Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
• قوله:
٠٩ - «وكان ﵇ يكره سيء الأسماء، ويحب الفأل الحسن».
سيء الأسماء كمُرَّة وحنظلة وحرب وحزن وكلب وجذام، ومما ينبغي أن يجتنب اختصار الاسم بحيث يصبح محرفا كما يقال حميمد وحمو وحمي ومحند وعليلو،
وعبدَ قَّ.
وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد مرسلا أن رسول الله ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل فقال رسول الله ﷺ : «ما اسمك»؟، فقال له الرجل: «مرة»، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال له: «ما اسمك»؟، قال: «حرب»، قال: «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال رسول الله ﷺ : «ما اسمك»؟، فقال: «يعيش»، فقال له: احلب»، ورواه الطبراني موصولا من حديث يعيش نفسه وقال الهيثمي إسناده حسن، و «اللقحة بكسر اللام وفتحها الناقة قريبة العهد بالنتاج، والجمع لقح»، كذا في النهاية.
وتغيير الأسماء القبيحة أو التي فيها تزكية أو تجبر وتكبر ثابت عن النبي ﷺ في وقائع عدة فهو من المتواتر المعنوي عنه، يدل عليه قول أم المؤمنين عائشة: «كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن»، رواه الترمذي، وهو في الصحيحة للألباني برقم (٢٠٧).
ومن ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عنه أنه ﷺ غير اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة».
وسأل أبا أسيد عن اسم ابن له جاء به إليه فقال: فلان، فقال: «ولكن اسمه المنذر، وهو في صحيح البخاري عن سهل.
وقدم عليه جد سعيد بن المسيب، فقال: «ما اسمك»؟، قال: «اسمي حزن»، قال: «بل أنت سهل»، قال: «ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي»، وفي رواية: «السهل يوطأ»، قال ابن
стр. 2732
المسيب: «فما زالت الحزونة فينا بعد»، رواه البخاري.
وكان اسم كل من زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبته برة، فغيره النبي ﷺ لما في برة من التزكية.
ووفد عليه جماعة فسأل أحدهم عن اسمه، فقال: أصرم»، فقال رسول الله ﷺ : «بل أنت زرعة»، رواه أبو داود عن أسامة بن أخدرى.
وغير اسم رجل يدعى أبا الحكم، إلى أبي شريح، وقال: «إن الله هو الحكم».
وقال: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.
وقال ﷺ : «أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة من تسمى بملك الملوك، لا مالك إلا الله»، رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
وقال ابن الحاج في المدخل بالنقل عن شرح زروق: «إن إبليس أتى أهل المشرق فوجدهم أهل نفخة وكبر فأحدث لهم فلان الدين، وشمس الدين، وشهاب الدين، وبرهان الدين، فتركوا بها الأسماء المعظمة من محمد وأحمد وإبراهيم وغير ذلك من الأسماء التي لها شرف شرعا، وجاء أن من تسمى بها شفع له النبي ﷺ المسمى بها، وصاروا يتبرؤون حتى إن أحدهم لو دعوته باسمه كانت مصيبة لا انتعاش لها، وهذا أمر عظيم أعاذنا الله منه، وجاء إلى المغاربة فوجدهم أهل مسكنة فأبدلهم من أسمائهم ما يناسب حالهم، فقالوا لمحمد حمو، ولأحمد حدو، ولعبد الله عبو، ولعبد الرحمن رحو، ولعبد الصمد عصو، ولعبد الكريم عكو، إلى غير ذلك مما يكره لفظا، وربما حرم بعضه، نسال الله العافية بمنه وكرمه»، انتهى.
وما قاله عن تلك الأسماء كثير في المغاربة، وهو خلاف الصواب، وقد غلب اليوم على فئة من الناس ترك الأسماء إلى الكنى، وصفات الكبر والفخر مذمومة مهما كانت الجهة التي ظهرت فيها، وما أحسب أنها مقصورة على المشارقة، ولا التواضع مقصور على المغاربة.
والفأل مهموز وجمعه فؤول وأفؤل، وفي الدارج عندنا الفال بالمد، وهو مما أولع
стр. 2733
الناس به تخفيفا كما في لسان العرب، وجعله في النهاية لما يسر ويسوء، وفيه نظر.
فأما قوله ﷺ : «لا طيرة وخيرها الفأل: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم»، رواه أحمد مسلم عن أبي هريرة، وهكذا قوله: «العين حق، وأصدق الطيرة الفأل»، فإنه لا يدل على ذلك، قال الطيبي بالنقل عن فتح الباري: «قد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهذا مبني على زعمهم، وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم، حتى لا يشمئز عن التفكر فيه، فإذا تفكر فأنصف من نفسه قبل الحق، فقوله: «خيرها الفأل»، إطماع للسامع في الاستماع والقبول … »، انتهى، أقول المقصود من الربط بينهما أن المذموم أن يعلق المرء فعله أو تركه على التطير فيحجم أو يقدم، فأما الفأل فبخلاف ذلك فهذا وجه الجمع بينهما، وفي اللسان الفأل ضد الطيرة، فهذا هو الصواب.
وقد قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح الكلمة الحسنة»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس، فنفى كلا من العدوى والطيرة، فلا يصح أن يعتقد المرء أن العدوى تعمل بنفسها، من غير تقدير الله ذلك، لكن هذا لا يمنع من أخذ الأسباب والابتعاد عن مخالطة المصاب بما يعدي، كما تقدم في حديث عبد الرحمن بن عوف في النهي عن دخول الأرض التي بها الطاعون، وكما في نهيه ﷺ أن يورد ممرض على مصح، وأمره بالفرار من المجذوم، وكذلك الطيرة؛ لا يجوز للمؤمن أن يتطير، فإن حصل له ذلك فعليه أن يمضي، فدواء الظن أن لا يحقق ودواء التطير المضي، ودواء الحسد الاستغفار.
ومثل هذا ما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي رواه مسلم وأبو داود، وفيه قوله يسأل النبي ﷺ : «ومنا رجال يتطيرون»؟، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم»، أما إن سمع كلاما طيبا فتفاءل فلا بأس، لكن لا يتعمد فعل شيء لأجل التفاؤل، فقد عده بعضهم من الاستقسام بالأزلام، قال أبو الحسن: مثاله إذا خرج لسفر او عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم، أو يا سالم، أما إن قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام»، انتهى، وقال علي العدوي: «وفي معنى هذا مما لا يجوز فعله استخراج الفأل من المصحف، فإنه نوع من الاستقسام بالأزلام، ولأنه قد
стр. 2734
يخرج له ما لا يريد فيؤدي ذلك إلى التشاؤم بالقرآن»، انتهى.
