Полный текст (2 782 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها»، رواه الترمذي (٤٢٦)، وقال حسن غريب، ووجه الاستدلال به أن يضم إليه ما جاء في رواية لابن ماجة (١١٥٨) من تقييد قضاء الأربع الفائتة بأنها بعد راتبة الظهر البعدية، فإذا تم ذلك، فإن عائشة -رضي الله تعالى عنها- تكون قد علمت بأنه قضى راتبة الظهر القبلية بعد راتبته البعدية لكونه صلاها أربعا متصلة، وإلا كيف عرفت أن هذه قضاء لو صلى اثنتين ثم اثنتين، فإنه لم يرد تصريحه ﵌ بأن هذه الأربعة المتأخرة هي الراتبة القبلية، فتعين أن تكون علمتها بصفتها، والله أعلم.
ومما جاء منصوصا قول النبي ﷺ : «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء»، رواه أبو داود (١٢٧٠) عن أبي أيوب، وفيه عُبَيْدة بن مُعَتِّب الضَّبِيِّ ضعيف واختلط بآخرة، كذا في التقريب، وحسنه الألباني، وقوله «تفتح لهن أبواب السماء»؛ معتاه حسن القبول، وروى الترمذي (٤٧٨) وحسنه من حديث عبد الله بن السائب أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح»، وهذا والله أعلم شاهد قوي لحديث أبي أيوب المتقدم، وعليه يكون حديث صلاة الليل مثنى مثنى المراد به الإرشاد إلى الأيسر والأخف، وهكذا الآخر إذا ثبت يحمل على ما هو الأرفق بالمكلف، قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٢٢٨): «أما التنفل بأكثر من ركعتين؛ فقد ثبت عن النبي ﵇ أنه صلى ركعتين وثلاثا وخمس ركعات وتسعا، لا يجلس إلا في آخرهن، وخرجه مسلم عن عائشة وفي الموطإ،،، وما صح عنه ﷺ ؛ فلا وجه لإنكاره، ولا معنى للنزاع فيه، أما قوله صلاة الليل مثنى مثنى فيدل على أنه الأفضل».
وقد روى مالك في الموطإ (١٧١) أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعا في كل ركعة بأم القرآن، وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة»، وإنما سقته هنا لأن قوله «يقرأ في الأربع جميعا»؛ يحتمل أنه صلى الفريضة وحده، وهذا هو مراد مالك من سوق هذا الأثر في الباب، ويؤيده ما جاء في رواية
стр. 597
محمد بن الحسن للموطإ من زيادة «من الظهر والعصر»، أما استعمال لفظ كان الذي شأنه في الأصل الدوام فلا يعكر على ذلك، لأنه قال إذا صلى وحده، ولو كانت نافلة ما احتاج إلى هذا القيد، لأن النافلة يصليها المرء وحده، ويحتمل على ضعف أن الصلاة نافلة فيتم المراد.
وقال الباجي في (المنتقى ١/ ١٤٧) شارحا أثر ابن عمر السابق: «ويحتمل أن يفعل ذلك في النافلة، غير أن لفظ الأربع ركعات في الفريضة أظهر، لأنه لا عرف في الشرع لأربع ركعات من النافلة،،، إلى آخر كلامه، وقوله: «لا عرف في الشرع»؛ مصادرة على المطلوب، وقد تفصى منه بأنه كان سهوا منه، فجمع بين أربع ركعات بسلام واحد، ولعل التوجيه الذي ذكرته هو المناسب لهذا الأثر.
وقد روى يحي بن سعيد الأنصاري عن نافع أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن بتسليم»، ذكره المباركفوري في (التحفة ١/ ٣٢٧)، ولم أقف على من رواه عن يحي بن سعيد، وقد ذكر الزرقاني في شرحه على (الموطإ ١/ ٢٤٥) عن الشافعي أن ابن عمر كان يصلي أربع ركعات لا يفصل بينهن، وتأوله إذا صح على معنى أنه لا يفصل بالتقدم أو بالتأخر أو بالجلوس الطويل، وهذا مجاز، والأصل الحقيقة.
وقال الترمذي في (باب أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى): «وقد روي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان بصلي بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعا»، ومما يدل على ذلك عند بعضهم حديث علي ﵁ عند الترمذي (٤٢٩) قال: «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين»، وقد اختلف في تأويل قوله يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين،،، هل المراد به التشهد، أو تسليم التحليل؟، والظاهر أن المراد التشهد، وينشأ عنه إشكال تشبيه النافلة بالفريضة، وقد ذهب إلى هذا المعنى إسحاق بن إبراهيم، إذ رأى أن يصلي المرء قبل العصر أربع ركعات، ذكره عنه الترمذي في جامعه (باب ما جاء في الأربع قبل العصر)، حيث ذكر الحديث مختصرا، وكرره في (باب كيف كان تطوع النبي ﷺ بالنهار) مستقصى، لكن الذي يظهر أن لا دليل في الحديث على صلاة أربع ركعات متصلات إذا
стр. 598
تجاوزنا ما فيه من المخالفة للثابت عن النبي ﷺ في الرواتب، كما في حديث عائشة وابن عمر الصحيحين، متى حملت كان على بابها من المداومة والاستمرار، ولعل الصواب حمل الحديث على أنه كان يسلم من كل ركعتين، فذكر التشهد ولم يذكر التسليم، لأن الصلاة بدونه تشبه الصلاة الرباعية المفروضة، وقد جاء النهي عن الإيتار بثلاث ركعات مع الفصل بالتشهد، لكونها تشبه صلاة المغرب، فكذلك الأمر هنا، لولا الزيادة التي في آخر الحديث، وهي «بجعل التسليم في آخره» وانظر الصحيحة (٢٣٧)، والله أعلم.
وقد روى علي بن زياد عن مالك فيمن لم يدر في النافلة أصلى ركعة أو ركعتين فبنى على ركعة، فلما صلى ثانية أيقن أنها ثالثة؛ فليأت برابعة ويسجد بعد السلام»، وكذلك ذكر عنه فيمن قام من اثنتين حتى ركع في الثالثة فإنه يتم أربعا ويسجد قبل السلام، فهذا يدل على أنه يصحح الأربع ركعات في مثل هذه الحالة، ولا يعتبرها باطلة كما هو المذهب أن الزيادة سهوا إذا بلغت مثل الصلاة في العدد أبطلتها.
وفي ختام هذا البيان، فإني أنصح من يؤم الناس في التراويح مثلا أن يقتصر على ما اعتادوه من كون الصلاة مثنى مثنى، فقد علمت أن هذا أمر متفق عليه، وأنه الأيسر، وهو الذي يعلمه الناس، وأن يجتنب الإيتار بثلاث ركعات متصلات رغبة منه في العمل بالسنن التي جاءت على أنحاء مختلفة، وقد وقفتَ في هذا الشرح على أمثلة من منهج الإمام مالك في هذا الأمر، ويمكن الراغب في ذلك التنويع أن يفعل صور النافلة الأخرى إذا كان منفردا، أو مع من يفقه ذلك، ولا بأس أن يشير إليه في دروسه، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵁، فإذا تعلّم الناس أسلسوا القياد، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون - يعني يفهمون - أترضون أن يكذب الله ورسوله؟، وقال ابن مسعود ﵁: «ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»، وإذا كان هذا في مجرد تحديثهم فكيف إذا أجبروا على فعل ما لا يعلمون»؟.
стр. 599
• قوله:
٢٨ - «ويفعل في العصر كما وصفنا في الظهر سواء، إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور، مثل (والضحى) و (إنا أنزلناه) ونحوهما».
تقدم أن القراءة في العصر على النصف من القراءة في الظهر، وقد قرأ النبي ﷺ في الظهر بنحو ثلاثين آية، وعدد آي سورة الضحى إحدى عشرة، وقرأ النبي ﷺ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك»، وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة.
стр. 600
• قوله:
٢٩ - «وأما المغرب؛ فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها، ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة من السور القصار، وفي الثالثة بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسلم».
قد علمت أن مشهور المذهب كون وقت المغرب يقدر بأدائها بعد تحصيل شروطها، وقد يكون القول بالقراءة فيها بقصار المفصل مبنيا على هذا، وإلا فإن مالكا ﵀ قد روى في الموطإ ما يدل على خلاف ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ فيها بسورة المرسلات، رواه مالك (١٦٩) والشيخان، وأبو داود (٨١٠) عن أم الفضل، وفي الموطإ (١٦٨) وصحيح البخاري عن جبير بن مطعم أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب».
وفي سنن أبي داود (٨١٢) عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم قال: «قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟، قلت: «ما طولى الطوليين»؟، قال: «الأعراف والأخرى الأنعام»، قال: «وسألت ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: المائدة، والأعراف»، وهو في صحيح البخاري مختصرا»، وقوله: «طولى»؛ مؤنث أطول، و «الطوليين»؛ مثنى الطولى، ويظهر في الحديث أن القراءة بقصار المفصل في المغرب كانت شائعة في المدينة.
ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، لإمام كان بالمدينة،،، الحديث، رواه النسائي، وقد تقدم، فلعل معتمد القول بالقراءة بقصار المفصل هو كونه كان شائعا في المدينة، وقد روى أبو داود (٨١٣) عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون (والعاديات) ونحوها من السور، قال أبو داود: «هذا يدل على أن ذاك منسوخ»، يقصد باسم الإشارة ما رواه عروة
стр. 601
عن مروان في إنكار زيد بن ثابت عليه القراءة في المغرب بقصار المفصل، وقد رواه ابو داود قبل هذا، ولعله يقصد أن عروة وهو الراوي إنكار زيد على مروان عدم التطويل؛ لما خالف فعله روايته؛ دل ذلك عنده على أنه اطلع على الناسخ، وهذا بعيد، لأن التطويل فضيلة، فتركه لا يضر بالصلاة.
