← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

عن الشارع فيه معيار فما جرت به العادة في كل بلد، كاللحم فإنه يوزن، لكن التمر يكال شرعا، فلا يباع بمثله وزنا، ولو كان الذي وضع المعيار هو السلطان، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وانظر ما قاله علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٤٦١) بحثا من اعتماد ما وضعه السلطان، ولو خالف معيار الشرع، فإنه لا يقبل من قائله، فإن لم يكن العوضان مكيلين ولا موزونين كالبيض، فالمماثلة تكون بالتحري، ولو بيعت بيضة باثنتين، فإن عسر الوزن فيما اعتبر الشارع فيه المماثلة به كما في السفر، أو في البادية فإن المماثلة تكون بالتحري أيضا، إن لم يكثر المبيع جدا، لأنه حينئذ يعسر ذلك فيه ويكثر الخطأ، وعمدة القائلين بهذا أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون فكيف كانوا يتبايعون في البوادي وليس معهم موازين؟، أما ما يكال فإنه لا يتعذر في البادية ولا في السفر، إذ يجوز الكيل بغير المعهود كيفما كانت سعته فتتحقق المماثلة به. وقد ذكر المؤلف الحبوب يعني ذات السنبل كالقمح والشعير والسلت، ومثل الحبوب القطنية بكسر القاف وتضم، وجمعها القطاني، ومن أمثلتها الفول والجلبان والحمص والعدس، وقوله وشبهها، يعني كالزبيب واللحم، والإدام كالسمن والعسل. فإن قلت: من أين لأهل المذهب وغيرهم من القائسين إدخال هذه الأمور كلها في الربا والحال أن المنصوص عليه منها في الطعام ثلاثة، هي القمح والشعير والتمر، بالإضافة إلى الملح وهو مصلح للطعام؟، فالجواب: أن الناس اختلفوا هنا، فمنهم من أبى القياس رغم أنه من القائلين به لما رأى اتساع نطاق الاختلاف في علة المنع، وممن ذهبوا إلى قصر المنع على المذكورات طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان، ذكرهم ابن حزم في المحلى، وقال به ابن عقيل في آخر مصنفاته، ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، وحكى عنه قوله: «لأن علل القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس»، انتهى. ومنهم القاضي الباقلاني، قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٣١): «وأما القاضي الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا وكان قياس المعنى عنده أقوى منه؛ اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى، إذا لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف

стр. 1612

الأربعة، لأنه زعم أنه في معنى التمر»، انتهى. وممن رجح عدم القياس محمد إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٣/ ٣٨)، قال: «ولما لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها القول المجتبى»، انتهى. ومن نفاة القياس في المسألة المقبلي في العلم الشامخ ذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقاته على الروضة الندية (٢/ ٣٨٨)، ومن الذين مالوا إلى ترك القياس الشوكاني كما يدل عليه كلامه في السيل الجرار فقد قال: «والحاصل أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها»، انتهى، وقال بعد بيانه حال سند حديث الدارقطني عن عبادة وأنس مرفوعا: «ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به»، علق بقوله: «ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث، لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم، فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله ﷺ ، وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن قطعيات الشريعة،،،»، انتهى. قلت: «الظاهر ثبوت ذكر الكيل والوزن فإنه قد جاء عند البيهقي في حديث أبي سعيد الخدري الصحيح زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذا الحديث الذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عند مالك (١٣١١) والشيخين أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا»؟، قال: «إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة»، فقال: «لا تفعل، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، وقال في الميزان مثل ذلك، فالمراد بالميزان الموزون. قلت: ثبوت هذه الزيادة لا يدل على ما ذهب إليه من وسع الربا إلى كل موزون ومكيل، وحديث الدارقطني ضعيف، وشهادة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعبادة وأنس ﵃ التي ذكرها الألباني ﵀ في تعليقه على الروضة الندية (٢/ ٣٨٦ و ٣٨٨) لا تنقذ

стр. 1613

حديث الدارقطني من الضعف، لأن حديثه مستقل بذكر الوزن والكيل علة، وتلك الأحاديث جاء ذكر الوزن والكيل أو أحدهما فيها في سياق الربويات المتفق عليها، فيخص ما يكال أو يوزن بالسياق، والتخصيص بالسياق قال به فريق من أهل العلم، وقد ذكرت شيئا من هذا في التعليق على حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب في باب الصيام فانظره إن شئت، كما بينت ذلك في رسالة مستقلة أسميتها لا دليل على المنع من بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة إلى أجل. ومن الذين لم يقولوا بالقياس أو لم يترجح عندهم شيء في المسألة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كما في الفتاوى السعدية في موضع منها، على أنه في موضع آخر منها رأى القياس، ومع هذا الذي رأيته من ترك كثير من أصحاب القياس له في هذه المسألة فقد قال الشيخ صديق حسن خان في الروضة الندية (٢/ ٣٩٠): «ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم، والسواد الأعظم، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية»، انتهى. أما القائلون بالقياس فقد اختلفوا في علته على مذاهب، وأقل هذه العلل سلامة من الانتقاض الاقتيات والادخار مع الملح في المطعومات، والتثمين في غير المطعومات، ولنشر إلى بقية العلل التي قيل بها، ولما كانت المذكورات في الحديث جنسين أثمانا للأشياء وطعاما فلنذكر ذلك علما بأن بعض العلل مشترك وبعضها خاص. ١ - فمن الخاص بالنقدين مطلق الثمنية، وصاحب هذا القول نظر إلى أن الذهب والفضة وإن كانا أثمانا للأشياء وقيم المتلفات إلا أنهما لم ينفردا بذلك، بل شاركتهما في العلة الفلوس، فيدخلها الربا لتوفرها على العلة، وهذا هو مشهور المذهب، وقال به الشافعية، وهو قول لأحمد، قال ابن القيم ﵀: «وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب،،،»، انتهى المراد منه، وفي المدونة (التأخير في صرف الفلوس) قلت: «أرأيت إن اشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟، قال: «لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب، ولا بالوَرِقِ، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لهم سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوَرِقِ نظرة»، انتهى.

стр. 1614

٢ - وقيل العلة هي غلبة الثمنية، ومعناه أن الحكم للغالب، والغلبة كانت للذهب والفضة، وهذا قول في المذهب، تجده في شرح أبي الحسن على الرسالة، وقواه الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي، لأنه رجح أن مالكا لم يمنع بيع الفلوس بالنقدين نسيئة منع تحريم، فقال: «إلا أن جل قول مالك فيها الكراهة للتوسط بين الدليل، وهي محمولة على بابها، لا على الحرمة عند الجمهور»، انتهى، وإلى هذا جنح القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين ص (٣٨٠) إذ قال: «والتفاضل في الفلوس إذا حصل التعامل بها ممنوع، وهو في الحقيقة منع كراهة، لا نص تحريم»، انتهى، وقد ظن بعض الباحثين أنه اكتشف جديدا حين وجد مالكا يقول عن الناس لو اتخذوا أثمانا للأشياء وأقروها كانت كذلك، وأخذ من هذا أنه يرى علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، والأمر كما علمت نقله غير واحد من أهل المذهب، فلا يحتاج إلى تكلف تخريجه على قوله المذكور، وإذا اتجهت نسبة القول لمالك بكراهة بيع الفلوس بالذهب والفضة نسيئة كان معنى هذا أنه يرى أن العلة هي غلبة الثمنية لا مطلقها، فتخرج على هذا التعليل الفلوس عند المتقدمين، فلا يدخلها الربا، لأن غلبة الثمنية في وقتهم كانت للذهب والفضة. واعلم أن التعليل بغلبة الثمنية هو الذي ينسجم مع ما ذهب إليه بعضهم من أن الفلوس كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، فلو كانت ربوية لنهى عن بيعها بالذهب والفضة نساء، فينتقض التعليل بمطلق الثمنية، وقد استدل بعضهم على وجودها بقول النبي ﷺ : «أتدرون من المفلس … الحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة، قالوا المفلس هو من صارت أمواله فلوسا. ٣ - ومن الخاص بالأجناس الأربعة الأخرى الاقتيات والادخار، وأضاف بعضهم لذلك ما يصلح به الطعام حيث اعتبروا القمح والشعير والتمر إشارة إلى الاقتيات والادخار، والملح إشارة لمصلح الطعام، قال ابن حزم في الحلى: «وهذه أفسد العلل التي ذكروا، وإن كانت كلها فاسدة واضحة البرهان». ٤ - العلة في المطعومات ليست واحدة، فمنها الاقتيات والادخار قياسا على القمح والشعير، ومنها الحلاوة والادخار كالزبيب والتين والعسل قياسا على التمر، ومنها التأدم

