الشرع من العدة، وهو معرفة ما إذا كان الرحم خاليا من حمل الزوج السابق أو مشغولا به، وبراءة الرحم وإن كفت فيها الحيضة الواحدة كما يعلم من الأدلة؛ إلا أن الشرع مد في المهلة الفاصلة بين الطلاق والزواج، والحكمة ظاهرة في حال كون الطلاق رجعيا، وقد تقدمت الإشارة إليها، فإن كان بائنا؛ فيحتمل أن الشرع أبقى على تلك المدة رعاية للأصل، مع زوال علة الحكم، بل حكمته، لكونها عدة من طلاق، ولذلك اختلف الأمر عند العلماء فيما إذا كانت المطلقة أمة بم تعتد؟، ولذلك أيضا كان الاستبراء يتم بقرء واحد في الموطوءة بشبهة عند بعضهم، وفي الزانية، والأمة تنتقل ملكيتها، وقد قال النبي ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة»، رواه أبو داود (٢١٥٧) عن أبي سعيد الخدري، وصححه الحاكم كما في بلوغ المرام.
стр. 1482
• قوله:
٥٦ - «وينهى أن يطلق في الحيض، فإن طلق؛ لزمه، ويجبر على الرجعة، ما لم تنقض العدة».
من علم أن امرأته حائض وطلقها؛ كان طلاقه بدعيا، وكان آثما بفعله، ومع ذلك تحسب عليه تلك الطلقة، ويجب عليه أن يراجع زوجته أو يجبره الحاكم على مراجعتها، ويهدده بالضرب وبالسجن، فإن أبى ارتجع عنه كذا قالوا، ما لم تكن الطلقةَ الثالثة، أو تنقضي عدتها، وقد دل على المنع من الطلاق في الحيض وعلى مطلوبية المراجعة حديث ابن عمر ﵄ الذي فيه الأمر بالمراجعة، وقد تقدم، ووجه الدلالة أنه ﷺ أمر أباه أن يأمره بمراجعتها، فكان منهيا عن الوسيلة إلى خلاف ذلك، وهي الطلاق في الحيض، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ويدل النهي عن الطلاق زمن الحيض على أن الزوج يتفقد زوجته، ويعلم حالها، وعلى أنه لا ينبغي أن يكون في الطلاق مجازفا، بل يتروى حتى يعلم ما يجوز له مما لا يجوز، فيصدر عنه الطلاق إن كان لا بد منه؛ بعد تفكير وترو.
واحتساب الطلاق الذي يقع في الحيض من مواضع الخلاف، ومرده إلى اختلاف أهل العلم في احتساب تطليقة ابن عمر ﵄ حين أمر بمراجعة زوجته، والأحاديث في ذلك متعارضة، بل والروايات في الحديث الواحد كذلك، ولو قدرنا تكافأ الأحاديث برواياتها في الاحتساب وعدمه، وتعذر الترجيح؛ لكان من اللازم الرجوع إلى مقاصد الشرع في الطلاق، وما جاء في نصوص الكتاب والسنة من النهي عن طلبه، وتضييق نطاقه، ولأن النهي إذا جاء من الشرع عن شيء؛ فإن السلف كانوا يحتجون به على بطلانه، وعدم الاعتداد به، فيكون هذ الذي أشرت إليه مرجحا لعدم وقوع الطلاق البدعي عموما، ومنه الطلاق في الحيض، على أن المحققين من أهل العلم قد انبروا لمدارسة الأحاديث المختلفة والروايات المتعارضة وخلصوا إلى أن طلقة ابن عمر لم تحتسب، ومما صح في
стр. 1483
هذا ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فردها رسول الله ﷺ ، ولم يرها شيئا»، وهو على شرط الشيخين كما قال الحافظ، وروى الدارقطني والبيهقي أنه جعلها واحدة، وقد بين ابن القيم أن قوله فجعلها واحدة يحتمل أن يكون من بعض الرواة، قال الألباني -رحمه الله تعالى-: «هذا غير وارد في رواية البيهقي هذه، لكن من تتبع طرقها يظهر له قوة الاحتمال الذي ذهب إليه ابن القيم، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال»، انتهى، انطر التعليقات الرضية (٢/ ٢٤٧)، قال كاتبه: يريد أن الاستدلال بتلك الرواية على الوقوع يسقط، وقد علمت وجه ترجيح عدم الوقوع لو تكافأت الروايتان، وقد صح عن ابن عمر أنه سئل عمن طلق زوجته وهي حائض هل يقع؟، فقال: «لا يقع»، وهو في فتاوى الطلاق للشيخ العلامة ابن باز، وقد تردد في المسألة الكحلاني، ثم انتهى إلى عدم الوقوع فقال: «ثم قوي عندي ما كنت أفتي به أولا من عدم الوقوع لأدلة قوية سقتها في رسالة سميتها (الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي)، وكتب فيها العلامة الشوكاني، ولم ير الوقوع ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والعلامة بن باز كما هو فيما جمع له من فتاوى الطلاق ص (٤١)، وممن حقق المسألة تحقيقا علميا رصينا وانتهى به إلى عدم احتساب تلك الطلقة الدكتور أحمد بن علي مواقي في كتابه المسمى (الطلاق البدعي زمنا) جزاه الله خيرا.
стр. 1484
• قوله:
٥٧ - «والتي لم يدخل بها؛ يطلقها متى شاء».
المرأة التي لم يدخل بها زوجها لا عدة عليها، فاستوى حال حيضها وحال طهرها، ثم إنها لا صلة قوية للزوج بها حتى يعلم حالها، فإذا رأى طلاقها؛ طلقها متى شاء، ولأنها لا تطول مدتها بطلاقها في الحيض، هذا هو المشهور، وذهب أشهب ﵀ إلى أنه لا يجوز تطليق غير المدخول بها حائضا، وعللوا قوله بأن النهي عنده للتعبد، وأن النهي على القول الأول؛ ما فيه من تطويل العدة، وقد يقال إنه من العسير تكليف الزوج في حال عدم الدخول بامرأته معرفة حالها أهي حائض أو لا؟، فيقال: ما المانع أن يسألها عن ذلك غير العرف الذي لا يراعى إذا خالف الشرع، قإذا علم اتجه قول أشهب احتياطا.
