Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2766–2782 · переход к 2771.
стр. 2766
• قوله:
١٧ - «وقال النبي ﵇ في رجل تعلم أنساب الناس: علم لا ينفع وجهالة لا تضر»
قال في مسالك الدلالة: «هذا رواه ابن عبد البر في العلم، وبعد أن أورد لفظه، وما قاله ابن عبد البر من أن فيه راويين لا يحتج بهما، وهما سليمان وبقية، وأنه إن صح كان معناه أنه علم لا ينفع مع الجهل بالآية المحكمة والسنة القائمة والفريضة العادلة، قال: «وكأنه في شك من بطلان هذا الحديث الذي تلوح عليه لوائح الوضع»، انتهى، ومن قرأ لفظ الحديث تبين أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، بل إنه مشتمل على علامات الوضع، لكن علم الأنساب إذا خلا مما يخرجه عن مكانته إلى المحذور منه، ولم يكن مجرد تخرصات وظنون فإنه لا ضير فيه.
стр. 2767
• قوله:
١٨ - «وقال عمر: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم».
روى نحو هذا الأثر البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر: «تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه».
وإنما عطف صلة الرحم على معرفة النسب لأن الصلة لا تكون إلا بتلك المعرفة، وهذا يعطي أن معرفة القدر الذي يصل به المسلم رحمه واجب لأنه وسيلة إلى الواجب فيعطى حكمه، وداخلة الرحم هي رابطة الرحم سميت كذلك لأنها أمر خفي، ومعنى أوزعه منعه ودفعه، والله أعلم.
стр. 2768
• قوله:
١٩ - «وقال مالك: وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء».
إذا رفع المرء نسبه إلى ما قبل الإسلام أو إلى أجداده الكفار يفتخر بذلك فهذا لا شك في تحريمه، لأنه من الاعتزاز بأهل الشرك، والافتخار بأهله، لأن الفخر بالدين لا بالكفر كما قال التتائي ﵀.
قلت: الفخر مذموم، لقول النبي ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن عياض بن حِمار، وقل النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد وغيرهما عن غيره، ومعنى قوله: «ولا فخر»؛ ولست أفخر بهذا الذي قلته، لأنه حق ينبغي أن يعلم، لا كما قال بعض أهل العلم ولعله الخطابي ﵀ إن معناه ولا فخر أعظم من هذا، وإن كان ذلك حقا لكن لا يقوله النبي ﵌، فما ذا يقول الذين يسمون أولادهم بأسماء الكفار كيوغرطا وماسينيسا وغيرهما؟.
стр. 2769
• قوله:
٢٠ - «والرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليثفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى، ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه».
تقدم كلام المؤلف على الرؤيا، وقد التمس بعضهم وجها للتكرار، وهو كونه ذكر هنا وصف الصالحة ولم يذكره فيما تقدم، وقيل كرره ليستكمل ما فاته من الكلام على الرؤيا وهو تفسيرها.
والإقدام على تفسير الرؤيا من غير علم محرم، بل هو أشد من الإفتاء بغير علم، لأنه وإن اشرك الأمران معا في القول على الله بغير علم، وهو أصل الشرور كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، إلا أن الرؤيا بما كانت جزءا من علم النبوة وهو وحي مرتبط بالغيب كانت أخص في هذا الأمر، ولأن فيها تغريرا بالرائي، إذ إنها كما يكون فيها التبشير يكون فيها الإنذار، فإن عبرها من غير علم؛ فات الرائي ما فيها له من خير يستبشر به، وما يكون له فيها من وعظ وزجر يعتبر به فيتوب، وكذلك إن غير ما يعلمه من التعبير بحيث تكون الرؤيا شرا فيقول خلاف ذلك.
والصواب إن علم خيرا أن يقوله، وإن علم غير ذلك قال خيرا إن شاء الله، أو سكت، وما جاء من قول النبي ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي رزين العقيلي، فقد حمله بعض أهل العلم ومنهم البخاري على ما إذا أصاب معبر الرؤيا الأول، وهذا توجيه طيب حسن، والله أعلم.
