شرطا أو ركنا، هذا هو الأصل، ولقول النبي ﷺ : «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»، رواه البخاري (٦٩٤) وغيره عن أبي هريرة، وقوله «وإن أخطأوا»؛ ليس من الخطإ المقابل للعمد، فإنه مرفوع عن هذه الأمة، فلا يؤاخذ به أحد، بل هو الخطيئة، وهي المعصية، ولقوله ﷺ : «من أم الناس فأصاب الوقت، وأتم الصلاة؛ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا؛ فعليه ولا عليهم»، رواه أبو داود (٥٨٠) وغيره عن عقبة بن عامر، وقد ترتب على القول ببطلان الصلاة خلف المخالف في الفروع في بعض المسائل من المفاسد ما لا يخفى على البصير، حتى أقيمت محاريب عدة في المسجد الواحد لكل طائفة إمامها، وقد رأيت شيئا من ذلك في بعض مساجد الشام.
أما إمامة الصبي؛ فقد دل على صحتها صلاة عمرو بن سلمة بقومه وقد تقدم، وقد قال زروق عن إمامة الصبي في الفرض نقلا عن بعض شيوخه: «والظاهر صحة إمامته مطلقا لحديث عمرو بن سلمة المشهور».
والمشهور أن المرأة لا تؤم الرجال ولا النساء، لا في الفريضة ولا في النافلة، عزاه لمالك في النوادر نقلا عن المختصر، وفي المدونة عن مالك: «لا تؤم المرأة»، وهذا إطلاق، وروى ابن أم أيمن عن مالك أن المرأة تؤم مثلها من النساء، وفي المختصر قيل له: «فللنساء في قيام رمضان»؟، قال أليس يفعلن؟، وكذلك روى أشهب عنه».
قلت: وهو قول أشهب كما في النوادر (ما يجب من الصلاة على الجنازة).
قال الباجي في (المنتقى ١/ ٢٣٥) مبينا دليل مالك في رواية ابن أم أيمن: «وتعلق في الرواية الثانية بما روي أن النبي ﷺ كان يزور أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها، وهذا الحديث مما لا يجب أن يعول عليه»، انتهى.
قلت: الحديث رواه أبو داود (٥٩١)، تحت ترجمة (إمامة النساء)، من طريق وكيع بن الجراح حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل أن النبي ﷺ لما غزا بدرا قالت، قلت له: «يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني الشهادة»، قال: «قري في بيتك؛
стр. 632
فإن الله تعالى يرزقك الشهادة»، قال: «فكانت تسمى الشهيدة»، قال: «وكانت قرأت القرآن فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها، قال: «وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: «من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة»، ثم رواه من طريق محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة، وفيه: «وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها، قال عبد الرحمن: «فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا».
قال في التلخيص الحبير (٥٥٦): «عبد الرحمن بن خلاد فيه جهالة»، ورواه الحاكم وفيه: «وأمر أن يؤذن لها ويقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض»، والوليد بن عبد الله بن جميع، وعليه مدار الحديث هو من رجال مسلم، قال عنه في التقريب: «صدوق يهم، ورمي بالتشيع»، وقال الحاكم: «هذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غيرها»، وقد سكت عنه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وحسنه الألباني.
والحديث كما ترى يتعدى إمامة المرأة للنساء، لأن قوله «أهل دارها»؛ يشمل بظاهره مؤذنها وغلامها، وقد وجدت الكحلاني على هذا المعنى، وذهب إلى هذا المعنى أبو ثور والمزني والطبري، وخصه الدارقطني بنساء أهل دارها، ذكره الشوكاني في (النيل ٣/ ٢٠١)، ولم أقف عليه في سنن الدارقطني، وإذا صح الحديث، وأعمل هذا الظاهر وهو الحق؛ فينبغي أن يعلم أيضا أن من السنن الماضية عند المسلمين؛ أن النساء ليس من شأنهن إمامة للنساء معهم الرجال، فينبغي أن يقيد ذلك بعدم وجود من يقرأ، وهذا الاحتمال قوي في الحديث المذكور، وإلا فقد كانت هناك نساء كثيرات فقيهات وقارئات، ومع ذلك ما جرى تقديمهن، كما أنه لا يصح أن يتوسع في إمامة المرأة للنساء، فيقال بمشروعية صلاة النساء تؤمهن واحدة منهن على وجه المداومة والاستمرار، فإن النساء كن إما أن يصلين مع الرجال في المساجد، أو في بيوتهن، وبيوتهن خير لهن، وإنما قلت هذا؛ لأنه قد جد من المخالفات ما لم يكن في عهود الإسلام الماضية، كهذه الأحياء الجامعية
стр. 633
التي تسكنها النساء، فليس من السنة أن يتخذن مسجدا لهن لتؤمهن فيه إحداهن، فإن إقامتهن على هذا النحو فيها مخالفات جمة، وهي غير مشروعة، فكيف يبنى عليها الشرع؟، وقد اختلف أهل العلم المجوزون لشهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن فيما إذا كان اجتماعهن غير مشروع: هل تقبل شهادتهن أو لا تقبل؟، والحديث يدل على أن الأذان من وظائف الرجال ما وجدوا، لكن إن انفردت النساء هل يتوجه إليهن الطلب؟، الأصل هو ذاك، والله أعلم.
وفي النوادر (في الصلاة خلف أهل البدع) «من العتبية قال أشهب عن مالك: ولا أحب الصلاة خلف الإباضية، والواصلية، ولا السكنى معهم في بلد».
وقال عنه ابن نافع: «وإذا كان المسجد إمامه قدري؛ فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره، فإن غشيه في محله؛ فلا أحب أن يصلي خلفه».
وفي الواضحة: «ومن صلى خلف أحد من أهل الأهواء أعاد أبدا، إلا أن يكون هو الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة، أو قاضيه، أو خليفته عن الصلاة، أو صاحب شرطته، فيجوز أن يصلي خلفهم الجمعة وغيرها، ومن أعاد منهم في الوقت فحسن، ومنعُ الصلاة خلفهم داعية إلى الخروج من طاعتهم، وسبب إلى الدماء والفتنة، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج، ونجدة الحروري حين وادع ابن الزبير»، انتهى، وفي المدونة. قلت: «فإن كانوا خوارج غلبوا، أكان مالك يأمر بالصلاة خلفهم والجمعة خلفهم؟، قال كان مالك يقول: إذا علمت أن الإمام من أهل الأهواء؛ فلا تصل خلفه، ولا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء، انتهى.
وقد أورد سحنون ﵀ في نهاية الباب ما رواه بن وهب عن عبيد الله بن عبد الله بن الخيار قال: دخلت على عثمان بن عفان وهو محصور فقلت: «إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإنه يصلي لنا إمام فتنة، وإنا نتحرج من الصلاة خلفه، فقال عثمان: فلا تفعل، فإن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم».
والأصل في هذا ما جاء في قول رسول الله ﷺ : «ليصل الرجل في المسجد الذي يليه،
стр. 634
ولا يتبع المساجد»، رواه الطبراني عن ابن عمر، وحسنه في الجامع الصغير، وهو في الصحيحة (٢٢٠٠)، لكن الغماري في (المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي ح/ ٢٩٥٩) حكم عليه بقوله: «باطل موضوع، لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ »، وقد رده لأن في إسناده عبيس بن ميمون، وهو واه ضعيف، وليس هذا بمذكور فيما درسه الألباني من رجال السند.
стр. 635
• قوله:
٢ - «ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه».
المذهب أن الإمام يحمل عمن ثبتت مأموميته له ما عدا شروط الصلاة وواجباتها المتقدم ذكرها، ومن جملة ما يحمله عنه القراءة في الصلاة كلها، لا فرق بين فاتحة الكتاب وغيرها، في الصلاة السرية والجهرية على السواء، لكنه في الصلاة الجهرية يجب عليه الإنصات، وفي السرية يندب له أن يقرأ، فإن قرأ في الجهرية؛ فقد فعل مكروها، وصحت صلاته، وقال ابن العربي في (العارضة ٢/ ١٠٩): «والصحيح وجوب القراءة عند السر لقوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ولقوله للأعرابي: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، وتركه في الجهر،،،».
ودليل الإنصات في الجهرية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، رواه مسلم وأبو داود (٩٧٣) وغيرهما عن أبي موسى الأشعري، وحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، رواه ابن ماجة (٨٥٠) عن جابر، وفيه جابر الجعفي، ورواه غيره عن غيره، قال الحافظ في التلخيص: «مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، كلها معلولة»، وصححه الألباني، وهذه كما ترى عمومات قابلة للتخصيص.
واعلم أن الإنصات في غير فاتحة الكتاب متفق عليه في حال الجهر، أما فاتحة الكتاب؛ فالخلاف في قراءتها معروف بين العلماء، والأدلة المذكورة دالة على المطلوب بعمومها، فهي قابلة للتخصيص، وقد جاءت أدلة عامة في وجوب قراءة أم القرآن، بل في شرطيتها لا فرق بين إمام ومأموم، منها قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»،
стр. 636
متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت، وقوله ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام،،، الحديث»، رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة، ومعنى خداج أنها ناقصة نقص فساد وبطلان كما قال الخطابي، وقد تقدم، وليس تخصيص أحد العمومين بأولى من تخصيص الآخر.
