Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
وأن تكون الزوجة مطيقة للوطء ممكنة من الدخول بها، وأن لا يكون أحد الزوجين مشرفا على الموت، وفي هذه الشروط ولا سيما الأخير نظر، ودليل وجوب الإنفاق على الزوجة؛ قول رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف،،،»، رواه مسلم عن جابر من حديث طويل، ولقول النبي ﷺ لهند بنت عتبة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وفيه دليل على لزوم إنفاق الرجل على زوجته وولده، ولولا أن ذلك واجب عليه؛ ما جوز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيهم بالمعروف من غير إذنه.
وأما الوالدان الفقيران ولو كافرين؛ فلأن الله تعالى أمر بالإحسان إليهما، والإنفاق عليهما بسد حاجتهما يأتي على رأس ذلك، وإذا لم يدخل في الإحسان إليهما هذا؛ فأين الإحسان الموصى به كما قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا (٨)﴾ [العنكبوت: ٨]، ولأن الله تعالى ذكرهما في مقدمة من ينفق عليهم إذ قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥].
والنوع الثالث الإنفاق على الأولاد الصغار الذين لا مال لهم، أما الذكور؛ فحتى يبلغوا قادرين على الكسب، ويجدوا ما يكتسبون فيه، والمراد بالزمانة بفتح الزاي في كلام المؤلف المرض والآفة التي تمنع الاكتساب والعمل، وأما أجل الإنفاق على الإناث؛ فحتى يدخل بهن أزواجهن، البالغون الموسرون، أو يدعون إلى الدخول فيمتنعون، ومن الأدلة على ذلك ما في حديث هند بنت عتبة، ومنها ما في كتاب الله تعالى من إيجابه سبحانه أجرة الإرضاع على الوالد وقد تقدم، وهذا وإن كان خاصا بزمن الرضاع؛ فإن العلة بعده موجودة، وهي عدم القدرة على الكسب والعمل، فيكون الأمد المضروب هو البلوغ قطعا للنزاع، ولعل في هذا ما يكمم أفواه دعاة حقوق الطفل والمانعين من استغلال الأطفال في الحروب والأعمال في هذا العصر، وقد رد النبي ﷺ عبد الله بن عمر، ولم يأذن له في القتال لكونه كان صغيرا، ثم أذن له بعد، وعمره خمس عشرة سنة، ومن ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار، قال:
стр. 1577
أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك»، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك»، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم»، وهذا الترتيب مراعى عند شح النفقة وضيقها، وقد يؤخذ من الحديث التطليق بالإعسار، لأنه إذا ضاق العيش قدم الأولاد على الزوجة فتطلق عليه، كما يؤخذ منه بيع العبيد على السيد إذا لم يجد ما ينفق عليهم، وقد صح عن أبي هريرة ﵁ (خ/ ٥٣٥٥) قوله: «تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني»؟.
أما أنه لا يجب على المرء أن ينفق على من عدا هؤلاء من الأقارب كالأجداد، والإخوة، وغيرهم؛ فلأن «النفقة إنما تجب ابتداء، لا انتقالا، ونفقة الجد لازمة للابن، فلا تنتقل إلى بنيه، ونفقة أولاد الأولاد لازمة لأبيهم، فلا تنتقل إلى جدهم»، هكذا علل أبو الحسن، والإنفاق على من عد الأولاد والأبوين من الأقارب إنما هو من باب صلة الرّحم.
стр. 1578
• قوله:
٢٥ - «وإن اتسع؛ فعليه إخدام زوجته».
الأصل في هذا أن تترك المشاحة والمضارة معا، فأما المشاحة؛ فلأنها لا تستقيم علاقة المتساكنين معها، فكيف بالزوجين؟، وأما المضارة فقواعد الشريعة تمنعها، والمؤلف بين أن الزوج إذا كان ذا سعة بحيث يمكنه توفير من يخدم زوجته الشريفة التي لم تجر العادة باستخدامها؛ وجب عليه ذلك، إما بأن يتولى الخدمة بنفسه!!، أو يؤاجر من يقوم بها، لكنها لا تطلق عليه بعجزه عن توفير من يخدمها ولو كانت ذات شرف في رواية أصبغ وابن الماجشون عن مالك، لأنها دخلت على ذلك، فيلزمها حينئذ الخدمة الباطنة كالطبخ والعجن، بخلاف الخدمة الظاهرة كالطحن، وسقي الماء، إلا أن تطوع، أو تكون هناك عادة، فتحمل عليها، لأن العادة المقررة كالشرط كما تقدم في الرضاع، وقد استدل على وجوب إخدام الزوجة بأن ذلك من جملة المعروف الذي أمرنا أن نعاشر الأزواج به في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، وفي هذا الاستدلال نظر، ومن الأدلة على أن المرأة تخدم زوجها حديث علي أن فاطمة ﵄ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: على مكانكما، فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟، إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما؛ فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم»، رواه البخاري، ويدل الحديث على أن ذكر الله تعالى مما تتيسر معه الأعمال، وتخف بسببه الأتعاب، لاستيقان الذاكر أن ذلك تعب مؤقت، زواله قريب، وأن هم المؤمن الرغب في ثواب الآخرة، لا مجرد الراحة في الدنيا، ووجه الدلالة أنه لو كان واجبا على الزوج إخدام زوجه لألزم النبي ﷺ عليا بذلك، وكيف
стр. 1579
لا يلزمه وقد أثرت الرحى في يديها وجاءته تشكو فلم يُشكها؟، وقد علمت أنه ألزمه بتقديم بعض الصداق إذ لم يمكنه من الدخول بها حتى أعطاها درعه الحطمية، مع أن تقديم الصداق على الدخول ليس واجبا بنص القرآن، وظواهر القرآن تدل على عدم وجوب إخدام الزوجة من ذلك قوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥]، وكيف يكون ذلك واجبا على الرجل وهو مكلف بإطعامها وكسوتها وإيوائها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فما الذي يبقى على المرأة بعد إسقاط خدمة زوجها عنها، متى كان ذلك بالمعروف ومن غير مشقة، فضلا عن إيجاب خدمتها عليه؟.
стр. 1580
• قوله:
٢٦ - «وعليه أن ينفق على عبيده، ويكفنهم إذا ماتوا».
هذا هو السبب الثالث من أسباب لزوم الإنفاق، ويدل علاه ما تقدم من حديث الرجل الذي ذكر ما عنده من الدنانير، فبين له النبي ﷺ أن من جملة من ينفق عليهم الخادم، ومن ذلك قوله ﷺ : «من كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس»، الحديث، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق»، رواه أحمد ومسلم، أما مؤونة تجهيز العبد إذا مات؛ فلأن العبد لما لم يكن له مال؛ كان ذلك في مال سيده، ولأن التجهيز من توابع النفقة وهي واجبة على السيد، فيكون تابعها مثلها.
стр. 1581
• قوله:
٢٧ - «واختلف في كفن الزوجة، فقال ابن القاسم في مالها، وقال عبد الملك في مال الزوج، وقال سحنون إن كانت ملية؛ ففي مالها، وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج».
وجه قول ابن القاسم أن الكفن من توابع النفقة، وهي إنما كانت لمعنى زال بالموت، والتابع يعطى حكم المتبوع، ووجه قول عبد الملك بن حبيب، أو ابن الماجشون؛ أن الزوجية ما زالت قائمة، بدليل تقديم كل من الزوجين في تغسيل الآخر، أما قول سحنون؛ فإن اشتراط كونها ملية قد يكون مرادًا في القول الاول، وإلا فكيف يكون في مالها، ولا مال لها؟، وأوْلى الأقوال الثلاثة وأقيسها قول عبد الملك، والله أعلم، وأحكم.
стр. 1582
٣٤ - باب في البيوع وما شاكل البيوع
حاجة الناس ماسة إلى التعاون لتحصيل المنافع، بل إن ذلك معروف عن كثير من الحيوانات، ولهذا يقع التناصر والتحالف ويقع التبايع والتبادل، فالإنسان مدني بطبعه كما قيل، محتاج إلى أن ينتفع بما عند غيره من الأعيان والمنافع فهو خادم لغيره، وغيره خادم له من غير أن يشعرا:
الناس للناس من بدو وحاضرة … بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وسبيل انتقال الأملاك والمنافع إما محرم أو غيره، فالمحرم كالسرقة والغصب والقمار والربا، وغيره قسمان أولهما ما كان بعوض، والأصل فيه الاختيار، وقد يشرع إكراه المالك عليه كما في بعض صور الاحتكار والدَّيْن والإفلاس وعدم الإنفاق على من يلزم الإنفاق عليه، والثاني من وجهي انتقال الملك ما كان بغير عوض، وهو نوعان واجب وغير واجب، ويدخل في الأول الزكاة، والكفارات، والدية، وصَدُقات النساء، والإنفاق على الوالدين والزوجة والأولاد، والميراث، وغير الواجب كصدقة التطوع والهبة والهدية والصدقة والوقف والعارية والمنيحة والرقبى والعمرى.
ولما كان ما عدا البيع مما هو سبب في نقل الملك والمنفعة لا يفي بحاجات الناس على وجهها لأنه موكول إلى اختيار الفاعل وأريحيته، والنفوس يغلب عليها الشح، ولأن فيه المنة التي قد لا يتحملها بعض الناس شرع الله تعالى انتقال المنافع والأعيان بعوض، ولضبط ذلك كان لا بد من عقد ينتظم شرائط نقل الملك والمنفعة كي يتما على الوجه الذي يحقق للطرفين المصلحة ويجنبهما المفسدة، والمعقود عليه لا يخرج عن أن يكون مالا بمال، أو مالا بمنفعة، أو منفعة بمنفعة، قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٨١): «العقود التي فيها نوع معاوضة وهي غالب معاملات بني آدم التي لا يقومون إلا بها سواء كانت مالا بمال، كالبيع، أو منفعة بمال كالإجارة، والجعالة، وقد يدخل في
стр. 1583
المسألة الإمارة والتجنيد، ونحو ذلك من الولايات، أو كانت منفعة بمنفعة كالتعاون والتناصر ونحو ذلك تنقسم أربعة أقسام:
- فإنها إما أن تكون مباحة من الجانبين كالبيع والإجارة والتعاون على البر والتقوى.
