← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفوته من خلقه، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واتبع هداه، أما بعد: فإن هذه هي الطبعة الثالثة لكتاب العجالة في شرح الرسالة، عدا المقدمة العقدية، فهي طبعتها الرابعة، وتوالي الطبعات تعظم معه مسؤولية المؤلف عن الأوهام والأخطاء وسائر الهَنات التي ينبغي أن تقل في الكتاب أو تختفي، لهذا فقد أعدت قراءة ما كتبت، وتداركت ما علمته فيه من خطإ في الطبع، أو زلل في القول، أو تقليد خاطئ في العزو، أو إغفال للتخريج، أو سكوت عن قول قام الدليل على خلافه، وغير ذلك مما يقع فيه الكاتب، ولا يخلو منه كتاب غير كتاب الله تعالى، لكني لم أبلغ مرادي مع ذلك لما أنا عليه خصوصا، ثم لطبيعة العمل نفسه، فإن الشروح تتناول في الغالب الفروع الفقهية التي غالبها ظنون، فتكثر فيها الآراء، ويعظم الاختلاف في التوجيه والتعليل، وقد يتراجع المرء اليوم عما اعتمده أمس، مع أن هذا ليس بالظن المذموم، وقد كلفتني هذه المراجعة مشقة لا كفاء لها إلا ما أؤمل من أجر ربي وثوابه، وهو ذو الفضل العظيم. والفقه المذهبي الذي يزعم بعض الناس أني من المتعصبين له بما رأوه من كتابتي لهذا الشرح، وهو عمل يسير ضئيل، ومن هم على النقيض من قولهم، أولئك الزاعمون أني اصطنعته مطية لنشر مذهب وافد كما قالوا هو الوهابية أو غيرها، وأني أتستر به لأبث شيئا غريبا عن الفقه المالكي، أقول في جواب الفريقين مبعدا النجعة: إن هذا الدين لما كان هو عهدَ الله الأخير للبشرية، وصراطَه القويم الذي ارتضى للمؤمنين المواثقة عليه، والسير

стр. 2

على نهجه، وهو سبحانه لا يترك خلقه سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فإنه تعالى قد حفظه على الخلق عموما، وعلى أمة الإسلام خصوصا. وقد تعددت أنواع حفظ هذا الدين: من حفظ كوني قدري، وحفظ علمي كسبي، إلى حفظ عملي ميداني، فهذا مما على المسلمين أن يعتقدوه ويستيقنوه، حتى يصرفوا همهم إلى حفظ أنفسهم من الخروج عنه، ووقايتها من مخالفته، ويسعوا في إصلاح حالهم ومن هم مسؤولون عنهم على طاعة الله والتزام شرعه، فإن المخوف هو تفريطهم وتقصيرهم، وما في ذلك من التبعات العاجلة في الدنيا بانكسارهم وانهزامهم، وذهاب ريحهم وعزهم كما هو حالنا اليوم، ثم ما يترتب على ذلك بين يدي الله يوم نرد إليه، أما الدين فلا خوف عليه من الضياع. حفظ الله هذا الدين بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، فهو الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، وهو باق على هذه الأرض تكرمة للمؤمنين، بوجوده بين ظهرانيهم، يتلقون به خطاب ربهم لهم، محفوظا في صدورهم وفي سطورهم، فإن أناجيل هذه الأمة في صدورها كما جاء وصفهم في الكتب السابقة، وهو مع ذلك حجة على المشركين وحسرة عليهم، إلى أن يسرى عليه، فيرفع من الصدور ومن السطور، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وسيصلي قوم ولا دين لهم، وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم كأنه قد نزع منكم»، قال قلت: كيف يا عبد الله وقد أثبته الله في قلوبنا؟، قال: «يسري عليه في ليلة فترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب، ثم تلا: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾، الآية، وقال رسول الله ﷺ : «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها»، رواه ابن ماجة والحاكم عن حذيفة وهو في الصحيحة برقم (٨٧).

стр. 3

وهذا لا يكون إلا حين يعرض الناس عن كلام ربهم، ويستبدلون به غيره من آرائهم وأهوائهم، فيخرج الله للناس الدابة وقت يعرضون عن هذا الذكر الحكيم فلا يصلح لهم حينذاك إلا أن يخاطبهم حيوان بهيم، قال الله : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾. والقرآن معجزة الإسلام الباقية التي ما أوتي نبي من الأنبياء مثلها، كما قال رسول الله ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، وهو أصل كل أصول الإسلام، اشتمل على هذا الدين تأصيلا، وأحال على ما يبينه ويجليه تفصيلا، قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾. أما غيره من الكتب فقد أوكل حفظها لأصحابها من العلماء والعباد كما قال الله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، وقد بلغ النبي ﷺ لفظه فهو الذي بين أيدينا بإجماع المسلمين، كما بين لأصحابه معناه فإنه هو المراد من تنزيله، وهو المقصود من تلاوته، لأنه مقدمة لا بد منها للعمل به، ومن زعم أنه بلغ لفظه ولم يبلغ معناه فإن لازم قوله أنه لم يقر لهذا النبي الكريم بالبلاغ. ولما كانت السنة أقوالا وأفعالا وتقريرات إنما هي بيان للقرآن وتفسير له، وكانت سيرة النبي ﷺ وكل تصرفاته وسلوكه راجعة إليه كذلك، إذ كان خلقه ﷺ القرآن كما جاء عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-؛ فقد شمل حفظ الله ذلك كله بما هيأ من الحفاظ العلماء، والجهابذة النبغاء، الذين وثقوا النقل بالأسانيد، ومحصوها تمحيصا ما عليه من مزيد، بتلك المنهجية التي انفرد بها علماء الحديث، فشملت الشكل والمضمون، واللفظ والمعنى، وأحاطت بدقائق الرواية، وبتفاصيل الدراية، فكما حفظوا النقل بالسند، حفظوا المتن بالفهم الصحيح، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»، وبهذا كان دين الإسلام كله أصولا وفروعا موصولا بالنقل الصحيح إلى من أنزل عليه القرآن، ومن قال

стр. 4

الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، إلى ما قام به العلماء من الشرح والبيان واستنباط الأحكام وتدوين الكتب في مختلف الفنون التي نشأت لخدمة ذينك الأصلين، لا فرق بين ما كان منها مقصودا، وما كان وسيلة إلى المقصود. وهذا الذي ذكر لم يتوفر لدين من الأديان، فإن أهل الكتاب يفصلهم عن أنبيائهم مفاوز من الزمان خالية من الصلة، أو استندوا فيها إلى مجاهيل من الرواة والنقلة، هذا شأنهم في كل ما يأثرونه عن سلفهم من الكتب المنزلة، ولهذا تعددت نسخها، فبلغت العشرات، مما سهل على أحبارهم ورهبانهم تبديلها وتغييرها فضلا عما هو دونها من المنسوب إلى أنبياءهم من الأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾، وترتب على ذلك أن ضمت كتبهم ما لا يقبله عقل سليم، ولا يقره نقل قويم، فآلت دياناتهم إلى وضع عجيب غريب، بحيث لا يصلح لها إلا أن تجعل بمعزل عن الحياة، فكان أن زهدوا فيها، ونفرت عقولهم منها، وحق لهم ذلك، ولهذا رأوا أن يقصر الدين على العلاقة بين العبد وربه، وأقاموا حياتهم على هذا المبدإ، وبالنظر إلى دياناتهم المحرفة فإنهم ينادون على أنفسهم جهارا أن هذه العلاقة لا ينكر أن تؤسس على الخرافات والأباطيل والأكاذيب، بخلاف الحياة الدنيا عندهم فينبغي أن تؤسس على العلم والحقائق، زعموا، وعلى الضبط والنظام، فجعلوا لله ما يكرهون، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون، ولهذا روجوا في معاهد المسلمين وجامعاتهم هذا التقسيم للعلوم إلى إنسانية وعلمية، ولا شك أن علوم الدين على هذا ليست علمية، ففرحوا بما عندهن من العلم كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾، ولما كانت دياناتهم هكذا فإنهم يسعون جهدهم ليسير المسلمون على طريقتهم، وينسجوا على منوالهم، فيتجردوا من دينهم كما تجردوا هم منه، لتصلح الحياة كما يزعمون بترك شريعة الله الذي خلق الموت والحياة، وشرع ما تصلح به، ولا تصلح بغيره، وقد حققوا نجاحات كبيرة فيما نشروه في المسلمين من أكذوبة الديموقراطية، والدولة

стр. 5

المدنية، والحريات الشخصية، وما انتحاه كثير من المنتسبين إلى الإسلام من فكرة العلمانية، وغير ذلك من المصطلحات البراقة الخادعة المغرية. ومن الحفظ العملي التطبيقي لهذا الدين ما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»، وهو حديث متواتر، والظهور أنواع أصلها ظهور الحجة والبرهان، وهي كامنة في أصلي الدين، تظهر على أيدي أهل العلم لمجاهدة الكفر والطغيان باللسان، فإنه الجهاد المتاح في كل أوان، وقد يكون مع هذا غيره من بقية أنواع الظهور بحسب أخذ المسلمين بالأسباب الشرعية، والسنن الكونية، فإن اللع تعالى وعد ووعده حق فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾، ومن أسباب الحفظ ما كلفت به الأمة فردا فردا من وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما مناط خيريتها وتفضيلها على غيرها كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ولا بد من إقامة التوازن الشرعي المطلوب في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة بحيث تطاع جميعا ولا يترك بعضها لبعض، فإن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل كل الناس حاكمين ومحكومين، فعلا وتلقيا، أمرا وائتمارا، وللحكام مزية في هذا الأمر، فلا يناصحون علنا، لأن ذلك قد يكون مسلكا لتهييج الدهماء والرعاع للخروج عليهم، لكن هذا لا يصح أن يبالغ فيه فيؤدي إبلا التفريط في هذا الواجب كما عليه فريق من الناس، وينبغي أن يفرق بين ما يرجع من ذلك إلى أشخاص الحكام مما المخالفة فيه قاصرة عليهم، ومثله ما يرجع إلى جورهم في حق الفرد من أخذ ماله بغير حق أو ضربه، وما يرجع إلى الشأن العام الذي يعلن عنه بمخالفة الشرع وتبديله، ولأن في هذا السكوت ترك الغوغاء ينفردون بالكلام، وغالبه سباب وشتم، ثم يتخذ ذلك تعلة إلى ما وراءه، فضلا عن اتهام أهل العلم بالسكوت على الباطل كما هو الحاصل. ومما يدخل في هذا الحفظ ما قام به ويقوم أئمة المسلمين وعلماؤهم الذين خدموا

стр. 6

هذا الدين خدمات جلى، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة السنية: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل ﵏، وهم الذين يسر الله ﵎ أن تدون أقوالهم، وتخدم اجتهاداتهم، وتنتشر مذاهبهم في أصقاع الأرض، فضبطت المسائل، وحررت الأقوال، وقربت إلى العامة في مصنفات مرتبة مبوبة وكثيرا ما تكون مدللة مسببة. قال القاضي عياض في مقدمة كتابه المدارك بعد أن شرح حاجة غالب الناس إلى ضبط العلم وتنسيقه وجمع الأقوال وتقريبها لهم بعيدا عن ذكر الخلاف الذي لا قدرة لغالب الناس على استيعابه: «اعلموا وفقنا الله تعالى وإياكم أن حكم المتعبد بأوامر الله تعالى ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه ﵇ طلبُ معرفة ذلك وما يتعبد به، وما يأتيه ويذره، ويجب عليه ويحرم، ويباح له ويرغب فيه، من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇، فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما، ولا يعبد الله تعالى إلا بعلمهما، ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما، ومسند إليهما، فلا يصح أن يوجد وينعقد إلا عنهما، إما من نص عرفوه، ثم تركوا نقله، ومن اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد، وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك الطريق، والآلات الموصلة إليه: من نقل ونظر وطلب قبله، وجمع وحفظ وعلم، وما صح من السنن واشتهر، ومعرفة كيف يتفهم، وما به يتفهم من علم ظواهر الألفاظ، وهو علم العربية واللغة، وعلم معانيها، وعلم موارد الشرع ومقاصده، ونص الكلام، وظاهره وفحواه، وسائر نواحيه، وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه، وأكثره يتعلق بعلم العربية، ومقاصد الكلام والخطاب، ثم يأخذ قياس ما لم ينص عليه على ما نص، بالتنبيه على علته أو شبيهاً له، وهذا كله يحتاج إلى مهلة، والتعبد لازم لحينه، ثم إن الواصل إلى هذا الطريق وهو طريق الاجتهاد، والحكم به في الشرع قليل، وأقل من القليل بعد الصدر الأول، والسلف الصالح، والقرون المحمودة الثلاثة، وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما تُعُبد به، وكلف به من وظائف شريعته ممن ينقله له، ويعرفه به، ويثبته عليه، في نقله وعلمه وحكمه، وهو التقليد، ودرجة عوام الناس بل أكبرهم هذا … ».