لكن جاء ما يمكن أن يكون رافعا للخلاف عند قوم، وهو حديث عبادة ابن الصامت قال: «كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟، قلنا: «نعم يا رسول الله»، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».
قال الحافظ في التلخيص الحبير (الحديث ٣٤٤): «رواه أحمد والبخاري في جزء القراءة، وصححه أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١)، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وذكر له الحافظ شاهدا عند أحمد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ نحوه، وقال إسناده حسن، وهو في ضعيف سنن أبي داود والترمذي للألباني، بيد أنه أثبته في كتابه صفة الصلاة، واعتبره منسوخا، إذ ترجم عليه بقوله: «نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية»، وإذا ثبت الحديث؛ استقام تخصيص جميع عمومات الأدلة الدالة على الإنصات، وكذا عموم دليل حمل الإمام القراءة عن المأموم إذا صح، فيخص كل ذلك بما عدا الفاتحة، لكن هذا الدليل لم يسلم لمن اعتمد عليه من معارض أيضا، إذ جاء في حديث أبي هريرة ﵁ ما يدل على ترك قراءة الفاتحة خلف الإمام فيما يجهر فيه عند قوم آخرين، فقد قال ﵁: «انصرف رسول الله ﷺ من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟»، فقال رجل: «نعم، أنا يا رسول الله»، فقال رسول الله ﷺ : «إني أقول ما لي أنازع القرآن»؟، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ »، رواه مالك في الموطإ (١٩٠) وأبو داود (٨٢٦)، وموضع الدليل منه قول الراوي: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه»، فإنه
стр. 637
عام في الفاتحة وغيرها.
لكن العلماء اختلفوا في قائل جملة الانتهاء هذه: هل هو أبو هريرة؟، فيكون مرفوعا من جملة الحديث، أو هو غيره من رجال السند: إما معمر، وإما الزهري، فيكون مدرجا، قال الحافظ في التلخيص: «قوله فانتهى الناس إلى آخره؛ مدرج في الخبر من كلام الزهري بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التأريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم، انتهى.
قلت: ومنهم أبو بكر بن العربي، ومعنى هذا أن الانتهاء ليس من الحديث، فلا حجة فيه، وذهب ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (٣/ ٣٥) إلى أنه يجوز أن يكون من كلامهم جميعا إذ لا مانع منه.
قلت: ولو سلم ما ذكر باعتبار أن الأصل فيما يذكر في الحديث أنه منه؛ فإن الانتهاء عن القراءة يحتمل أنه كف منهم عن الجهر، لأن الحديث فيه: «ما لي أنازع القرآن»، فينزل الانتهاء على ما كان منازعة، لأنهم لو قرءوا سرا ما جاذبوه ولا نازعوه ولا شوشوا عليه بأبي هو وأمي، قال في النهاية في معنى أنازع: «أي أجاذب في قراءته، كأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، فالتبست عليه القراءة،،،»، وقال الخطابي عن معناه: «أداخل في القراءة وأغالب عليها، وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمناوبة، ومنه منازعة الناس في الندام»، والندام بكسر النون جمع نديم وهو المجالس لأجل الشرب، وقول الألباني «والمعنى الثاني هو المتعين هنا، بدليل انتهاء الصحابة عن القراءة مطلقا، ولو كان المراد منه المعنى الأول؛ لما انتهوا عنها، بل عن المداخلة فقط كما هو ظاهر»؛ ليس كما ينبغي، فإن المعنى الأول والمعنى الثاني لا فرق بينهما، بل كل منهما يدل على أنهم كانوا يجهرون معه، لأن المناوبة والمشاركة لا تكون بين شخصين يتكلمان وأحدهما لا يسمع الآخر، ثم إنني أخشى أن تكون كلمة الندام حرفت فيها النون عن
الميم، فالكلمة هي المدام، وهي الخمر، ومعنى المنازعة فيها التناوب والمشاركة، وهذا واضح من كلام الخطابي، قال الله تعالى عن شرب أصحاب الجنة لها: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا
стр. 638
تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٣]، أي يتعاطونها، وقيل يتجاذبونها مداعبة وملاطفة، نسأل الله أن نكون ممن يسقاها، وكيف تكون المنازعة في الندام وهم الندامى؟، فالحاصل أن المعنى الأول وهو قراءتهم معه، والثاني وهو قراءتهم إذا سكت، كل منهما إنما يكون إذا جهروا، فينهى عنهما معا، أما إن أسروا فلا، ويقويه أن أبا هريرة وهو راوي الحديث؛ فهم منه هذا، إذ قال لأبي السائب حين استشكل القراءة خلف الإمام إذا جهر: «اقرأ بها في نفسك يا فارسي»، قال الباجي: «أي بتحريك اللسان بالكلم، وإن لم يسمع نفسه، رواه سحنون عن ابن القاسم في العتبية، قال: ولو أسمع نفسه يسيرا كان أحب إلي، وقال عيسى وابن نافع ليس العمل على قوله: «اقرأ بها في نفسك»، ولعله أراد إجراءها على قلبه، دون أن يقرأها بلسانه»، انتهى، وهذا كما ترى ليس بشيء، لأن إجراءها على القلب لا يعتبر قراءة، وانظر شرح الزرقاني للموطإ (١/ ١٧٦).
فإن قلت: لقد زاد البخاري في الحديث المتقدم في جزء القراءة: «وقرءوا في أنفسهم سرا فيما لا يجهر فيه الإمام»، وهذا يبين عموم الانتهاء عن القراءة في الجهرية خلف الإمام؛ فالجواب: ما تقدم من أن البخاري يرى الانتهاء مدرجا من كلام الزهري، فلا يكون في هذه الزيادة حجة، لأن القول فيها هو القول في أصلها حسب رأيه في تلك الجملة.
على أن متن حديث أبي هريرة المتقدم قد روى نحوه الدارقطني، والبيهقي، من حديث زيد بن واقد عن حزام بن حكيم، ومكحول عن نافع بن محمود أنه سمع عبادة بن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقلت: رأيتك صنعت في صلاتك شيئا، قال: وما ذاك؟، قلت: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة؟، قال: نعم، صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: «هل منكم من أحد يقرأ شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة؟، قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أقول ما لي أنازع القرآن؟، لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة، إلا بأم القرآن»، حسنه الدارقطني ووثق البيهقي رواتَه، وحكم له بالاتصال، انظر تهذيب سنن أبي داود (٣/ ٣٦) لابن القيم، وللحديث طريق آخر هو في جزء القراءة للبخاري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبادة نحوه، وله شاهد من حديث أنس
стр. 639
عند الدارقطني (٢/ ٣٤٠)، (باب ذكر نسخ التطبيق،،،)، ومن حديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عند أحمد، ودعوى النسخ لا دليل عليها، ولو قدرنا تكافؤ الأدلة في هذه المسألة؛ لكان ترجيح القراءة هو المعول عليه، لأن من تركها اختلف في صحة صلاته، ومن قرأ بها لم يختلف في صحة صلاته، ولا فرق في لزوم قراءة الفاتحة بين من أدرك الإمام راكعا وغيره، والله أعلم.
стр. 640
• قوله:
٣ - «ومن أدرك ركعة فأكثر؛ فقد أدرك الجماعة، فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة، وأما في القيام والجلوس؛ ففعله كفعل الباني المصلي وحده».
صلاة الجماعة سنة مؤكدة في المذهب، والاثنان جماعة، لكن أداءها في المسجد ليس كأدائها في غيره، لقول النبي ﷺ : «صلا ة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا،،، الحديث، رواه البخاري (٦٤٧) عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، رواه مالك (٢٨٥) عن ابن عمر، ومن طريقه البخاري (٦٤٥) ومسلم، وقال ﵊: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية»، قال زائدة، قال السائب: يعني بالجماعة؛ الصلاة في جماعة، رواه أبو داود (٥٤٧)، وقوله استحوذ عليهم استولى عليهم وغلبهم، والصلاة يدرك وقتها بركعة كاملة بسجدتيها تؤدى قبل خروج الوقت، وقد تقدم ذلك، ويدرك المصلي فضل الجماعة، ويتلبس بوصف المأمومية إذا وضع يديه على ركبتيه مطمئنا قبل أن يرفع إمامه.
قال مالك في رواية ابن القاسم: «وحد إدراك الركعة مع الإمام أن يمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه»، وهو في النوادر آخر باب (من أتى والإمام راكع)، فإذا أدرك ركعة من الصلاة على هذا النحو فقد حصل له إن شاء الله فضل صلاة الجماعة، وهي سبع وعشرون درجة، ولزمه ما يلزم المأموم من سجود السهو مع إمامه، واقتداء غيره به في تلك الصلاة، وعدم إعادتها في جماعة، وينبغي له أن يسلم على إمامه، وعلى من على يساره، وفي الجمعة يأتي بركعة أخرى فتجزئه، ولا يصليها أربعا، وإن كان مسافرا وأدرك ركعة مع إمام مقيم؛ أتم الصلاة حضرية، بخلاف من لم يدرك ركعة على النحو المتقدم، فإنه لا يحصل
стр. 641
على فضل الجماعة، وإن كان يحصل له ثواب ما أدركه، ويستحب له الإعادة في جماعة كما سيأتي، لكن في كون من لم يدرك ركعة لا يحصل له فضل الجماعة مطلقا نظر، فقد روى أبو داود (٥٦٤): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا»، لكن لو قيل إن هذا في الحريص على صلاة الجماعة لا المتهاون لكان متجها.