ولا يصح أن يقص المرء رؤياه إلا على عارف بالتعبير أو ناصح، ولا يجوز له أن يقول ما لم ير لقول النبي ﷺ : «من تحلم بحلم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين ولن
стр. 2770
يفعل … الحديث، رواه البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وقوله تحلم معناه تكلف الحُلْم، وهو بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يرى في المنام، أي ادعاه من غير أن يراه، والحُلُم بمضمومتين البلوغ.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أفرى الفرى أن يري عينه ما لم تر»، رواه البخاري، والفرى بكسر الفاء جمع فرية هي الكذبة، أي أن هذا من أعظم الكذب، وقوله «أن يري عينه ما لم تر»، هو كناية عن قوله رأيت عما لم يره.
стр. 2771
• قوله:
٢١ - «ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به».
إنشاد الشعر ذكر شعر الغير، ولا بأس به إذا لم يغلب على المرء، وكان في حق كالنصرة، وتدارس العلوم، والاستشهاد للغة، وقد تقدم الكلام عليه في أثناء الحديث عن الغناء، وإنشادِ الشعر في المسجد، أما نظمُ الشعر فكذلك إذا كان لنصرة الحق، والحث على الخير، وتدوين العلم، لأن النظم أيسر في الحفظ.
لكن نظم المؤلفات المنثورة لا حاجة إليه، لأن النثر أقرب وأيسر للفهم، فإذا نظم احتاج إلى شرحه أكثر من حاجة النثر لذلك، فإن مجال القول في النظم ضيق، لحاجة متعاطيه إلى الاقتصار والاختصار، فلنشتغل بأمر آخر، ولنترك هذا الترف الفكري كما أسميه.
ومهما يكن فإن الإكثار من الاشتغال بالشعر خلاف الصواب لأن غالبه مبالغات فيفضي بمن غلب عليه إلى ما لا تحمد عقباه، ويشغبه عما ينبغي أن يشاغل به.
стр. 2772
• قوله:
٢٢ - «وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقه في ذلك والفهم فيه والتهمم برعايته والعمل به».
من العلوم ما هو شرعي بمعنى أن معرفة الشرع متوقفة عليه، ومن هذا ما هو مقاصد، ومنه ما هو وسائل، وأولى علوم الشرع التي هي مقاصد معرفة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة، وتدبيره لشؤون خلقه، وتربيته لهم، بنعمه وبرسالاته، ثم معرفة ما يجب الإيمان به من الملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر، يعرف ذبك مجملا ويؤمن به، ويما أمكنه من تفاصيله، فمعرفة هذا مما لا بد منه لكل مكلف، ومن لم يحرزه كان في دينه على شفا شرف هار، ولم تنفعه بقية المعارف مهما كثرت، ولو كانت علوما شرعية.
والمسلمون في هذا العصر مفرطون في هذا القسم تفريطا عظيما، ولذلك حصل بينهم الاختلاف والنزاع فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد بدأ المؤلف بالكلام عليه، بذكر ما أمر الله به وما نهى عنه، من الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات، ولا شك أن معرفة خطاب الشرع على الوجه المطلوب لا بد معه من العلوم التي هي آلة لفهم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وهي علوم العربية من نحو وصرف وبيان، وكذا معرفة ما يتم به الاستنباط وهو علم أصول الفقه، وما يعرف به صحيح الأخبار من سقيمها، وهو مصطلح الحديث، فهذا هو أولى العلوم وأفضلها عند الله.
والعلم بالشرع عموما عقائد وأحكاما وسلوكا هو الذي دعا به رسول الله ﷺ لحبر الأمة عبد الله بن عباس إذ قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»، وقال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وسلف هذه الأمة كانوا في غنى عن كثير من العلوم التي هي وسائل لسليقتهم العربية، وقربهم من عهد النبوة، ثم قامت الحاجة إلى تلك العلوم الوسائل للأسباب المعروفة.
والعلم بالشرع هو الذي ينطبق عليه قول النبي ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم»،
стр. 2773
والفرض منه هو القدر اللازم لكل مسلم حتى يصح إيمانه، ويعتبر عمله، غير أن منه ما يشترك فيه جميع المسلمين، ومنه ما يختص بمن يريد أن يقوم بعمل يجهل حكمه، فلا يقدم عليه حتى يعلم حكم الله فيه، فهذا العلم بقسميه هو الذي ينبغي أن يحرص المسلمون كلهم عليه حفظا وفهما وعملا، فإن العلم لا يراد لذاته، بل لِيُعْمَلَ على وفقه، وقد قال الله تعالى: «فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»، فلأجل حفظ العلم بالكتاب المنزل والسنة التي هي بيان له الصادرين عن النبي ﷺ منع أن يخرج الناس كلهم للجهاد، وجعل غاية ذلك النقل للعلم وتبليغه العمل ممثلا في الحذر من مخالفة الشرع بترك المأمور، وفعل المحظور، ولذلك ختم المؤلف بقوله: «والعمل به»، فإن ثمرة العلم العمل، وقد كان السلف يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به.