стр. 1485
• قوله:
٥٨ - «والواحدة تبينها، والثلاث تحرمها إلا بعد زوج».
صلة المرأة بزوجها بعد الدخول أقوى منها قبل الدخول، فإذا انضم إلى ضعف الصلة قبل الدخول؛ أن طلقها؛ لم يكن له عليها رجعة، وكان الطلاق بائنا، ولعلك تقتنص من هذا الفرق؛ أن الأصل في الطلاق البينونة، إذ هو فك للعصمة، غير أن المدخول بها أعطي زوجها حالا وسطا تشوفا من الشرع إلى إصلاح ذات البين، لأن أسباب صدور الطلاق بعد الدخول أكثر منها فيما قبله، أما أن الثلاث تحرمها إلا بعد زوج؛ فهذا لا يختص بمن لم يدخل بها، بل هي والمدخول بها سواء، لا يحل كل منهما للزوج الأول حتى يحصل الوقاع المباح من الثاني وهو أن يكون في غير حيض، ولا نفاس، ولا إحرام، ولعل المؤلف إنما ذكر ذلك في غير المدخول بها؛ ليرد على من قال إنه إذا طلقها ثلاثا بانت بلفظ الطلاق، فلم يصادف لفظ الثلاث محلا، فلا تبين بينونة كبرى، وأنت خبير بأن هذا لا يسلم لقائله، لأن قوله ثلاثا هو مفعول مطلق، وكونه فضلة لا يعني الاستغناء عنه في الكلام، ولأنه كلام واحد مقصود، فتبين على رأي من أمضى الطلاق الثلاث المجموع وهم الجمهور.
стр. 1486
• قوله:
٥٩ - «ومن قال لزوجته: أنت طالق؛ فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك».
أنت طالق لفظ صريح تقع به طلقة واحدة متى قصد النطق به كما تقدم، لا إن قال منطلقة، أو مطلقة، اسم مفعول من أطلق، فإن هذا من الكنايات مفتقر إلى النية، فإن لم ينو شيئا بقوله مطلقة، وطالق، ونحوهما؛ فهي واحدة، لأن المرة من ضرورة صدق اللفظ، وإن نوى أكثر منها؛ كان ما نواه، ويصدق بلا يمين في الفتوى، وبيمين في القضاء بناء على توجه اليمين في التهمة، والواقع بذلك طلقة رجعية في المدخول بها إن لم تكن الثالثة، وطلقة بائنة في غير المدخول بها.
وإذا كان الطلاق يتعدد بالنية؛ فأحرى أن يتعدد بتكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو يذكر الخبر دون المبتدإ، ما لم يقصد التأكيد، فإن قصده؛ فواحدة، وإن لم يقصد شيئا؛ استصحب الأصل في الكلام، وهو التأسيس، فتكون ثلاثا، وإن قال أنت طالق، وطالق، وطالق؛ فثلاث، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وكل هذا على مذهب الجمهور الذين يرون وقوع أكثر من طلقة في سياق واحد، ويبدو أن العلامة الفقيه الورع ابن باز ﵀ قد حمل حديث ابن عباس في احتساب الطلاق الثلاث واحدة على ما إذا قال أنت طالق ثلاثا، بخلاف ما إذا كرر اللفظ كأن يقول أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو ينسق الطلاق فقد رجح الوقوع، ومما قاله: «ولا أعلم إلى وقتي هذا أحدا من الصحابة أو من التابعين صرح بأن هذا لا يقع به إلا واحدة،،، ثم ذكر ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من عدم الوقوع من غير فرق ما لم يتخلل ذلك نكاح أو رجعة، قال ولا أعلم له أصلا واضحا يعتمد عليه من جهة النقل، وإن كان واضحا من جهة المعنى».
стр. 1487
• قوله:
٦٠ - «والخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقا؛ إذا أعطته شيئا فخلعها به من نفسه».
لما كان الخلع طلاقا في المذهب؛ ذكره هنا للمناسبة، وسيذكر بعض أحكامه عقب اللعان، فاقرأ ذلك الموضع لتكتمل عندك بعض أحكامه، وقد سلك المصنف هذا المسلك في مواضع كثيرة، والشرح تابع للمشروح، يقال خلع الرجل ثوبه ونعله خلعا بفتح الخاء إذا نزعه، والخلع بضم الخاء الاسم منه، ولما كانت الزوجة بمثابة اللباس للرجل؛ سمي الاتفاق معها على مفارقتها نظير عوض؛ خلعا، لكن ضمت خاء «مصدره تفريقا بين الحسي والمعنوي»، قاله الحافظ في الفتح، وإنما يشرع الخلع إذا لم يضار الرجل زوجته، بحيث يثبت ذلك عليه، فإن ثبتت مضارته لها، ولم يكف عن ذلك؛ كان عليه أن يفارقها من غير عوض، فإن أعطته عوضا لتفك نفسها منه؛ فلا يحل له أخذه، وإن لم يضارها؛ غير أنها لم ترغب في البقاء في عصمته لنفرة طبعها منه، وكراهتها له، أو لكثرة الشقاق والخلاف بينهما مع تعذر إصلاحه؛ ساغ لها أن تفتدي منه، فتخالعه على شيء تعطيه إياه ويفارقها، لا فرق في المذهب أن يكون مثل الصداق أو أقل أو أكثر، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، أما أن تطلب منه الطلاق أو الخلع من غير ما بأس؛ فلا يجوز ذلك لها، فحديث «المختلعات هن المنافقات»، الذي رواه الترمذي (١١٨٦) عن ثوبان وضعفه، وصححه الألباني؛ مخصوص بما دل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولأن أخذ الزوج ذلك مشمول بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
فإن قال قائل: ما وجه إعطائها إياه شيئا في مقابل فراقها؟، فالجواب: أن هذا حكم
стр. 1488
الله فالواجب أن يتلقى بالقبول والإذعان، كيف وقد دخلنا في عهد الإيمان، وكره الله إلينا الكفر والفسوق والعصيان؟، ولا نضرب لله الأمثال فإنه يعلم ولا نعلم، وهو علام الغيوب، فإن كان لا بد من بيان حكمة؛ فنقول أليس من اللازم للرجل إذا تزوج أن يصدق امرأته، ولا يصح النكاح بغير صداق؟، فإذا لم يكن مضارا للمرأة ورغبت في فراقه؛ كان مناسبا أن تعينه على أن يتزوج، وأن تعوضه عن فراق لم يتسبب هو فيه في الظاهر، فكيف إذا كانت مضارة له بفجور لم يتمكن من ردعها عنه، ولا من إثباته عليها لو كان هناك حاكم يحكم بما أنزل الله، ولا تنس أنه مطالب بتمتيعها إذا طلقها إحسانا وإكراما لها وجبرا لخاطرها، كما سيأتي، فلم لا تطالب هي بمثل ما طولب به مع قوة الداعي لذلك كما علمت، وفي المقابل قد تضرر المرأة بأمر لا تُعطَى فيه الحق من الجهات الحاكمة كأن يكون الزوج تاركا للصلاة، أو معاقرا للخمر، أو المخدرات، أو مخالطا للنساء، فما ذا تفعل إذا أبى أن يطلقها، فكان من رحمة الله تعالى بعباده؛ أن شرع لهم الخلع، فله الحمد والمنة.
