٦ - منزلتها بين كتب المذهب:
وهذه الرسالة من أوائل المختصرات التي ظهرت في المذهب المالكي، إن لم تكن أولها بعد تفريع ابن الجلاب، كما قال النفراوي في الفواكه الدواني، وأشار إليه الذهبي في السير، ورغم السن المبكرة التي كتب فيها ابن أبي زيد رسالته فإنها تضمنت مشهور مذهب مالك والأقوال المعتمدة فيه في المسائل التي أوردها، وما فسر به تلاميذه وأهل العلم الراسخون مذهبه، كما ذكر في المقدمة، إلا حالات نادرة تتبعها بعض أهل العلم وأحصوها.
ولم يكن في هذا الكتاب متحررا مستدلا، بل كان ناقلا متحريا، ومن لم يفرق حين النظر في كتب العلماء بين الأمرين أوشك أن يزري بهم، ومع قدم عهدها فما تزال من أهم مصادر المذهب إلى الآن.
قال الشيخ زروق في مقدمة شرحه: «ولم تزل الناس يشرحونها على مر السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتأولون ما فيها من مشكل الأمور، نحوا من خمسمائة سنة، ولم تنقص لها حرمة، ولا طعن فيها عالم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب»، وقد كانت الرسالة أول كتاب طبع لابن أبي زيد وتعددت طبعاتها، ونقلت إلى الفرنسية والأنجليزية لسهولة أسلوبها وملاءمته، وكثير من طبعاتها المترجمة تمت في الجزائر.
وللرسالة دخل كبير في توجيه كلام الإمام مالك نفسه، وكلام تلاميذه من بعده، حتى إن بعضهم يقول: مذهب المدونة كذا، ومذهب الرسالة كذا، ولذلك تجد ابن الحاجب في كتابه جامع الأمهات يهتم بما فيها من توجيه لكلام العلماء المتقدمين وتفسيره، ويعد صاحبها من الشيوخ الذين يعتبر اختلافهم في نقل المذهب، ومن ذلك قوله: «وفي إزالة النجاسة ثلاث طرق: الأولى لابن القصار والتلقين والرسالة: واجبة مطلقا، والخلاف في الإعادة خلاف في الشرطية، الثانية للجلاب وشرح الرسالة: سنة والإعادة كتارك السنن،،، الخ، وقال أيضا مبينا آخر وقت الصبح: «وآخره إلى طلوع الشمس، وقيل الإسفار الأعلى، وتفسير ابن أبي زيد الإسفار يرجع بهما إلى وفاق».
стр. 37
وكذلك المقري في قواعده، فهو يقول محاولا تطبيق القاعدة الثانية والتسعين: «وإنما ينبني على هذه القاعدة وجوب تمكين الجبهة والأنف من الأرض على ظاهر الرسالة ونص ابن الحاجب، وإن كان ابن عبد السلام صاحبنا قد حمله على الاستحباب»، ومراده بظاهر الرسالة قول ابن أبي زيد فيها: «ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض».
ومن ذلك تفسير ما في المدونة كأن يقال: إن ظاهر المدونة في يسير الفوائت هو ما كان أقل من صلاة يوم وليلة عند جماعة، وبهذا قال ابن أبي زيد، وعند جماعة أخرى أن ظاهرها خمس صلوات، وقال به المازري. (١)
ومما لوحظ على رسالة ابن أبي زيد أنها ضمت أقوالا غير مشهورة في المذهب، والذي يظهر أن ذلك ناتج عن تقدم تأليفها، فإن ابن أبي زيد وإن قيل عنه إن ما قبله سلف، وما بعده خلف، وأنه أول طبقات المتأخرين من المالكية، إلا أن هذه الأمور نسبية، فإن رسالته «أول مختصر ظهر في الفقه المالكي، بعد التفريع لابن الجلاب، لأنه لم يوجد في ذلك الوقت للمالكية إلا الأمهات الكبار، فسمي التفريع مختصرا بالنسبة لها» (٢)، ولم تكن الأقوال قد نالها من البحث والتمحيص ما بلغته فيما بعد، ولأن المشهور ليس بالضرورة هو الراجح إذا قلنا إنه ما كثر قائله.
وقد أشار إلى هذا الأمر الشيخ مصطفى الرماصي (٣) وهو معروف بتقويم المؤلفات في المذهب، وبيان منزلتها فيه، فيرى مثلا أن ابن أبي زيد القيرواني لم يلتزم في رسالته ذكر المشهور، قال في الصلاة على القبر: وأما قول الرسالة: «ومن دفن ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره»، فلا دليل فيه، لأنها لا تتقيد بالمشهور،،،».
وقد يكون الشيخ زروق يريد هذا المعنى حين قال وهو بصدد بيان بقاء هذا الكتاب مرجعا مدة طويلة دون أن ينال منه طول العهد كما حصل لغيره: «مع ما فيها من عظيم
стр. 38
الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب»، وقد أدى هذا الأمر ببعض العلماء أن يخص ما في الرسالة من المشكل بالبحث، فقد نظم مشكلها أحمد بن محمد بن غازي العثماني المتوفى سنة (٩١٩ هـ).
وقد تجد في الرسالة أقوالا ليست في المدونة، فلا ينبغي أن يستشكل الأمر، فيقال هذا زائد على ما في المدونة، لأن ابن أبي زيد لم يلتزم ما فيها.
قال الشيخ مصطفى الرماصي: «ونص الفاكهاني في قول الرسالة (ولا يغسل الرجل الصبية، واختلف فيه إن كانت ممن لم تبلغ أن يشتهى مثلها، والأول أحب إلينا)، هذا مذهب المدونة أن التي لا تشتهى لا يغسلها الرجل صغيرة كانت أو كبيرة، وهو قول ابن القاسم، وأجاز أشهب غسلها» هـ، وهو عزو غير صحيح، إذ لم يذكر في المدونة غسل الرجل الصغيرة، وإنما فيها: ولا بأس بغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وشبهه فقط، ولم أر من عزاه للمدونة غير الفاكهاني ومن تبعه، ولم يعزه لها الجزولي ولا ابن عمر، ولا زروق.
قال القلشاني في قول الرسالة المتقدم: «ولا يغسل الرجل الصبية»، قيل هذه المسألة زادت بها الرسالة على المدونة إذ ليست فيها، ولم يعزها ابن عرفة لها، والله أعلم. (١)
قلت: الذي يظهر أن الفاكهاني قد عزا للمدونة بناء على المفهوم، لا أن ذلك الكلام منها بالمنطوق، فاعتبر النص فيها على مشروعية تغسيل النساء الصبي ابن سبع سنين ونحوه دليلا بالمفهوم على المنع من تغسيل الصبية بإطلاق، وهذا غير سائغ إلا إذا نص على طريقة أخذه، وقد كنت نبهت إلى هذا ونحوه في كتابي كيف نخدم الفقه المالكي.
والحق أن صاحب الرسالة لم يلتزم اعتماد مذهب المدونة، بل وسع دائرة الأخذ كما يظهر ذلك لمن تتبع كلامه، ويتضح ذلك بما قاله ابن ناجي في شرحه عند قول ابن أبي زيد من باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن: «ويستحب له أن يصلي أربع ركعات يسلم من كل ركعتين»، قال: قال التادلي: «وتعقب على الشيخ في تحديد التنفل بأربع ركعات، مع أنه في المدونة قال: «إنما يوقت في هذا أهل
стр. 39
العراق»، قلت (القائل بن ناجي): لم أزل أسمع بعض من لقيته يقول: إن ما ذكر الشيخ هو نص ابن حبيب في واضحته للأحاديث، فإن صح فلا اعتراض على الشيخ، لأن الرسالة لا تتقيد بالمدونة».
وقد عد القرافي الكتب التي يدور عليها مذهب مالك شرقا وغربا في سياق ذكره سبب تأليف كتاب الذخيرة، فذكر المدونة لسحنون، والتلقين للقاضي عبد الوهاب، والجواهر لابن شاس (ت: ٦١٠)، والرسالة لابن أبي زيد، والأمر الآن مختلف، فإن المعتمد الآن مختصر خليل والرسالة.
٧ - تصديرها بالعقيدة:
وهذا أهم مميزاتها بلا شك، فإن العقيدة أساس كل الأعمال، وقد عنيت مصنفات الفقه بالأحكام العملية التي هي الفقه الأصغر كما يقولون، لأن ذلك هو موضوع علم الفقه في اصطلاحهم، فإنه معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وإنما تتناول العقائد في علم آخر سماه بعضهم علم الكلام، وسماه آخرون علم أصول الدين، وتقسيم الدين إلى أصول وفروع لم يكن معروفا من قبل، فإن العبادات على هذا الرأي من الفروع، لكن ما ذا يقال في توحيد الله تعالى بها؟، وقد جعل النبي ﷺ ما أجاب به جبريل من الإيمان والإسلام والإحسان هو الدين، أو معالم الدين، ولهذا فتسمية بعض العلماء كتبهم التي ضمنوها عقيدة السلف باسم السنة والإيمان وغيرهما كما سيأتي أولى، وبعضهم يسمي العقائد الفقه الأكبر، وقبل ذلك كان علم تزكية النفوس قد فترت العناية به، ثم كثرت فيه الأقاويل، وخرج به عن حدوده، وتسمى باسم لا حاجة إليه، وبهذا انقسم هذا العلم الذي يكمل بعض مباحثه بعضا أقساما ثلاثة، وقد جمعها الإيمان والإسلام والإحسان في الحديث الصحيح، فتزعم المتكلمون الكلام على العقائد فترة ما، وكاد المتصوفة يغلبون على علم التزكية في بعض القرون، وإن عدلوا به إلى غير حقيقته، وتفرغ معظم الفقهاء للأحكام العملية، وغلب على ما كتب فيها اليبس والجفاف، حتى غدا الفقه مقصورا على الصور والأشكال، وخرج المتصوفة بالتدريج عن هدي النصوص إلى الذوق والوجد والكشف والرؤى، فوُسم الفقهاء بعلماء الظاهر، ووصف المتصوفة بعلماء الباطن، ثم قيل
стр. 40
هذه شريعة وهذه حقيقة، وغدت العقائد آراء يعتورها النقض والإبرام، وجدالا لا نهاية لمحتملاته ونقائضه واعتراضاته.