قال ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٦٠) بعد أن أورد آثارا في هذا المعنى: «وهذا كله يؤيد أن الفضل والأجر على قدر النية فلا مدخل للقياس والنظر، وما كل مصل يتقبل منه، فكيف يضاعف له؟، والله يؤتي فضله من يشاء».
أما دليل إدراك فضل الجماعة بركعة؛ فما في الموطإ (١٤) والصحيحين (مسلم ٦٠٧) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة»، وليس معنى إدراكها أن ما أدركه يكفيه عما سبقه به إمامه، فإن هذا متروك بالنص والإجماع، يبينه قوله ﷺ : «فقد أدرك الصلاة مع الإمام»، يعني فضلها.
واعلم أن معنى هذا الحديث غير معنى الحديث المتقدم في إدراك صلاة الصبح والعصر قبل الغروب والشروق بركعة، فإن ذلك في إدراك الوقت وهذا في إدراك فضل الجماعة وحكم المأمومية كما تقدم، لكن مالكا أورده في وقوت الصلاة، لأن اللفظ الذي رواه ليس فيه جملة (مع الإمام) فيكون صالحا بما فيه من إطلاق للدلالة على إدراك الوقت نظير الحديث الآخر الذي فيه النص على إدراك الوقت بركعة، والله أعلم.
وقد بين المؤلف ما يفعله من لم يصل مع الإمام ركعات الصلاة كاملة، وهو أنه يقضي القول كما فاته به إمامه من الإسرار والجهر، وقراءة السورة أو عدم قراءتها، لكنه في الأفعال يبني، ومعنى قضاء القول أنه يجعل ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، ومعنى بنائه في الفعل أنه يجعل ما أدركه مع الإمام أول صلاته، ولو طبقنا هذا على من أدرك الركعة الأخيرة من المغرب؛ لكان اللازم أنه يقوم بعد سلام إمامه فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا، لكنه يجلس بعدها لأنها الثانية في الفعل، ثم يقوم فيأتي بركعة بالفاتحة والسورة جهرا
стр. 642
ويجلس فيتشهد ويسلم، وإذا طبقناه على من أدرك الركعة الأخيرة من العشاء لكان عليه أن يقوم بعد سلام إمامه فيأتي بركعة بالفاتحة والسورة جهرا ويجلس لأنها الثانية في الفعل، ثم يقوم فيأتي بركعة بالفاتحة والسورة جهرا، ثم بركعة بالفاتحة وحدها سرا، ويجلس ويتشهد ويسلم، ومن أدرك ثالثة الظهر أو العصر أو العشاء أتى بركعتين بالفاتحة والسورة.
ومستند هذا ما رواه مالك (١٤٧) والشيخان (خ/ ٦٣٦) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة»، قوله (ثوب للصلاة)؛ التثويب هنا الإقامة، لأن المؤذن يَثُوب أي يرجع إلى النداء بعد الأذان، وقد تقدم معنى التثويب في باب الأذان، وجملة وأنتم تسعون، وكذا جملة وعليكم السكينة؛ حاليتان، وقيل السكينة منصوبة على الإغراء، والسعي هنا السير على الأقدام بسرعة، وقد جاء النهي صريحا عن الإسراع في بعض الروايات، أي لا تأتوا الصلاة مسرعين، وأتوها بسكينة، من السكون وهو الهدوء والتأني في السير، والوقار مثلها، فيكون توكيدا، وقيل السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات، نقل ذلك الحافظ عن النووي، وإنما ذكر السكينة والوقار، ولم يقل مثلا وأتوها ببطء، لأن البطء ليس مقصودا لذاته، ولأن الاشتداد في السير تزول معه السكينة، فنبه بذكرها على علة النهي عن السعي، ثم ترقى ﷺ درجة أعلى في البيان، وهو أن الذاهب إلى الصلاة هو في صلاة، والصلاة لا يليق بها الاضطراب والقلق، ورأى بعضهم ومنهم الباجي أن السرعة إذا لم تناف السكينة ساغت، وعضدوا ذلك بفعل ابن عمر وغيره، وهو رأي في مقابل النص، قال ابن عبد البر رادا على من جوز الإسراع إذا خاف فوات التكبيرة الأولى: «ومعلوم أن النبي ﷺ إنما زجر عن السعي من خاف الفوت،،، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها، ومن لم يخف بالوقار والسكينة، وترك السعي، وتقريب الخطا لأمر النبي ﵇ بذلك، وهو الحجة»، انتهى.
وموضع الدليل من الحديث قوله ﷺ : «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا»، وفي بعض روايات الحديث فاقضوا، وقد ضعفها بعض أهل الحديث، واعتمد بعضهم على
стр. 643
قوله فأتموا، فرأى أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، واعتمد بعضهم لفظ فاقضوا فاعتبر ما يدركه آخر صلاته، والمذهب الجمع بين الأمرين، فهو أول صلاته في الأفعال حتى لا يخالف إمامه، وآخر صلاته في الأقوال، لأن الأصل أن يقضى ما فات كما فات، والظاهر أنه لا حجة للفريقين في واحد من اللفظين، فإن الإتمام والقضاء كل منهما يأتي بمعنى الآخر، قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]، أي افعل ما أنت فاعل، وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومعناه ائتوا بهما تامين على أحد الوجهين، وقيل أتموهما إذا شرعتم فيهما، فيكون معنى القضاء والإتمام في الحديث واحدا وهو افعلوا ما فات، وهذا هو الشأن في الألفاظ المختلفة التي يمكن أن تحمل على أمر مشترك بينها كما في الأمر بقص الشوارب وجزها وإنهاكها وإحفائها، ولا سيما إذا اتحد المخرج كما هو الأمر هنا، والذي نحن فيه الأصل أن يؤدى ما فات كما فات، لكن عارضه هنا أصل آخر، وهو أن تكبيرة الإحرام هي أول الصلاة، فكيف يليها آخر الصلاة؟، والسلام آخرها، فكيف يلي أولها، وثمة أمر آخر مراعى هنا على القول بأن ما أدركه هو أول صلاته مطلقا، هو عدم الاختلاف على الإمام، فإن في اعتبار ما أدركه أول الصلاة تقليلا للاختلاف عليه، وقد روعي في مشهور مذهب مالك كل من الأصلين، فأعطي لكل منهما نصيب.
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ١٥٦): «وقد عمل بمقتضى اللفظين الجمهور، فإنهم قالوا إن ما أدرك المأموم هو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية، وكأن الحجة فيه قوله: «ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن»، أخرجه البيهقي».
وفي الموطإ (١٧٧) «عن نافع عن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة؛ أنه إذا سلم الإمام قام عبد الله بن عمر، فقرأ لنفسه فيما يقضي وجهر».
وفي النوادر (في قضاء المأموم) نص مالك في رواية ابن نافع على أن ما يدركه المأموم هو أول صلاته، ولكن لا يقرأ فيها إلا كما يقرأ الإمام، ويقضي ما فاته على نحو ما فاته،
стр. 644
فيكون آخر صلاته»، وقال أشهب: «ما أدرك فهو آخرها، وما فاته فهو أولها، بناء على ما سمعه من مالك أيضا»، فإما أن تكون رواية أشهب مغايرة لرواية ابن وهب، أو هي بمعناها باعتبار الفعل لا القول، وهذا أولى، والله أعلم.
ومن فروع هذه المسألة؛ أن المسبوق إذا أدرك مع الإمام شفعا أو أقل من ركعة كبر لقيامه بعد سلام إمامه، ولا يكبر إذا أدرك وترا، كما أشار إليه ابن عاشر بقوله:
كبر إن حصل شفعا أو أقل … من ركعة والسهو إذ ذاك احتمل
ووجه هذا القول أنه إنما جلس اتباعا للإمام، فمثله مثل من عاقه شيء عن القيام، فإنه لا يعيد التكبير، فأما من أدرك أقل من ركعة فإنه كالمستأنف لصلاته، هذا هو المشهور في المذهب، وهو الذي أشار إليه خليل بقوله: «وقام بتكبير إن جلس في ثانيته إلا مدرك التشهد»، لكن الذي يظهر أن جلوس المأموم لما كان مطلوبا واجبا للمتابعة كان مشروعا له أن يكبر لقيامه.
لكن لأتباع مالك في ذلك قولان: أولهما: قول ابن القاسم وهو المتقدم، والثاني: قول ابن الماجشون: «إذا جلس في التشهد وكبر فليقم للقضاء بتكبير، وكذلك إذا أدرك معه ركعة أو ثلاثا فليقم بتكبير، وعاب قول ابن القاسم»، وهو في النوادر (في قضاء المأموم).