إذا علمت هذا فاعجب لبعض من تبوأوا مناصب عالية في دولة الجزائر لم يجدوا ما يذكرونه فيما لا ينبغي أن يتنافس الساسة في تعليمه إلا الوضوء والصلاة، والصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين، والطهارة شرط صحتها باتفاق المسلمين، وهي شطر الإيمان، كما في الحديث، وكثير من حكام المسلمين صاروا يشككون في المعلوم بالضرورة من الدين، وقد تنبئ الأقوال عن دخائل النفوس، ومن النفاق ما يعلم بلحن القول، ومنه ما لا يعلم كما قال الله تعالى «لا تعلمهم نحن نعلمهم»، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها، وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عماله يقول لهم وهو في الموطإ: «إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع»، فهلا سكت هذا القائل فستر بعض عيبه؟، ويحهم، يتنافسون في تعليم الناس الرقص والغناء والعري وشرب الخمر والاختلاط والزنا وإنفاق الأموال في الوجوه المحرمة، وما يسمونه زورا بالثقافة، ثم يمثلون بالصلاة والوضوء لما لا يجوز أن يتنافس الساسة في تعليمه، ثم يأتي من يرد هذا الباطل فيتبرأ في وسائل الإعلام من تعليم الناس ذلك كأنه منكر من النكرات، ليقول نحن إصلاحيون، ففيم يقع التنافس أيها الناس إن لم يكن في طاعة الله، وما مصالح العباد المشروعة بخارجة عن حيز الطاعة لو استقام النظر، واتسقت الفِكَر.
стр. 2774
• قوله:
٢٣ - «والعلم أفضل الأعمال».
العلم مقدم على العمل لأنه طريق ووسيلة إليه، وبمقدار العلم بالله تكون خشيته، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقال النبي ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، رواه البخاري عن أنس ﵁، والمؤلف إنما أراد بالأعمال فيما يبدو ما ليس فرضا، إلا أن يكون فعل الفرض متوقفا على العلم به ومعرفته؛ فيقدم على العمل، لأنه لا سبيل إلى فعل الفرض إلا بذلك، فالمحافظة على حلقة العلم مقدمة على الصلاة على جنازة وجد من يقوم بها من غير أن يؤدي ذلك إلى ترك الحضور باستمرار.
وقد روى ابن عبد البر عن محمد بن سيرين قال: «إن قوما تركوا طلب العلم ومجالسة العلماء وأخذوا في الصلاة والصيام حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة فهلكوا وسفكوا دماء المسلمين، فو الذي لا إله غيره ما عمل أحد عملا على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح»، انتهى.
قال الحميدي ﵀
من لم يكن للعلم عند فنائه … أَرَج فإن بقاءه كفَنائه
بالعلم يحيى المرء طول حياته … وإذا انقضى أحياه حسنُ ثنائه
стр. 2775
• قوله:
٢٤ - «وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة والعلم دليل الخيرات وقائد إليها».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]، فحصر الخشية فيهم، فمن لم يخش الله تعالى فإن علمه لم يجاوز لسانه، وإنما شرف العلم لأنه وسيلة إلى معرفة الله، ومعرفة أمره ونهيه ليمتثلا طمعا في رحمته، وخوفا من بطشه وانتقامه، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إياكم والمنافق العليم قالوا: وكيف يكون المنافق عليما»؟، قال: «عليم اللسان، جاهل القلب والعمل»، وكان السلف يقولون: «اتقوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون».
أما أن العلم دليل إلى الخيرات كما ذكر؛ فلأنه لا سبيل إلى معرفتها إلا به، ولذلك جاء في الحديث: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله طريقا من طرق الجنة … الحديث، رواه أحمد والأربعة عن أبي الدرداء.