стр. 7

وقال مبينا بعض ما قام به هؤلاء الأئمة: «فجمعوا أقاويل الجميع، وحفظوا فقههم، وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم، وحذروا انتشار الأمر، وخروج الخلاف عن الضبط، فاجتهدوا في جمع السنن، وضبط الأصول، وسألوا فأجابوا، وبنوا القواعد، ومهدوا الأصول، وفرعوا عليها النوازل، ووضعوا في ذلك للناس التصانيف وبوبوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فتح عليه ووفق له، فانتهى إليهم علم الأصول والفروع، والاختلاف والاتفاق، وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه ويشبه، رضي الله عن جميعهم ووفاهم أجر اجتهادهم … ». والجانب الذي عني به هؤلاء الأئمة وغيرهم من الفقهاء هو قطب الرحا في الدين بعد صحة العقيدة وسلامتها، فإنه هو الأحكام العملية من الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والمباحات ورخص الأحكام وعزائمها، وصحيح العقود وفاسدها، وبه تكون أعمال المسلمين على وفق ما شرع الله لهم، ومعرفة هذه الأحكام والعمل بها والدعوة إليها والصبر على ما يعترض المؤمن في الطريق إلى ذلك كله؛ هو المعيار الذي يقاس به صدق عقيدته وصحة إيمانه ورسوخه في نفسه، وما عدا ذلك مما جاء في هذا الدين إنما هو وصف للقائمين بهذه الأحكام، وما يستحقونه بفضل الله عليها في الآخرة، وما وعدوا به من التمكين في الحياة الدنيا إن هم نصروا الله بالتزامها. ويندرج في هذا الحفظ فتاوى العلماء التي هي حصيلة معرفة أحكام الله تعالى من أصولها المقررة، ما اتفق عليه العلماء منها، وما اختص به بعضهم دون بعض، ثم معرفة الوقائع بالوقوف على الأشياء المستفتى فيها، ثم تنزيل أحكام الله تعالى عليها وبيانها، وبهذا كان الإفتاء من ضروب الحفظ العملية لهذا الدين إذ به يواكب هذا الدين الخاتم تطور الحياة ومستجداتها ببيان أحكام الله للناس كي يلتزموها، لا فرق بين ما عرف من قبل منها وما جد من الوقائع والنوازل، وهذا العصر لا نظير له فيما يعترض القائمين على الفتوى من الصعاب والمشاق بسبب صدود الحياة العامة عن الصراط المستقيم وانقلاب الفقه من منزلته قائدا للحياة ورائدا إلى ما هو عليه اليوم من جري أصحابه وراء الحياة الناكبة يلتمسون الحلول للناس فيما يستجد من النوازل الناشئ معظمها عن المخالفات. وقد جانب الصواب في شأن الفقه المذهبي فريقان من الأمة: أحدهما هو الجافي

стр. 8

الذي فرط في هذا البناء العلمي الشامخ الذي شيده أسلافنا، لزعمه أن في الاشتغال به إعراضا عن الكتاب والسنة والحال أن عمل أولئك العلماء الأفذاذ من الأئمة ومن اشتغل بمذاهبهم من أهل البصيرة ما كان إلا للحفاظ عليهما وتبليغهما، يشهد لذلك ما أثر عنهم من ذمهم التعصب والتقليد والغلو في الناس، ولو كانوا أهل علم، فما قاله هؤلاء من لزوم الإعراض عن هذين الأصلين للتمذهب بقيده ليس بلازم، بل هو خدمة لذينك الأصلين. أما الفريق الثاني فهو الغالي الذي تعصب، وبلغ الأمر ببعض أفراده أن اتخذ أقوال أهل العلم واجتهاداتهم التي يؤجرون عليها أصابوا أم أخطأوا دينا يلتزم، فوضعوهم موضع العصمة، ولازم صنعهم الإزراء بكل مخالف لما هم عليه من باقي الأئمة وغيرهم من الصحابة ومن تلاهم من القرون المفضلة، مع أن أئمة المسلمين حذروا من هذا كله، والعصمة عند أهل السنة والجماعة إنما هي لصاحب الشريعة ﵌، ولمجموع الأمة، والواقع شاهد بأن كثيرا من هؤلاء المتعصبة تجازوا الفقه المذهبي الرصين المؤسس إلى ما يرونه مما تسلكه بعض البلدان في المرجعيات الوطنية التي تتصرف فيها كيفما شاءت بالتضييق والتوسيع. ولئن كانت هذه النهضة المتمثلة في الدعوة إلى التمسك بالسنة، والحرص عليها، وقد عمت بحمد الله كثيرا من بلدان العالم الإسلامي في العصر الحديث منذ نحو نصف القرن، مسبوقة بأعمال جليلة قام بها علماء الإسلام على مر العصور جزى الله تعالى روادها ومن قاد الناس إليها وبذل ما استطاع من جهد في سبيلها، ولا شك أن في هؤلاء العلماء من ينطبق عليهم قول رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، رواه أبو داود عن أبي هريرة، لئن كان الأمر كذلك فإن الصحوة لم يراع فيها التدرج المطلوب، ولم يلحظ فيها الاتزان المرغوب، لقد رافقتها حدة وشدة هي ردة فعل على ما كان سائدا في الناس وما يزال ولئن كان مطلوبا أن يلتمس العذر لأولئك الرواد، إلا أن ذلك لا يمنع من بيان الخلل، فإن الداعي إلى الله لا يكتسب الحرارة الدعوية من المحيط فيغلو، ولا يتأثر ببرودته فيجفو، حرارته ذاتية إيمانية مستمرة، وعمله دائب بيد أنه متدرج، وهو بعيد عن أن يستخف من أي ناكب من المفرطين والمفرطين، كما قال الله

стр. 9

﵎: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾، وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ فإن نقل الناس من حال دامت قرونا إلى حال أخرى وإن كانت ترتجى وتؤمل أمر عسير، والداعي إلى الحق لا يعزب عنه طرائق التغيير وما يراعى فيها من التدرج الذي هو سنة كونية وشرعية، والمقصود أن هذا الخير الذي أتت به هذه الصحوة أثمر ما لم يكن في الحسبان، إذ رافقه ما لا يرتضى من الانقسام والتفرق، بل ومن الخروج عن الجادة والغلو في بعض ما هو مشروع، والتنكر لجهود السابقين، ونجمت عنه جرأة كبيرة من الرعاع والدهماء على المسائل الكبرى العلمية والعقدية والسلوكية، بعد أن فهموا ما لا يصح أن يفهم من التأبي على التعصب المذهبي، فكامن رد الفعل أن ظهر ما يسمى بالمرجعيات، فاستفحل الخلاف في كثير من الأمور كما تراه. وخير للناس أن يهتموا بما كلفهم الله به من أحكامه التي سبق بيانها فإنها هي المعنية بقول النبي ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»، رواه مسلم عن أبي هريرة، وهذه الأحكام هي مناط صلاح الفرد وهو البداية لكل إصلاح، وأن يمسكوا عن الكلام فيما لا يحسنونه فإنه مما لا يعنيهم، ومن «حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، كما قال رسول الله ﷺ فيما رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁، فلما فتح المجال بوسائل الاتصال والتسجيل والنقل والتصوير أتيح لكل من هب ودب أن يشتغل بما ليس في قدرته، وبما لا يصح أن يكون من اهتمامه، فاختلط الحابل بالنابل، وتشبع كثير من الناس بما لم يعطوا، فأصبح حل هذا الأمر عصيا، وصار كل من يرفق في الدعوة إلى الله ويتأنى في التغيير موسوما من فريق غلاة الجرح بأنه من المميعين، ومن المتعصبين المتمذهبين، ولله عاقبة الأمور، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 10

العجالة في شرح الرسالة (شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) الجزء الأول تأليف بن حنفية العابدين

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وهذا شرح لرسالة الإمام عبد الله أبي محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي ﵀، سميته العجالة في شرح الرسالة، وقبل الشروع فيه أتحدث عن أربعة أمور هي: ١ - الوضع السياسي في عصر ابن أبي زيد. ٢ - ترجمته. ٣ - ذكر بعض خصائص رسالته. ٤ - عناية العلماء بها، وذكربعض شراحها. • أولا: عصر ابن أبي زيد ما إن سقطت خلافة الأمويين بالشام وقامت خلافة بني العباس في العراق حتى بدأت الدويلات تظهر في أقطار المغرب الإسلامي مستقلة تارة، وشبه المستقلة تارة أخرى، وهكذا قامت دولة بني أمية بالأندلس سنة (١٣٢ هـ)، ودولة الأدارسة بالمغرب

