← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الصف المؤخر، ثم صلى بهم الركعة الثانية، فركعوا جميعا ورفعوا من الركوع، ثم سجد الصف المقدم، وتأخر، وتقدم الصف المؤخر، فسجد، وأتم بهم الإمام الصلاة جميعا، وردت هذه الصفة في حديث أبي عياش الزرقي عند أبي داود (١٢٣٦)، وقال الراوي في آخره فصلاها في عسفان، وصلاها يوم بني سليم. وقد ترجم أبو داود ﵀ لثمانية أنواع منها، واختار الأئمة منها ما رأوه راجحا، ومنهم من سوغ مع ذلك صلاتها على أي كيفية ثبتت عن النبي ﷺ ، والذي يظهر أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه الكيفية التي سيصليها بها لأنها غير معهودة عندهم، ولذلك نص العلماء على مطلوبية تعليم الإمام الجنود كيفيتها، ومن طالع أنواعها، وقف على تنظيم بديع، وترتيب دقيق في الالتحاق بالإمام، والانصراف إلى الحراسة، مع أن المجاهد في صلاة ثم يعود إليها دون أن يكون في ذلك الشغل الكثير انقطاع لها، وفي بعضها التناوب في الاقتداء بالإمام في الركعة الواحدة كما علمت مما لا يشك معه أن هذا التنظيم مراد مقصود في حالة الحرب، حتى يكون الجنود على أتم استعداد وهم في الصلاة، فكيف بهم في غيرها؟، ولو كنت ممن يحبون التمثيل، ويرون مشروعيته؛ لتمنيت أن تمثل بعض أنواع هذه الصلاة للمسلمين. وصلاة الخوف تؤدى في المذهب على ثلاثة أنحاء، اثنان منها روايتان عن الإمام مالك، والقول الثالث لأشهب بن عبد العزيز، أما الروايتان فإحداهما فيها الكيفية التي ذكرها المصنف، وهي المشهورة، والعمدة فيها حديث يحي بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات أن سهل بن أبي حثمة حدثه فذكر الكيفية من قوله، فهو موقوف كما في الموطإ (٤٤١)، أو هو مرسل صحابي وله حكم الرفع لأن هذه الكيفية مما لا يقال بالرأي، والثانية عمدتها حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع، وهو في الموطإ (٤٤٠)، كما رواه الشيخان. وقد تردد مالك في الأخذ بأي من الحديثين، فروى عنه عبد الرحمن بن مهدي وابن وهب والقعنبي أنه قال أحب ما في ذلك إلي حديث يزيد بن رومان، وهو في سنن أبي داود، رجّحه لكونه مرفوعا، قالوا ثم رجع إلى حديث يحي بن سعيد عن القاسم بن محمد،

стр. 772

والفرق بينهما - وقد ذكره أبو داود (١٢٣٩) أن ما رجع إليه فيه تسليم الإمام قبل أن تنهي الطائفة الثانية صلاتها فلا ينتظرها، وهذا هو الأصل في الصلاة، فإن المسبوق يتم صلاته بعد سلام إمامه، وإنما يرتكب في صلاة الخوف ما تدعو إليه الحاجة، أما الحديث الأول ففيه انتظار الإمام الطائفة الثانية جالسا حتى تتم صلاتها فيسلم بها، فتكون الأولى قد أدركت التحريم، والأخيرة قد أدركت التسليم، وتسليم الإمام قبل انتهاء الطائفتين معا ثابت من حديث ابن عمر المتفق عليه، لكن صفة الصلاة في حديث ابن عمر فيها شيء من الاختلاف عن هذه، وقد رواه مالك في الموطإ (٤٤٢)، وأخذ به أشهب، ورجحه ابن عبد البر على غيره لقوة إسناده، ولأنه جاء على الأصل من تسليم الإمام قبل تسليم المأموم. أما لفظ حديث سهل بن أبي حثمة من قوله فهو: «صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة للعدو، فيركع الإمام ركعة، ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائما ثبت، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون، وينصرفون والإمام قائم فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد، ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون»، رواه أبو داود (١٢٣٩)، وهو في البخاري، دون ذكر التسليم في الموضعين. وقول المؤلف: ثم يثبت قائما، يعني لانتظار مجيء الطائفة الثانية، وقد قيل هو مخير بين القراءة والدعاء والذكر، والذي يظهر أنه لا يسكت، فإن الصلاة لا سكوت فيها إلا لمن يستمع إلى الإمام في الجهرية، فإن المصلي كما تقدم يناجي ربه، وانتظار الإمام الطائفة الثانية قائما هي إحدى روايتين عن الإمام ذكرهما القاضي عبد الوهاب في كتابه «التلقين»، والرواية الثانية يشير إليهم لإتمام ما بقي عليهم من الصلاة وينتظر الطائفة الثانية جالسا.

стр. 773

• قوله: ٢ - «هكذا يفعل الإمام في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب، فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة». المغرب لا تقصر بالإجماع، فيصلي الإمام في صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يثبت كما هو منتظرا الطائفة الثانية، وقيل يقوم، وهو الذي يظهر لأنه الأصل، وهو كما تقدم مخير، لكن قالوا إنما يخير بين الذكر والسكوت، ولا يقرأ كما لا يقرأ فيما إذا صلى الرباعية صلاة خوف في الحضر، قالوا لكي تدرك الطائفة الثانية قراءته، وليقع ركوعه عقيب قراءة، ولأنه هنا إنما يقرأ الفاتحة فحسب، بخلاف الركعة الثانية فيما تقدم ففيها الفاتحة والسورة، وقد علمت أن لا سكوت في الصلاة.

стр. 774

• قوله: ٣ - «وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين». هذه هي صلاة الخوف في الحضر، لا قصر فيها، ولعل المؤلف إنما نص على الإتمام ليرد على من قال بقصر الصلاة لأجل الخوف في الحضر، ومن أهل العلم من منع من صلاة الخوف في الحضر متمسكا بقوله تعالى: «وإذا ضربتم في الأرض»، فعلق المشروعية على السفر، ووجه ذلك أن قوله تعالى: وَإِذَا ﴿كُنْتَ فِيهِمْ﴾؛ معطوف على ما قبله، فيقيد به، وليس في هذه الصلاة ما يخالف ما تقدم إلا من حيث الإتمام، فلنكتف بهذا.

стр. 775

• قوله: ٤ - «ولكل صلاة أذان وإقامة». وهذا جار على الأصل في مطلوبية الأذان لكل صلاة مفروضة، وليس هناك مانع منه، وكونه لم يذكر في صلاة الخوف التي صلاها رسول الله ﷺ لا يدل على عدم مشروعيته، وقد ثبت الأذان في السفر للمنفرد، أما في الحضر فلا خلاف فيه، لكن هذا ما لم يجمعوا بين الصلاتين فإن الأذان واحد والإقامة تتعدد، والمذهب تعدد الأذان أيضا.