وفي الموطإ (١٦٨) عن عبد الله الصنابحي قال قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة سورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه، حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن، وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، وقد حمل شراح الموطإ قراءة أبي بكر في الركعة الثالثة على معنى أنه قنت فيها، لاسيما وقد كانت حروب الردة قائمة، وهذا خلاف الخبر مع قرب المخبر من أبي بكر ﵁، لكن يقال يلزم من قال إن قراءة أبي بكر الآية كانت على وجه القنوت أن يقول بقنوت النوازل، وأبو بكر ﵁ أعلم الصحابة بسنة رسول الله ﷺ .
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ٣٢٢): «ولم أر حديثا مرفوعا فيه التنصيص على القراءة فيها - يعني المغرب - بشيء من قصار المفصل إلا حديثا في ابن ماجة (٨٣٣) عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، ومثله عن جابر بن سمرة، فأما حديث ابن عمر فظاهره الصحة إلا أنه معلول، وأما حديث جابر ففيه سعيد ابن سماك وهو متروك»، انتهى.
وقد أنكر ابن العربي في (العارضة ٢/ ١٠٥) على من يلتزم القراءة في المغرب بقصار المفصل كما هو المذهب وهو سورة الضحى وما بعدها، كما أنكر التزام سور معينة في الصلوات، مبينا الجمع بين ما ورد عن النبي ﷺ من القراءة في الصلاة، فقال: «صلاته ﷺ كانت تختلف باختلاف الأحوال والمأمومين، فليست قراءته في السفر كقراءته في صلاة الحضر، ولا قراءته مع مأموم محسوم العلل قليل الشغل كقراءته مع ضد ذلك،،، إلى أن قال منكرا: «وتراهم يلتزمون في صلاة الصبح من الحجرات ومنهم من يلتزم من الحواريين ويقرأ سورة تتلو سورة فتكون الثانية أطول من الأولى، وكذلك في المغرب يقرأ من سورة الضحى،،، الخ.
стр. 602
قلت: لكن الأمر عندنا يختلف عما انتقده ابن العربي، فإن بعضا من الأئمة لا يكادون يقرؤون سورة كاملة، وإنما يتخطفون آية أو آيات من هاهنا، وأخريات من هناك، غير مراعين بداية السياق، ولا نهايته، ولا يكادون يعرفون الابتداء المقبول من غيره، ولا ما يوقف عليه مما لا يوقف عليه، ففاتتهم فضيلة الاقتداء بالنبي ﷺ بالتطويل ولو أحيانا، كما فاتتهم فضيلة قراءة سورة كاملة لأنها الأصل، أو رعاية المعاني في السياقات التي يختارونها، وربما انطلق بعضهم من أثناء الآية لأنه يرى أن ذلك مؤثر في السامعين!!، فالله المستعان.
стр. 603
• قوله:
٣٠ - «ويستحب أن يتنفل بعدها بركعتين، وما زاد فهو خير، وإن تنفل بست ركعات فحسن، والتنفل بين المغرب والعشاء مرغب فيه، وأما غير ذلك من شأنها فكما تقدم ذكره في غيرها».
راتبة المغرب بعدية، وهي ركعتان كما تقدم في حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم، وفي حديث عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن صلاة النبي ﷺ فقالت: «كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد الغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين»، رواه الترمذي وصححه.
والنوافل القبلية والبعدية أقلها في المذهب ثنتان، وأكثرها أربع إلا المغرب فست، ومرادهم أن أربعا بعد المغرب لم ترد في الرواية، فلا تفعل على أنها راتبة، أما الست فقد جاء فيها حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء؛ عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة»، رواه الترمذي (٤٣٥) وابن ماجة ١١٦٧)، قال الغماري في مسالك الدلالة: «وفي سنده راو ضعيف»، وقال الألباني «ضعيف جدا»، وقوله عدلن له؛ يعني ساوين له من جهة الأجر، ولعلهم إن اطلعوا على ضعفه رأوا العمل به في فضائل الأعمال، ولا يخفى عنك أن الراتبة ركعتان، فإن زاد بغير نية الراتبة فله ذلك، ولعل هذا هو الذي عناه المؤلف بقوله: «وما زاد فهو خير».
وقوله «والتنفل بين المغرب والعشاء مرغب فيه»؛ كان النبي ﷺ يصلِّي بين المغرب والعشاء، وقد حمل بعض السلف عليه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧]، وهو مروي عن أنس، ذكره في الدر المنثور، وهكذا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦]، قال أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبو حازم وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين، وقال أنس هو انتظار صلاة العتمة، يعني العشاء، ذكر ذلك ابن كثير، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ
стр. 604
أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزَّمل: ٦]، وثمة آثار كثيرة عن السلف في فضل الصلاة بين المغرب والعشاء، وانتظار صلاة العشاء، فانظرها في الدر المنثور وقد ذكر منها الشوكاني في شرحه نيل الأوطار (٣/ ٦٧) شيئا غير يسير.
ثم قال: «والآيات والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة ما بين المغرب والعشاء، والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفا فهي منتهضة بمجموعها لا سيما في فضائل الأعمال».
قلت: «ولأن التنفل المطلق مشروع بالإجماع، وما بين المغرب والعشاء ليس وقت منع.
وهذه طائفة مما جاء عن الإمام مالك ﵀ في النوافل، أذكرها هنا للمناسبة، فمن ذلك ما رواه ابن القاسم عنه وكله في النوادر: جامع القول في صلاة النوافل، قال: «والصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه».
وفي رواية أخرى له عنه: «العناية بالعلم أفضل إن صحت النية»، وأنت ترى بأنه ليس بينهما تدافع، وقال: «وكره مالك لمن يحي الليل كله، قال: «ولعله يصلي الصبح مغلوبا، وفي رسول الله أسوة حسنة».
وقال عن التنفل في المسجد: «هو شأن الناس في النهار، يهجرون لذلك، وفي الليل في البيوت، وهو أعلم بنيته إن صحت، وكان النبي ﷺ يصلي بالليل في بيته»، وهو هنا إنما يذكر ما عليه فعل الناس، يدل عليه قول آخر له: «وأكره طول السجود في النافلة في المسجد، وأكره الشهرة، والتنفل في البيوت أحب إلي منها في مسجد النبي ﷺ إلا للغرباء، ففيه أحب إلي»، وقال: «والطواف بالبيت أحب إلي من التنفل بالصلاة، والتنفل لأهل مكة أحب إلي»، وقيل له: «أي موضع في مسجد رسول الله ﷺ أحب إليك الصلاة فيه»؟، قال: «مصلى النبي ﷺ قال ابن القاسم هو العمود المخلق - وأما الفريضة فالصف الأول»، المخلق هو المطيب، وقد ورد عن الإمام ما يدل صراحة على قطع القراءة للدعاء أثناء النافلة، وقد جاء أن النبي ﷺ كان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا بآية عذاب إلا استعاذ.
стр. 605
• قوله:
٣١ - «وأما العشاء الأخيرة، وهي العتمة، واسم العشاء أخص بها وأولى؛ فيجهر في الأوليين بأم القرآن وسورة في كل ركعة، وقراءتها أطول قليلا من قراءة العصر، وفي الأخيرتين بأم القرآن في كل ركعة سرا، ثم يفعل في سائرها كما تقدم من الوصف، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها لغير ضرورة».
تقدم القول على ما في تسمية العشاء بالعتمة، وعلى حكم النوم قبلها والحديث بعدها، وقد جاء أنه «لا سمر إلا لمصلِّ أو مسافر»، وهذا بحسب الغالب، أما القراءة فيها، فبأوساط المفصل، وقد صح أن النبي ﷺ قرأ فيها ب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وب ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ونهى معاذا ﵁ عن الإطالة فيها بالناس، وأمره أن يقرأ فيها ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
стр. 606
• قوله:
٣٢ - «والقراءة التي يُسر بها في الصلاة كلها هي بتحريك اللسان بالتكلم بالقرآن، وأما الجهر فأن يسمع نفسه ومن يليه إن كان وحده».
حديث النفس ليس كلاما فلا يعتبر قراءة، وأدنى حد في الإسرار بالقراءة أن يحرك القارئ لسانه، وإذا تحرك اللسان بالكلام؛ تحركت الشفتان ولا بد، وأعلاه أن يسمع نفسه، أما إذا أمر القراءة على قلبه دون أن يحرك لسانه؛ فلا اعتداد بقراءته، وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلاه بحسب الحاجة، لأن من مقاصد الصلاة أن يسمع المأموم قراءة الإمام.
стр. 607
• قوله:
٣٣ - «والمرأة دون الرجل في الجهر، وهي في هيئة الصلاة مثله، غير أنها تنضم، ولا تفرج فخذيها، ولا عضديها، وتكون منضمة منزوية في جلوسها، وسجودها، وأمرها كله».