ومما نفاه النبي ﷺ ما في قوله «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»، رواه البخاري معلقا مرفوعا عن أبي هريرة، ونحوه في الموطإ بلاغا عن ابن عطية مرسلا، وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا: «لا عدوى، ولا صفر، ولا غول»، فأبطل بهذا جملة مما كانت العرب تعتقده، والصفر ما كانت العرب تزعمه من وجود حية في البطن يقال لها الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وقيل ذلك إبطال لما كانت عليه العرب من النسيء فتجعل شهر صفر شهرا حراما، تستبدله بالمحرم، ومن ذلك أنهم كانوا يعتقدون وجود الغول جمعه غيلان، يزعمون أنها في الفلوات تتغول أي تتلون وتتبدل كما قال كعب بن زهير عن سعاد: «كما تلون في أثوابها الغول»، فنفى النبي ﷺ وجودها، وقيل إنما نفى أن تكون لها القدرة على إضلال الناس، ومما يؤسف له أن بعض الناس يخوفون أطفالهم إلى اليوم بالغول كي يسكتوا أو يكفوا عن مطالبتهم بشيء ما، وقد زعم بعض العرب أنه لقي الغول فقتله ليبرهن على شجاعته فقال:
فمن ينكر وجود الغول إني … أُخَبر عن يقين بل عيان
بأني قد لقيت الغول تهوي … بسَهب كالصحيفة صَحصحان
فأَضربها بلا دهَش فخرت … صريعا لليدين وللجران
стр. 2735
• قوله:
١٠ - «والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين».
الموضع المناسب لهذا هو ما سبق من الكلام على العين، وقد قال النبي ﷺ : «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق»، رواه ابن عدي والطبراني والحاكم عن عامر بن ربيعة كما في صحيح الجامع، وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا: «العين حق تستنزل الحالق»، والحالق هو الأمر المهلك، فالعين سبب فيه، وجاء الأمر بالاغتسال فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال النبي ﷺ : «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا»، ومعنى أن العين حق أنها شيء موجود، وأن نظر الناظر إلى الشيء قد يتسبب في إلحاق الضرر به، ومعنى ولو كان شيء سابق القدر … أن العين من جملة القدر، فالمقصود المبالغة في بيان الضرر الذي يُلحقه العائن بالمعين، فإذا كانت هي لا تسبق القدر فغيرها أولى أن لا يسبقه، ويترتب على ذلك أن يلجأ المرء إلى ما يحصنه مما شرعه الله تعالى، وأن يلتزم العائن الشرع فيقول: تبارك الله، فإن عان غيره وطلب منه أن يغتسل فعل.
وكيفية اغتسال العائن التي ذكرها المؤلف جاءت في حديث سهل بن حنيف الذي رواه مالك وأحمد أن النبي ﷺ خرج وسار معه نحو مكة، وفيه أن سهلا اغتسل، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة!!، فلبط سهل، فقيل له يا رسول الله: «هل لك في سهل؟، والله ما يرفع رأسه»، فقال: «هل تتهمون فيه من أحد»؟ قالوا: «نظر إليه عامر بن ربيعة»، فدعاه رسول الله ﷺ فتغيظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت»؟، ثم قال: «اغتسل له»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه
стр. 2736
وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه، يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس».
وداخلة الإزار يحتمل أن تكون كناية عن الفرج، ويحتمل أن يكون المراد بها ما يلي الجسد منه، وهذا هو المناسب، والله أعلم، وفيه إثبات العين، وأنها قد تصل إلى أن تكون سببا في القتل، وأن قول العائن تبارك الله مانع من ضررها، وفيه مشروعية الاغتسال متى طلب من العائن ذلك، ولا يبعد أن يقال بمطلوبيته إذا لم يعلم به وقد قيل إنه واجب، وهو مشهور المذهب، ويجبر عليه العائن إن خشي على المعيون الهلاك، وهو ظاهر الأمر، وقيل إنه مستحب، وقال ابن العربي عن الكيفية: «إن توقف فيه متشرع قلنا له الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة، وصدقته المعاينة»، انتهى.
وقال ابن القيم: «هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شك فيها، ولا من فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما يفعل بالخاصة، فما الذي ينكر جهلتهم من الخواص الشرعية؟، هذا مع أن المعالجة بالاغتسال مناسبة، لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن، فكأن أثر تلك العين شعلة نار وقعت على جسد المعيون، ففي الاغتسال إطفاء لتلك العلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شيء أرق من العين، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما للأرواح الشيطانية في تلك المواضع»، انتهى.
стр. 2737
• قوله:
١١ - «ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك».
المراد بالنظر في النجوم المنهي عنه الخوض فيما يستدل به من حركاتها ومواقعها على حصول أمور غيبية، ومنه ما ينشر في بعض الصحف من البروج مع ذكر أمور من الكهانة تحت كل برج يزعم أنه يحصل لمن كان منتميا لذلك البرج، وقد كان ينشر في بعض الجرائد عندنا ثم سعى بعض أهل الخير من الدعاة فحذف من تلك الصحف جزاهم الله خيرا، أما ما تعلق بالنجوم من العلم بمواقعها وحركاتها التي تتوقف عليه معرفة جهة القبلة فإنه لما كان التوجه إلى القبلة واجبا في الصلاة فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب على الكفاية، ومن ذلك ما يعرف المرء به أجزاء الليل ليضبط وقت خروج العشاء مثلا عند نصف الليل أو ثلثه، وهكذا وقت طلوع الفجر لأجل الصلاة والإمساك عن المفطرات، قبل أن تكون وسائل ضبط الوقت المعاصرة، ومن ذلك ما يهتدى به منها في السير كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٩٧)﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]، وإنما نبه المؤلف على ذلك لأن النظر في النجوم لمعرفة البخوت والحظوظ من جملة العرافة المحرمة، وهو الذي يحمل عليه قول النبي ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا»، رواه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عدي عنه وعن ثوبان، كما في صحيح الجامع الصغير للألباني، فليس المراد الإمساك العام عن كل ما يتعلق بالأمور الثلاثة، فإننا إذا ذكر أصحاب النبي ﷺ إنما نمسك عما شجر بينهم من الخلاف حتى لا تتغيظ قلوبنا على بعضهم فنقع في كراهيتهم، أعاذنا الله من ذلك، وكذلك القدر نثبته ونؤمن به، ونمسك
стр. 2738
عن الخوض في صلة مشيئة ربنا الكونية العامة التي لا يخرج عنها شيء من أفعال المخلوقات بمشيئة المخلوقات التي بمقتضاها كان التكليف، وكذلك النجوم لا نمسك عن كل العلوم المتعلقة بها، بل بخصوص ما يرجع منها إلى استعمالها في معرفة الغيب، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد»، قال الخطابي في معالم السنن: «علم النجوم المنهي عنه هو ما يدل عليه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث، التي لم تقع كمجيء الأمطار وتغيير الأسعار، وأما ما يعلم به أوقات الصلاة، وجهة القبلة فغير داخل فيما نهي عنه»، انتهى.