стр. 1615

والادخار قياسا على الملح، وقد قال به محمد بن عبد الله الأبهري كما هو في المحلى أيضا. ٥ - التقدير بالوزن في الذهب والفضة والكيل في غيرهما، وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، قال ابن القيم: «التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية»، انتهى، والطرد هو الذي لا مناسبة فيه كالطول والقصر والسواد والبياض في الإنسان، ومنه الكيل والوزن، ومعتمدهم حديث الدارقطني عن عبادة وأنس، وما في رواية البيهقي من الزيادة على حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد تقدم بيان ما في هذا الاستدلال. ٦ - ومن المشترك وجوب الزكاة، يعني أن الربا يدخل كل ما وجبت فيه، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا منقوض بالملح فإنه غير زكوي، ومع ذلك فهو ربوي بالنص. ٧ - ومن المشترك الجنس، نسبه ابن حزم احتمالا لحماد بن أبي سليمان، قال: «فلم يجز التفاضل في جنس واحد كائنا ما كان، وعن سعيد بن جبير أنه جعل علة الربا تقارب المنفعة في الجنس الواحد أو الجنسين، وقريب منه قول ابن سيرين، قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٤٦٩): «وهذا أعم العلل، فيلزم من قال منهم بالعلة العامة أن يقول بها»، انتهى، فالعلة على هذا هي المالية. ٨ - العلة هي الأكل والشرب، والكيل والوزن والتثمين، وهو قول أبي ثور، وقول الشافعي في القديم. ٩ - العلة هي الطعم في الجنس أو الجنسين، والتثمين في الجنس أو الجنسين، واعتماد الطعم علة هو من القياس الأدون. ١٠ - قال الشوكاني في نيل الأوطار ((٥/ ٣٠٣): «والحاصل أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم يعتبر منهم العدد جزءا من العلة مع اعتبار الشارع له في رواية من حديث أبي سعيد: «ولا درهم بدرهمين»، وفي حديث عثمان عند مسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين»، انتهى.

стр. 1616

قلت: قد تقدم ذكر من ذهب إلى إنكار القياس هنا من غير الظاهرية، أما أن الشارع اعتبر العدد جزء علة فليس صحيحا إذا كان المعتمد هو النص الذي ذكره الشوكاني، فإن المقصود من ذكر العدد في النهي عن بيع الدرهم والدينار بالدرهمين والدينارين أن الزيادة التي تأتى في المسكوك تكون كذلك غالبا، وهذا لا يعني أن بيع الدينار بما قل عن الدينارين جائز مباح، فمفهوم هذا العدد مهجور بالاتفاق لمجيء النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل سواء بسواء، ومثله النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا، فإن في بعض الأحاديث: «لا صاعين بصاع»، وهو في الصحيح عن أبي سعيد، وقد يكون ظاهر كلام الشوكاني غير مراد منه التعليل به، وانظر السيل الجرار (٣/ ٦٥)، لكن العدد الذي يتحقق به التماثل الآن في استبدال العملة الواحدة بعضها ببعض: معدن بمعدن، وورق بمثله، وورق بمعدن، فلا يجوز التفاضل ولو كان العوضان مختلفين بالمعدنية والورقية، وقد ذهب بعضهم إلى جوازه وفيه نظر، والذي يجري بين الناس وهم يسمونه صرفا لا يعتبر بيعا في العرف، واسم الصرف الذي يطلق عليه لا يجعله ملحقا بحكمه الذي عوضاه يومئذ الذهب والفضة، والله أعلم. وإذا علمت هذا الخلاف الواسع في التعليل وتراجع كثير من القائلين بالقياس عن القول به هنا علمت أنه ليس من المُسَلَّمِ القول بمنع بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة نسيئة كما عليه معظم أهل العلم المعاصرين. لا يخفى عنك أنه قد جد في مسألة النقود ما ينبغي أن يتحدث عنه في هذا المقام، وهو العملات المعاصرة التي تنفرد بها كل دولة كالدينار الجزائري والريال السعودي والدولار الأمريكي، فما علاقتها بالذهب والفضة الممنوع التفاضل فيهما داخل الجنس الواحد، والممنوع في بيعهما النّسَاءُ اتحد الجنس أو اختلف؟، ومن عجب أن بعض من كتب في هذه المسألة لا يعرج على حكم بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة، فإن فعل اختصر الكلام اختصارا، مع قيام حاجة الناس إليه اليوم، وكل من رأيته يمنع بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة إلى أجل يستدل على المنع بقول النبي ﷺ في نهاية حديث عبادة المتقدم: «فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، وقد نقل

стр. 1617

بعضهم الإجماع على منع النسيئة هنا، وهذا النقل مما يقضى منه العجب، وقد صدر بالمنع قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في عام (١٤٠٣ هـ)، وقد كتبت في ذلك رسالة ذكرتها من قبل هذا، بينت فيها ما تمسك به المانعون من بيع النقدين بالعملات نسيئة، وما يرد عليهم في ذلك، وخلاصة ما فيها ترجيح كون العلة في النقدين هي الثمنية، وهي وإن كانت علة قاصرة يومئذ فإن الجمهور يعللون بها لتقوية الحكم الثابت بالنص، قال في المراقي: وعللوا بما خلت من تعدية … ليعلم امتناعه والتقوية وبينت فيها أن الثمنية في الذهب والفضة ليست توقيفية كما ذهب إليه بعضهم تصريحا، وكما يفهم من تصرفات كثير منهم وفتاويه تلويحا، ومن غير المقبول أن يذكر بعضهم الإجماع على هذا التوقيف، وهو وهم نشأ من عدم التفريق بين الإجماع على مشروعية التعامل بذينك النقدين، وهذا الإجماع المدعى على التوقيف، والصواب أنه ليس للشارع غرض في الذي يعتمده الناس أثمانا للأشياء، وما أفقه مالكا ﵀ إذ قال وقد ذكرته من قبل: «ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوَرِق نَظِرَةً»، انتهى، ولا يسوغ أن يقال إن مالكا منع من بيع الجلود نَظِرَة بالذهب والفضة لو اعتمدت سكة فكذلك بيع الذهب والفضة بالعملات، لأنا نقول ينبغي أخذ كلام الإمام بحاله، وهو أن الذهب والفضة كانا مسكوكين وهما أثمان للأشياء حين قال ما قال. وذكرت أن الثمنية قد زايلت الذهب والفضة كما هو واقع الحال وبشهادة علماء المال والاقتصاد، فلم يعد الذهب والفضة يُسكان، ولا بقي للعملات المعاصرة الذي كان لها من قبل، وهو كونها سندات بذهب أو فضة تقدم للبنوك فيأخذ مالكها ما هي سند به، بل ولا تعتمد الدول الآن في كمية الكتلة النقدية التي تصدرها على رصيد الذهب والفضة الذي تملكه، لقد غدا يعتمد على قوة اقتصادها وميزان تجارتها واستقرارها السياسي. وبناء على ما تقدم فإن من علل بالثمنية لا يصح منه المنع من ذلك التأجيل، لانتقال الثمنية عن الذهب والفضة إلى العملات، فغدت بديلا عنهما، ولا يجمع بين البدل

стр. 1618

والمبدل منه، أما من لم يعلل بها فهو أبعد أن يقبل منه ذلك. ومع هذا فبيع الذهب والفضة حكمه باق على ما نصت عليه الأحاديث، من منع التفاضل في الجنس الواحد ومنع التأجيل، وجواز التفاضل متى اختلف الجنس مع منع التأجيل، لأن العلة لا يصح أن ترجع على الأصل بالإبطال. قال في المراقي: وقد تخصص وقد تعمم … لأصلها لكنها لا تخرم

стр. 1619

• قوله: ٠٦ - «ولا يجوز طعام بطعام إلى أجل كان من جنسه، أو من خلافه، كان مما يدخر، أو لا يدخر». يعني أنه لا يجوز بيع طعام بطعام نسيئة، ولو قرب القبض، ويستوي في المنع ما إذا اتحد الجنس كقمح بقمح، أو اختلف كقمح بتمر، ولا فرق بين ما إذا كان العوصان جميعا مما يدخله ربا الفضل كما تقدم، أو يدخل ربا الفضل أحدهما كقمح بتفاح، أو كانا مما لا يدخله ربا الفضل أصلا كخس بتفاح، فربا النسيئة يدخل جميع المطعومات، وقد استدل الغماري لهذه المسألة بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرُّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، رواه أحمد ومسلم، والاستدلال به على عموم منع النَّسَاءِ في بيع الطعام بالطعام فيه شيء، فإن العلة فيه مظنونة إذا ما قورنت بالتعليل بالاقتيات والادخار وغلبة العيش فيكون من القياس الأدون، وهو ما أشار إليه صاحب المراقي بقوله: وإن تكن ظنية فالأدون … لذا القياس علم مبين فأما الاستدلال له بما قاله ابن عبد البر في الكافي (١/ ٣١٠)، وهو نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا يدا بيد»، انتهى، فهذا ماض ما لم يكن لمعنى الطعام عرف يومئذ فيقدم على الحقيقة اللغوية، أعني أنه يقدم على عموم ما يطعم ولينظر لفظ الحديث في صحيح مسلم عن معمر بن عبد الله ﷺ ، في باب (بيع الطعام مثلا بمثل). ولما كان ربا الفضل لا يدخل إلا في المقتات المدخر قال:

стр. 1620

• قوله: ٠٧ - «ولا بأس بالفواكه والبقول وما لا يدخر متفاضلا، وإن كان من جنس واحد يدا بيد». ومن الفواكه التي لا تدخر الخوخ والمشمش، ومن البقول التي لا تدخر الخس والكسبر، وكل ما يجز من أصله يدعى بقلا، فهذا يجوز بيعه متفاضلا يدا بيدا، ولو اتحد الجنس كخَسٍّ بِخَسٍّ، فضلا عن اختلافه كمشمش بخس، قال الغماري: لأن ربا النَّسَاء يدخل الطعام وإن لم يكن ربويا، لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، فأجاز التفاضل ومنع النَّسَاءَ»، انتهى، قال كاتبه: في الاستدلال بالحديث على ما ذكر نظر، وقد تقدم، ثم صرح المؤلف بمفهوم قيد ما لا يدخر من الفواكه فقال:

стр. 1621

• قوله: ٠٨ - «ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة وسائر الإدام والطعام والشراب إلا الماء وحده، وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثمار والطعام؛ فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد، ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه». القول بمنع التفاضل فيما يدخر من الفواكه ينسب لابن وهب وغيره، وهو في الموطإ كما سترى، وهو قول ضعيف في المذهب، وبناء عليه تكون الفواكه قسمين: ما يدخر كاللوز والجوز، وما لا يدخر كالتفاح، فالأول لا يجوز فيه التفاضل، ويحوز في الثاني، ومبنى هذا القول على أن العلة في ربا الفضل الادخار وحده، والمذهب أن العلة مركبة من الاقتيات والادخار معا، وقد نص على ما ذكره المؤلف مالك في الموطإ في باب بيع الفاكهة، قال: «ولا يباع شيء منها إلا يدا بيد، وما كان منها مما ييبس فيصير فاكهة يابسة تدخر وتؤكل فلا يباع بعضه ببعض إلا يدا بيد، ومثلا بمثل إذا كان من صنف واحد،،،»، انتهى المراد منه. وقوله «وسائر الإدام والطعام والشراب»، الإدام كالسمن والزيت، ومثله مصلح الطعام كالملح، فهذا داخل في المدخر كما تقدم، ويدخل في الطعام اللحم والمرق ونحو ذلك، ويقصد بالشراب ما كان متخذا من ربوي كالتمر والعنب، ويدخل فيه اللبن، واستثني الماء ولو كان ماء زمزم لأنه ليس طعاما، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا ونَسَاءً، كما يجوز بيعه بالطعام نَسَاءً، وإنما أعاد ذكر الإدام والطعام والشراب حسب التوجيه الذي ذكرته ليرتب عليه قوله الذي فيه التصريح بما عرف من مفهوم الجنس الواحد فيما يدخر

стр. 1622

من الفواكه اليابسة، لكنه صرح به زيادة في الإيضاح فقال: «وما اختلفت أجناسه،،، الخ»، أما قوله: «ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه»، فإنك قد علمته فيما تقدم، وينبغي تقييد الفواكه بغير اليابسة كما علمت في غير المشهور من المذهب.

стр. 1623

• قوله: ٠٩ - «والقمح و الشعير و السلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم». شرع هنا يبين ما كان من المطعومات جنسا واحدا، وما كان منها أجناسا لانبناء امتناع التفاضل على ذلك، والسُّلْتُ بضم السين المهملة وسكون اللام، حَبٌّ بين القمح والشعير لا قشر له، ومعتمد المذهب في هذه الثلاثة أنها جنس واحد في باب الزكاة كما تقدم وفي البيع، فلا يجوز بيع الواحد منها بغيره متفاضلا ولا نسيئة، ومن الحجة لهم في ذلك أن منافعها واحدة أو متقاربة، ولتقاربها في المنبت والمحصد، ولاشتهار اتحاد القمح والشعير في الجنسية في المدينة، بل إن الباجي طعن في حديث عبادة بن الصامت من حيث ثبوته ودلالته وهو الدال على خلاف ما ذهبوا إليه، فقد قال في المنتقى (٥/ ٣) عن بيع الحنطة بالشعير متفاضلا بعد ذكر من منع منه من الصحابة: «ولا يعلم لهما في ذلك مخالف من الصحابة إلا ما روي عن عبادة بن الصامت حديثا مرفوعا، وليس بالثابت مع ما يحتمل من التأويل»، انتهى، وهو يقصد سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ومعيقيب الدوسي، ومن الحجة لمالك فيما ذهب إليه حديث معمر حين أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه، ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال معمر: «لم فعلت ذلك»؟، انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل»، وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل له: «فإنه ليس بمثله»، قال: «إني أخاف أن يضارع»، انتهى، رواه مسلم (١٥٩٢)، ولا حجة فيه على المدعى، فإن دخول الشعير في الطعام لا يدل على ذلك، فيقيد بما كان من جنسه رعاية لما دل عليه حديث عبادة، ولأن الظاهر من كلام معمر أنه من باب الاحتياط والتورع يدل عليه قوله: «إني أخاف أن يضارع»، يعني يشابه، نعم التوقي في هذا الباب مطلوب متى قامت الشبهة، وليست هنا كذلك، يدل على الأول قول

стр. 1624

عمر: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء»، وهو في الموطإ (١٣٢٢)، والرماء هو الربا، وقال بعض علماء المذهب كالسيوري وعبد الحميد الصائغ وابن عبد السلام والقرطبي: إن الثلاثة أجناس يجوز بينها التفاضل ولا يجوز النَّسَاءُ اعتمادا على قول النبي ﷺ في حديث عبادة عند مسلم: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». قال القرطبي في التفسير (٣/ ٣٤٩): «وإذا ثبتت السُّنَّةُ فلا قول معها،،، وذكر الدليل السابق، ثم قال: وقوله «البُرُّ بالبُرُّ والشعير بالشعير»، دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر، ولأن صفاتهما مختلفة، وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل فصل وبين».

стр. 1625

• قوله: ١٠ - «و الزبيب كله صنف، و التمر كله صنف، و القطنية أصناف في البيوع، واختلف فيها قول مالك، ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد». لا فرق بين ألوان الزبيب والتمر ولا بين أحجامه من كبر وصغر في كونها كلها جنسا واحدا لا يجوز التفاضل فيه ولا النَّسَاءُ، ودليله حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أَكُلُّ تمر خيبر هكذا»؟، قال: «إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة»، فقال: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، رواه مالك (١٣١١) والبخاري ومسلم، ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا، والجمع والجنيب قال عنهما في النهاية: «كل لون من التمر لا يعرف اسمه فهو جمع، والجنيب نوع جيد من أنواع التمر». أما القطنية بكسر القاف وضمها، وسكون الطاء وكسر النون والياء المشددة، وجمعها القطاني وهي كل ما له غلاف يخزن به كالفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان؛ فإن كلا من أفرادها صنف في البيوع على المشهور، ولم يذكر خليل غيره لاختلافها في الصورة والمنافع، وقيل هي صنف واحد، ووجهه تقارب منافعها كما تقدم في القمح والشعير والسلت، هذا في البيع، أما في الزكاة فيضم بعضها إلى بعض كما تقدم، وهو الذي في المدونة، فإن كان المراد من نفي المؤلف اختلاف قول مالك في القطنية في باب الزكاة ما في المدونة بخاصة فنعم، وإلا ففي العتبية أنها أصناف في الزكاة أيضا، وهو الصواب فيما يبدو، ووجه اعتبارها في الزكاة صنفا واحدا وفي البيوع أصنافا الاحتياط في الأول للمساكين، وفي الثاني للتحريم، ولم يذكر المؤلف نحو الأرز والذرة وهي أجناس في باب الزكاة والبيع من غير خلاف.