стр. 645
• قوله:
٤ - «ومن صلى وحده؛ فله أن يعيد في الجماعة للفضل في ذلك، إلا المغرب وحدها، ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة؛ فلا يعيدها في جماعة، ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود؛ فله أن يعيد في جماعة».
هذا مما يؤكد مطلوبية صلاة الجماعة، بحيث إن من كان معذورا مثلا فصلى وحده، أو لم يدرك ركعة مع الإمام، ثم وجد جماعة يصلون؛ فإنه يستحب له أن يعيد الصلاة معهم ليحصل على الفضل الذي فاته، والمذهب أنه يعيد مأموما، لا إماما، لأنه متنفل، وقد علمت عدم صحة صلاة المفترض خلف المتنفل في المذهب، وما هو الحق فيه.
ودليل إعادة من صلى إذا وجد جماعة؛ حديث يزيد بن الأسود قال: «شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال: «علي بهما»، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟، فقالا: «يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا»، فقال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة؛ فصليا معهم، فإنها لكما نافلة»، رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجة، وقال الترمذي (٢١٩) حسن صحيح، ومسجد الخيف بفتح الخاء مسجد معروف بمنى، وانحرف؛ انصرف عن القبلة وواجه الناس، علي بهما؛ هو اسم فعل أمر، أي ايتوني بهما، ترعد بالبناء للمجهول؛ تهتز وتتحرك، والفرائص جمع فريصة بالصاد المهملة، اللحمة التي في أعلى الجنب مما يلي الكتف، وهي عادة ما ترتعد عند الخوف.
ومن الأدلة على الإعادة في الجملة؛ حديث أبي ذر ﵁ قال، قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يميتون الصلاة، أو يؤخرون الصلاة عن وقتها؟، قلت: فما تأمرني؟، قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة»، رواه
стр. 646
مسلم والنسائي.
وفي الحديثين ثلاثة أمور: أولها: أنهما صريحان في أن الفريضة هي الأولى، والثانية: نافلة، ولأن الثانية لو كانت فريضة لكان قد صلى الصلاة في يوم واحد مرتين، وقد ورد النهي عن ذلك في سنن أبي داود (٥٧٩) والنسائي من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين»، فيحمل هذا النهي على اتفاق الصلاتين من كل وجه، وفي المذهب يعيد مفوضا لا ينويها فريضة ولا نافلة، ولعل معتمدهم في ذلك ما رواه مالك في الموطإ (٢٩٤) عن نافع أن رجلا سأل عبد الله بن عمر فقال: «إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟، فقال له عبد الله بن عمر: نعم، فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟، فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟، إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء»، لكن قول ابن عمر هذا ليس ظاهرا في كون الثانية ليست نافلة بل المقصود القبول، وقد يكون قبول الله تعالى النافلة أجدى على المرء من الفريضة، ثم وجدت ابن العربي حمله على القبول، فلله الحمد والمنة، والأمر الثاني: أنه ليس في الحديثين قصر مشروعية الإعادة على من صلى منفردا، كما هو واضح، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في الأقوال، كما قال أهل الأصول، ويؤيده حديث أبي سعيد - وسيأتي ذكره - قال: جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ ، فقال: «أيكم يتجر على هذا»؟، فقام رجل فصلى معه»، والرجل كان قد صلى مع رسول الله ﷺ فيما يظهر، لكن الجمهور ومنهم مالك على أن الإعادة إنما تشرع في حق من صلى منفردا، قال ابن عبد البر (٢/ ١٥٥) مبينا قول الجمهور: «وأما من صلى في جماعة وإن قلت؛ فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل، وكل من صلى عندهم مع آخر فقد صلى في جماعة، ولا يعيد في أخرى قلت أو كثرت، ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة، أو رابعة إلى ما لا نهاية له، وهذا لا يخفى فساده»، انتهى.
قلت: وأي ضير إن كرر الإعادة؟.
والثالث: أن الإعادة إنما تشرع في حق من أتى المسجد لا مطلق الجماعة، كما هو نص حديث يزيد بن الأسود، إذ فيه: ثم أتيتما مسجد جماعة، ودل على ذلك أيضا حديث
стр. 647
أبي ذر، فإن الأمراء كانوا هم الأئمة في الصلاة، وإنما يصلون في المساجد، والله أعلم.
وفي المذهب استثناء المغرب مما تستحب إعادته لتحصيل فضل الجماعة، كما في الموطإ (٢٩٧) قال: «ولا أرى بأسا أن يصلي مع الإمام من كان قد صلى في بيته، إلا صلاة المغرب فإنه إن أعادها كانت شفعا»، ووجه ابن العربي (العارضة ٢/ ٢٠) هذا القول من مالك بأنه الذي وجد عليه العمل في المدينة، وقد يقال في تعليل المنع من إعادة المغرب في جماعة أن النافلة لا تكون وترا في غير الوتر، لكنه قياس في مقابل عموم الأمر بالإعادة، ولعل المستند هو كون المغرب وتر النهار، وهو مرفوع، ولا حجّة فيه بالنظر إلى سياقه، وقال بعض العلماء يعيد المغرب، ويضيف إليها ركعة ليشفعها.
ويظهر أن القائلين بإعادة المنفرد في جماعة بعد العصر والصبح لم يأخذوا بأحاديث النهي عن النافلة بعدهما في خصوص هذه الإعادة، وفي الموطإ (٢٩٧) عن ابن عمر: «من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما».
والمذهب أن العشاء إذا أوتر بعدها كذلك لا تعاد، وهذا يمكن أن يعتمد فيه على قول النبي ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا»، فلما كانت هذه نافلة كان في إعادتها مخالفة لذلك الأمر، لكن قد يقال إن من صلى العشاء وحده وأوتر بعدها مأمور بإعادة الصلاة، لا مجرد راغب في النافلة بعد الإيتار، فافترقا من حيث وجود السبب، فتلتحق الإعادة بذوات الأسباب، ثم إنهم يقولون إن من أوتر ثم بدا له أن يصلي صلى، فضلا عما قالوه إن معيد الصلاة يعيد مفوضا.
وممن استثنوه من الإعادة الإمام الراتب إذا صلى وحده فإنه له فضل الجماعة، فلا يعيد، وسيأتي كلام المؤلف فيه، وهكذا من صلى منفردا في المسجد الحرام، أو مسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى، فإنه لا يعيد، لما هو معلوم من مضاعفة الصلاة فيها بمائة ألف، وألف، وخمسمائة، كما صح بذلك الخبر، أما إن صلى في جماعة في غيرها، ثم أتاها؛ فإنه يعيد فيها في جماعة، وكذلك إذا صلى منفردا خارجها؛ فإنه يعيد فيها منفردا، وهذه كما ترى مجرد أقيسة ليس هذا مجالها، ولأن ما يعطيه الله عبده لا يخضع للأقيسة والتقديرات، والظاهر أن من صلى فيها منفردا فإنه يعيد في جماعة، ولو خارجها، وليس في
стр. 648
تلك المضاعفة ما يمنع من الإعادة، للإطلاق الذي في النصوص، والله أعلم.
ومن الطرف في هذه المسألة قول الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن، معلقا على الإعادة في جماعة: «ظاهره ولو كانت الجماعة من الملائكة!!، أو الجن المؤمنين!!، وهو كذلك!!، ويرشح هذا قول العلامة خ: «وبطلت باقتدائه بمن بان كافرا»، فمفهومه أن من بان مؤمنا آدميا (في الأصل ذميا) كان أو جنيا أو ملكا أن الصلاة صحيحة كما صرح به التتائي وغيره، من خط بعض الفضلاء».
стр. 649
• قوله:
٥ - «والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه، ويقوم الرجلان فأكثر خلفه، فإن كانت امرأة معهما؛ قامت خلفهما، ومن صلى بزوجته قامت خلفه، والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام؛ قاما خلفه إن كان الصبي يعقل، لا يذهب ويدع من يقف معه».
اعلم أن الإمام إما أن يكون معه واحد ذكر أو أكثر، فالواحد يقف عن يمينه، والإثنان فما فوقهما خلفه، فإن كان الثاني صبيا لا يثبت فلا اعتبار به، والمرأة تقف خلف الإمام سواء كانت وحدها أو مع مؤتم ذكر، لا فرق بين محرم وغيره، وقد ذكر المؤلف ست صور.
ودليل الإمام معه واحد يقف عن يمينه؛ حديث ابن عباس ﵄ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه»، رواه الشيخان، وأبو داود (٦١٠) والترمذي (٢٣٢)، وهو في الموطإ أيضا، ولولا أن ذلك متأكد ما ارتكب من أجله هذا الفعل، وروى الشيخان وأبو داود (٦٠٨) عن أنس أنه ﷺ أقامه عن يمينه، وأم سليم وأم حرام خلفهما.