стр. 12

سنة (١٧٢ هـ)، ودولة الأغالبة في القيروان سنة (١٨٤ هـ)، والأغالبة هم أولاد الأغلب بن سالم التميمي قائد جيش بني العباس في فتح المغرب. وقد كانت دولة الأغالبة مالكية، أعني الذي عليه عموم الناس في العبادات والمعاملات والقضاء، أما حكامها فقد كان بعضهم على مذهب الاعتزال أسوة بما كان عليه الأمر في المشرق على عهد المأمون والمعتصم والواثق العباسيين. وقد عرفت البلاد في عهد هذه الدولة تقدما علميا ونهضة حضارية، لكنها ما لبثت أن ذهب ريحها بعد أزيد من قرن، لتحل محلها دولة العبيديين الذين تسموا بالفاطميين سنة (٢٩٧ هـ)، ثم ناب عنهم في الحكم الزيريون ابتداء من سنة (٣٦٢ هـ). وابن أبي زيد من علماء القرن الرابع الهجري، عاصر العبيديين الذين حكموا البلاد، وقد أسس قائدهم الأول عبد الله المهدي مدينة المهدية سنة (٣٠٨ هـ)، أي قبل ولادة ابن أبي زيد بسنتين، ثم ارتحلوا بعد عقود إلى مصر، وأنابوا وكلاء عنهم، يحكمون بلاد إفريقية من بني زيري بن مناد الصنهاجيين سنة (٣٦٢ هـ). وبظهور العبيديين ابتدأ صراع مذهبي عنيف بين السنة المتمثلين في المالكية، الذين كان قد انتشر مذهبهم على يد الإمام سحنون بن سعيد التنوخي راوي المدونة عن عبد الرحمن ابن القاسم تلميذ مالك بن أنس ﵏، وبين الشيعة الحكام، وقد تعرض كثير من العلماء للبطش والاضطهاد والقتل على أيديهم، بسبب معارضتهم لسب الصحابة، والإفتاء بمذهب مالك، وعدم الانصياع لهم في ألفاظ الأذان وغير ذلك، مما رآه العلماء مسوغا لقتالهم، فمات بعضهم مجاهدا، منهم عباس بن عيسى الممسي، وربيع القطان بن عطاء الله القرشي اللذان قتلا سنة (٣٣٣ هـ)، وبعض المتوفين من شيوخ ابن أبي زيد، وقد قتل في لقاء واحد مع العبيديين خمسة وثمانون من العلماء والعباد كما ذكر ذلك المؤرخون. ومما يعطي صورة موجزة عن هذا الوضع ما ذكره القاضي عياض في المدارك في ترجمة أبي الفضل العباس بن عيسى الممسي أحد شيوخ ابن أبي زيد قال: «كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام والتستر، كأنهم ذمة، تجري عليهم في

стр. 13

كثرة الأيام محن شديدة، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينا الأعمى السباب لعنه الله تعالى في الأسواق للسب بأسجاع لقنها، يتوصل منها إلى سب النبي ﷺ في ألفاظ حفظها، وعلقت رؤوس الأكباش والحمر على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة، مكتوب فيها أسماء الصحابة؛ اشتد الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قتل أو مُثل به، وذلك في أيام الثالث من بني عبيد، وهو إسماعيل الملقب بالمنصور لعنه الله تعالى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة … »، انتهى. وقال في ترجمة أبي جعفر أحمد بن موسى التمار: «ودارت على أناس كثيرين من المدنيين وغيرهم محن كثيرة، كمحنة عمروس في خلع لسانه، وابن معتب في ضرب ظهره، وابن المدني في ضرب ظهره وصفعه، وابن اللباد بسجنه، وابن البرذون وابن هذيل بقتلهما وصلبهما، وأشياء كثيرة من جهة ترك (حي على خير العمل) في الأذان، وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، والفتيا بمذهب مالك رضي الله تعالى عنه»، انتهى. وقد توانى بعض فقهاء المالكية في مناصرة دولة الأغالبة كما قلت، لما لحق بعضهم من أذى على يد حكامها، وكثير منهم على منهج الاعتزال كما سبق، فكان في ذلك نوع مساعدة على إقامة حكم العبيديين الذين هم شر منهم، فما أن استلموا زمام الأمور حتى عملوا على تقوية مذهب الحنفية وقد كانوا أقلية؛ نكاية في المالكية الذين ناهضوهم، فأصبح منهم القضاة والمفتون، وأخرج العبيديون أضغانهم على المدنيين، فجرت على أهل السنة ولا سيما العلماء منهم في تلك المدة محن، وقد أثر موقف العبيديين هذا على الحنفية، فكان من جملة أسباب عزوف الناس عن مذهبهم في هذه البلاد، وإن انتعش قليلا بعد دخول العثمانيين فيما بعد بقرون. لكن بني عبيد قد ولوا بعض المالكية القضاء بإلحاح عليهم للتغطية على كيدهم ومكرهم كما فعلوا مع أبي عبد الله بن أبي منظور المتوفى سنة (٣٣٧ هـ)، ومرادهم تهدئة نفوس علماء السنة وسائر الناس، فكان من شرطه في قبوله تولي القضاء أن لا يقبل لهم صلة، ولا يركب لهم دابة، ولا يقبل شهادة من أقاربهم، ولا يركن إليهم، فلم يجدوا بدا من إجابته إلى ما شرط.

стр. 14

غير أن أتباع مذهب مالك ما لبثوا أن عادت لهم الكرة حين ضعفت دولة بني عبيد، بعد أن كان لهم في مقاومتها والصبر على شرها اليد الطولى، ولهذا وقفوا إلى جانب أبي يزيد الخارجي مخلد بن كداد صاحب الحمار، لما أظهر الميل إلى السنة مخادعا، رغم ما بين منهجهم ومنهجه من المخالفة، فعلوا ذلك هربا من شر أعظم، أقله أن منعوا من التدريس والإفتاء، بيد أن صاحب الحمار هذا ما ألان لهم الجانب وأظهر اتباع السنة إلا للكيد والمكر، ولذلك أوعز إلى المقاتلين من أتباعه أن يسهلوا مهمة العبيديين في قتل الكثير ممن خرج من أهل السنة لمناصرته، فمات منهم خلق في الحرب على أبواب المهدية، حتى إذا أظهر نزعته الخارجية وكيده لهم صراحة انقلب الأمر وتغير الحال، وسبحان مقلب الأحوال. ولما انتقل بنو عبيد إلى مصر وتركوا على إفريقية عمالهم من أبناء زيري بن مناد الصنهاجي؛ شجع الفقهاء الزيريين على الاستقلال عن العبيديين، فلما أعلن الانفصال عنهم المعز الصنهاجي عادت للمالكية مكانتهم التي فقدوها؛ فجاء عهد الانتقام من الباطنية الذين بقوا في البلاد، حتى قيل إنه قتل بكل سني واحد منهم. وقد سكت العبيديون في مصر عن المالكية أول الأمر، للتمكين لحكمهم في بداية أمره كما يفعل الحكام عادة في كل زمن، ومصر بلد يغلب عليه أهل السنة من المالكية والشافعبة، فلما كان عهد الحاكم بأمره تتبع المالكيةَ وقتل بعض قضاتهم، وتجددت المحنة، ولم تقتصر سياسة العبيديين على الاضطهاد، بل تجاوزوا ذلك إلى تمكين النصارى من رقاب المسلمين حتى قال القائل كما في خطط المقريزي: إذا حكم النصارى في الفروج … وغالوا بالبغال وبالسروج وذلت دولة الإسلام طرا … وصار الأمر في أيدي العلوج فقل للأعور الدجال هذا زم … انك إن عزمت على الخروج ومع هذا الوضع الذي كان أهل السنة يعيشونه في بلاد المغرب الأدنى وحاضرتها مدينة القيروان التي كانت تسمى إفريقيا لأهميتها؛ فإن نشاط العلماء لم يفتر، ولم تنقطع

стр. 15

الرحلة في طلب العلم من القيروان إلى المشرق وإليها، وكانت هذه الرحلات بالإضافة إلى المراسلات وحركة الناس مع الجيوش الفاتحة من وسائل نقل ما كان المشرق سابقا فيه من علم الكلام الذي كان أثر فلسفة اليونان وبعض ما كان عليه الفرس وغيرهم، وكذا منهج الاعتزال وغير ذلك من أفكار الجماعات والفرق، بل كان من أهل المغرب من امتحن بمسألة خلق القرآن كما امتحن بها الإمام أحمد وغيره في المشرق، ومنهم سحنون بن سعيد آخذ المدونة عن عبد الرحمن بن القاسم، وستقف على شيء من هذا الذي كان يعتلج في هذه البلاد حين تعرف بعض تآليف ابن أبي زيد التي كانت رد فعل على هذا الذي طرأ. ويكفي أن تستعرض حياة المترجم له ونشاطه العلمي، ورحلته ورحلة الناس إليه لتأخذ صورة عن هذا الدأب العلمي الذي لم يتأثر بالفتن التي كانت تجتاح المنطقة، لاسيما والمؤلف قد عاصر العبيديين في المدة التي كانوا يمارسون الحكم فيها بأنفسهم، إن أهل العلم خير من يفقه أن الفتن ليست مبررا للانقطاع عن نشر العلم، فإنها لا تمد في الأعمار، ولا تمهل بها الآجال، ثم إن العلم من أعظم العبادات، والعبادة في الهرج كهجرة إلى النبي ﷺ . ومن الجائز بعد أن عرفت وضع عصر ابن أبي زيد السياسي باختصار أن تتساءل عن موقفه من دولتي العبيديين والخوارج؟، لا سيما والرجل لم يظهر على الأحداث السياسية والجهادية ظهور بعض شيوخه ومعاصريه، وقد كان بلا ريب على علم بما يجري، فقد شهد ما حصل لبعض شيوخه، فإن أبا بكر بن اللباد، وهو أكبرهم قد تعرض لأذى بني عبيد والخوارج، فامتحن بالضرب والسجن، وبعد خروجه لزم بيته، وأغلق عليه بابه، وقد قال القاضي عياض في ترجمته فكان «لا يسمَع إلا في خفية، وكان ربما خرج إلى المسجد، فيأتي الطلبة إلى بابه، فتفتح لهم خادمه، فإذا اجتمعوا أتته، فيدخل وتغلق عليهم فيقرأون، وكان منهم أبو محمد التبان، وابن أبي زيد ﵏، وغيرهم، وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم حتى تبتل بعرقهم، فأقاموا على ذلك إلى أن توفي»، انتهى.

стр. 16

وقد أشار ابن أبي زيد في رثاء شيخه هذا إلى شيء مما تقدم، إذ قال: إنا فقدناك فقد الأرض وابلها … فنحن بعدك نلقى الضيم والفتنا ونحن بعدك أيتام بغير أب … إذ غيب التربُ عنا وجهك الحسنا قد كان يعتز بالرحمن إذ قصدوا … لذله بهوان السجن إذ سجنا كم محنة طرقته في الإله فلم … يجد في ذلك إذ في ربه امتحنا كما سجل شيئا مما جرى لشيخه أبي الفضل الممسي الذي مات في قتال الروافض فقال: يا ناصر الدين قمت مسارعا … وبذلت نفسك مخلصا ومؤيدا وذببت عن دين الإله مجاهدا … وابتعت بيعا رابحا محمودا عهدي به بين الأسنة لم يكن … لله عند لقا العدو كمودا كانت حياتك طاعة وعبادة … فسعدت في المحيا ومت شهيدا وشيخه أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي كان يغلظ على أئمة الجور وأهل البدع وبني عبيد، فناله منهم الأذى، وقد استأذن عليه يوما صاحب الحرس فهرب كل من معه من تلاميذه وغيرهم إلا القابسي، فلما خرج رجع من كان هرب، فقال لهم: «ما هذا حق الصحبة، تهربون وتتركوني»!!، ولامهم على فعلهم. وقد لا يخفي عن ابن أبي زيد ما جرى لبعض المعاصرين له من العلماء كأبي عبد الله محمد بن العباس الذهلي الذي ضرب وطيف به عريانا في جميع القيروان على حمار، والدم يسيل منه ثم سجن، لأنه كان يفتي بمذهب مالك، ويطعن على السلطان. وعبد الله بن أبي القاسم بن مسرور التجيبي الذي اشتد عليه المرض فخشي طلاب العلم أن يأخذ السلطان كتبه ويمنع الناس من الاستفادة منها ففرقها أثلاثا في ثلاثة مواضع، فكان أحد هذه الأثلاث في دار محمد بن أبي زيد. وقد كان أبو حنيفة النعمان