стр. 1626

• قوله: ١١ - «ولحوم ذوات الأربع من الأنعام و الوحش صنف، ولحوم الطير كله صنف، و لحوم دواب الماء كلها صنف، وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم؛ فهو كلحمه، وألبان ذلك الصنف وجبنه و سمنه صنف». ذوات الأربع من الأنعام كالبقر والغنم والإبل، ومن الوحش كالغزلان وبقر الوحش وحمره والأرانب، فهذه كلها جنس واحد، يحرم فيه التفاضل والنَّسَاءُ، ولا ينقله الطبخ والقلي عن ذلك، ولو كان بمصلحات الطعام كالأبزار ونحوها، ومثل ذلك لحم الطير فإنه كله جنس واحد إنسيا كان كالدجاج والإوز، أو وحشيا كالنعام والحجل، ولو طير ماء، ومنه الجراد في قول، فهذا كله يحرم التفاضل فيه والنَّسَاءُ، ولينظر هنا باب بيع اللحم باللحم في الموطإ.

стр. 1627

• قوله: ١٢ - «ومن ابتاع طعاما؛ فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد، بخلاف الجزاف، وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده». جاء في منع بيع الطعام قبل قبضه أحاديث منها ما رواه مالك (١٣٢٩) والشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»، وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه»، رواه مسلم (١٥٢٩)، وقال أبو هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى»، رواه أحمد ومسلم، عزاه لهما في المنتقى، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»، قال ابن عباس: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله»، رواه أحمد والشيخان (م/ ١٥٢٥)، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يذكر في المسالك الترمذي وهو عنده. وفي كلام المؤلف ثلاث تقييدات للمنع، أحدها كون المبيع طعاما، لا فرق بين المقتات وغيره، يدل عليه استثناء الماء من المنع في كلامه، وهو منصوص أحاديث ابن عمر وجابر وأبي هريرة وابن عباس وقد تقدمت. والثاني قوله ابتاع ويدخل فيه عندهم كل ما كان على وجه المعاوضة المالية كالشراء أو غير المالية كأن يؤخذ في مقابل خلع، أو فتوى، أو قضاء، أو تعليم، أو يكون دية، أو أرش جناية، تمسك مالك بالعموم في الطعام، وألحق بالشراء جميع المعاوضات، فخرج بهذا نحو الصدقة والهبة والميراث والقرض. وقد استُدل لهذا بما رواه البخاري (٢١١٥) عن ابن عمر أن النبي ﷺ اشترى من عمر بَكرا كان ابنه راكبا عليه، ثم وهبه لابنه قبل قبضه، ووجه الدلالة فيه أن يقاس على

стр. 1628

الهبة كل ما كان نحوها مما لا عوض فيه، وقد رجح هذا الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٢٥٨)، ومن هذا ما رواه مالك (١٣٣٢) عن نافع أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه، وقال: «لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه»، انتهى. والمذهب كما علمت التفريق بين من اكتسب الطعام على غير معاوضة فلا بأس ببيعه قبل القبض، ومن ملكه بمعاوضة فلا يجوز له بيعه قبله، ويمكن تطبيق هذا على من أعطي له من شركته شيء على وجه الهبة كجهاز تبريد أو سيارة وسلم له بذلك صك فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه على المذهب لأنهم خصوا المنع بالطعام، أما لو أعطي له ذلك نطير عمله فإنه لا يجوز له بيعه حتى يقبضه، أما الذي يُسْلِمُ مالا في أسمنت مثلا ويعطى له سند بذلك فيبيعه قبل القبض فلا يجوز له إلا على وجه التولية، أعني التنازل عنه لغيره بثمنه. والثالث تقييد المنع من بيع الطعام قبل القبض بما إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا لأنه في معنى الموزون والمكيل، وهذا يخرج بيع الجزاف كما سيأتي، ودليله ما جاء عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه»، رواه أحمد ورواه أبو داود والنسائي نحوه، وفي بعضها ذكر الاستيفاء بدل القبض، وفي صحيح مسلم عطف أحدهما على الآخر وهما أمر واحد، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣٧٢): «فالمعنى في ذلك سواء، لأن الاستيفاء بالكيل والوزن هو القبض لما يكال أو يوزن»، انتهى، وبهذا يعلم ما في كلام صاحب الفواكه الدواني (٢/ ١٢٥) إن هذا القيد من بيان المتفقهين، قال خليل: «وجاز البيع قبل القبض إلا مطلق طعام المعاوضة ولو كرزق قاض انتهى. ولا فرق بين أن يكون المتبايعان مسلمين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، فلو كانا كافرين فالأولى أن لا يشتري المسلم ممن لم يقبض، وانظر حاشية الشيخ علي الصعيدي (٢/ ٤٧٦)، فهذا عن حكم بيع الطعام قبل قبضه. وقد علل النهي عن بيع الطعام قبل قبضه بأنه تعبدي، وهو مستبعد، وإن قال ابن

стр. 1629

العربي في المسالك (٦/ ٢١) عنه: «إنه شرع محض، وتعبد صرف، لا يفهم المعنى فيه، ولا تعقل علته»، انتهى، وقيل إن المقصود تيسير الوصول إلى الطعام لحاجة الناس أغنيائهم وفقرائهم إليه، ولو بيع قبل قبضه لكان ذلك ذريعة إلى إخفائه، فيُشترى من مالكه خفية، فلا يتوصل إليه الفقير، وهذا مقارب، لكن على قول من لم يمنع بيع غير الطعام قبل قبضه، ومن المزايا في ذلك نفع الكيال والجمال، أي أنه جالب لعمل آخر ينتفع به الناس، وقيل في التعليل إن فيه منعا لأن يتكرر العقد على الشيء قبل أن يقبض، إذ يتوالى على المبيع الواحد ضمانان: فهو مضمون للمشتري الأول على البائع الأول، ومضمون للمشتري للثاني على البائع الثاني، فيكون مضمونا للشخص، مضمونا عليه في الوقت نفسه، وفي ذلك ما فيه من تكثير أسباب النزاع والاختلاف، وانظر المنتقى (٤/ ٢٨٢) للباجي، وضعف هاتين العلتين ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (٢/ ٢٨١)، وصوب التعليل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتريَ قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا، قال وهذه العلة أقوى من تينك العلتين»، انتهى، قال كاتبه: وفي اشتراط القبض نفع للناس بجلب المبيع إلى المكان المحتاج إليه فيه، فإن الغرض من التجارة تيسير وصول السلع إلى الناس، وإذا بيع الطعام أو غيره قبل القبض وتكرر ذلك لم يتحقق الغرض، إذ يتداول السلعة مجموعة محدودة من الناس ويحتكرونها، ويجري هذا كثيرا عندنا في الأسواق، إذ يباع الشيء في السوق في يوم واحد مرات عدة قبل أن يصل إلى من يريد امتلاكه، فيرتفع ثمنه لهذا السبب، فالأصل في السلعة المرادة للتجارة أن تحاز إلى الرَّحْلِ قبل أن تباع كما جاء في حديث ابن عمر، وجاء النهي أن تباع السلع حيث تبتاع، ولذلك لا يسلم من شوب هذه المخالفة الذين يشترون من السوق ليبيعوا فيه، ولا يظهر أن هذه المخالفة تجتنب ببضعة أمتار تنقل السلعة إليها في السوق. ومما يدخل في بيع الطعام قبل قبضه صورتان ذكرهما مالك في الموطإ (١٣٤٣) وهما إذا «اشترى طعاما بسعر معلوم إلى أجل مسمى، فلما حل الأجل قال الذي عليه

стр. 1630

الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام فبعني الطعام الذي لك علي إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصلح لأنه قد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى، فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: «فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيكه»، فهذا لا يصلح، لأنه إنما يعطيه طعاما ثم يرده، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك إذا فعلاه بيع الطعام قبل أن يستوفى»، انتهى. والجزاف بضم الجيم وفتحها وكسرها - وهو الأقوى - ما ليس مكيلا ولا موزونا ولا معدودا، ويغني عن ذكر حكمه مفهوم قيد المكيل والموزون والمعدود في كلامه، لكنه صرح به لزيادة البيان كعادته، فقوله بخلاف الجزاف، أي بخلاف ما بيع جزافا فيجوز بيعه قبل القبض على المشهور، لأن قبضه يكون بتمام العقد، وتخلية البائع بينه وبين مشتريه، بل اعتبر بعضهم النظر إليه قبضا، ولأن الاستيفاء المطلوب يكون بكيل المبيع أو وزنه أو عده، ولا شيء من ذلك في الجزاف، وسيأتي كلام المؤلف في بيان حكم بيع الجزاف مع ذكر شروطه. وحيث علمت أن المنع من البيع قبل القبض يختص في المذهب بالطعام والإدام، ويختص الطعام بما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، فاعلم أنه قد جاء في الحديث ما يجعل كل السلع بمثابة الطعام، وقد تقدم قول ابن عباس ﵄: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله»، يعني مثل الطعام في المنع، وهذا منه قياس مساو، وذهب بعض العلماء إلى أنه قياس أولوي باعتبار أن حاجة الناس إلى الطعام أشد من حاجتهم إلى غيره، فلو ساغ التساهل في القبض لكان الطعام هو الأولى بذلك، ومهما يكن فقد جاء ما يدل على النهي عن بيع غير الطعام قبل القبض، وهو حديث زيد بن ثابت قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تبتاع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»، رواه أبو داود، وعن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟، قال: يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه»، رواه البيهقي، وعبد الله بن عصمة الذي في سنده احتج به النسائي، وبقية رجال إسناده على شرط الشيخين كما قال ابن القيم في تهذيب السنن، وإنما لم يأخذ أهل المذهب بحديث حكيم بن حزام لأنه لم يصح عندهم.