- وإما أن تكون حراما من الجهتين، كبيع الخمر بالخنزير، والاستئجار على الزنا بالخمر، وعلى شهادة الزور بشهادة الزور.
- وإما أن يكون مباحا من إحدى الجهتين حراما من الأخرى، وهذا القسم ينبغي لأهل الإسلام أن يعلموه، فإن الدين والدنيا لا تقوم إلا به، وأما القسم الأول وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف.
- وأما الثالث (الصواب الثاني) فتقوم به الدنيا الفاجرة والدين المبتدع، وأما الدين المشروع والدنيا السالمة فلا تقوم إلا بالثالث … ، مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم، ورشوة الولاة لدفع الظلم، أو تخليص الحق وإعطاء من يتقى شر لسانه، أو يده، انتهى باختصار.
والبيع مما يتعين الاهتمام به ومعرفة أحكامه لعموم الحاجة إليه، إذ لا يخلو مكلف من بيع أو شراء، فيجب على المسلم أن يعلم حكم الله قبل التلبس بالفعل، ولا يصح أن يكون همه الحصول على السجل التجاري مع ظنه أَنَّ ذلك كاف في تأهله لأن يغدو تاجرا، ولا عبرة بقول من قال يكفي المرء ربع العبادات، بل مرد هذا إلى قول النبي ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، رواه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عدي عن أنس، وهو في صحيح الجامع للألباني، والعلم الواجب إما أن يشترك الناس في وجوبه كالصلاة والصوم، أو يُطَالَبُ به من أراد فعل ما يتوقف عليه، والتاجر أولى من غيره بتعلم أحكام البيع، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: «لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين»، رواه الترمذي (٤٨٧) في كتاب الوتر من جامعه، وقال حسن غريب، ولعله لا يريد عموم التفقه، بل خصوص التفقه في أحكام التجارة، بعد معرفة ما يشترك المسلمون في وجوب معرفته من أمور دينهم، وتولي المسلم شراء ما يحتاجه بنفسه خير له لجملة من الأمور، منها أن ذلك أبعد له عن البيوع المخالفة للحق، ولكي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولاسيما في التجارة، ولأن فيه من التواضع ما لا يخفى، والله أعلم.
стр. 1584
قال الشيخ أبو سعيد بن أحمد - حفظه الله - في طالع كتابه أحكام البيع وآدابه: «وقد فشت التجارة في هذه الأيام وانتشرت كما أخبر بذلك النبي ﷺ حيث قال: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تشارك المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم»، رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن عبد الله بن مسعود، وهو في الصحيحة للألباني، وقابل فشو التجارة عدم مبالاة الناس من أين يكتسبون المال من حلال أم من حرام بسبب حب الدنيا والمسارعة إلى جمع المال مع إهمال التفقه في الدين عامة، وفي فقه المعاملات خاصة، وقد قال رسول الله ﷺ : «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال، أم من حرام»، رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي هريرة»، انتهى ببعض تصرف في التخريج.
وقال سحنون في المدونة (٣/ ٩٤): «وقد كره مالك أن يكون النصارى واليهود في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له، ورأى أن يقاموا من الأسواق»، انتهى، فأين نحن من هذا، والمسلمون هم الذين يتعاملون بالربا من غير نكير، إن لم يكن ذلك بالتشجيع و (التشريع)، وفي الموطإ (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «إذا جئت أرضا يوفون المكيال والميزان فأطل المقام بها، وإذا جئت أرضا ينقصون المكيال والميزان فأقلل المقام بها»، انتهى.
وقد بعث الله تعالى نبيه شعيبا ﷺ فكان من جملة ما بعث لأجله بعد توحيد الله تعالى ما قاله لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ [هود: ٨٤]، وقد اعتبر قومه ذلك حجرا على حريتهم وتضييقا لأوجه استغلال أموالهم باستعمال ذكائهم وتحايلهم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]، فاحتجوا بأمرين تقليدهم سلفهم في عبادة غير الله، وحريتهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاؤون، وفساد هذا العالم ولا سيما في هذا العصر راجع إلى هذين الأمرين، ولما كانوا
стр. 1585
إنما أرادوا بهذا الوصف الاستهزاء به والتعريض بسفهه -حاشاه- أجابهم بقوله: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، قال القاضي البيضاوي ﵀: «ولهذه الأجوبة على هذا النسق شأن، وهي التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها حق النفس، وثالثها حق الناس،،،»، انتهى.
والبيع مصدر باع يبيع، ويقال ابتاع أيضا، ولما كان البيع نقلا للملك كان لفظه صالحا لأن يراد به إدخال الشيء في الملك وإخراجه منه، فهو من الأضداد، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [يوسف: ٢٠]، أي باع يوسفَ إخوته بثمن قليل، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]، ولذلك يقال للطرفين في عقد البيع البائعان والبيعان، بشد الياء مكسورة، لكن العرف الشائع جار على التفريق بينهما، وقيل إن لغة قريش استعمال باع إذا أخرج، واشترى إذا أدخل، نسبه في مواهب الجليل للزناتي في شرحه للرسالة، قال كاتبه: قد يقبل هذا التفريق إذا كان أحد العوضين نقدا، فيكون باذله مشتريا وآخذه بائعا، لأن النقود لا تراد لذاتها، أما إن كان مقايضة فكل من البيعين مُدخل ومُخرج.
وقد تكلم المؤلف في البيوع على ما شاكلها، أي شابهها، ووجه المشابهة بين البيع والإجارة مثلا أن كلا منهما عقد على شيء يقابله عوض، لكن العوض في البيع عين، وفي الإجارة منفعة، والذي شابه البيوع هنا عشرة أشياء تعرض لها المؤلف وهي الإجارة والجعل والكراء والشركة والقراض والساقاة والمزارعة والعارية والجوائح وتضمين الصناع.
ويحسن أن يقدم بين يدي كلام المؤلف بعض ما يفتقر إلى معرفته في هذا الباب من تعريف البيع، وبيان أقسامه، وذكر حكمه، وسرد أركانه، فإن المؤلف لم يتعرض لشيء من ذلك، وقد جريت على التوسع في بيان أقسام البيع وذكر أركانه للحاجة إليه.
فأما تعريفه فقد قيل إنه لا حاجة إليه، فإن كل الناس حتى الأطفال يعرفونه، ونصره
стр. 1586
خليل في التوضيح، ولذلك لم يتعرض لتعريفه في مختصره، بل ابتدأ بذكر أركانه، وخاض معظم متأخري الفقهاء في تعريفه، فقيل: «دفع عوض في عوض»، وهذا يتناول البيع المشروع وغيره، وقد اختلف في تسمية الفاسد بيعا، وتصرفات الفقهاء تدل على إطلاقهم ذلك عليه، ولأن الأحاديث جاءت بالنهي عن بيوع معينة، ويقال في البيع المشروع: «نقل الملك بعوض بوجه جائز»، وهو غير مانع عند أهل المذهب، فإن للبيع عندهم إطلاقين أعم وأخص، وتعريفه الأعم عند ابن عرفة هو: «عقد معاوضة على غير منافع ولا منفعة لذة»، فقوله معاوضة، أي مشتمل على معاوضة من الجانبين، فخرج العقد الذي لا معاوضة فيه من أحدهما كالهبة والصدقة، وخرج بقوله غير منافع … ، الخ، الكراء والإجارة والنكاح، ودخلت هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم، ويظهر أن لا حاجة لقيد منفعة لذة، فأين النكاح من الإجارة؟، هذا مما يستبشع.
أما تعريفه الأخص فيزاد فيه على ما تقدم: «ذو مكايسة، أحد عوضيه ليس ذهبا ولا فضة، معينٌ غير العين فيه»، فخرج بقوله ذو مكايسة هبة الثواب لأنها ليس فيها مشاحة، فإنه متى أعطاه المقابل تعين أخذه، والمراد أن شأن البيع المراجعة: يطلب هذا الزيادة، ويطلب الآخر النقص، فلا يضر تخلف المكايسة في بعض أفراد البيع كما سيذكر بعد، والمكايسة هذه وهي مشروعة لا تعني المضاجرة بكثرة المراجعة وطلب خفض الثمن من المشتري، والتغالي فيه من جهة البائع، فإن السماحة مطلوبة في البيع وغيره، قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، رواه البخاري (٢٠٧٦) عن جابر ﵁، ورواه مالك (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول فذكر نحوه، والسمح السهل، ومعنى اقتضى، طلب قضاء حقه، وخرج بقوله أحد عوضيه ليس ذهبا ولا فضة الصرف والمراطلة والمبادلة، فإنها بيع لكن لها أحكام مختصة، وستذكر بعد، وخرج بقوله معين غير العين فيه بيع السلم فإن غير العين فيه وهو العرض ليس معينا، بل يكون في الذمة.
فإن قيل: بيع الغائب داخل في التعريف، لأنه غير معين، فالجواب: أنه معين موصوف، وليس كذلك بيع السلم.
стр. 1587
وإنما جمع المؤلف البيع بالنظر إلى أنواعه، وذلك باعتبارات مختلفة:
أولها اعتبار تسلم العوضين وعدم تسلمهما، فإن تسلما فهو بيع النقد، وهذا هو الأصل في البيع لعدم شغل الذمة، فإن الشرع متشوف إلى ذلك، ولهذا اشترطه في بيع الذهب والفضة وسائر الربويات لما لها من الخصوصية في حياة الناس.
أما تأجيل أحد العوضين فجائز، وتحته قسمان: تأجيل الثمن، وهو البيع إلى أجل، وتأجيل المثمون، وهو بيع السلم، لكن هذا إنما يتضح فيما إذا كان أحد عوضيه نقدا، وإلا فكيف يعرف الثمن من المثمون؟.
وإنما يجوز تأجيل أحد العوضين إذا لم يكونا ربويين، أما تأجيلهما معا فلا يجوز كيفما كانا، لأنه بيع الدين بالدين، وهو الكالئ بالكالئ، إلا ما قاله أهل المذهب من جواز تأخير رأس المال في السلم بعض الوقت، وسيأتي بيان ما فيه، فهذا هو تقسيم البيع باعتبار الأجل.