وقد حصل هذا الانفصال مبكرا، لكن لسبب مختلف، وهو أن السلف لم يكونوا في حاجة إلى كبير كلام في العقائد لأن معتمدها النصوص، وهي محفوظة ولله الحمد، والخلاف فيها منعدم، فأما التزكية والعناية بالباطن فقد كانوا يعلمون أنها من أعظم مقاصد الشريعة، فكان الإخلاص يطبع أعمالهم، وكانت أقوالهم من جملة أعمالهم، وكانت تصرفاتهم وسلوكهم منبئة عن عدم ركونهم إلى الدنيا، والاغترار بزينتها، يهتدون في كل ذلك بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فما قالوا بذوق ولا كشف، ولا اعتمدوا على الرؤى وغيرها في إثبات شيء ونسبوه إلى الدين، ومن هنا كانت عنايتهم بالمسائل العملية وهي الفقه لأنه يحتمل الخلاف، لكنه كان عندهم وثيق الصلة بالنصوص التي هي المعين الثر لاستقاء الأحكام، هكذا كان الأمر في الموطآت والمصنفات، والكتب الجوامع، وكتب السنن، التي ضمت نصوص السنة المرفوعة، كما حفظت الموقوفات، وفتاوى العلماء، ولم يخل الكثير منها من كتب أو أبواب في الزهد والرقائق، ومع ذلك خصهما بعض العلماء بالتأليف على حدة، فجمعوا الكثير الطيب من نصوص الكتاب والسنة والآثار، ككتاب الزهد لعبد الله بن المبارك المتوفى سنة (١٨١)، والمعافى بن عمران المتوفى سنة (١٨٥)، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١)، وإيراهيم بن الجنيد المتوفى نحو سنة (٢٦٠)، وعبد الله بن محمد المعروف بابن أبي الدنيا المتوفى سنة (٢٨١)، وغيرهم كثير.
كما كتب العلماء في العقائد حينما برزت الحاجة إلى الكتابة فيها بظهور جماعات التضليل وفرق الابتدع، وقد كانت من قبل ردودا شفوية مقتضبة كما جاء في قول ابن عمر ﵄ حين سمع بقول معبد الجهني وهو أول من قال بنفي القدر في البصرة كما في صحيح مسلم، قال ابن عمر: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر»، وذكر حديث عمر المرفوع في بيان الإيمان والإسلام والأحسان، وتجد في كتاب اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي طائفة صالحة من عقائد أهل العلم بعضها لا يبلغ
стр. 41
الصفحة، منها عقيدة سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي ثور، والبخاري، وأبي زرعة وغيرهم.
وقد سبق ابنَ أبي زيد فريق من أهل العلم كتبوا أو أملوا العقيدة على انفراد، وباختصار في بعض الأحيان، كأصول السنة لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي المتوفى سنة (٢١٩)، وكتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى (٢٢٤)، وكتاب أصول السنة لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل المتوفى سنة (٢٤١)، والسنة لعمرو بن أبي عاصم الضحاك المتوفى سنة (٢٨٧)، وكتاب التوحيد وبيان صفات الرب للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة (٣١١)، وشرح السنة للحسن بن علي البربهاري المتوفى سنة (٣٢٩)، ومن معاصريه أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي المتوفى سنة (٣٧١)، له تأليف في العقيدة، ومحمد حسين الآجري المتوفى سنة (٣٦٠)، وكتابه الشريعة معروف، ثم جاء من بسط الكلام في العقائد أكثر من ذي قبل، وشابها بشيء من الكلام، كما هو الشأن عند أبي الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، وفي الإبانة، وتكاثرت الكتب فيها تحت أسماء السنة وغيرها.
وقد سلك نهج ابن أبي زيد بعض المؤلفين من المالكية، تراهم يستهلون تآليفهم بالحديث عن العقيدة مثل محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المتوفى سنة (٦٤١ هـ)، في كتابه (القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية، والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية)، وهو الكتاب الذي شرحه ابنه، وسار على نفس النهج عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر المتوفى سنة (١٠٤٠ هـ)، في منظومته المسماة (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، وتجد هذا أيضا في نظم مقدمة ابن رشد التي شرحها التتائي، وتجد في خاتمة الجواهر لابن شاس باب الجامع، لكن الحديث فيه عن العقائد لا يتعدى أربعة أسطر، كما تجد شيئا من ذلك في خاتمة مختصر ابن الحاجب الفرعي، لكن صاحب هذه الرسالة يختلف عن الجميع في كونه استوعب ما ينبغي اعتقاده، وكون عقيدته على منهج السلف لم يشبها شيء من الكلام، ولا من التأويل كما تقدم.
يقول الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀ في مقدمة كتابه المسمى (التوحيد
стр. 42
وصفات الرب) مبينا سبب لجوئه إلى الكتابة في التوحيد، وهو منعه من الظهور والتعليم المباشر للناس، يقول: «فقد أتى علينا برهة من الدهر وأنا كاره للاشتغال بتصنيف شيء مما يشوبه شيء من جنس الكلام من الكتب، وكان أكثر شغلنا بتصنيف كتب الفقه التي هي خلو من الكلام في الأقدار الماضية، التي كفر بها كثير من منتحلي الإسلام، وفي صفات الرب التي نفاها ولم يؤمن بها المعطلون، وغير ذلك من الكتب التي ليست من كتب الفقه، وكنت أحسب أن ما يجري مني بين المناظرين من أهل الأهواء في جنس الكلام في مجالسنا، ويظهر لأصحابه الذين يحضرون المجالس والمناظرة من إظهار حقنا على باطل مخالفينا في المناظرة كاف عن تصنيف الكتب على صحة مذهبنا وبطلان مذاهب القوم، وغنية عن الإكتاب في ذلك، فلما حدث في أمرنا ما حدث، مما كان الله قد قضاه وقدر كونه، مما لا محيص لأحد ولا موئل عما قضى الله كونه،،، فمُنعنا من الظهور ونشر العلم وتعليم مقتبسي العلم مما كان الله قد أودعنا من هذه الصناعة ما كنت أسمع من بعض أحداث طلاب العلم والحديث ممن لعله كان يحضر مجالس أهل الزيغ والضلالة من الجهمية المعطلة، والقدرية المعتزلة ما تخوفت أن يميل بعضهم عن الحق والصواب»،،، الخ.
ويمكن أن نعتبر ابن أبي زيد قد جمع في رسالته هذه إلى حد ما بين هذه الأمور الثلاثة، العقائد والفقه والتزكية، فما فيها من الفقه مدعم بالنصوص، ولم تخل رسالته من الاهتمام بأعمال القلوب، وسيأتي الكلام على هذين الأمرين، والذي يعنينا هنا أنه استهلها ب (باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات)، أورد فيه عقيدة أهل السنة والجماعة خالصة صافية نقية، وما فيها إنما هو منتزع من القرآن والسنة بلفظه أو معناه، مبتعدا عن اصطلاحات المتكلمين والمتفلسفين، وإن كان بعض الشراح قد حملها ما لم يرده صاحبها، ومن جملة كتبه التي تشير إلى هذا المنهج كتابه الاقتداء بأهل السنة.
وقد أشار إلى هذا القسم في آخر كتابه وجعله قسما مستقلا؛ إذ قال: «وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه، ويعمل به في فرائضه، ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه، ومن السنن والرغائب والآداب».
стр. 43
٨ - العناية بأعمال القلوب:
وهذا الأمر من الأهمية بمكان، وابن أبي زيد من الفقهاء الذين لم يجردوا الفقه كل التجريد من مسحة التزكية والتحلية، ومعالجة أدواء النفوس، والاهتمام بالباطن وأعمال القلوب، بسبب التخصص وهو هنا ضار بلا ريب، فهو لم يقتصر على الجوانب الظاهرة فحسب، بل إن حديثه عن الفقه العملي لم يخل من إشارات بين الفينة والأخرى إلى التزكية، ولعل الشيخ زروق قصد هذا المعنى حين قال: «وقد اعتنى بها الأوائل والأواخر، وانتفع بها أهل الباطن والظاهر، حتى صارت بحيث يهتدي بها الطالب المبتدي، ولا يستغني عنها الراغب المقتدي»، انتهى، وقد قيل إن ابن أبي زيد كان يجعل رسالته في محرابه الذي يتهجد فيه ليلا، ويدعو الله أن يجعلها مكان عقبه، لأنه لم يكن له عقب، وقد ذكر هذا الشيخ علي الأجهوري في شرحه، وأنه كان يدعو الله إثر كل صلاة أن يحبب الرسالة للخلق، وأن يقيمها له مقام وارث، لكن قد ورد ذكر ابنين لابن أبي زيد في سند إجازة الرسالة كما هو في فهرس ابن عطية. (١)، ولو ثبت هذا ما عارضه وجود أولاد له فيما بعد.
ويكفيك أن تقرأ مقدمة كتابه لتتأكد من هذه المسحة التي كسيت بها رسالته، فقد شحنها بالحديث عن القلب وأعماله مرات كقوله: «فآمنوا بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين»، وقوله يبين ما تضمنه الدين: «مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح»، وقوله: «واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه»، وقوله: «وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم»، وقوله: «ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم»، وقوله: «وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات»، فلا ريب أن حديثه المتكرر عن أعمال القلوب ينبئ عن الاهتمام الذي يوليه إياها.
ومن ذلك أنه كثيرا ما يشير إلى روح العبادة والمقصود منها، وهي الإخلاص لله
стр. 44
فيها، ومعلوم أن العبادة لا بد فيها من النية، لكنها نوعان نية التقرب إلى الله بالعمل، ونية التمييز، إما تمييز العادة من العبادة فيما تشارك فيه هذه تلك في الصورة كالغسل، والإنفاق، وإما تمييز عبادة عن مثلها ويكون ذلك باستحضار شخص العبادة الخاصة بأن ينوي أنها طهر أو عصر مثلا، وقد اختلف الناس في لزوم نية التقرب، فذهب بعضهم إلى أن النية المعينة للعبادة ثقوم مقامها وتغني عنها لاندراجها فيها، وتضمنها إياها، وذهب آخرون إلى أنه لا بد منها معها، ومما يدل على عناية ابن أبي زيد بهذا الأمر قوله في مقدمة باب طهارة الماء والثوب والبقعة: «والمصلي يناجي ربه فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء».
وقال في خاتمة باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه: «ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه، والوقوف بين يديه لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود، فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه، فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه».
وقال في باب صفة العمل في الصلوات وهو يتحدث عن الركوع: «وتعتقد الخضوع بذلك بركوعك وسجودك»، وقد تجد بعض الشراح يعدون هذه الومضات التي يبثها ابن أبي زيد في طوايا كلامه على الأحكام بمثابة الخروج عما ترجم له، أو يعدونه تبرعا منه، فاعجب إن شئت لهذا.
ومما مدح به هذه الرسالة القاضي عبد الوهاب أنها جمعت الفرائض إلى الزهد، وأن مؤلفها صدرها بالعقيدة، قال:
رسالة علم صاغها العلم النهد … قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد
أصول أضاءت بالهدى فكأنما … بدا لعيون الناظرين بها الرشد
وفي صدرها علم الديانة واضح … وآداب خير الخلق ليس لها ند
ويدل على عناية ابن أبي زيد بهذا الجانب أنه خصه بمؤلفات عدة، منها كتاب الثقة بالله والتوكل عليه، وكتاب المعرفة واليقين، وكتاب المضمون من الرزق.
