Полный текст (2 782 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
• قوله:
٣ - «ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل».
الظاهر أن الجماعة وإن كانت مطلوبة في هذه الصلاة، فإنها ليست شرطا فيها، لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة أمرا مطلقا إذ قال: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا حتى تنجلي»، وقال: «فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة».
стр. 807
• قوله:
٤ - «وليس في صلاة خسوف القمر جماعة، وليصل الناس عند ذلك أفذاذا، والقراءة فيها جهرا كسائر ركوع النوافل».
تختلف صلاة خسوف القمر عن كسوف الشمس في أمور:
أولها: أنها لا تصلى جماعة في المذهب، لعدم ثبوت فعل النبي ﷺ لها في جماعة، وهذا هو عمدة مالك في ذلك، ففي المدونة قال ابن وهب قال مالك: «لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ صلى إلا في خسوف الشمس، ولم يعمل أهل بلدنا فيما سمعنا وأدركنا إلا بذلك»، واعتمد عليه أيضا عبد العزيز بن أبي سلمة لأمر النبي ﷺ بالفزع إلى الصلاة حين الرؤية.
وثانيها: أنها مندوبة فحسب، وهذا مرتب على عدم فعلها في جماعة وعدم إظهارها وهو حد السنة عند أهل المذهب.
وثالثها: أن صفتها كالنوافل وليست كصلاة كسوف الشمس، وقال عبد الملك هي مثلها، لكنها تصلى أفذاذا.
ورابعها: أنها يجهر فيها بالقراءة على أصل نوافل الليل، لأن خسوف القمر لا يكون إلا فيه.
وخامسها: أنها تصلى في البيوت على أصل صلاة النوافل، فإن أفضل الصلاة بعد الفريضة ما كان في البيوت، وروى علي بن زياد عن مالك: «ويفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذا ويكبرون ويدعون».
والذي يظهر أن خسوف القمر لما كان يحصل في الليل؛ اختلف أمره عن كسوف الشمس، فلم تشتهر صلاته جماعة اشتهار صلاتها، فإن حصل الخسوف والناس أيقاظ؛ هرعوا إلى المساجد، كما أمروا وصلوا جماعة، وإن حصل وهم نيام فمن علم صلى كيفما استطاع في جماعة أو منفردا.
стр. 808
وقد نسب إلى أشهب أنها تصلى جماعة، قال الشيخ أحمد زروق: «وهوأبين».
قلت: وكذلك كونها مثل كيفية صلاة كسوف الشمس، فإن النبي ﷺ جمع بينهما في سياق واحد، فقال: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة»، والصلاة التي أمرنا بالفزع إليها قد بينها بالنبي ﷺ بفعله في كسوف الشمس فتكون صلاة خسوف القمر مثلها، ولا يقال إنها دلالة اقتران، وهي ضعيفة، فإني لا أحسبها هنا دلالة اقتران.
ثم يقال إن عدم صلاة النبي ﷺ لها ليس مما يسلم، وما كسوف الشمس في الوضوح وتأثر الناس به، ومعاينتهم له؛ بمماثل لخسوف القمر بسبب أن الأول يظلم معه النهار، وهو ضياء، والثاني يظلم معه الليل، وهو مظلم في الأصل، وقد يأتي خسوف القمر والناس نيام.
وقد روى الشافعي في مسنده عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتان، ثم ركب، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي»، وفي سنده محمد بن إبراهيم بن محمد، قال في التقريب مقبول، ومصطلحه في المقبول أنه لين الحديث ما لم يتابع، مع ما في الأثر من قول الحسن فخطبنا، وهو لم يكن بالبصرة حين ذاك، وفيه أمر آخر، وهو أن قول ابن عباس: «كما رأيت النبي ﷺ يصلي»؛ لا يدل نصا على أن النبي ﷺ صلى في خسوف القمر، لأن التشبيه يحتمل أن يكون في الصلاة نفسها لا في سببها، فيمكن أن يكون قد أخذ مشروعية الصلاة من ذكره ﷺ الشمس والقمر، وأمره بالفزع إلى الصلاة.