стр. 776

• قوله: ٥ - «وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم، مشاة، وركبانا، ماشين، أو ساعين، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها». وهذا هو النوع الثالث من الصلاة في حال الخوف، وهو ما إذا لم يتمكنوا من الانقسام إلى طائفتين لاشتداد القتال وخافوا خروج الوقت؛ فإنهم يصلون بحسب الإمكان، راكبين وماشين، مستقبلي القبلة، ومستدبريها، مع ما يلزم في القتال مما لا بد منه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وفي المسألة حديث ابن عمر في الموطإ وغيره.

стр. 777

١٧ - باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى عيدا الفطر والأضحى هما عيدا المسلمين، كما أن يوم الجمعة سمي عيدا، ليس للمسلمين غير هذا، والعيدان يأتيان بعد عبادتي الصيام والحج، وفي ذلك إشارة إلى أن الفرح الحق إنما يكون بطاعة الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. والأعياد مما تتميز به شخصية الأمم، ولذلك بت النبي ﷺ في أوائل العهد المدني في هذا الأمر، فقد روى النسائي أول كتاب صلاة العيدين بإسناد صحيح عن أنس قال: «كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة؛ قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما يوم الفطر، ويوم الأضحى»، وهو في سنن أبي داود (١١٣٤)، فلا يجوز أن يطلق اسم العيد على غير ما هو في الشرع كذلك، لما فيه من لبس الحق بالباطل، وقلب الحقائق، وليس هناك مناسبة عامة يشترك المسلمون فيها بإظهار الفرح والسرور غيرهما، أما أعياد غير المسلمين فالمطلوب هو مخالفة أصحابها فيها، لا متابعتهم عليها كما هو واقع بعض المسلمين، وقد كان النبي ﷺ يصوم السبت والأحد، ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين وإني أحب أن أخالفهم»، رواه النسائي والبيهقي والحاكم وصححه عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٩٣٨). وقد عمّ في هذا العصر إطلاق اسم العيد على كثير من المناسبات الخاصة بالأفراد، كالمواليد والوفيات ونحوها، والتي تخص بلد ما، أو تعم البلدان، ودفع الناس إلى هذه التسميات التشبه بالكفار، وإرضاء فئات معينة من الناس، ودعوى الاهتمام بشيء ما، وأنت تعلم أن الاهتمام بما يتعين الاهتمام به لا يتوقف على إحداث مناسبة سنوية له، وقد سئل عبد الله بن عمر عن أول من سمى العشاء العتمة؛ فقال الشيطان، فليكن المسلم من هذا على حذر.

стр. 778

• قوله: ١ - «وصلاة العيدين سنة واجبة». يقصد بالسنة الواجبة السنة المؤكدة، لأن النبي ﷺ قد واظب على فعلها وأظهرها، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور، ومن ذهب إلى وجوبها فمعه من الحجج ما تطمئن إليه النفس، فقد أمر بها النبي ﷺ في غير حديث. من ذلك ما رواه أحمد وأبو داود (١١٥٧) عن أبي عمير بن أنس بن مالك ﵄ عن عمومة له من الصحابة أن ركبا جاءوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا، وأن يغدوا إلى مصلاهم»، قال الحافظ في بلوغ المرام إسناده صحيح. وعن أم عطية قالت: «أمرنا أن نخرج العواتق والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى، رواه الشيخان، وله حكم المرفوع، وفيه الأمر بإخراج من لم يطالب بصلاة الجماعة، ولا صلاة الجمعة، بل من هو غير مطالب بالصلاة لا أداء ولا قضاء، وهن الحيض، وروى أحمد والبيهقي في السنن الكبرى عن أخت عبد الله ابن رواحة مرفوعا «وجب الخروج على كل ذات نطاق»، ومن تراجم عبد الرزاق في المصنف: «باب وجوب صلاة الفطر والأضحى».

стр. 779

• قوله: ٢ - «يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة» وهذا لأن الإمام إذا دخل شرع في الصلاة كما هو الشأن في الجمعة إذا دخل رقي المنبر، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد قال: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس على صفوفهم - فيعظهم ويأمرهم»، ولأن النبي ﷺ كان يصلي بالناس صلاة عيد الفطر، والشمس على قدر رمحين، والضحى على قدر رمح. قال الشوكاني في الدراري: أخرجه أحمد بن حسن البنا في كتاب الأضاحي من حديث جندب، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٦٨٤) وقد روى أبو داود (١١٣٥) وعلقه البخاري جزما عن يزيد بن حمير الرحبي قال: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح»، والمراد بالتسبيح وقت حل النافلة، وقال مالك في الموطإ (٤٣٩): «مضت السنة التي لا اختلاف فيها عندنا في وقت الفطر والأضحى أن الإمام يخرج من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة».

стр. 780

• قوله: ٣ - «وليس فيها أذان ولا إقامة». ودليله ما رواه البخاري وأبو داود (١١٤٦) عن ابن عباس وقد سئل أشهدت العيد مع رسول الله ﷺ ؟، قال نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى رسول الله ﷺ العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، ثم خطب، ولم يذكر أذانا ولا إقامة،،، «الحديث، وروى أبو داود (١١٤٧) عن جابر بن سمرة قال: «صليت مع النبي ﷺ العيد غير مرة، ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة». وقد كثر التنبيه من الصحابة وغيرهم من السلف على عدم مشروعية الأذان والإقامة في العيدين، ووصفه بعضهم بأنه بدعة، وذلك بعد أن أحدثتا في عهد بني أمية، كما قدمت الخطبة على الصلاة، وقد روى مسلم عن عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أولَ ما بويع له: «أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها»، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه، وأرسل إليه مع ذلك: «إنما الخطبة بعد الصلاة وإن ذلك كان يفعل»، قال: فصلى ابن الزبير قبل الخطبة». وتقديم الخطبة على الصلاة كان قد حصل من عثمان بن عفان ﵁ أحيانا بعد سنوات من خلافته، قصد بذلك إدراك الناس الصلاة، فقدم الخطبة لما للناس من مصلحة في إدراكها، لا لما قدمها لأجله مروان بن الحكم، وهو استماعهم لخطبته، أو لأنهم كانوا ينصرفون بعد الصلاة لما في الخطب مما لا يرتضى، انظر الفتح (٢/ ٥٨٢)، فهذا اجتهاد من عثمان بعد كثرة الناس، نظير ما رآه من زيادة الأذان الأول يوم الجمعة، ومن ذلك إتمامه الصلاة بمنى على أحد الأقوال في تعليل ذلك، وهو على كل حال خليفة راشد بنص حديث النبي ﷺ ، فضلا عن كونه عالما مجتهدا فيؤجر على اجتهاده، ولو لم يصب فيه. وقد مشى الناس على الأذان والإقامة في العيد مدة من الزمان، ولعل مالكا قد أشار إلى ذلك بقوله الذي في الموطإ (٤٢٦): «إنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر، ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله ﷺ إلى اليوم، وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا»، فلعل المدينة نجت مما حصل في غيرها من العراق والشام، وحري بها أن تنجو.