الأصل تساوي المكلفين في التكاليف، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم إلا ما دل الدليل على التفريق بينهم فيه، وكون الرجال لهم على النساء القوامة، أو أن الله تعالى رفعهم عليهن درجة لا يقتضي الاختلاف في التكاليف التي لم يدل الدليل على الاختلاف فيها، ولذلك فإن ما يطالب به الرجل من هيئات الصلاة تطالب به المرأة، وفي المسألة روايتان عن مالك إحداهما لابن القاسم في المدونة (باب ما جاء في جلوس الصلاة)، وظاهرها المساواة بينهما: «قال مالك في سجود النساء في الصلاة وجلوسهن وتشهدهن كسجود الرجال وجلوسهم وتشهدهم، ينصبن اليمنى ويثنين اليسرى، ويقعدن على أوراكهن، كما تقعد الرجال في ذلك كله»، وهذه لازمة لأهل المذهب الذين يقدمون المدونة على غيرها، لكن المشهور عندهم هو هذا، وعللوه بأنها عورة، وما ذكر فهو أستر لها، والستر كما تعلم مطلوب انفرجت أو انقبضت وانزوت، قال خليل مبينا بعض مندوبات الصلاة: «ومجافاة رجل فيه - يعني السجود - بطنه فخذيه، ومرفقيه ركبتيه»، والثانية لعلي بن زياد، وهي موافقة لما قاله المؤلف: «تجلس المرأة على وركها الأيسر، وتضع فخذها اليمنى على اليسرى، تضم بعضها إلى بعض، بقدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل»، وهي في النوادر (باب جامع العمل في الصلاة)، ومن تراجم البخاري: (باب سنة الجلوس في التشهد، وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل وكانت فقيهة).
أما الجهر في القراءة فقالوا إن جهرها أن تسمع نفسها خاصة كالتلبية، فيكون أعلى
стр. 608
جهرها وأدناه واحدا، والتلبية لا دليل على إسرار المرأة فيها، فهي موضع نزاع، بل صح أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- كانت تجهر بها بمحضر الصحابة، والذي أميل إليه أن المرأة إذا كانت بمحضر الرجال غير المحارم فكما قالوا، وإلا بقيت على الأصل، وإنما قلت ذلك؛ لأن الشارع صرفها عن التسبيح وهو عبادة إلى التصفيق في الصلاة، وهو عبث في غيرها فكيف به فيها، فعقلنا من ذلك أن رفعها صوتها مرغوب عنه، لا سيما وأن الجهر في الصلاة استحباب، لم يرق عند بعض أهل العلم إلى منزلة أن يسجد لمخالفته بالجهر في السر، ولا بالسر في الجهر.
стр. 609
• قوله:
٣٤ - «ثم يصلي الشفع والوتر جهرا، وكذلك يستحب في نوافل الليل الإجهار، وفي نوافل النهار الإسرار، وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع».
الشفع هو ما ليس بوتر، فيصدق على الإثنتين، والأربع، وغيرهما من الأعداد الزوجية، وقد علمت أن للعشاء راتبة هي ركعتان، ثبتت عن النبي ﷺ في حديثي عائشة وابن عمر ﵃، وقد تقدم ذكرهما، والمذهب أن الوتر (بفتح الواو وكسرها) ركعة منفردة، تتقدمها ركعتان يسلم منهما، وقد قيل إن الركعتين قبله شرط صحة فيه، وهو الذي رجحه الباجي، وقيل شرط كمال، وهو ما في مختصر خليل، واختلف هل يخصهما بنية، أو يصح الوتر بعد أي ركعتين؟، والظاهر أنه يصح الإيتار بركعة غير مسبوقة بشفع، لكن لم يشح المسلم على نفسه إلى هذا الحد؟، كما أن الظاهر ولو قيل بشرطية الركعتين قبل الوتر أنه لا تشترط لهما نية خاصة لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم فوات الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى»، متفق عليه من حديث ابن عمر، والدليل منه فيما ظهر لي؛ أن خشية طلوع الفجر يمكن أن تحصل والمرء يصلي، ويمكن أن تحصل وهو خارج الصلاة، فإذا حصلت وهو يصلي؛ فلا يمكنه تخصيص الركعتين بنية لفوات محلها، فيتم المراد من الاستدلال.
والمذهب استحباب الجهر بنوافل الليل، والإسرار بنوافل النهار، وقد كان النبي ﷺ يجهر ويسر في الليل كما صح من حديث عائشة، ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: «كانت قراءة النبي ﷺ على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت»، رواه أبو داود (١٣٢٧)، والحجرة صحن البيت، كما في عون المعبود، ومنها حديث أبي هريرة عنده أيضا قال: «كانت قراءة النبي ﷺ بالليل يرفع طورا ويخفض طورا»، والمعنى أن ذلك بحسب الحال، من كونه خاليا أو مع غيره، ومنها حديث أبي قتادة في مروره ﷺ بأبي بكر وهو
стр. 610
يخفض صوته، ومر بعمر وهو يرفع صوته، فلما اجتمعا عنده؛ سألهما فقال أبو بكر: «أسمعتُ من ناجيتُ»، وقال عمر: «أوقظ الوَسنان، وأطرد الشيطان»، فقال: «يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا»، وقال لعمر: «اخفض من صوتك شيئا»، وهو في سنن أبي داود والترمذي (٤٤٧)، ومراده بقوله «أسمعت من ناجيت»؛ أن ربي الذي أناجيه أي أساره يسمعني، فإنه يعلم السر وأخفى، فلا حاجة لي إلى الجهر، وقول عمر أوقظ الوسنان؛ يعني النائم الذي ليس مستغرقا في نومه، وأطرد الشيطان؛ يعني أن الجهر أنشط لي وأعون على إبعاد وسوسة الشيطان بالغفلة والفتور، فكان لكل منهما ﵄ مقصد فيما فعلاه.
وأما الإسرار بنوافل النهار فبالقياس على صلاتي الظهر والعصر، لكن من جهر في نوافل النهار، وأسر في نوافل الليل؛ فلا حرج في ذلك، وقد تقدم أن النبي ﷺ كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاتي الظهر والعصر، وهذا في الفريضة المعتاد الإسرار بها، فكيف بالنافلة؟، وقد ذهب النووي إلى أن جهر النبي ﷺ بذلك ليس مقصودا، بل هو ناشئ عن استغراقه ﷺ وتدبره لما يقرأ، والصواب كونه مقصودا، لما فيه من شد انتباه المأموم، ولبيانه ما يقرأ في تلك الصلاة، والله أعلم
وفي النوادر (جامع القول في صلاة النوافل)، قال مالك: «ومن شأن الناس في قيام الليل يرفعون أصواتهم بالقراءة»، وقال عمن يتنفل بالنهار: «إن كان خاليا لا يسمع أحدا؛ فلا بأس بذلك»، وهي رواية ابن القاسم، وقال عنه ابن نافع: «لا بأس بالجهر في النافلة بالنهار، ولعله أقوى له»، ومشروعية الجهر مقيدة بما إذا كان لا يشوش على مصل آخر، للحديث الوارد في ذلك، وهو حديث مناجاة المصلي ربه، وقد تقدم.
стр. 611
• قوله:
٣٥ - «وأقل الشفع ركعتان، ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن و (سبح اسم بك الأعلى)، وفي الثانية بأم القرآن و (قل يا أيها الكافرون)، ويتشهد ويسلم، ثم يصلي الوتر ركعة يقرأ فيها بأم القرآن و (قل هو الله أحد)، والمعوذتين، وإن زاد من الأشفاع جعل آخر ذلك الوتر».
الشفع جمعه أشفاع هو الزوج، فإذا صلى المرء راتبة العشاء، وأراد أن يكتفي بذلك من صلاة الليل؛ فليوتر بعدهما، ويقرأ في الركعات الثلاثة بما ذكره المؤلف، لقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كان النبي ﷺ يقرأ في الوتر: في الأولى (سبح اسم ربك)، وفي الثانية (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة (قل هو الله أحد) و (المعوذتين)»، رواه أبو داود (١٤٢٤) والترمذي، لكن الظاهر من قولها «يقرأ في الوتر»؛ أنها تعني ثلاث ركعات متصلات، لأنها بذلك القيد يصدق عليها كونها وترا، وإلا لكان موترا بواحدة، فتكون قراءة هذه السور في هذا الحديث خاصة بمن أوتر بثلاث متصلات، وليس في المذهب الإيتار بثلاث، وقد قوى هذا الظاهر ما في رواية النسائي من زيادة: «ولا يسلم إلا في آخرهن»، لكن هذا الذي رأيته قد يرده ما رواه الدارقطني في سننه (١٠) في (الوتر بخمس أو ثلاث،،،) من حديث عائشة، فإن فيه التصريح بالفصل مع قراءة تلك السور.
والوتر يطلق تارة على مجموع صلاة الليل، كما هو ظاهر قول النبي ﷺ : «أوتروا يا أهل القرآن»، رواه الترمذي (٤٥٧) عن علي بن أبي طالب ﵁، ويطلق أخرى على ما تختتم به صلاة الليل، كما في قوله ﷺ : «لا وتران في ليلة»، رواه أبو داود (١٤٣٩) والترمذي (٤٧٠) عن طلق بن علي، وقوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا»، متفق عليه من حديث ابن عمر، وهو في سنن أبي داود (١٤٣٨)، والله أعلم.
وفي المجموعة قال ابن نافع عن مالك: إن الناس ليلتزمون في الوتر قراءة قل هو الله
стр. 612
أحد، والمعوذتين، مع أم القرآن، وما ذلك بلازم»، وقال عنه ابن القاسم: «وإني لأفعله، وأما في الشفع؛ فما عندي شيء أستحب القراءة به فيه دون غيره»، والمشهور استحباب قراءة تلك السور، إلا لمن له حزب فمنه.
قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٢٥٢): «وأما إذا كانت له صلاة؛ فليجعل وتره من صلاته، وليكن ما يقرأ فيها من حزبه، ولقد انتهت الغفلة بقوم إلى أن يصلوا التراويح؛ فإذا أكملوها أوتروا بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه، فتنبهوا لهذا،،».