أما بالنظر إلى حقيقة العوضين فهو أنواع ثلاثة:
١ - بيع مقايضة، وهو بيع السلعة بالسلعة غير النقد، أعني أن لا يكون العوضان ولا أحدهما نقدا، ومثاله أن يبيع كتابا بكرسي.
٢ - بيع عرض بعين، وهو الغالب على البيوع اليوم، فحري أن يسمى البيع المطلق لأنه هو الذي لا يشترط فيه شروط خاصة، ومثاله أن يبيع كتابا بثلاثة آلاف دينار.
٣ - بيع عين بعين، أعني نقدا بنقد وهو ثلاثة أقسام في المذهب:
ا - الصرف، وهو بيع الذهب بالفضة، وهو اليوم من النادر، ومثاله اليوم وهو الكثير الغالب في بيع النقد، بيع عملة بعملة أخرى، كبيع دولار أمريكي يثمانمائة دينار جزائري، اما الصرف العرفي فأمر آخر.
ب - المراطلة، وهي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنا، ولا يوجد للمراطلة نظير في بيع العملات بعضها ببعض، لأن بيع العملات يكون بالعدد، لا بالوزن.
ج - المبادلة، وهي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة عددا، وهي في المذهب جائزة بشروط سيأتي الكلام عليها إن شاء الله، فهذه هي أقسام البيع بالنظر إلى حقيقة
стр. 1588
العوضين.
أما إن اعتبر في تصنيف البيع رؤية المثمن وعدم رؤيته فالبيع نوعان: بيع الحاضر، لأنه مرئي أو في حكم المرئي، وإلا فهو بيع الغائب المعين بالوصف، فإن لم يكن معينا فهو بيع السلم.
وإن كان الاعتبار بت البيع، بحيث لا يكون لأحدهما الخيار شرطا وعدم ذلك فهو نوعان أيضا:
ا - بيع على البت، والبت القطع، وهو الذي لا يكون فيه خيار لأحد الطرفين، ما لم يظهر فيه عيب فيكون فيه خيار العيب على ما سيأتي من التفاصيل، ولغير المالكية خيار المجلس، أعني ما لم يتفرق البيعان بالأبدان ولو تفرقا بالأقوال.
ب- بيع على الخيار وهو الذي يكون فيه للطرفين إمضاء البيع وعدم إمضائه في مدة محددة.
فإن كان الذي يراعى في التقسيم طريقة تحديد الثمن فهو أقسام ثلاثة: بيع أمانة، وبيع مساومة، وبيع مزايدة.
ا - ومعنى بيع الأمانة أن أحد المتعاقدين لا يعرف سعر المبيع فيأتمن صاحبه على ما يذكره من السعر، بأن يقول البائع للمشتري: اشتر مني كما تشتري من الناس، أو يقول المشتري للبائع: بعني كما تبيع للناس، ويسمى هذا أيضا بيع استئمان واسترسال، وتحته صور، فإن كان مع الزيادة على الثمن الأول، فهو بيع مرابحة، فالمرابحة إذن مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول مع زيادة، ويدخل فيه بيع التولية، وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، ومنه بيع الوضيعة، وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه، ويمكن أن ندخل بيع الوضيعة في بيع المرابحة باعتبار أن المشتري قد ربح فيه، ومنه الإقالة، وهي الاتفاق بين العاقدين على التراد للثمن والمثمن كما هما، ومنه الشركة، أعني التشريك في المبيع، بأن يتنازل أحد لغيره عن جزء مما اشتراه في مقابل نفس الجزء من ثمنه، هذا هو بيع الأمانة وصوره، لكن ينبغي أن تعلم أن كلا من بيع التولية والشركة والإقالة هو بيع معروف ومكارمة، وأن بيع الأمانة قد يرجع في تحديد ثمن الشراء
стр. 1589
فيه إلى البائع أو إلى المشتري لأن أحدهما يأمن الآخر على ذلك.
ب - النوع الثاني من كيفية تحديد الثمن بيع المساومة، ويتم هنا تحديد ثمن المبيع بالمكايسة، يذكر البائع سعرا والمشتري غيره، هذا يطلب الزيادة والآخر يطلب النقصان إلى أن يحصل الاتفاق على السعر، والمساومة ثابتة في أحاديث عدة، منها أن النبي ﷺ نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه، ومنها قوله ﷺ : «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، رواه البخاري (٤٢٨) من حديث أنس ﵁، أي اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي أراه»، قاله حين أراد أن يقيم مسجده على أرض لهم، وفيه دليل على أن رب السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم من المشتري، ويجوز أن يذكر المشتري الثمن الذي يرغب في الشراء به.
ج - بيع المزايدة، ومعناه أن يعرض البائع سلعته فيعطى فيها ثمنا ما، فيلزم البيع من أعطاه ذلك الثمن إن رضي المالك، وإلا طلب الزيادة على السعر الأول، وهكذا إلى أن يقبل بثمن ما فيبيع به، وقد جاء في بيع من يزيد حديث جابر بن عبد الله في بيع النبي ﷺ لعبد مدبر أفلس مدبره، وهو في صحيح البخاري (٢١٤١)، وأصرح منه دلالة حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ باع حلسا وقدحا وقال: «من يشتري هذا الحلس والقدح»؟، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال: «من يزيد على درهم»؟، فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وهذا لفظ الترمذي، وقال حسن، والحلس بكسر الحاء وسكون اللام هو الكساء الذي يلي ظهر البعير، كذا في النهاية، والقدح بفتح القاف والدال وعاء يؤكل فيه.
واعلم أن بيع المساومة والمزايدة جائزان اتفاقا في المذهب، وبيع المرابحة جائز بمرجوحية، ووجه ذلك احتياج البائع والمشتري إلى الصدق في بيان سعر السلعة وما أقل الصدق في التجار!!، والأكثرون على جواز بيع الاستئمان لثبوت الخيار للجاهل بالثمن إذا كذب عليه العالم به بأن غره، وقيل لا يجوز ويفسخ إن وقع متى كان المعقود عليه قائما، وإن فات رد مثل المثلي، وقيمة المقوم، والمثلي نحو القمح والشعير وكل ما له مثيل، والمقوم كالثوب والعبد، وفي الاختيارات لابن تيمية أنه باطل.
стр. 1590
وأما حكم البيع فإنه مباح، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لكن قال رسول الله ﷺ : «من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها، لم يبارك له فيها»، رواه ابن ماجة عن حذيفة وهو في الصحيحة برقم (٢٣٢٧)، ففيه دلالة على كراهة ذلك.
وإنما يذكر الدليل هنا للاعتبار، ولما تحمله النصوص المستدل بها من المنافع والأنوار، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (٣٧)﴾ [النور: ٣٧]، فوصف المؤمنين بأنهم لا تلهيهم التجارة والبيع عن ذكره، لا أنهم لا يبيعون ولا يتاجرون، قال قتادة: «كان القوم يتاجرون، ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله»، انتهى، علقه البخاري، وقال تعالى بعد أن أمر بترك البيع حين النداء للجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فانظر كيف أمر بالانتشار عند انتهاء صلاة الجمعة، لكنه عاب من انصرف إلى التجارة وترك ما هو مقدم عليها يفوت وقته، ووقتها لا توقيت فيه.
وقد خفف الله تعالى عن المؤمنين من قيام الليل بعد أن أمر به رسوله ﷺ فقامه، فاقتدى به أصحابه فنزل التخفيف رحمة بهم، وذكر التجار الذين يضربون في الأرض إلى جانب المرضى والمجاهدين في سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزَّمل: ٢٠]، وفي الآية أن الأصل في التجارة الجلب لنفع الناس لا مجرد الشراء والبيع، فيكون ذلك من أسباب الغلاء، وقد جاء في الحديث الضعيف: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»، رواه ابن ماجة عن عمر ﵁، والجالب الذي يسوق الشيء من موضع لآخر، وهو هنا يجلبه
стр. 1591
ليبيعه، فينفع الناس، فأصل التجارة الجلب، والمحتكر الذي يحتبس السلعة التي يحتاج إليها ليحصل على سعر أعلى.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقد فسر مجاهد الكسب بالتجارة، والصناعة داخلة في عمومه، وأمرنا أن ننفق من الكسب الطيب، وقال النبي ﷺ : «أحب البقاع إلى الله المساجد وشرها الأسواق»، رواه أحمد والبزار عن جبير بن مطعم، وحسنه الحافظ في الفتح (٤/ ٤٢٩)، ورواه مسلم عن أبي هريرة نحوه، قال ابن بطال كما في فتح الباري: «وهذا خرج على الغالب، وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد»، انتهى.
قلت: وهذا قد يوجد، لكن المسجد مفضل لذاته، ووجود المعصية فيه والمخالفة لا يجرده من هذا الفضل، ومع كون الأسواق شر البقاع فقد أخبر الله تعالى أن الرسل يمشون فيها ردا على الكفار الذين استغربوا ذلك من رسول الله ﷺ ، فبين الله تعالى أن ذلك شأن الرسل قاطبة قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وذلك لما لهم فيها من المصالح والمنافع، كما أن لغيرهم منفعة إذا رأوهم ذكروهم ما نسوه، كما قال النبي ﷺ : «أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله»، فالعلماء والصالحون قد يغشون المواضع الممقوتة لمصلحة الخلق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتعلم الناس منهم حين يشترون، ولذلك كان في الذكر في السوق أجر عظيم كما قال النبي ﷺ : «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيتا في الجنة»، رواه الترمذي (٣٤٢٩) عن عمر ﵁.
وقال النبي ﷺ : «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، رواه أحمد والبخاري (٢٠٧٢) عن المقدام ﵁، وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ الحصر، قال: «كان لا يأكل إلا من عمل يده»، وإنما خص النبي ﷺ داود ﵇ بالذكر في بيان فضل الأكل من عمل اليد لأنه كان
стр. 1592
ملكا مستغنيا عن عمل يده، ومع ذلك لم يعتمد في رزقه على غير عمل يده، وقال النبي ﷺ : «أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده»، رواه أحمد والطبراني عن أبي بردة، والمبرور الذي يبر فيه صاحبه، فلا يعصي الله فيه بغش ونحوه، ولا يعصي بسببه فيفرط فيما هو مقدم عليه.