стр. 1631

لكن قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٣٧٥) عن عبد الله بن عصمة: «لا أعلم له جرحة»، ثم قال بعد كلام: «إن كان معروفا بالثقة والأمانة والعدالة فلا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد»، انتهى، ويمكن القول إنهم اعتبروه مجملا يفسره التنصيص على الطعام في الأحاديث الأخرى، وعاملوا بمثل ذلك حديث النهي عن ربح ما لم يضمن، كما أشار إليه ابن عبد البر، وليس بجيد، وعلى منع بيع جميع السلع قبل القبض يكون ذكر الطعام في تلك الأحاديث من التنصيص على بعض أفراد العام كما هو الشأن في حديث الصعيد في باب التيمم عندهم، أو لأن غالب التجارة بالمدينة كانت في الطعام، ولأن الضرر الناتج عن مخالفة هذا الحكم في بيع الطعام أقوى لعموم الحاجة إليه، ولأن البيعتين إذا لم يتخللهما قبض قد تؤولان إلى الربا، كما جاء عن طاوس قال: قلت لابن عباس كيف ذاك؟، وهذا من طاوس سؤال عن علة منع بيع الطعام قبل استيفائه، فقال ابن عباس مجيبا: «ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ»، وهو في صحيح البخاري، والمرجأ المؤجل، وهذا القول من ابن عباس يدل على أن معتمده في قياسه غير الطعام على الطعام في المنع من بيعه قبل القبض، هي أن مآل ذلك الربا، ويمكن انتزاع تلك العلة التي أشرت إليها قبل وهي أن بيع السلع قبل قبضها تفتقد التجارة معها بعض مقاصد الشرع منها، وهي كونها تقرب للناس ما يحتاجون إليه، ومن باع قبل القبض فكأنما باع النقود بعضها ببعض، وهي إنما وضعت رؤوسا للأموال لا موردا للكسب والتجارة، وهذا يبين والله أعلم أن المتاجرة فيها ينبغي أن تكون مضيقة، وقد توسعت في هذا العصر بعد زوال الثمنية عن الذهب والفضة فكانت عملة العالم واحدة ثم أصبحت بالمئات. أما تقييد منع بيع الطعام قبل قبضه بما كان غير جزاف فإن العمدة فيه التقييد بالمكيل والموزون، وهذا اعتماد على مفهوم الصفة وهو متجه، لكن معارضه منطوق فيقدم عليه، وهو ما رواه مالك (١٣٣١) ومسلم و (د/ ٣٤٩٤) عن ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام جزافا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله»، لكن ليس في الموطإ ذكر الجزاف، وفي صحيح البخاري (٢١٣١) عن ابن عمر أيضا قال: «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يأووه إلى رحالهم»،

стр. 1632

انتهى، ومن المستبعد أن يضرب الناس على غير ما هم ملزمون به شرعا، ومن ذا الذي يجرؤ على فعل ذلك بهم والنبي ﷺ بين أظهرهم لو لم يكن ذلك شرعا له؟، فالظاهر عدم الفرق في لزوم القبض بين الجزاف وغيره، وقد دل هذا الحديث على لزوم القبض بالأولى لأن الإيواء إلى الرحال يلزم منه القبض، ولا يلزم من القبض الإيواء إلى الرحال، كما دل النهي الوارد عن أن يبيع المرء ما لم يقبضه على النهي عن بيع ما ليس عنده من باب أولى، ولذلك ترجم البخاري بقوله: «باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك»، وإنما أورد الدليل على الأول واستنبط الثاني من النهي عن الأول، قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٤٠): «ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى»، انتهى. واعلم أنه قد جاء عن مالك ﵀ التسوية بين الجزاف وغيره في المنع من البيع قبل القبض، ذكر ذلك الشيخ على الصعيدي في حاشيته (٢/ ٤٦٧)، والذي في الكافي لابن عبد البر في باب بيع الجزاف نسبة ذلك لبعض المتأخرين من أصحاب مالك المصريين، ثم قال: «والاختيار عند مالك ﵀ في ذلك ألا يبيعه حتى ينقله من مكانه إلى مكان غيره»، انتهى، وفي النوادر (٦/ ٣٨) قال مالك: «من اشترى نصف ثمرة جزافا، أو نصف صبرة فلا بأس ببيع ذلك قبل أن ينقل، وأحب إلي أن ينقل قبل البيع لحديث ابن عمر، ولا أراه حراما، وكذلك الصبرة يشتريها إلا أنها في ضمانه بالعقد، فقد استوفى، وعلى ذلك من أدركت»، انتهى، وقد علمت أن حديث ابن عمر الذي في الموطإ ليس فيه ذكر الجزاف، والمقصود أن هذا أولى أن يقال به لثبوت الدليل عليه، وكلام الباجي في المنتقى ((٤/ ٢٨٣) في توجيه حديث ابن عمر القاضي بالمنع من بيع الجزاف قبل إيوائه إلى الرحل فيه اضطراب. وقول المصنف: «وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده»، يعني أن الحكم السابق يشمل كل طعام، وإنما كرره ليذكر الإدام والشراب، فإنهما يصدق عليهما اسم الطعام، وقد تقدم الكلام على استثناء الماء، والله أعلم.

стр. 1633

• قوله: ١٣ - «وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت؛ فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه، أو التفاضل في الجنس الواحد منه». الزريعة خفيفة الراء كما هو في اللسان عن ابن بري، تجمع على زرائع، لا زراريع كما في المصنف، والمقصود أن ما كان من الأدوية مركبا من الطعام وغيره، كالعسل يخلط بالعقاقير، وهكذا الزرائع التي تؤكل على حالها ولا يعتصر منها زيت، فهذا يجوز بيعه قبل قبضه، لأنه لا يتناوله النهي الوارد عن النبي ﷺ على ما في المذهب. كما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه لأنه لم يجتمع فيه الاقتيات والادخار، فلا يدخله الربا، فإن كانت الزرائع من ذوات الزيوت كالزيتون والسمسم ونحوهما، أو كانت مصلح طعام كالملح والبصل والثوم، أو تابلا كالفلفل والكزبرة فلا يجوز بيعها قبل القبض، ولا التفاضل في الجنس الواحد منها على ما تقدم.

стр. 1634

• قوله: ١٤ - «ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه». من اقترض طعاما أو وهب له أو تصدق به عليه يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه لمقرضه أو لغيره، لأن الممنوع أن يتوالى على السلعة عقدان لم يتخللهما قبض، لكن يشترط في بيع الطعام المقترض قبل القبض النقد، أي دفع الثمن من غير تأجيل، لأنه إن باعه بالدين للمقرض كان من فسخ الدين في الدين، وإن باعه لغيره بالدين كان من باب بيع الدين بالدين، وستقف على معنى هذا البيع بعد فلا تستعجل، وكما يجوز للمقترض بيع طعام القرض قبل قبضه يجوز له أن يدفعه وفاء لقرض في ذمته.