стр. 781

• قوله: ٤ - «فيصلي بهم ركعتين يقرأ فيهما جهرا بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهما». هذا متفق عليه بين أهل العلم، وهو أن صلاة العيد ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة، وقد روى صاحبا الصحيح وأصحاب السنن عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما»، وفي الموطإ (٤٣٣) وصحيح مسلم وأبي داود (١١٥٤) أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما ذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟، قال: «كان يقرأ فيهما (ق، والقرآن المجيد)، و (اقتربت الساعة وانشق القمر)»، وقد تقدم في صلاة الجمعة أنه كان يقرأ فيها وفي العيد بسورتي الأعلى والغاشية، وهو في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير، وهذا هو الأفضل، والقراءة بغير ذلك مجزئة.

стр. 782

• قوله: ٥ - «ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام». اعلم أن الله تعالى قد شرع تكبيره في العيدين، وفي مواضع أخرى ليستشعر المؤمن عظمة الله تعالى في هذه المواطن، وليطامن من نفسه في مواضع الفرح، فيتواضع لله ويتمسكن له وهو في هذه الحال، حال الفرح، أو الحال العظيمة القدر كالصلاة التي هي مناجاة له، قال ابن تيمية ﵀: «إن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو لعظمة الفعل، أو لقوة الحال، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة ليبين أن الله أكبر، وتستولي كبرياؤه في القلوب على كبرياء تلك الأمور الكبار، فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرون، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه،،،» (مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٢٨). اختصت صلاة العيد من دون غيرها بالتكبير فيها عند الجمهور، وقد قال بالتكبير في صلاة الاستسقاء بعض أهل العلم، لكن اختلف في عدد التكبيرات في ركعتي العيد، والمذهب أن يكبر في الأولى سبعا بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية ستا بتكبيرة القيام، ويوالي بين التكبير إلا بمقدار ما يكبر المأموم، ودليل ذلك حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا»، رواه أبو داود (١١٤٩)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله ﷺ : «التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما»، رواه أبو داود (١١٥١) ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه كما في بلوغ المرام، وروى مالك عن نافع قال: «شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الأخيرة خمس تكبيرات قبل القراءة»، وهو موقوف، وجاء مرفوعا.

стр. 783

لكن قوله «سبع تكبيرات»؛ محتمل لأن تكون تكبيرة الإحرام قد احتسبت فيها، وهذا هو الظاهر لتوالي التكبير، ومحتمل أن لا تكون قد حسبت، فمن ذهب إلى أنها حسبت قال المجموع سبع، وهذا ما عليه المذهب، وهو قول أحمد بن حنبل، ومن ذهب إلى أنها لم تحسب قال المجموع ثمان، وهذا قول الشافعي، والمعنى عنده أن المراد ذكر ما يختص بالعيد، والظاهر أنه يكبر في الأولى سبعا بتكبيرة الاستفتاح لأنها متصلة، وأما الثانية فخمس بغير تكبيرة القيام، لأن القائم يكبر حين شروعه، والظاهر أن الراوي إنما حسب التكبير الذي يواليه المصلي، لكن في رواية الدارقطني أن التكبير في الأولى سبع دون تكبيرة الافتتاح، وفي سند الحديث ابن لهيعة وقد ضعف، والله أعلم.

стр. 784

• قوله: ٦ - «وفي كل ركعة سجدتان، ثم يتشهد ويسلم». وهذا لا حاجة إليه فإنه مما لا خلاف في كون صلاة العيدين كسائر الصلوات من حيث الركوع والسجود، وإنما اختلف في الذي تفوته فيصليها، والمذهب أنه يفعل ذلك مع التكبير المتقدم، نصّ على ذلك مالك في الموطإ.

стр. 785

• قوله: ٧ - «ثم يرقى المنبر فيخطب، ويجلس في أول خطبته ووسطها، ثم ينصرف». السنة في صلاة العيد أن تقام في المصلى، ولا تصلى في المساجد لفعل النبي ﷺ ذلك، مع أن الصلاة في مسجده بألف صلاة مما سواه، إلا المسجد الحرام، كما صح بذلك الحديث، أما المسجد الحرام فقد استمر العمل عند المسلمين على الصلاة فيه، ذكره النووي في المجموع فلينظر، وقد روى أبو داود (١١٦٠) عن أبي هريرة ﵁ أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد، لكن في الحديث راويا لم يسم، ولو صح؛ فإن العذر المذكور يجوز معه ذلك، والمقصود اجتماع المسلمين في صعيد واحد فلا ينبغي أن تعدد المصليات إلا للحاجة كالبُعد. أما المنبر، فقد ترجم البخاري: «باب الخروج إلى المصلى بغير منبر»، وأول من أخرج المنبر إلى المصلى مروان أمير المدينة، فقد روى الشيخان: (خ/ ٩٥٦) عن أبي سعيد قال: كان رسول ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة»، وصح أنه ﷺ قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على الطاعة، ووعظ الناس وذكرهم، وفي الصحيح (خ/ ٩٧٨) عن جابر

стр. 786

بن عبد الله «أنه ﷺ لما فرغ نزل وأتى النساء فذكرهن»، فهذا قد يؤخذ منه أنه خطب على شيء عال، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم. أما الجلوس قبل الخطبتين، ففي المدونة: «الخطب كلها خطبة الإمام في الاستسقاء، والعيدين، ويوم عرفة، والجمعة، يجلس فيما بينها، يفصل فيما بين الخطبتين بالجلوس، وقبل أن يبتدئ الخطبة الأولى يجلس، ثم يقوم يخطب ثم يجلس أيضا، هكذا قال لي مالك»، وهذا يدل على قياس غير الجمعة عليها، وأن الصلوات ذوات الخطب كلها سواء، وهذا فيه شيء، فإن الخطيب في الجمعة يجلس لينتهي المؤذن من الأذان، فكان جلوسه لهذا المعنى، أما في الصلوات التي تصحبها خطب، ولا أذان فيها، فالجلوس متوقف على الدليل، ولا يصح القياس للفارق بين الجمعة وغيرها إذا سلم القياس في العبادات، وجلوسه ﷺ قبل خطبتي الجمعة معلل بما علمت من انتظار انتهاء الأذان. واعلم أنه إنما اعتمد في إثبات خطبتين للعيد إما بالقياس على الجمعة، وإلا فإن الوارد فيه عن النبي ﷺ إنما هو نحو ما تقدم من التذكير والوعظ، لكن جاء في ذلك ما رواه الشافعي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس». وقوله «من السنة»؛ ليس من المرفوع، بل هو موقوف، لأنه يعطى حكم الرفع لو كان القائل صحابيا، لكنه يدل على فشو هذا الأمر في ذلك العهد، وإذا لم يعلم من قال به من السلف كان الخير في اتباعهم في فهمهم، فإنه أسلم وأحكم، والله أعلم. وقد جاء ما فيه حجّة على التخيير في حضور خطبة العيد، وهو ما رواه أبو داود عن عبد الله بن السائب، قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة، قال: إنا نخطب، فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب» قال أبو داود: «هذا مرسل»، وصححه الألباني.