أما أن الإثنين يقفان خلفه؛ فلما رواه مسلم وأبو داود عن جابر قال: «قام رسول الله ﷺ فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه»، وروى الترمذي (٢٣٣) وحسنه عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا»، وفي المسألة خلاف كان ابن مسعود يرى أن يقف الإثنان عن يمين الإمام وشماله، وعلى افتراض ثبوت هذا يكون منسوخا، أما ضيق المكان فحالة ضرورة، وبعض المؤذنين يقف إلى جنب الإمام بحجة التسميع، وهي حجة داحضة، فإن كان لضيق
стр. 650
قيرجى.
أما قيام المرأة واحدة أو أكثر خلف الرجال؛ فلحديث أنس أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل، ثم قال: «قوموا فلأصل لكم»، فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ وقمت أنا واليتيم وراءه، وقامت العجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف»، رواه مالك والشيخان وأبو داود (٦١٢) والترمذي (٢٣٤)، قوله من طول ما لبس المراد من طول ما فرش، نضحته النضح الرش، ولعل ذلك ليلين.
ويدل على وقوف المرأة خلف الإمام إذا كان معه مؤتم ذكر؛ ما رواه الشيخان وأبو داود (٦٠٨) وهذا لفظه عن أنس أن النبي ﷺ دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر فقال: ردوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه فإني صائم، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعا، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا، قال ثابت - راويه عن أنس - ولا أعلمه إلا قال أقامني عن يمينه على بساط.
وأما وقوف الزوجة خلف زوجها؛ فلأنها امرأة، وقد تقدم دليل وقوف المرأة خلف الرجال، وليست الزوجية بكافية في مخالفة ما تقدم، بل إنها والمحرمية وصف ملغى هنا، ومن الأدلة على ذلك ما رواه النسائي (٢/ ٨٦) وأحمد عن ابن عباس قال: «صليت إلى جنب النبي ﷺ وعائشة خلفنا، تصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي ﷺ أصلي معه».
أما أن الصبي إذا كان لا يثبت فلا اعتبار به، ويقف المؤتم إلى يمين الإمام؛ فلأنه ليس من أهل الصلاة حينذاك فكأن الإمام ليس معه إلا واحد.
стр. 651
• قوله:
٦ - «والإمام الراتب إن صلى وحده؛ قام مقام الجماعة».
معنى كون الإمام الراتب كالجماعة إذا صلى وحده؛ أنه يحصل على فضل الجماعة، ولا تشرع له الإعادة في جماعة أخرى، ولا تقام جماعة بعد صلاته وحده في المسجد، وله أن يجمع ليلة المطر وحده، وهذا لأنه فعل ما عليه، فأذن وأقام وصلى، وما على المحسنين من سبيل، فإن أصول الشريعة قاضية أن من منعه مانع مما أراد من فعل الخير الذي عزم عليه أجر عليه، ولذلك ذكر المؤلف بعده أن الجماعة لا تتكرر في المسجد الذي له راتب، فقال:
стр. 652
• قوله:
٧ - «ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين».
مراده المساجد التي بها أئمة راتبون، لا المساجد التي ينتابها الناس المسافرون فيصلون، وذلك لأنه لم يكن معروفا على عهد النبي ﷺ إقامة الجماعة في المسجد الواحد أكثر من مرة، مع شدة الحاجة إلى ذلك، فهذا هديه المطرد، وقد ورد أنه حضر بعد الصلاة فصلى في داره بأهله، رواه الطبراني عن أبي بكرة ولم يسلم من مقال، والصواب: الاكتفاء بأن ذلك لم يثبت عنه، فيتمسك بالترك، وهو دليل في هذا المقام، وما خالفه من أفعال بعض الصحابة والسلف ينظر فيه.
وقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان أصحاب محمد إذا دخلوا مسجدا قد صلي فيه؛ صلوا فرادى»، وورد أن ذلك منهم كان خوف السلطان، فيقال هذه علة منعتهم التجميع مرة ثانية، (انظر تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ١٩١)، ومع ما تقدم فإن أمر الناس لا يصلح إلا بهذا، وإلا لأصبحت المساجد كل طائفة تصلي بإمامها، فيكون ذلك سببا في نشأة الفرقة التي كانت صلاة الجماعة خلف إمام واحد مقاومة لها، ففي عدم تعدد الجماعة في المسجد الواحد صيانة للأمة من دواعي التفرق والتشتت، ولو ساغ الاجتماع للصلاة في المسجد الواحد أكثر من مرة لما كان لصلاة الجماعة معنى، ولا لإدراكها وعدمه فائدة، لكن جاء في حديث أبي سعيد قال: جاء رجل وقد صلى رسول الله ﷺ ، فقال: «أيكم يتجر على هذا»؟، فقام رجل فصلى معه»، رواه أبو داود (٥٧٤) والترمذي (٢٢٠) وحسنه، واللفظ له، وقوله يتجر بتشديد التاء ماضيه اتجر، أي من يشتري بالصلاة معه الثواب؟، وفي رواية أبي داود: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه»، وذلك لأنه يتسبب له في الحصول على زيادة ست وعشرين درجة، والحديث احتج به وبآثار عن بعض الصحابة منهم أنس بن مالك - وقد علقه البخاري في باب فضل صلاة الجماعة - على جواز صلاة الجماعة مرتين في المسجد، وهو كما ترى بإذن الإمام.
стр. 653
أما إن كان المسجد لا تصلى فيه كل الصلوات بإمام راتب؛ فللإمام فيه روايتان: أولاهما لأشهب عنه في مسجد له إمام راتب في بعض الصلوات دون بعض؛ قال لا بأس أن يجمع فيه من الصلوات مرتين ما لا يجمع بإمام راتب».
وروى عن ابن القاسم: لا تجمع فيه صلاة مرتين، لا من الصلوات التي يجمع فيها بإمام راتب ولا من غيرها»، ذكر الروايتين ابن عبد البر.
وقال يحي بن يحي الليثي (الموطإ/ ١٥٠): سئل مالك عن مؤذن أذن لقوم، ثم انتظر هل يأتيه أحد؟، فلم يأته أحد، فأقام الصلاة وصلى وحده، ثم جاء الناس بعد أن فرغ، أيعيد الصلاة معهم؟، قال: «لا يعيد الصلاة، ومن جاء بعد انصرافه؛ فليصل لنفسه وحده»، وقد فسر ابن نافع قول مالك بأن مراده الإمام الراتب.
وأقره ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٣٩٤) فقال: «تفسير ابن نافع لذلك تفسير حسن على أصل مذهب مالك، لأنه لم يختلف قوله: إن كل مسجد له إمام راتب لا تجمع فيه صلاة واحدة مرتين، فإن كان مسجد على طريق يصلي فيه المارة، يجمعون فيه، فلمن جاء بعدهم أن يجمع فيه، وهو قول ابن القاسم، وأجازه أشهب».
ومما يرتضى ما قاله ابن العربي في العارضة (٢/ ٢١): «هذا معنى محفوظ في الشريعة عن زيغ المبتدعة لئلا يتخلف عن الجماعة، ثم يأتي فيصلي بإمام آخر، فتذهب حكمة الجماعة وسنتها، لكن ينبغي إذا أذن الإمام في ذلك أن يجوز كما في حديث أبي سعيد، وهو قول بعض علمائنا، وذلك مبني على أن ذلك حق الإسلام، أو حق الإمام،،،»، وقد قال كلاما نفيسا في هذا المعنى، فانظره في أحكام القرآن (٢/ ١٠١٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ [التوبة: ١٠٧].
стр. 654
• قوله:
٨ - «ومن صلى صلاة؛ فلا يؤم فيها أحدا».
وهذا لأنه متنفل، والمأموم مفترض، ولا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل، وقد تقدم ما في ذلك، فالحق الجواز لما في حديث معاذ الصحيح، لكن الناس توسعوا في مخالفة المأموم لإمامه في عين الصلاة الفرض، وغير الفرض، ومع اختلاف عدد الركعات توسعا فيه نظر.
стр. 655
• قوله:
٩ - «وإذا سها الإمام وسجد لسهوه؛ فليتبعه من لم يسه معه ممن خلفه، ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام، ولا يفعل إلا بعد فعله، ويفتتح بعده، ويقوم من اثنتين بعد قيامه، ويسلم بعد سلامه، وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه، وبعده أحسن».
متابعة المأموم للإمام وعدم الاختلاف عليه، أمر تقتضيه الإمامة ذاتها، إذ كيف يكون إماما ثم يخالف؟، فإن المخالفة افتيات على حقه، وانخرام للنظام، لكن المخالفة منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، والظاهر يكون في هيئة، أو غيرها، والباطن يكون في نية وغيرها، وأصل المتابعة للإمام قول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون»، رواه مالك في الموطإ (٣٠١) والشيخان عن أنس، وهو كما ترى اشتمل على بيان الغاية من الإمامة وهي المتابعة، ثم ذكر أمثلة من الأقوال والأفعال وهي كلها ظاهرة، فعقلنا أن المتابعة في الأذكار والنيات غير مشمولة للحديث، لأنها ليست من المخالفة التي تؤثر خللا في الاقتداء، ولو قلنا بذلك لتعذر، لعدم العلم بما عليه الإمام، وفي صحيح مسلم من حديث انس مرفوعا: لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام.