قلت: قد تغير الأمر بالنسبة لنزول الأمطار فإن علم المناخ قد تقدم كثيرا، وصارت الصور الجوية التي تلتقطها الأقمار السابحة في الفضاء يعرف به اتجاه الرياح، ودرجة الضغط الجوي مما يتمكن معه الخبراء من توقع نزول المطر في وقت ما، فهذا العلم يستند إلى أمور حسية معرفية لا غيبية، وإلا فإن علم النجوم مما وراء ذلك من علوم الحياة التي يتعين على المسلمين امتلاك ناصيتها للاستفادة منها، وقال البغوي في شرح السنة: «المنهي من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع وربما تقع في مستقبل الزمان، مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح، ومجيء ماء المطر، ووقوع الثلج، وظهور الحر والبرد وتغيير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه أحد غيره،،،»، انتهى، والأمثلة التي ذكرها مما كان يستند في معرفته إلى النجوم صار يستند في معرفته إلى علوم كونية دقيقة، فلا ضير في الإخبار بها، لوجود الوسائل إلى معرفتها في الجملة، وقد تتخلف، ومن ذلك ما ذكره علي العدوي من الاعتماد على حركة النجوم لمعرفة وقت الكسوف والخسوف، ووجود الهلال في الأفق بعد الغروب، ونحو ذلك، فإن إثبات شيء من ذلك أو نفيه ليس من علم الغيب الممنوع وقصارى الأمر أن نقول إننا لا نصوم ولا نفطر بالاعتماد على ذلك بل نعتمد على الرؤية، أو نكمل الشهر ثلاثين، وكذلك معرفة وقت نزول المطر في الجملة بالوسائل العلمية لا تنافي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
стр. 2739
الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
قال ابن كثير ﵀: «قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه، أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى بها في الظلمات البر والبحر»، انتهى.
стр. 2740
• قوله:
١٢ - «ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو».
حرمة اتخاذ الكلب لغير الزرع والماشية والصيد مأخوذة من قول النبي ﷺ : «من اتخذ كلبا، إلا كلب زرع أو كلب صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، ونقص أجر المتخذ للكلب قد يكون مما عمله، كما يكون بحصول وزر له، وفيه دلالة على تحريم اتخاذ الكلب لغير ما ذكر، لأن حبوط الأجر على الأعمال الصالحة، وترتب العقاب بلحوق السيآت لا يكون على المكروهات في الأصل، وفي مسند أحمد والصحيحين عن سفيان بن أبي زهير مرفوعا: «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط»، ومعنى لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا أنه لم يتخذه لحراسة زرعه ولا لحراسة ماشيته، وهل ذلك مخصوص بذات الضرع أو هو تعبير بالأغلب لأنها هي التي تحتاج إلى الحراسة غالبا؟، قال بعضهم يقاس غيرها عليها متى احتاج إلى ذلك، وعن ابن عمر عند أحمد والشيخين والترمذي والنسائي: «من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضاريا نقص من عمله كل يوم قيراطان»، قوله ضاريا أي مدربا معلما لأجل الصيد، والصيد الذي يجوز معه اتخاذ الكلب هو ما كان لتحصيل الرزق لا لمجرد اللهو، وذكر القيراطين هنا لا يعارض ما تقدم من ذكر القيراط لأن هذا فيه زيادة علم، أو لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، ومنها الأذى الذي قد يلحق الجار والصاحب ودخول الكلب للدار فلا تدخلها الملائكة، وغير ذلك.
стр. 2741
• قوله:
١٣ - ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها ونهي عن خصاء الخيل».
صحّ عن النبي ﷺ أنه ضحى بكبشين موجوءين، أي مخصيين، ومعلوم أن لحم المخصي أطيب من لحم الفحيل، وتقييد الجواز بصلاح اللحم يدل على أن الحكم بخلافه إذا لم يكن كذلك، كما يدل على أن غير الغنم وهو البقر والإبل مثلهما في حكم الخصاء.
أما النهي عن خصاء الخيل فلما فيه من ضعفها وتقليل نسلها، وهي إنما تراد للركوب، وقد كانت من أعظم وسائل الجهاد كما ذكر ذلك ربنا في كتابه، إذ أمر بإعداد القوة المستطاعة، وخص منها بالذكر رباط الخيل، وقد روى أحمد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن خصاء الخيل والبهائم»، وفيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد، بيد أنه في صحيح الجامع الصغير للألباني، وروى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عن صبر ذي الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا، وهو للبيهقي أيضا دون ذكر المفعول المطلق كما في صحيح الجامع، والنهي عن خصاء البهائم عام فيحمل على الخاص عند وجود الداعي، وقد ذكروا أن خصاء نحو البغال والحمير جائز، لكن ينبغي أن يقيد بالحاجة لا أن يكون مجرد عبث، أما خصاء الآدمي فمحرم بالاتفاق، والله أعلم.
стр. 2742
• قوله:
١٤ - «ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير ذلك».