стр. 787

• قوله: ٨ - «ويستحب أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك». وقد أخذ الاستحباب من حديث جابر قال كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق»، رواه البخاري، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أخذ يوم العيد في طريق، ثم رجع في طريق آخر»، رواه أبو داود (١١٥٧)، ورواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال حسن غريب. وقوله: «والناس مثله»؛ اختيار لأحد القولين في مخالفة الطريق هل يختص بالإمام أو يعم المأموم، والأصل الاقتداء بالنبي ﷺ في غير ما هو جبلي، ولأن ما ذكره العلماء في تعليل هذا الفعل أغلبه متعد، ومنهم من خصه بالإمام. ومما يذكر هنا: أن مالكا سئل عن قول الرجل لأخيه «تقبل الله منا ومنك، وغفر لنا ولك، فقال: ما أعرفه، ولا أنكره»، قال ابن حبيب: «لم يعرفه سنة، ولم ينكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدأون به، ولا ينكرونه على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، ولا بأس عندي أن يبتدئ به»، انتهى. قلت: هذا من شدة تحري الإمام أن يقع في مخالفة السنة، أو يحدث ما ليس منها، قال الحافظ العسقلاني في الفتح عند شرحه الحديث (٩٥٢): «وروينا في المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنك»، فينبغي للناس أن يلتزموا هذا الدعاء الوارد عن خير القرون، وأن لا يستبدلوا به ما يكثرون من قوله من مثل عيدكم مبروك، وكل عام وأنتم بخير. وقد قلت ذلك الدعاء لبعض الناس يوم عيد فقال لي: «لو قلتَ تقبل الله من الجميع؛

стр. 788

لكان خيرا من هذا، لأنه يشمل المسلمين قاطبة، فقلت له علمت أن هذا الدعاء قاله من هو خير مني، فأنا ألتزمه، وأن تقديم النفس في الدعاء معلوم مما حكى الله في كتابه عن أنبيائه ورسله، فاقتنع جزاه الله خيرا، وكانت هذه الكلمة سببا في صلاح الصلة بيني وبينه. وذكر لي بعض الفضلاء أن الشيخ بن ناصر السِّعدي ﵀ يرى أن ألفاظ التهاني من العادات الواسعة، لا من العبادات المقيدة، فلا يحسن أن يضيق فيها على الناس، والذي يظهر أنه ينبغي استعمال الألفاظ الواردة، فإن زاد المرء بعدها غيرها مع من لم يعتدها، من باب التدرج، مما لا تشبه فيه بغير المسلمين، ولا مخالفة شرعية فيه لمعناه فلا بأس إن شاء الله.

стр. 789

• قوله: ٩ - «وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى المصلى فذبحها أو نحرها ليعلم الناس ذلك فيذبحون بعده». يفعل الإمام هذا للاقتداء، فإن الأضحية من الشعائر التي تختص بهذا اليوم، ولأنه بذبحه لا يبقى نزاع في إجزاء الذبح من فاعله، وقد روى البخاري وأبو داود (٢٢٨١)، والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يذبح بالمصلى.

стр. 790

• قوله: ١٠ - «وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى الإمام والناس كذلك، فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك». دليل التكبير في عيد الفطر قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا ينتهي بانتهاء الصلاة، وجاء أمر الله تعالى للحجاج بذكره في يوم العيد وأيام منى، وغيرهم تبع لهم عند جمهور العلماء، وفي الصحيحين وأبي داود (١١٣٦)، واللفظ لمسلم عن أم عطية قالت: «كنا نؤمر بالخروج في العيدين والمخبأة والبكر، قالت: الحيض يخرجن، فيكن خلف الناس يكبرن مع الناس»، ولهذا اتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد على بقية الصلوات. أما التكبير من وقت الخروج من المنزل إلى أن يدخل الإمام؛ فهو داخل من حيث المشروعية فيما تقدم، ولعموم قول النبي ﷺ «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله»، وهو في صحيح مسلم (١١٤١) عن نبيشة الهذلي، فدلّ الحديث على أن هناك ذِكْرًا زائدًا فيها على بقية الأيام فصحّ إلحاق غير الحجاج بهم. وقد روى الدارقطني (كتاب العيدين/ ٦) والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر بسند ضعيف قال: «كان رسول الله ﷺ يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى»، وروى الدارقطني ذلك موقوفا على ابن عمر، وقد صححه الألباني في الإرواء (ح/ ٦٥٠) مرفوعا وموقوفا للشواهد.

стр. 791

• قوله: ١١ - «ويكبرون بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون له فيما سوى ذلك». تكبير الإمام في تضاعيف الخطبة استدل له بحديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن، حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: «كان النبي ﷺ يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين»، رواه ابن ماجة (١٢٨٧)، وفيه عبد الرحمن بن سعد وهو ضعيف، وأبوه مجهول الحال، وقد يسوغ الاستدلال له بالعمومات الواردة في ذلك، وهو ذكر لله تعالى غير مناف للخطبة، والله أعلم. وثمة تكبير آخر قالوا به، وهو الذي تفتتح به الخطبتان، وقد جاء فيه ما رواه البيهقي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى»، ويقال في هذا لو ثبت أنه مخصص لما عرف عن النبي ﷺ من أنه كان يفتتح خطبه بحمد الله تعالى؛ لكنه ضعيف فلا عبرة به.