ومن فروع المسألة؛ ما ذكره المؤلف من سجود المأموم مع الإمام ولو لم يسه معه، وهذا حق، لأن هذا هو الذي يقتضيه الأمر بالمتابعة، لكن في المذهب تفصيلا، فإنه إذا لم يحصل معه ركعة لا يسجد معه، لأن المأمومية لم تثبت له، قالوا ولأنه إن سجد القبلي زاد في الصلاة من غير موجب، وعليه فيبقى جالسا إلى أن يسلم الإمام فيقوم، وهذه كما ترى مخالفة للأصل فتفتقر إلى دليل، والله أعلم.
стр. 656
أما علاقة أفعال المأموم وأقواله بأفعال الإمام وأقواله من حيث الزمن؛ فلا تخرج عن ثلاثة أحوال: أن يسبقه بها، أو يساوقه فيها، أي يأتي بها بعده فورًا من غير فصل، أو يتأخر عنه، والأصل أن يتأخر عنه، لأنه متابع له، ولقول النبي ﷺ في حديث أنس «إنما جعل الإمام ليؤتم به،،،»، الحديث، رواه الشيخان، فإن سبقه بالإحرام أو بالسلام بطلت صلاته.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعا: «ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد؛ أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار»؟، رواه الشيخان، وأبو داود (٦٢٣)، قال بعض أهل العلم: «ليس للمتقدم على الإمام إلا طلب الاستعجال، فليتذكر أنه لا يسلم قبله، فيرتاح»، والظاهر من الحديث أن المسخ لا يمتنع وقوعه في هذه الأمة، أما ما يترتب على هذه المخالفة، فالمذهب أن صلاة المأموم تبطل إذا أحرم بالصلاة قبل الإمام، أو سلم قبله، بل ولو فعل بعض ذلك قبل انتهاء إمامه منهما، وما عدا ذلك فسبقه فيه ممنوع، أما مساواته فمكروهة، ومن سبق إمامه بالرفع قبله؛ أمر بالرجوع إن علم أنه يدركه قبل أن يرفع، أما القيام من التشهد الأول فلأن الإمام عندهم لا يكبر حتى يستقل قائما، فلا يقوم المأموم حتى يسمع تكبيره.
قال خليل: «ومتابعة في إحرام وسلام، فالمساواة وإن بشك في المأمومية مبطلة، لا المساوقة، كغيرهما، لكن سبقه ممنوع، وإلا كره، وأمر الرافع بعوده إن علم إدراكه قبل رفعه، لا عن خفض»، وفي النوادر (في اتباع الإمام والعمل قبله) تفصيل هذه المسألة.
ثم قال بعد ذلك: «والعمل بعده في كل شيء أحسن: إذا كبر فكبروا،،، وذكر بقية الحديث، وقد روى صاحبا الصحيح وأبو داود (٦٢١) من حديث البراء قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ فلا يحنو أحد منا ظهره؛ حتى يرى النبي ﷺ يضع»، والمقصود بلوغه الأرض حيث يضع يديه أو ركبته للسجود كما تقدم.
стр. 657
• قوله:
١٠ - «وكل سهو سهاه المأموم؛ فالإمام يحمله عنه، إلا ركعة، أو سجدة، أو تكبيرة الإحرام، أو السلام، أو اعتقاد نية الفريضة».
وهذا كما قال، فإنه إذا كان الإمام يحمل عن المأموم القراءة - وقد تقدم ذكر الاختلاف في حمله عنه قراءة الفاتحة - فكيف بغيرها؟، والذي لا يحمله عنه إنما هو أركان الصلاة، وشروطها كالطهارة، والنية، واستقبال القبلة، وتكبيرة الإحرام، والركوع، والسجود، والرفع منهما، والسلام، فإن هذه لا يسجد لها إذا تركت.
стр. 658
• قوله:
١١ - «وإذا سلم الإمام؛ فلا يثبت بعد سلامه، ولينصرف، إلا أن يكون في محله؛ فذلك واسع».
يحتل الإمام مكانه أمام المأمومين لكونه إماما، وتبتدئ هذه الصفة بالتكبير، وتنتهي بالتسليم، فليس هناك ما يخول له البقاء فيه بعد ذلك، لا من حيث استمراره مستقبلا القبلة، ولا من حيث جلوسه فيه.
أما الأول: فقد قيل إن الحكمة منه أن لا يتوهم الداخل أن الإمام جالس في التشهد، وقد قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، رواه مسلم والترمذي (٢٩٨).
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ٤٣١) نقلا عن الزين بن المنير: «استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء، والترفع على المأمومين».
وأما الثاني: أعني جلوسه في مصلاه؛ فالظاهر أنه إن كانت ثم حاجة كالتعليم؛ ساغ ذلك، وإلا انصرف، قال ابن حبيب: «وينبغي إذا سلم الإمام أن يقوم ولا يثبت، وكذلك فعل النبي ﷺ »، وقد روى ابن القاسم في العتبية أنه إذا كان في محله، أو في سفر؛ فله أن ينحرف ولا يقوم، قال: «ومن صلى وحده فله أن يفعله في مكانه بعد السلام»، يقصد التنفل.
والمذهب كراهة تنفل الإمام في مصلاه، وقد جاء ذلك في حديث رواه أبو داود (١٠٠٦) عن أبي هريرة مرفوعا، ونصه: «أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة»، يعني السبحة، وعلقه البحاري (٨٤٨) بصيغة التمريض، وقال لا
стр. 659
يصح، والاستفهام فيه للإنكار، والسبحة بضم السين النافلة، ومعنى الحديث أن تغيير المكان الذي صلى فيه ليس بالأمر الذي يعجز عنه المرء، فيكون فيه دليل على كراهة صلاة النافلة في المكان الذي صلى فيه الفريضة لمن تيسر له الانتقال عنه، وعمومه يشمل الإمام وغيره، كيف وقد جاء في الإمام بخصوصه حديث المغيرة بن شعبة قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يصل الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول»، قال مخرجه أبو داود (٦١٦): «عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة، وقال الحافظ إسناده منقطع، لكن صححه الألباني كما في صحيح الجامع الصغير، وأبي داود، وروى ابن أبي شيبة عن علي قال: «من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه»، وإسناده حسن كما قال الحافظ في (الفتح ٢/ ٤٣٣).
وفي المدونة في باب (ما جاء في التشهد والسلام)، وقد تقدم: «قال مالك في إمام مسجد الجماعة، أو مسجد من مساجد القبائل، قال إذا سلم فليقم، ولا يقعد في الصلوات كلها، قال: وأما إن كان إماما في السفر، أو إماما في فنائه ليس بإمام جماعة فإذا سلم إن شاء تنحى وإن شاء أقام».
قال زروق في شرحه في نهاية هذا الباب: «ثلاثة من جهل الإمام: المبادرة إلى المحراب قبل تمام الإقامة، والتعمق في المحراب بعد دخوله، والتنفل به بعد الصلاة، وكذا الإقامة به لغير ضرورة».
стр. 660
١٢ [¬*]- باب جامع في الصلاة
• قوله:
١ - «وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وهو القميص والخمار الحصيف، ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد، ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره».
تقدم الكلام على ستر العورة في باب الطهارة، والتكرير في هذه الرسالة مما قصده مؤلفها ﵀، لأنه وسيلة إلى ترسيخ العلم وتثبيته، وهو منهج القرآن الكريم، وقد نبهت على ذلك من قبل من هذا الكتاب، ويمكن أن المؤلف إنما أعاد ذكره ليرتب عليه ما بعده، وهو عدم تغطية الأنف والوجه في الصلاة، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة عند أبي داود (٦٤٣) قال: «نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه»، وروى الترمذي منه النهي عن السدل، وفي الموطإ (٣٠) عن عبد الرحمن بن المجبر أنه كان يرى سالم ابن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذا شديدا حتى ينزعه عن فيه»، ويظهر من الترجمة التي وضع مالك تحتها هذا الأثر أنه لا يرى التغطية مشروعة ولو لنحو كف ريح الثوم، لأن المطلوب حينئذ عدم المجيئ إلى المسجد.
والسدل إرخاء الثوب، أي إرساله حتى يصيب الأرض، والمطلوب أن لا ينزل عن الكعبين، وقيل إسباله إرساله من غير أن يضم جانبيه بين يديه، ولعل النهي حينذاك إذا لم يكن تحته لباس آخر، فيكون المقصود الاحتراز من التكشف، وفي الحديث النهي عن تغطية الفم، قال ابن حبان لأنه من زي المجوس، وهذا النهي مقيد بما إذا لم يكن حال التثاؤب، فإن المتثائب مأمور بالكظم ما استطاع لما فيه من تشويه الخلقة وإيذاء الغير، ولا
стр. 661
يتكلم حينئذ لما فيه من قبح الصوت، وقد جاء في صحيح البخاري مرفوعا: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع، ولا يقل: ها، فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه»، وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر قال، قال رسول الله: «لا يصلين أحدكم وثوبه على أنفه، فإن ذلك خطم الشيطان»، ذكره في مسالك الدلالة، ويدلك على ذلك أيضا أن المرأة وهي المطالبة بالتستر لم يشرع لها ستر وجهها.