وروى الدارقطني (الخسوف ٦) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات، في أربع سجدات»، والحديث في مسلم والترمذي (٥٦٠) وقال حسن صحيح، لكن ليس فيه عندهما ذكر القمر، وقد قالوا إنه منقطع بين حبيب بن أبي ثابت وطاوس، قال ابن حبان ليس بصحيح، لكن قال في نصب الراية إسناده جيد، وسكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان من بعده»، ومع ذلك فهناك آثار عدة أخرى تدل بمجموعها على أن الصلاة في خسوف القمر قد حصلت في عهده ﷺ ، فانظر (الفتح ٢/ ٧٠٦).
стр. 809
• قوله:
٥ - «وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة، ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم».
المذهب أن صلاة الكسوف لا خطبة معها، وإنما هو وعظ وتذكير للمصلين، وهذا هو معنى نفي المؤلف الخطبة المرتبة، وإثباته مع ذلك الوعظ والتذكير، والفرق كما ترى عسير بين الأمرين، لا سيما إذا افتتح هذا الوعظ والتذكير بالحمد والشهادة، كما هو شأن النبي ﷺ في خطبه، فإنه يستبعد أن لا يفعل ذلك، وهو القائل: «كل خطبة لا شهادة فيها؛ فهي كاليد الجذماء»، وقد جاء التصريح في حديث عائشة الصحيح بأنه ﷺ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا»، وهذا الحديث بهذا اللفظ في الموطإ (٤٤٤)، ولو تتبعت ألفاظ الحديث في رواياته لزاد حجم المقول منه ﷺ ، والذي يظهر من قول الإمام أن خطبة الكسوف ليست على نسق الخطب الأخرى من الترتيب بحيث يخطب خطبتين ويجلس بينهما، ويجلس قبلهما، ويرقى من أجلهما المنبر، فهذا هو المقصود بالنفي، ولعل الإمام أدرك الناس على هذا، فقال به في فهم الحديث الذي رواه كعادته عليه رحمة الله، ثم إن أقوال مالك؛ فيها الربط بين الجهر بالقراءة وبين الخطبة المرتبة المعتادة كما في الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، أما عرفة فقوله فيها أن المقصود منها تعليم الناس، فليست خطبة تابعة للصلاة، وقد تقدم في صلاة العيد ما في المدونة من قول مالك عن خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وأنها على شكل واحد، وعلى هذا أهل المذهب لما رأوا أن صلاة الكسوف يسر فيها بالقراءة قالوا لا خطبة فيها، لأنها كسائر النوافل.
стр. 810
وقد قال مالك في المدونة (ما جاء في صلاة الاستسقاء): «كل صلاة فيها خطبة؛ يجهر فيها الإمام بالقراءة»، ومثله في المدونة في (الصلاة بعرفة)، وبهذا يتبين لك أن من نسب إلى الإمام نفي الخطبة مطلقا في كلامه شيء.
والصواب إن شاء الله: مشروعية الخطبة على أصول المذهب لثبوت الجهر بالقراءة عن الإمام، والله أعلم.
стр. 811
١٩ - باب في صلاة الاستسقاء
الاستسقاء في اللغة طلب السقي مطلقا، فالسين للطلب، نحو استنصر واستغفر واستفهم، وقد تأتي السين لغير الطلب كما في استبشر واستحسن، ويقال سقاه، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، كما يقال أسقاه، وقال : ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، والمراد بالاستسقاء هنا طلب السقي من الله تعالى خاصة، فمن طلب من غيره نزول الغيث فقد أشرك بالله تعالى، وهو لازم فعل الذين إذا قحط المطر عملوا ما يسمونه بالوعدة ونسبوا الطعام إلى شخص يسمونه من أجدادهم أو من غيرهم، فالله الله في دينكم باعباد الله، فإن الذبح عبادة وإن النذر عبادة والمسلمون متفقون على أنه لا يصرف شيء منها لغير الله، وإذا لم تكونوا تقصدون ذلك فلا يخرجكم هذا عن المعصية والمخالفة لأنكم تتشبهون بالمشركين، وتشجعون على ذلك من لا يعلم هذا الأمر الخطير الذي يورد فاعله جهنم وبئس المصير.