стр. 792

• قوله: ١٢ - «فإن كانت أيام النحر؛ فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه، وهو آخر أيام منى، يكبر إذا صلى الصبح ثم يقطع». التكبير مشروع في الأيام العشرة من ذي الحجة، وهي الأيام التي قال فيها النبي ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بماله وولده ثم لم يعد من ذلك بشيء»، وهو في الصحيح من حديث ابن عباس، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]، لكن هذا نص في الحاج، فيقال: تشبه غير الحاج به وارد في أمور منها النحر، والإمساك عن الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي، والتكبير أدبار الصلوات من هذا القبيل. قال القرطبي في تفسير الآية المتقدمة: «لا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات، وعند أدبار الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟، فالذي عليه فقهاء الأمصار، والمشاهير من الصحابة والتابعين، على أن المراد بالتكبير كل أحد، وخصوصا في أوقات الصلوات،،،»، وقد علمت ما في حديث نبيشة من الدلالة. وقال في المدونة: «وإنما يأتم الناس في ذلك بإمام الحج وبالناس بمنى، قال وذلك على كل من صلى في جماعة أو وحده من الأحرار والعبيد والنساء يكبرون في دبر كل صلاة مكتوبة مثل ما كبر الإمام». ولا يصح أن يحمل المسلم المتسنن الخوف من الدخول في التكبير الجماعي على

стр. 793

ترك التكبير جهرا رأسا كما عليه بعض إخواننا، فإن السنة بين الغالي والجافي، والتكبير الجماعي الذي يحصل عرضا أو متابعة للإمام لا حرج فيه إن شاء الله، بل ظاهر بعض الآثار حصول ذلك قصدا، وكون الشيء غير مشروع في وقت لا يعني أنه لا يشرع في غيره، وإلا فإن التلاقي في الصوت الواحد إذا جهر بالتكبير قد لا يمكن تلافيه، وقد علق البخاري في صحيحه بصيغة الجزم قائلا: «وكان عمر ﵁ كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه، ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد»، انتهى. والخلاف واسع فيمن يشرع له هذا التكبير جهرا، هل يشمل الرجال والنساء، أو يختص بالرجال؟، وهل يختص بأدبار الصلوات أو يعم؟، ومما جرى فيه الخلاف بداية هذا التكبير ونهايته، وظاهر تصرف البخاري عمومه. ومشهور المذهب في وقت التكبير أدبار الصلوات ما ذكره المؤلف، ووجه ذلك أن الذكر المأمور به في القرآن مشروط بقضاء المناسك، وآخر المناسك طواف الإفاضة، وأول صلاة بعد هذا الطواف هي الظهر، فهذا دليل البداية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. أما أن نهاية التكبير ظهر اليوم الرابع؛ فلأن آخر صلاة للناس بمنى صلاة الصبح من ذلك اليوم، فإذا زالت الشمس رموا ونفروا، ولأنه عمل أهل المدينة»، ذكره في النوادر عن محمد بن سحنون، وهو تعليل وجيه، وفي المسألة أقوال.

стр. 794

• قوله: ١٣ - «والتكبير دبر الصلوات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن، يقول إن شاء ذلك: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وقد روي عن مالك هذا والأول، والكل واسع». قال ابن القاسم كما في المدونة عن التكبير أيام التشريق في قول مالك: «سألناه عنه فلم يحد لنا فيه حدا»، وهذا جار على قاعدته فيما أطلق، فإن الظاهر أنه لم يصح فيه شيء مرفوع. وقال عن اللفظ الأول الذي ذكره المصنف بلغني عنه أنه كان يقول فذكره. وهو أيضا رواية علي بن زياد عن مالك، وقال: ونحن نستحسن ثلاثا، ومن زاد أو نقص فلا حرج». واللفظ الثاني في مختصر ابن عبد الحكم عن مالك أيضا، وقد صح موقوفا على ابن مسعود رواه عنه ابن أبي شيبة كما في إرواء الغليل للألباني.

стр. 795

• قوله: ١٤ - «والأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة، والأيام المعدودات أيام منى، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر». المقصود بأيام النحر؛ الأيام الثلاثة: العيد وتالياه. فالنحر لا يكون إلا فيها في المذهب، وهي الأيام المعلومات المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧]. أما الأيام المعدودات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، فهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم العيد، فيكون يوم العيد معلوما غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، والذي يليهما معدود غير معلوم. وقد أخرج علماء المذهب يوم العيد من الأيام المعدودات، لأنه يوم إفاضة من عرفات والمشعر الحرام في قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. ثم ذَكَرَ بعد ذلك الأيام المعدودات، فلم يدخل فيها يوم الإفاضة من المشعر الحرام، وتأيد ذلك بالسنّة فيما أخرجه الترمذي (٢٩٧٥) وقال حسن صحيح عن عبد الله بن يعمر قال، قال رسول الله ﷺ : «الحج عرفات، الحج عرفات، الحج عرفات، أيام منى ثلاث، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه»، ولو دخل يوم النحر فيها لكانت أربعة، ولكان للمتعجل أن ينصرف ثاني العيد وذلك مخالف للإجماع.

стр. 796

قلت: كون النحر لا يكون إلا في يوم العيد وتالييه؛ يرده ما رواه أحمد وابن حبان والبيهقي عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح». قال الشوكاني في الدراري المضية: «له طرق يقوي بعضها بعضا»، وسيأتي الكلام على هذا في موضعه، والله أعلم.

стр. 797

• قوله: ١٥ - «والغسل للعيدين حسن، وليس بلازم، ويستحب فيهما الطيب والحسن من الثياب». قال العلماء: لم يثبت في غسل العيد حديث صحيح، لكن روى مالك في الموطإ (٤٢٧) عن ابن عمر أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى»، ومعروف عنه شدة تمسكه بالسنة، وجاء عن ابن عمر أنه لم يكن يغتسل وهو محمول على مبيته في المسجد ليلة العيد، والاغتسال مروي أيضا عن علي، وابن عباس، وعن علقمة، وقتادة، وابن جريج، وابن المسيب، وكلها في المصنف لعبد الرزاق، وقياس العيد على الجمعة ليس بالبعيد، لا سيما عند من لم يعتبر الغسل تعبديا، والله أعلم. أما لبس الحسن من الثياب فإنه يدخل في التزين والتطيب لمجامع المسلمين كما في الجمعة، وفي صحيح البخاري/ (٩٤٨) عن عبد الله بن عمر قال: أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق فأخذها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه، تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : «إنما هذه لباس من لا خلاق له»، وهذا إقرار منه للتجمل للعيد، وإنما منع من لبسها لكونها من حرير، وهو لا يلبسه الرجال، والعيد كما تقدم من مجامع المسلمين، نظير الجمعة.

стр. 798

١٨ [¬*]- باب في صلاة الخسوف الخسوف والكسوف: هو أن يُحجب ضوءُ الشمس بالقمر؛ يتوسط بينها وبين الأرض، أو يُحجب ضوء القمر بالأرض؛ تتوسط بينه وبين الشمس، وهذا بناء على أن اللفظين مترادفان، وهو الظاهر كما جاء في الأحاديث، إذ استعمل فيها الكسوف والخسوف للشمس وللقمر معا، وغالب اصطلاح الفقهاء على القول بكسوف الشمس، وخسوف القمر، ويقال فيهما كَسف وخَسف من باب ضرب للمعلوم، وقد يستعملان مبنيين للمجهول، ومعلوم أن كسوف الشمس لا يقع إلا في النهار فإن الشمس آيته، وخسوف القمر لا يقع إلا في الليل، فإن القمر آيته، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٧ - ٨]، لكن خسوف القمر هنا ليس المراد منه انطماس نوره انطماسا مؤقتا، بل انطماسا مستمرا ناتجا عن انخرام نظام الكون، وعوده مظلما كما كان، وذلك عند قيام الساعة، كما يدل عليه السياق. وقد شرع الله تعالى الصلاة عند ذهاب ضوء الشمس أو القمر كلا أو بعضا بحيث يرى ذلك، لا ما إذا كان بحيث لا يدركه إلا الحذاق، أو علماء الفلك، لأنه كالعدم، وقد دل الدليل على مشروعية صلاة الكسوف، ولو لم يكن الكسوف بحيث يتفطن له كل الناس، يدل عليه حديث أسماء في الموطإ (٤٤٧) والصحيحين قالت: «أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟، فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله،،،»، وسميت هذه الصلاة باسم سببها، لأنها تفعل وقت الحدوث، لا قبله ولا بعده، وقد رأيت من صلى صلاة الكسوف قبل وقتها بساعة ونصف منذ عامين، أعني سنة (١٤٢٦) اعتمادا على أن علماء الفلك أخبروا بوقوع الكسوف، وهذا لا يصح، لأن النبي ﷺ علق مشروعية الصلاة برؤيتنا ذلك كما يأتي.