стр. 17

قاضي الشيعة الآتي ذكره - وهذا غير أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف -رحمه الله تعالى- وهو من أهل السنة - على خلاف شديد مع ابن مسرور هذا، حتى قيل إنه مر به يوما فقال: السلام عليك يا أبا محمد، فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، وكرر عليه، فرد مثله، وجرى بينهما كلام أذعن في نهايته القاضي الشيعي لابن مسرور. فالذي يتجه أن يقال إن ابن أبي زيد وقد عاين وسمع بما جرى لشيوخه وغيرهم من العلماء آثر خدمة نهج السنة والجماعة خدمة علمية هادئة عن طريق التعليم والفتاوي والتأليف، وليس ذلك بقليل، وما تعرض له من حملة قادها بعض المنسوبين للعلم منبئ بما قلت، فخدمة الحق بالطريقة التي اختارها كانت أجدى من المقاومة العلنية التي كثيرا ما تنتهي إلى الانقطاع، والاستمرار في الدعوة إلى الحق بهدوء وطول نفس أفضل بكثير من الطفرات والصيحات. وقد ذهب بعض الباحثين إلى تعليل افتتاحه الرسالة بالحديث عن العقيدة بمقاومة هذه النزغات التي كانت تجتاح المنطقة، وكذلك تأليفه كتاب الجامع الملحق باختصار المدونة، ولا مانع أن يكون من جملة الأسباب أنه كان في هذا الزمن ما يزال تلميذا لم يشتهر كما اشتهر شيوخه، الذين كانت مكانتهم العلمية من جملة دواعي ما لحقهم من أذى، حتى إذا أدرك آثر ذلك النهج على غيره. لقد عاصر ابن أبي زيد شخصية علمية عند الشيعة الإسماعيلية، هو القاضي أبو حنيفة النعمان مؤلف كتاب (دعائم الإسلام)، المتوفى سنة (٣٦٣)، وقد تحدث في بدايته عن عقيدة الشيعة كما صنع ابن أبي زيد بحديثه عن عقيدة أهل السنة والجماعة في كتابيه الرسالة والجامع، كان هذا الرجل من كبار رجال الدولة العبيدية، وقد استفاد من تجاربه وعيشه في هذا الوسط السني، فاصطنع نوعا من العقلانية في عرض مذهبه في ذلك التأليف، إذ اجتهد في تجريده ما أمكن من مسحته الباطنية، وطبعه بطابع (الاعتدال)، حتى يقربه من الناس، معتمدا على مبدإ التقية عند هؤلاء القوم، وإذا قرأت حديثه مع ابن مسرور في المدارك أيقنت بهذا النهج عنده، فلعل بعض تآليف ابن أبي زيد وهي مسهلة ميسرة إنما كانت نوعا من الرد والدفع في وجه مثل هذا الرجل وغيره من ذوي النزعة الخارجية، وسائر

стр. 18

جماعات الابتداع التي كانت السياسة تدعمها بهذا الأسلوب العلمي الهادئ الموادع الذي تستفيد منه طبقات المجتمع الواسعة. ولعلّ من القرائن على هذه المجاهدة العلمية الهادئة أن ابن أبي زيد افتتح كتاب (الجامع) المذكور بباب هو (باب ذكر السنن التي خلافها البدع، وذكر الاقتداء والاتباع، وشيء من فضل الصحابة، ومجانبة أهل البدع)، وهو يقول فيه: «وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وقيل ثم عثمان وعلي، ونكف عن التفضيل بينهما»، ويقول عن الصحابة: «وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو مرة فهو بذلك أفضل من أفضل التابعين»، ويقول عن الخوارج: «ولا باس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة». وقد عقد بعض المستشرقين مقارنة بين رسالة ابن أبي زيد وكتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان باعتبارهما نتاجا لفترة زمنية واحدة، وبلد واحد يصطرع فيه منهجان أو أكثر، أعني منهج السنة، والشيعة والخوارج، وتوصل افتراضا إلى أن بين الكتابين صلة الرد والمقاومة، وما ألمحت إليه من الكلام الذي جرى بين أحد شيوخ ابن أبي زيد والنعمان، وما رأيت من اتجاه المترجم له إلى خدمة السنة عن طريق العلم ينقل افتراض هذا المستشرق إلى الظن الراجح، وقد أشار إلى كلامه محقق كتاب الجامع في قسم الدراسة. • ثانيا: ترجمة ابن أبي زيد ترجم لهذا العالم في مصادر عديدة، منها العامة، ومنها الخاصة بأهل المذهب، وعلى رأسها المدارك للقاضي عياض، والديباج المذهب لابن فرحون، وشجرة النور الزكية لمحمد ابن محمد مخلوف، وتوسع في ترجمته محققا كتاب «غرر المقالة في شرح غريب الرسالة»، وقد انتقيت من المصادر والمراجع التي وصلتها يدي ما أثبته هنا. فقلت: هو عبد الله أبو محمد بن أبي زيد، واسم أبي زيد عبد الرحمن، النفزاوي النسب، ونفزة مدينة بالجنوب التونسي، وقيل إنها نسبة لقبيلة نفزاوة في الأندلس، ولد سنة (٣١٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٨٦ هـ)، كان يقيم بالقيروان، فتفقه بفقهاء بلده، وسمع من شيوخها، وفي مقدمتهم أبو بكر بن اللباد، وأبو الفضل عباس بن عيسى الممسي، وأخذ عن

стр. 19

محمد بن مسرور بن العسال، ودراس بن إسماعيل، وعبد الله بن أحمد الأبياني، وسعدون بن أحمد الخولاني، وأبي العرب وغيرهم. كما أخذ عن غير أهل بلده، حيث ارتحل وحج فسمع من ابن الأعرابي، وإبراهيم بن محمد ابن المنذر، وأبي علي بن أبي هلال، وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي، واستجاز ابن شعبان، والأبهري، والمروزي. وأخذ عنه كثيرون، منهم أبو القاسم البراذعي صاحب التهذيب، واللبيدي، وأبو عبد الله الخواص، وهم من القيروان، ومن الأندلسيين أبو بكر بن موهب المقبري شارح رسالته، وأبو عبد الله بن الحذاء، وأبو مروان القنازعي، ومن أهل سبتة أبو عبد الرحمن بن العجوز، وأبو محمد بن غالب، وغيرهم، وكان له أصحاب في كل من العراق ومصر يبعث إليهم بكتبه ويصلهم بعطاياه. واعلم أنه قد وقع لمحقق كتاب الجامع لابن أبي زيد ما استدعى تنبيهي عليه، فإنه وهو بصدد ذكر بعض فتاويه نقل عن المعيار للونشريسي ما يؤخذ منه أن نحو (٧٠٠٠٠) مسألة قد نقلت عن ابن أبي زيد إلى العراق، ومن رجع إلى المعيارعلم أن المنقول عنه هو مالك لا ابن أبي زيد. قال في الديباج: حاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وضم نشره، وذب عنه، وملأت البلادَ تآليفه، عارض كثير من الناس أكثرها، فلم يبلغوا مداه، مع فضل السبق، وصعوبة المبتدإ، وعرف قدرَه الأكابر، وكان يعرف بمالك الصغير. وقال فيه القابسي: «هو إمام موثوق به في ديانته وروايته»، وقال أبو الحسن علي ابن عبد الله القطان: «ما قلدت أبا محمد حتى رأيت السبائي (في الديباج المذهب النسائي، وهو تصحيف) يقلده»، وقد استجازه ابن مجاهد البغدادي وغيره من أصحابه البغداديين، واجتمع فيه العلم والورع والعقل، شهرته تغني عن ذكره. وقال القاضي عياض: «كان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح القلم، ذا بيان ومعرفة بما يقوله، ذابا عن مذهب مالك، قائما بالحجة عليه، بصيرا

стр. 20

بالرد على أهل الأهواء، يقول الشعر ويجيده، ويجمع إلى ذلك صلاحا تاما، وورعا وعفة»، ونقل عن أبي عبد الله الميورقي قوله: «اجتمع فيه العلم والورع والفضل والعقل»، وعن الداودي: «أنه كان سريع الانقياد للحق»، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «الإمام العلامة القدوة الفقيه، عالم أهل المغرب،،، وكان أحد من برز في العلم والعمل». وقد شهد له القاضي الباقلاني باتساع علمه في الفروع، وأنه اطلع على شيء من الأصول، وذلك بمناسبة تولّيه الدفاع عنه كما سيأتي في الكلام على محنته. • محنة ابن أبي زيد: رغم أن ابن أبي زيد آثر منهج الدعوة إلى الله في هدوء، إلا أنه شارك في شيء من المناقشات والمساجلات في مسائل علمية كثر الكلام عليها في عهده، منها كرامات الأولياء، والاستثناء في قول المرء أنا مؤمن، وغيرها، وقد قال عياض عنها في ترجمة محمد بن سحنون المتوفى سنة (٢٥٦ هـ): «وجرى بين أبي التبان، وابن أبي زيد، والممسي وأبي ميسرة والدراوردي وغيرهم في ذلك مطالبات ومهاجرة، والصحيح في هذا أيضا ما قاله محمد بن أبي زيد: «إن كانت سريرتك مثل علانيتك فأنت مؤمن عند الله، زاد الدراوردي: «وختم لك بذ لك»، انتهى، وسيأتي أن لابن أبي زيد كتابا سماه الرد على أبي ميسرة المارق. وقد تعرض ابن أبي زيد بسبب ما كان عليه من التزام الاتباع، وبسبب تآليفه التي تعددت أغراضها إلى حملات من المتصوفة، بل ومن بعض أهل الحديث، ممن لم يفهم كلامه على وجهه، وما أكثر ما يلتقي المختلفون على محاربة شخص أخذا بالظِّنَّة والنقول الملفقة، والأخبار الكاذبة، أو بالاعتماد على محتمل الكلام، ومن طالع ما قيل في هذا الأمر، وعلم عناوين الكتب التي ألفت في الرد على ابن أبي زيد، والأعلام الذين انساقوا وراء الحملة عرف حجمها، فاقرأ ما قال عنها القاضي عياض: «ولما ألف كتابه الرد على البكرية ونقض كتاب عبد الرحيم الصقلي بتأليفه الكشف وكتاب الاستظهار ورد كثيرا مما تقلده من خارق العادات على ما قدره في كتابه شنع المتصوفة وكثير من أصحاب الحديث عليه ذلك، وأشاعوا أنه نفى الكرامات، وهو ﵁ لم يفعل، بل من طالع كتابه عرف