الوسم بالسين وفي نسخة بالشين المعجمة، هو أن يحمى الحديد ونحوه ويوضع على الحيوان ليعلم به وقد يكون ذلك بالشرط، أي بأن يشق بعض جلده، فإن كان في الوجه فهو حرام لما جاء من لعن فاعله، والوجه مجمع المحاسن يبدو فيه أقل عيب، ولذلك جاء النهي عن الضرب عليه، وإن كان في غير الوجه للحاجة فهو جائز، وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه»، وعن جابر أيضا أن النبي ﷺ مُر عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: «أما بلغكم أني قد لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها فنهى عن ذلك، رواه مسلم وأبو داود واللفظ له.
فأما جواز ذلك في غير الوجه فلما رواه الشيخان وأبو داود عن أنس قال: «غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده ميسم يسم إبل الصدقة»، لفظ البخاري، والميسم بكسر الميم آلة الوسم، أصله موسم، فلما كان أوله مكسورا قلبت الواو ياء لمناسبتها للكسرة، وهذا الوسم الجائز للحاجة؛ يكون في الأذن، وقد جاء التصريح بذلك مرفوعا في بعض روايات الحديث المتقدم.
وينبغي الاقتصار على القدر الذي يتم به المقصود، ومن استغنى عنه بشيء آخر كالخاتم يوضع على العنق أو على الظهر فهو خير، والله أعلم.
стр. 2743
• قوله:
١٥ - «ويترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق».
دل على هذا الحكم حديث أبي ذر ﵁ وهو من أوائل الأحاديث التي حفظتها، دون القصة التي معه، فعن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني سببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله قنية تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة، خولكم الخول بمفتوحتين حشم الرجل وأتباعه، جمع خائل، ويقع على العبد والأمة، وهو مأخوذ من التخويل، هكذا في النهاية بتصرف، والقنية بضم القاف وكسرها الملك، وتطلق عند الفقهاء على العرض الذي يراد للتجارة.
وروى مالك بلاغا وهو عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
стр. 2744
٤٥ - باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد والسبق بالخيل والرمي
• قوله:
٠١ - «قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة».
هذا الحديث رواه مالك وأحمد والبخاري والنسائي عن أنس ﵁، وفيه تقييد الرؤيا التي هي جزء من النبوة بأن تكون حسنة، أي صالحة كما في رواية أخرى، وهكذا تقييد الرائي لها بالصالح، لكون الرؤيا هذه هي كرامة من الله تعالى، وهي إنما تكون للمؤمن المتقي، ومعنى أن الرؤيا جزء من النبوة أنها جزء من العلم الحاصل بالنبوة لأنها من الغيب.
قال المهلب يشرح ذلك كما في الفتح: «المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، فالناس على هذا ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون، ويغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة، والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا»، ومعنى ذلك أنه ما كل ما يرى في المنام هو جزء من النبوة، بل منه ما هو أضغاث أحلام، وتقييد الرائي بالصالح أغلبي، لأنه قد يرى الأضغاث،
стр. 2745
ولكن ذلك نادر عنده، بخلاف غير الصالح فالغالب على رؤياه الأضغاث»، انتهى.
وقال القرطبي: «المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فَأُكْرِمَ بنوعٍ مما أُكْرِمَ به الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم»، انتهى.
وقوله ﷺ : «من ستة وأربعين»، قد صح من خمسة وعشرين، ومن أربعين، ومن سبعين، وغير ذلك، وكيفما كان نصيب الرؤيا من علم النبوة ولو جزءا من ألف فإنه عظيم كما قال ابن بطال.
وقد اختلف العلماء في توجيه تلك الروايات المتعددة وتفسيرها، واللائق أن ما صح منها يقال به، ولا حاجة إلى الخوض فيه بعد معرفة المراد، وقد قال المازري: «لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد منه جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل»، انتهى.
قلت: ولا مانع أن يكون ذكر هذه الأعداد متى لم يتحد المخرج بحسب صلاح الرائي وتقواه، فكلما عظم صلاحه كثر حظه علم النبوة، والله أعلم.
стр. 2746
• قوله:
٠٢ - «ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي».
هذا معنى ما جاء في حديث أبي قتادة عند الشيخين وأبي داود والترمذي عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره».
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»، رواه مسلم وأبو داود، أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فلا أعرفه.
وقد روى أحمد والبخاري والترمذي عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها ولْيُحدِّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرّها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضرُّه»، وسيعود المؤلف للكلام إلى شيء من أحكام الرؤيا في الفقرة العشرين، فلنتابعه على ذلك.
стр. 2747
• قوله:
- «ومن تثاءب فليضع يده على فيه».
وضع اليد على الفم مما يكظم به التثاؤب، فيمنع به الصوت المستنكر الذي يضحك منه الشيطان، ويستر به الوجه وهو يتغير وقتئذ، ويحتاط به من احتمال تطاير شيء لانفتاح الفم، وقد جاء فيه حديث أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود.
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان منه»، ولا بن ماجة زيادة: «ولا يعوي»، قال الألباني موضوع بزيادة ولا يعوي، صحيح بدونها، وجاء وضع اليد على الفم مقيدا بحال الصلاة، فيكون الأمر فيها أشد كما قال ابن العربي وزين الدين العراقي رحمهما الله، وليس هذا من مواطن حمل المطلق على المقيد للعلة المذكورة، والله أعلم.
стр. 2748
• قوله:
٠٤ - «ومن عطس فليقل الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له يرحمك الله ويرد العاطس عليه يغفر الله لنا ولكم أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم».
سبق أن ذُكر أن تشميت المؤمن أخاه إذا عطس من حقوقه عليه، في الفقرة الرابعة عشرة والمائة من باب جمل من الفرالئض … ، وذكر هنا ما يقوله العاطس، وما يُرُدُّ به عليه، وجمع ذلك مع السلام والاستئذان أولى، وقد تقدم الكلام على ذلك كله فانظره، ويضاف هنا ما رواه ابن حبان والحاكم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما نفخ الله في آدم الروح، فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: الحمد لله ربِّ العالمين، فقال له ﵎: يرحمك الله»، وهو في الصحيحة برقم (٢١٥٩).
стр. 2749
• قوله:
٠٥ - «ولا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج».
النرد قيل معناه الحلو بلغة الفرس، ويقال له أيضا النردشير، وفي كتاب معجم لغة الفقهاء هو لفظ معرب، وهو لعبة تعتمد على الحظ، ذات صندوق وحجارة وزهرين، وتنتقل فيه الحجارة حسبما يأتي به الزهران، وتعرف اليوم بالطاولة»، انتهى.