أما أن مجرد الخلع طلاق، ولو لم يطلقها؛ فلأن الزوج قصد مفارقتها على مال، واتفقا على ذلك، فكان من الكنايات الظاهرة، والطلاق يقع بها، وأما أنه لا رجعة له عليها؛ فلأنه إن ظل يملك العصمة عليها بعد حصول الخلع؛ فات الغرض من الفداء، فإنها لا تفتأ أسيرته، وقول ابن حزم إنه ليس بائنا، وأنه يملك الرجعة عليها، ولها أن تطالبه برد المال إذا راجعها - مع قوله بأنه طلاق - يلزم منه الدور إلى أن تنقضي الثلاث طلقات، قتخرج عن عصمته بلا شيء، وقد قيل إن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ، ومما استدلوا به أن الله تعالى ذكره بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة التي تحرم المرأة بها إلا بعد زوج، ولهذه الآية احتج ابن عباس على أنه ليس طلاقا، لإذ لو كان الخلع طلاقا؛ للزم أن يكون الطلاق المحرم رابعا، لا ثالثا، وهذا ليس بشيء، لاحتمال أن يكون الخلع من أفراد الطلاق غير المحرم، فلما كان فيه فداء ذكر على انفراد، ومع هذا فمذهب اعتباره فسخا؛ أقوى، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو داود (٢٢٢٩) والترمذي وحسنه عن ابن عباس ﵄ «أن امراة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة».
стр. 1489
وروى أبو داود من طريق مالك عن ابن عمر ﵄ قال: «عدة المختلعة حيضة»، وجه الدلالة منه أن المطلقة عدتها ثلاثة قروء، لكن جاء في حديث ابن عباس المتقدم؛ أمره ﷺ لثابت بن قيس بتطليق امرأته تطليقة، وهو في صحيح البخاري (٥٢٧٣)، وروى مالك (١١٩٠) ومن طريقه أبو داود (٢٢٢٧) والنسائي (٦/ ١٦٩) من حديث حبيبة بنت سهل الأنصارية، وهي صاحبة القصة، وفيه قوله ﷺ لثابت: «خذ منها»، فأخذ منها، وجلست في أهلها»، وفي حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قوله له: «خذهما ففارقها»، ففعل، رواه أبو داود (٢٢٢٨)، والمراد الحديقتين، فالذي يظهر تقديم ما دلت عليه هذه الألفاظ من أن الفراق يكون بالمواطأة على الخلع، لاسيما وقد جاءت من كلام صاحبة القصة، وهو مما يرجح به عند تعارض الأخبار، وتعتد المختلعة بحيضة، وبذلك يجتنب التلفيق بين كون الخلع طلاقا كما دلت عليه رواية البخاري، وبين اعتداد المختلعة بحيضة كما هو في حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي، لأن ذلك مخالف لما دل عليه العموم في كتاب الله، وهو كون عدة المطلقة ثلاثة قروء، والعلم عند الله.
وتظهر ثمرة الاختلاف في كون الخلع طلاقا أو لا فيما لو تزوج الرجل من اختلعت منه؛ فعلى أنه طلاق؛ يحسب ذلك عليه، وعليها العدة، ولا يخالعها إلا في حالة الطهر، وعلى القول بأنه فسخ؛ لا يحسب عليه طلاق، وتستبرئ بحيضة، ويجوز له أن يخالعها في زمن الحيض، إذ لا تطول عدتها.
стр. 1490
• قوله:
٦١ - «ومن قال لزوجته أنت طالق ألبتة؛ فهي ثلاث، دخل بها، أو لم يدخل».
سبق القول أن الطلاق صريح وكناية، والكناية ظاهرة وخفية، وهذا أوان الكلام على الكناية الظاهرة، ولفظ البتة من البت، وهو القطع، فمن قال لزوجته أنت طالق البتة؛ فإن كانت مدخولا بها، وكان الطلاق ثالثا؛ فالأمر واضح، وإن كان هو الطلاق الأول؛ أو الثاني؛ فلا يصح أن يحكم بأنه رجعي، لتناقض ذلك مع قوله البتة، فإنها دالة على التحريم، والرجعي يملك فيه العصمة، فجعل ثلاثا لهذا، أما غير المدخول بها، فلما كانت الطلقة الواحدة تبينها؛ فقد اختلف فيها، والمشهور أن ذلك ثلاث، لأن هذا هو الذي يصدق عليه لفظ البتة، وقيل هي واحدة، لأنها لا تحل له إلا بعد عقد جديد، فوقع لفظ البتة موقعه، وهذا أولى.
ومما اعتمد عليه مالك في هذا الأمر ما رواه عن أبي بكر بن حزم أن عمر ابن عبد العزيز قال له: (البتة)، ما يقول الناس فيها؟، قال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة، فقال عمر بن عبد العزيز: «لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة شيئا»، كما روى عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم كان يقضي في الذي يطلق امرأته البتة؛ أنها ثلاث تطليقات»، ثم قال: «وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك»، ومروان كان هو أمير المدينة في زمان الصحابة والتابعين، أما الاستدلال على ذلك بحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن امراة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إني كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني البتة، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل الهدبة، وأخذت هُدبة من جلبابها فقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، كما هو في مسالك الدلالة؛ فلا ينهض، لأنه ليس نصا ولا ظاهرا في أن
стр. 1491
لفظ البتة نفسه كان هو سبب تحريمها، لاحتمال أن يكون ذلك هو الطلاق الثالث، يدل عليه الرواية التي فيها «فبت طلاقي»، أو كان طلاقه بلفظ الطلاق الثلاث مجموعا عند متأولي حديث ابن عباس في الثلاثة المجموعة، قال الشيخ العلامة ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام: «يحتمل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإيقاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد، ومن احتج على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث؛ فلم يصب»، انتهى.