ومما يندرج في هذا ما ذكره القاضي عياض من أن ابن أبي زيد كتب إلى شيخه أبي
стр. 45
بكر الأبهري بهذه البيات:
تأبى قلوب قلوب قوم … وما لها عندها ذنوب
وتصطفي أنفس نفوسا … وما لها عندها نصيب
ما ذاك إلا لمضمرات … أضمرها الشاهد الرقيب
فهذا الميل من ابن أبي زيد إلى كراهية الجدال، ومقته الابتداع مع تحذيره منه، واستهلاله كتابه بالتوحيد، وعنايته بعمل القلوب؛ طبع رسالته بطابع خاص مميز، فخلت في الغالب من الآراء، والافتراضات، ومال فيها أكثر إلى الجوانب العملية في بيان الأحكام، وهو وإن ذكر تلك الأحكام غالبا مجردة من أدلتها لكونها موجهة في الأصل إلى الولدان؛ إلا أن العلماء رجعوا بتلك الأحكام إلى أصولها من الكتاب والسنة كما سترى عند ذكر بعض من شرحها، وستقف على ذلك أيضا إن شاء الله في أثناء شرحها.
٩ - الإخلاص والأدب والسلوك وغيرها:
اشتملت رسالة ابن أبي زيد على أبواب لا تذكر عادة في المصنفات الفقهية وذكر فيها الإخلاص في الأعمال، والتوبة من الذنوب، والتقلل من الدنيا، وذكر الموت، وشيئا من أحكام الأكل والشرب واللباس والسلام والاستئذان وغض البصر، والأذكار وتعبير الرؤيا والتعالج وغيرها، وذكر الأحاديث التي يدور عليها الدين.
قال النفراوي ﵀: «وإنما ذكر المؤلف هذه الآداب في هذا الباب حثا للطالب أن يتخلق بها، لأن من تخلق بها صار من أكابر الصوفية الذين جردوا قلوبهم لله تعالى، واستحقروا جميع ما سواه، إلى أن قال: «ف ﵀ لم يدع شيئا مما يطلب من المكلف فعله إلا نبه عليه»، انتهى، وأقول إن من تفقه في دين الله وعمل بذلك وأخلص كان من عباد الله الصالحين، فإن دعا بعلمه وعمله إلى ما علم وجاهد كان من الشهداء لدين الله بالحق، وقد ذكر الله أصناف عباده في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]، فما كان من أعمال التصوف حقا فقد جعل الشرع له اسما كما علمت وما كان منه مخالفا فليرم في الحش.
стр. 46
١٠ - الاهتمام بنصوص الكتاب والسنة:
وقد اعتنى ابن أبي زيد في رسالته بالنصوص اقتباسا وتضمينا، حتى قيل إن فيها (٤٠٠) حديث، تارة بالنص والتصريح، وتارة بالإشارة والتلويح، قال زروق: «وهي إذا تتبعت وجدت على ذلك، إلا في القليل، لكن مع ضعف جملة من أحاديثها»، انتهى، ويدل هذا ما كان عليه زروق من العناية بالحديث وله في مصطلحه مختصر مطبوع.
ومن الأمثلة على ما سبق وهي كثيرة أنه افتتح باب طهارة الماء بقوله: «والمصلي يناجي ربه» (١)، وباب الأيمان بقوله ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت» (٢)، كما افتتح كلامه على النذر بقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٣)، وقوله أول باب البيوع: «وأحل الله البيع وحرم الربا»، وأشار إلى الأحاديث التي ينبني عليها الدين.
لكنه تجاوز ذلك فحذا أحيانا حذو النصوص في ترتيبها للأحكام، حتى إن شراح كتابه لما عرفوا منهجيته هذه صاروا يبينون غرضه من ذلك، كقول أبي الحسن ﵀ معللا سبب تقديمه الكلام على زكاة الإبل قبل غيرها: «وبدأ بالكلام على بيان فروض زكاة الإبل اقتداء بالحديث»، فإذا رأوا منه مخالفة لهذا الذي عودهم عليه تنبهوا له، فقالوا لو قال كذا لوافق ترتيب الحديث، كقول أبي الحسن في مسألة الخلطة عند قوله: (ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة) (٤)، قال: «ولو قدم هذا على قوله: (وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية) لكان أولى، لأنه وقع في الحديث مرتبا كذلك» (٥).
وقال الشيخ أبو الحسن عند قول الرسالة: «وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل»، قال:
стр. 47
«لو قال ونهي لكان أولى،،، وليوافق لفظ الحديث»، وذكر الشيخ علي الصعيدي معلقا على قوله: «ثم يستنشق الماء بأنفه» أنه قال ذلك تبركا بلفظ الحديث، ففي مسلم «فليستنشق بمنخريه الماء»، وهو يرد بذلك على أبي الحسن الذي لم ير فائدة في ذكر الأنف، لأن الاستنشاق لا يكون بغيره.
لكن الشارح منهم قد لا يتفطن للباعث له على إيثار لفظ على آخر كقوله عاطفا على ما يترتب عليه زوال العقل الذي هو أحد أسباب ما يجب منه الوضوء:» أو تخبط جنون»، إذ قال علي الصعيدي: «المناسب حذف (تخبط)، لأن زوال العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل، لا أنه سبب له»، والذي يظهر أن ابن أبي زيد إنما آثر ذلك التعبير لورود القرآن به في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥])، ولأن الفعل تخبط مطاوع للفعل خبط، فاقتصر عليه اختصارا، والأصل خبطه فتخبط.
ويبدو أن هذه المنهجية التي سار عليها ابن أبي زيد كان لها أثر على بعض من شرحوا كتابه كأبي الحسن والنفراوي وغيرهما ﵏، فإنهم من الذين لم يغفلوا الإشارة إلى أدلة الأحكام في بعض المواطن، وبيان وجهة نظر المالكية فيها، وقد يجنحون إلى ترجيح غير المشهور في المذهب بالنظر إلى قوة الدليل، وصدق رسول الله ﷺ ، وهو الصادق: «فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة» (١).
وتصانيف الفقه تكثر فيها القياسات، وكثيرا ما توجد فيها الآراء البعيدة عن ضوابط القياس، وفي الرسالة شيئ من الآراء التي هي من أقوال علماء المذهب في تفاصيل بعض الأحكام، وهذا غير منكور، وقد تجد ما لا يستند إلى دليل، بل هو مخالف لما هو معروف في المذهب من قاعدة عدم التحديد والتوقيت، وقد تقدم ذكر مخالفة ابن أبي زيد لها اعتمادا على النص في مسألة عد الركعات التي تصلى بعد الظهر، بخلاف ذكره الدعاء الذي
стр. 48
يقال عقب التشهد، وهو: «وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق،،،»، وقوله: «اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين»، ومعظم المتبعين لمذهب مالك في بلادنا يلتزمونه، مع أنه لا يتفق مع تلك القاعدة التي هي عدم التحديد، فضلا عن كونه لم يرد في نص مرفوع، وقد قيل بعدم التحديد في أمور فيها تحديد، وفي مجال العبادات، مع أن التحديد أوفق بالعبادات.
أما إن قيل إن النبي ﷺ قال: «ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (١) فهذه الزيادة من هذا القبيل قد اختارها هذا الإمام، فالجواب أن الشارع ترك الاختيار للمكلف نفسه، وفرق بين هذا، وبين أن يختار أحد شيئا، لجعله سنة للناس، وقد بالغ ابن العربي في إنكار هذا إذ قال: «وهذا من تحريف الشريعة وتبديلها»، نقلته عن شرح زروق، ولا يصح أن ينسب التحريف إلى ابن أبي زيد، لكن ذلك لا يمنع من القول برده.
١١ - اصطلاح الرسالة في وصف الأحكام:
ومن مميزات هذا الكتاب ما درج عليه المؤلف من منهجية في وصف بعض الأمور من كونها فريضة، أو واجبة، أو سنة، أو سنة واجبة، أو واجبة وجوب السنن، فإن هذا مما انفرد به فيما أعلم.
وقد اختلف العلماء الذين شرحوا كلامه في توجيهه، فمنهم من قال أراد بقوله سنة واجبة أنها مؤكدة، فهو من المجاز كما ذهب إليه المقري ﵀، وهذا وإن أمكن التأكد منه في بعض المواطن كما في وصفه العمرة بأنها سنة واجبة تارة، وتارة أخرى بأنها سنة مؤكدة، وكما قال في طهارة الثوب حين حكى الخلاف في وجوبه، أهو وجوب الفرائض أم وجوب السنن؟، فإنه في مواضع أخرى قد لا يتأتى ذلك فيه، فقد قال عن صلاة الخوف: «وصلاة الخوف واجبة أمر الله بها»، وقال عن القصر في السفر: «والفطر في السفر رخصة، والإقصار فيه واجب»، وأخذ منه بعضهم أنه يرى وجوب ذلك كما يبدو من كلام ابن الحاجب في كتابه جامع الأمهات، والظاهر أن هذا هو مراده، ولا سيما حين لا يذكر كلمة
стр. 49
السنة، كقوله: «وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله»، وليس ببعيد أن يكون مراده في بعض المواضع أن هذا الأمر واجب بالسنة، فهو يختلف عما هو وجب بالقرآن، لأن السنة قد تثبت عند بعض، ولا تثبت عند آخرين، أو تكون معارضة بمثلها، أو بأمر آخر يراه العالم كما لا يخفى على البصير، فاضطر لهذا إلى التنبيه، لكن الذين عرفوا بهذا التفريق إنما هم الحنفية، وهم محقون بهذا الاعتبار الذي ألمحت إليه لا من جهة اختلاف حكم القرآن عن السنة من حيث هو، فإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله، وهكذا ما أوجب أو أباح، ويحتمل أنه استعمل مصطلح الوجوب مقيدا بالسنة إشارة إلى المذهب الذي فيه كتابه هذا، وغير مقيد بها لقوة الخلاف في المسألة.
قال المقري ﵀ في القاعدة الأربعين بعد المائة: «يطلق الواجب على السنة المؤكدة مجازا، فمن ثم التزم تقييده، كقول ابن أبي زيد وجوب السنن المؤكدة، وإن كان قد تؤول على الوجوب بالسنة، وعليه يصح نسبة ابن الحاجب الوجوب إلى الرسالة، أو إبهامه كقوله قبله: وطهارة البقعة للصلاة واجبة، ثم فصل، أو خلطه بما يغلب عليه كقوله: ويجب الطهر مما ذكرنا، فأما قوله: ودم الاستحاضة فيجب منه الوضوء، فهو قول ابن عبد الحكم».