وللاستسقاء طرق ثلاثة:
- الأول الدعاء من غير مناسبة خاصة.
- والدعاء في مناسبة شرعية كصلاة الجمعة.
- والصلاة الخاصة بالاستسقاء مع الدعاء.
وقد ثبتت هذه الكيفيات كلها في السنة، ومن الأدلة على النوع الأول حديث عمير مولى آبي اللحم أنه رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقي رافعا يديه قبل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه»، رواه أحمد وأبو داود (١١٦٨) والسياق له، فهذا استسقاء فيما يبدو غير مصحوب بصلاة، ومن ذلك فعل الصحابة، فقد روى البخاري (١٠١٠) عن أنس ﵁ أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون»، وهذا يحتمل أنه مع الصلاة، ويحتمل أنه من غير صلاة،
стр. 812
وقد ثبت الأمران مرفوعين، ويؤخذ منه أمور قيلت بمحضر الصحابة وأقروها، منها إخبار عمر باستسقائهم بدعاء النبي ﷺ إبان حياته، فهو مرفوع في هذا القدر، وفيه استسقاؤهم بأهل الخير والصلاح، ويتضح منه أيضا أن المراد بتوسلهم بالنبي ﷺ توسلهم بدعائه، لا بذاته بأبي هو وأمي، وقد جاء في بعض الروايات ما يوهم خلاف المراد، وإلا فلو كان التوسل بذاته؛ لتوسلوا به بعد وفاته كما كانوا يفعلون في حياته، يدل عليه أن عمر ﵁ ربط انتقالهم للاستسقاء بالعباس بعدم تمكنهم من الاستسقاء بالنبي ﷺ لوفاته كما هو واضح.
ومن الأدلة على الاستسقاء بالدعاء والاستغفار فحسب؛ ما رواه سعيد ابن منصور أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: «ما رأيناك استسقيت»، فقال: «لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء»، ثم قرأ قوله تعالى من سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، والمجاديح جمع مجدح وهو عود مجنح تساط به الأشربة، أي تخلط، ومعنى قول عمر أني طلبت الغيث بأقوى أسبابه وهو الاستغفار، وقولهم ما رأيناك استسقيت؛ يدل على أن الدعاء وحده كان عندهم إحدى كيفيات الاستسقاء.
ويستسقى أيضا في خطبة الجمعة، وفي أدبار الصلوات، وغير ذلك، قال الشافعي ﵀: «يستسقي الإمام بغير صلاة مثل أن يستسقي بصلاة»، وقال ابن حزم ﵀: «إن قحط الناس، أو اشتد المطر حتى يؤذي الناس فليدع المسلمون في أدبار صلواتهم وسجودهم وعلى كل حال، ويدعو الإمام في خطبة الجمعة».
ومن الأدلة على الدعاء في خطبة الجمعة ما رواه البخاري (١٠١٤ عن أنس بن مالك ﵁، أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»،،، الحديث.
وهل يستسقي المحتاجون المجدبون وحدهم، أو يشرع لغير المحتاجين وهم المخصبون أن يستسقوا لغيرهم؟، فيه نزاع بين العلماء، منهم من رأى أنه لا يستسقي غير
стр. 813
المجدب، اعتمادا على الأصل، قالوا ولأن السلف لم يفعلوه، ومنهم من رأى مشروعيته، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، ولكونه يدخل في دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، والقولان في المذهب، قال ابن عرفة في تفسيره: «أخذ المازري من هذه الآية - يعني قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]- جواز استسقاء المخصب للمجدب، لأن موسى ﵇ لم ينله ما نالهم من العطش، ورده ابن عرفه بأنه رسولهم وهو معهم،.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور بعد أن نقل ما تقدم: وهو رد متمكن، إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص، وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم يصبهم الجدب لأهل بلد مجدبين، واختار اللخمي جواز هذا الاستسقاء، لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وقال المازري فيه نظر، لأن السلف لم يفعلوه»، وهذا النقل عن المازري كما ترى فيه تناقض، وقد أشار إلى قول اللخمي ورد المازري عليه صاحب المختصر بقوله: «واختار إقامة غير المحتاج بمحله لمحتاج، قال: وفيه نظر».