стр. 1635

• قوله: ١٥ - «ولا بأس بالشركة و التولية و الإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه». هذه ثلاثة أمور مستثناة من بيع الطعام المكيل قبل قبضه، وإن كانت في الصورة بيعا إلا أنها خرجت منه لعدم وجود المكايسة فيها، ولما فيها من الرفق، ولذلك جمع مالك معها في المعنى بيع العرايا المنصوص على الترخيص فيه، قال في الموطإ بعد كلام على بيع العرايا: «وإنما أرخص فيه لأنه بمنزلة التولية والإقالة والشرك، ولو كان بمنزلة غيره من البيوع ما أشرك أحد أحدا في طعامه حتى يستوفيه،،،»، انتهى، والثلاثة المستثناة هي: ١ - الشركة، والمراد بها هنا أن يجعل المشتري قدرا مما اشتراه لنفسه لغير بائعه باختياره بما نابه من ثمنه، على أن يستوي عقداهما فيه حلولا وتأجيلا، ورهنا وحميلا، وفي رأس المال، وأن لا يشترط المشتري على الذي يريد أن يشركه أن ينقد عنه، ومثاله أن يشتري خالد (٢٠) صاعا من تمر ثمنها (٦٠٠٠) د، فيشرك زيدا في نصفها بالثمن الذي اشتراه فيدفع له (٣٠٠٠) د. ٢ - التولية، وهي أن يجعل الطعام الذي اشتراه لغير بائعه بثمنه الذي اشتراه به، ويراعى فيها ما تقدم في الشركة من استواء عقديهما ورأس مالهما. ٣ - الإقالة، وهي أن يتفق البائع والمشتري على التراد، فيرد المشتري السلعة ويرد البائع ثمنها، على أن تقع الإقالة في جميع المبيع، وأن يكون الطعام ببلد الإقالة، وأن يكون التراد بمثل الثمن الأول، لا بزيادة عنه ولا بنقص، لأنه إن لم يكن كذلك كان بيعا جديدا فيخرج عن المكارمة التي هي علة الاستثناء. قال مالك في الموطإ (ما جاء في الشركة والتولية والإقالة): «الأمر عندنا أنه لا بأس بالشرك والتولية والإقالة منه في الطعام وغيره قبض ذلك أو لم يقبض، إن كان ذلك بالنقد، ولم يكن فيه ربح ولا وضيعة، ولا تأخير للثمن، فإن دخل ربح أو وضيعة أو تأخير من

стр. 1636

واحد منهما صار بيعا يحله ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع، وليس بشرك ولا تولية ولا إقالة»، انتهى. وإنما استثنيت هذه الثلاثة من بيع الطعام قبل قبضه لأنها أشبهت القرض الذي هو معروف وإحسان، وإن كانت في الصورة بيعا مؤتنفا، قال النفراوي في شرحه: «وقد روى أبو داود وغيره عنه ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة»، هكذا هو في الفواكه الدواني، ولعله ذهب وهله إلى ما رواه أبو داود والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: «من أقال مسلما أقال الله عثرته»، أما اللفظ الذي عزاه لأبي داود فقد رواه سحنون في المدونة ((٣/ ١٦٢) عن ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة»، وهو مرسل كما ترى، وبعده قول مالك ﵀: «اجتمع أهل العلم على أنه لا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه أو يقيله أو يوليه»، انتهى.

стр. 1637

• قوله: ١٦ - «و كل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل؛ فلا يجوز». روى مسلم (١٥١٣) وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»، وفي الموطإ (١٣٦١) عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر»، وبيع الحصاة أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة ويرمي الحصاة، أو من هذه الأرض ما انتهت الحصاة إليه في الرمي، وقيل غير ذلك، وعطف الغرر على بيع الحصاة من عطف العام على الخاص، وما قاله المصنف قاعدة عامة فيما يتعين أن تخلو منه العقود، وإلا لم تجز، وقد ذكر هنا البيع وهو ما تملك به الرقبة أي الذات، والإجارة وهي ما تملك به منفعة الآدمي غالبا، والكراء وهو ما تملك به منفعة الدواب والعقار، فهذه إن كان في عقدها خطر أو غرر في الثمن أو في المثمن أو في الأجل لم يجز العقد، والأصل فيما لا يجوز الفساد، فيفسخ قبل الفوات، فإن حصل الفوات بواحد من المفوتات كتغير الذات في البيع، أو استيفاء المنافع في غيره؛ فالمطلوب في البيع غرم قيمة السلعة متى اتفق على الفساد، وغرم ثمنها حيث لم يتفق عليه، أما في غير البيع فالواجب أجرة أو كراء المثل، والفرق بين قيمة الشيء وثمنه سيأتي ذكره إن شاء الله، وينبغي أن يستثنى من ذلك ما دل الشرع على جوازه باستثنائه إياه من الممنوع، لما فيه من المصلحة كما سيأتي في بيع السلم والقراض والمساقاة والعرية وغيرها، فلا يصح الاعتراض بمثل تلك القاعدة على ما ثبت جوازه بالنص أو بالإجماع. و الخطر والغرر عند بعضهم واحد، وقد وصف مالك بهما بعض البيوع مع العطف بالواو في المدونة، وفي الموطإ في أكثر من باب، ومن ذلك (المزابنة والمحاقلة)، و (بيع الغرر)، فالمؤلف مقتد به في ذلك، وقيل إن الغرر «هو ما شك في حصول أحد عوضيه أو

стр. 1638

المقصود منه غالبا»، انتهى، نقله ابن ناجي في شرحه عن بعض شيوخه، وحمل بعضهم كلا منهما على غير الآخر لأنه الأصل في المتعاطفين بأو، قال الشيخ على الصعيدي العدوي: «الخطر ما لم يتيقن وجوده كقوله بعني فرسك بما أربح غدا، والغرر ما تيقين وجوده وشك في تمامه كبيع الثمار قبل بدو صلاحها»، انتهى، والغرر محظور لا فرق بين كونه في الثمن، كأن يشتري شاة بعبد آبق، أو بما في جيبه من النقود لا يدرى المشتري كم هي، أو يشتريها بقيمتها، أو في المثمن، كأن يشتري شاة في سياق الموت، أو أن يكون الغرر في الأجل، كأن يشتري كتابا يدفع ثمنه وقت حصوله على المال، أو حين يقدم زيد، ولا يعلم وقت قدومه.

стр. 1639

• قوله: ١٧ - «ولا يجوز بيع الغرر ولا بيع شيء مجهول ولا إلى أجل مجهول». قد يقال هذا تكرار، وقد يقال إنه لما قدم أن العقد لا يصح مع الغرر بيعا كان أو إجارة أو كراء خص البيع بالذكر هنا لورود النص فيه خصوصا وعموما، فأما العموم فهو حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، ومرسل مالك عن سعيد، وقد تقدما، وأما الخصوص فمنه النهي عن بيع الحصاة والملامسة والمنابذة وبيع العبد الآبق وغير ذلك. والغرر قسمان: كثير وهو الذي يضر، ويسير لا يكاد يخلو منه البيع، ويحصل ضمنا وتبعا، لا قصدا، والضار منه ما كان مقصودا، ومنع اليسير غير المقصود يؤدي إلى الحرج الشديد، وتعطيل المصالح والمنافع، وكثير من اختلاف العلماء في هذا الباب مرده إلى اختلافهم في تحقيق مناط القلة والكثرة من الغرر، ومن أمثلة اليسير كراء الشيء شهرا مع جواز نقص الشهر، ودخول الحمام مع عدم ضبط ما يستهلك من الماء، ومقدار الوقت الذي يقضيه فيه المستحم، ومنه كمية الخبز الذي يتناوله الناس في المطاعم، إذ إن ذلك لا دخل له فيما يقدم من العوض المعلوم سلفا في مقابل الأكل، ومثله اختلاف الركاب في مقدار ما يحملون من المتاع، ومدة الجلوس في المقاهي وغير ذلك، فهذا غرر لكنه يسير غير مقصود من فاعله فلا يضر، وقد علل المنع من بيع الغرر بما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة، وفي هذا التعليل نظر، إلا أن يقال إنه بعض علة، وإلا فإن الغرر فيه أكل لأموال الناس بالباطل، وهو محرم حصلت المنازعة أو لا. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٥): «ومفسدة الغرر أقل من مفسدة الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو

стр. 1640

المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهي عن الحمل مفردا، وكذلك اللبن عند الأكثرين، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، فإنه يصح مستحق الإبقاء، كما دلت عليه السنة، وذهب إليه الجمهور كمالك والشافعي، وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد»، انتهى.