أما النهي عن ضم الثياب وكفت الشعر؛ فلما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أسجد على سبعة، لا أكف شعرا ولا ثوبا»، الكف، هو الضم، وهو الكفت كما في رواية أخرى، والمعنى عدم جمع الثياب والشعر كي تباشر الأرض مع الساجد، وفي حديث أبي رافع عند أبي داود (٦٤٦) والترمذي (٣٤٨) وحسنه أنه مر بالحسن بن علي ﵄ وهو يصلي قائما وقد غرز ضفره في قفاه، فحلها أبو رافع، فالتفت حسن إليه مغضبا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك، ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ذلك كفل الشيطان»، يعني مقعد الشيطان»، انتهى، والضفر الشعر يضفر بإدخال بعضه في بعض.
وقال ابن القاسم في المجموعة عن مالك: «ولا يتلثم، ولا يغطي فاه، وقال عنه أشهب في العتبية: «ولا يكفت ذو الشعر شعره بعمامة ويصلي، إلا أن يريد أن يستدفئ»، النوادر (في لباس الرجل في الصلاة).
لكن قالوا في الفروع الأربعة إنها مكروهة ما لم يكن ذلك عادته، ولم يكن في صنعة أو عمل يتطلب الاحتزام أو كفت الثياب أو ضم الشعر، ثم حضرت الصلاة، فصلى كذلك، قال في المدونة: «من صلى محتزما، أو شمر كميه، أو جمع شعره، فإن كان لباسه كذلك، أو كان في عمله وقد حانت الصلاة؛ فلا بأس بذلك»، وهذا لأنهم عللوا النهي بالتكبر، وخير للمصلي ولو كانت تلك هيئته في عمله أن يغيرها في صلاته، ولأن الأمور المذكورة تسجد مع الشخص، وقد ورد في الدعاء ذكر سجودها مع الساجد.
стр. 662
• قوله:
٢ - «وكل سهو في الصلاة بزيادة؛ فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لهما ويسلم منهما، وكل سهو بنقص؛ فليسجد له قبل السلام إذا تم تشهده، ثم يتشهد ويسلم، وقيل لا يعيد التشهد، ومن نقص وزاد سجد قبل السلام».
السهو معناه الذهول عن الشيء، تقدم له ذكر أو لا، بخلاف النسيان، فإنه لما تقدم له ذكر، فيكون أخص من السهو، والمراد هنا السهو بترك بعض أفعال وأقوال الصلاة التي ليست واجبة، ولا هي من الفضائل أو السنن الخفيفة، فإن هذه لا يسجد لها في المذهب، ومما يسجد له الزيادة بسبب البناء على اليقين في حال الشك، ويُسْجَدُ لترك واجب فات تداركه، فتلغى الركعة التي ترك منها ويؤتى بها، ويسجد أيضا لاجتماع الزيادة والنقص، فمن حصل ذلك منه من إمام أو فذ، أو مأموم أدرك ركعة فما زاد؛ فهو مطالب بالسجود للسهو على وجه السنية، وقيل على سبيل الوجوب وهو الظاهر؛ إن لزم من تركه البطلان، وقد ورد الأمر بالسجود، وأقل ما يدل عليه الأمر؛ الاستحباب، لأنه عبادة، وهو لإصلاح الصلاة إن كان السجود قبليا على أصول أهل المذهب، إما إصلاح تبطل الصلاة بدونه، لأن تركه مع الطول تبطل معه الصلاة كما سيأتي، وهذا شأن الواجب، وإما إصلاح للكمال، أما البعدي فلترغيم الشيطان، وإغاظة الشيطان مطلوبة.
ولعلك قد تبين لك مما سبق أن الكلية التي أتى بها المؤلف ﵀ في السجود للسهو ليست على عمومها، بل هو من العموم المراد به الخصوص، فإن السجود إنما يكون لترك سنة مؤكدة، لا لسنة خفيفة، ولا لترك واجب لم يتدارك، وسيأتي بيان المؤلف لهذا.
والسجود المذكور تستوي فيه الفريضة والنافلة في المذهب إلا في خمس مسائل فلا يسجد لها في النافلة، وهي: استبدال السر بالجهر، والعكس، وترك السورة، ومن عقد الركعة الثالثة في النفل برفع رأسه من الركوع؛ فإنه يتم أربعا، بخلاف الفريضة، فإن من زاد
стр. 663
فيها ثم تذكر يرجع مطلقا، والخامسة من نسي واجبا من النافلة وطال، أو شرع في صلاة مفروضة، أو نافلة وركع؛ فلا شيء عليه، بخلاف الفريضة فإنه يعيدها، وكون الفريضة مثل النافلة في مشروعية السجود للسهو حق، لأن الأصل المساواة بينهما إلا ما خصه الشارع، وفي الحديث الذي رواه أبو داود (١٠٣٨) وغيره عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم»، فيه إسماعيل بن عياش، وقد رواه عن أهل بلده وهو صدوق في روايته عنهم، لكن قال الحافظ في بلوغ المرام سنده ضعيف، وقال الكحلاني تضعيف الحديث بإسماعيل فيه نظر، وقد حسنه الألباني.
والساهي إما أن يزيد، أو ينقص، أو يجمع بينهما، والمذهب أن الزيادة يسجد لها بعد السلام، وأن النقص، وكذا الجمع بين الزيادة والنقص يسجد لهما قبل السلام، ووجه الأول أن الزيادة سهوا تصح معها الصلاة، لأنه لم يلحقها خلل، فيكون السجود بعد الصلاة ترغيما للشيطان، إلا أن يزيد في الصلاة مثلها فتبطل لتفاحش السهو، ووجه الثاني أن السجود لجبران الصلاة فكان قبل السلام، وهكذا إذا اجتمعا لأن النقصان مغلب، لكن يصح في المذهب تقديم البعدي، وتأخير القبلي، وقد جاء عن الإمام ما يدل على أنه أدرك الناس لا يفرقون بين السجود القبلي والبعدي في السهو، ففي المجموعة عنه: «ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل، ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلا»، وهذا يرجح أحد القولين في المذهب بإجزاء كل منهما عن الآخر، قال خليل: «وصح إن قدم، أو أخر».
أما دليل السجود للزيادة بعد السلام؛ فحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين الذي فيه أن النبي ﷺ سلم من اثنتين ساهيا في الظهر، وقيل من العصر، فعاد فصلى ركعتين، وسجد بعد السلام سجدتين»، وهو متفق عليه، وفي الموطإ (د/ ١٠٠٨)، وأما أن النقصان يسجد له قبل السلام؛ فلحديث عبد الله بن بحينة أن رسول الله ﷺ قام من صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس»، متفق عليه، وقيل سجدهما بعد السلام، والراجح الأول.
ومما يسجد له بعد السلام التكلم ساهيا، إذا كان يسيرا، أما الكثير فمبطل، وأما
стр. 664
الكلام لإصلاح الصلاة عند الحاجة إليه فلا يبطلها، ومنه زيادة ركوع أو سجود، أو ركعة لعدم إمكان التدارك، أو للبناء على المستيقن، ما لم يزد في الصلاة مثلها، واختلف في الأكل والشرب ونحوه مما ليس من جنس أفعال الصلاة، فقيل تبطل به الصلاة مطلقا، وقيل تبطل إن كثر، وقيل تبطل إن جمع بين الأكل والشرب.
واعلم أن السجود البعدي يعاد له التشهد باتفاق أهل المذهب، ووجه ذلك أنه بعد التسليم، فكأنه صلاة مستقلة فيتشهد، لأن التسليم إنما يقع عقب التشهد، أما السجود القبلي؛ فقيل يعاد له التشهد، وهو المشهور من رواية ابن القاسم، وقيل لا يعاد، حيث روى ابن نافع عن مالك أنه لا يتشهد إلا فيما كان بعد السلام، لكنه روى عنه أيضا عكس هذا، كما في النوادر (في العمل في سجدتي السهو)، ووجه عدم التشهد للسجود القبلي أنه داخل الصلاة، والفصل بالسجود بين التشهد والتسليم غير مؤثر، فهو كالقيام من سجود التلاوة، يجوز معه الركوع دون قراءة، ووجه القول بالتشهد له أن التشهد فصل عن التسليم بالسجدتين، فألحق بالبعدي، هذا ما ظهر لي بالنظر، لكن الأمر منوط بالأثر.
وقد جاء في التشهد حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم، رواه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥) وحسنه، وصححه ابن حبان، لكن ضعفه الحافظ، لمخالفة أشعث غيره من الحفاظ الذين رووا عن ابن سيرين في زيادة ذكر التشهد، وانظر صحيح مسلم (٥٧٤).
وجاء في التشهد للسجود القبلي ما رواه أبو داود (١٠٢٨) والنسائي من حديث ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا كنت في صلاتك فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع؛ تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضا، وتسلم»، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، وفي خصيف أحد رواته؛ كلام أيضا، قال الحافظ في (الفتح ٣/ ١٢٨) عما ورد فيه: «لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي وفي إسنادهما ضعف، فقد يقال عن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة»، انتهى، والله أعلم.