وفي شرح أبي الحسن: «والمراد قطع تكون من العاج أو من البقس ملونة، يلعب بها ليس فيها كيس، وإنما ترمى في حال لعبها، تشبه اللعب بالكعب في الأوجه» انتهى، وقال الشيخ على العدوي المالكي: «النرد هو الطاولة المعروفة في مصر»، انتهى.
وقد دلّ على تحريم اللعب بالنرد قول النبي ﷺ : «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن بريدة، وفيه دليل على حرمة مزاولة النجاسة والتلطخ بها من غير ضرورة، وقال النبي ﷺ : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله»، رواه مالك وأحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي موسى، وهو نص في تحريمه.
والنرد محرم لذاته، فإن كان مع القمار ففيه مخالفتان، وقد قيل إن وجه ذلك ما في هذا اللعب من عدم الكَيس، لأنه يجري على حكم الاتفاق والمصادفة، وأن الأوائل لما نظروا في أمور الدنيا وجدوا بعضها يجري على حكم الاتفاق والمصادفة كما زعموا، فوضعوا له النرد لتشعر النفس به، وبعضها الآخر يجري على وفق السعي والتحيل فوضعوا له الشطرنج، لتنهض النفس بذلك وتعمل عليه.
والشطرنج بكسر الشين وسكون الطاء لفظ معرب، وهو لعبة تجري على رقعة ذات أربعة وستين مربعا، تمثل دولتين متحاربتين باثنتين وثلاثين قطعة، تمثل الملكين، والوزيرين، والخيالة، والقلاع، والفيلة، والجنود»، كذا في معجم لغة الفقهاء.
وقد قال عنه مالك إنه ألهى من النرد، فجعله من قياس الأولى، وهذا حق، فإنه
стр. 2750
محتاج إلى فكر وتقدير وحساب لنقل القطع، بخلاف النرد فإنه يلعب على غير تفكر ثم يحسب في النهاية، وقد جاء عن كثير من السلف منعه، ولم يصح فيه شيء من المرفوع، وهو على كل حال مما يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، ولعبه يؤدي إلى الإدمان عليه فيحصل المحذور.
стр. 2751
• قوله:
٠٦ - «ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها».
أما التسليم على لاعب النرد والشطرنج فالمراد به الحال التي لا يكون فيها متلبسا باللعب، لأن العاصي لا يسلم عليه حال ارتكاب المعصية، هكذا حملوا ما جاء عن مالك ﵀ في العتبية إذ سئل: «أيسلم على اللاعب بالشطرنج؟، قال: «نعم، أليسوا مسلمين»؟!!، وقال بعضهم يسلم عليه وقت اللعب للخلاف الذي في الشطرنج.
والظاهر أن الأمر يختلف باختلاف أحوال مرتكب المعصية من العلم بالحكم وعدم العلم به، ومدى تأثير المقاطعة فيه، وما الذي يفهمه من التسليم عليه وتركه، وهل يصحب التسليم النصح أو لا؟، فهو نظير الهجران، وقد تقدم الكلام عليه، والله أعلم.
стр. 2752
• قوله:
٠٧ - «ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم».
يريد أنه يكره كراهة تحريم أن يجلس المرء إلى من هو متلبس باللعب بالنرد والشطرنج، أو يتفرج عليه لأن فيه تكثيرا لسواد أهل الباطل، وإقرارا بالمعصية، وهو مطالب بإنكارها ولو بقلبه، ثم إنه مقدمة للانخراط فيها والاشتغال بها، وتعريض النفس للتهمة، وهذت يجري عي كل محرم.
وقد قال رسول الله ﷺ : «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير … الحديث»، وهذا في الجليس الذي سوؤه كامن فيه فكيف بمن يزاول السوء؟، وليس الأمر بمقصور على لاعبي النرد والشطرنج بل مثلهم كل من كان ملابسا لمعصية، فإن الجلوس مع مرتكبيها والتفرج عليهم مباشرة أو عن طريق الصور المنقولة غير جائز، ومفاسده لا تخفى، وما أكثره في عالم اليوم.
وقد روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه».
ومما يدل على ذلك أن وليمة النكاح إذا دعي إليها المرء وكان فيها ما يكره فلا يشرع له الذهاب إلا ليأمر أو ينهى، فكيف بحضور المعصية التي لم تخالطها مصلحة؟، وفي سنن الدارمي عن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس إلى مائدة يشرب عليها الخمر».
واعلم أن اللعب إذا كان منهيا عنه لنفسه كالنرد فأمره واضح، فإن لم يكن كذلك، ولم تكن فيه مقامرة؛ فإن كانت فيه مصلحة بلا مضرة فهو جائز، وما أفضى منه إلى حرام؛ فهو حرام، لأنه سبب لنشر الشر والفساد.
ولعب الكره من اللهو الذي فتنت به الأمة أيما افتتان ولا يصح الاختلاف في منعه لكونه إجارة على اللهو، وهي غير جائزة، وهذا كاف في منعه، على أنه لو كان جائزا فإن ما
стр. 2753
يترتب عليه ينقله إلى حيز المنع بسبب ما يفضى إليه غالبا من تضييع الوقت، وترك الصلاة، والأضرار التي تلحق الممتلكات والأفراد، (ربح) اللاعبون أو (خسروا)، وإنفاق أموال الأمة بلا حساب، فإن المدربين يؤجروه بمبالغ مالية تكفي لإعاشة مئات الأسر في السنة، ثم هذا الاهتمام الكبير الذي توليه له وسائل الإعلام، فتجعل المشتغلين به كأنهم قادة الأمة وعظماؤها!!، وارتباط الشباب باللاعبين الدوليين و (الوطنيين) وتعليق صورهم على صدورهم والاختصام والتقاتل من أجلهم، وهو لعب مصحوب بعري الرجال بكشف ما لا يجوز كشفه من أجسادهم، فإذا كانت (اللاعبات) نسوة فهذه مصيبة كبرى ومعصية عظمى، ومما يؤسف له أن بعض الناس في مصر أفتى بجواز الفطر في رمضان لمن تعاقد مع جهة رياضية متى تطلب الوفاء بالعقد الفطر لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعهود، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو العلي العظيم، وإنما اخترت الكلام على لعب الكرة لأنها تبدو أحسن أنواع اللهو وإني أ'لن افتتان بعض الفقهاء بها.