أما جعل الوتر هو الأخير؛ فهو منصوص حديث ابن عمر المتقدم: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم فوات الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى»، وحديثه الآخر أن النبي ﷺ قال: «اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا»، رواه الشيخان وأبو داود (١٤٣٨) وبقية أصحاب السنن غير ابن ماجة، وهذا أمر، وأصله الدلالة على الوجوب، لكن ورد ما يدل على الجواز في الجملة، وهو صلاته ﷺ ركعتين بعد الوتر كما في حديث أم سلمة عند الترمذي، وحديث عائشة في صحيح مسلم، وقد أنكر مالك هاتين الركعتين، وقال أحمد لا أفعلهما ولا أنهى عنهما، ذكره ابن القيم في زاد المعاد، ولعل ذلك لمخالفة الفعل القول، فيقال من أراد كمال الائتساء؛ فحسبه أن يفعل مثل ما فعل صاحب الشريعة ﷺ ، مع احتمال أن تكون الركعتان صليتا بعد الوضوء فتكونان لأجله، وقد روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإن كان عند النداء الأول جنبا؛ وثب، فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبا توضأ للصلاة وصلى ركعتين»، هكذا ذكره في مصابيح السنة بتنكير ركعتين، وفي صحيح مسلم تعريفهما، فتكون الألف واللام للعهد الذهني فهما إما ركعتا الفجر، وإما الركعتان اللتان كان يصليهما بعد الوتر، وإذا حملتا على ركعتين غير ركعتي الوضوء فإن لفظ كان لا يلزم منه الدلالة على المداومة والاستمرار، فإنه قد يستعمل فيما لا يفعل إلا مرة، كما صح عن عائشة في تطييبها النبي ﷺ لإحرامه وحله، ولم يكن ذلك إلا مرة في حجة الوداع، وهذا مع أمره ﷺ بجعل آخر صلاة الليل وترا، فأقصى ما يدل عليه الفعل بيان الجواز كما ذكره النووي في (شرح مسلم
стр. 613
(٦/ ٢١)، مع الاحتمال المتقدم، لكن أخرج الدارمي وابن خزيمة عن ثوبان قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: «إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليركع ركعتين، فإذا استيقظ؛ وإلا كانتا له»، وانظر الصحيحة للألباني، الحديث (١٩٩٣)، وفيه دليل على استحباب ركعتين في السفر بخاصة بعد الوتر.
وكما أمرنا أن نجعل آخر صلاتنا من الليل وترا؛ فنحن منهيون عن تكرير الوتر، لقوله ﷺ : «لا وتران في ليلة»، رواه أبو داود (١٤٣٩)، فالأصل أن من صلى الوتر لم يتنفل في الليل، فإن تنفل خالف الحديث الأول، وإن صلى الوتر من جديد ليجعله آخر صلاته كما هو المطلوب؛ خالف الحديث الثاني، والوتر المأمور بجعله آخر صلاة الليل يكون بركعة وبغيرها من الأوتار كما علمت، لكن ورد عن كثير من أهل العلم من السلف والخلف خلاف ما قررته، إذ رأوا جواز النافلة لمن أوتر، ثم بدا له أن يتنفل، فالظاهر أن الأمر للاستحباب، والأولى أن يفعل مثل فعل النبي ﷺ .
ومما يذكر هنا ما رواه ابن القاسم عن مالك في الإمام يقرأ الآية فيها ذكر النار فيتعوذ المأموم، قال تركه أحب إلي، فإن فعل فسرا»، وقال عنه أيضا: «ولا بأس في النافلة أن يسأل الله الجنة، ويستعيذه من النار»، وقال عنه ابن نافع: «وإن كان في نافلة فمر بآية فيها استغفار فيستغفر، ويقول ما شاء الله، ولا بأس بذلك»، وقال عنه علي بن زياد: «ولا أرى في الوتر قنوتا إلا في النصف الآخر من رمضان»، وورد عنه نفيه مطلقا، وكل هذه الآثار في النوادر (القنوت وذكر الدعاء في الصلاة).
والحديث الذي فيه القنوت ليس فيه تحديد، فالظاهر أنه يشرع القنوت في كل العام من غير تحديد بشهر رمضان ولا غيره، والصواب: الاقتصار على ذلك الدعاء، وإلا لقال النبي ﷺ له كما قال في دعاء التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أحبه إليه»، والله أعلم.
стр. 614
• قوله:
٣٦ - «وكان رسول الله ﷺ يصلي من الليل اثنتي عشرة ركعة، ثم يوتر بواحدة، وقيل عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة».
صلاة الليل أوكد النوافل، ومما جاء فيها قول النبي ﷺ ذاكرًا ما قاله جبريل ﵇: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس» رواه الطبراني والحاكم عن علي ﵁.
وما ذكره من عدد ما كان النبي ﷺ يصليه بالليل، وهو إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة؛ كل منهما في الصحيح، من رواية ابن عباس ﵄ في قصة بياته عند خالته ميمونة، فقد قال عن صلاة النبي ﷺ : «،،، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر،،،»، ومن رواية عائشة قالت: «يسلم من كل ثنتين ويوتر بواحدة»، ورويا أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، لكن الإيتار مختلف عن عائشة، ففي بعض رواياتها أنه أوتر بواحدة، وفي بعضها بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن، وفي بعضها ثلاث.
أما الاستدلال لكلام المؤلف بحديث عائشة الذي رواه البخاري عن مسروق قال: «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: «سبعا، وتسعا، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر»، أو بحديثها المتفق عليه، قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، ولا يجلس في شيء منهن إلا في أخراهن»؛ كما ذكر ذلك المحدث الغماري في مسالك الدلالة فليس كما ينبغي، لأن المذهب على عدم الإيتار إلا بواحدة، ومن استدل بدليل فالأصل أن يأخذ بكل ما فيه.
وقد روى مالك في الموطإ (٢٦١) و (٢٦٢) و (٢٦٣) و (٢٦٤) أحاديث عائشة وابن عباس وزيد بن خالد الجهني ﵃ في صلاة النبي ﷺ بالليل، وفيها إحدى عشرة، وثلاث
стр. 615
عشرة، وفي العتبية من رواية ابن القاسم ما يدل على التزامه ذلك، قال: «قد جاء في صلاة الليل إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وأكثر ذلك أحب إلي»، يعني ثلاث عشرة، لكنه أورد في موطئه في ترجمة (ما جاء في قيام رمضان) عن يزيد بن رومان أنه قال كان الناس يقومون في زمان عمر ابن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة»، وسيأتي الحديث عن ذلك في صلاة التراويح.
والذي يظهر أن السنة؛ الاكتفاء في صلاة الليل في رمضان وغيره بإحدى عشرة ركعة تأسيا برسول الله ﷺ ، حيث صح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وهو في الموطإ (٢٦١)، وقد يبدو أن في الروايات عنها شيئا من الاختلاف، والظاهر أنه راجع إلى احتساب راتبة العشاء في بعضها، وعدم احتسابها في بعضها الآخر، وكذا ركعتا الفجر، والركعتان الخفيفتان اللتان تتقدمان صلاة الليل، مع تعدد الرواة، فظهر في أحاديثها ما ظاهره الاضطراب، وليس به، وهي -رضي الله تعالى عنها- أخبر بصلاة النبي ﷺ في الليل من غيرها، كما شهد لها بذلك عبد الله بن عباس، وهو في صحيح مسلم، فروايتها التي جزمت فيها بأنه لم يزد على إحدى عشرة أولى الروايات بالتقديم، لكن لا يلزم من هذا القول التثريب على من زاد على ذلك، فضلا عن اعتبار فعله بدعة، ومن قال بالمنع من الزيادة على ذلك اجتهادا فهو مأجور أجرا واحدا إن شاء الله، وإذا كنا لا نقدر أن نمنع الناس من اعتقادهم شيئا اتباعا منهم لمن رأوا اتباعه من أهل العلم فيما ذهبوا إليه؛ فإن عليهم أن يمسكوا ألسنتهم عن نبز الناس وتبديعهم في مثل هذه المسائل التي لا يصح أن تكون موضع إنكار، اللهم إلا أن يسأل عنها من هو أهل فيقول ما عنده، والله أعلم.
стр. 616
• قوله:
٣٧ - «وأفضل الليل آخره في القيام، فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره؛ فذلك أفضل، إلا من الغالب عليه أن لا ينتبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل أول الليل، ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء منها مثنى مثنى، ولا يعيد الوتر».