لكن هذا إنما يحصل لمن انتفعوا بالعلم ممن بلغ قلوبهم، وزكى نفوسهم، وامتلك عليهم عواطفهم، فغدا لهم رائدا قائدا، ووازعا رادعا، وقد قال النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع»، رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو، ورواه غيرهما عن غيره.
стр. 2776
• قوله:
٢٥ - «واللجأ إلى كتاب الله وسنة نبيه واتباع سبيل المؤمنين وخير القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم».
معتمد المسلمين في معرفة دينهم إنما يكون على هذه الأمور الثلاثة التي هي كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وإجماع علمائهم، في أي عصر من العصور، على أمر من الأمور، فهذه الأصول الثلاثة لم يختلف المسلمون في الرجوع إليها، وإن اختلفوا في بعض تفاصيلها، كالأخذ بالقياس على ما ثبت بواحد منها، فمن التجأ إليها، واعتمد عليها، ولم يخرج عنها، وعمل حسب المستطاع بمقتضاها؛ نجا، لأنه امتثل أمر الله تعالى في قوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]، واجتنب ما توعد الله تعالى به من خالف ذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
ولا شك أن أولى طبقات هذه الأمة بمعرفة الحق والقيام به هم أصحاب سيدنا محمد ﷺ ، فهم أولى أن ينطبق عليهم قول الله تعلى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]، حتى إن ابن عباس ﵄ فسرها بأن المراد منها المهاجرون قبل الفتح، وإن كان الصحيح أنها تعم كل أجيال هذه الأمة التي هي مثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره كما جاء عن النبي ﷺ ، وقال النبي ﷺ : «أنتم موفون ثلاثا وسبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، رواه الترمذي وغيره عن معاوية بن حيدة، ولأن طائفة منها لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله، وقد بلغ هذا الخبر عن النبي ﷺ مبلغ التواتر.
стр. 2777
والمقصود أنه لا بد من مراعاة ما كان عليه الصحابة عموما والخلفاء الراشدون خصوصا، فقد امتدحهم الله تعالى وأثنى عليهم في كتابه وأوصى بهم رسوله، وبين أن النجاة فيما كان عليه هو وهم، وأخصهم من خلفه في أمته ممن نص على خلافتهم في حديث سفينة حيث قال: «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك»، رواه أحمد والترمذي وعيرهم، وقد أمر باتباع سنتهم وذكرها معطوفة على سنته، فيعتمد عليهم في فهم كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وترك الخروج عما أجمعوا عليه، فإن إجماعهم هو الذي حظي بالإجماع.
وما قاله بعض أهل العلم من المحدثين في هذا العصر من أنه لا بد من ضميمة يعتمد عليها في فهم نصوص الكتاب والسنة وهي فهم السلف ليس مما يستغرب، وإنكاره هو المستغرب، وقد قال النبي ﷺ وهو يبين الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي»، ولا شك أنه لا يريد بذلك حال أصحابه في حياته، فإن الإجماع في حياته لا يحتاج إليه كما هو معلوم في علم الأصول، والخيرية التي شهد بها النبي ﷺ للقرون الثلاثة على الترتيب تشمل هذا المعنى، وهي كونهم كانوا على الحق، فمن جهل سبيلهم زل، ومن خالفها غوى وضل.
ولهذا المعنى عني أهل العلم منذ القرن الثاني بنقل أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم وسلوكهم فيما يعرف بالمصنفات كمصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وموطإ مالك وغيرها من الكتب، وأدخل أهل الحديث في علم مصطلحه الموقوفات على الصحابة والمقاطيع على التابعين ومن دونهم، وعني أهل التفسير كالطبري وابن أبي حاتم وغيرهما بنقل أقوالهم في تفسير القرآن.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٩٨): «فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنه فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم؛ فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة، سواء. كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم»، انتهى.
وقال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٧٨): «وقوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه»، أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرا ما سبقنا
стр. 2778
هؤلاء إليه، يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية، وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بينا، كما قال تعالى: «وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا»، أي يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟، ولهذا قالوا: «لو كان خيرا ما سبقونا إليه»، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة هو بدعة، لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها»، انتهى، أما التشغيب على هذا بذكر ما يتجدد للناس من مرافق ووسائل واصطناعها ممن يتمسك بهدي السلف، واعتبار ذلك منه تناقضا مما لا يروج إلا على البله، ولا يعتمد عليه إلا الجهلة، أو مرضى القلوب، والمهتدي من هداه الله.