стр. 2754
• قوله:
٠٨ - «ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام بالرمي».
السبق في كلامه بسكون الباء مصدر سبق يسبق وبابه ضرب، والمراد المسابقة، والسبق بفتح الباء جمعه أسباق هو ما يجعل لمن يسبق، أو هو ما يتراهن عليه المتسابقون، ويسميه العامة الخطر، والمسابقة إن كانت بعوض فلا تجوز إلا في الثلاثة المذكورة، وإن كانت من غير عوض جازت بها وبغيرها كالحمير والطير والسفن والرمي بالحجارة إذا كانت لغرض صحيح، ولم يشغل عن واجب، ولا أدى إلى مفسدة، قال خليل: «وجاز فيما عداه مجانا»، انتهى، وقال في الاختيارات الفقهية: «والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة، إذا قصد بها نصر الإسلام، وأخذ السبق عليه أخذ بالحق، فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض، إذا كانت مما ينتفع به في الدين، كما في مراهنة أبي بكر ﵁»، انتهى، وقال أيضا: «ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة»، انتهى، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى الجزء الثامن والعشرين: «إذا أخرج ولي الأمر من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل كان ذلك جائزا باتفاق الأئمة، ولو تبرع مسلم ببذل الجعل في ذلك كان مأجورا، وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك هو مما يثاب عليه، لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين، فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين، وإن أخرجا جميعا العوض وكان بينهما آخر محللا يكافئهما كان جائزا، وإن لم يكن بينهما محلل فبذل أحدهما شيئا طابت به نفسه من غير إلزام أطعم به الجماعة، أو أعطاه للمعلم، أو أعطاه لرفيقه كان ذلك جائزا»، انتهى باختصار، وفي الاختيارات الفقهية: «وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم وفاقا للحنفية، لقيام الدين بالجهاد والعلم»، انتهى.
ويشترط في المسابقة التي بالعوض أن تعلم بداية السباق وغايته التي ينتهي إليها، فإن كان لأهل السباق عادة بذلك أغنت عن التعيين، كما ينبغي معرفة أعيان الخيل لا معرفة جريها، بل يتعين أن يكون كل يجهل سبق فرسه، لأن الغاية من السباق الخبرة، ولا
стр. 2755
يشترط معرفة من يركب على ما يحصل به السباق، لكن لا يركب عليها إلا محتلم، ويشترط في العوض أن يكون مما يصح بيعه، وإنما اشترط ما ذكر في حالة العوض لأن السبق عقد لازم كالإجارة، وقد دل على جواز السبق قول رسول الله ﷺ : «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والمراد بالخف، الحيوان ذو الخف وهو البعير، وبالحافر ذو الحافر وهو الفرس، والنصل هو السهم، أي لا تجوز المسابقة بعوض إلا في هذه الأجناس الثلاثة، وجاء من فعله ﷺ أيضا في حديث ابن عمر قال: «سابق رسول الله ﷺ بين الخيل، فأرسلت التي ضمرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، والخيل المضمرة هي التي تعلف حتى إذا سمنت قلل لها العلف بالتدريج فتنحف، فتكون أقدر على الجري، وفي صحيح البخاري عن سفيان قال: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل»، انتهى.
стр. 2756
• قوله:
٠٩ - «وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء هذا قول ابن المسيب».
صور المسابقة باعتبار الجعل ثلاثة، لأنه إما أن يكون السبَق من المتسابقين معا، أو من أحدهما، أو من غيرهما، فإن كان من غيرهما من حاكم أو غيره جاز ذلك بالاتفاق، وإذا أخرج كل منهما عوضا ليأخذه السابق فهذا قمار، وهو ممنوع، لكن هذه الصورة تجوز إن أدخلا بينهما محللا، أي شخصا ثالثا لا يعطي شيئا، بشرط أن لا يكون عالما أن فرسه لا يسبق أيا من الفرسين الآخرين، فإن سبق المحلل أخذ السبَق، وإن سبق واحد من اللذين أخرجا الجعل أخذه، ولم يكن على المحلل شيء يخرجه، هذا قول سعيد بن المسيب وهو في الموطإ، وعليه بعض أتباع مالك، وإنما جازت هذه الصورة لأن في المتسابقين من يأخذ إذا سَبق، ولا يعطي شيئا إذا سُبق، ولو لم يوجد لما كان فيهم إلا من يعطي إذا سبق، ويأخذ إذا سبق وذلك محظور، والمشهور عن مالك في هذه الصورة المنع، وقد استدل للمجوزين بقول النبي ﷺ : «من أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس، ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة، لكن إسناده ضعيف كما قال الحافظ في بلوغ المرام، وابن القيم في التهذيب، لكن اعتمده ابن حزم وغيره، وفي الاختيارات الفقهية «ويجوز المسابقة بلا محلل ولو أخرجه المتسابقان»، انتهى.
ولما كان لمالك في هذه الصورة قولان، مشهورهما المنع؛ ذكر المؤلف قوله المشهور فيما يلي:
стр. 2757
• قوله:
١٠ - «وقال مالك إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هو كان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك».
هذه هي الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان السبَق من أحد المتسابقين فلا يخلو الأمر حينئذ من ثلاث حالات، أولها أن يسبق غير صاحب الجعل فله أخذ العوض، والثانية أن يسبق الجاعل فيكون الجعل للذي يليه في الرتبة من المتسابقين، والثالثة أن يسبق جاعل السبق وليس معه غير واحد يباريه، فإن السبق يأخذه من حضر المسابقة، ولم أجد سببا لمنع صاحب السبَق من أخذه في حال ما إذا سبق إلا لكونه هدية فلا يرجع عنها، ولعل مالكا رأى أنه بهذه القيود يكون أبعد عن القمار، وروى ابن وهب عن مالك أنه إن كان السابق هو صاحب الجعل فإن له أن يأخذ جعله.
قلت: وهذا هو الحق إذ لا مانع منه، فإنه لم يهبه إلا بقيد الغلب، ثم هو بعيد عن أن يكون قمارا.
стр. 2758
• قوله:
١١ - «وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها».