وقت الوتر في المذهب بعد صلاة العشاء الصحيحة، ويخرج بطلوع الفجر، والمراد بالعشاء الصحيحة؛ تلك التي تصلى في وقتها، لا التي تجمع مع المغرب جمع تقديم للسفر أو المرض أو المطر، ففي هذه الحالة لا تصلى الوتر حتى يدخل وقت العشاء، ودليل ذلك أن الشارع رخص في تقديم العشاء، والرخصة يقتصر فيها على ما وردت فيه، ولا يقاس غيرها عليها، فمقدم الوتر هو الذي يطالب بالدليل، لا من تمسك بالأصل، أما الوقت الذي يصلي فيه المرء وتره من الليل؛ فيختلف، فمن كان يأنس من نفسه الاستيقاظ قبل طلوع الفجر؛ فليؤخر وتره حتى يصليه آخر الليل مع ما يريد من الأشفاع قبل طلوع الفجر، فإن أفضل الليل آخره وهو ثلثه الأخير، لأنه وقت النزول الإلهي، ولا يضره إن لم يستيقظ أحيانا خلافا لعادته، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١١٤٥) وغيره في باب الدعاء والصلاة من آخر الليل عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟، من يسألني فأعطيه؟، من يستغفرني فأغفر له»؟، وقوله ينزل النزول على ظاهره على الوجه الذي يليق به سبحانه من غير تأويل ولا تمثيل ولا تكييف، ولا يلزم من النزول وإثبات جهة العلو له سبحانه شيء من مشابهة خلقه، فقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
أما إن كانت عادة المرء عدم الاستيقاظ إلا مع طلوع الفجر أو بعده، فليقدم وتره
стр. 617
أول الليل مع ما يريد صلاته من النوافل، فإن هذا هو الحزم، وهو الذي أوصى به النبي ﷺ أبا هريرة في جملة ما أوصاه به، لكونه ﵁ كان يسهر لمذاكرة الحديث، وكان أبو بكر يقدّم، وعمر يؤخّر.
أما ما قال المؤلف من أنه إذا استيقظ صلى ما بدا له فإن هذا فيه شيء لأنه مخالف لأمره ﷺ بجعل آخر صلاة الليل وترا، وهي صلاة الليل سواء صليت قبل النوم أو بعده، أما الاستدلال على ذلك بأنه ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر كما تقدم، فهذا ليس فيه من التوسع ما ذكره المؤلف، فمن أراد الائتساء فليفعل مثلما فعل، ولعلها كانت صلاة تعقب الطهور وهي مشروعة لسببها، لكن ما روي عن السلف من تنفل من قدم الوتر، ثم بدا له ذلك يدفع إلى التحفظ في هذا الأمر، والله أعلم.
стр. 618
• قوله:
٣٨ - «ومن غلبته عيناه عن حزبه؛ فله أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار، ثم يوتر ويصلي الصبح، ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح».
من كانت عادته أن يستيقظ قبل الفجر ليصلي ورده، إن غلبته عيناه أحيانا وأمكنه أن يصليه قبل صلاة الصبح؛ فعل ما لم يسفر، لأنه إن أسفر ضاق الوقت فاختص بالفرض، ودليله ما رواه أبو داود (١٤٣١) باب في الدعاء بعد الوتر، وهو ليس الباب المنتظر أن يورد فيه هذا الحديث، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «من نام عن وتره أو نسيه؛ فليصله إذا ذكره»، لكن الحديث فيه أن من نسيه يصليه متى ذكره دون قيد، ولا ينافيه القيد الذي جاء فيما رواه مسلم والترمذي (٥٨١) عن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كتب له كأنما قرأه من الليل»، فإن هذا التحديد بزمان معين مرتبط بالفضل المذكور، والمراد بالحزب الورد، وهو ما اعتاد المرء صلاته من الليل، ويحتمل ما اعتاد قراءته من القرآن، فإن معنى قيام الليل لا ينحصر في الصلاة، ويقوي ما تقدم عموم قول النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، فهذا قضاء الصلاة التي يُنام عنها أو تُنسى، لكنه عام في كل صلاة، لأن النكرة في سياق الشرط تعم، ويدل عليه قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر بعد العصر حين شغله عنها وفد عبد قيس كما هو في الصحيح، أما أن النبي ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع؛ صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة؛ فلا يدل على خلاف هذا، لأن الذي يصلي وتره قبل الصبح هو من تيسر له ذلك، والنبي ﷺ كان يبادر بصلاة الصبح وهو إمام الناس فلا يتأتى له ذلك، ولعله قد صلى الوتر لكنه لم يستكمل ما اعتاد صلاته للعلة المذكورة، وقد استدل الإمام ابن تيمية ﵀ بالحديث المتقدم على أن الوتر لا يقضى إذا صليت الصبح
стр. 619
لفوات محله لكونه لم يقع موقعه، وهو أن تختم به صلاة الليل، وقد تقدم ما يدل على خلاف ذلك، والعلم عند الله.
والمذهب أن الوتر لا يصلى إذا صليت الصبح كما ذكره المؤلف، ولذلك رأى مالك أن الصبح تقطع لأجل الوتر، لكونها تفوته، وهو في المدونة، وقال مالك فيها (ما جاء في ركعتي الفجر) عن صلاة الرجل حزبه حتى ينفجر الصبح فيصليه: «ما هو عندي من عمل الناس، فأما من تغلبه عيناه فيفوته حزبه وركوعه الذي كان يصلي به؛ فأرجو أن يكون خفيفا أن يصلي في تلك الساعة، وأما غير ذلك فلا يعجبني أن يصلي بعد انفجار الصبح إلا الركعتين».
стр. 620
• قوله:
٣٩ - «ومن دخل المسجد على وضوء، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع، ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر، وإن ركع الفجر في بيته ثم أتى المسجد؛ فاختلف فيه: فقيل: يركع، وقيل: لا يركع»، ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر إلى طلوع الشمس».
من دخل المسجد كان مطالبا بصلاة ركعتين قبل أن يجلس وهي حق المسجد، ولذلك سموها تحية المسجد، فإنه بيت الله خُص بما يميزه عن غيره من البيوت، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، رواه مالك (٣٨٦) والشيخان عن أبي قتادة، وجاء في لفظ آخر لهما: «فليصل ركعتين قبل أن يجلس»، ففي الأول النهي عن الجلوس قبل الصلاة، وفي الثاني الأمر بالصلاة قبل الجلوس، فيظهر أنها تفوت بالجلوس ممن تعمده، وقيل إن لم يطل يمكن التدارك، وقد ورد ما يدل على صلاتهما بعد الجلوس لكن ليس بقيد كون ذلك عمدا كما في حديث سليك الغطفاني.
وأئمة الفتوى على أن الأمر في الحديث للندب كما قال الحافظ، وقد دل على ذلك قول المؤلف «على وضوء»، لأنهما لو وجبتا؛ وجب تحصيل الطهارة، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا فرق في هذا الأمر بين مسجد الجمعة وغيره، إلا المسجد الحرام، فإن المطلوب فيه على المذهب الطواف بالبيت لمن كان يريده، أو كان مطالبا به كالحاج والمعتمر الذي يدخل المسجد أول مرة، ومن دخل مسجد رسول الله ﷺ ؛ فقد اختلف فيه: هل يبدأ بالسلام على رسول الله ﷺ أو بالصلاة؟، قال مالك: «وأما في مسجد
стр. 621
النبي ﷺ ؛ فليبدأ بالركوع قبل السلام على النبي ﷺ ، وكل ذلك واسع»، وقد استحسن ابن القاسم وهو راوي هذا الخبر عنه البدء بالصلاة، والذي يظهر أن من دخل من باب يمر فيه على قبر النبي ﷺ وصاحبيه قبل أن يجلس؛ فالسلام عليه وعلى صاحبيه مقدم. فإن الصواب: أن من دخل المسجد يسلم أولا على الناس، ثم يصلي، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، وهذا في السلام العام، والتسليم عليه ﷺ من جملته على أقل تقدير، أما من دخل من باب آخر بحيث يتكلف الوصول إلى قبره ﷺ فهذا يصلي أولا، ولعل حمل توسعة الإمام مالك في هذا الأمر على هذا التفصيل هو الصواب إذا كانت أبواب المسجد في وقته متعددة، وقد روى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا: «ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه¬ السلام».
وفي المذهب جواز ترك تحية المسجد للمار، وقد احتج مالك في المدونة (صلاة النافلة) بفعل زيد بن ثابت، وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: «كانا يخرقان المسجد لحاجتهما ولا يركعان»، لكنه نقل عن زيد بن ثابت كراهة ترك التحية للمار، ولو قيل إن المسجد لا ينبغي أن يتخذ ممرا إلا من حاجة؛ لكان متجها إن شاء الله، وقد روى الطبراني عن ابن عمر قول النبي ﷺ : «لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة»، قال الهبثمي رجاله موثقون»، وهو في صحيح الجامع للألباني وجاء أنه من أشراط الساعة، وفي سنن ابن ماجة (٧٤٨) عن ابن عمر النهي عن ذلك في جملة أمور، لكن فيه زيد بن جبيرة وهو ضعيف، والأَولى الصلاة ولو للمار، لظاهر قول رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس، ثم ليقعد بعد إن شاء، أو ليذهب لحاجته»، رواه أبو داود عن ابي قتادة، وهو في الصحيحين كما تقدم من غير زيادة «ثم ليقعد بعد إن شاء،،،»، وفيها دليل على ما ذهبت إليه.
واعلم أن غير الركعتين يقوم مقامهما في سقوط الطلب كما إذا صلى الداخل فرضا كان عليه، لأن المقصود شغل البقعة وقد حصل بالصلاة، قال أبو الحسن: «المقصود افتتاح دخول المسجد بصلاة سنة كانت أو فرضا، للفرق بين المساجد والبيوت».
стр. 622
وقوله «إن كان وقت يجوز فيه الركوع»؛ احترز به عما إذا دخل في وقت نهي عن الصلاة فيه نهي كراهة أو تحريم، فإن المذهب أن تحية المسجد لا تصلى في الوقت الذي تكره فيه الصلاة، أو تمنع، ولا فرق في الكراهة بين الصلاة ذات السبب والنافلة المطلقة، لأن النهي ورد عاما، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ : «نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب»، متفق عليه، وقال عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضَيفُ الشمس للغروب حتى تغرب»، رواه مسلم (٨٣١)، وقوله «نقبر»، فعل ثلاثي والباء مفتوحة ومضمومة، ومعناه ندفن، أما الرباعي أقبر فمعناه جعله ذا قبر، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، وقوله «حين يقوم قائم الظهيرة»، أي حين استواء الشمس، بحيث لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل، وقد علمت أن الظل لا ينعدم إلا نادرا وفي بعض أماكن الأرض، والمقصود نقصانه إلى أقل طول، و «تضيف» بفتح التاء والضاد والياء المفتوحة المشددة، تميل.