وقد قال الإمام الشافعي: «وإذا كانت ناحية مخصبة، وأخرى مجدبة فحسن أن يستسقي إمام الناحية المخصبة لأهل الناحية المجدبة ولجماعة المسلمين ويسأل الله الزيادة لمن أخصب مع استسقائه لمن أجدب».
وقال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره: «فقوله ﴿اسْتَسْقَى﴾ صريح في أن طالب السقي موسى وحده، سأله من الله تعالى، ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده، كذلك كان استسقاء النبي ﷺ يوم لجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي: «هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا»، قال: وقوله ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش، وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقنا أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة، فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل، وكذلك شأن الأنبياء، فقد قال النبي ﷺ في حديث وصال الصوم: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني».
стр. 814
قلت: ما قاله ليس بظاهر، أما أولا، فلأن الداعي والمؤمن كلاهما داع، كما في دعاء موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، إذ قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس: ٨٩]، مع أن السياق إنما ذكر دعاء موسى ﵇ وحده، وأما ثانيا؛ فلأن موسى ﵇ كان معهم، وكونه لم يجع ولم يعطش غير مستبعد، لكن حصول هذه الأمور له غير مستبعد كذلك، بل قد تكون مما يبتلى به الأنبياء والصالحون، ومعلوم أنهم أشد الناس بلاء بنص الحديث، وقد جاع نبينا محمد ﷺ ، ولا يلزم من خروجه مستيقنا حفظ الله لهم وتبليغهم ما يقصدون أن لا يحصل له شيء من ذلك، وثالثا فإن موسى لا يحتاج إلى الماء للشرب فحسب بل لأمور أخرى كما لا يخفى، وإنما كان عنوان هذه العبادة الاستسقاء لأن أعظم ما يحتاجه المرء من الماء هو الشرب، وعليه فليس في الآية دليل على استسقاء المخصب للمجدب، أما الاستدلال بحديث دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب على الاستسقاء مع الصلاة؛ فلا ينهض، لأن الدليل أخص من الدعوى، وحيث إن الاستسقاء له كيفيات؛ فالذي يترجح أن يكتفى بالدعاء، ولا يصلى صلاة الاستسقاء، وهو الذي رجحه الدردير، والله أعلم.
стр. 815
• قوله:
١ - «وصلاة الاستسقاء سنة تقام».
المعروف في المذهب أن الاستسقاء سنة مؤكدة.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «اتفق العلماء على أن الخروج للاستسقاء والبروز عن المصر والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله ﷺ ».
وقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الخروج للاستسقاء والبروز عن المصر والقربة إلى الله بالدعاء والضراعة في نزول الغيث عند احتياحه سنة مسنونة سنها رسول الله ﷺ وعملها الخلفاء بعده، واختلفوا في الاستسقاء في الصلاة (الاستذكار: ٢/ ٤٢٦)، كما ذكر اتفاق العلماء على سنية الاستسقاء النووي والشوكاني وغيرهما.
ولعل المصنف إنما عدل عن قوله المعتاد سنة واجبة إلى قوله سنة تقام لينبه إلى أنها ليست كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀ من أنه لا صلاة في الاستسقاء، وإنما هو الدعاء، قال الترمذي: «وقال النعمان أبو حنيفة لا تصلى صلاة الاستسقاء، ولا آمرهم بتحويل الرداء، ولكن يدعون ويرجعون بجملتهم، قال أبو عيسى: خالف السنة»، ولم يرد في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد ذكر الصلاة، وهي عند البخاري وليس في الموطإ (٤٤٨) من رواية يحي إلا هي، فلعلها كانت مستند هذا الإمام، وحسن الظن مطلوب مع عموم المسلمين، فكيف بعلمائهم المتبوعين؟.