وقد يكون البيع واجبا كما إذا اضطر إلى شراء ما يدفع به عن نفسه الهلاك، أو بيع ما يدفع به ذلك عن غيره، ويستحب إبرار المسلم إذا حلف على بيع شيء لم يكن على بائعه فيه ضرر، قالوا وتعرض له الكراهة كبيع الهر والسباع لأجل الانتفاع بجلودها، والصواب أن بيعها محرم، وقد تقدم الكلام عليه، أما المحرم من البيع فما كان العوضان فيه أو أحدهما محرمَ العين، أو كان فيه وصف ممنوع كالنسيئة في النقد والطعام وكالغش والخديعة، أو كان فيه إعانة على الإثم كبيع السلاح في الفتنة متى لم يعلم السلامة، فضلا عن بيعه لأهل الحرب.
أما أركانه فثلاثة: العاقد، والمعقود عليه، والصيغة، فتكون الأركان بالتفصيل خمسة، فإن العاقد هو البائع والمشتري، والمعقود عليه الثمن والمثمن.
والعاقد يجوز أن يكون هو المالك، ويصح أن يكون وكيلا، فلا يصح أن يبيع الغاصب ما غصبه لأنه غير مالك له، ويذكر هنا بيع الفضولي وهو الذي يتصرف في ملك الغير بدون إذنه، فهذا يجوز بيعه إذا أمضاه المالك، ويستدل له بحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في جبل فانحطت عليهم صخرة قال: فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، وفيه: وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة، فأعطيته وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟، فقال: ما استهزئ بك ولكنها لك،،، الحديث، وفيه تصرف الرجل في مال الأجير من غير إذنه لمصلحته فهو من الإحسان، وكيفما كان العاقد يشترط فيه التمييز، ويعرف ذلك بأنه إذا تكلم بشيء من مقاصد العقلاء
стр. 1593
فهمه وأحسن الجواب، فلا ينعقد بيع غير المميز لصبا أو جنون، وفي بيع السكران خلاف، قيل لا يصح بيعه اتفاقا، وقيل لا يصح على المشهور، وإنما الخلاف في السكران الطافح، أما من له نوع تمييز، فبيعه منعقد، لكن اختلفوا في لزومه، والمعتمد عدم اللزوم، ومثله الصبي المميز فإنه يصح بيعه، لكنه غير لازم، فيجوز لوليه أن يرده، لأن التكليف مع الرشد والطوع شرط في اللزوم، ولا يلزم بيع السفيه ولا المكره إذا كان الإكراه ظلما غير مشروع، أما من أكره على بيع شيء لقضاء دينه، أو للإنفاق على من وجبت عليه نفقته، أو لكونه محتكرا أضر احتكاره بغيره فهذا بيعه ماض صحيح، ويشترط فيمن يباع له العبد المسلم والمصحف الإسلام، وكذلك يشترط الإسلام فيمن يباع له العبد الصغير مسلما كان أو كافرا.
والركن الثاني المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، ويشترط لصحة العقد عليه خمسة شروط هي: طهارته، والانتفاع به، وعدم النهي عنه، والقدرةُ على تسليمه، وعدم الجهل بالعوضين أو أحدهما.
فأما الطهارة فينبغي أن تكون أصلية، أو عرض لها تنجس يمكن إزالته، فلا يجوز بيع الزيت المتنجس، لأنه لا يمكن تطهيره، وقيل إن القياس جواز بيعه إذا بين حاله، لأن تنجيسه لا يسقط ملكية صاحبه عنه، ولا يذهب بجواز الانتفاع به، ومن ثمة فلا يجوز إتلافه عليه، فيصح بيعه ممن يصرفه فيما هو له، وقد كان ابن اللباد يفتي بهذا، وما تقدم من عدم إمكان تطهير نحو الزيت هو المشهور، وفي رواية عن مالك أن غير الماء لا يختلف عنه، فلا ينجسه إلا ما غيره، وهو الصحيح كما قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٦٩)، وكل هذا على مذهب من لا يرى تطهير نحو الزيت المتنجس، أما من يرى إمكان تطهيره فسبيله سبيل الثوب المتنجس، فإنه يمكن إزالة ما به من نجاسة فيجوز بيعه مع تنبيه المشتري إلى ذلك، ولا يجوز بيع زبل المحرم في المذهب كالخيل والبغال والحمير، وكذا المكروه كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر، وقد بلغ الحطاب بعدد الأقوال الواردة في بيع العذرة أربعة، المنع لمالك وهو الأكثر، والكراهة على ظاهر المدونة، والجواز لابن الماجشون، والفرق بين الضرورة لها فيجوز وغيرها فيمنع، وهو لأشهب، وإذا جاءت هذه
стр. 1594
الأقوال في العذرة فالزبل أدنى منها، قال في التحفة:
ونجس صفقته محظورة … ورخصوا في الزبل للضرورة
ومما لا يجوز بيعه عظم الميتة وجلدها ولو دبغ، وقد علمت في الجزء المتقدم أنه يطهر بالدبغ، وأنه رواية البغداديين عن مالك وهو الصواب، ومما يشترط في المبيع أن يكون منتفعا به، لأن تملك الشيء إنما يكون لأجل ذلك، فما لا نفع فيه لا وجه لبيعه، ولو قل الانتفاع كالتراب، والمراد الانتفاع الشرعي، فلا يجوز بيع آلات اللهو، ولا يجوز بيع محرم الأكل إذا أشرف على الموت، إذ لا نفع فيه حينئذ، بخلاف مباح الأكل المشرف فيجوز بيعه لإمكان تذكيته، أما لو كان في سياق الموت فلا يجوز لا هذا ولا الذي قبله.
وينبغي أن يكون الانتفاع مأذونا فيه، ولهذا لما جاء الإذن من الشرع بالانتفاع بجلد الميتة في قول النبي ﷺ : «هلا استمتعم بإهابها»، قالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها»، رواه البخاري (٢٢٢١)، وذلك حين مر بشاة ميتة، أقول لما جاء هذا الحديث أخذ بعض العلماء منه جواز بيع النجس المنتفع به لهذا المعنى، على قاعدة أن كل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا، ومن هؤلاء الزهري وهو ظاهر صنيع البخاري رحمهما الله تعالى، ومن الحجة لهم في ذلك جواب النبي ﷺ حين أخبروه بقوله:» إنما حرم أكلها»، ويظهر والله أعلم أنه لا تلازم بين جواز الانتفاع وصحة البيع.
ولا بد من الوقوف عند هذا الشرط للحاجة إلى بيانه في هذا العصر حيث كثرت المبيعات من الأعيان والمنافع التي تستعمل فيما يحل وما يحرم، فاحتيج إلى بيان الأصل حتى يرجع إليه، فإذا نظر إلى المبيع باعتبار ما فيه من المنافع والمضار فهو أقسام أربعة، أولها:
ما لا منفعة فيه أصلا، أو ما فيه منفعة ألغاها الشرع بتحريمها كالخمر والقمار والخنزير والميتة وآلات اللهو والطرب، وهذان القسمان لا خلاف في كون بيعهما باطلا، بل لا يصح مجرد تملكهما، واختلف في نحو الخمر تملك لأجل تخليلها على القول بحلها بالتخليل.
والثالث ما كانت جميع منافعه حلالا، وهذا هو الذي أحله الله تعالى، وأجمع
стр. 1595
المسلمون عليه ما لم يتعلق به حق الغير.
والرابع ما فيه عدة منافع بعضها حلال وبعضها حرام، فهذا هو الذي يحتاج إلى البيان، ومن أمثلته في هذا العصر التلفاز، والراديو، ومخادع الهاتف، والمواقع الإلكترونية، والعطور، وأجهزة تضخيم الصوت، وآلات الحلاقة، وكثير من المهن والحرف، وهذا عظم خطره في هذا العصر بما لا مثيل له.
قال المازري كما في مواهب الجليل (٤/ ٢٩٣) للحطاب عن هذا القسم: «فهو المشكل على الأفهام، ومزلة الأقدام، وفيه ترى العلماء مضطربين، وأنا أكشف عن سره ليهون عليك اختلافهم:
- فإن كان جل المنافع والمقصود منها محرما، والمحلل منها تبعا، فواضح إلحاقه بالقسم الأول»، انتهى، يريد أنه محرم، ومثل المازري لهذا القسم بشحم الميتة، وقال: فالمقصود الذي هو الأكل حرام، وإن كان فيه بعض المنافع محللة عند من يجيز استعمال ذلك في بعض المواضع.
- «وإن كان جل المنافع والمقصود منها محللا، والمحرم تبع فواضح إلحاقه بالثاني»، يريد أنه حلال.
- وإن كانت منافعه المقصودة، منها ما هو محلل، ومنها ما هو محرم، أو فيه منفعة محرمة مقصودة، وسائر منافعه محللة، قال فهذا هو المشكل، وينبغي أن يلحق بالممنوع، لأن كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة يؤذن بأن لها حصة من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها، كما اشتمل على ما سواها، وهو عقد واحد لا سبيل إلى تبعيضه، والتعاوض على المحرم ممنوع، فمنع الكل لاستحالة التمييز، ولأن الباقي من المنافع يصير ثمنه مجهولا لو قدر جواز انفراده»، انتهى.
قال كاتبه: هذا في الأعيان واضح، لكن ما ذا يقال في بيع الأعيان والأجهزة التي تستعمل في الجائز والممنوع، وبيع المنافع التي يعمل فيها كل على شاكلته؟، الظاهر أن الحكم لغالب الاستعمال، ثم لمعرفة حال المشتري متى تيسر، فيباع له ذلك أو لا يباع، ثم للنصح والإرشاد وتعليق البيانات للتنبيه على المخالفات، ثم لمنع الوصول إلى المنفعة
стр. 1596
المحرمة بأنظمة التحكم إذا تعلق الأمر بمثل مخادع الهاتف، وأجهزة الاتصال العامة والخاصة، والمقاهي، والمطاعم، والفنادق، والمراكب، ومحلات المواقع الإلكترونية، ونحوها، والله أعلم.
وأقول الآن: كنا نقول هذا قبل التطور المتسارع الذي حصل في وسائل الاتصال وشبكاته التي أصبحت شخصية يستعملها المرء أنى شاء ومتى شاء، ومع ذلك فالناس محتاجون إليها في قضاء شؤونهم التي لا بد لهم منها، ومعظمهم يستعملها في المنافع والمضار فيصعب منعها باعتماد الضابط الذي ذكره المازري ﵀ فآل الأمر إلى أن المكلف هو الذي يتحمل وزر استعمالها في غير المشروع، وأن مدار وقاية الناس من الشر ليست عزلهم عن محيطهم بل تحصينهم بالعقيدة الحقة التي هي الضمان الوحيد في هذا العصر من الفتن.