стр. 1492
• قوله:
٦٢ - «وإن قال: برية، أو خلية، أو حرام، أو حبلك على غاربك؛ فهي ثلاث في التي دخل بها، وينوى في التي لم يدخل بها».
روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يقول في (الخلية) و (البرية) إنها ثلاث تطليقات كل واحدة منهما»، وروى بلاغا عن عمر ﵁ في (حبلك على غاربك) أنه قال لمن قالها: «أسالك برب هذه البنية، ما أردت بقولك حبلك على غاربك»؟، فقال له الرجل: «لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق»، فقال عمر: «هو ما أردت».
وروى عن علي ﵁ بلاغا أنه كان يقول في الرجل يقول لامراته أنت علي حرام؛ أنها ثلاث تطليقات»، وبرية معناها بريئة من زواجي بك، وخلية خالية من زواجي بك، وحبلك على غاربك؛ معناه ملكت نفسك، فلا عصمة لي عليك، كالدابة يضع صاحبها خطامها على غاربها، وتترك لتمضي حيث تشاء، فمن قال لزوجته واحدة منها، أو قال لها أنت علي حرام، أو أنت محرمة، أو أنا منك حرام، أو عليك حرام؛ فهو ثلاث في المدخول بها، لأن تحريمها عليه لا يكون بالطلاق الرجعي، ولا يحتاج إلى أن يسأل عن قصده ما دام قد قصد اللفظ، أما غير المدخول بها؛ فلما كانت الطلقة الواحدة تبينها؛ فإنه ينوى، أي يسأل عن مراده بهذه الكلمات، ويقع ما نواه بها، وقد تقدم الخلاف في تصديقه هل يكون بيمين للتهمة، أو من غير يمين، قال كاتبه: الظاهر أنه ينوى فيما أراده من عدد الطلاق في جميع هذه الألفاظ، لأنه إذا كان يُنَوى في عدد ما أراده في لفظ الطلاق - وهو متفق على أنه صريح - فكيف لا ينوى فيما كان منه كناية، وهو الذي رجحه ابن العربي، ثم قال في المسالك (٥/ ٥٥٠) عن هذه الألفاظ: «وقد غلب مالك قضاء علي بالكوفة بأنها ثلاث، على قضاء عمر بالمدينة بأنها واحدة»، قلت لعل ذلك رعاية لكون الأصل في الفروج
стр. 1493
التحريم، وقد روي عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «أنه قال في حكم طلاق مختَلَفٍ فيه أهو ثلاث أم واحدة؟ قال: تدبّرت فيه: فإذا قلتُ ثلاثا فقد أتيتُ خصلتين حرّمتها على زوجها وأبحتُها لآخر!! وإذا قلتُ: واحدة، فخصلة واحدة أبحتُها لزوجها، ولأن آتي خصلة واحدة أهون من خصلتين».
стр. 1494
• قوله:
٦٣ - «والمطلقة قبل البناء لها نصف الصداق، إلا أن تعفو عنه هي إن كانت ثيبا، وإن كانت بكرا؛ فذلك إلى أبيها، وكذلك السيد في أمته».
إنما يكون للمطلقة قبل البناء نصف الصداق؛ إذا سمي لها، وإلا فلا شيء لها، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويشترط في أخذها نصفه مع ذلك أن يكون النكاح صحيحا، فإن كان باطلا؛ فلا شيء لها، لأنه ليس هو الذي عناه الشارع، فلا يترتب عليه أثره، وإعطاؤها نصف الصداق لازم، إلا أن تعفو المطلقة متى كانت ثيبا، أو يعفو وليها إن كانت بكرا، فقد حملوا العفو المسند إلى المزوجات على الثيبات، والعفو المسند إلى من بيده عقدة النكاح على الأب، لأنه كما تقدم يجبر البكر على النكاح، وتحتمل الآية وجها آخر، وهو أن المراد بمن بيده عقدة النكاح؛ الزوج، فيتنازل عن نصف الصداق لمطلقته، وقد يكون هذا مرجوحا لأن العفو لا يكون إلا بعد الاستحقاق، والمستحق للنصف هو الطرف الذي فيه الزوجة، والله أعلم.
стр. 1495
• قوله:
٦٤ - «ومن طلق؛ فينبغي له أن يمتع، ولا يجبر، والتي لم يدخل بها وقد فرض لها؛ فلا متعة لها، ولا للمختلعة».
المتعة هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها جبرا لخاطرها المنكسر بألم الفراق، فكأنه يفارقها مع الاعتذار إليها والإحسان إليها، ويزاد في التي طلقت قبل الدخول؛ أن في المتعة تخفيفا لما قد يظن بها من السوء، وعدم الملاءمة، والمتعة بنص القرآن على قدر وسع الزوج، لقول الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والسياق في المدخول بها غير المفروض لها، وحكمها في المذهب الاستحباب، ولذلك لا يجبر عليها كما قال المصنف، لأن هذا شأن الواجب، وتكون لكل مطلقة بعد الدخول وقبله كذلك متى لم يفرض لها، ولا تكون للمخالعة، ولا للملاعنة، وإنما قالوا باستحباب التمتيع؛ لأن الله تعالى جعله تارة حقا على المحسنين، وتارة حقا على المتقين، والواجب لا يتقيد بواحد من الوصفين، كذا قيل، وفي اعتبار هذا الوصف صارفا للحق عن الوجوب إلى الندب نظر، ولم لا يكون المقصود من الوصفين تحريك المخاطبين وتهييجهم إلى الإحسان والتقوى وحض المطلقين على أن يكونوا كذلك مع أحكام الله؟، ومن ذلك أن يحسنوا إلى مطلقاتهم، وأن يتقوا الله في علاقاتهم بهن، وأن هذا التمتيع من شأن المتقين والمحسنين، وهو مطمح كل مؤمن برب العالمين، ومن ذا الذي يأبى أن يكون محسنا متقيا، وإن كان بفعله مخالفا؟، قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: «المتعة واجبة يقضى بها، إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا رجل سوء»، ودلالة الأمر الحقيقية الوجوب، وبعده كلمة حقا فإنها تأكيد له، مانعة من حمله على الندب، ولو قالوا بوجوبها على من اتصف بما ذكر من الإحسان والتقوى؛ لكان ذلك خيرا مما قالوا لأخذهم بمفهوم الصفة، والجمهور على القول به،
стр. 1496
على أن الصواب إن شاء الله هو الأول، وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويلزم على قولهم؛ أن يكون أول هذه الآية دالا على وجوب الوصية، وآخرها دالا على ندبها، فتدبرها مليا وفقك الله.