رابعا: شروح الرسالة:
ولما لرسالة ابن أبي زيد من مكانة خاصة باعتبارها أول مصنف فقهي يظهر في الفقه المالكي مع أن عرضها له من أحسن العروض وأوضحها؛ كان اهتمام العلماء بها كبيرا، فكثرت شروحهم عليها، وتعاليقهم على الشروح، والتقييدات والطرر التي نقلها تلاميذهم، أو كتبوها بأنفسهم، حتى ذكر بعض الشراح أنها منذ وجدت إلى الآن (القرن التاسع) يخرج لها في كل سنة شرح وتبيان، وقد اقتصر بعضهم على شرح صدرها أو عقيدتها، وبعضهم نظم عقيدتها، ومنهم من اعتنى بمشكلها، وبعضهم شرح غريب مفرداتها، وقد شرحها أكثر من واحد في حياة مؤلفها، وأذكر هاهنا بعض من شرحها أو كتب شيئا عليها، أو نبه على التحريف الذي ألحقه بعضهم بها، ومرجعي فيما ذكرت كتب التراجم، ولا سيما شجرة النور الزكية، والديباج المذهب، ثم تأريخ التراث العربي لفؤاد
стр. 50
سزكين، ومقدمة كتاب تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة، وغيرها من الكتب والدراسات.
وقد اشتهر أن أول من شرحها القاضي عبد الوهاب البغدادي، كما ذكره القلشاني في مقدمة شرحه، وقال إنه يقع في نحو ألف ورقة، وقد قيل إن أول نسخة من هذا الشرح بيعت بمائة مثقال ذهبا، ومما وصلنا منه الجزء الذي شرح فيه العقيدة، وقد طبع مؤخرا بالمغرب، وفي مقدمة شرح هذا الجزء من كلام القاضي عبد الوهاب ما يدل على أنه قد ضاع منه ثم عاد فكتبه أو أملاه قال: «وقد كنا أملينا شرحها من قبل، فأخذه منا في السفر بالبصرة من لم يرده قبل حصول أصل منه، ونحن مستأنفون شرح ذلك» (١)، وفي ختام هذه النسخة: «انتهى ما وجد بالأصل الذي هو جزء من هذا الشرح الحافل، وهو كل ما تبقى منه وسلم من عوادي الدهر فيما نعلم، إلا قطعة أخرى صغيرة من نسخة عتيقة بخط أندلسي فخم توجد بمكتبة خاصة بتطوان».
وقد حصل الاضطراب في الحديث عن هذا الشرح، فقيل: من المؤكد أنه غير متوفر بتمامه، وثمة ما يدل على وجود باقيه لكنه لا يقرأ، وذكر بعض المترجمين أنه لم يكمله، ويرده قول القلشاني السابق، إذ الظاهر أنه وقف عليه، لا سيما وقد ذُكر أن ابن أبي زيد بعث إلى القاضي عبد الوهاب بمنحة كعادته في إكرام العلماء وطلاب العلم، فجعل على الرسالة شرحا مكافأة له على تلك الصلة، وقد عثر من هذا الشرح على قطعة أخرى فطبعت في جزأين، وهو غير كامل على كل حال.
ولأبي بكر محمد بن موهب المقبري، المتوفى سنة (٤٠٦)، وهو تلميذ ابن أبي زيد شرح على رسالة شيخه، وهو قبل القاضي عبد الوهاب، وقد تقدم لك شيء من سيرته، يستدل به على منهجه، وشرحه للعقيدة كان على طريقة السلف.
وقد قيل إن أبا بكر الأبهري المتوفى سنة (٣٧٥) أفرد الرسالة بكتاب سماه (مسلك الجلالة، في مسند الرسالة)، تتبع فيه جميع مسائلها البالغة أربعة آلاف، فرفع لفظها ومعناها
стр. 51
مسندا إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى أصحابه ﵃، وإذا صح فإنه يكون ثالث الشروح في حياة مؤلفها على أحد القولين في وفاة الأبهري، إذ قيل إنه توفي سنة (٣٩٥)، وقد ذكر هذا ابن ناجي في شرحه، كما ذكره غيره، وفي نفسي منه شيء.
وممن شرحوها أبو بكر عبد الله بن طلحة اليابري كان حيا سنة (٥١٩)، ومنهم أبو بكر محمد بن الوليد القرشي المعروف بابن رندقة الطرطوشي المتوفى سنة (٥٢٠)، ومن الشروح اللغوية شرح القاضي أبي بكر بن العربي المتوفى سنة (٥٤٣)، ومنها شرح أبي محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد العبدري المعروف بابن أبي الرجال المتوفى سنة (٥٦٦)، وشرح محمد بن منصور ابن حمامة المغراوي الذي اعتنى بتفسير غريبها في كتابه غرر المقالة في شرح غريب الرسالة، وقد كان حيا في النصف الثاني من القرن السادس، وكتب عليها تقييدين صغيرا وكبيرا محمد ابن عبد الرحمن التميمي الكرسوطي الفاسي المولود سنة (٦٩٠)، ومنها تقاييد علي بن محمد عبد الحق الزرويلي المتوفى سنة (٧١٩)، أبرزها تلاميذه تأليفا، ونظم المقالة في شرح الرسالة لمحمد بن علي بن الفخار الأندلسي المتوفى (٧٢٣)، وتلخيص الدلالة في تلخيص الرسالة لأحمد بن الحسن الكلاعي المعروف بابن الزيات المتوفى سنة (٧٢٨)، ومنها شرح الشيخ عمر الفاكهاني، المتوفى سنة (٧٣٠)، وهو ممن اعتمد عليهم أبو الحسن في شرحه، وشرح عبد الرحمن ابن عفان الجزولي المتوفى سنة (٧٤١)، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر المتولي المتوفى سنة (٧٤٨)، وتقييد لإبراهيم بن عبد الرحمن التسولي التازي المتوفى سنة (٧٤٩)، وشرح يوسف ابن عمر الأنفاسي المتوفى سنة (٧٦١)، وإليه ينسب جل الاستشكالات الموجهة لكلام ابن أبي زيد، ولذلك كان معتمد الحطاب في كتابه تحرير المقالة الآتي ذكره، وقد قيل إن شرحه غير معتمد لأنه تقييد من طلابه، ورغم هذا كان من جملة من اعتمد عليهم أبو الحسن في شرحه، ومن شراحها علي بن يوسف البلوي الشبيبي القيرواني المتوفى سنة (٧٨٢)، وشرحها أحمد بن حنين القسنطيني المتوفى سنة (٨١٠)، وعبد الله بن مقداد الأفقهسي المتوفى سنة (٨٢٣)، ينقل عنه أبو الحسن في الكفاية، وقاسم بن عيسى بن ناجي، المتوفى سنة (٨٣٨)، وشرحه متوفر، وسعيد بن سليمان الكرامي السملالي المتوفى سنة (٨٦٢)،
стр. 52
وقيل سنة (٨٨٤)، وأحمد بن محمد بن عبد الله القلشاني المتوفى سنة (٨٦٣)، وشرحه هذا من الكتب المعتمدة عند أهل المذهب، وأحمد بن عبد الرحمن اليزليطيني الذي كان حيا سنة (٨٧٥)، وبرهان الدين إبراهيم بن محمد المتوفى سنة (٨٧٧)، وشرحها يحي بن أحمد بن عبد السلام المعروف بالعلمي القسنطيني المتوفى سنة (٨٨٨)، وعلي بن محمد البسطي المعروف القلصداي المتوفى سنة (٨٩١)، ومن أبرز شراحها الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد الشهير بزروق المتوفى سنة (٨٩٩)، له عليها شرحان أحدهما مطبوع، وقد اعتمد في شرح عقيدتها على ما كتبه الشيخ ناصر الدين المشذالي (الجزائري) الذي كان كتابه عمدة شراح العقيدة التي في صدر هذا الكتاب، كما ذكر ذلك في المقدمة، وممن شرحها داود بن علي القلتاوي المتوفى سنة (٩٠٢)، ونظم مشكلها محمد بن أحمد بن غازي المتوفى سنة (٩١٩)، ولأبي عبد الله محمد الحطاب كتاب تحرير المقالة في شرح نظائر الرسالة، شرح فيه منظومة ابن غازي، وهو مطبوع، وشرح الرسالة جلال الدين عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن قاسم المتوفى سنة (٩٢٠)، وأحمد بن علي الزقاق المتوفى سنة (٩٣١)، ومن أهم شروحها كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن علي بن محمد المنوفي سنة (٩٣٩)، وهو أحد الشروح الأربعة التي كتبها عليها، كما أشار إليه في خاتمة شرحه كفاية الطالب الرباني، وله أيضا شرحان على صدرها، وللشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي المتوفى سنة (١١٨٩) حواش ثلاثة على شرح أبي الحسن المتقدم ذكره، وقد أخذ عن علي الصعيدي هذا الدسوقي والدردير، شارح ومحشي الشرح، كما شرح ألفاظها الشيخ محمد بن إبراهيم التتائي المتوفى سنة (٩٤٢)، وكتب حاشية على شرح التتائي عليها؛ نور الدين علي بن زين العابدين الأجهوري المتوفى سنة (١٠٦٦)، وقد قالوا إنه لا يعتمد على ما انفرد به، وشرحها سعيد ابن سليمان ابن محمد الحميدي المتوفى سنة (٩٦٤) في كتابه المسمى مرشد المبتدئين، وشرحها عبد الله بن أحمد الفاكهي المتوفى سنة (٩٧٢)، وكتب تعليقات عليها محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب المتوفى سنة (٩٩٣)، ومن أهم ما يتوفر منها الآن الفواكه الدواني لأحمد ابن غنيم النفراوي المتوفى سنة (١١٢٦)، وشرحها عبد الله المدعو أبا مدين بن أحمد الفاسي المتوفى سنة (١١٨١)، ومحمد بن قاسم جسوس
стр. 53
المتوفى سنة (١١٨٢)، ولأحمد بن محمد الشرفي، الذي لم أعرف تاريخ وفاته تقربرات عليها، وشرحها محمد بن عبد ربه بن علي الشهير بابن الست المتوفى سنة (١١٩٩)، وشرح عقيدتها محمد بن مسعود الطرنباطي الفاسي المتوفى سنة (١٢١٤)، وشرح عقيدتها الطيب بن محمد بن كيران المتوفى سنة (١٢٢٧)، وكتب عليها شرحا شخص يسمى الزناتي وهو من علماء القرن الثالث عشر، ونظم أحكامها وكتب عليها شرحا سماه الفتح الرباني على نظم رسالة ابن أبي زيد القيرواني محمد أحمد الملقب بالداه الشنقيطي، وهو مطبوع، وممن نظمها عبد الله بن أحمد بن الحاج الغلاوي الشنقيطي، وللشيخ بن عمر بن سداق بن عمر شرحان كبير يسمى (فتح المالك على باكورة مذهب مالك)، وصغير سماه (معين التلاميذ على قراءة الرسالة) وهو مطبوع، فرغ منه سنة سبع وثلاثين ومائتين، ومن الشروح المختصرة الشرح المسمى بالثمر الداني، ومن أهم ما كتب عليها تخريج الدلائل لما في الرسالة من الفروع والمسائل، للحافظ المحدث أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، توسع فيه بذكرأدلة ما اشتملت عليه من المسائل الأمهات، ثم اختصره في كتاب سماه مسالك الدلالة على مسائل الرسالة، وهو من أحسن ما كتب على هذا السفر، لكن من حيث ذكر الأدلة، وتعقب الروايات بالتصحيح والتحسين والتضعيف، على وجه الاختصار، وربما سكت على الضعيف أحيانا، ولذلك لا يستغني عنه طالب علم يشتغل بهذا الكتاب، وقد سبق أن ذكرت شرح الأبهري المماثل له حسبما يبدو، فله فيه قدوة، وقد نظم عقيدتها الشيخ أحمد بن مشرف الإحسائي المالكي المتوفى سنة (١٢٨٥)، ومن شروحها تقريب المعاني لعبد المجيد الشرنوبي المتوفى بعد سنة (١٣٤٠)، وممن (اعتنى) بها ونشرها مع شيء من التعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم نشرها مع نظمها للشيخ أحمد بن مشرف الإحسائي؛ الشيخ بكر أبو زيد مع بيان ما لحقها من تحريف على يد الشيخ أبي غدة، وسيأتي الحديث عن ذلك، ومن آخر من شرحوا عقيدتها الشيخ عبد المحسن العباد البدر المدرس بمسجد رسول الله ﷺ ، وقد أثبت في مطلع شرحه نظم عقيدتها للشيخ أحمد بن مشرف المتقدم ذِكْرُه، جزى الله جميع العلماء العاملين المخلصين خيرا.