ومن شرط المبيع أن يكون مقدورا على تسليمه، فلا يصح بيع العيد الآبق، ولا البعير الشارد، ولا المغصوب إذا بيع لغير غاصبه، فإن باعه له المغصوب منه فقد اختلف في لزوم تسليم المبيع قبل ذلك إلى المغصوب منه حتى لا يكون بيعه له مع الإكراه، وقيل يكتفى بأن يعلم عزم الغاصب على رد المغصوب، فيجوز بيعه له حينئذ، فأما بيع المغصوب لغيرالغاصب فله شروط يصح معها، أولها أن يكون الغاصب حاضرا في البلد الذي يحصل فيه البيع، والثاني أن يكون مقرا بالغصب، وإلا احتيج قبل ذلك إلى إثبات غصبه، والثالث أن يكون في موضع تقام عليه فيه أحكام القضاء الشرعي.
ومن شرط المبيع أن يكون معلوما للمتبايعين وجهل أحدهما كجهلهما متى كان البيع على البت، بخلاف البيع على الخيار فيجوز مع جهل المبيع، ولو لم يذكر جنسه ولا نوعه، وفيه نظر.
وآخر ذلك أن يكون غير منهي عن بيعه كالكلب ولو للصيد أو الماشية، وإنما اشترطوا عدم النهي عنه لأن الشارع قد يأذن في الانتفاع بالشيء، ومع ذلك يمنع بيعه كأم الولد يستمتع السيد بها، ولا يجوز له بيعها، وكجلد الميتة المدبوغ في مشهور المذهب ينتفع به ولا يباع، أو يجيز بيع الشيء ولا يجير لبسه كالحرير والذّهب والفضة، وكالكلب
стр. 1597
يجوز اتخاذه للصيد ولحراسة الغنم ولا يجوز بيعه لنهيه ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن، وذهب سحنون إلى جواز بيع الكلب المأذون في اتخاذه، وبالغ في القول بذلك فذكر أنه يبيعه ويحج به، وهو القياس، وسيأتي بعض التفصيل لهذه المسألة إن شاء الله.
ويمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز، ومثلوا له ببيع الجارية لأهل الفساد، وبيع أرض لتبنى عليها كنيسة أو خمارة فضلا عن بيع سكنى تتخذ لذلك، وكبيع الخشبة لتتخذ صليبا، والعنب لمن يعصره خمرا، والنحاس لمن يصنع منه ناقوسا، أما من اشترى الخشب أو النحاس لأغراض مشروعة ومع ذلك صنع منه ما ذكر فليس من هذا القبيل، ومن ذلك أن تباع آلة الحرب من سلاح أو كراع أو سرج لأهل الحرب، وكل ما يتقوون به في الحرب، واستثنى بعضهم بيع الطعام لهم في الهدنة، وقيل يمنع بيعه لهم مطلقا، وهو المذهب.
الركن الثالث ما ينعقد به البيع، أعني الصيغة، وهي الإيجاب من البائع والقبول من المشتري، وكل ما شاركهما في الدلالة على التراضي كالمعاطاة لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، ولقول النبي ﷺ : «إنما البيع عن تراض»، رواه ابن ماجة (٢١٨٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁، والمعاطاة أن يأخذ السلعة ويعطي ثمنها من غير إيجاب ولا قبول، فإذا كان ذلك لزم البيع، فأحرى إذا كان واحد منهما، وقيل لا تصح مطلقا، وقيل تجوز في المحقرات دون غيرها، ونرجع بعد هذا إلى الشرح.
стр. 1598
• قوله:
٠١ - «وأحل الله البيع، وحرم الربا».
افتتح الباب بهذه الآية لأنها من الأصول في هذا المقام، وفيها رد الله تعالى على الكفار الذين جاءهم النهي عن الربا فاعتلوا بأنه مثل البيع، زعموا أن البائع التاجر يربح بالزيادة على ثمن الشراء، وكذلك المرابي يزيد في الدَّيْن للأجل، واستمروا على تعاطيه، فأخبر الله عن حالهم يوم القيامة يقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أما حال المال الذي يريدون تكثيره بالربا فقد قال عنه سبحانه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فالآية تدل على أن الأصل في البيوع وسائر المعاملات الجواز، كما أن الأصل في العبادات التحريم والمنع، ولا يضير هذا المعنى أن يحصل الاختلاف في لفظ البيع هل هو عام مراد به الخصوص، أو مجمل بينته السنة، أو عام مخصوص، فيشمل كل بيع ويقتضي إباحته، إلا ما دل الدليل على منعه، وهذا هو الراجح، انظر فتح الباري للحافظ (٤/ ٣٦٤)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٢٤٢): «وتبين أن معنى الآية وأحل الله البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على صحة القصد والعمل، وحرم منه ما وقع على وجه الباطل»، انتهى.
واعلم أن قول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، رواه أحمد ومسلم عن عائشة، يشمل إحداث العبادة عينا ووصفا، كما يشمل كل ما خالف النهي في غير العبادات، مع النظر في دلالة النهي في غير العبادات أهو للتحريم أو للكراهة؟.
ومن هنا تتبين أهمية معرفة المناهي المتعلقة بالبيوع، وقد أوصلها ابن العربي إلى
стр. 1599
ستة وخمسين نوعا، ثم بين موقعها من أوجه المنع، وهي خمسة أوجه، صفة العقد، وصفة المتعاقدين، وما يرجع إلى العوضين، وإلى حال العقد، وإلى وقت العقد، وبين أنها جميعا لا تخرج عن ثلاثة أقسام هي الربا والباطل والغرر، انظر أحكام القرآن (١/ ٢٤٤)، أما الربا في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فإن الظاهر أن أل فيه للعهد، فالمراد به ربا الجاهلية الذي سيأتي كلام المؤلف عنه، أما بقية أنواع الربا فدليل تحريمها السنة، وقد أشار كتاب الله تعالى إلى رد شبهة الكفار في التسوية بين البيع والربا، فذكر أن البيع أحله الله، وأن الربا حرمه، مع ذكر الصدقة معه، ولأن المخاطبين كانوا يعلمون أن البيع فيه المعاوضة، وليس في الربا إلا الزيادة في الدين نظير التأخير في دفعه، واستغلال المرابي حاجة المحتاج للإثراء، وقد وصف الله الربا بأنه ظلم، وهذا كاف، وبهذا يعلم ما في قول بعضهم من أن القرآن لم يرد شبهة الكفار في التسوية بين البيع والربا، نعم إن الأصل التسليم لرب العالمين، ولا تقوم قدم الدين إلا عليه، وقد تصدى كثير من أهل العلم لبيان وجه الفرق بين البيع وربا الجاهلية، ومما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير مع بعض تصرف: «مرجع الفرق بين البيع والربا إلى التعليل بالمظنة، مراعاة للفرق بين حال المقترض والمشتري، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض إلى الإنفاق على نفسه وأهله، لأنهم كانوا يعدون التداين هما وكربا، وقد استعاذ منه النبي ﷺ ، وحال التاجر حال التفضل، وكذلك اختلاف حال المسلف والبائع،،، فالتجارة معاملة بين غنيين، ألا ترى أن كليهما بذل ما لا يحتاج إليه وأخذ ما يحتاج إليه، فالمسلف مظنة الغنى، والمشتري مظنة الفقر»، انتهى، وقال أيضا: «حكمة تحريم الربا هي حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجا عارضا بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة التي منها ما هو فرض كالزكاة، ومنها الندب كالصدقة والسلف»، انتهى.
وجاءت أحاديث كثيرة في تحريم الربا منها ما رواه أحمد ومسلم عن جابر ﵁ قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه، وكاتبه، هم فيه سواء»، والآكل هو الآخذ، أكله أو لم يأكله، والموكل بالميم والواو المهموزة الساكنة، وتسهل فتصير حرف مد، هو الذي يعطي الربا، والكاتب والشاهد يعينان على الباطل، قال الأبي في شرحه على صحيح مسلم
стр. 1600
(٥/ ٤٩٩): «وفي معناهما من حضر فأقره، وإنما سوى بينهم في اللعنة لأن العقد لا يتم إلا بالمجموع، ويجب على الإمام إذا عثر على أحد من هؤلاء أن يغلظ عقوبته البدنية، ويتلف مال الربا عنهم … »، انتهى، وقد غدا الربا يكتب ويشهد عليه فيوثق، ويقنن أنظمته الحكام فمن أين لنا أن نطالبهم بمعاقبة مرتكبيه؟.
والأربعة وإن اشتركوا في حصول اللعن لهم فإن أمرهم مختلف بعد الوقوع، فليس على الكاتب والشاهدين غير الندم والتوبة، وهكذا موكل الربا إذا لم يتمكن من التراجع عن العقد، ومن المستبعد أن يعامل كما يعامل الغاصب الذي لا حق له في الغلة على الراجح، أما آكل الربا فإنه مطالب برد غير رأس ماله كما هو حكم الله تعالى في قوله: «﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩]».
والربا من الكبائر كما قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات،،،» الحديث، والموبقات هي المهلكات، وذكر منها أكل الربا، وقال النبي ﷺ : «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن حنظلة كما في صحيح الجامع الصغير، وفيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أهون الربا كالذي ينكح أمه، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه»، عزاه لأبي الشيخ في التوبيخ، والاستطالة في العرض الكلام فيه من غير حق.