стр. 665
ولأهل العلم في سجود السهو مذاهب؛ منها: أنه كله قبل السلام، وقيل كله بعده، وقيل: إن الزيادة يسجد لها بعده، والنقصان يسجد له قبله، وهذا في النظر قوي جدا لما سبق من التعليل، لكن ثبت ما يدل على عدم اطراده، وهو ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من قوله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى: ثلاثا، أم أربعا؟، فليطرح الشك جانبا، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم»، رواه مسلم وأبو داود (١٠٢٤ نحوه، وحيث انخرمت القاعدة المذكورة، وثبت سجود النبي ﷺ قبل السلام تارة وبعده أخرى، فلم يبق إلا أن يقال إن المقدم أن يسجد فيما سجد فيه من السهو كما سجد، والباقي على التخيير فيجوز السجود قبل السلام وبعده، والمواضع التي سجد فيها النبي ﷺ أربعة هي: سجوده قبل السلام لترك التشهد، وسجوده بعد السلام حين سلم من اثنتين ثم رجع فصلى اثنتين وسلم ثم سجد، ونظيره التسليم من ثلاث في العصر، وصلى الظهر خمسا، فسجد بعد السلام.
стр. 666
• قوله:
٣ - «ومن نسي أن يسجد بعد السلام؛ فليسجد متى ما ذكره، وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام؛ سجد إن كان قريبا، وإن بعد ابتدأ صلاته، إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشبه ذلك؛ فلا شيء عليه».
والمعية في قوله: «مع أم القرآن»، ليست على بابها، بل يريد بعدها، لا تركها معها، وقد ذكر بعض السنن التي يسجد لتركها، وهي عند أهل المذهب ثمانية هي: ترك قراءة السورة، والسر في محل الجهر، والجهر في محل السر، وترك التشهدين الأول، والثاني، والجلوس لهما، وترك تكبيرتين، أو تسميعتين، ومثل ذلك تكبيرة وتسميعة، وفي استبدال تكبيرة بتسميعة خلاف.
стр. 667
• قوله:
٤ - «ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة، ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام، ولا يأتي بركعة، ويعيد الصلاة احتياطا، وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى».
المتروك من الصلاة سهوا في المذهب أقسام ثلاثة: ما يسجد لتركه، كأن يترك قراءة السورة، أو التشهد، أو أكثر من تكبيرة وتحميدة، وقد علمت السنن التي يسجد لتركها، والثاني ما لا يكفي فيه السجود، وهو قسمان: ما لا يتدارك، كأن يترك تكبيرة الإحرام، أو النية، فهذا يستأنف صلاته، والآخر يمكن تداركه كترك الركوع والسجود والاعتدال، والطمأنينة، والسلام، فمن ترك شيئا من هذه وغيرها من الواجبات على اصطلاح المذهب؛ فإن أمكن تداركه؛ أتى به، وإلا ألغى الركعة التي كان منها النقص، وأتى بركعة بدلها، وسجد بعد السلام، وكل ما نقص من الركعة يمكن تداركه ما لم يرفع من الركعة التي تليها، إلا ترك الركوع فيفوت بالانحناء للركوع الذي بعده.
قال خليل ﵀ مبينا متى يمكن تدارك الركن المتروك: «وبترك ركن وطال - كشرط - وتداركه إن لم يسلم، ولم يعقد ركوعا، وهو رفع رأس، إلا لترك ركوع فبالانحناء»، انتهى، يعني أن ترك الركوع يفوت بالانحناء، بخلاف غيره فيفوت بالرفع من الركوع.
لكن في المذهب اختلافا فيما يجزئ فيه سجود السهو وما لا يجزئ فيه من ترك قراءة الفاتحة، للاختلاف في وجوبها في كل ركعة، أو في الجل، وقد تقدم أن وجوبها في كل ركعة هو الصواب، لأمر النبي ﷺ المخطئ في صلاته أن يعمل ما علمه في كل ركعة، ومما
стр. 668
علمه القراءة، وبناء عليه لا يكفي من ترك قراءتها في ركعة السجود، وهذا هو المشهور، وهو الرواية الراجحة مما روي عن مالك في ذلك، يدل عليه أنه أورد في باب ما جاء في أم القرآن من موطإه (١٨٤) أثر جابر ابن عبد الله الذي قال فيه: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فلم يصل إلا وراء الإمام».
وقال ابن عبد البر (الاستذكار ١/ ٤٤٦): «وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن، وهو يشهد بصحة ما ذهب إليه ابن القاسم، ورواه عن مالك في إلغاء الركعة، والبناء على غيرها، وألا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وقد فسر بهذا الأثر المراد من الصلاة في قول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، فإن أقل ما يطلق عليه صلاة ركعة.
أما على القول بوجوبها في الجل؛ فإن من قرأها في ثلاثة من الرباعية، واثنتين من المغرب؛ أجزأه السجود القبلي، بخلاف من ترك القراءة في ركعة من الصبح فلا يجزئه السجود لأن الصبح لا جل لها، ومن ترك القراءة في ركعة مما له جل؛ فقد اختلف فيه، فقيل يجزئه السجود، وقيل يلغيها ويأتي بركعة بدلها، يعني إذا لم يمكن تداركها، وقيل يسجد قبل السلام مراعاة لقول من يقول بصحتها بذلك، ثم يعيد الصلاة احتياطا، وهذا هو الذي اختاره المؤلف، والصواب: الإلغاء، والأقوال الثلاثة روايات عن مالك ذكرها في الموازية كما في النوادر (في السهو عن القراءة) فقال: «ومن نسي القراءة من ركعة - يريد مما فيه أكثر من ركعتين من الصلوات - فلمالك فيه ثلاثة أقاويل؛ قال تجزئه سجدتا السهو، وقال: إنه يسجد للسهو، ثم يعيد، وقال: يأتي بركعة، وتجزئه،،،».
стр. 669
• قوله:
٥ - «ومن سها عن تكبيرة، أو عن سمع الله لمن حمده مرة، أو القنوت؛ فلا سجود عليه».
هذا مخصص لما سبق من تعميم المؤلف مشروعية السجود لكل من نقص شيئا من الصلاة، وقد تقدم التنبيه عليه، فإن المذهب عدم السجود لترك القنوت، ولا لترك تكبيرة، أو تحميدة، أو لفظ آمين، بل قيل إن من سجد لواحد من هذه بطلت صلاته لأنها فضائل، أو سنن خفيفة، وهو المشهور، قال خليل بصدد ذكر مبطلات الصلاة: «وبسجوده لفضيلة أو تكبيرة»، وفي بطلان الصلاة بالسجود لما ذكر نظر، فإن مشروعية السجود للسهو عموما دليلها قائم، وقد تقدم، فلا وجه لإبطال الصلاة به بدعوى أنها زيادة في الصلاة من غير موجب، على أنه قد جاء السجود لمثل ذلك في بعض الأخبار.
стр. 670
• قوله:
٦ - «ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها، ثم يصلي ما بقي عليه، وإن تباعد ذلك، أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام».
دليل ما ذكره حديث ذي اليدين الصحيح، فإن النبي ﷺ لما علم بترك ركعتين رجع فأتمهما، وسجد بعد السلام، فإن من سلم من صلاته ساهيا، أو ظانا أنها قد تمت، ثم تذكر؛ فإنه مطالب بإصلاحها، وفي تكبيره ليحرم مجددا خلاف، والمشهور التكبير مطلقا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل من ذكر قريبا جدا لا يكبر، وغيره ممن زاد طول الوقت عنده يكبر، ويكبر ليتم حيث تذكر، كي لا يزداد الفصل، لكن لا بد من النية، فإن لم يكبر فقد قيل تصح صلاته، والقياس أنه لا يكبر، لأن القطع المذكور غير معتبر، إذ لو كان معتبرا لامتنع البناء.
والبناء مشروط بما إذا لم يطل الفاصل، لأن أجزاء الصلاة ينبغي أن يتصل بعضها ببعض، واختلف في الطول الذي لا يتأتى معه التدارك، فقيل يرجع فيه إلى العرف، وهو قول مالك، وعليه ابن القاسم.
قال في المدونة: «قال مالك في الرجل يسلم من ركعتين ساهيا، ثم يلتفت فيتكلم، قال: إن كان شيئا خفيفا؛ رجع فبنى، وسجد سجدتي السهو، قال: وإن كان متباعدا ذلك؛ أعاد الصلاة، فقلت لمالك: وما حد ذلك؟، أهو أن يخرج من المسجد؟، قال: ما أَحُد فيه حدا، فإن خرج ابتدأ، ولكن إذا تباعد ذلك ولم يخرج، وأطال في القعود والكلام، وما أشبه ذلك؛ أعاد، ولم يبن، وقد تكلم رسول الله ﷺ ساهيا، وبنى على صلاته، ودخل فيما نسي بتكبير، وسجد للسهو بعد السلام»، فاعتبر الخروج من المسجد مفوتا للبناء، أما إن لم يخرج فالمرجع العرف، وقد جمع بين القولين خليل إذ قال: «وبنى إن قرب، ولم يخرج