стр. 1641

• قوله: ١٨ - «ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، و لا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد، ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن». هذا الذي ذكره مما يمنع متقارب في المعنى، وبعضه مترادف، فالتدليس أن يعلم أن في سلعته عيبا فيكتمه عن المشتري، ومنه الدلس بفتح اللام أي الظلمة، وهو حرام لقول النبي ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»، رواه البخاري عن حكيم ابن حزام ﵁، وقوله: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له»، رواه ابن ماجة (٢٢٤٦) عن عقبة بن عامر ﵁، والفقرة الأولى منه في صحيح مسلم. والذمي في هذا الحكم مثل المسلم، ولا يقتصر الأمر في لزوم بيان العيب على البائع، بل يلزم ذلك كل من علم بالعيب من الناس لتواتر حديث النصح للمسلم. والغش أن يخلط الشيء بغير جنسه كخلط العسل واللبن بالماء، والسمن بالشحم والبطاطا، وخلط الجيد بالرديء، أو أن يجعل الجيد في الأعلى، أو في جوانب الكيس كي لا يرى، وقد مر النبي على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلالا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»، قال: «أصابته السماء»، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»، رواه مسلم. قال ابن العربي في العارضة (٦/ ٥٥): «الغش محرم بإجماع الأمة، لأنه نقيض النصح، وهو من الغشش، وهو الماء الكدر، فلما خلط السالم بالمعيب وكتم ما لو أظهره لما أقدم عليه المبتاع، ولم يبذل ما بذل على السلامة في اعتقاده مما اطلع عليه،،،»، انتهى، ولم يذكر الجواب، والعارضة في حاجة إلى التحقيق، ولعله يقصد بيان معنى كونه «ليس

стр. 1642

منا»، لأن المسلمين يوافق باطنهم ظاهرهم، والغاش يرى الشيء فاسدا ويظهره في صورة الصالح، فكان بهذا المعنى ليس من جماعة المسلمين، والله أعلم. والخلابة الخديعة بالقول اللطيف كذا في النهاية لابن الأثير، والخديعة أعم منها، ومن ذلك أن يكذب في ذكر ثمن ما يريد بيعه بأن يقول اشتريت هذه السلعة بكذا، أو بغير الكلام كأن يكتب عليها أنه اشتراها ب (١٠٠) دينار، وأن ثمن بيعها هو (١٢٠) د، ومن الخلابة أن يقول له تعال اشتر مني وأنا أرخص لك، أو يعطيه شيئا مما يريد بيعه ليأكله، أو يدعوه إلى الجلوس ليستهويه، ومما يفعله كثير من التجار اليوم أنهم يضعون صفوفا من حبات الخضر والفواكه مختارة في الجهة التي يراها المشتري، وإلى جهة البائع غيرها رديء ثم يزن من الرديء، أو يجعل أعلى الصندوق جيدا وأسفله رديئا، أو يتعمد تنضيد اللحم على شكل يستهوي النظر، ويجعل الشحم من جهته بحيث لا يراه المشتري، وما أكثر الباطل. وعن قيس بن سعد ﵁ قال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر الناس»، وهو في الصحيحة للألباني برقم (١٠٥٧). وقوله «و لا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد»، هو تكرار أو بيان لمعنى التدليس والغش، ولما كانت العيوب قد تتفاوت باعتبار المشترين نبه على خصوصها بعد بيان امتناع عمومها في قوله: «ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن». ومن ذلك أن يبيع للمسلم ثوب الكافر، أو المجذم، أو الميت، مع علمه بكراهة المشتري لذلك، وكبيعه ثوبا على أنه جديد، لكنه غسل لسبب غير الاستعمال كالتنجس، وقد جاء في الحديث ما يؤخذ منه إثبات الخيار ثلاثة أيام لمن يخدع في البيع.

стр. 1643

• قوله: ١٩ - «ومن ابتاع عبدا فوجد به عيبا فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه». هذا أحد أنواع الخيار الثلاثة وهو خيار العيب، ويسميه بعضهم خيار النقيصة، ولا خصوصية للعبد فيما ذكره من الحكم دون بقية السلع، وإنما خصه به لشرفه على غيره من المبيعات، فيكون ما عداه أولى بالحكم، ودليل ما ذكره حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تُصَروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر»، رواه مالك (١٣٩) وأحمد والشيخان، وقوله لا تُصَروا بضم التاء وفتح الصاد من صرى المشدد، والإبل والغنم لقبان فلا مفهوم لهما، فيحرم تصرية البقر أيضا، وإنما لم تذكر لأنها لم تكن كثيرة في الحجاز، والتصرية - ومثلها التحفيل - هي جمع اللبن في الضرع، قيل إنما منعت لما فيها من التدليس على المشتري، وقيل مطلقا لما فيه من إيذاء الحيوان، والظاهر أنها علة مركبة، والحيوان الذي يصر يدعى مُصَراة، وقوله بعد ذلك أي بعد التصرية، وجه الاستدلال به قوله ﷺ إن رضيها أمسكها، وإنما قدر التعويض عن المحلوب بصاع من تمر ليقطع النزاع، كما سبق في تراد الجابي والمزكي إذا لم يوجد عنده السن المطلوب، وهنا قد اجتمع اللبن السابق على العقد مع اللاحق، وبهذا يتبين عدم صواب قول من رأى أن حديث الخراج بالضمان معارض لما في حديث النهي التصرية من إعطاء البائع صاعا من تمر في حال الرد، وأخذ مالك بالحديث يدل على تقديمه خبر الآحاد على القياس الذي يقضي برد القيمة، وقد اشتبه على بعضهم تقديم مالك القواعد العامة والأصول على بعض أخبار الآحاد كما في حديث ولوغ الكلب فظنوا أنه يقدم قياس الأصول على الخبر، وقد درج عليه صاحب المراقي، وليس كذلك، وفي الحديث دلالة على أن بعض البيوع التي

стр. 1644

يخالطها ما نهي عنه قد تصحح إذا رضي بذلك المشتري، ومثل هذا ما دل عليه حديث النهي عن بيعتين في بيعة كما سيأتي. وإنما يكون للمشتري حق الرد بالعيب السابق على العقد أو الحادث في زمن خيار التروي إذا توفر ما ذكروه وهو أمور: - إن لم يطلع المشتري على العيب حين العقد، علم البائع به أو لم يعلم، بيد أنه في حالة العلم به يأثم مع إمكان رد السلعة، ومن هذا القبيل أن يستغل المبيع بعد الاطلاع على العيب استغلالا يدل على الرضا ويختص ذلك بالغلة التي تنشأ من غير تحريك كاللبن والصوف. - أن يكون العيب مما يمكن التدليس به، بخلاف ما ليس كذلك من الظاهر كالعور، والخافي عنهما كباطن الخشبة، فهذا لا كلام في مثله للمشتري. - أن يكون العيب بحيث ينقص من الثمن كثيرا، فإن كان لا ينقص شيئا منه، أو ينقص قليلا، فلا خيار في الرباع والعقار، واختلف في سائر العروض، فقيل له الخيار، وقيل لا خيار له، والخيار في الجميع هو الراجح لأنه الأصل.

стр. 1645

• قوله: ٢٠ - «إلا أن يدخله عنده عيب مفسد؛ فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده و يرد ما نقصه العيب عنده». ويستدل على هذا في الجملة بحديث المصراة المتقدم، إذ إنه في حالة الرد يعطي البائع صاعا من تمر تعويضا عما استهلكه من اللبن، أما هنا فيرجع إلى الأصل، وهو تعويض قيمة العيب الحادث عنده، واجتمع هاهنا العيب الذي كان في المبيع قبل العقد، والعيب الذي لحقه عند مشتريه، فكان للمشتري الخيار بين أن يمسك المبيع ويرجع بقيمة العيب القديم على البائع فيستردها منه، أو يقاصه بها، وبين أن يرد المبيع ومعه قيمة ما نقصه بسبب العيب الذي حدث عنده، وإنما قدم المشتري بأن أعطي له الخيار مع تعارض حقه وحق البائع لأنه لم يحصل منه تدليس ولا كتمان، ولأن عيب البائع سابق، وقبل ذلك لما في حديث المصراة من قول النبي ﷺ عن المشتري: «فهو بخير النظرين»، وقد نص مالك على هذا فقال في الموطإ في باب (العيب في الرقيق): «الأمر المجتمع عليه عندنا أن كل من ابتاع وليدة فحملت، أو عبدا فأعتقه، وكل أمر دخله الفوت حتى لا يستطاع رده فقالت البينة إنه كان به عيب عند الذي باعه، أو علم ذلك باعتراف من البائع أو غيره، فإن العبد أو الوليدة يقوم وبه العيب الذي كان به يوم اشتراه فيرد من الثمن قدر ما بين قيمته صحيحا وقيمته وبه ذلك العيب»، انتهى، وقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل يشتري العبد ثم يُظهَر منه على عيب يرد منه وقد حدث به عند المشتري عيب آخر إنه إذا كان العيب الذي حدث به مفسدا مثل القطع أو العور،،، فإن الذي اشترى العبد بخير النظرين: إن أحب أن يوضع عنه من ثمن العبد بقدر العيب الذي كان بالعبد يوم اشتراه وُضع عنه، وإن أحب أن يَغرم قدر ما أصاب العبد من العيب عنده ثم يرد العبد فذلك له،،،»، انتهى ببعض الحذف، وانظر المدونة أول كتاب التدليس بالعيوب.