стр. 54
خامسا: خطة الشرح:
هذه بعض خصائص رسالة ابن أبي زيد وهذه صلتي بها، فأنا مشدود إليها بالعاطفة قديما، ومشدود إليها ببعض تلك الخصائص حديثا وقديما، فكان أن تاقت نفسي إلى أن أضع عليها شرحا وجيزا، عسى أن أسلك به في موكب خادمي العلم، معترفا مع ذلك بقلة زادي، وضآلة عتادي، سائلا ربي أن يجبر كسري، ويضع عني إصري، وأن ينفع به كما نفع بما تقدمه مما كتبه أهل العلم من شروح، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وقد اتبعت في هذا الشرح الخطة الآتية:
١ - جزأت أبواب الكتاب إلى فقرات، وترجمت في جزء العقيدة لكل فقرة بما يبين ما تحتها باختصار، مع رقم متسلسل للفقرات في كل باب كما رقمت الأبواب.
٢ - تكلمت على الفقرة جملة، فاصلا إياها عن الشرح، ولم ألتزم منهجا واحدا، فقد أقدم بعض الكلام على الشرح وقد أشرع فيه مباشرة، وقد ابتعدت عن طريقة مزج الشرح بالأصل كما سار عليه فريق من العلماء، فاضطروا إلى تقدير المحذوفات، وبيان الإعراب، وصرفوا كثيرا من اهتمامهم إلى شرح الكلمات، وإنما اجتنبت هذا لما فيه من صعوبة التفريق بين كلام المصنف وكلام الشارح، وكذا ما يصحبه من التعقيد الناتج عن المزج، لكني قد أتعرض لشرح بعض الكلمات للحاجة إليها.
وقد رأى بعض العلماء أن طريقة المزج أولى، لأنها أبلغ في إظهار المعنى، ومنهم الإمام السخاوي في شرحه الحافل لألفية شيخه زين الدين العراقي، فقد قال مبينا منهجه: «سابكا لها فيه بحيث لا تتخلص منه إلا بالتميز لأنه أبلغ في إظهار المعنى، تاركا لمن لا يرى حسن ذلك في خصوص النظم والترجيز لكونه إن لم يكن متعنتا لم يذق الذي هو أهنى».
وقد اعتمد نهج الفصل بين المصنف والشرح علماء آخرون منهم الخرشي في شرحه لمختصر الشيخ خليل، وسار عليه القاضي عبد الوهاب في شرحه للرسالة، والشيخ أحمد زروق وقاسم بن عيسى بن ناجي وغيرهم كثير، ولم يكن هذا المنهج معروفا عند المتقدمين.
стр. 55
وقد قلت في موضع آخر: «لا ينبغي في شرح المصنفات أن يصرف كل الهم إلى شرح كلام المؤلفين، فإن قضاء الأوقات الثمينة في شرح كلام الناس، وبيان مقاصدهم منه، وتكلف أوجه الإعراب لحله، وتقدير المحذوفات لتوجيهه، وفرض الاحتمالات في تفسيره؛ قليل الجدوى، معطل لملكة الاستنباط أن تقوى، كثير المؤونة والنصب، جم المتاعب والعطب، فكيف إذا صاحبه إغفال أدلة الكتاب والسنة، وترك التفقه فيهما، مما يوهن حبل المتابعة لصاحب الشريعة، الذي لا يستقيم توحيد العبد لربه، إلا باعتقاد توحيد متابعته، فإن التوحيد توحيدان: توحيد المرسل وهو الله تعالى، وتوحيد متابعة الرسول، ومن شأن العكوف على كلام الناس، والإفراط في العناية به؛ أن يحول كلام العالم إلى دليل بدل الدليل، كما هو واضح لمن عرف السبيل، وحسب الشارح أن يبين المعنى ويمضي.
٣ - أستدل لمسائلها ما أمكنني على وجه الاختصار، من الكتاب، والسنة، وغيرهما، مبرزا وجهة نظر علماء المذهب في فهم النصوص وتوجيهها، لكني ربما أوردت تفاصيل وفروعا في المسألة الأم من غير تعرض للدليل ولا للترجيح.
وما كان من الحديث في الصحيحين اكتفيت بعزوه لهما أو أحدهما، أو بقولي جاء في الصحيح، إلا لزيادة في غيرهما نافعة في الاستدلال فإني أشير إليها متى عرفتها، أما ما كان في غيرهما فإني أعتمد على تصحيح العلماء وتحسينهم وأسميهم بحسب اطمئنان قلبي، واقتناعي بما استدركه بعضهم على بعض، فإن الأحاديث التي اختلف العلماء فيها كثيرة، ومن ثم اختلفوا في الأخذ بالأحكام التي تضمنتها، فضلا عن اختلاف منهج الفقهاء عن منهج المحدثين في هذا الأمر، لكن ربما أوردت الحديث المختلف في قبوله ولم أبين ذلك.
٤ - أنبه على ما علمته من الروايات والأقوال غير المشهورة في المذهب إذا رأيت أن الدليل ينصرها وهي كثيرة، وقد أشار إليها بعض من كتبوا في الفقه، والذين شرحوا بعض مصنفاته ﵏، أو كتبوا حواشي على الشروح، لكنهم في الغالب لا يعطونها من الأهمية ما هي عليه، وعمدتي في الإشارة إلى هذه الروايات والأقوال المنتقى للباجي، وكتب القاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهما وبالخصوص كتاب (النوادر والزيادات، على
стр. 56
ما في المدونة من غيرها من الأمهات) لابن أبي زيد، وقد وفره لي بعض إخواننا جزاه الله خيرا، فإنه من أجمع الكتب في بابه، إن لم يكن أجمعها، وقد ذكر في مقدمته أسانيده المتصلة إلى هذه المصادر، كما أوضح في ختام كتابه الجامع هذه الأسانيد، بيد أن ما اعتمده في الجامع منها أكثر مما هو في النوادر، فمصادره فيه وفي النوادر موطأ الإمام مالك، وموطأ ابن وهب، (ت: ٩٧ أو ٩٨ أو ٩٩)، والمدونة لسحنون (ت: ٢٤٠)، والمستخرجة لمحمد بن أحمد العتبي (ت: ٢٥٥)، والمجموعة لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس (ت: ٢٦٠) أو (٢٥١)، وكتب ابن المواز لمحمد بن إبراهيم بن رباح المعروف بابن المواز (ت: ٢٩٦)، وكتب ابن حبيب لعبد الملك بن حبيب (ت: ٢٣٨)، والمختصران الصغير والكبير لابن عبد الحكم، وكتاب سحنون، ونقل عن أصبغ، والأبهري، وابن شعبان القرطي، وأشهب، وابن الماجشون، وابن مزين، كما ذكر أخذه عن المالكية البغداديين إجازة في غالب الأحيان
ومن وقف على أقوال بعض أهل العلم المالكية الذين اشتغلوا بشرح نصوص الكتاب والسنة أو بضبط القواعد الأصولية والفقهية على مذهب مالك كابن عبد البر والباجي وابن العربي والقرطبي والشاطبي والقرافي والمقري والشنقيطي والغماري وغيرهم، علم ما في وصف المشهور من التغطية على الحق في مذهب مالك ﵀، وهذه الروايات والأقوال لو تتبعت ومحصت لنسج منها فقه مالك نسجا جديدا، بحيث يستبعد منه شيء غير يسير مما يسمى بالمشهور اعتمادا على أحد تعريفيه عندهم، وهو أنه ما كثر قائله، بل وحتى على التعريف الثاني وهو كون المشهور ما قوي دليله، إذ ما أكثر ما تدعى قوة الدليل ولا قوة، قال الإمام ابن تيمية ﵀: «يمكن لمتبع مذهب مالك أن يتبع السنة في عامة الأمور، إذ قل من سنة إلا وله قول يوافقها» (١).
ومما يؤسف له أن الذين عنوا بهذا الأمر على أهميته لا يحكي المتأخرون كلامهم إلا ليردوه، قال بعضهم: «وقد بلغ إعراضهم عن الدليل أنهم يضعفون أقوال أئمة المذهب
стр. 57
المعروفين بالميل إليه، والعمل بما يقتضيه، كابن عبد البر، والباجي، وابن العربي، فأقوال هؤلاء وأمثالهم لا تذكر في كتب المتأخرين إلا مشفوعة بالتضعيف غالبا لا لشيء، إلا لأن أصحابها يتبعون الدليل».
وفي المقابل فقد أنبه على الأقوال التي هي على خلاف الدليل الصحيح غير المعارض بحسب ما تبين لي، وإن كانت مشهورة في المؤلفات ولا سيما المتأخرة، وقد أنبه إلى ما في بعض الشروح من الأحاديث الضعيفة، وما بني على ذلك من الأحكام.
واعلم أن فقه مالك بن أنس ﵀ قد تعرض للجمود منذ قرون بحيث هجر معظم المدرسين والمؤلفين الدليل، بل أصبح ذكر الدليل عيبا عند بعض الناس، لأن فيه تطاولا كما ظنوا على العلماء، ولا تستبعد هذا، فقد قال بعض الحنفية إن من قرأ صحيح البخاري فقد تزندق، وزعم بعضهم أن اتباع ظاهر القرآن يؤدي إلى الكفر.