стр. 799

أما وقتها: فمشهور المذهب هو رواية ابن القاسم عن مالك قال: «لا أرى أن تصلى الكسوف بعد الزوال، وإنما سنتها أن تصلى ضحى إلى الزوال»، فسلك بها مسلك صلاة الضحى والعيدين. قال خليل: «ووقتها كالعيد»، وروى ابن وهب عن مالك قال: «لا تصلى الكسوف إلا في حين تجوز فيه الصلاة النافلة، فإذا كسفت في غير حين صلاة لم يصلوا، فإذا جاز وقت الصلاة، ولم تنجل صلوا، فإن تجلت قبل ذلك لم يصلوا»، وهذه رواية مطرف وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، كما في النوادر (باب ما جاء في صلاة الكسوف) وفي الاستذكار (باب العمل في صلاة الكسوف)، وفي هذه الرواية سلك بها مسلك النوافل، وهي أقرب إن شاء الله إلى الصواب. وفي (المختصر): ولا يصلى في غير حين صلاة، فإذا خسفت حينئذ فإنما فيه الدعاء»، النوادر (ما جاء في صلاة الكسوف)، ولهذه الرواية متعلق في الأحاديث التي فيها الأمر بالدعاء والتكبير والصدقة فحسب، لكن يقال إن كلام النبي ﷺ جاء في الخطبة بعد أن صلى، فالظاهر من الأحاديث أنها صلاة معلقة على سبب، فمتى حصل السبب كانت مشروعة، وهذا هو الذي يجري على رواية ثالثة عن الإمام أنها تصلى في كل وقت، رواها الشيخ أبو القاسم بن الجلاب، كما ذكره الباجي في (المنتقى ١/ ٣٢٩)، وذكره أيضا القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة. فإن قلت: هل يمكن الاعتماد على هذه الرواية ليخرج عليها ذوات الأسباب من النوافل كتحية المسجد، فيقال بمشروعيتها في كل وقت؟، فالجواب: الظاهر عدم التخريج، لأن صلاة الكسوف لا خيار للمكلف في وقتها فإن سببها كوني، بخلاف غيرها فإن سببها اختياري، والله أعلم.

стр. 800

• قوله: ١ - «وصلاة الخسوف سنة واجبة، إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، فافتتح الصلاة بالناس، بغير أذان ولا إقامة». قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، وذهاب ضوء الشمس والقمر من الآيات العظيمة التي يخوف الله بها عباده، فيتذكرون بذلك ساعة انخرام نظام هذا الكون، وانتثار عقده، فلذلك شرع لهم إذا رأوا كسوفهما هذه الصلاة الخاصة له سبحانه، وهي ثابتة من فعل النبي ﷺ ، وقد أمر بها أيضا، وأصل الأمر ما تعلم من الدلالة على الوجوب في غيبة القرينة الصارفة. ومما يؤسف له ويدل على قلة الفقه في الدين، أن بعض المسلمين يقولون هذا أمر طبيعي، وقد أمر الأئمة أن ينهوا الناس عن الخوف من ذلك، والواجب اعتقاده أن ذلك آية من آيات الله تعالى، وأن الكسوف والخسوف وغيرهما من الأحداث الكونية كالزلازل والبراكين والأعاصير مما علمه الله وكتبه وأراده وخلقه يخوف به عباده، وليس المقصود بالتخويف ما يخلفه من آثار الهلع والجزع والاضطراب في ضعاف النفوس، فهذا ليس هو المراد. وحكم صلاة كسوف الشمس في المذهب؛ أنها سنة مؤكدة، يصليها أهل القرى والحضر والمسافرون إلا أن يجد بهم السير، كما يصليها المسافر وحده، والمرأة في بيتها، وتخرج المتجالة، الكبيرة التي لا أَرَب للرجال فيها. قال في المدونة: «وأرى أن تصلي المرأة صلاة الخسوف في بيتها، ولا أرى بأسا أن تخرج المتجالات من النساء في صلاة خسوف الشمس»، وقد ثبتت صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، وترجم بذلك البخاري، أما صلاة خسوف القمر، فقد اختلف في

стр. 801

حكمها، والراجح في المذهب أنها مندوبة، والفرق بينهما أن الأولى فعلها النبي ﷺ في جماعة، وإذا لم يصلها أكثر من مرة على أحد القولين؛ فلأن موجبها لم يتكرر، أما الثانية فلم يصلها في جماعة، وسيأتي ما فيه. أما أنها تصلى في المسجد؛ فقد علل بعضهم ذلك بخشية فوات وقتها المقدر بوقت غياب ضوء الشمس كلا أو بعضا، وهذا فيه نظر، فإن النبي ﷺ لم يصلها قط خارج المسجد، كما ذكره ابن عبد البر ﵀، وهو يرد على من زعم أن تكرير الركوع ليس مشروعا، وإنما كان النبي ﷺ يراقب الشمس، فظن الراوي أنه يركع. وقد أثبت العلم في هذا العصر ما يلحق بصر الناظر إلى الشمس إذا حدق ببصره نحوها، وذلك لأنه لا يتيسر له النظر إليها إلا حال الكسوف لقلة ضوئها، فلعل اشتراع أدائها في المسجد بدل الصحراء كما هو الشأن في صلاة الاستسقاء والعيدين إنما كان لهذا المعنى، ويكفي المسلمين أن نبيهم ﷺ أمرهم إذا رأوا ذلك أن يفزعوا إلى المساجد، فإذا جاء من العلم الحديث ما يدل على ما ذكر؛ فلا جديد عندنا نحن المسلمين، فإننا جازمون أن لا بد من حكمة فيما شرع الله ورسوله، علمنا ذلك أو جهلناه، وربنا حين وعد - ووعده الحق - بأن يري خلقه آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق؛ أخبر مع ذلك بما يكتفي به عباده المؤمنون به دون حاجتهم إلى سواه، وهو كونه سبحانه عالما بكل شيء، شهيد على كل شيء وليست المخلوقات عند الله كما هو الأمر عندنا قسمان غائب وحاضر، بل الجميع في علمه سواء، قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فُصِّلَت: ٥٣]. ولذلك أيضا طولت الصلاة على خلاف المعتاد، حتى تستغرق وقت الكسوف الذي ربما تجاوز الساعة، فكان في كل ركعة ركوعان، وورد أكثر من ذلك، ولعل الحكمة من كون هذه الصلاة فيها قيامان وركوعان أو أكثر من ذلك على ما في بعض الروايات، أن يتاح للمصلي تغيير وضعه، حتى لا يثقل عليه البقاء على هيئة واحدة، فيكون في تغييرها راحة له. وقد اختلف فيما لو انجلت الشمس بعد شطر الصلاة الأول، فقيل يتمها على