стр. 1646

وأنت ترى بأن المصنف قيد العيب الذي يحدث عند المشتري بالمفسد وهو في الموطإ، قالوا وهو المتوسط الذي لا يخرج المبيع عن المقصود كأن تعجف الدابة، ومنه أن تصاب السيارة في جزء من هيكلها الخارجي، أو تتزوج الأمة، بخلاف ما فوت المقصود فإنه يفوت معه الرد، وللمشتري أن يرجع على البائع بأرش العيب القديم. وعليك أن تلاحظ أنهم قالوا يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده، فاحتاج الأمر إلى بيان أن قيمة الشيء ليست هي ثمنه دائما ولا بد، بل قد تختلف عنه بالزيادة والنقصان، فالقيمة هي الثمن الحقيقي للشيء حسب تقويم المقوم، والثمن هو الذي يتراضى عليه المتبايعان سواء زاد على القيمة أو نقص، ولذلك كان من بيع الغرر المردود بيع الشيء على أن يكون ثمنه قيمته قبل تقويمه، لأنها مجهولة، ولينظر هنا كتاب (ضوابط الثمن وتطبيقاته في عقد البيع) (ص ٦٨). وعلى هذا فإن اختار إمساك السلعة قوم العبد سليما ثم بعيبه القديم وأخذ من الثمن فرق ما بين السلامة والعيب، فإذا كان ثمنه سليما ثلاثين، وكانت قيمته بعيبه القديم عشرين رد عليه البائع عشرة، وإن اختار الرد قومت السلعة ثلاث تقويمات: تقوم سالمة من العيب لتعرف نسبة العيب القديم عند التقويم الثاني كي تجعل على البائع، ثم تقوم معيبة بالعيب القديم، ثم يقوم بالعيب الحادث، فإذا كانت قيمة السلعة سالمة (٣٠)، وقيتها بالعيب الأول (٢٠)، واتفق أن كانت هي الثمن المشترى به، وبالعيب الجديد (١٥)، كان للبائع على المشتري خمسة، هي الفارق بين التقويمبن، وللمشتري على البائع عشرة، وهي الفارق بين ثمن السلعة وبين ما نقص بسبب العيب الأول، فيقاصه بخمسة، ويعطيه خمسة، وإلا أخذ كل منهما وأعطى. وقد علمت من المثال أنه اتفق فيه قيمة السلعة سالمة مع ثمنها الذي اشتريت به، أما إن اختلفت عنه، فإنه يؤخذ منه على نسبتها: ثمن السلعة ٥٠ قيمة السلعة سالمة ١٠٠ فيمة السلعة بالعيب الأول ٨٠

стр. 1647

قيمة السلعة بالعيبين ٦٠ الفارق بين القيمة بالعيب الأول والثاني (٢٠) فإذا تمسك المشتري بالسلعة رد عشرة، وهي حاصل ضرب نسبة العيب الذي حدث عنده إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا: ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠ وإن رد المشتري السلعة أعطاه البائع عشرة وهي حاصل ضرب نسبة العيب القديم إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠ وهذه تدقيقات وتكاليفات ما أحسب أن الشرع يأتي بها، وكلام المؤلف واضح.

стр. 1648

• قوله: ٢١ - «وإن رد عبدا بعيب وقد استغله فله غلته». إذا ردت السلعة كيفما كانت بسب العيب كانت غلتها للمشتري إلى وقت فسخ البيع لحديث عائشة ﵁ قالت: «قضى رسول الله ﷺ أن الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣٥٠٨) وحسنه الترمذي، وقد قضى به عمر بن عبد العزيز بعد أن بلغه في مثل ما ذكره المؤلف، وروى أبو داود القصة سبب الورود مرفوعة وضعفها. ومعنى الخراج «الغلة» كما جاء مبينا في رواية أبي داود، قال في النهاية: «الغلة الداخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك»، انتهى، ومعنى الحديث أن الغلة مستحقة بسبب الضمان، فالمبيع إذا كان في ضمان المشتري بحيث يحسب عليه إذا تلف، ويقوم بالإنفاق عليه وبسائر مؤنته كانت غلته له نظير ذلك، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى. قلت: وقد اختلف في غلة المغصوب وسيأتي ذكره، والمراد عندهم الغلة غير المتولدة كركوب السيارة، وكراء الدابة، وسكنى الدار، قالوا وتشمل اللبن والسمن، أما الصوف فما نتج منها بين الرد والشراء فهذا كله للمشتري، واختلف فيما كان من الصوف تاما عند البيع، وفي التمر يشترطه المبتاع، فقال ابن القاسم هو للبائع، فيرده المشتري أو يرد مثله، وقال أشهب هو للمشتري، وهو في شرح زروق، والمذهب أن الولد جزء وليس غلة فيرد، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٦): «وهذا الخلاف إنما هو مع انفصال الفوائد عن المبيع، وأما إذا كانت متصلة وقت الرد وجب ردها بالإجماع. ولا بد في كون الغلة للمشتري من لزوم البيع، فإن لم يكن لازما كبيع الفضولي ونحوه فلا، إلا أن يجيزه من له ذلك، ويشترط أيضا أن لا يكون استيفاء الغلة دالا على الرضا، كما لو استوفاها بعد الاطلاع على العيب، فتكون الغلة له لأن الرد بالعيب لا يقبل حينئذ.

стр. 1649

• قوله: ٢٢ - «و البيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلا قريبا إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة». هذا هو النوع الثاني من الخيار، وهو خيار الشرط، وعرفوه بأنه «بيع وقف بته على إمضاء متوقع»، انتهى، والغرض منه إعطاء المتبايعين أو أحدهما مهلة للتروي، أو الاستشارة، أو اختبار السلعة، فإن كثيرا من الناس لا يحسنون الشراء، ولا يفرقون بين الجيد والرديء، وهو جائز إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام لكون المناجزة فيهما واجبة على ما تقدم، ودليله حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، لفظ مالك في الموطإ (١٣٦٣)، ورواه الشيخان وغيرهما، والغرض من إيراده هنا جملة الاستثناء، وقد ذكر فيه خيار المجلس، ولم يفل به مالك، وقد بين السبب بقوله: «ليس لهذا الحديث عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به»، والحديث مما قيل إن مالكا لم يعمل به لمعارضته بعمل أهل المدينة، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٥٣): «أشار إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت حكما بالشرع بما لا يثبت شرطا في الشرع؟، وهذا شيء لا يتفطن له إلا مالك ﵁، وقد ظن بعض المتوسمين بالعلم من الجهلة أن مالكا إنما تعلق فيه بعمل أهل المدينة، وهذه جهالة»، انتهى، والصواب إن شاء الله هو العمل بما دل عليه من خيار المجلس ومن اطلع على ألفاظه ظهر له أن كل ما قيل في تأويله من أهل المذهب لا ينهض. ويلزم في خيار الشرط أن يضرب المتبايعان لذلك أجلا، فإن لم يفعلا وكان لهم عرف في أمده لا يخالف الشرع حمل عليه، وإلا كان البيع باطلا للغرر، وأحرى لو اشترط الخيار لا إلى مدة معينة، فإن البيع باطل بالإجماع، قال خليل: «وفسد بشرط مشاورة بعيد

стр. 1650

أو مدة زائدة أو مجهولة»، انتهى. وقد بين المؤلف الغرض من خيار الشرط وهو اختبار السلعة أو المشورة أو كليهما، فأما اختبار السلعة فمتفق على الخيار لأجله، وأما المشورة فالمشهور جواز الخيار لأجلها، وعن ابن القاسم منعه لها، والظاهر أن المشتري يتعين عليه أن يقتصر على ما يتحقق به الاختبار، ولا يجوز له أن يستغل المبيع فيما وراء ذلك. أما مدة الخيار فتختلف عندهم باختلاف السلعة، لأن المقصود تحقق الغرض الذي لأجله شرع الخيار على خلاف الأصل، فللثوب اليوم واليومان، وللدابة إلى الثلاثة، وفي الرقيق الأسبوع، وفي الدار الشهر والشهران، وفيما يسرع إليه الفساد إن حصل يراعى ما لا يلحق الضرر فيه بالبائع. وإنما قالوا بذلك لأن الحديث كما ترى ليس فيه تحديد للمدة، فترجع إلى الاجتهاد، لكن قد تقدم إثبات الخيار في المصراة إلى ثلاثة أيام، وجاءت الثلاثة أيضا في قول النبي ﷺ : «إذا بايعت فقل لا خلابة»، رواه مالك (١٣٨١) وأحمد والشيخان عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال رسول الله ﷺ : فذكره، فكان الرجل إذا بايع يقول: «لا خلابة»، وقد جعل له الخيار في كل سلعة ابتاعها ثلاث ليال إذا خدع، لكن حديث المصراة أولى أن يعتمد عليه، لأن الغرض اختبار المشتري الشاة حتى يعرف درها الحق مما نتج عن التصرية المدلس بها عليه، فيتجه لهذا الاعتمادُ عليه، ويكون الاجتهاد في الأمد الذي تختبر فيه السلعة، والله أعلم.
следующие страницы →