ومن العجب أن يقول الشيخ أبو عبد الله عليش ﵀: «ونظرنا في الأدلة فضول، إذ وظيفتنا محض التقليد»!!، انتهى، بل سمعت يعضهم هذه الأيام يقول مسترضيا هؤلاء الذين يرفعون عقيرتهم بما سموه المرجعية الوطنية التي يتغطون بها بمحاربة السنة في مجلس عام: «إذا قال مالك فما الحاجة إلى الدليل»؟، وقد تحسن هذا الوضع عند فئة من الناس فاعتدلوا فقبلوا بعلم وردوا بعلم، وهذا هو الحق، وفرط آخرون فتنكروا لهذا التراث الفقهي جملة، وزعموا أن العناية به بدعة، وتجد بعضهم إذا رأى الحاجة ماسة إلى ذكر الدليل ذكر في طوايا كلامه ما يشبه الاعتذار.
قال الشيخ محمد الشيباني بن محمد الشنقيطي في مقدمة شرحه تبيين المسالك: «وأذكر أن بعض المتشبثين بالفروع لا يرون أي فائدة لذكر الدليل، وحجتهم في ذلك أن الذين دونوا الفروع أعلم بالدليل الأصلي من غيرهم، وهم مؤتمنون، ويرى بعضهم أن البحث عن الدليل ربما ينافي الأدب معهم، ويرى أن ذلك أمر يخص المجتهدين وحدهم، وليس ذلك بمسلم، لأن البحث عن الدليل لا يستلزم القدح في المجتهد، ولا يستلزم الاجتهاد، وإنما من قبيل التبصر الذي هو التطلع على الدليل مع التمسك بالفروع، ليكون المقلد مطمئنا على ما هو عليه بما اطلع عليه من الدليل.
стр. 58
وكلامه أحسن الله إليه جيد في الجملة، وقد بين بعد ذلك أن الذين رفضوا الدليل فرطوا، كما أن الذين تركوا الفروع فرطوا، لكنه جعل البحث عن الدليل لمجرد معرفته والاطمئنان على ما هو عليه، مع التمسك بالفروع بإطلاق، فكيف تجتمع معرفة الدليل والاطمئنان إذا رأى المتطلع شيئا يخالف ما اقتنع به؟.
وما زلت أعتبر التعصب للمذاهب، والإعراض عن الكتاب والسنة تحت التبريرات المختلفة بداية التخلي عن الحكم بما أنزل الله، بل هو منه، فبعض أهل الفقه هم الذين ابتدؤوا السير في هذا الطريق الذي برز فيه الحكام اليوم، وقد قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، ويفتح القول، ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المَثناة ليس فيهم أحد ينكرها، قيل: وما المثناة؟، قال: ما استكتب» (١)، قال الألباني هذا الحديث من أعلام نبوته ﷺ ، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء، وبخاصة منها ما يتعلق ب (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله - كما فسره الراوي - وما يتعلق به من الأحاديث النبوية، والآثار السلفية، فكأن المقصود ب (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين التي صرفتهم مع تطاول الزمان عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما هو مشاهد اليوم مع الأ سف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة فإنهم جميعا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم،،،»، انتهى.
وهذه كلمة للشيخ المحدث أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصديق يثرب فيها على الذين هجروا الدليل تحت دعاوى مختلفة، قال ﵀ في ختام شرحه مسالك الدلالة عند قول ابن أبي زيد: «واللجأ إلى كتاب الله وسنة نبيه»، قال: «لأن النجاة عندهم في اللجأ إلى عرف فاس وقرطبة ورأي المتأخرين الذين هم أبعد الناس من العلم، وأجهلهم بالكتاب والسنة، وأشدهم عداوة ومحاربة لها ولأهلها، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولا فيما اتفق عليه عمل السلف الصالح، وخير القرون، بل ولا فيما قاله ورآه الإمام مالك
стр. 59
نفسه، فأكثر أقواله اليوم ضعيفة مهجورة، ومحجوز عليها محجورة جزاء وفاقا، وكما يدين الفتى يدان، وبالكيل الذي يكيل يكتال، فكما حجرت الطائفة الأولى على كتاب الله وسنة رسوله وأنزلوهما منزلة القاصر، الذي لا يحسن التصرف إلا بأمر وصيّه ونظره، واتخذت كل شرذمة وصيا ارتضته واختارت وصايته وتقدمه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى آله، اللذين لا يأتيهما الباطل من بين أيديهما ولا من خلفهما تنزيل من حكيم حميد، كذلك حجر المتأخرون على رأي أولئك الأئمة الهداة المهديين، والعلماء العاملين، فلم يأخذوا من قولهم إلا بما شهد به عرف الدباغين والخرازين والقصابين والباعة من أهل قرطبة وفاس، وبما رجحه أو شهره أمثال التسولي والزرهوني، والرهوني، والزجلي، والخمسي، والفاسي، والوزاني، والمراكشي، والتطواني، الذين لا يعرفون مأخذ الأحكام، ولا مقاصد الشريعة، ولا عندهم من العلم الصحيح ما يصلح للتدوين، ولا ما يساوي النظر فيه، فضلا عن أن يقدم على فقه الأئمة المقدم في نظرهم على كتاب الله وسنة رسوله، فهذه هي الرزية العظمى والمصيبة الكبرى، التي ابتلي بها المسلمون، فمرقوا بها من الدين، وخرجوا عن سنن المهتدين، وانخرطوا في سلك المبتدعة الضالين، فاستحقوا الطرد والعقاب، وصب الله عليهم سوط العذاب، فشتت شملهم، وفرق كلمتهم، وسلب هيبتهم، وسلط عليهم أعداءهم، فحكمهم في رقابهم، وجعل لهم السبيل إليهم، وقد قال تعالى، وقوله الحق، ووعده الحق: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، مما هو أصرح دليل، وأوضح برهان، على أن الموجودين تحت حكم الكفار ليسوا بمؤمنين، ولا من حزب الله المفلحين، وكيف وقد نفى الله عنهم الإيمان، ولم يكتف بذلك حتى قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾] النساء: ٦٥]،،، إلى آخر كلامه، وهو حق باستثناء ما فيه من المجازفة بنفي الإيمان عن عموم الناس وتكفيرهم بالجملة، والقائل من جملة الواقعين تحت حكم الكفار!!.
٥ - وقد استفدت في شرح العقيدة مما كتبه العلماء عليها، ومنهم القاضي عبد الوهاب، فإن شرحه نفيس، وإن غلبت عليه في بعض المواضع نزعة المتكلمين في الرد على
стр. 60
المخالفين، من المعتزلة والقدرية والجهمية والإباضية بعد ذكر أباطيلهم، وقد كان يعايش بعضهم في العراق، فتطلب ذلك منه مجادلتهم بأساليبهم، لكنه يقدم في الذكر الرد من الإجماع والكتاب والسنة، ثم ينتقل إلى غيره، وقد جهل بعض الناس هذا الأمر، فوصف القاضي عبد الوهاب بما هو منه براء.
قال محقق شرحه بدر العمراني الطنجي أحسن الله إليه: «وقد قرأتها فأدركت ما فيها من غرر الأدلة، وسواطع البراهين، وقواطع الحجج في الرد على المخالفين والمبتدعين على المنهج السلفي الذي كان عليه قدماء المالكية إلا ما كان من نزوع خفيف لمذهب الأشعري في نحو مسألة الكسب، واستخدام طريقة المتكلمين واصطلاحهم أحيانا».
والذي يظهر من تتبع شرح القاضي عبد الوهاب أنه ممن لا يلجأون إلى التأويل إلا نادرا، وهو ما كان عليه قدماء الأشاعرة، أما متأخروهم فأوغلوا فيه قال صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوض ورم تنزيها
وهذا الذي ذكرته عن شرح القاضي عبد الوهاب قال عنه الشيخ بكر أبو زيد وهو بصدد بيان تحريف أبي غدة ﵀ لبعض ما في الرسالة، (ص ٩)، «إن شرحي القاضي عبد الوهاب، ومحمد بن موهب المقبري يلتقيان مع ابن أبي زيد على طريقة السلف، كما يفيده نقل ابن القيم عنهما في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية)، وكل أحد عدا المعصوم يؤخذ من قوله ويرد، كما استفدت مما كتبه الشيخ عبد المحسن العباد، ولما أسعفني الأخ محمد سحولي جزاه الله خيرا بكتاب الجامع لابن أبي زيد، وهو الذي ختم به كتابه مختصر المدونة استفدت منه فيما كتبت، لكونه وسع الكلام فيه أكثر مما هو في عقيدته هذه، وهو نافع في دفع بعض ما تؤول عليه في شرح كلامه، فإن المتكلم أولى بشرح قوله من غيره.
وأثناء إقامتي بالمدينة مهاجر رسول الله ﷺ في موسم حج عام (١٤٢٥ هـ) اطلعت في مسجد رسول الله ﷺ في قسم العقيدة على كتب فيها لم أكن أعرفها، مما كتب في أواخر القرن الثاني وما تلاه كأصول السنة للحميدي، وأصول السنة للإمام أحمد بن حنبل، وعقيدة الإسماعيلي، وكتاب الإيمان ومعالمه وسننه لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهي وإن لم يكن بي إليها حاجة في معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة فإنها ولله الحمد معروفة عند
стр. 61
المسلمين، إلا أن الاطلاع على علم الأقدمين محبب إلي، فحملني ذلك على إثبات شيء منها في هذا الشرح بحسب ما يسمح به المقام.
واعلم أني إذا أثبت كلاما لبعض الناس ولم أتعقبه فلأني أراه، ولست مجرد متابع له، وقد يكون غير معتمد في أمور أخرى في العقيدة خصوصا، أو فيها وفي غيرها، حاشا التفريعات المذهبية فإنها يصعب الاستدلال لها كلها، وهي في غالبها آراء وكثيرا ما أوردتها، وقد رميت من وراء ذلك إلى أن لا تقام الحواجز بين المسلمين في أخذ بعضهم عن بعض كما دأب عليه فريق من الناس في هذا العصر، والشرط أن يكون النقل في دائرة الحق، وأن يطمئن إليه الناقل، فإن علمت من أحد خلافا منهجيا أو عقديا فلا أثبت كلامه إلا لرده، والذي دعاني إلى هذا التنبيه هو أن كثيرا من شراح الرسالة قد صرفوا كلام ابن أبي زيد عن ظاهره، وحملوه على غير مراده، فنال عقيدته كثير من التشويه، ولا سيما بعد أن أدمج التصنيف بالشروح، فأصبح الإثنان يمثلان نسيجا واحدا، ولذلك لم أعرج على أقوالهم فيما علمت أنه مخالف لما كان عليه السلف، وقد أنقل منها ما علمت أنه غير مخالف، ولا ضير علي في الاستفادة من كلامهم في غيرها، كذكر أقوال أهل المذهب، وتوجيهها، وقد سبقني بعض الشراح إلى هذا الأمر.