стр. 21

مقصده، فرد عليه جماعة من أهل الأندلس وأهل المشرق، وألفوا عليه تواليف معروفة، ككتاب أبي الحسن بن جهضم الهمداني، وكتاب أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله بن شق الليل، وأبي عمر الطلمنكي في آخرين»، انتهى. والبكرية - وليس الفكرية كما جاء في بعض الكتب - نسبة إلى أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد البكري الصقلي، وهو فقيه صوفي ألف كتاب كرامات الأولياء والمطيعين من الصحابة والتابعين، فرد عليه ابن أبي زيد ما ذهب إليه من قلب الأعيان ورؤية الله في اليقظة وغيرها. وقال الشيخ زروق: «قالوا: وكان ينكر الكرامات، ثم اختلفوا، هل حقيقة أو حماية للذريعة، وهل رجع أم لا، والله أعلم»، انتهى. والذي يعرف ابن أبي زيد لا يسعه إلا الجزم باستبعاد أن يكون ممن ينكر الكرامات، وإنما ينكر المغالاة فيها، والاستكثار من التحدث بها، أو الاستناد إليها في دعوى الصلاح، دون التفات إلى مدى التزام مدعيها منهاج السنة النبوية، وكونها لا يتحدى بها كما هو الشأن في المعجزة، وقد تكون مجرد استدراج، وقد وجد من فهم مراده، ووضع كلامه موضعه، فنافح عنه. قال عياض: «وكان أرشدهم في ذلك وأعرفهم بغرضه ومقداره إمام وقته القاضي أبو بكر بن الخطيب الباقلاني، فإنه بين مقصوده. قال الطلمنكي: كانت تلك من أبي زيد نادرة لها أسباب، أوجبها التناظر الذي يقع بين العلماء، صح عندنا رجوعه عنها». قلت: والذي يظهر أنه لم يقع في شيء يحتاج إلى التراجع عنه، والطلمنكي نفسه كان من المناهضين له، ثم لتلميذه أبي بكر المقبري، والله يغفر للجميع. وقد أغلظ ابن رشد الجد؛ النكير على ابن أبي زيد، لكونه كان يرى صحة رؤية النبي ﷺ في المنام، وينكرها في اليقظة، ويشدد على الرجل الذي يدعيها في اليقظة، وما قاله ابن أبي زيد هو الحق. ويوضح ما ذكره عياض من موقف الباقلاني ما أورده الونشريسي في المعيار

стр. 22

(٢/ ٣٩٢) و (٤٤٢) و (٤٤٣) أن ابن أبي زيد كاتب الباقلاني في المسألة، فألف هذا كتابا سماه الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ومما قاله في مقدمته: «وشيخنا أبو محمد مع اتساع علمه في الفروع، واطلاعه على شيء من الأصول؛ لا ينكر كرامات الأولياء، ويذهب إلى ما يذهب إليه المعتزلة، وإنما أراد بقوله كذا، وأخذ يتأول له»، انتهى، ومما يؤكد هذا أنه ألف في كرامات الأولياء كتابه المسمى إثبات كرامات الأولياء كما سيذكر بعد. وقد ترسخ نهج ابن أبي زيد المعتدل في النظر إلى الكرامات لدى بعض تلاميذه، فتعرضوا لشيء مما تعرض له شيخهم، منهم تلميذه محمد بن موهب التجيبي الحصار المعروف بالمقبري، وكما شارك في الحملة على ابن أبي زيد بعض المتفقين معه في المنهج حصل ذلك لتلميذه هذا، فقد وقف جماعة من الفقهاء والمحدثين في الحزب المضاد له، مما أدى بالحاكم إلى تسيير بعض من الطائفتين عن الأندلس إلى العدوة، ولم يرجع المقبري إلى قرطبة إلا متخفيا متنكرا، قال عياض ﵀ في ترجمته من المدارك: «كان أبو بكر هذا لتعلقه بهذه العلوم النظرية الغريبة بالأندلس مشوما عند كثير من الفقهاء بقرطبة، سيما من لم يتعلق منهم من العلم بغير الفقه ورواية الحديث، ولم يحضر في شيء من النظر، وكان أبو عون الله شيخ المحدثين في طائفة من أصحابه، منهم أبو عمرو الطلمنكي تلميذه قد أغروا به، فجرت بينه وبينهم قصص ومجاوبات في مسألة الكرامات، فإن ابن موهب (في الأصل ابن وهب) كان يذهب فيها مذهب شيخه أبي محمد بن أبي زيد ﵀ في إنكار الغلو فيها، وكان أولئك يجوزونها، ويسعون في رواية أشياء كثيرة منها، وكان يثبت نبوءة النساء، ويقول بصحة نبوءة مريم، وبإحالة بقاء الخضر ﵇ أبد الآبدين» انتهى. • بعض خصاله: وقد اشتهر ابن أبي زيد بجملة من الخصال منها الخضوع للحق، وسرعة الانقياد له كما قاله عنه الداودي، ومنها الكرم وإنفاق المال في وجوه الخير عموما، وعلى أهل العلم وطلابه خصوصا، فقد وهب ليحي بن عبد الله المغربي عند قدومه إلى القيروان مائة وخمسين دينارا ذهبيا، ووصل القاضي عبد الوهاب بألف دينار ذهبا عندما بلغه إقلاله،

стр. 23

وهو الإقلال الذي خرج بسببه فيما بعد من بغداد، وقال أبياتا في ذلك مشهورة، فلما بلغته عطيته قال: هذا رجل وجبت علي مكافأته، فكان ذلك سبب شرحه رسالته كما سيأتي ذكره إن شاء الله. وقد شكّك الذهبي في هذا الأمر على اعتبار أن القاضي عبد الوهاب لم يشتهر إلا بعد وفاة ابن أبي زيد سنة (٣٨٦ هـ)، لكن ذكر صاحب شجرة النور الزكية أن القاضي ولد سنة (٣٦٣ هـ)، فإذا صح هذا تبين عدم وجاهة اعتراض الذهبي ﵀، فإن الأمر غير مستبعد بالنظر إلى ظهور النجابة على كثير من الناس في سن مبكرة كما ستعلم من تاريخ تأليف ابن أبي زيد للرسالة، ومن السن الذي انتصب فيه مالك للفتوى، وقد كان عمر القاضي عبد الوهاب حين وفاة ابن أبي زيد ثلاثا وعشرين سنة، وقال القاضي عياض: «ورأيت في بعض التواريخ أن سنه (يعني القاضي عبد الوهاب) كان حين مات ثلاثا وسبعين سنة»، انتهى، وإذا صح هذا كان سنه حين وفاة ابن أبي زيد أكثر مما ذكرنا لأنه توفي سنة (٤٢٢ هـ)، على أن القاضي عبد الوهاب كثيرا ما يقول عن ابن أبي زيد شيخنا، ولعله يعني أنه شيخه بالمكاتبة. ومما تميز به أيضا كراهيته للجدال، قال الذهبي في ترجمته كان «على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام ولا يتأول»، وهو ما بينه ابن أبي زيد في رسالته هذه ذاكرا منهج المسلم الذي يتعين سلوكه، قال: «واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم، وترك المراء والجدال في الدين، وترك كل ما أحدثه المُحْدِثُون»، وقال في ختام عقيدته عاطفا على ما هو مطلوب: «وترك المراء والجدال في الدين». وقد ألف كتابا في النهي عن الجدال، لكنه لما احتاج إليه انبرى للرد على المبتدعة فألف كتابا في الرد على القدرية، وله كتاب مناقضة رسالة البغدادي المعتزلي، وكتاب الاستظهار في الرد على البكرية، ولعل القاضي عبد الوهاب قد أشار إلى بعض هذه الكتب التي رد فيها ابن أبي زيد على منكري النبوات ومتأولي الصفات في قوله: «وقد استوفاه شيخنا ﵀ في كتبه، وأشبع القول فيه، وإنما القصد من الكلام في شرح هذه المقدمات بيان

стр. 24

أصول الملة، وما يلزم القلوب اعتقاده، والألسنة النطق به» (١). ولم يكن ترك الجدال منهجه في الأمور العقدية فحسب، بل طرده إلى غيرها من الأمور العملية، فضلا عن تركه التأويل، فهو يرى أن يسلم للنصوص، وأن لا تؤول، وأن تفهم على فهم السلف، وأن لا يخرج عن أقوالهم، كما قال في كتاب الجامع ص (١١٧) الذي هو أحد أجزاء كتابه (مختصر المدونة): «التسليم للسنن، لا تعارض برأي، ولا تدفع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه من الحديث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه، أو تأويله، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث». • مؤلفاته: تآليف ابن أبي زيد كثيرة، قيل إنها بلغت الأربعين، ولعل بعض من ترجموا له قد اختلفوا في أسماء بعضها، فازداد عددها بسبب ذلك، فمثلا كتاب (أحكام المعلمين والمتعلمين) الذي اعتمده ابن خلدون في بيان الحكم الشرعي في تأديب المتعلمين يرجح أن يكون هو المسمى (رسالة طلب العلم)، وقد أنكره فؤاد سزكين في كتابه (تأريخ التراث العربي)، كما أن كتاب (الاقتداء بأهل السنة) يسميه بعضهم (الاقتداء بأهل المدينة)، وبعضهم يطلق عليه (الاقتداء)، ولعله اختصار لما سبق، ويسميه بعضهم (الأمر والاقتداء، والنهي عن الشذوذ عن العلماء، وإيجاب الائتمام بأهل المدينة)، حتى زعم بعضهم أنها ثلاثة كتب كما تجده في مقدمة التحقيق الذي قام به الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو لكتاب النوادر والزيادات، وكتاب (تهذيب العتبية)، لعله هو الذي سماه ابن النديم في فهرسته (التهذيب المستخرج)، وبعضهم يسميه (تهذيب المستخرجة). بيد أن أهم كتبه ثلاثة هي (النوادر والزيادات، عما في المدونة من غيرها من الأمهات)، و (مختصر المدونة)، و (الرسالة)، قال القاضي عياض عن الأولين: «على

стр. 25

كتابيه هذين المعول بالمغرب في التفقه»، وقال أيضا: «وجملة تواليفه كلها مفيدة بديعة، غزيرة العلم»، وقد سرد منها في المدارك ثمانية وعشرين مؤلفا، وقد نقلتها عنه هنا، واعتمدت في بقية ما ذكرته على ما ذكر في الكتب التي ترجمت له بخاصة، أو له ولغيره، وها هي ذي مؤلفاته: - كتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات. - مختصر المدونة، (وسماها بعضهم رسالة في الفروع المالكية). - الاقتداء بأهل السنة، وقد تقدم أن له ثلاثة أسماء. - الذب عن مذهب مالك. - الرسالة، وهي التي ندرسها. - التنبيه على القول في أولاد المرتدين. - مسألة الحبس على ولد الأعيان. - تفسير أوقات الصلوات. - كتاب الثقة بالله والتوكل عليه. - المعرفة واليقين. - المضمون من الرزق. - المناسك. - رسالة في حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن. - كتاب رد السائل. - كتاب حماية عرض المؤمن. - البيان عن إعجاز القرآن. - رد الخاطر من الوساوس. - رسالة إعطاء القرابة من الزكاة. - رسالة النهي عن الجدال. - رسالة في الرد على القدرية ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي.