وما كان من أنواع الربا مجمعا عليه كربا الجاهلية وربا النسيئة؛ فمن استحله فليس بمسلم، بل هو مرتد يقتله الحاكم، ومن ارتكبه فهو فاسق يؤدب بعد فسخ بيعه، ويلزمه رأس ماله بعد فوات البيع بمفوت، ومن قبض أكثر من ذلك وجب عليه أن يرده لصاحبه إن عرفه، فإن مات فلورثته، فإن لم يعرفه تصدق به عليه، ومثل ذلك يقال في الدين الذي لم يعرف صاحبه أو لم يعثر عليه، وإن أسلم الكافر فله ما سلف في حال كفره، أما ما بقي من الديون له على غيره فليس له منها إلا رأس ماله، ومن تورط في عقد بيع ربوي مع مؤسسة، وبذل ماله ولم يمكنه الخروج منه فليعجل برد الدين حتى لا يطول أمد معصيته، ولا يجوز له أن يبيع الصفقة لمسلم يتولاها دونه لأنه توريط له في الباطل، وتكثير للآثمين بأكل الربا، فإن كان العقد مع فرد فلا يلزمه الوفاء به لكن لا ينبغي له أن يدخل فيه للحصول على
стр. 1601
المال ثم يتفصى منه بحجة أنه محرم.
والربا بالقصر، ولعل أصله المد - يقال ربوان ورباءان - هو الزيادة، بقال ربا الشيء يربو إذا زاد، ومثله الرماء بالراء المكسورة والميم، كما جاء في حديث عمر موقوفا عند مالك (١٣٢٢) قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء»، انتهى.
والربا أنواع ثلاثة: ربا الجاهلية، وربا النسيئة، وربا الفضل، فربا النسيئة هو بيع ربوي بربوي من جنسه أو من غير جنسه مؤجلا، غير أن أهل المذهب وسعوا ربا النسيئة ليشمل المطعومات غير المقتاتات، وربا الفضل هو بيع ربوي بربوي من جنسه متفاضلا، فدائرته أضيق، ويدرج بعضهم ربا الجاهلية في ربا النسيئة بالنظر إلى التأجيل المقابل للزيادة، وفصله عنه أولى، وربا الجاهلية فيه ربا الفضل أيضا، غير أن اسم النسيئة غلب عليه، لأن أصله أن ينسأ له في الأجل مقابل الزيادة في الدين، والمذهب أن كل ما يدخله ربا الفضل فإن ربا النسيئة يدخله، وليس كل ما يدخله ربا النسيئة يدخله ربا الفضل، ومن أنواعه ربا المزابنة، وهي من الزبن، بفتح الزاي وبعض أهل المذهب منهم التتائي وأبو الحسن أضافا قسما آخر هو ربا المزابنة، وهي من الزبن، بفتح الزاي وسكون الباء، وهو الدفع، لأن كلا من المتبايعين يدفع صاحبه عما يريده، قال الباجي: «ولعله أن يكون مأخوذا من الزبن وهو الدفع عن البيع الشرعي، وعن معرفة التساوي»، انتهى، ولهذا سميت الحرب القوية الشديدة بالزبون، قال:
فدت نفسي وما ملكت يميني … فوارس صدقت فيهم ظنوني
فوارس لا يهابون المنايا … إذا اشتدت رحا الحرب الزبون
وربا المزابنة عندهم هو بيع معلوم بمجهول من جنسه، وأولى منه بالمنع بيع مجهول بمجهول منه، فيظهر أنه إن كان عوضاه ربويين فهو
стр. 1602
ربا، وإن كانا غير ربويين فهو من المخاطرة والقمار، وهذا وجه عدم ذكره في أقسام الربا، وقد جاء في المنع من بيع المزابنة حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة»، والمزابنة بيع الثمَر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا»، رواه مالك (١٣١٣) ومن طريقه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٢)، فأهل المذهب لم يقصروه على ما ذكر هنا، وسيأتي تفصيل هذا بعد.
وقد تجوز بعض العلماء فألحق البيوع المنهي عنها بالربا، وهو رأي ابن العربي، وتَعْثُرُ على هذا في كلام غيره، وفي الأحاديث ما يدعمه، وفي كثير من البيوع المنهي عنها ما يقويه لأنها آئلة إلى الزيادة غير المشروعة كالغش والتدليس والخديعة وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي وبيع الغرر وبيع ما ليس عنده والبيع قبل القبض وغيرها، فهذه كلها فيها نوع زيادة من غير عوض، وقال القرطبي في التفسير (٣/ ٣٤٨): «أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين المال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها آكل الربا فَتَجَوُّزٌ وتشبيه»، انتهى.
قلت: ما استثناه من بيع الثمار قبل بدو صلاحها والبيع وقت النداء الزيادة فيه واضحة أيضا، فإن الثمرة قد لا تظهر أو يتلف بعضها، والبيع وقت النداء غير موجود فتغلو السلعة.
стр. 1603
• قوله:
٠٢ - «وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربي له فيه».
المراد بالجاهلية ما قبل الإسلام، لكن العمل بالربا استمر مدة طويلة، وإنما حرمه الله بالتدريج، وقد ذكر في سورة الروم المكية قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، والأكثرون على أن المراد منه الهدية يريد معطيها أن يكافأ عليها، روي هذا عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم، ويسمى أهل المذهب ذلك بهدية الثواب، فقيل هذا ربا مباح غير أنه لا ثواب فيه، وقد مُنع منه النبي ﷺ بخاصة، وقد رأيت كثيرا من المفسرين المعتمدين على المنقول يذكرون الربا الذي في الآية ضمن الربا المحرم، ثم تبين لي بعد طول تفكير أن تفسير الآية بالمعنى المأثور عن السلف لا يبعد أن يكون فيه إشارة إلى الربا المحرم لأن الهدية إكرام وإحسان وتبرع فكيف ينتظر معطيها المكافأة عليها؟، وحسبك من التنفير من ذلك أنها لا تربو عند الله، وجاء النهي عن الربا صريحا في سورة آل عمران، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقيد ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أريد به ذكر الواقع، وذلك من موانع اعتبار مفهومه، مع أن فيه أيضا التشنيع على فاعليه لما فيه من الاستغلال لحاجة المحتاج، باستمرار عجزه عن رد الدين، فيرتفع العوض بمرور الزمان، وقد اعتمد على هذا المفهوم من جوز الزيادة القليلة هداهم الله، قال صاحب المراقي ذاكرا ما لا يعتبر في المفاهيم:
أو جَهل الحكمَ أو النطق انجلب … للسؤل أو جري على الذي غلب
أما في سورة البقرة فقد طال الحديث عن الربا، وحكمه فيها آخر ما نزل من القرآن، وما من موضع ذكر الربا فيه من كتاب الله إلا وذكرت معه الصدقة، فالقرآن يحرم الربا
стр. 1604
ويحض على الصدقة، وفي هذا الاقتران دليل على أن حجب الحقوق المالية عن أصحابها، وارتفاع التراحم بين أفراد المجتمع من أسباب انتشار الربا، ويؤكد هذا الاقتران أن الربا المتحدث عنه في القرآن هو ربا الديون، لأنه هو الذي يصلح أن تكون الصدقة والإنظار بديلين عنه، وكان الربا مما خصه النبي ﷺ بالذكر في حجة الوداع، فقال: «،،، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله،،،»، رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁، ومعنى موضوع باطل مردود، وكأن في قول النبي ﷺ : «وربا الجاهلية،،،»، إشارة أن ربا آخر لم يكونوا يعرفونه جاء الشرع بالمنع منه وهو ربا الفضل وربا النساء في الربويات، وذلك من جملة الإصلاح المالي الذي اعتمده هذا الدين الخاتم للحفاظ على أثمان الأشياء، وأقوات الناس كما سترى.
وصورة ربا الجاهلية التي ذكرها المؤلف يشرحها ما رواه مالك في الموطإ (١٣٦٧) عن زيد بن أسلم أنه قال: «كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟، فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه وأخر عنه الأجل»، انتهى، وقال الثعلبي كان أهل الجاهلية إذا حل مال أحدهم على غريمه فطالبه يقول: «زدني في الأجل وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك، ويقولان سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند محل المال لأجل التأخير، فأكذبهم الله فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهو في كتاب العجاب في بيان الأسباب (١/ ٦٣٧) للحافظ ابن حجر، ولا فرق بين هذه الصورة وبين أن يقرضه من أول الأمر على الزيادة في الدَّيْنِ عند رده، وقد اعتبر مالك مثل هذا في التحريم ما إذا كان لرجل على آخر دين فحط عنه بعض الدين على أن يعجل له باقيه، قال مالك فهذا الربا بعينه لا شك فيه، وسيأتي الكلام عليه، وكما تحرم الزيادة في القدر، تحرم الزيادة في الصفة شرطا، مثال الأولى أن يقرضه (١٠٠٠) دينار فيرد له (١١٠٠)، ومثال الثاني أن يقرضه قنطار قمح لين على أن يرد له قنطار قمح صلب، أو يسلفه قنطار شعير على أن يرد له قنطار قمح، ويدخل في ذلك ما إذا اتفق معه قبل أن ينقضي الأجل على أن يؤخره أجلا ثانيا على أن يدفع له رهنا أو يأتيه بحميل، أي كفيل، لأنه يدخل في السلف الذي جر نفعا، أما إن انقضى الأجل وطلب منه أجلا آخر فاشترط
стр. 1605
عليه تقديم رهن أو الضمان بحميل فإن ذلك سائغ، لأنه كابتداء سلف، والرهن والمطالبة بالضامن مشروعة إذ ذاك، كما يدخل في الحرمة فسخ ما في الذمة في مؤخر مخالف لجنس ما في الذمة، وإن ساوت قيمته حين التأخير قدر الدين، ومثاله أن يكون لأحد على آخر دين هو شاة، فحل الأجل ففسخ الدين إلى أجل آخر على أن يصبح خمسة قناطير قمح قيمتها قيمة الشاة حين التأخير، أما لو أخره أجلا ثانيا من غير شيء فلا بأس بذلك، ومن باب أولى إذا حط عنه بعض الحق، فإن الإنظار من الإحسان، والتصدق عليه ببعض الدين أو بجميعه أولى، وقد جمعهما الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
стр. 1606
• قوله:
٠٣ - «ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا، وكذلك الذهب بالذهب».
لعل المؤلف أراد بقوله «ومن الربا في غير النسيئة» بيان أن ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: «لا ربا إلا في النسيئة»، وهو من رواية الشيخين عن ابن عباس ﵄، وله ألفاظ كلها دالة على الحصر على تفاوت في قوتها، فبيّن المؤلف بهذا أنه ليس المراد منه نفي الربا في غير ذلك، بل المراد بيان ما كان منه أعظم وأكثر إثما من غيره، ولأن الاعتماد على هذا الحديث في نفي الربا عما عداه هو بالمفهوم، وقد جاء المنطوق يوسع دائرة الربا فيقدم عليه، وقيل إنه منسوخ.