стр. 802

الأصل، وقيل يأتي بركعة من غير تكرير الركوع والقيام، واستصحاب الأصل يقضي بأن الأول هو الراجح، ولا مانع من قصر الكيفية بتخفيفه، والله أعلم. ولا يشرع الأذان ولا الإقامة في هذه الصلاة كما هو الأمر في العيد والاستسقاء، فإن الأذان والإقامة من خصائص الفرائض، نعم يشرع الإعلام بهذه الصلاة خاصة، بخلاف العيد والاستسقاء، ووجه الفرق أنها مما يطرأ سببه دون علم سابق، يدل عليه قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «خسفت الشمس على عهد رسول ﷺ فبعث مناديا: الصلاة جامعة، فقام فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات»، رواه الشيخان وأبو داود (١١٨٠).

стр. 803

• قوله: ٢ - «ثم قرأ قراءة طويلة سرا، بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ دون قراءته الأولى، ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع كما ذكرنا، ثم يقرأ دون قراءته هذه، ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع رأسه كما ذكرنا، ثم يسجد كما ذكرنا، ثم يتشهد ويسلم». جاء في الأحاديث كيفيات عدة لصلاة الكسوف، وذلك يدل على أنها تكررت في حياة رسول الله ﷺ ، وفيه خلاف، وبعض الأحاديث فيه بيان أنه صلاها يوم موت ابنه إبراهيم ﵇، حيث كسفت الشمس فقيل كسفت لموته، فصلى بهم، ثم خطب فقال: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم فصلوا، وادعوا»، وفيما قال ﷺ إبطال لما ظن بعضهم من أن للكواكب تأثيرا في الأرض وما عليها، بل جميع ما يقع من فعل الله تعالى وخلقه، لكن ما زال هذا الاعتقاد الباطل يروج على كثير من الناس، ويصنفهم أهل الدجل في أبراج، ويتكهنون لهم، ويذكرون لهم بخوتهم وحظوظهم، وموت إبراهيم ﵇ كانت قبل وفاة النبي ﷺ بأربعة أشهر، وقد ذكر بعض أهل الفلك أن الشمس قد كسفت بالمدينة يوم الإثنين (٢٩) شوال سنة عشر من الهجرة، الموافق للسابع والعشرين من شهر جانفي (٦٣٢) في الساعة الثامنة وثلاثين دقيقة. وقد سلك العلماء إزاء تعدد كيفيات هذه الصلاة مسالك، فمنهم من رجح بعض الكيفيات على بعض، ومنهم من خير فيما ثبت منها، ورد بعض الكيفيات إلى وهم الرواة، والكيفية المذكورة هي أرجح الكيفيات الواردة في الأحاديث من حيث الثبوت، وهي في

стр. 804

الموطإ (٤٤٤ و ٤٤٥) والصحيحين (خ/ ١٠٥٢) وغيرهما من حديث عائشة، وابن عباس، وهذا حديثه قال: «خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه من الركوع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فاذكروا الله»،،، الحديث. والمذهب أن كلا من القيام الثاني والركوع الثاني؛ إنما يقاس طوله إلى ما قبله في الركعة نفسها، وهو صريح قول مالك في المدونة، فنظروا إلى القيامين كأنهما ركعتان، والسنة الغالبة تقصير الثانية عن الأولى. ولذلك قال خليل: «وركع كالقراءة، وسجد كالركوع»، يعني في الطول، أما الرفع من السجود فلا طول فيه على المشهور، لكن ورد ما يدل على تطويله وهو حديث عبد الله بن عمرو رواه النسائي وابن خزيمة، وقد صحح الحافظ إسناده في (الفتح ٢/ ٦٩٦) فثبت أن تطويل جميع الأركان مطلوب، وهذا هو القياس. ويقرأ في كل قيام بفاتحة الكتاب، وهو قول مالك، ويقول في الرفع من الركوع الأول والثاني سمع الله لمن حمده كما في الصلوات الأخرى، وقد ورد هذا في بعض روايات حديث عائشة في الصحيح خ/ ١٠٤٧)، ولا يعترض عليه بأن هذا القيام للقراءة، لا للرفع من الركوع كما هو في بقية الصلوات، لأنه يقال إن صلاة الكسوف أصل بنفسها فيلتزم ما ورد فيها، ولا تصلح المقايسة مع الأصول. والمذهب الإسرار في قراءة الكسوف، لقول ابن عباس في الحديث المتقدم: «فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة»، فإنه لو سمع القراءة ما لجأ إلى التقدير، وابن عباس كما تعلم من صغار الصحابة، فالظاهر أنه كان بعيدا فلم يسمع القراءة، فهذا الاحتمال مطعن في هذا الاستدلال.

стр. 805

وقال سمرة بن جندب في حديثه الطويل عند أبي داود (١١٨٤): «فقام بنا رسول لله ﷺ كأطول ما قام بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتا»، وهذا كما ترى نفي والإثبات مقدم عليه، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند الشيخين وأبي داود (١١٨٨)، قالت عنه ﷺ إنه «قرأ قراءة طويلة فجهر بها»، ورواية الإسرار بالقراءة هي رواية المصريين، وروى المدنيون عن مالك الجهر، والنظر يقويها بعد الأثر، ورأى بعض المتأخرين الجهر بها. وقد تقدم قول خليل بتطويل السجود كالركوع، وقيل إن السجود لا يطال كما يطال القيام والركوع، والمعتمد في هذا ما في روايات الموطإ لحديثي عائشة وابن عباس، فإن فيهما ذكر مطلق السجود، قال مالك: «لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف»، وهذا هو الذي عناه المؤلف بقوله: «ثم يسجد سجدتين تامتين»، أي يطمئن فيهما، وهو نفس تعبير مالك عن السجود كما في النوادر، لكن تطويل السجود جاء في حديث عائشة المذكور أعلاه، وهو قول ابن القاسم، ولم ينسب الباجي تقصير السجود إلا لابن حبيب.