стр. 26

- الاستظهار في الرد على البكرية. - كشف التلبيس، وهذا والذي قبله كانا من أسباب محنته. - رسالة الموعظة والنصيحة. - الموعظة الحسنة لأهل الصدق. - رسالة طلب العلم. - كتاب فضل قيام رمضان (والاعتكاف). - رسالة إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن. - رسالة في أصول التوحيد. - رسالة فيمن تأخذه على تلاوة القرآن والذكر حركة. - النكاح بغير بينة. - الدعاء. - مدح رسول الله. - قصيدة في البعث. - حكايات عن سعيد الحداد. - تهذيب العتبية. - الرد على أبي ميسرة المارق. - كتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ. - أحكام المعلمين والمتعلمين. - إثبات كرامات الأولياء. وقد بين سزكين في كتابه (تأريخ التراث العربي) أن الموجود من كتبه ثمانية هي الرسالة، وكتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، وكتاب مختصر المدونة، وتهذيب العتبية، والرد على ابن ميسرة المارق (وقد ترجم إلى الفرنسية)، وشعر في مدح النبي ﷺ ، والذب عن مذهب مالك، ولا أذكر الثامن الآن. ولمكانة ابن أبي زيد وشهرته وكثرة تآليفه فقد نسب إليه بعض الناس كتبا، كما

стр. 27

فعلوا مع غيره، واعتمدوا عليها في بعض الفتاوي ليروجوها، فنبه على ذلك أهل المعرفة، وحذروا منها، ومن تلك الكتب المكذوبة (التقريب والتبيين)، و (الفصول والدلائل). قال القوري ﵀: «وقد رأيت جميع تلك التآليف، ولا يشبه ما فيها قولا صحيحا» (١). • ثالثا: خصائص الرسالة تميزت رسالة ابن أبي زيد بخصائص عدة من بين كتب الفقه على مذهب مالك، فلها مكانة خاصة فيه، ولها لغتها وأسلوبها، وطريقة عرضها الأحكام، واعتمادها نصوص الكتاب والسنة، وكونها موجهة للولدان، وغير ذلك مما سأذكره: ١ - اللغة والأسلوب: ا- فهي سلسة التعبير، سهلة اللغة، غير مفتقرة في معظم ما فيها إلى الشرح، لكونها ليست مصنفا فقهيا خالصا كما هو شأن التلقين للقاضي عبد الوهاب، ومختصر خليل بن إسحاق رحمهما الله، ولهذا وصفها بعض الباحثين بأنها أوضح عرض لمذهب مالك ﵀، وهي كذلك لولا عدم استيعابها لكثبر من المسائل، ووصفها الشيخ زروق بقوله: «رسالة ابن أبي زيد شهيرة المناقب والفضائل، غزيرة النفع في الفقه والمسائل، من حيث إنها مدخل جامع للأبواب، قريبة المرام في الحفظ والكتب والاكتساب»، انتهى، وهذا وصف فيه دقة. ولذلك كان من المفضل أن يبتدئ بها الراغب في قراءة فقه هذا المذهب، وأن لا يقفز إلى مختصر خليل، أو غيره من المصنفات قبل أن يكون مهيأ لذلك، وأرى أن تقرأ على الطلاب أول الأمر بعيدا عن تفاصيل الشروح ليتمكن الطالب من أمهات المسائل ثم يتدرج في معرفة التفاصيل، وأن يقرن الحكم بالدليل. وقد قال محمد بن عمر النابغة صاحب البوطليحية المتوفى سنة (١٢٤٥) هـ، ينتقد بعض ما كان سائدا في مجتمعه، وهو يريد أن ما يصلح من الكتب لشخص قد لا يصلح

стр. 28

لآخر، لأن ذلك يختلف باختلاف الناس ومستوياتهم، وفي آخر الأبيات ما لا يرتضى قال: علامة الجهل بهذا الجيل … ترك الرسالة إلى خليل وترك الأخضري إلى ابن عاشر … وترك ذين للرسالة احذر وترك الأجرومي للألفيه … وترك الألفية للكافيه إن خليلا صار مثل الشم … يشمه كل قليل الفهم قد استوت فيه الكلاب والذئاب … ما أبعد السماء من نبح الكلاب! والملاحظ أن أسلوب المؤلف فيها لم يتغير كثيرا حين اتسع أفقه العلمي، ونضجت معارفه، كما يعرف ذلك بالمقارنة بين كلامه على العقيدة في هذه الرسالة وبين ما جاء في كتاب الجامع الذي جعله كالخاتمة لمختصر المدونة، ويترجح أنه ألفه بعد مدة من تأليفها، وفيه بعض الزيادات لنفي التأويل والاحتمال، أو بيان ما فيه إجمال، وسأشير إلى شيء من ذلك إن شاء الله في أثناء الشرح. ب- ومن ذلك أنها خالية من التعقيدات التي تميزت بها معظم مصنفات الفقه، والتفريعات التي أدرجت فيها استنادا إلى الافتراضات والآراء، فكان هذا من جملة العقبات التي حالت دون الاستفادة مما في هذه المصنفات من علم غزير، ولا سيما بعد أن فترت الهمم، وكلت العزائم، ولم تنفع الشروح التي كتبت على تلك المصنفات في كثير من الأحيان، إن لم نقل إن بعضها فيه من الغموض والتعقيد أكثر مما في الأصل. ج- ومنها الابتعاد عن التعاريف والحدود كما هو عادة المصنفين المتأخرين في الفقه وغيره، ولعل السبب أن الرسالة موجهة إلى الغلمان والصغار ولا يناسبهم ذلك. د- ومنها عدم التقيد الصارم بالتراجم، إذ ربما ذكرت أشياء لا تدخل تحت الترجمة، فيذكرها تبرعا، وقد لا يتقيد بذكر بعض المسائل في مواضعها. هـ- ويعثر قارئها على شيء غير قليل من التكرار، إما ليرتب المصنف عليه أمرا جديدا يريد ذكره، وإما أنه يكرر ليرسخ المعلومات ويؤكدها، أو يشير إلى الشيء

стр. 29

بالمفهوم، ثم يذكره بالمنطوق، وهذا قد أكثر منه مالك في موطئه، لا سيما والرسالة قد كتبت للولدان، ولا يمكن أن يكون ذلك كله سهوا من المؤلف لتقارب المكرر من الأصل في بعض المواطن، وهذا منهج غير منكور، بل هو مطلوب، فقد كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، حتى تفهم عنه، وربما كرر الكلمة للتهويل، كما قال: «ألا وقول الزور»، فما زال يكررها حتى قالوا ليته سكت، يقصدون افشفاق عليه. ٢ - زمن التأليف: كتب ابن أبي زيد رسالته وعمره سبع عشرة سنة، كما ذكره المترجمون له، ولذا وصفت الرسالة بأنها باكورة السعد، وقد دونت استجابة لرغبة من أحد رفاقه وتلاميذه، وهو مؤدب الصبية ومعلمهم القرآن الكريم، وهو أبو محفوظ محرز، بفتح الراء، ابن خلف البكري المولود سنة (٣٤٠ هـ)، المتوفى سنة (٤١٣ هـ)، وهو الذي أشار إليه في مقدمة كتابه، فقال: «فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمل به الجوارح،،،». وقيل إن الذي طلب منه تأليفها هو إبراهيم بن محمد السبائي، قال زروق: «وعلى الأول اقتصر أصحاب التقاييد، وعلى الثاني اقتصر المؤرخون، ويحتمل اتفاقية الجمع، وإلا فالأول أرجح»، انتهى، ورفض ابن ناجي أن يكون المقترح هو السبائي لكونه لا يعلم أحدا تحدث عن مناقبه، فذكر فيها أنه كان مؤدبا يعني معلما للصبيان، والحال أن المؤلف يخاطب معلما لهم، كما أبى أن يكون الاقتراح مزدوجا نظرا لصيغة الإفراد التي دأب عليها المؤلف في مقدمة رسالته كقوله: «فإنك سألتني»، وأمثلته كثيرة، وقوله في ختامها: «وأنا أسأل الله أن ينفعنا وإياك بما علمنا». لكن هذا ليس موجبا للرد، إذ يمكن أن تكون الرسالة كتبت مرتين، وهو ما ذهب إليه بعض الباحثين، والحجة في ذلك واضحة، فإن المصادر كالمطبقة على أنه ألفها وعمره سبع عشرة سنة، بل نقل بعضهم إجماع المصادر عليه، فيكون ذلك سنة (٣٢٧ هـ)، وهذا قبل مولد الشيخ محرز بثلاث عشرة سنة، وقد نقل الشيخ زروق في خاتمة شرحه أنه ألفها

стр. 30

وعمره سبع وعشرون سنة، والأمر في حاجة إلى التأكد من سنة ميلاد المقترح، ومن سن المرلف الذي ألفها فيه، ثم من معرفة النسخة التي انتشرت بين الناس، أهي الأولى أم الثانية؟. ٣ - العناية بتعليم الصغار: وقد رمى بكتابتها إلى أن تعتمد في تعليم الصغار، وهو ما بينه في مقدمتها حيث قال: «،،، لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان، كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته»، وقال في ختامها: «لقد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا مما ينتفع به إن شاء الله من رغب في تعليم ذلك للصغار، ومن احتاج إليه من الكبار». وقد استحسن القاضي عبد الوهاب هذا من المؤلف حيث قال وهو بصدد شرح قوله: «وأرجى القلوب للخير ما يسبق الخير إليه»، قال: «وهذا حجة لأبي محمد فيما رسمه في هذا الكتاب من تعليم الولدان، ولهذا قال بعض السلف: «لا تمكن زائغ القلب من أذنيك حراسة للقلب أن يطرقه من ذلك ما يخاف أن يعلق به». وقد بين ابن أبي زيد ﵀ ما للتعليم في الصغر من أهمية علمية وخلقية ونفسية في مقدمة رسالته، ما أحوجنا إلى أن نلتزمها حتى نجتنب هذه الهزات التي تغشانا بين الحين والحين، نتيجة التعليم المتعجل، وبواسطة هذه الوسائل الحديثة التي جلبت معها شرا كثيرا، على رأسه افتقار المعتمدين عليها إلى الأدب، والتدرج في اكتساب المعلومات، والتحلي بفضائل الأناة والصبر، ووضع خلاف المخالف في الحسبان حين مناقشة المسائل، فقد نبه إلى ضرورة تحفيظ الصبيان كتاب الله، وتعليمهم العقائد الصحيحة، وتدريبهم على الصلاة وغيرها من أمور الدين حتى يرتاضوا على أعمال الخير ويتعودوها، فلا يأتي عليهم البلوغ إلا وقد مالت إليها نفوسهم، وأنست بفعلها جوارحهم. وإني لأعجب أن تكون هذه الرسالة موجهة في أصل وضعها لتعليم الولدان، وهي الآن مما يستثقله بعض الكبار، مما يدل على المستوى العلمي الذي كان عليه الصغار في

стр. 31

الأمة قرونا، يوم كان العلم لا يطلب من أجل المعاش وحده، فتجده عند الفلاّح والتاجر والبزاز والخباز، وهو أمر أخذ به الكفار في هذا الزمان، وغفل عنه المسلمون الذين صدر عنهم، فأصبح العلم يطلب للمعاش. قال ابن حزم ﵀ عن الأحاديث والآثار التي أوردها في المحلى بمناسبة كلامه على صلاة السفر: «ولم نورد إلا رواية مشهورة ظاهرة عند العلماء بالنقل، وفي الكتب المتداولة عند صبيان المحدثين، فكيف أهل العلم»؟، وقد نقل في أثناء كلامه على هذه المسألة عن مصنفي ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والبزار، فضلا عن صحيح مسلم وغيره. وقال الشيخ شاكر ﵀ معلقا على قول ابن حزم السابق: «هذه الكتب التي كانت متداولة عند صبيان المحدثين في عصر ابن حزم القرن الخامس ومن أهمها مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، واختلاف العلماء لابن المنذر، صارت في عصرنا هذا، بل وقبله بقرون من النوادر الغالية التي لا يسمع اسمها إلا الخواص من كبار المطلعين على كتب السنة، وعامة المشتغلين بالحديث لا يعرفونها،،،» (١). وقد ذكر ابن العربي قصة جديرة بالتدبر، يؤخذ منها أن الفاميين (الخبازين) في بغداد، إبان العصر العباسي كانوا يتناقشون في مسائل علمية عالية، لا يكاد يدركها في عصرنا بعض من ينسبون للعلم، ولأهمية القصة أثبتها على ما فيها من طول، قال: «كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، فكانت الكتب تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق، ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه، أو يقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، وقضى غرضا من الطلب، وعزم على الرحيل شد رحله، وأبرز كتبه، وأخرج تلك الرسائل، وقرأ منها ما لو أن واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله تعالى، ورحل على دابته قماشه، وخرج إلى باب الحلبة طريق خرا سان، وتقدمه الكري بالدابة، وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: «أي فل!، أما سمعت العالم يقول-يعني الواعظ-: إن