إذا تبين لك فاعلم أن العوضين في البيع قسمان: أحدهما هو الذي أوكل الشرع فيه التحديد إلى المتعاقدين على حسب ما يريانه من مالية العوضين، أو يتنازل أحدهما للآخر لداع ما، وهذا القسم الذي جوز الشرع فيه تأجيل قبض أحد العوضين نوعان: أن تكون قيمة المبيع في منزلة ما يتغابن الناس بمثله، أي ما يكون فيه الغَبن مما يقره العرف، فهذا حلال بالاتفاق، أما ما خرج في التغابن عن المعتاد، فالظاهر أن يفرق بين العاقد العارف بسعر ذلك المبيع وغير العارف، فإن كان الأول فالأصل عدم الخيار لوجود التراضي، وقيل له الخيار إذا زاد الغبن عن الثلث، لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يكن البيع بيع أمانة، ولا مرابحة، ولا بيع حاضر لباد، ولا سلعة تولى الحاكم تسعيرها، ولا غير ذلك مما يكون مظنة للتغرير، وحد بعضهم الزيادة بالثلث مطلقا، وانظر المسالك (٦/ ١٦٧) لابن العربي.
أما القسم الثاني فهو الذي تولى الشرع نفسه تحديد العوضين فيه، كما تولى بيان أجل قبضه، فلا يجوز الزيادة عليه، وذلك في الأموال الربوية التي سيأتي ذكرها، وما قيس عليها عند من ذهب إلى القياس، وكل ما لم تجز فيه الزيادة لا يجوز تأجيل قبضه، ومن هذا
стр. 1607
القبيل النقدان وهما الذهب والفضة اللتان كانتا أثمانا للأشياء وقيما للمتلفات، ومعهما القمح والشعير والتمر والملح، وقد خصت هذه الأشياء بهذا الحكم «حراسة للأموال وحفظا لها في أغلى المكيلات، وأعلى الموزونات»، المعونة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٩٥٩)، وقد نُص على هذه الأصناف في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، رواه مسلم (١٥٨٧)، وفي رواية له زيادة: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد».
ولا فرق في المنع من التفاضل داخل الصنف بين أن يكون مسكوكا، أو حليا، أو تبرا، أو جيدا، أو رديئا، أو مكسورا، أو صحيحا، أو مغشوشا، أو خالصا، يشمل كل ذلك العموم الذي تفيده الألف واللام في الذهب وما تلاه في الحديث، وقد ذكر بعض هذا في حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدي بمدي، والشعير بالشعير مدي بمدي،،، الحديث رواه أبو داود، والتبر ما ليس بمسكوك من الذهب والفضة، والعين خلافه، ولهذا سَمَّى الفقهاء زكاة الذهب والفضة بزكاة العين، ويظهر أن الشارع شدد في منع التفاضل في الذهب والفضة لكونهما أصولا للأثمان ما لم يشدد في بقية الأجناس الستة، يدل على ذلك نصه على سريان منع التفاضل دون اعتبار للفرق بين الخام والمصوغ والمسكوك، بخلاف غيرهما، فإنه لم ينص على ذلك، ولهذا اختلف العلماء في الناقل كما سيأتي، ويمكن أن يقال إن النقل في الأربعة أعني القمح والشعير والتمر أكثر تنوعا، فسكت عنه الشارع فكان موضع اجتهاد العلماء.
стр. 1608
• قوله:
٠٤ - «ولا يجوز فضة بفضة، ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد، والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد».
بين هنا أن العين وإن بيعت بجنسها على التساوي فإنه إذا أخر قبضها دخلها ربا النسيئة، ومثل ذلك ما إذا بيعت بغير جنسها فإنه يجوز في البيع عدم التساوي، لكن يمتنع التأخير، فإن أخر القبض كان ذلك ربا، يدل عليه ما في حديث عبادة المتقدم وهو قول النبي ﷺ : «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، ويدل اشتراط التقابض في النقدين وفي الأجناس الأربعة الأخرى المتفق عليها أن الأصل في البيع قبض العوضين من المتبايعين، فإن اختلف المتبايعان في التأجيل وعدمه روعي هذا الأصل، ولذلك كانا مطالبين في حال التأخير بالكتابة كما في آية الدين التي هي أطول آي القرآن، وإنما اغتفر ترك الكتابة في حال التجارة المدارة، وهي التي يتم فيها التقابض من الطرفين.
وقد اختلف أهل العلم في حد التقابض في الأجناس الستة وما قيس عليها هل يكفي أن يكون في المجلس، أو لا بد من التقابض حال العقد، والمذهب هو الأخير، دل عليه قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد: «ولا تبيعوا غائبا بناجز»، والناجز الحاضر، والغائب عند الجمهور ما ليس في مجلس العقد، والمذهب هو ما لم يقبض بالفعل، ولو كان في مجلس العقد، ويقويه حديث عمر وفيه قصة أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالوَرِق ربا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير ربا إلا هاء وهاء»، رواه مالك (١٣٢٧)، ومعنى هاء وهاء بالمد وفتح الهمزة والقصر أصلها هاك، أي خذ وهات، ومثله يدا بيد، أي أن البيع يكون على هذه الصورة التي هي التقابض، بحيث يعطي هذا ويأخذ هذا من غير تأخير.
فإن قيل: إن قوله ﷺ : «ولا تبيعوا غائبا بناجز» يدل على خلاف ذلك، فالجواب: أن
стр. 1609
الغياب متفاوت، فقد يكون الغائب خارج المجلس، وقد يكون فيه، فيحمل ذلك اللفظ الذي فيه سعة على ما لا سعة فيه، يزيده تأييدا ما جاء عند مسلم: «ولا تبيعوا غائبا بناجز إلا يدا بيد»، فلا يبقى للتردد مجال، وكلام الشارع لا ينبغي أن يهدر منه شيء، وممن رأى ذلك مالك كما تقدم، وهو قول ابن حزم، قال في المحلى (٨/ ٤٨٩): «ولا يجوز في ذلك التأخير طرفة عين فأكثر، لا في بيع ولا سلم»، انتهى.
فإن قلت: فقول عمر في قصة حديثه المتقدم: «كلا والله، لتعطينه وَرِقَه، أو لتردن عليه ذهبه»، يدل على خلاف ذلك، فإنه راوي الحديث وهو أولى أن يعرف معنى ما روى، فالجواب: أن المتبايعين قد يكونان جاهلين بالحكم فأمضى عمر بيعهما لذلك، لكن ألزمهما التقابض في المجلس، وليس العامد المنتهك للحكم كالجاهل، أو يكون عمر رأى أن ما كان في المجلس فهو حاضر على التوسع في معنى التقابض، وقد اعتمد الشافعي على قول عمر، ورعاية كلام النبي ﷺ مقدمة، وقد حدث في هذا الزمان مما يترتب على عدم التقابض الذي تقدم ترجيحه ما لم يكن معروفا من قبل، مما يرجح مذهب غير الجمهور، فإن التأخير ولو قليلا قد يترتب عليه من الخسائر لأحد الطرفين ما لا يقدر قدره، ومن المعلوم أن الأسواق المالية لها أوقات محددة للفتح، وأخرى للإغلاق، وأسعار العملات تتغير بين لحظة وأخرى، ولينظر هنا كتاب المؤلف المسمى (لا دليل على المنع من بيع الذهب والفضة بالعملات إلى أجل، ففيه مزيد بيان).
стр. 1610
• قوله:
٠٥ - «والطعام من الحبوب والقطنية وشبهها، وما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز فيه تأخير».
لقد علمت أن أنواع الربا ثلاثة، أما العلة فهي في ربا المزابنة الغرر، وفي ربا النسيئة مطلق الطعمية على وجه الغلبة، فيخرج ما يتداوى به، أما علة ربا الفضل في الطعام فهي الاقتيات والادخار، ومعنى الاقتيات قيام بنية الآدمي به، ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير إلى الأجل المبتغى منه، فخرج ما ادخر على غير وجه العادة كالبطيخ، والادخار عندهم إما بالشخص كالقمح، وإما بالجنس كاللبن، فإنه في حكم المدخر لعدم خلو الزمان منه، والظاهر أن المراد الادخار من غير وسيلة حفظ اصطناعية كالتبريد والتجميد، وسائر طرق الحفظ في هذا العصر، فما كان من الطعام كذلك فلا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه، كما لا يجوز فيه التأخير، وقد علمت أن كل ما لا يجوز فيه التفاضل يمتنع فيه التأخير، قال خليل: «علة طعام الربا اقتيات وادخار»، انتهى، والمماثلة تكون بالمعيار الشرعي إن وجد، فلا يخرج عنه خشية الوقوع في الربا، وقد قال النبي ﷺ : «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة»، رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر، وهذا منه ﵊ إحالة على أهل المعرفة والتخصص، فإن أهل مكة كانوا أهل تجارة، وقد ذكرت رحلتا قريش في الشتاء والصيف في كتاب الله، والأصل في أثمان الأشياء يومئذ الذهب والفضة وهي توزن، فمعايير المكيين أكثر ضبطا، وسكان المدينة كانوا أهل زرع، وفي صحيح البخاري تحت ترجمة (الزراعة في الجنة) قول بعض المهاجرين عن الأنصار: «إنهم أهل زرع، أما نحن فلسنا أهل زرع»، والأصل في الزرع الكيل، فكان الاعتماد على معيارهم في الكيل مقدما، وقد غدت المقاييس اليوم فرنسية أو إنجليزية، ونعود فنقول وعليه فلا يباع قمح بمثله وزنا لإمكان اختلاف كثافتيهما، ولا نقد بمثله كيلا، فإن لم يحفظ
стр. 1611
عن الشارع فيه معيار فما جرت به العادة في كل بلد، كاللحم فإنه يوزن، لكن التمر يكال شرعا، فلا يباع بمثله وزنا، ولو كان الذي وضع المعيار هو السلطان، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وانظر ما قاله علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٤٦١) بحثا من اعتماد ما وضعه السلطان، ولو خالف معيار الشرع، فإنه لا يقبل من قائله، فإن لم يكن العوضان مكيلين ولا موزونين كالبيض، فالمماثلة تكون بالتحري، ولو بيعت بيضة باثنتين، فإن عسر الوزن فيما اعتبر الشارع فيه المماثلة به كما في السفر، أو في البادية فإن المماثلة تكون بالتحري أيضا، إن لم يكثر المبيع جدا، لأنه حينئذ يعسر ذلك فيه ويكثر الخطأ، وعمدة القائلين بهذا أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون فكيف كانوا يتبايعون في البوادي وليس معهم موازين؟، أما ما يكال فإنه لا يتعذر في البادية ولا في السفر، إذ يجوز الكيل بغير المعهود كيفما كانت سعته فتتحقق المماثلة به.