أما أن المتعة لا تكون لمن لم يدخل بها إذا فرض لها؛ فلأن المطلوب إعطاؤها نصف الصداق كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ويحمل على هذا المقيد؛ مطلق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقد يقال إن آية سورة البقرة وهي فيمن طلقت قبل الدخول؛ ليس فيها النص على عدم التمتيع، بل هي ساكتة عنه، فالأولى الأخذ بعموم قوله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقد لقن الله تعال نبيه ﷺ ما يقول لأزواجه الطاهرات بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]، والنظر في مجموع النصوص يقود إلى القول بوجوب المتعة لمن طلقت قبل المسيس ولم يفرض لها، وندبها إن فرض لها، وهكذا من دخل بها، وقد وقفت بعد على قول للشوكاني في السيل الجرار مال فيه إلى هذا.
قلت: ولننظر إلى قول النبي ﷺ : «متِّعها، فإنه لابدّ من المتاع، ولو نصف صاع من تمر» قاله لحفص ابن المغيرة لما طلّق امرأته، رواه البيهقي عن جابر ﵁، وهو في الصحيحة.
стр. 1497
• قوله:
٦٥ - «وإن مات عن التي لم يفرض لها، ولم يبن بها؛ فلها الميراث، ولا صداق لها، ولو دخل بها؛ كان لها صداق المثل، إن لم تكن رضيت بشيء معلوم».
اعلم أن المناسب أن تذكر هذه المسألة مع الكلام على نكاح التفويض، وقد تقدم، فأما أن للمتوفى عنها قبل الدخول الميراثَ؛ فلأن زوجها مات وهي في عصمته، فهي زوجته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، ولا فرق في ثبوت وصف الزوجية بين الدخول وعدمه، وأما أنه لا صداق لها؛ فإنه قد يسلم إذا لم يكن قد فرض لها من باب المقايسة إلحاقا للوفاة بالطلاق، وهكذا إذا كان قد سمى لها؛ فإن لها نصف الصداق، وقد اعتمد مالك ﵀ على ما رواه عن نافع أن ابنة عبيد الله بن عمر - وأمها بنت زيد بن الخطاب - كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها، ولم يسم لها صداقا، فابتغت أمها صداقها، فقال عبد الله بن عمر: «ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمسكه، ولم نظلمها»، فأبت أمها أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها، ولها الميراث»، لكن قد قاوم هذا الأثرَ الذي جاء على وفق معتاد القياس الملحق للوفاة بالطلاق - والظاهر أنه قياس مع الفارق - حديث مرفوع، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي (١١٤٥) من حديث علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: «قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق - امرأة منا - بمثل ما قضيت»، ففرح بها ابن مسعود، والوكس بسكون الكاف؛ هو النقص، والشطط بفتح الطاء الجور
стр. 1498
بالزيادة على مهر مثيلات المتوفى عنها، وقد قال بهذا الحديث ابن العربي ﵀، ولبعض الفقهاء هنا كلام غير لائق في تعليل وجوب صداق المثل لمن لم يسم لها، وهو قولهم إنه فوت عليها سلعتها، والسلعة الفائتة إنما تجب فيها القيمة، وهو كلام غليظ، لا يليق أن يذكر مع الميثاق الغليظ، وقول المؤلف «إن لم تكن رضيت بشيء معلوم»؛ يتنافى مع نكاح التفويض الذي يجري الكلام هنا فيه، أو يكون مراد المصنف أنها ترضى بما دون صداق المثل بعد الوفاة، وهذا لا يحتاج إلى تنصيص، وقد استدل الحافظ الغماري له بحديث عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟، قالت: نعم، فأجازه»، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح، وفي الاستدلال به نظر، لما علمت أن للصداق حدا أدنى في المذهب لا يجوز النزول عنه، فمن استدل به على هذا؛ لزمه أن يقول بعدم التحديد في الصداق، وابن أبى زيد لا يقرر هذا، وللشراح في بيان مراد المصنف كلام لا ينقع غُلة، ولا يشفي علة، ولعل الأقرب أن يعتبر حكما منفصلا معناه أن المرأة الرشيدة إذا رضيت بأقل من صداق المثل فيما الأصل فيه فرضه؛ كان ذلك لها، ولا اعتراض للولي عليها.
стр. 1499
• قوله:
٦٦ - «وترد المرأة من الجنون، والجذام، والبرص، وداء الفرج».
معنى رد النكاح فسخه مع إرجاع الصداق للزوج، ومن أسباب عفة الزوجين، وعدم تشوف كل منهما لغير زوجه؛ توفرهما على الجمال والحسن، وخلوهما من العيوب، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ولذلك جوز الشرع النظر حال الخطبة إلى المرأة، مع اختلاف العلماء في حدود ما ينظر منها، وقد قال النبي ﷺ لمن أخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار: «أنظرت إليها»؟، قال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا»، رواه مسلم (١٤٢٤) والنسائي، والأمر فيه للاستحباب، وقيل للإرشاد لما فيه من المصلحة، والجائز في المذهب أن ينظر للوجه والكفين فحسب، وجاء من الأدلة ما يؤخذ منه جواز النظر لما هو أكثر من ذلك، لكن لا ينبغي أن يكون على وجه الطلب والشرط، وفي الحديث تعليل مشروعية النظر، فإذا رأى الخاطب ما يرغب عنه في المرأة عدل عن خطبتها، وهي مثله في ذلك، فهذا خير من أن يحصل الزواج ثم يعلم منها أو تعلم منه ما لا يقبلانه فتحصل الفرقة.