стр. 32

ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة؟ لقد اشتغل بالي بذلك منه منذ سمعته يقوله، وظللت فيه متفكرا، ولو كان ذلك صحيحا، لما قال الله لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤])، وما الذي كان يمنعه أن يقول حينئذ: إن شاء الله فلما سمعته يقول ذلك قلت: «بلد يكون الفاميون فيه من العلم بهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبدا، واقتفى أثر الكري، وحلله من الكراء، وصرف رحله، وأقام بها حتى مات ﵀»، هذا حال الخبازين في عصور الإسلام الزاهرة، فقارنها بحالهم اليوم تجد الكثير منهم لا يكادون يعرفون مهنتهم، بل لك أن تعمم الحكم على كثير غيرهم، فكيف ينتظر ممن هذا حاله أن يتفقه في الدين؟. وقد لا يخفى عنك أن الغربيين سلكوا هذا المسلك، إنك تجد حامل الشهادة العالية في تخصص ما يقوم بعمل لا صلة له في الظاهر بتخصصه دون غضاضة، كأن يقود سيارة أجرة، أو يعمل طباخا، أو نحو ذلك، كنا نطلب العلم لنصلح به العمل لا لمجرد العيش ثم صار العيش الهدف. ٤ - الاهتمام بوصف الأعمال: وأبرز الأمور ملاءمة للصغار قي هذه الرسالة بالإضافة إلى ما تقدم من سهولة اللغة والابتعاد عن التعاريف والتكرار تركيزه على كيفية الفعل، وبيان ما يجزئ من الأعمال عبادات وغيرها أكثر من اعتماده بيان المفروض من المسنون، وإن لم يهمله بالكلية، ولا يخفى أن أسلوب الوصف هو المناسب، لكونه أسلوبا عمليا، وإن فضل بعض أهل العلم معرفة الأحكام على الوصف، بل شكك بعضهم في صحة عبادة من لم يعرف حكم الأفعال والأقوال، والتمييز بين الواجبات وغيرها. قال ابن أبي زيد ﵀: «باب صفة الوضوء والاستنجاء والاستجمار»، وقال: «باب صفة العمل في الصلوات المفروضات»، وقال: «باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه»، وقد اتبع هذا الأمر في أبواب أخرى، وإن لم يصرح بأن الباب معقود للوصف، كما في الحج والعمرة، ولذلك تجد الشراح يقدرون المحذوف من الكلام لهذا السبب، قال أبو الحسن في شرح باب صفة العمل في الصلوات: «وقد اشتملت الصفة التي ذكرها على

стр. 33

فرائض وسنن وفضائل، ولم يميزها، ونحن نبين كلا من ذلك إن شاء الله تعالى في محله. ويؤخذ من كلام أبي الحسن أن من أتى بصلاته على نحو ما رتب، ولم يعلم شيئا من فرائض الصلاة، ولا من سننها وفضائلها؛ أن صلاته صحيحة، وهو صحيح إن كان أخذ وصفها من عالم، وقيل تبطل، ولذا قال بعضهم: حاجتنا إلى معرفة الأحكام آكد من حاجتنا إلى معرفة الصفة. وقال الشيخ علي الصعيدي في باب الإمامة: «والمراد بالعلم المذكور معرفة فرائضها وسننها وفضائلها، ويكفي معرفة تلك المذكورات ولو حكما، كمن أخذ صفة الصلاة من كلام المصنف أو من عالم، فإنها تصح خلفه، ولو لم يميز فرضا من سنة» (١). وقال الشيخ أحمد بن غنيم النفراوي في شرحه أوائل كتاب الحج والعمرة: «لكن تقرر أن من أراد الشروع في شيء ينبغي له أن يعرف أركانه قبل الشروع في صفته» قلت: الأصل أن يعلم الإنسان كيفية العمل، ولا مانع من معرفة الأحكام، لكن كثيرا من الأحكام مختلف في درجتها، بل عامة الناس يكفيهم الوصف كي يأتوا بالعبادة على وجهها الصحيح، ولهذا قال النبي ﷺ عن الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، وقال عن الحج: «خذوا مناسككم» (٣)، وكلاهما في الصحيح، وسأله أكثر من واحد عن كيفية الطهور، فتوضأ أمامه، وقال لبعض من علمهم: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم» (٤)، أو بين له الكيفية كما في حديث لقيط بن صبرة، بل إن جبريل ﵇ نفسه قد بين للنبي ﷺ أوقات الصلوات الخمس بيانا عمليا، حيث صلى به يومين متواليين، ثم قال: «ما بين هذين وقت»، ونفس العمل قام به النبي ﷺ مع الرجل الذي سأله عن مواقيت الصلاة، وقال له: «الوقت فيما بين هذين» (٥).

стр. 34

وقد ثبت عن بعض الصحابة أنهم كانوا يعلمون الناس وضوء النبي ﷺ بطريقة عملية، وربما اكتفى بعضهم بوصف وضوئه ﷺ ، أو جمع بين الأمرين، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وابن عباس، وعبد الله بن زيد، وأبو هريرة، والمقدام بن معديكرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو أمامة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، ﵃، كما فعلوا ذلك بالنسبة للصلاة، فكيف يقال ببطلان صلاة من لم يعرف ما ذكر؟، بل كيف يقال بأن الحاجة إلى معرفة الأحكام مقدمة؟، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطإ بلاغا عن ابن عمر ﵄ أن رجلا سأله عن الوتر أواجب هو؟، فقال ابن عمر: «قد أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون»، فجعل الرجل يردد عليه، وعبد الله بن عمر يقول: «أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون»، وهكذا سؤال من سأله عن حكم الأضحية فقال له: «ضحى رسول الله ﷺ والسلمون، فكرر عليه السؤال فقال له: «أتعقل، ضحى رسول الله ﷺ والسلمون»، وهو في سنن الترمذي، وهو ضعيف، ومنه حوابه من سألأه عن قربان المحرم امرأته إذا طاف، قذكر له فعل النبي ﷺ ، وقرأ قوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة»، وهو في الصحيح. ٥ - اشتمالها على الباب الجامع: لكن ابن أبي زيد ﵀ قد جمع بين الأمرين: الوصف الذي غلب عليه في الأبواب الخاصة بكل موضوع، وبيان حكم كثير من الأعمال في باب خاص سماه (باب جمل من الفرائض والسنن والرغائب)، وهو باب جمع علما غزيرا، حيث ذكر حكم مئات الأمور، وهو من أحسن الأبواب فيما رأيت من كتب الفقه، لما فيه من الجمع بين الأحكام العملية والعلمية، ولذلك فإن الشراح كثيرا ما يحيلون عليه لبيان أحكام بعض الأمور، قال أبو الحسن: اعلم أن للحج فرائض وسننا وفضائل، وقد بين الشيخ بعضها في باب جمل، ولم يبينها هنا، وإنما ذكر صفة الحج على الترتيب الواقع المشتملة عليها إن شاء الله تعالى». وقد سلك ابن أبي زيد نفس المسلك عندما ألف مختصر المدونة، فقد أفرد فيه كتابا ختمه به سماه كتاب الجامع، وهو مختلف من حيث الموضوع عن جامعه في رسالته، وافتتحه بمقدمة نقلها عنه ابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية)، وقال الشيخ بكر

стр. 35

أبو زيد عن هذه المقدمة: «إنها أبسط مما هنا، (يقصد عقيدة ابن أبي زيد)، وفي غاية النفاسة»، وشرح هذا المختصر القاضي عبد الوهاب بكتاب سماه (الممهد في شرح مختصر أبي محمد). وقد سبق إلى هذا النهج مالك ﵀ في موطئه، كما يعرف ذلك من قرأه، قال ابن شاس في أول كتاب الجامع في ختام مؤلفه الذي سماه (الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة): «قال القاضي أبو بكر: «هذا كتاب اخترعه مالك ﵁ في التصنيف لفائدتين: إحداهما أنه خارج عن رسم التكليف المتعلق بالأحكام التي صنفها أبوابا ورتبها، والأخرى أنه ﵁ لما لحظ الشريعة وأنواعها، ورآها مقسمة إلى أمر ونهي، وإلى عادة وعبادة، وإلى معاملات وجنايات، نظمها أسلاكا، وربط كل نوع بجنسه، وشذت عنه من الشريعة معان مفردة، لم يتفق نظمها في سلك واحد، لأنها متغايرة المعاني، ولا أمكن أن يجعل لكل منها بابا لصغره، فجمعها أشتاتا، وسمى نظامها كتاب الجامع». واقتدى بمالك في هذا الأسلوب بعض أتباعه في تآليفهم، والغرض منه جمع المسائل التي قد لا يحتملها باب بعينه، في ربع من أرباع الفقه، التي هي العبادات والمعاملات والأقضية والجنايات، فجمعوها في أواخر التصانيف وسموها بالجامع، وقد يعقدون بابا بهذا الاسم في نهاية الحديث عن كتاب معين ككتاب الصلاة وغيرها، وهو يقترب من حيث إطلاق الترجمة بما سار عليه البخاري ﵀ في بعض الأبواب التي اكتفى فبها بكلمة باب دون ترجمة، وأستبعد أن يكون ذكر الحديث ولم يتبين له ما يترجم به عليه كما أشار إليه بعضهم. وقال ابن ناجي في بداية شرحه لكتاب الجامع: «سئل ابو محمد ﵁ عن وضعه لهذا الباب مع أن فيه كثيرا من المكرر وهو مناف لشرط اختصاره، فقال: لما رأيت الناس زهدوا في العلم ورغبوا عن تعليمه، وقد أمرنا بنشر العلم بحسب الإمكان، قصدت إلى تجديد عيون ما تقدم، إذ الواجب على كل مكلف أن يحفظ عين ما كلف به، ويعمل على الجزم فيما خوطب به، وقد كان رسول الله ﷺ يسلك بأصحابه سبيلا، فإذا رآى بهم مللا سلك بهم مسلكا آخر تنشيطا لهم وإذهابا للكسل»، انتهى.