стр. 806

• قوله: ٣ - «ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل». الظاهر أن الجماعة وإن كانت مطلوبة في هذه الصلاة، فإنها ليست شرطا فيها، لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة أمرا مطلقا إذ قال: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي»، وقال: «فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة».

стр. 807

• قوله: ٤ - «وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل الناس عند ذلك أفذاذا، والقراءة فيها جهرا كسائر ركوع النوافل». تختلف صلاة خسوف القمر عن كسوف الشمس في أمور: أولها: أنها لا تصلى جماعة في المذهب، لعدم ثبوت فعل النبي ﷺ لها في جماعة، وهذا هو عمدة مالك في ذلك، ففي المدونة قال ابن وهب قال مالك: «لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ صلى إلا في خسوف الشمس، ولم يعمل أهل بلدنا فيما سمعنا وأدركنا إلا بذلك»، واعتمد عليه أيضا عبد العزيز بن أبي سلمة لأمر النبي ﷺ بالفزع إلى الصلاة حين الرؤية. وثانيها: أنها مندوبة فحسب، وهذا مرتب على عدم فعلها في جماعة وعدم إظهارها وهو حد السنة عند أهل المذهب. وثالثها: أن صفتها كالنوافل وليست كصلاة كسوف الشمس، وقال عبد الملك هي مثلها، لكنها تصلى أفذاذا. ورابعها: أنها يجهر فيها بالقراءة على أصل نوافل الليل، لأن خسوف القمر لا يكون إلا فيه. وخامسها: أنها تصلى في البيوت على أصل صلاة النوافل، فإن أفضل الصلاة بعد الفريضة ما كان في البيوت، وروى علي بن زياد عن مالك: «ويفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذا ويكبرون ويدعون». والذي يظهر أن خسوف القمر لما كان يحصل في الليل؛ اختلف أمره عن كسوف الشمس، فلم تشتهر صلاته جماعة اشتهار صلاتها، فإن حصل الخسوف والناس أيقاظ؛ هرعوا إلى المساجد، كما أمروا وصلوا جماعة، وإن حصل وهم نيام فمن علم صلى كيفما استطاع في جماعة أو منفردا.

стр. 808

وقد نسب إلى أشهب أنها تصلى جماعة، قال الشيخ أحمد زروق: «وهوأبين». قلت: وكذلك كونها مثل كيفية صلاة كسوف الشمس، فإن النبي ﷺ جمع بينهما في سياق واحد، فقال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة»، والصلاة التي أمرنا بالفزع إليها قد بينها بالنبي ﷺ بفعله في كسوف الشمس فتكون صلاة خسوف القمر مثلها، ولا يقال إنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، فإني لا أحسبها هنا دلالة اقتران. ثم يقال إن عدم صلاة النبي ﷺ لها ليس مما يسلم، وما كسوف الشمس في الوضوح وتأثر الناس به، ومعاينتهم له؛ بمماثل لخسوف القمر بسبب أن الأول يظلم معه النهار، وهو ضياء، والثاني يظلم معه الليل، وهو مظلم في الأصل، وقد يأتي خسوف القمر والناس نيام. وقد روى الشافعي في مسنده عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتان، ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي»، وفي سنده محمد بن إبراهيم بن محمد، قال في التقريب مقبول، ومصطلحه في المقبول أنه لين الحديث ما لم يتابع، مع ما في الأثر من قول الحسن فخطبنا، وهو لم يكن بالبصرة حين ذاك، وفيه أمر آخر، وهو أن قول ابن عباس: «كما رأيت النبي ﷺ يصلي»؛ لا يدل نصا على أن النبي ﷺ صلى في خسوف القمر، لأن التشبيه يحتمل أن يكون في الصلاة نفسها لا في سببها، فيمكن أن يكون قد أخذ مشروعية الصلاة من ذكره ﷺ الشمس والقمر، وأمره بالفزع إلى الصلاة. وروى الدارقطني (الخسوف ٦) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات، في أربع سجدات»، والحديث في مسلم والترمذي (٥٦٠) وقال حسن صحيح، لكن ليس فيه عندهما ذكر القمر، وقد قالوا إنه منقطع بين حبيب بن أبي ثابت وطاوس، قال ابن حبان ليس بصحيح، لكن قال في نصب الراية إسناده جيد، وسكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان من بعده»، ومع ذلك فهناك آثار عدة أخرى تدل بمجموعها على أن الصلاة في خسوف القمر قد حصلت في عهده ﷺ ، فانظر (الفتح ٢/ ٧٠٦).

стр. 809

• قوله: ٥ - «وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم». المذهب أن صلاة الكسوف لا خطبة معها، وإنما هو وعظ وتذكير للمصلين، وهذا هو معنى نفي المؤلف الخطبة المرتبة، وإثباته مع ذلك الوعظ والتذكير، والفرق كما ترى عسير بين الأمرين، لا سيما إذا افتتح هذا الوعظ والتذكير بالحمد والشهادة، كما هو شأن النبي ﷺ في خطبه، فإنه يستبعد أن لا يفعل ذلك، وهو القائل: «كل خطبة لا شهادة فيها؛ فهي كاليد الجذماء»، وقد جاء التصريح في حديث عائشة الصحيح بأنه ﷺ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا»، وهذا الحديث بهذا اللفظ في الموطإ (٤٤٤)، ولو تتبعت ألفاظ الحديث في رواياته لزاد حجم المقول منه ﷺ ، والذي يظهر من قول الإمام أن خطبة الكسوف ليست على نسق الخطب الأخرى من الترتيب بحيث يخطب خطبتين ويجلس بينهما، ويجلس قبلهما، ويرقى من أجلهما المنبر، فهذا هو المقصود بالنفي، ولعل الإمام أدرك الناس على هذا، فقال به في فهم الحديث الذي رواه كعادته عليه رحمة الله، ثم إن أقوال مالك؛ فيها الربط بين الجهر بالقراءة وبين الخطبة المرتبة المعتادة كما في الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، أما عرفة فقوله فيها أن المقصود منها تعليم الناس، فليست خطبة تابعة للصلاة، وقد تقدم في صلاة العيد ما في المدونة من قول مالك عن خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وأنها على شكل واحد، وعلى هذا أهل المذهب لما رأوا أن صلاة الكسوف يسر فيها بالقراءة قالوا لا خطبة فيها، لأنها كسائر النوافل.

стр. 810

وقد قال مالك في المدونة (ما جاء في صلاة الاستسقاء): «كل صلاة فيها خطبة؛ يجهر فيها الإمام بالقراءة»، ومثله في المدونة في (الصلاة بعرفة)، وبهذا يتبين لك أن من نسب إلى الإمام نفي الخطبة مطلقا في كلامه شيء. والصواب إن شاء الله: مشروعية الخطبة على أصول المذهب لثبوت الجهر بالقراءة عن الإمام، والله أعلم.
следующие страницы →