стр. 816
• قوله:
٢ - «يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة».
قد تقدم في صلاة العيد ذكر الوقت الذي يخرج فيه الإمام، وتؤدى فيه الصلاة، فتشبيه الخروج للاستسقاء بالخروج للعيد ليس في الصفة، بل في الوقت، إذ العيد يشرع فيه التزين، والاستسقاء يطلب فيه التبذل، قال ابن العربي في الفرق بين العيد والاستسقاء في هذا الأمر: «والحكمة فيه؛ أن الرجل يخرج في العيد بهيئته، وقد قدم عمله ليفد به على مولاه؛ فيتجمل تجمل الوافد، والمستسقي يرى أنه معتوب، فيخرج خروج الذليل»، وفي حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه أبو داود عنه قال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا، متواضعا، متضرعا، حتى أتى المصلى،،،، الحديث، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.
وقد روى أبو داود (١١٧٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ ، وحمد الله ، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن زمان إبانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم،،،»، قال أبو داود: وهذا حديث غريب، إسناده جيد، انتهى، وحاجب الشمس الناحية منها كالقوس، قال:
تراءت لنا كالشمس تحت غمامة … بدا حاجب منها، وضنت بحاجب
وقحوط المطر احتباسه وانقطاعه، يقال قحط المطر بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، وإيان الشيء زمانه أو أول زمانه.
وفي وقت صلاة الاستسقاء روايتان، أولاهما أنها كالعيد، قال مالك في المدونة: «إنما تكون في ضحوة من النهار، لا في غير ذلك الحين، وذلك سنتها»، والثانية في العتبية من رواية أشهب عن مالك: «ولا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما
стр. 817
هو بالأمر القديم»، (النوادر ما جاء في صلاة الاستسقاء)، والفقرة الأخيرة قد يؤخذ منها أن هذه الرواية هي المتأخرة، فلعله يقصد أن الأمر قد تغير بفتوى بعض أهل العلم بذلك، وقد كنت أحمل الاستسقاء في هذه الرواية على الدعاء لا على الصلاة، جمعا بينها وبين الرواية التي قبلها، ووجدت ابن رشد قد حملها على ذلك، ثم تبين لي أن حملها على الأصل هو الصواب، لأن أهل الفقه إنما يقصدون بالاستسقاء الصلاة المصحوبة بالخطبة والدعاء، لا الدعاء وحده، فإذا قالوا استسقى انصرف كلامهم إلى ذلك، وقد تقدم نظير له في وقت الكسوف، ولأن الدعاء مجردًا لا يمنع في وقت من الاوقات، قال الحافظ ﵀: «والراجح أن لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل،،،».
واعلم أن صلاة الاستسقاء تؤدى في الصحراء، لكن الظاهر إن منع من ذلك مانع؛ فلا بأس أن تصلى في المساجد كما عليه وضع بلدنا في هذه السنوات، فإن كلا من صلاة العيدين ولاستسقاء لا يخرج لها إلى البراح، فهذا المانع من الحاكم كالمانع القهري من مطر غزير ونحوه يشرع معه تأدية هذه الصلاة في المساجد، والمرغوب أن يترك الحاكم السنن تقام كما شرع الله ورسوله، بعد زوال الغمة، وانكشاف الظلمة.
стр. 818
• قوله:
٣ - «فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها، وفي كل ركعة سجدتان، وركعة واحدة ويتشهد ويسلم».
إنما نص على أن صلاة الاستسقاء ركعتان في كل منهما ركوع واحد - وهو المراد بقوله «وركعة واحدة» - لئلا تلتبس بصلاة الكسوف المذكورة قبلها، ولا خلاف بين القائلين بهده الصلاة في كونها ركعتين، ولا في الجهر بالقراءة فيهما، وقد ثبت ذلك، وترجم البخاري للأمرين، وأورد حديث عباد بن تميم عن عمه (خ/ ١٠٢٥)، وهو أيضا في سنن أبي داود (١١٦٢)، كما أنه في صحيح مسلم بدون ذكر الجهر قال: «رأيت النبي ﷺ لما خرج يستسقي قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة».