ومن العيوب ما لا يرى كبخر الفرج، ومنها ما لا يظهر في كل الأوقات كبعض أنواع الصرع، ومنها ما يجب كتمه كالخنا (الزنا)، ومنها ما قيل بجواز كتمه كالعمى!!، ما لم يحصل الاشتراط، ومنها ما يشرع معه الرد ولو من غير اشتراط، ومنها ما لا يشرع معه ذلك إلا بالاشتراط، ومن العيوب ما هو مشترك بين المرأة والرجل، ومنها الخاص بكل منهما، فإذا تم الزواج بين الطرفين؛ فإنما ذلك على الخلو من العيوب، فإذا اطلع عليها؛ كان لكل منهما رد النكاح، لكن أهل العلم اختلفوا فيما يشرع الرد معه من العيوب، وذهب مالك
стр. 1500
إلى أن العيوب التي ترد المرأة بها من غير شرط ثلاثة، وهي المذكورة في أثر عمر الذي في الموطإ (١١٠٨) وغيره عن سعيد بن المسيب أنه قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: «أيما رجل تزوج امرأة، وبها جنون، أو جذام، أو برص، فمسها؛ فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها»، وجاء عن علي نحو ما تقدم من العيوب مع زيادة القرن عند سعيد بن منصور كما في بلوغ المرام، وهو شيء يكون في فرج المرأة كالسن يمنع الوطء، والعيوب الثلاثة تمنع كمال السكينة والاطمئنان.
والجنون أي الصرع، يستوي فيه المطبق وغيره، والجذام والبرص المحققان، وسواء كانا قليلين أو كثيرين، وداء الفرج، وهو ما يمنع الوطء، أو يمنع حصول كمال اللذة، وهو أشياء: القرن، بفتح الراء وسكونها، وقد تقدم، وقيل هو العفل بمفتوحتين، وهي عفلاء، والعفل وراء المثل العربي: «رمتني بدائها وانسلت»، والرتق، بفتح الراء والتاء، وهو التحام الفرج، بحيث لا يمكن دخول الذكر، والإفضاء، وهو اتحاد مسلكي البول والجماع، والبخر، بفتح الباء والخاء، وهو نتن الفرج، أما الاستحاضة، وهي جريان الدم في غير زمن الحيض؛ فليست بعيب في المذهب، لأن وطء المستحاضة جائز، والظاهر أنها إن كانت دائمة أنها عيب لما فيها من الأذى، ولأنها يفوت بها ما يبتغى من النكاح من كمال الاستمتاع، ومما ذكروه من العيوب التي يتم بها الرد اشتراط كون المرأة عذراء، قالوا ولا يكتفى في ذلك باشتراط كونها بكرا لعدم ترادفهما، قلت العرف الآن على ترادف كون المرأة بكرا مع كونها عذراء، بل العرف الآن على تلازم وصف العذراء مع عدم سبق الزواج، وكذلك يثبت للمرأة الرد إذا كان الرجل مجنونا، أو به جذام، أو برص، أو داء في الفرج ككونه مجبوبا، أي مقطوع الذكر، أو مقطوع الأنثيين، أو خصيا، أو عنينا، أي صغير الذكر، أو معترَضا، أي لا قدرة له على الجماع، وسيأتي الكلام عليه بخصوصه.
قالوا: وأما العيوب الأخرى كالعمى والعور والعرج وغير ذلك من العاهات؛ فإنما ترد به المرأة إذا اشترط خلوه منها، وعللوا بأن هذه العيوب لا تؤثر في الاستمتاع، فلا
стр. 1501
توجب خيار الرد بالعيب، كما لو كانت تشرب الخمر!!، قاله الباجي، وفيه نظر لتغير العرف في ذلك، وإنما قالوا بخيار الرد مع الاشتراط، لأنهم قاسوا ذلك على قول مالك فيما لو اشترط النسب فخرجت بغيا.
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: «والقياس أن كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة؛ فإنه يوجب الخيار، وهو أولى من الخيار في البيع، كما أن الشروط في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع»، انتهى.
فإن قلت: بعض العيوب لا يعرفها الزوج إلا بعد قربان المرأة، وذلك يدل على الرضا، فكيف يكون الرد بها؟، فالجواب: أن الأمر ليس كذلك، إلا إذا علم وسكت.
واعلم أن العيوب الطارئة بعد العقد ليس للزوج الحق في الرد بها، بخلاف المرأة فإن لها ذلك، وقالوا في تعليلهم لهذا الفرق إن الزوج متمكن من فراق المرأة متى شاء، فإذا أعطي حق الرد؛ ضاع حق المرأة في الصداق، بخلاف المرأة.
ويذكر هنا أنه إذا رجي برء شيء من العيوب المتقدمة بالعلاج؛ تعين على الزوج أو الزوجة الصبر إلى أن يمر ذلك الزمن الذي يقدر للعلاج، لما في فك العصمة من الضرر، ما لم يكن في الانتظار إضرار بأحدهما.
والمرأة التي علم أن بها عيبا؛ إما أن تقر بوجوده أو لا، فإن أقرت؛ فلا إشكال، وإن أنكرت؛ فما كان من العيوب بوجهها وكفيها؛ أثبت بالرجال، وما كان في سائر جسدها غير فرجها؛ أثبت بالنساء، وفي العيب الذي بفرجها روايتان أحداهما أنها تصدق بيمين، وهو قول ابن القاسم، ولها أن ترد اليمين على الزوج، والثانية أن النساء ينظرنها.
وقد روى مالك في الموطإ (١١٥٢) باب جامع النكاح عن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربه، ثم قال: «مالك وللخبر»؟!!، قال ابن عبد البر في الاستذكار:
стр. 1502
«ومعناه عندي - والله أعلم - فيمن تابت وأقلعت عن غيها، فإذا كان ذلك حرم الخبر بالسوء عنها، وحرم رميها بالزنا،،،»، انتهى.
قلت: إذا استنصح المسلم أخاه فيمن يريد الزواج به رجلا كان المستنصح أو امرأة، ومثل ذلك سائر المعاملات؛ تعين عليه نصحه، إن كان على علم بالعيب، لقول رسول الله ﷺ : «وإذا استنصحك فانصح له»، ولا يلزم من ذلك أن يصرح بعين العيب، بل يكتفي بقوله لا تفعل مثلا.