الحيات جمع حية تقع على الذكر والأنثى، فالتاء فيها للوحدة كنملة، لا للتأنيث، وجاء عن العرب قليلا استعمال الحي في الذكر والحية للأنثى، ومعنى تؤذن تحذر ويطلب منها مغادرة المكان، على أن يكون ذلك ثلاثة أيام، فإن ظهرت بعد الثلاث قتلت، وقد قيل إن هذا الحكم خاص بما ظهر منها في المدينة، وقيل يعم الأماكن المعمورة كلها، وهذا هو الظاهر، لكن مالكا خفف في الأخير، ولا يتناول هذا الحكم الصحراء، وقد روى مالك ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن اجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟، فقلت: نعم»، قال: «كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ ، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوما فقال له خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له اكفف عليك رمحك وادخل البيت لترى ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منصوبة على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا ألحية أم الفتى، قال: فجئنا رسول الله ﷺ وذكرنا ذلك له، وقلنا ادع الله أن يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان».
стр. 2759
وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «خمس يقتلن في الحل والحرم،،، الحديث، وقد ذكر من جملتها الحية، وسبق الكلام عليه في الحج، وهو عموم، ومما جاء في قتلها قول رسول الله ﷺ : «اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني»، رواه أبو داود عن ابن مسعود، وللشيخين وأبي داود والترمذي عن ابن عمر ينميه: «اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل»، لفظ مسلم، والطفية بضم الطاء وفتح الفاء هي الخوصة، وذو الطفيتين سمي كذلك لأن على ظهره خيطين أسودين يشبهان الخوصتين، والأبتر هو مقطوع الذنب، ولأبي داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب»، والنظر في جميع هذه الأدلة يقود إلى أن ما كان من الحيات في الصحارى يقتل، وما كان منها في العمران يؤاذن ثلاثة أيام، وانظر هل يشمل ذلك ما كان منها في بناء الحرم، أما ذو الطفيتين والأبتر فإنهما يقتلان في العمران وفي الصحراء من غير استئذان، ويظهر أن هذين النوعين إنما شرع قتلهما من غير استئذان لأنهما يفزعان بمنظرهما أو أن فيهما خاصية تحدث بإذن الله ما ذكر، وقد روى البخاري عن ابن عمر قال: بينما أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة: «لا تقتلها»، فقلت: «إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات»، فقال: «إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت»، وهي العوامر، أي التي طال مكثها في البيوت.
وقول المؤلف: «وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن»، يريد قياس الحيات في غير المدينة عليها في التحريج ثلاثا، وقد تبين لك من النصوص المتقدمة أن النهي عام لا يختص ببيوت المدينة، والله أعلم.
стр. 2760
• قوله:
١٢ - «ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار».
إنما نهي عن قتل ما ذكر بالنار لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه، كما جاء ذلك في سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها»، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «من حرق هذه»؟، قلنا: «نحن»، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار»، وانظر الجزء الخامس من الصحيحة للألباني، ولا خصوصية للقمل والبراغيث فإن غيرهما مثلهما، ولأن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،،،» الحديث.
стр. 2761
• قوله:
١٣ - «ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها ولو لم تقتل كان أحب إلينا».
النملة من جملة ما جاء الخبر بالنهي عن قتله فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد»، وهو بضم الصاد وفتح الراء طائر فوق العصفور، قيل أنه يصيد العصافير، والنهي عن قتلها يدل والله أعلم على منع أكلها، وإنما جاز قتل النملة إذا آذت لدفع ضررها، والضرر منفي عن أحكام هذه الشريعة السمحة شرط أن لا يقدر على دفع أذاها بغير القتل، وأن يقتصر على القدر اللازم.
وقد روى أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة»؟، وفي رواية: «في أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح»؟، وفيه المحافظة على أنواع المخلوقات غير المؤذية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
стр. 2762
• قوله:
١٤ - «ويقتل الوزغ».
الوزغ بمفتوحتين جمع وزغة، قال الدميري في كتابه حياة الحيوان: «واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وهي دويبة مؤذية وسام أبرص؛ كبيرها»، انتهى.
وقد جاء في قتل الوزغ أحاديث منها ما رواه مسلم وأبو داود عن عامر بن سعد عن أبيه قال أمر رسول الله ﷺ بقتل الوزغ وسماه فويسقا»، هو تصغير تحقير سماه كذلك لخروجه عن خلق معظم الحشرات بزيادة ضرره.
وروى البخاري عن أم شريك -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال كان ينفخ على إبراهيم».
وجاء أيضا ما يدل على أن قتل الوزغ بالضربة الأولى فيه أجر أعظم من قتله في الضربة الثانية، وفي الثانية أعظم من الثالثة، والغرض الحض على قتله لأنه إن فات من الضربة الأولى فقد ينجو، وعلل بعضهم بأن قتله في الضربة الأولى من إحسان القتل وإحسان التسديد، والله أعلم.
стр. 2763
• قوله:
١٥ - «ويكره قتل الضفادع».
لو ضم هذا إلى الكلام عن قتل النملة لكان أجود، وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي ﷺ عن قتلها».
قلت: نهيه عن استعمالها دواء مع الحاجة إليها، وما في التداوي من المسامحة أحيانا يدل من باب أولى على النهي عن قتلها لغير ذلك مما هو دون الدواء، كما يدل على تحريم أكلها فيما يظهر، والمذهب خلافه، والله أعلم.
стр. 2764
• قوله:
١٦ - «وقال النبي ﵇: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب».
يظهر أن غرض المؤلف من الكلام على النسب كفكفة الغلو الذي كان في وقته وما يزال عند بعض الناس، وهو التفاخر بالأنساب، ونسيان ما يكون به التفاضل على الوجه الحق، وهو تقوى الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحُجُرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ولأن بعض الناس يمتنعون من تزويج الكفء لكونه غير شريف كما يقولون، ومذهب مالك أن الكفاءة في النكاح الدين والحال، وقال النبي ﷺ : «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ : «ومن أبطأ به عمله لم يُسْرِعْ به نسبه»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة من جملة حديث.