فالشيخ زروق يقول: «فأما العقيدة فاعتمدت فيها على شرح الشيخ ناصر الدين المشذالي تلميذ الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وعمدة الشراح في ذلك، ثم شرح شيخنا أبي العباس أحمد بن اليزليتني المعروف بحلولو» (١)، وقد اعتمد في غير العقيدة على مختصر أبي عبد الله بن عرفة التونسي كما ذكره في خاتمة شرحه.
وليس المراد من الكتابة في العقيدة إثبات أقوال الناس واستيعاب ذكر الخلاف، فإن العقيدة لا تقبل الخلاف في حقيقة الأمر، وإن كان بعض العلماء يذكرون الأقوال ليبينوا زيفها ويردوا باطلها.
وغالب أصحاب الشروح من أتباع مالك بن أنس في الفروع، لكنهم خالفوه في كثير
стр. 62
من مسائل العقيدة، وإن كان الأشعرية أقرب الفرق إلى ما كان عليه السلف فيها.
قال الشيخ بكر أبو زيد: «ولا يستنكر هذا، فإن المذهب ينتسب إليه طوائف مخالفون لصاحب المذهب في كثير من مسائل الاعتقاد، كما حصل في المنتسبين للأئمة الأربعة»، انتهى.
وجرى معظمهم ﵏ على طريقة الخلف، ومعتمدها التأويل الذي قاد إلى التعطيل، وربما خلط بعضهم في المسائل، فجعل مذهب أهل السنة فيها هو مذهب المعتزلة، ومن ذلك أن التتائي ﵀ قال في شرحه تنوير المقالة: «قول من قال إن الباري تعالى في كل مكان بعلمه باطل، لأن من يعلم مكانا لا يصح أن يقال هو في ذلك المكان بالعلم، وإنما يقال إنه محيط بكل شيء قدرة وعلما، وأن ما أتى به المؤلف (يقصد ابن أبي زيد) هو مذهب المعتزلة … »، انتهى، فانظر كيف جعل مذهب أهل السنة هو مذهب المعتزلة.
والصواب: أن مذهب المعتزلة القول بأن الله تعالى في كل مكان بذاته، تعالى الله عما قالوا علوا كبيرا.
стр. 63
مقدمة الناسخ
• قوله:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه
هذا تعريف في المقدمة بالمؤلف، ذُكر فيه كنيته واسمه وكنية أبيه، وموطنه وهو القيروان، أما اسم أبيه فهو عبد الرحمن، وهذا مطلوب، فإن التآليف لا يوثق بها إذا لم يكن أصحابها معروفين. وقد اختلف فيمن قال هذا الكلام، هل هو من جملة ما كتبه المؤلف، كما هي رواية القاضي عبد الوهاب، أو هو كلام لبعض من نسخ رسالته؟، والأخير رجحه يوسف بن عمر الفاسي أحد شراحها حيث قال: «وهي روايتنا، والرواية الصحيحة عدم ثبوتها»، وهكذا قال زروق في خاتمة شرحه، ويؤيد ذلك ما في النسخة التي شرح عليها الشيخ عثمان بن عمر بن سداق، فإنه قال فيها: «قال الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني -رحمه الله تعالى-»، لا سيما والمؤلف قد ذكر اسمه في آخر كتابه، وهو مما اتفقت عليه الروايات، وقد يكون هو كلام المؤلف زيدت عليه الترضية.
وإذا كان الأمر هكذا فلا حاجة إلى الإجابة عما فيه من التكنية كما هو صنيع الشيخ زروق، والشيخ أبي الحسن، حيث اعتبراها من التزكية، وهي منهي عنها، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، وقد قيل إنه يكره للشخص أن يكني نفسه إلا إن قصد التعريف، لكن من غير المسلم اعتبار التكنية تزكية، وقد كنى النبي ﷺ أخا لأنس ابن مالك بأبي عمير، وكنى عائشة -رضي الله تعالى عنها- بأم عبد الله، وهذان في الصحيح، وكنى ابن مسعود قبل أن يولد له، فكيف يكنيهم، ثم يكون ذكرهم لهذه الكنية مكروها ولا
стр. 64
ينهاهم عنه؟، وقال النبي ﷺ : «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (١).
وقال أهل العلم: إن التكنية عند العرب كاللقب للعجم، وقد كانوا يسرعون إليها سدا لباب التلقيب الذي كان غالبا ما يكون للنبز كما قال الشاعر:
أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوأة اللقب
أما الترضية فالأصل فيها قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فشمل بالرضا جميع المهاجرين والأنصار لأن (من) في الآية بيانية، وقيل هي تبعيضية، وعلى الأول فقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يشمل بقية الصحابة ممن ليسوا مهاجرين ولا أنصارا، إذ لا هجرة بعد الفتح، كما يشمل غير الصحابة ممن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ويدل على أن من بيانية وأن التابعين في الآية يشمل غير المهاجرين والأنصار من الصحابة ﵃، ما رواه أحمد عن مجاشع ابن مسعود أنه أتى النبي ﷺ بابن أخ له يبايعه على الهجرة، فقال رسول الله ﷺ : «لا، بل يبايع على الإسلام، فإنه لا هجرة بعد الفتح، ويكون من التابعين بإحسان» (٢).
وجملة ﵃ جملة خبرية فهي خبر عما قبلها، أما قولنا: فلان ﵁ فالجملة فيه دعائية، إلا إذا كان المترضى عنه ممن شهد له بالجنة؛ فتحتمل الوجهين، الإخبار والإنشاء، والله أعلم.
وقد ذكر بعض أهل العلم للترضية أصلا من السنة، فلينظر في ثبوته، قال السخاوي قال الخطيب: «والأصل في ذلك حديث جابر: «كنا عند النبي ﷺ فالتفت إلى أبي بكر فقال: «يا أبا بكر أعطاك الله الرضوان الأكبر»، وحديث أنس: «كنا جلوسا مع النبي ﷺ فقام، فقام غلام فأخذ نعله فناوله إياه، فقال له رسول الله ﷺ : «أردت رضا ربك، رضي الله عنك، قال فاستشهد» (٣).
стр. 65
وينبغي أن لا تطلق الترضية إلا على من ظهر منه الاتباع التام للسنة، ومات على ذلك، ولا يسوغ أن يتساهل في إطلاقها كما عليه بعض أدعياء التصوف الذين يطلقونها استرضاء لمن يخاطبونهم، وقد يكونون من الفساق، حتى وإن أريد بها الدعاء، وذلك لما فيها من الإيهام، فالعدول عنها إلى الدعاء الصريح هو الحق.
أما لفظ (وأرضاه) المذكور فمعناه أعطاه ما يرضيه، من أرضاه إذا جعله يرضى، كما قال في الصحاح: «أرضيته عني ورضيته بالتشديد أيضا فرضي»، لكن الذي يظهر أن هذا ليس هو المراد من إطلاق هذا القول، لأنه يغني عنه قولنا ﵁، فإن رضا الله تعالى أعلى نعيم الجنة، فإنه تعالى يخاطب أهل الجنة بقوله: «يا أهل الجنة هل رضيتم؟، فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟، فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١)، فتعين أن يحمل وأرضاه على معنى آخر يريده بعض مستعمليه، هو وأرضاه عنا، فيقال: إن الذي يطلب رضاه استقلالا هو الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢]، أما رضا غيرهما فتبع لهما، فكيف إذا كان هذا الذي يقال عنه وأرضاه عنا كما نسمع ليس ممن يعرف ما يرضي الله؟، ومهما يكن من التخريج الذي قد يقال في مشروعية هذا؛ فالأولى تركه، فلسنا ممن يتشددون في إطلاق الترضية على غير الصحابة، ولا من الذين يرسلونها بغير حساب.
ومما ينبغي أن يجتنب أيضا قول بعضهم ﵁ وعنا به، يعني بسببه، لأنه توسل بذات، والخلاف في التوسل بذات النبي ﷺ معروف، والراجح عدم مشروعيته، فكيف بالتوسل بغيره؟، وليس الاحتجاج بالتبرك بفضل وضوئه ومخاطه وشعره ﷺ بنافع في هذا المقام، فإن هذا غير ذاك، مع أنه خاص به لا يقاس عليه غيره
стр. 66
مقدمة المؤلف
• قوله:
١ - «الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصوره في الأرحام بحكمته، وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه، وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما، ونبهه بآثار صنعته، وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه، فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله، ويسر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين، وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم».
ابتدأ بالثناء على الله تعالى، وهو الإخبار بأن جميع المحامد مستحقة له، والمراد إنشاء الحمد، وذلك اقتداء بما في الكتاب الكريم المفتتح بسورة الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وبما فيه من حمد الله تعالى نفسه حين ذكر خلقه السموات والأرض، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [أول سورة الأنعام]، وأخبر أنه سبحانه يحمده الخلق حين يتم فصل القضاء بين العباد، فقال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [آخر سورة الزمر]، وأخبر أن له الحمد في الدنيا والآخرة فقال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
وقد جاءت أخبار في ابتداء الأمور ذوات البال ببسم الله، وبالحمد لله، وبذكر الله، فقال العلماء إن المراد الافتتاح بمطلق ذكر الله، لكن لم يصح من هذه الأخبار شيء، وإن
стр. 67
حسن بعضها النووي، وقد ألف المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري رسالة في الرد على من صحح الحديث، وقال في المداوي عن حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع»: «إنه باطل موضوع»، انتهى.
لكن جاء في افتتاح الخطبة ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كل خطبة لا تشهد فيها فهي كاليد الجذماء» (١)، كما أن ابتداء الرسائل بالبسملة أمر ثابت، وحسبنا من ذلك أن النبي ﷺ افتتح رسالته إلى هرقل ملك الروم بالبسملة كما في الصحيح، وقد افتتح القرآن بالبسملة والحمدلة معا، وعلماء المسلمين من عهود قديمة يفعلون ذلك في مقدمة كتبهم، كما هو عمل البخاري وغيره، خلا ما كان منها شعرا.
قال الألباني (٢) معلقا على حديث التشهد أول الخطبة: «ولعل هذا هو السبب أو على الأقل من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تلقى على الطلاب أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النبي ﷺ البالغ على تعليمه أصحابه،،،»، انتهى.
ثم ذكر المصنف أمورا هي من جملة ما يحمد الله عليه، ويعبد من أجله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾
[البقرة: ٢١].
وفي الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» (٣).
أولها: نعمة الخلق، فإنها أول نعم الله على الإنسان، إذ خلق الله تعالى آدم أبا البشرية من طين، ثم تناسلت منه ذريته، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٧ - ٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ [الانفطار: ٦ - ٧)].
стр. 68
وثانيها: تصويره في الأرحام كيف يشاء بحكمته، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقد مر بمراحل قبل أن يكتمل خلقه، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣].