واعلم أنه ليس من أوقات النهي عن الصلاة في المذهب قيام قائم الظهيرة، وقد استدل مالك ﵀ حين سئل عن الصلاة منتصف النهار بالعمل فقال: «لم يزل من عمل الناس العباد عندنا يُهَجرون، فيصلون بذلك في الجمعة وغيرها، وما أدركت الناس إلا على ذلك»، وقال ابن أبي زيد مدعما هذا القول: «ومن الموطإ روى مالك أن عمر كان يتنفل بالهاجرة»، وهو (في النوادر جامع القول في صلاة النوافل)، والأثر الذي أشار إليه رواه مالك في الموطإ (٣٥٨) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه قال: «دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه فقربني، حتى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يرفأ تأخرت فصففنا وراءه»، وقوله «يسبح»؛ يعني يصلي النافلة، و «الهاجرة» وقت اشتداد الحر نصف النهار، ويرفأ هو خادم عمر، ولا حجة في هذا الأثر - لو صلح فعل الصحابي لمعارضة صحيح السنة - لأن غاية ما فيه أنه صلى وقت اشتداد الحر، ولا يلزم أن يكون ذلك وقت نصف النهار، ولو سلم ذلك؛ فيحتمل أن لا يكون متحريا، وهي واقعة
стр. 623
حال لا ندري سبب الصلاة فيها.
ومن تراجم مالك في الموطإ (النهي عن الصلاة بالهاجرة)، وهذه الترجمة يمكن أن ينتزع منها أن الإمام يرى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والألف واللام في الصلاة يحتمل أن تكون للعهد، أي صلاة الظهر، وهذا هو الذي يؤخذ مما تحت الترجمة، فإنه إنما أورد تحتها عن عطاء بن يسار نحو حديث أبي ذر المتقدم في الأمر بالإبراد بالظهر، وقد يقال إنه عنى النهي عن عموم الصلاة وقت الهاجرة، فالنافلة لا تصلى، والظهر يبرد بها، ولم يكن عنده غير ما رواه، يشير إلى ذلك ما ذكره ابن عبد البر عنه في (الاستذكار ١/ ١٠٧) من التردد حيث قال: «لا أكره التطوع نصف النهار ولا أحبه»، ويدعم هذا أنه روى في الموطإ (٥١٢) عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها»، ونهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات»، وقرن الشيطان قيل على حقيقته، ومعناه أنه يدني رأسه منها ليكون الساجدون لها من الكفار ساجدين له، وقيل قرنه حزبه وأتباعه ومتولوه، وقوله «استوت»؛ يعني بلغت أقصى ارتفاعها حسب الظاهر، وهو الوقت الذي يبلغ فيه الظل أدنى طول له، قال ابن عبد البر معلقا على ما أثبته عنه من التردد: «يدل قوله هذا على أنه لم يصح عنده حديث زيد بن أسلم هذا عن عطاء بن يسار عن الصنابحي في ذلك،،، وما أدري ما هذا، وهو يوجب العمل بمراسيل الثقات؟، ورجال هذا الحديث ثقات، وأحسبه مال في ذلك إلى حديثه (الموطأ ٢٢٩) عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي «أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر بن الخطاب»، ومعلوم أن خروج عمر كان بعد الزوال بدليل حديث طنفسة عقيل،،، إلى أن قال: «وإلى هذا ذهب مالك لأنه عمل معمول به في المدينة، لا ينكره منكر»، وإنما رميت بهذا إلى تحقيق قول مالك في مسألة النافلة منتصف النهار، وأنه إن لم يقل بها فلكون الحديث لم يصح عنده على ما ذهب إليه ابن عبد البر، أو لأنه اعتمد العمل، وهو ما كان يراه من صلاة أهل العلم يوم الجمعة منتصف النهار.
стр. 624
والصواب والله أعلم: تخصيص يوم الجمعة بجواز الصلاة في ذلك الوقت المنهي عن الصلاة فيه دون غيره من الأيام، لما ذكر من الأثر، ولأنه داخل في عموم ما علقت عليه مغفرة الذنوب في الحديث الذي رواه البخاري (٨٨٣) عن سلمان ﵁ مرفوعا، وفيه: «،،، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
واعلم أن تحية المسجد في الأوقات المنهي عن الصلاة تعارض فيها دليلان بينهما عموم وخصوص وجهيان: أحدهما أمر الداخل إلى المسجد بصلاة ركعتين، فهذا عام في الأوقات خاص بتحية المسجد، والثاني النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وهذا عام في الصلاة، فيشمل تحية المسجد وغيرها، خاص بتلك الأوقات، وليس تخصيص أحد العمومين بالآخر أولى من العكس، بل إن تخصيص عام كل منهما بالآخر هو المطلوب، لكن تطبيقه هنا يفضي إلى استحكام التعارض، بيد أن عموم الثاني أعني الناهي عن الصلاة ضعيف لتوارد عمومات عليه مخالفة له، وهي أنص منه وأخص كقوله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»، وحديث بلال في صلاة ركعتين بعد الوضوء، وحديث النهي عن منع من أراد الطواف بالبيت ساعة من ليل أو نهار، والطواف مصحوب بالصلاة، أما العموم الأول أعني أمر الداخل إلى المسجد بصلاة ركعتين؛ فمحفوظ، والعموم المحفوظ يقدم على العموم المخصوص لضعفه بالتخصيص، ولما كانت تحية المسجد مسببة وكذلك ركعتا الوضوء وركعتا الطواف؛ أمكن القول بأن يقاس عليها كل صلاة ذات سبب، فتكون مستثناة من النهي، مع أن الحكمة التي ذهب إليها بعض العلماء من تحية المسجد وهي التفريق بينه وبين البيوت الأخرى يُحتاج إليها في كل وقت، والله أعلم.
ومن لم يصل الفجر في بيته ثم جاء إلى المسجد؛ كفته ركعتا الفجر عن تحية المسجد، لحصول شغل البقعة بهما على المشهور، وقال ابن عبد السلام يركعهما، ثم يصلي ركعتي الفجر، معللا ذلك بأن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين، أما من ركعهما في بيته؛ فقيل يصلي تحية المسجد، وقيل لا يصليها، وجه الأول أنه مأمور بذلك كما مر في حديث أبي قتادة، وهو لم يصل الصبح بعد، ووجه الثاني أن المستثنى من النهي عن الصلاة
стр. 625
بعد طلوع الفجر إنما هو ركعتا الفجر، كما في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»، رواه أبو داود (١٢٧٨) والترمذي (٤١٩)، وهذا لفظه، والمراد بالسجدتين الركعتان، والقول الأول هو الصواب، وقد اختلف في المذهب على القول بأنه يركعهما: هل يصليهما بنية النافلة يعني التحية، أو بنية إعادة الفجر حتى يخرج بذلك عن النهي، وهذا من أعاجيب الرأي، وقد يكون منشؤه ما في النقل عن الإمام في هذه المسألة من اللفظ القلق، ففهم منه هذا المعنى، وقد تفطن له القاضي ابن العربي، فقال في العارضة: «وإن صلاهما في بيته؛ فقال مالك وابن وهب عنه يركعهما، وروى ابن نافع: لا يعيدهما، وهذا لفظ قلق، إنما يقال: هل يحيي المسجد بركعتيه، أم يجلس دون تحية؟، فقيل لا يحيي، وقيل يحيي، وهو الصحيح، وبه أقول»، انتهى ببعض الاختصار، ويعني باللفظ القلق «يركعهما»، و «يعيدهما»، لأن ذلك موهم أنه يعيد ركعتي الفجر، وأستبعد أن يكون هو مراد الإمام.
وقد احترز بقوله: «ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر إلى طلوع الشمس»؛ ما قد يتوهم من جواز التنفل بعد طلوع الفجر أخذا من الخلاف الذي ذكره فيمن ركع الفجر في بيته: هل يصلي تحية المسجد أو لا، وكذا ما ذكره من قضاء من غلبته عيناه ورده ولو طلع الفجر، فإن هذا تخصيص للنهي فلا يتجاوز، وقد علمت أن ركعتي الفجر تصليان بعد صلاة الصبح إذا لم يصلهما المرء قبلها كما مر، لكن المذهب أنهما لا تصليان إلا بعد طلوع الشمس.
وختام هذا الباب ما ذكره القرطبي في تفسيره في سورة المرسلات «أن مالكا ﵀ دخل المسجد بعد صلاة العصر، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر، فجلس ولم يركع، فقال له صبي: يا شيخ قم فاركع، فقام فركع!!، ولم يحاجه بما يراه مذهبا، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن أكون من الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨].
стр. 626
١١ - باب في الإمامة، وحكم الإمام والمأموم
الإمامة وظيفة الإمام، وهو الذي يؤم الناس، أي يقودهم، ويتقدمهم، ويقتدون به في الخير أو في الشر، من إنسان أو كتاب، وأصله المثال والقالب يحتذى في الصنع، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١]، ومن دعاء عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]، أفرد لمناسبة الفواصل المنصوبة المنونة، ولأن كل واحد منهم يريد ذلك، ولأن أئمة المتقين كالواحد، والمراد هنا الذي يؤم الناس بخاصة، والمأموم اسم مفعول من أم القوم يؤمهم إذا تقدمهم فهو إمام، وهم مأمومون ومؤتمون.