وقد ذكر المؤلف الحبوب يعني ذات السنبل كالقمح والشعير والسلت، ومثل الحبوب القطنية بكسر القاف وتضم، وجمعها القطاني، ومن أمثلتها الفول والجلبان والحمص والعدس، وقوله وشبهها، يعني كالزبيب واللحم، والإدام كالسمن والعسل.
فإن قلت: من أين لأهل المذهب وغيرهم من القائسين إدخال هذه الأمور كلها في الربا والحال أن المنصوص عليه منها في الطعام ثلاثة، هي القمح والشعير والتمر، بالإضافة إلى الملح وهو مصلح للطعام؟، فالجواب: أن الناس اختلفوا هنا، فمنهم من أبى القياس رغم أنه من القائلين به لما رأى اتساع نطاق الاختلاف في علة المنع، وممن ذهبوا إلى قصر المنع على المذكورات طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان، ذكرهم ابن حزم في المحلى، وقال به ابن عقيل في آخر مصنفاته، ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، وحكى عنه قوله: «لأن علل القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس»، انتهى.
ومنهم القاضي الباقلاني، قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٣١): «وأما القاضي الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا وكان قياس المعنى عنده أقوى منه؛ اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى، إذا لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف
стр. 1612
الأربعة، لأنه زعم أنه في معنى التمر»، انتهى.
وممن رجح عدم القياس محمد إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٣/ ٣٨)، قال: «ولما لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها القول المجتبى»، انتهى.
ومن نفاة القياس في المسألة المقبلي في العلم الشامخ ذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقاته على الروضة الندية (٢/ ٣٨٨)، ومن الذين مالوا إلى ترك القياس الشوكاني كما يدل عليه كلامه في السيل الجرار فقد قال: «والحاصل أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها»، انتهى، وقال بعد بيانه حال سند حديث الدارقطني عن عبادة وأنس مرفوعا: «ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به»، علق بقوله: «ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث، لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم، فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله ﷺ ، وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن قطعيات الشريعة،،،»، انتهى.
قلت: «الظاهر ثبوت ذكر الكيل والوزن فإنه قد جاء عند البيهقي في حديث أبي سعيد الخدري الصحيح زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذا الحديث الذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عند مالك (١٣١١) والشيخين أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا»؟، قال: «إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة»، فقال: «لا تفعل، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، وقال في الميزان مثل ذلك، فالمراد بالميزان الموزون.
قلت: ثبوت هذه الزيادة لا يدل على ما ذهب إليه من وسع الربا إلى كل موزون ومكيل، وحديث الدارقطني ضعيف، وشهادة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعبادة وأنس ﵃ التي ذكرها الألباني ﵀ في تعليقه على الروضة الندية (٢/ ٣٨٦ و ٣٨٨) لا تنقذ
стр. 1613
حديث الدارقطني من الضعف، لأن حديثه مستقل بذكر الوزن والكيل علة، وتلك الأحاديث جاء ذكر الوزن والكيل أو أحدهما فيها في سياق الربويات المتفق عليها، فيخص ما يكال أو يوزن بالسياق، والتخصيص بالسياق قال به فريق من أهل العلم، وقد ذكرت شيئا من هذا في التعليق على حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب في باب الصيام فانظره إن شئت، كما بينت ذلك في رسالة مستقلة أسميتها لا دليل على المنع من بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة إلى أجل.
ومن الذين لم يقولوا بالقياس أو لم يترجح عندهم شيء في المسألة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كما في الفتاوى السعدية في موضع منها، على أنه في موضع آخر منها رأى القياس، ومع هذا الذي رأيته من ترك كثير من أصحاب القياس له في هذه المسألة فقد قال الشيخ صديق حسن خان في الروضة الندية (٢/ ٣٩٠): «ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم، والسواد الأعظم، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية»، انتهى.
أما القائلون بالقياس فقد اختلفوا في علته على مذاهب، وأقل هذه العلل سلامة من الانتقاض الاقتيات والادخار مع الملح في المطعومات، والتثمين في غير المطعومات، ولنشر إلى بقية العلل التي قيل بها، ولما كانت المذكورات في الحديث جنسين أثمانا للأشياء وطعاما فلنذكر ذلك علما بأن بعض العلل مشترك وبعضها خاص.
١ - فمن الخاص بالنقدين مطلق الثمنية، وصاحب هذا القول نظر إلى أن الذهب والفضة وإن كانا أثمانا للأشياء وقيم المتلفات إلا أنهما لم ينفردا بذلك، بل شاركتهما في العلة الفلوس، فيدخلها الربا لتوفرها على العلة، وهذا هو مشهور المذهب، وقال به الشافعية، وهو قول لأحمد، قال ابن القيم ﵀: «وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب،،،»، انتهى المراد منه، وفي المدونة (التأخير في صرف الفلوس) قلت: «أرأيت إن اشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟، قال: «لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب، ولا بالوَرِقِ، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لهم سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوَرِقِ نظرة»، انتهى.
стр. 1614
٢ - وقيل العلة هي غلبة الثمنية، ومعناه أن الحكم للغالب، والغلبة كانت للذهب والفضة، وهذا قول في المذهب، تجده في شرح أبي الحسن على الرسالة، وقواه الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي، لأنه رجح أن مالكا لم يمنع بيع الفلوس بالنقدين نسيئة منع تحريم، فقال: «إلا أن جل قول مالك فيها الكراهة للتوسط بين الدليل، وهي محمولة على بابها، لا على الحرمة عند الجمهور»، انتهى، وإلى هذا جنح القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين ص (٣٨٠) إذ قال: «والتفاضل في الفلوس إذا حصل التعامل بها ممنوع، وهو في الحقيقة منع كراهة، لا نص تحريم»، انتهى، وقد ظن بعض الباحثين أنه اكتشف جديدا حين وجد مالكا يقول عن الناس لو اتخذوا أثمانا للأشياء وأقروها كانت كذلك، وأخذ من هذا أنه يرى علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، والأمر كما علمت نقله غير واحد من أهل المذهب، فلا يحتاج إلى تكلف تخريجه على قوله المذكور، وإذا اتجهت نسبة القول لمالك بكراهة بيع الفلوس بالذهب والفضة نسيئة كان معنى هذا أنه يرى أن العلة هي غلبة الثمنية لا مطلقها، فتخرج على هذا التعليل الفلوس عند المتقدمين، فلا يدخلها الربا، لأن غلبة الثمنية في وقتهم كانت للذهب والفضة.
واعلم أن التعليل بغلبة الثمنية هو الذي ينسجم مع ما ذهب إليه بعضهم من أن الفلوس كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، فلو كانت ربوية لنهى عن بيعها بالذهب والفضة نساء، فينتقض التعليل بمطلق الثمنية، وقد استدل بعضهم على وجودها بقول النبي ﷺ : «أتدرون من المفلس … الحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة، قالوا المفلس هو من صارت أمواله فلوسا.
٣ - ومن الخاص بالأجناس الأربعة الأخرى الاقتيات والادخار، وأضاف بعضهم لذلك ما يصلح به الطعام حيث اعتبروا القمح والشعير والتمر إشارة إلى الاقتيات والادخار، والملح إشارة لمصلح الطعام، قال ابن حزم في الحلى: «وهذه أفسد العلل التي ذكروا، وإن كانت كلها فاسدة واضحة البرهان».
٤ - العلة في المطعومات ليست واحدة، فمنها الاقتيات والادخار قياسا على القمح والشعير، ومنها الحلاوة والادخار كالزبيب والتين والعسل قياسا على التمر، ومنها التأدم
стр. 1615
والادخار قياسا على الملح، وقد قال به محمد بن عبد الله الأبهري كما هو في المحلى أيضا.
٥ - التقدير بالوزن في الذهب والفضة والكيل في غيرهما، وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، قال ابن القيم: «التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية»، انتهى، والطرد هو الذي لا مناسبة فيه كالطول والقصر والسواد والبياض في الإنسان، ومنه الكيل والوزن، ومعتمدهم حديث الدارقطني عن عبادة وأنس، وما في رواية البيهقي من الزيادة على حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد تقدم بيان ما في هذا الاستدلال.
٦ - ومن المشترك وجوب الزكاة، يعني أن الربا يدخل كل ما وجبت فيه، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا منقوض بالملح فإنه غير زكوي، ومع ذلك فهو ربوي بالنص.
٧ - ومن المشترك الجنس، نسبه ابن حزم احتمالا لحماد بن أبي سليمان، قال: «فلم يجز التفاضل في جنس واحد كائنا ما كان، وعن سعيد بن جبير أنه جعل علة الربا تقارب المنفعة في الجنس الواحد أو الجنسين، وقريب منه قول ابن سيرين، قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٤٦٩): «وهذا أعم العلل، فيلزم من قال منهم بالعلة العامة أن يقول بها»، انتهى، فالعلة على هذا هي المالية.
٨ - العلة هي الأكل والشرب، والكيل والوزن والتثمين، وهو قول أبي ثور، وقول الشافعي في القديم.
٩ - العلة هي الطعم في الجنس أو الجنسين، والتثمين في الجنس أو الجنسين، واعتماد الطعم علة هو من القياس الأدون.
١٠ - قال الشوكاني في نيل الأوطار ((٥/ ٣٠٣): «والحاصل أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم يعتبر منهم العدد جزءا من العلة مع اعتبار الشارع له في رواية من حديث أبي سعيد: «ولا درهم بدرهمين»، وفي حديث عثمان عند مسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين»، انتهى.
следующие страницы →