стр. 2779
• قوله:
٢٦ - «والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله».
ختم المؤلف ﵀ مصنفه بهذا الثناء على الله تعالى، كما ابتدأه بذلك، وقد قال سبحانه بعد ذكره دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: «وقيل الحمد لله رب العالمين»، فذكر أن الخلق كلهم من أهل الدارين يلهجون بحمده وبالثناء عليه، فلهذا أثنى على ربه في خاتمة كتابه لأنه هو الذي يسر له ما دَوَّنَهُ من هذه الرسالة النافعة، ولولاه ما اهتدى إليها، ولا قدر على كتابتها.
وما ذكره هو ثناء أهل الجنة على الله إذا صاروا إليها، حمدوا الله على أن هداهم إلى الأعمال التي أهلتهم لفضله وإحسانه، فعالنوا بمحض كرمه عليهم وامتنانه، فيما صاروا إليه من نعيمه ورضوانه، وازدادوا يقينا بأن ما جاءت به رسل الله هو الحق، فلما استيقنوا ذلك وفقهوه، وأقروا به وعلموه، وتبرؤوا من أن يكون لهم دخل فيما أُورثوه؛ نوه الله تعالى بأعمالهم، وربط بها مصائرهم وجزاءهم، فنودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون.
فيا أيها الناس لا تَعْتَدُّوا بشيء من أعمالكم، فإن أهل الجنة يرى الواحد منهم مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرا، وإن أهل النار يرى الواحد منهم مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني، فيكون عليه حسرة، لو أن ربكم عذب أهل السموات والأرض لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين.
стр. 2780
• قوله:
٢٧ - قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا، مما ينتفع به إن شاء الله من رغب في تعليم ذلك من الصغار، ومن احتاج إليه من الكبار، وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه، ويعمل به من فرائضه، ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه، ومن السنن والرغائب والآداب، وأنا أسأل الله أن ينفعنا وإياك بما علمنا، ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال كاتبه عفا الله عنه: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وجزى الله خير الجزاء أبا محمد بن أبي زيد القيرواني فقد وفى بما شرط، وغفر الله لأخيكم هذا فقد اجتمع فيه القصور والتقصير عما كان يريد وقت شروعه في كتابة هذه العجالة، فلم يبلغ فيها مراده، ولا وفى بما نواه وقصده، والنقص سمة الإنسان، كان يؤمل ما هو خير مما كتب، مع أن الذي تحقق هو محض فضل من الله، فلولاه ما اهتدينا، ولا صمنا ولا صلينا، ومما يهون على المرء هذا ما هو عليه من الضعف الذي لا يذكره، وأسأله سبحانه أن يمتعني بسمعي وبصري وقوتي ما أحياني، وأن يهديني إلى تسخيره فيما يرضيه عني ويصلح به شأني، وأشكو إلى الله تعالى ما عليه محيطنا من عدم الملاءمة، وأحسن أحواله المتاركة والمسالمة، أقدمت على هذا العمل وبعض الناس يشككون في المراد منه، حشرني بعضهم في متعصبة المذاهب، وصنفني آخرون فيمن أفسدوها، وقال بعضهم وهابية تدثر مريد نشرها برسالة ابن أبي زيد، وأفتى آخرون بمنع رسالة لي اسمها كيف نخدم الفقه المالكي وغيرها، وكتب جماعة الإصلاح أصلح الله حالنا وحالهم بيانا ظالما كالوا فيه التهم جراء رسالتي المسماة بالجمعيات من وسائل الدعوة إلى الله، وود بعضهم مصادرة هذه الكتب لو كان
стр. 2781
حاكما، فأحرق بعض الناس نسخا منها في ساحة بابا علي بمعسكر طاعة للمفتي، وما قدره الله هو الذي يكون، وما دفعني إلى كتابة هذا إلا حبي للعلم وأهله، فعسى أن يحشرني الله في زمرتهم، أنا أحبهم وإن كنت لا أدانيهم، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم»؟، فقال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب»، رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁، وإذا أمد الله في العمر فسأتدارك في طبعة مقبلة إن شاء الله ما قد يكون في هذا السِّفْر من أخطاء، وما ذهب إليه وهلي فيه من أوهام، وما لاحظته في مواضع منه من عدم الترتيب، لطبيعة المصنف الذي أشرحه بما فيه من التكرار.