стр. 1503
• قوله:
٦٧ - «فإن دخل بها ولم يعلم؛ ودى صداقها، ورجع به على أبيها، وكذلك إن زوجها أخوها».
إذا ردت المرأة قبل الدخول بالعيب؛ فلا شيء لها، إلا أن يعلم الزوج بالعيب ويسكت، فإن لها نصف الصداق، وهكذا إذا لم يكن عالما وردها بالعيب قبل الدخول، لكنه طلقها، فإن لها نصف الصداق لاندراج ذلك تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ففرقوا كما ترى بين الفسخ بسبب العيب من غير طلاق، وبين الطلاق بسبب العيب فلينظر، فإن الظاهر عدم الفرق، لأن موجب الرد قائم طلق أو فسخ، وقد يقال إنه قد يطلق ويزعم أن طلاقه كان لأجل العيب، والله أعلم.
أما إن ردت المرأة بالعيب بعد الدخول، ولم يكن الزوج عالما به؛ فإنه يعطي للمرأة صداقها كاملا، ويرجع به على أبيها، لأنه هو الذي غره ودلس عليه، ولا يرجع الأب على المرأة بشيء إذا كانت غائبة وقت التزويج، فإن كانت حاضرة؛ فللزوج الخيار في الرجوع عليها بالصداق، على أن يترك لها ربع دينار، الذي هو حق الله، وله أن يرجع على الولي بجميعه، ويرجع الولي عليها، لكونها غارة، وقيل يترك لها ربع دينار حتى لا يخلو النكاح عن صداق.
стр. 1504
• قوله:
٦٨ - «وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة؛ فلا شيء عليه، ولا يكون لها إلا ربع دينار».
وهذا لأن شأن الولي البعيد أن لا يطلع على أحوال من تولى تزويجها، فإذا ردت بالعيب بعد الدخول؛ فلا شيء لها، ويرجع الزوج عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار، لئلا يعرى النكاح عن أقل الصداق، أما إن ثبت علم الولي البعيد بالعيب مع سكوته؛ فإن الحكم فيه ما تقدم في الفقرة التي قبل هذه.
قال مالك بعد قول عمر السابق في رد المرأة بالجنون وما ذكر معه: «وإنما يكون ذلك غرما لوليها على زوجها؛ إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يُرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إن كان وليها الذي أنكحها؛ ابن عم أو مولى أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها؛ فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذته من صداقها، ويترك لها قدر ما تستحل به».
стр. 1505
• قوله:
٦٩ - «ويؤخر المعترض سنة، فإن وطئ؛ وإلا فرق بينهما إن شاءت».
المعترض بفتح الراء من لا يقدر على الجماع لعدم انتشار ذكره مع سلامته في الظاهر، بسبب مرض، أو سحر، ومنه ما يقال له الربط، والناس يغالون فيه، إذ قد يكون مجرد حالة نفسية عابرة تزول بمرور الوقت، فهذا إن لم يسبق له وطء امرأته؛ يؤجل سنة من يوم شكوى الزوجة إن كان صحيحا، ومن اليوم الذي يصح فيه إن كان مريضا، أعني مرضا غير الاعتراض، فإن لم يزل عنه الاعتراض؛ طولب بالتطليق، وإلا طلقت عليه، وإنما أخر سنة؛ لاحتمال أن يكون السبب ناتجا عن حر أو برد أو رطوبة أو يبوسة أو نحو ذلك مما لا يزول إلا بزوال مسببه، فإذا مر العام ولم يعاود المعترض حاله؛ قوي الظن أن العيب خلقي، فيفرق بينهما بطلقة بائنة، إلا أن تشاء المرأة البقاء في عصمته فلها ذلك، إذ الوطء من حقها، وإن اختلف في قدره، وقد جاء هذا المعنى في الموطإ (١٢٣٦) في ترجمة «أجل الذي لا يمس امرأته» عن سعيد بن المسيب أنه يؤجل سنة، وقد قضى عمر ﵁ في العنين أنه يؤجل سنة، وهو في سنن سعيد بن منصور كما في بلوغ المرام، ويبتدئ الأجل من يوم مرافعته إلى السلطان، وأما من اعترض بعد أن مسها؛ فقال مالك إني لم أسمع أنه يضرب له أجل، ولا يفرق بينهما، والظاهر أن ذلك حق المرأة إن طلبته.
стр. 1506
• قوله:
٧٠ - «والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك، وينتهي الكشف عنه، ثم تعتد كعدة الميت، ثم تتزوج إن شاءت، ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله».
المفقود عند مالك على أربعة أوجه، كما في المقدمات لابن رشد، وفي الاستذكار (٦/ ١٣٤) لابن عبد البر، والذي ذكره المؤلف أحدها، وهو من فقد في بلاد المسلمين في غير حرب، ولا مجاعة، أو وباء، كأن خرج لتجارة أو غيرها، لأن من هذا شأنه يغلب على الظن هلاكه، فهذا إن صبرت امرأته وانتظرت؛ فهو خير لها، وإلا شرع لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليبحث عنه، فإذا انقضى أمد البحث، وهو أربع سنين ولم يعلم خبره من حياة أو موت؛ اعتدت عدة وفاة، فإذا انقضت العدة؛ جاز لها أن تتزوج إن شاءت، وإنما يجب عليها ذلك الانتظار إذا كان له مال تنفق منه على نفسها، فإن لم يكن له مال؛ فلها طلب الطلاق من غير انتظار، وليس انقضاء العدة التي تضرب لها بمحرم لها على زوجها، فإنه إذا جاء ولما تتزوج بعد؛ فهو أحق بها، ولا يوزع ماله حتى يمر على غيبته من الزمان ما لا يعيش لمثله، وقد اعتمد في مدة تربص امرأة المفقود على ما أثر عن عمر من قضائه ﵁ بذلك في زوجة من اختطفته الجن كما رواه ابن أبي شيبة (١٦٨٦٩) وغيره، ولقوله ﵁: «أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو؟، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل»، لفظ مالك في الموطإ (١٢١٣)، قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٣٣): «وأخرجه عبد الرزاق وسعيد ابن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر أنها تتربص أربع سنين»، وذكر ممن صح عنهم مثل قول عمر: عثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ﵃، وجاء عن ابن مسعود في رواية، وعن علي أنها تنتظر حتى يقدم أو يموت.