стр. 627
• قوله:
١ - «ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم، ولا تؤم المرأة في فريضة، ولا نافلة، لا رجالا ولا نساء».
راعى المؤلف ﵀ في كلامه هذا ما نقل عن الإمام، ثم عن غيره ممن دونه من أئمة المذهب، فإن من كلام مالك في المدونة: «أولاهم بالإمامة أفضلهم في أنفسهم إذا كان هو أفقههم، قال: وللسن حق، فقيل له: «فأكثرهم قرآنا»؟، قال: «قد يقرأ من لا»، يعني من لا يكون فيه خير»، وقد ترجم البخاري (بقوله باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)، فبين المؤلف أنه يقدم الأفقه، لأنه جمعه مع الأفضل، وهو المذهب، وإلا فإن الأفضلية أمر مجمل، ولو كان المراد بها أفضلية قراءة القرآن؛ لكان ذلك هو ما دل عليه حديث أبي مسعود البدري قال، قال رسول الله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سلما، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه»، رواه مسلم (٦٧٣) وأبو داود (٥٨٢)، وقوله «سلما»؛ يعني إسلاما، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، أي في جميع شرائع الإسلام، وجاء ذكر كبر السن ضمن المرجحات أيضا، وعند أبي داود: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة»، وهذه مفاضلة بين القراء أنفسهم بأقدمية القراءة لأنها سبب الإتقان والإجادة، والمراد بالسلطان إمام المسجد، وصاحب البيت، والمدرس ونحوهم، والتكرمة بفتح التاء وكسر الراء الفراش الخاص بذي السلطان المتقدم ذكره، وفي هذا الحديث سد باب إثارة الضغائن والأحقاد بالحرص على عدم تجاوز صاحب الدار وذي السلطان لما في التقدم عليهم في الإمامة والجلوس في مواضعهم من الافتيات عليهم، وإثارة حفائظهم، وفيه تسمية الفقه بالسنة، وقد كان الناس في منطقتنا يقولون عمن حفظ القرآن ثم
стр. 628
تفرغ لدراسة الفقه إنه ذهب يقرأ السنة يريدون بها علم الشرع فهذا موافق لما في الحديث.
لكن مذهب مالك تقديم الأفقه على الأقرإ، قال مالك فيما رواه عنه علي ابن زياد: «أحقهم أكبرهم سنا، وأعلمهم بسنة الصلاة»، وفي رواية ابن القاسم عنه: «إن أفقههم أحق من أقرئهم وأسنهم»، وعللوا ذلك بأن ما يحتاجه الإمام في الصلاة من القراءة محدود، بخلاف حاجته إلى الفقه والعلم، وتأولوا الحديث المتقدم بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه.
قال ابن حبيب: «ومعنى ما روي أن يؤم القوم أقرؤهم أن من سلف كانوا يجمعهم صلاح الحال والمعرفة، فكان حفظ القرآن مزيد فضل، ثم كثر في الناس حفظ حروفه، وتضييع العمل والعلم، فأحقهم اليوم أحسنهم حالا وأفضلهم معرفة بدينه» انتهى، وهذا كله في النوادر (الإمامة ومن هو أحق بها)، وما أحسن قول ابن حبيب هذا، وهو حق، لكن ما ذا نصنع وقد نص نبينا ﷺ على تقديم الأقرإ في الإمامة؟.
ومما يدل على ما ذكر ما رواه مالك في الموطإ (٤١٨) عن ابن مسعود قال لإنسان: «إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدأون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان: قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن وتضع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدأون فيه أعمالهم قبل أهوائهم»، ومراد عبد الله من كلامه هذا الذي يبدو أن له حكم الرفع؛ موازنة الرعيل الأول بين المصالح إذا تزاحمت، فيقدمون ما كان منها أكثر نفعا، فإن المصلحتين إذا تزاحمتا قدمت أكثرهما منفعة، وإذا تزاحمت المفسدتان قدم أقلهما ضررا، كما أنهم يحرصون على النافع ويجتنبون الضار، أما غيرهم فلا يوازنون، ومن ثم قد يقدمون الأقل نفعا على الأكثر، وقد يقعون فيما هو ضار أصلا، وقوله: «كثير فقهاؤه قليل قراؤه»، المراد القراء الذين لا فقه عندهم، بقرينة المقابلة.
قال الشيخ ابن عاشور «كأنه قال: «قليل أهل القراءة وحدها»، لكنهم مع قلة حفظهم وصفهم بأنهم يطيلون القراءة لكونها أنفع للناس، بخلاف من قابلهم بهم، فإنهم مع كثرة
стр. 629
حفظهم لا ينفعون الناس بإطالة القراءة، بل يكثرون من كلامهم، وليس المراد من قوله تضيع حروفه؛ حقيقة التضييع، بل المقصود قلة حفظه المسبب عن الاشتغال بما هو أهم من الحفظ وحده، لا أن القلة نشأت عن عدم الاهتمام به، فهذه الصفات المتقابلة في الفريق المتأخر ليست مذمومة لذاتها، وإنما لكونها وقعت في مقابل ما هو خير منها، بخلاف السؤال والعطاء والبدء بالأعمال قبل الأهواء وما قابلهما فإنه مذموم لذاته، ومن لم يحرص على الأكثر نفعا، أوشك أن يقع في الضار محضا»، انتهى كلامه ﵀.
لكن مع هذا فالذي يظهر من الحديث خلاف ذلك، فقد جعل النبي ﷺ الأعلم بالسنة في الدرجة التالية بعد الأقرإ، وهذا نص لا احتمال فيه، ولأن التفاضل بالقرآن ظاهر منضبط بخلاف غيره، فقد يختلف فيه، وقد فاضل به النبي ﷺ في دفن أكثر من واحد في القبر، حيث أمر بتقديم أكثرهم قرآنا، ومن الأدلة على ذلك أيضا أن عمرو بن سلمة كان يؤم قومه وهو صبي بأمر النبي ﷺ ، قال: «وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني فكنت أؤمهم،،،»، رواه البخاري، وأبو داود (٥٨٥)، ثم إن ما يقوله النبي ﷺ شريعة لأمته جمعاء لا اختصاص للصحابة به، حتى يقال إنهم كانوا يجمعون بين القراءة والفقه، أما تقديم أبي بكر الصديق ﵁ وفي الصحابة من هو أقرأ منه فلا يرد على هذا، لأن الأمر لا يعدو الأفضلية، ولأن ذلك التقديم من النبي ﷺ ، وقد يكون فيه حكمة أو خصوصية وهي إعداده لخلافته، ولو ساغ اعتبار فعل النبي ﷺ المخالف لقوله الموجه إلى الأمة خاصا به؛ لكان هذا أولى أن يعتبر كذلك، ثم إنه يلزم من تقديم أبي بكر ﵁ لكونه أفقه أن يكون أقرأ على ما عللوا به، وهذا نقض، ثم إنه قد روى البخاري وأبو داود عن ابن عمر قال: «لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العَصبة، قبل مقدم النبي ﷺ ، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا، وفيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد»، وأين فقه عمر من فقه سالم، وكيف وهو المحدث إن كان في هذه الأمة محدث؟، ولم يكن ينقص عمر القرآن الذي تمضي به الصلاة.
ومن فقه سحنون ﵀ في المدونة أنه أثبت فيها رواية ابن وهب قال: «سمعت معاوية ابن صالح يذكر عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: «فليؤمهم أفقههم»، قال: «فذلك أمير
стр. 630
أمره رسول الله ﷺ ».
قال ابن وهب: «وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة.
ومما جاء في المدونة (الصلاة خلف أهل الصلاح وأهل البدع) عن مالك قال: «إذا صلى الإمام بقوم فترك القراءة انتقضت صلاته وصلاة من خلفه، وأعادوا، وإن ذهب الوقت، قال: فذلك الذي لا يحسن القرآن أشد عندي من هذا، لأنه لا ينبغي لأحد أن يأتم بمن لا يحسن القرآن»، وهذا معناه أنه حد حدا للأفقه الذي يتقدم، وهو إحسانه القراءة، لكنه ليس بالأقرإ.