وثالثها: إخراجه إياه من بطن أمه إلى الحياة، وقد هيأ له فيها ما يرتفق به، وكتب له رزقه، كما قال رسول الله ﷺ : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد»،،، الحديث (١)، وقد جعل الله تعالى عطف أمه عليه عظيما، فثديها له سقاء، وحجرها له حواء، إلى أن يبلغ الفطام، ثم يتدرج ويكبر شيئا فشيئا، فيشب ويستغني عن غيره.
قال الإسماعيلي في عقيدته مبينا المراد بالرزق عند أهل السنة: «وأن الله يرزق كل حي مخلوق رزق الغذاء الذي به تقام الحياة، وهو يضمنه الله لمن أبقاه من خلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو حرام، وكذلك رزق الترفيه الفاضل عما يحي به»، انتهى، وإنما يذكرون هذا التفصيل ردا على الذين يقولون إن الرزق لا يكون إلا حلالا
ورابعها: أنه أخرجه من بطن أمه وهو لا يعلم شيئا، فعلمه ما لم يكن يعلم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فهذه نعم جليلة يتعين الشكر عليها عند من يعقل، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
стр. 69
أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾
[الأحقاف: ١٥].
وخامسها: أنه لم يخلق الإنسان وكذلك سائر الخلق عبثا، ولا تركهم سدى، خلق الإنس والجن لتوحيده وعبادته، وهداهم أنواعا من الهداية الظاهرة والباطنة، منها:
ا - أنه جعل له فيما خلق آيات دالة على وجوده وربوبيته وإلهيته واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، تنبيها له على أصل سعادته، كما قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ب - ومنها أنه أعذر إليه، أي أزال عنه كل الأعذار التي يمكن أن يعتذر بها، كما قيل: أعذر من أنذر، يقال أعذر في الأمر إذا بلغ فيه أقصى الغاية، وفي الحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين» (١)، وكيف يبقى للناس عذر، وقد أرسل الله إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ليبين لهم ما أراد منهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: ١٣٤].
فليس يحصي الذي أولاه من نعم … أجلها نعمة الإيمان بالرسل
من ذا من الخلق يحصي شكر واهبها … لو كان يشكر طول الدهر لم يصل
ج - وحيث إن الله تعالى قد هيأ للإنسان ما يفرق به بين طريق الحق وطريق الباطل، كانت منه تعالى هداية أخرى تفضلا ومنة، وهي هداية التوفيق التي خص بها من شاء بفضله، وحرم منها من شاء بعدله، والهداية هي الإرشاد والبيان كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ
стр. 70
النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وإنما على الرسول البلاغ.
أما الهداية المقابلة للإضلال فهي لا تكون إلا لله تعالى، ولذلك نفاها عن نبيه ﷺ في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩] وهذه المسألة من كبريات المسائل العقدية، دلت عليها آيات وأحاديث كثيرة، منها أن رسول الله ﷺ كان يذكرها بين يدي كل كلام ضمن خطبة الحاجة، وما ذلك إلا لأهميتها في عقيدة المسلم، بحيث إن من لم يسلم بها، فقد أنكر المشيئة، واعتقد أنه يقع في ملك الله ما لا يريده، تعالى الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وسيأتي مزيد كلام على الهداية في شرح العقيدة إن شاء الله.
وقد عطف المؤلف بالفاء قوله «فهدى من وفقه بفضله»، للإشارة إلى أن قبول التنبيه والإعذار، والاتعاظ بالآيات والاعتبار؛ من أسباب الهداية، والإعراض عنها من أسباب الغواية.
وقوله بنعمته أي إنعامه، فإن ما ذكره هنا كله من فضل الله على خلقه وإنعامه عليهم، والنعمة بكسر النون هي الحالة الحسنة، وبناؤها في اللغة بناء الهيئة، وبفتح النون هي التنعم وبناؤها بناء المرة، كما قال ابن مالك:
وفَعلة لمرة كجَلسه … وفعلة لهيئة كجلسه
وقال تعالى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
стр. 71
فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ [الدخان: ٢٥): ٢٧]، وقال: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ [المزمل: ١١]، وكما تطلق النعمة على جلب المنافع والمصالح تطلق على دفع المضار والمفاسد، فإن كلا منهما فيه منفعة، ومن الثاني قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [إبراهيم: ٦]، وقال تعالى عن رسوله يونس ﷺ : ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾ [القلم: ٤٩]، ومن ذلك اعتبار أن من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه بمثابة امتلاكه الدنيا بحذافيرها كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبيد الله بن محصن الخطمي وحسنه.
وقوله: «ويسر المؤمنين لليسرى»، من جملة الكلام على هداية التوفيق، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]، ومعنى نيسره نسهل له ونوفقه، واليسرى ما لا مشقة فيه ضد العسرى، فكأنها صفة لمحذوف هو المكانة، أو الحالة، وقد فسرت بالجنة، وفسرت بالخير.
وقوله: «وشرح صدورهم للذكرى»، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، يعني هل يستوي هو وغيره؟، وأراد المؤلف بذلك أن الله تعالى يوفق بفضله من علم منه الخير من عباده، وهو أعلم بهم إلى الأخذ بالأسباب الموصلة إلى الخير، فيشرح الله صدره للحق، ويؤهله للانتفاع بما يسمع من التذكير والمواعظ، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١)﴾ [الأعلى: ١٠ - ١١]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]، وقد قيل إن من ثواب الحسنة؛ الحسنة بعدها.
وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى من [سورة الأنعام: ١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، قول ابن عباس ﵄ أن المعنى: «يوسع قلبه للتوحيد،
стр. 72
والإيمان به»، ثم ذكر نصوصا مرسلة ومتصلة من رواية ابن أبي حاتم، وأبي جعفر بن جرير الطبري، وعبد الرزاق، منها ما رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، ما هذا الشرح؟، قال: نور يقذف به في القلب، قالوا يا رسول الله هل لذلك من أمارة تعرف؟، قال: نعم، قالوا: وما هي؟، قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت»، ثم عقب على ما ذكره بقوله: «فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا».
وقوله: «فآمنوا بالله: بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين»، هذا مرتب على ما قبله من الهداية بأنواعها، وفيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون الكاملو الإيمان، وأن الإيمان يشمل هذه الأمور الثلاثة التي هي الاعتقاد والقول والعمل، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة، ويوافق هذا قوله في الباب الأول من هذا الكتاب عاطفا على ما يجب اعتقاده: «وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح»، لكنه في الترجمة ذكر النطق والاعتقاد فحسب، وقال بعد ذلك: «من ذلك الإيمان بالقلب، والنطق باللسان»، فرأى بعضهم في كلامه تناقضا، أو إرجاء، والحق أن لا تناقض، فإنه في كل موضع من هذه المواضع الأربعة تحدث عن أمر.
ففي المقدمة كان يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون الكاملو الإيمان، وبعده تحدث عن مضمون كتابه، وفيه باب خاص بالعقائد، وباقي أبواب الكتاب للأعمال، واعتبر ذلك كله واجبا من الدين، كما قال: «فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح».
وفي ترجمة الباب الأول بين أنه سيذكر أمورا يتعين اعتقادها والنطق بها، وهذا شأن العقائد، فكلمة التوحيد لا إله إلا الله، يعتقد مضمونها وينطق بها، وهناك مايتعين اعتقاده فحسب، ككثير من المسائل التي ذكرها في هذا الباب من صفات الله تعالى، والإيمان بالقدر، وحوض النبي ﷺ .
وفي الموضع الثالث بين مسمى الإيمان، وجعله شاملا للأمور الثلاثة، وفي قوله:
стр. 73
«وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات»، أدخل القول ضمن العمل لأن اللسان من الجوارح الظاهرة، ولكل مقام مقال.
ولذلك فلا وجه لما قالوه: إن في كلامه تخالفا، أو أنه في موضعين فقط جرى على مذهب السلف، وكأنه في غيرهما جرى على غير منهجهم، ولا ما قيل في الجواب عنه: إنه في أول الباب كان بصدد بيان أصل الإيمان، وفي غيره كان يبين الإيمان الكامل، كما في الفواكه الدواني للشيخ أحمد بن غنيم النفراوي: (١/ ٣٠)، وكفاية الطالب الرباني للشيخ أبي الحسن، مع حاشية الشيخ علي الصعيدي العدوي: (١/ ٢٣)، ومن تدبر كلامه كله فهم مراده، ولم يحتج إلى الاعتذار عنه.
ولا إشكال في ذكره العمل بما في الكتب كلها، فإن الإيمان يجب بجميع الرسل، ومن عمل بما جاء به نبينا محمد ﷺ فكأنما عمل بما جاءوا به، لأن من جملة ما أوحي إليهم ما أخذ عليهم من الميثاق بتصديق كل ماجاء به الرسل من بعدهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، ومن كذّب واحدا منهم فكأنما كذّبهم جميعا، ولذلك أسند تكذيب الرسل لمن كذّب واحدا منهم، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ [الشعراء: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبإ: ٤٥].
وقوله: «وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم»، وهذا فيه زيادة إيضاح وتأكيد لما تقدم، فإن من عمل بما جاءت به الرسل والكتب؛ لا بد أن يقف عند ما حد له من الأحكام، فيفعل الواجبات والمندوبات، وينتفع بالمباحات، ويجتنب المحرمات والمكروهات، ويستغني بالحلال عن الحرام.
وهذا دأب المؤمنين يعرفون دينهم، كل بحسب ما هو مطلوب منه، فإن من العلم ما هو فرض عين، وما هو فرض كفاية، وكل يأخذ ما هو مطلوب منه، والمؤمنون يقفون عند حدود الله لا يتعدونها، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]،
стр. 74
وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وهم يجتنبون ما حرم الله عليهم، لأن لهم فيما أحل لهم غنية عنه، والحلال بين والحرام بين، ومن الدعاء المأثور: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك» (١).
стр. 75
• قوله:
٢ - أما بعد: أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن، من مؤكدها ونوافلها، ورغائبها، وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه، على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين، وبيان المتفقهين، لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان، كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته، فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه.
أما بعد، عبارة يؤتى بها للفصل بين مفتتح الكلام والغرض منه، وقد صح عن النبي ﷺ استعمالها كما في خطبة الحاجة والرسائل، وأصلها: مهما يكن من شيء بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة مثلا، وسائر ما قيل قبلها، فإني أقول: أعاننا الله الخ، فأما نائبة عن أداة الشرط مهما، وبعد؛ قامت مقام المضاف إليه، وكل ذلك للاختصار، ولذلك يجاء بالفاء الرابطة بين الشرط والجواب في أول الكلام الذي يلي أما بعد، ولا تترك هذه الفاء في النثر إلا إذا حذف معها قول، كما أشار إليه ابن مالك في الخلاصة:
أما كمهما يك من شيء وفا … لتلو تلوها وجوبا ألفا
وحذف ذي الفا قل في نثر إذا … لم يك قول معها قد نبذا
وقوله: «أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه»، من محاسن هذا التأليف، وهو أن