وإني أشكر إخواني الذين قرؤوا الكتاب، فذكروا من استفادتهم منه ما شجعني، وغضوا أعينهم عن نقصه والخلل الذي فيه، لما فطروا عليه من الخير الذي هو عادة، ووقاهم الله تتبع النقائص وهو من الشر الذي هو لجاجة، وكل إناء ينضح بما فيه، مع أن بعضهم نبهني إلى ما وقف عليه مما فاتني، فجزاهم الله خيرا.
ثم إني أذكر والدي الذي جعله الله سببا في وجودي، ورباني بخلقه، وسلوكه، أكثر بكثير مما رباني بقوله، لم أسمع كثيرا من أمره ونهيه، أذكر أنه كان يوقظني في أثناء الليل آمرا إياي بتلاوة ما كنت قد حفظته من القرآن، وعمري دون العشر، فأستجيب له، حتى إذا علمت أنه قد نام نمت ثم يعود فيوقظني، وقد ذكر لي مرارا أنه رأى النبي ﷺ في منامه، وكان يستبشر بذلك ويكتمه، كما كان يذكر ما رآه في المنام عني فيفرح به، كان يؤولها أن محيطه الذي هو فيه وقد طال أمد إجدابه ستظهر فيه خضرة، والخضرة كيفما كانت في الفضاء المجدب تستحسن، وقد جلب إلى داره من المغرب الأقصى من تلقيت عنه بعض القرآن أنا وبعض إخواني ومن كان قريبا من الولدان، وقد كان محافظا على الصلاة وعلى الزكاة، صبورا وهو في البادية على الطهارة وإسباغ الوضوء على المكاره وقت البرد، غالب أحواله أن يراقب طلوع الفجر ولا يكتفي بالساعة، وقد كان لا يملكها يومئذ إلا القليل، سؤولا عما يحتاج إليه من دينه، عاملا بما يعلم منه، يحب أهل العلم وإن لم يكن منهم، وقد توفي بعد استعادة الاستقلال بأزيد من اثنتين وعشرين سنة فما رغب في الحصول على شهادة الجهاد، مع أنه عمل أزيد من خمس سنين في الثورة وسجن، وهدمت داره وديار إخوته، وسجنت أمي من بعده، وقد أطلق عليه الرصاص عن قرب أكثر من مرة في كمائن نصبت له حتى ظن جنود الكفار
стр. 2782
وأعوانهم أن معه شيئا يمنع نفوذ الرصاص فيه، لكن أسفه كان كبيرا على ما آل إليه الأمر في هذه البلاد بعد الثورة الجهادية التي حاد بها من استولوا على زمام الحكم بعد استعادة الاستقلال عما قامت من أجله، وقد أبى أن يدخلني المدارس في عهد الاستدمار لاعتقاده كما كان يقول أن الدولة التي ستقوم في الجزائر هي دوله القرآن، فلم أجلس في مدرسة إلا بعد أن بلغت ست عشرة سنة وإتمام حفظ القرآن الكريم بمدينة بلعباس عام (١٩٦٥)، فاللهم اغفر له وارحمه، وارحم آباءنا وأمهاتنا وأولي أرحامنا وشيوخنا وغيرهم من المؤمنين والمؤمنات، واجز خير الجزاء زوجتي أم عبد القادر، فقد كان لها الأثر الحميد في كل ما كتبت، بما أسدت إلي من خدمة تجاوزت المعتاد، فهي شريكة لي فيما عسى أن يكرمني ربي به من أجر، وجزى الله سائر أفراد أسرتي وإخواني وأبنائي من أهل معسكر وغيرها وأئمة المساجد ممن تدارست معهم بعض كتب العلم خلال إقامتي فيهم، وقد أربت على خمس وثلاثين سنة، فنفعوني أكثر مما نفعتهم، وقد خدموا السنة في خفوت وسكوت، وأدعو ربي في ختام هذا الشرح بهذا الدعاء الوارد عن النبي ﵌ وعلى جميع أنبياء الله ورسله: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة، وفتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
وقد فرغت من إجالة النظر في هذا الكتاب وتنقيحه وتصحيح أخطائه وإصلاح ما يسر الله إصلاحه مما فيه من خلل يوم السابع والعشرين من شهر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وألف، أحسن الله خاتمتنا وغفر زلاتنا والحمد لله رب العالمين.