فأما قوله ﷺ : «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، رواه الطبراني والبيهقي والحاكم عن عمر ﵁، وهو في الصحيحة برقم (٢٠٣٦) فلا يخالف ما سبق، فإن المراد بالسبب ما يتوصل به إلى الشيء، وهذا شأن أتباعه الموحدين، والنسب أهل بيته، وأقاربه منهم بخاصة،
وقد تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم لهذا الحديث لرغبته أن يكون بينه وبين النبي ﷺ هذه الصلة الزائدة، وقال الغماري في كتابه المداوي: «إن هذه القصة والحديث
стр. 2765
مشهورة عن عمر، بل تكاد تكون متواترة عنه … »، انتهى.
ولا شك أن حفظ المرء نسبه لا ضير فيه، بل هو محمود متى خلا من المحاذير التي أشار إلى بعضها المؤلف ﵀، وما ذكره طرف من حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي وقال حسن غريب، وهو الحديث ما قبل الآخر، بل هو الآخر في جامعه، لكنه مختصر عما قبله، ولفظه: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هو فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعْلَ الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب»، يدهده يحركه ويدحرجه، والخراء بكسر الخاء العذرة، والخراءة مكسورة الخاء الجلوس لقضاء الحاجة، وعُبية بضم العين وكسرها والباء المكسورة المشددة، والياء المشددة؛ هي الكبر والنخوة، كما قال الخطابي، والمقصود أن النسب الشريف مع التقوى مرجح، وبدون الإيمان ملغى، والله أعلم.
وروى أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ : «انتسب رجلان على عهد موسى ﵇ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة، فمن أنت لا أم لك؟، قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، قال: فأوحى الله إلى موسى ﵇ أن قل لهذين المنتسبين أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار؛ فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة؛ فأنت ثالثهما في الجنة»، وهو في الصحيحة برقم (١٢٧٠).
стр. 2766
• قوله:
١٧ - «وقال النبي ﵇ في رجل تعلم أنساب الناس: علم لا ينفع وجهالة لا تضر»
قال في مسالك الدلالة: «هذا رواه ابن عبد البر في العلم، وبعد أن أورد لفظه، وما قاله ابن عبد البر من أن فيه راويين لا يحتج بهما، وهما سليمان وبقية، وأنه إن صح كان معناه أنه علم لا ينفع مع الجهل بالآية المحكمة والسنة القائمة والفريضة العادلة، قال: «وكأنه في شك من بطلان هذا الحديث الذي تلوح عليه لوائح الوضع»، انتهى، ومن قرأ لفظ الحديث تبين أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، بل إنه مشتمل على علامات الوضع، لكن علم الأنساب إذا خلا مما يخرجه عن مكانته إلى المحذور منه، ولم يكن مجرد تخرصات وظنون فإنه لا ضير فيه.
стр. 2767
• قوله:
١٨ - «وقال عمر: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم».
روى نحو هذا الأثر البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر: «تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه».
وإنما عطف صلة الرحم على معرفة النسب لأن الصلة لا تكون إلا بتلك المعرفة، وهذا يعطي أن معرفة القدر الذي يصل به المسلم رحمه واجب لأنه وسيلة إلى الواجب فيعطى حكمه، وداخلة الرحم هي رابطة الرحم سميت كذلك لأنها أمر خفي، ومعنى أوزعه منعه ودفعه، والله أعلم.
стр. 2768
• قوله:
١٩ - «وقال مالك: وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء».
إذا رفع المرء نسبه إلى ما قبل الإسلام أو إلى أجداده الكفار يفتخر بذلك فهذا لا شك في تحريمه، لأنه من الاعتزاز بأهل الشرك، والافتخار بأهله، لأن الفخر بالدين لا بالكفر كما قال التتائي ﵀.
قلت: الفخر مذموم، لقول النبي ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن عياض بن حِمار، وقل النبي ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد وغيرهما عن غيره، ومعنى قوله: «ولا فخر»؛ ولست أفخر بهذا الذي قلته، لأنه حق ينبغي أن يعلم، لا كما قال بعض أهل العلم ولعله الخطابي ﵀ إن معناه ولا فخر أعظم من هذا، وإن كان ذلك حقا لكن لا يقوله النبي ﵌، فما ذا يقول الذين يسمون أولادهم بأسماء الكفار كيوغرطا وماسينيسا وغيرهما؟.
стр. 2769
• قوله:
٢٠ - «والرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليثفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى، ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه».
تقدم كلام المؤلف على الرؤيا، وقد التمس بعضهم وجها للتكرار، وهو كونه ذكر هنا وصف الصالحة ولم يذكره فيما تقدم، وقيل كرره ليستكمل ما فاته من الكلام على الرؤيا وهو تفسيرها.
والإقدام على تفسير الرؤيا من غير علم محرم، بل هو أشد من الإفتاء بغير علم، لأنه وإن اشرك الأمران معا في القول على الله بغير علم، وهو أصل الشرور كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، إلا أن الرؤيا بما كانت جزءا من علم النبوة وهو وحي مرتبط بالغيب كانت أخص في هذا الأمر، ولأن فيها تغريرا بالرائي، إذ إنها كما يكون فيها التبشير يكون فيها الإنذار، فإن عبرها من غير علم؛ فات الرائي ما فيها له من خير يستبشر به، وما يكون له فيها من وعظ وزجر يعتبر به فيتوب، وكذلك إن غير ما يعلمه من التعبير بحيث تكون الرؤيا شرا فيقول خلاف ذلك.
والصواب إن علم خيرا أن يقوله، وإن علم غير ذلك قال خيرا إن شاء الله، أو سكت، وما جاء من قول النبي ﷺ : «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي رزين العقيلي، فقد حمله بعض أهل العلم ومنهم البخاري على ما إذا أصاب معبر الرؤيا الأول، وهذا توجيه طيب حسن، والله أعلم.
ولا يصح أن يقص المرء رؤياه إلا على عارف بالتعبير أو ناصح، ولا يجوز له أن يقول ما لم ير لقول النبي ﷺ : «من تحلم بحلم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين ولن
стр. 2770
يفعل … الحديث، رواه البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وقوله تحلم معناه تكلف الحُلْم، وهو بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يرى في المنام، أي ادعاه من غير أن يراه، والحُلُم بمضمومتين البلوغ.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أفرى الفرى أن يري عينه ما لم تر»، رواه البخاري، والفرى بكسر الفاء جمع فرية هي الكذبة، أي أن هذا من أعظم الكذب، وقوله «أن يري عينه ما لم تر»، هو كناية عن قوله رأيت عما لم يره.
следующие страницы →