стр. 1507
واعتبر بعضهم تلك المدة تعبدية، والظاهر أنها اجتهاد من عمر ﵁، وافقه عليه من وافقه من الصحابة، قال مالك: «وإن تزوجت بعد انقضاء عدتها، فدخل بها زوجها، أو لم يدخل بها؛ فلا سبيل لزوجها الأول إليها»، ومفهومه أنها إن لم تتزوج؛ فهو أحق بها كما سبق.
وأهل المذهب على أن للمرأة أن ترفع أمرها إلى الحاكم أو إلى والي الماء، أو إلى جماعة المسلمين، قيل على الترتيب، وقيل على التخيير، والصواب إن شاء الله: أن ذلك على الترتيب بين الحاكم والجماعة، لما في الرفع إلى غير الحاكم من الافتيات عليه، ولأنه هو الذي يمكنه البحث، فإذا كانت المرأة التي فقد زوجها في بلد لا حاكم إسلامي فيه، فإنها ترفع أمرها إلى جماعة المسلمين.
أما الأنواع الثلاثة الأخرى فهي المفقود بين الصفين في أرض العدو، والأسير الذي تعرف حياته وقتا ثم ينقطع خبره، وهذان ينتظر بهما ما لا يعيشان إليه من السنين، ومفقود في الفتن التي بين المسلمين، وهذا يجتهد فيه الإمام على غالب ظنه.
стр. 1508
• قوله:
٧١ - «ولا تخطب المرأة في عدتها، ولا بأس بالتعريض بالقول المعروف».
العدة هي فترة تربص لا تجوز فيها الخطبة، لأنها تصريح بالرغبة في النكاح، والذي أباحه الله تعالى في العدة هو التعريض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فدلت إباحة التعريض على منع مقابلها وهو التصريح بالمفهوم، ودل المنع من التصريح بالخطبة؛ على المنع من عقد النكاح بمفهوم الأولى، غير أن ربنا صرح بمنعه في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والتعريض أن يذكر شيئا ويريد غيره كأن يقول إني فيك لراغب، وأنا لك محب، وأبشري بالخير، ووددت لو أن الله تعالى يسر لي امرأة صالحة، وبعض هذه الألفاظ يماس التصريح، والمذهب أن التعريض بالقذف قذف؛ لزجر الطباع اللئيمة، ولا حرج فيه في العدة للرفق بالطباع السليمة.
واعلم أنه لا يجوز التعريض في الطلاق الرجعي بالاتفاق، لأن عصمة المطلق فيه قائمة، وإنما يجوز في الطلاق البائن بقسميه، وللمتوفى عنها زوجها، والذي يحرم عليه التصريح بالرغبة في النكاح إنما هو غير المطلق، أما هو فيجوز له ذلك، بل يجوز له أكثر من ذلك وهو العقد في العدة لأنها منه.
стр. 1509
• قوله:
٧٢ - «ومن نكح بكرا؛ فله أن يقيم عندها سبعا دون سائر نسائه، وفي الثيب ثلاثة أيام».
قوله فله أن يقيم عندها، وفي نسخة فلها أن يقيم عندها، والموضع المناسب لذكر هذا هو ما سبق من وجوب العدل في القسم بين الزوجات، لكونه استثناء منه يخص الزوجة الجديدة، فمن نكح بكرا؛ أقام عندها سبعة أيام من غير أن يعتبر ذلك في القسم الواجب، ومن نكح ثيبا؛ أقام عندها ثلاثة أيام، فإذا انقضى ذلك ابتدأ بالقسم، من غير اعتبار لذلك التفضيل، قيل يبدأ بأيتهن شاء، والظاهر أنه يبدأ على ما سبق من الترتيب، على أن تكون الجديدة هي الأخيرة، وفي ذلك مراعاة الشارع للفروق بين الناس، لحاجة البكر إلى المؤانسة أكثر من حاجة الثيب، ودليل ما تقدم أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: «إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك؛ سبعت لنسائي»، رواه مسلم (١٤٦٠)، والهوان انحطاط المنزلة، والمراد بالأهل فيه نفسه ﷺ ، وقيل أهلها هي، وجاء في الصحيحين (خ/ ٥٢١٣) من حديث أبي قلابة عن أنس ﵄: «السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا».
وقد اختلف في إيثار البكر بسبع والثيب بثلاث، هل هو حق الزوجة، أو حق الزوج، وهما روايتان على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في المعونة، وهو في النوادر أيضا، وعليهما تتخرج النسختان في قول المؤلف «فله أن يقيم،،،»، بتذكير الضمير وتأنيثه، وعلى الأول يقضى لها به، وعلى الثاني لا يقضى، وحكى ابن القصار أن ذلك حقهما وهو الذي ذهب إليه ابن العربي في المسالك، والظاهر أنه حقها لأن النبي ﷺ لم يستأمر أم سلمة إلا بعد ثلاث، ويدل على ذلك أيضا التوطئة التي قدمها بين يدي ذكره عدم الزيادة على ثلاث، فهي كالاعتذار عن عدم الزيادة، لكون ذلك حكما شرعيا.
стр. 1510
وقد رأى بعض الناس في إيثار الشارع الزوجة الجديدة بما ذكر من الأيام دليلا على أن للزوج أن يترخص بترك الجماعة والجمعة، حكاه سحنون عن بعض العلماء، قالوا لا يخرج، وذلك لها بالسنة، وهو قول ساقط لا ينبغي الالتفات إليه، قال مالك ﵀ كما في العتبية من رواية ابن القاسم: «لا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن حضور الصلوات في جماعة، وهو في النوادر (٤/ ٦١٢)، وفي العتبية أيضا عنه: «،،، وإذا كان من يُنظر إليه يفتي بالجهالة؛ جرت في الناس»، انتهى، وقال ابن رشد في البيان والتحصيل معلقا على القول بالسقوط: «وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك ﵀، وغلطة غير خافية»، وانظر المسالك لابن العربي (٥/ ٤٧٦).
следующие страницы →