стр. 36

٦ - منزلتها بين كتب المذهب: وهذه الرسالة من أوائل المختصرات التي ظهرت في المذهب المالكي، إن لم تكن أولها بعد تفريع ابن الجلاب، كما قال النفراوي في الفواكه الدواني، وأشار إليه الذهبي في السير، ورغم السن المبكرة التي كتب فيها ابن أبي زيد رسالته فإنها تضمنت مشهور مذهب مالك والأقوال المعتمدة فيه في المسائل التي أوردها، وما فسر به تلاميذه وأهل العلم الراسخون مذهبه، كما ذكر في المقدمة، إلا حالات نادرة تتبعها بعض أهل العلم وأحصوها. ولم يكن في هذا الكتاب متحررا مستدلا، بل كان ناقلا متحريا، ومن لم يفرق حين النظر في كتب العلماء بين الأمرين أوشك أن يزري بهم، ومع قدم عهدها فما تزال من أهم مصادر المذهب إلى الآن. قال الشيخ زروق في مقدمة شرحه: «ولم تزل الناس يشرحونها على مر السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتأولون ما فيها من مشكل الأمور، نحوا من خمسمائة سنة، ولم تنقص لها حرمة، ولا طعن فيها عالم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب»، وقد كانت الرسالة أول كتاب طبع لابن أبي زيد وتعددت طبعاتها، ونقلت إلى الفرنسية والأنجليزية لسهولة أسلوبها وملاءمته، وكثير من طبعاتها المترجمة تمت في الجزائر. وللرسالة دخل كبير في توجيه كلام الإمام مالك نفسه، وكلام تلاميذه من بعده، حتى إن بعضهم يقول: مذهب المدونة كذا، ومذهب الرسالة كذا، ولذلك تجد ابن الحاجب في كتابه جامع الأمهات يهتم بما فيها من توجيه لكلام العلماء المتقدمين وتفسيره، ويعد صاحبها من الشيوخ الذين يعتبر اختلافهم في نقل المذهب، ومن ذلك قوله: «وفي إزالة النجاسة ثلاث طرق: الأولى لابن القصار والتلقين والرسالة: واجبة مطلقا، والخلاف في الإعادة خلاف في الشرطية، الثانية للجلاب وشرح الرسالة: سنة والإعادة كتارك السنن،،، الخ، وقال أيضا مبينا آخر وقت الصبح: «وآخره إلى طلوع الشمس، وقيل الإسفار الأعلى، وتفسير ابن أبي زيد الإسفار يرجع بهما إلى وفاق».

стр. 37

وكذلك المقري في قواعده، فهو يقول محاولا تطبيق القاعدة الثانية والتسعين: «وإنما ينبني على هذه القاعدة وجوب تمكين الجبهة والأنف من الأرض على ظاهر الرسالة ونص ابن الحاجب، وإن كان ابن عبد السلام صاحبنا قد حمله على الاستحباب»، ومراده بظاهر الرسالة قول ابن أبي زيد فيها: «ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض». ومن ذلك تفسير ما في المدونة كأن يقال: إن ظاهر المدونة في يسير الفوائت هو ما كان أقل من صلاة يوم وليلة عند جماعة، وبهذا قال ابن أبي زيد، وعند جماعة أخرى أن ظاهرها خمس صلوات، وقال به المازري. (١) ومما لوحظ على رسالة ابن أبي زيد أنها ضمت أقوالا غير مشهورة في المذهب، والذي يظهر أن ذلك ناتج عن تقدم تأليفها، فإن ابن أبي زيد وإن قيل عنه إن ما قبله سلف، وما بعده خلف، وأنه أول طبقات المتأخرين من المالكية، إلا أن هذه الأمور نسبية، فإن رسالته «أول مختصر ظهر في الفقه المالكي، بعد التفريع لابن الجلاب، لأنه لم يوجد في ذلك الوقت للمالكية إلا الأمهات الكبار، فسمي التفريع مختصرا بالنسبة لها» (٢)، ولم تكن الأقوال قد نالها من البحث والتمحيص ما بلغته فيما بعد، ولأن المشهور ليس بالضرورة هو الراجح إذا قلنا إنه ما كثر قائله. وقد أشار إلى هذا الأمر الشيخ مصطفى الرماصي (٣) وهو معروف بتقويم المؤلفات في المذهب، وبيان منزلتها فيه، فيرى مثلا أن ابن أبي زيد القيرواني لم يلتزم في رسالته ذكر المشهور، قال في الصلاة على القبر: وأما قول الرسالة: «ومن دفن ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره»، فلا دليل فيه، لأنها لا تتقيد بالمشهور،،،». وقد يكون الشيخ زروق يريد هذا المعنى حين قال وهو بصدد بيان بقاء هذا الكتاب مرجعا مدة طويلة دون أن ينال منه طول العهد كما حصل لغيره: «مع ما فيها من عظيم

стр. 38

الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب»، وقد أدى هذا الأمر ببعض العلماء أن يخص ما في الرسالة من المشكل بالبحث، فقد نظم مشكلها أحمد بن محمد بن غازي العثماني المتوفى سنة (٩١٩ هـ). وقد تجد في الرسالة أقوالا ليست في المدونة، فلا ينبغي أن يستشكل الأمر، فيقال هذا زائد على ما في المدونة، لأن ابن أبي زيد لم يلتزم ما فيها. قال الشيخ مصطفى الرماصي: «ونص الفاكهاني في قول الرسالة (ولا يغسل الرجل الصبية، واختلف فيه إن كانت ممن لم تبلغ أن يشتهى مثلها، والأول أحب إلينا)، هذا مذهب المدونة أن التي لا تشتهى لا يغسلها الرجل صغيرة كانت أو كبيرة، وهو قول ابن القاسم، وأجاز أشهب غسلها» هـ، وهو عزو غير صحيح، إذ لم يذكر في المدونة غسل الرجل الصغيرة، وإنما فيها: ولا بأس بغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وشبهه فقط، ولم أر من عزاه للمدونة غير الفاكهاني ومن تبعه، ولم يعزه لها الجزولي ولا ابن عمر، ولا زروق. قال القلشاني في قول الرسالة المتقدم: «ولا يغسل الرجل الصبية»، قيل هذه المسألة زادت بها الرسالة على المدونة إذ ليست فيها، ولم يعزها ابن عرفة لها، والله أعلم. (١) قلت: الذي يظهر أن الفاكهاني قد عزا للمدونة بناء على المفهوم، لا أن ذلك الكلام منها بالمنطوق، فاعتبر النص فيها على مشروعية تغسيل النساء الصبي ابن سبع سنين ونحوه دليلا بالمفهوم على المنع من تغسيل الصبية بإطلاق، وهذا غير سائغ إلا إذا نص على طريقة أخذه، وقد كنت نبهت إلى هذا ونحوه في كتابي كيف نخدم الفقه المالكي. والحق أن صاحب الرسالة لم يلتزم اعتماد مذهب المدونة، بل وسع دائرة الأخذ كما يظهر ذلك لمن تتبع كلامه، ويتضح ذلك بما قاله ابن ناجي في شرحه عند قول ابن أبي زيد من باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن: «ويستحب له أن يصلي أربع ركعات يسلم من كل ركعتين»، قال: قال التادلي: «وتعقب على الشيخ في تحديد التنفل بأربع ركعات، مع أنه في المدونة قال: «إنما يوقت في هذا أهل

стр. 39

العراق»، قلت (القائل بن ناجي): لم أزل أسمع بعض من لقيته يقول: إن ما ذكر الشيخ هو نص ابن حبيب في واضحته للأحاديث، فإن صح فلا اعتراض على الشيخ، لأن الرسالة لا تتقيد بالمدونة». وقد عد القرافي الكتب التي يدور عليها مذهب مالك شرقا وغربا في سياق ذكره سبب تأليف كتاب الذخيرة، فذكر المدونة لسحنون، والتلقين للقاضي عبد الوهاب، والجواهر لابن شاس (ت: ٦١٠)، والرسالة لابن أبي زيد، والأمر الآن مختلف، فإن المعتمد الآن مختصر خليل والرسالة. ٧ - تصديرها بالعقيدة: وهذا أهم مميزاتها بلا شك، فإن العقيدة أساس كل الأعمال، وقد عنيت مصنفات الفقه بالأحكام العملية التي هي الفقه الأصغر كما يقولون، لأن ذلك هو موضوع علم الفقه في اصطلاحهم، فإنه معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وإنما تتناول العقائد في علم آخر سماه بعضهم علم الكلام، وسماه آخرون علم أصول الدين، وتقسيم الدين إلى أصول وفروع لم يكن معروفا من قبل، فإن العبادات على هذا الرأي من الفروع، لكن ما ذا يقال في توحيد الله تعالى بها؟، وقد جعل النبي ﷺ ما أجاب به جبريل من الإيمان والإسلام والإحسان هو الدين، أو معالم الدين، ولهذا فتسمية بعض العلماء كتبهم التي ضمنوها عقيدة السلف باسم السنة والإيمان وغيرهما كما سيأتي أولى، وبعضهم يسمي العقائد الفقه الأكبر، وقبل ذلك كان علم تزكية النفوس قد فترت العناية به، ثم كثرت فيه الأقاويل، وخرج به عن حدوده، وتسمى باسم لا حاجة إليه، وبهذا انقسم هذا العلم الذي يكمل بعض مباحثه بعضا أقساما ثلاثة، وقد جمعها الإيمان والإسلام والإحسان في الحديث الصحيح، فتزعم المتكلمون الكلام على العقائد فترة ما، وكاد المتصوفة يغلبون على علم التزكية في بعض القرون، وإن عدلوا به إلى غير حقيقته، وتفرغ معظم الفقهاء للأحكام العملية، وغلب على ما كتب فيها اليبس والجفاف، حتى غدا الفقه مقصورا على الصور والأشكال، وخرج المتصوفة بالتدريج عن هدي النصوص إلى الذوق والوجد والكشف والرؤى، فوُسم الفقهاء بعلماء الظاهر، ووصف المتصوفة بعلماء الباطن، ثم قيل

стр. 40

هذه شريعة وهذه حقيقة، وغدت العقائد آراء يعتورها النقض والإبرام، وجدالا لا نهاية لمحتملاته ونقائضه واعتراضاته. وقد حصل هذا الانفصال مبكرا، لكن لسبب مختلف، وهو أن السلف لم يكونوا في حاجة إلى كبير كلام في العقائد لأن معتمدها النصوص، وهي محفوظة ولله الحمد، والخلاف فيها منعدم، فأما التزكية والعناية بالباطن فقد كانوا يعلمون أنها من أعظم مقاصد الشريعة، فكان الإخلاص يطبع أعمالهم، وكانت أقوالهم من جملة أعمالهم، وكانت تصرفاتهم وسلوكهم منبئة عن عدم ركونهم إلى الدنيا، والاغترار بزينتها، يهتدون في كل ذلك بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فما قالوا بذوق ولا كشف، ولا اعتمدوا على الرؤى وغيرها في إثبات شيء ونسبوه إلى الدين، ومن هنا كانت عنايتهم بالمسائل العملية وهي الفقه لأنه يحتمل الخلاف، لكنه كان عندهم وثيق الصلة بالنصوص التي هي المعين الثر لاستقاء الأحكام، هكذا كان الأمر في الموطآت والمصنفات، والكتب الجوامع، وكتب السنن، التي ضمت نصوص السنة المرفوعة، كما حفظت الموقوفات، وفتاوى العلماء، ولم يخل الكثير منها من كتب أو أبواب في الزهد والرقائق، ومع ذلك خصهما بعض العلماء بالتأليف على حدة، فجمعوا الكثير الطيب من نصوص الكتاب والسنة والآثار، ككتاب الزهد لعبد الله بن المبارك المتوفى سنة (١٨١)، والمعافى بن عمران المتوفى سنة (١٨٥)، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١)، وإيراهيم بن الجنيد المتوفى نحو سنة (٢٦٠)، وعبد الله بن محمد المعروف بابن أبي الدنيا المتوفى سنة (٢٨١)، وغيرهم كثير. كما كتب العلماء في العقائد حينما برزت الحاجة إلى الكتابة فيها بظهور جماعات التضليل وفرق الابتدع، وقد كانت من قبل ردودا شفوية مقتضبة كما جاء في قول ابن عمر ﵄ حين سمع بقول معبد الجهني وهو أول من قال بنفي القدر في البصرة كما في صحيح مسلم، قال ابن عمر: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر»، وذكر حديث عمر المرفوع في بيان الإيمان والإسلام والأحسان، وتجد في كتاب اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي طائفة صالحة من عقائد أهل العلم بعضها لا يبلغ
следующие страницы →