واعلم أن من شروط الإمامة في المذهب الذكورة، والتكليف، والعدالة، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به، والقدرة على الأركان، والاتفاق في المقتدى فيه، وموافقة مذهب المأموم مذهب الإمام في الواجبات، واشترطوا في الجمعة الحرية، والإقامة، وليس في هذه الشروط ما هو مسلم غير الأول في إمامة الرجال، والرابع، أما اشتراط العدالة فالأصل صحة الصلاة خلف الفاسق، وفعل السلف خلف بعض الأمراء المعروفين بذلك مما يحتج به مع البراءة الأصلية، كصلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف، وما قاله عثمان عن الصلاة خلف إمام الفتنة، نعم تكره الصلاة خلفه لمن وجد غيره، ولم يخف على نفسه، وثمة كلام للإمام في النهي عن الصلاة خلف أهل الأهواء، ويعنون بالسادس اتفاق صلاة المأموم مع صلاة الإمام: شخصا، ووصفا، وزمانا، فلا يصح ظهر خلف عصر، ولا صلاة متنفل بمفترض، ولا ظهر أمس خلف من يصلي ظهر اليوم، وفي صلاة المفترض خلف المتنفل صلاة معاذ بقومه وهو في الصحيح، فهو حجة في هذا المقام، وكذلك صلاة رسول الله ﷺ صلاة الخوف مرتين إماما بالطائفتين، وأرادوا بالشرط السابع أنه لا يصح الاقتداء بمن لا يرى وجوب الاعتدال في الأركان، أو لا يقرأ فاتحة الكتاب مثلا، وهذا بناء على أن فساد صلاة الإمام يسري لصلاة المأموم، إلا في أمور منها سبق الحدث ونسيانه، ولا دليل على هذا السريان، بل صلاة المأموم صحيحة إذا لم يكن ثمة ما يبطلها كتركه
стр. 631
شرطا أو ركنا، هذا هو الأصل، ولقول النبي ﷺ : «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»، رواه البخاري (٦٩٤) وغيره عن أبي هريرة، وقوله «وإن أخطأوا»؛ ليس من الخطإ المقابل للعمد، فإنه مرفوع عن هذه الأمة، فلا يؤاخذ به أحد، بل هو الخطيئة، وهي المعصية، ولقوله ﷺ : «من أم الناس فأصاب الوقت، وأتم الصلاة؛ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا؛ فعليه ولا عليهم»، رواه أبو داود (٥٨٠) وغيره عن عقبة بن عامر، وقد ترتب على القول ببطلان الصلاة خلف المخالف في الفروع في بعض المسائل من المفاسد ما لا يخفى على البصير، حتى أقيمت محاريب عدة في المسجد الواحد لكل طائفة إمامها، وقد رأيت شيئا من ذلك في بعض مساجد الشام.
أما إمامة الصبي؛ فقد دل على صحتها صلاة عمرو بن سلمة بقومه وقد تقدم، وقد قال زروق عن إمامة الصبي في الفرض نقلا عن بعض شيوخه: «والظاهر صحة إمامته مطلقا لحديث عمرو بن سلمة المشهور».
والمشهور أن المرأة لا تؤم الرجال ولا النساء، لا في الفريضة ولا في النافلة، عزاه لمالك في النوادر نقلا عن المختصر، وفي المدونة عن مالك: «لا تؤم المرأة»، وهذا إطلاق، وروى ابن أم أيمن عن مالك أن المرأة تؤم مثلها من النساء، وفي المختصر قيل له: «فللنساء في قيام رمضان»؟، قال أليس يفعلن؟، وكذلك روى أشهب عنه».
قلت: وهو قول أشهب كما في النوادر (ما يجب من الصلاة على الجنازة).
قال الباجي في (المنتقى ١/ ٢٣٥) مبينا دليل مالك في رواية ابن أم أيمن: «وتعلق في الرواية الثانية بما روي أن النبي ﷺ كان يزور أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها، وهذا الحديث مما لا يجب أن يعول عليه»، انتهى.
قلت: الحديث رواه أبو داود (٥٩١)، تحت ترجمة (إمامة النساء)، من طريق وكيع بن الجراح حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل أن النبي ﷺ لما غزا بدرا قالت، قلت له: «يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني الشهادة»، قال: «قري في بيتك؛
стр. 632
فإن الله تعالى يرزقك الشهادة»، قال: «فكانت تسمى الشهيدة»، قال: «وكانت قرأت القرآن فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها، قال: «وكانت دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: «من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة»، ثم رواه من طريق محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة، وفيه: «وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها، قال عبد الرحمن: «فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا».
قال في التلخيص الحبير (٥٥٦): «عبد الرحمن بن خلاد فيه جهالة»، ورواه الحاكم وفيه: «وأمر أن يؤذن لها ويقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض»، والوليد بن عبد الله بن جميع، وعليه مدار الحديث هو من رجال مسلم، قال عنه في التقريب: «صدوق يهم، ورمي بالتشيع»، وقال الحاكم: «هذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثا مسندا غيرها»، وقد سكت عنه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وحسنه الألباني.
والحديث كما ترى يتعدى إمامة المرأة للنساء، لأن قوله «أهل دارها»؛ يشمل بظاهره مؤذنها وغلامها، وقد وجدت الكحلاني على هذا المعنى، وذهب إلى هذا المعنى أبو ثور والمزني والطبري، وخصه الدارقطني بنساء أهل دارها، ذكره الشوكاني في (النيل ٣/ ٢٠١)، ولم أقف عليه في سنن الدارقطني، وإذا صح الحديث، وأعمل هذا الظاهر وهو الحق؛ فينبغي أن يعلم أيضا أن من السنن الماضية عند المسلمين؛ أن النساء ليس من شأنهن إمامة للنساء معهم الرجال، فينبغي أن يقيد ذلك بعدم وجود من يقرأ، وهذا الاحتمال قوي في الحديث المذكور، وإلا فقد كانت هناك نساء كثيرات فقيهات وقارئات، ومع ذلك ما جرى تقديمهن، كما أنه لا يصح أن يتوسع في إمامة المرأة للنساء، فيقال بمشروعية صلاة النساء تؤمهن واحدة منهن على وجه المداومة والاستمرار، فإن النساء كن إما أن يصلين مع الرجال في المساجد، أو في بيوتهن، وبيوتهن خير لهن، وإنما قلت هذا؛ لأنه قد جد من المخالفات ما لم يكن في عهود الإسلام الماضية، كهذه الأحياء الجامعية
стр. 633
التي تسكنها النساء، فليس من السنة أن يتخذن مسجدا لهن لتؤمهن فيه إحداهن، فإن إقامتهن على هذا النحو فيها مخالفات جمة، وهي غير مشروعة، فكيف يبنى عليها الشرع؟، وقد اختلف أهل العلم المجوزون لشهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن فيما إذا كان اجتماعهن غير مشروع: هل تقبل شهادتهن أو لا تقبل؟، والحديث يدل على أن الأذان من وظائف الرجال ما وجدوا، لكن إن انفردت النساء هل يتوجه إليهن الطلب؟، الأصل هو ذاك، والله أعلم.
وفي النوادر (في الصلاة خلف أهل البدع) «من العتبية قال أشهب عن مالك: ولا أحب الصلاة خلف الإباضية، والواصلية، ولا السكنى معهم في بلد».
وقال عنه ابن نافع: «وإذا كان المسجد إمامه قدري؛ فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره، فإن غشيه في محله؛ فلا أحب أن يصلي خلفه».
وفي الواضحة: «ومن صلى خلف أحد من أهل الأهواء أعاد أبدا، إلا أن يكون هو الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة، أو قاضيه، أو خليفته عن الصلاة، أو صاحب شرطته، فيجوز أن يصلي خلفهم الجمعة وغيرها، ومن أعاد منهم في الوقت فحسن، ومنعُ الصلاة خلفهم داعية إلى الخروج من طاعتهم، وسبب إلى الدماء والفتنة، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج، ونجدة الحروري حين وادع ابن الزبير»، انتهى، وفي المدونة. قلت: «فإن كانوا خوارج غلبوا، أكان مالك يأمر بالصلاة خلفهم والجمعة خلفهم؟، قال كان مالك يقول: إذا علمت أن الإمام من أهل الأهواء؛ فلا تصل خلفه، ولا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء، انتهى.
وقد أورد سحنون ﵀ في نهاية الباب ما رواه بن وهب عن عبيد الله بن عبد الله بن الخيار قال: دخلت على عثمان بن عفان وهو محصور فقلت: «إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإنه يصلي لنا إمام فتنة، وإنا نتحرج من الصلاة خلفه، فقال عثمان: فلا تفعل، فإن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم».
والأصل في هذا ما جاء في قول رسول الله ﷺ : «ليصل الرجل في المسجد الذي يليه،
стр. 634
ولا يتبع المساجد»، رواه الطبراني عن ابن عمر، وحسنه في الجامع الصغير، وهو في الصحيحة (٢٢٠٠)، لكن الغماري في (المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي ح/ ٢٩٥٩) حكم عليه بقوله: «باطل موضوع، لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ »، وقد رده لأن في إسناده عبيس بن ميمون، وهو واه ضعيف، وليس هذا بمذكور فيما درسه الألباني من رجال السند.
стр. 635
• قوله:
٢ - «ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه».
المذهب أن الإمام يحمل عمن ثبتت مأموميته له ما عدا شروط الصلاة وواجباتها المتقدم ذكرها، ومن جملة ما يحمله عنه القراءة في الصلاة كلها، لا فرق بين فاتحة الكتاب وغيرها، في الصلاة السرية والجهرية على السواء، لكنه في الصلاة الجهرية يجب عليه الإنصات، وفي السرية يندب له أن يقرأ، فإن قرأ في الجهرية؛ فقد فعل مكروها، وصحت صلاته، وقال ابن العربي في (العارضة ٢/ ١٠٩): «والصحيح وجوب القراءة عند السر لقوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ولقوله للأعرابي: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، وتركه في الجهر،،،».
ودليل الإنصات في الجهرية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، رواه مسلم وأبو داود (٩٧٣) وغيرهما عن أبي موسى الأشعري، وحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، رواه ابن ماجة (٨٥٠) عن جابر، وفيه جابر الجعفي، ورواه غيره عن غيره، قال الحافظ في التلخيص: «مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، كلها معلولة»، وصححه الألباني، وهذه كما ترى عمومات قابلة للتخصيص.
واعلم أن الإنصات في غير فاتحة الكتاب متفق عليه في حال الجهر، أما فاتحة الكتاب؛ فالخلاف في قراءتها معروف بين العلماء، والأدلة المذكورة دالة على المطلوب بعمومها، فهي قابلة للتخصيص، وقد جاءت أدلة عامة في وجوب قراءة أم القرآن، بل في شرطيتها لا فرق بين إمام ومأموم، منها قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»،
следующие страницы →