والمشهور في المذهب تقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء، كما هي في العيد، وهي رواية عن الإمام، والرواية الأخرى التي رجع عنها تقديم الخطبة على الصلاة كما في الجمعة، وهي مما ذكره الليث بن سعد في رسالته الجوابية للإمام، وانتقده فيها بلطف، وهذه هي الفقرة المتعلقة بهذا الأمر من رسالته قال: «وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي حين أراد أن يستسقي أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك، لأن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغه من الخطبة حول وجهه إلى القبلة فدعا، وحول رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى بين ظهرانيكم عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، فكلهم كان يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستسهتر الناس الذي صنع زفر بن عاصم، من ذلك واستنكروه»، ونص الرسالة في إعلام الموقعين لابن القيم، وانظر رسالة مالك لليث في المدارك للقاضي عياض، وانظر الاستسقاء سننه وآدابه لعبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد.
قال ابن وضاح: «قد كان مالك يقول الخطبة قبل الصلاة ثم رجع سنة ستين ومائة،
стр. 819
وأشار على زفر بن عاصم والي المدينة أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، والعمل عندنا في هذا على قول الأول،،،».
ودليل تقديم الخطبة على الصلاة، حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم، وكذا حديث عائشة، وحديث ابن عباس عند أبي داود وغيره كلها تدل على تقديم الخطبة على الصلاة، لكن في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد عند أبي داود (١١٦١) أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة»، فهذا ظاهره تقديم الصلاة لما تفيده الفاء من التعقيب في قوله: «خرج بالناس ليستسقي فصلى،،،»، وكذا حديث أبي هريرة عند ابن ماجة (١٢٦٨)، فإن فيه التعقيب بالفاء، قال: «خرج رسول الله ﷺ يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن»، قال في الزوائد: «إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وسكت عنه الحافظ في (الفتح ٢/ ٦٤٤))، وفي رواية أحمد لحديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، ولهذا قال بعضهم بجواز تقديمها وتأخيرها، وقد قال بذلك الشوكاني، والشيخ بن باز رحمهما الله، وجنح بعضهم إلى ترجيح تقديم الخطبة، وجوز الحافظ أن يكون النبي ﷺ «بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف»، وهذا الجمع إنما يصلح بين الأحاديث ذات المخارج المختلفة، أما الحديث الواحد الذي يدل ظاهره على أنه إنما وصف فعله ﷺ مرة واحدة كحديث عبد الله بن زيد فلا بد فيه من الترجيح، لأن ما ذكره الحافظ من التعبير عن الدعاء بالخطبة، إنما يتصور إذا تعدد رواة الحديث من الصحابة في وصف الصلاة، أو تعدد الذين أخذوا عن الصحابي ذلك الوصف، لاحتمال تعدد وصفه للصلاة، أما الحديث ذو المخرج الواحد إذا اختلف كما رأيت في حديث عبد الله بن زيد؛ فلا بد معه من الترجيح، إذ الظاهر أنه إنما وصف صلاة الاستسقاء مرة واحدة، والنفس إلى تقديم الخطبة أميل.
стр. 820
• قوله:
٤ - «ثم يستقبل الناس بوجهه، فيجلس جلسة».
تقدم أن الخطب كلها على هذا النحو، تسبق بجلسة، ويجلس بعد الخطبة الأولى، وقد ورد في خطبة الجمعة النص، وعلة الجلوس بينة، وهي انتظار فراغ المؤذن من الأذان، أما العيد والاستسقاء والكسوف فلا أذان فيها، فلا حاجة إلى الجلوس، وقد علل أهل المذهب الجلوس قبل الخطبة بانتظار الإمام الناس حتى يأخذوا أماكنهم، وهذا تعليل بارد، وثمة قول بعدم الجلوس أشار إليه ابن ناجي، وهو الحق.
стр. 821
• قوله:
٥ - «فإذا اطمأن الناس؛ قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب، ثم جلس، ثم قام فخطب».
وصف المؤلف للخطبة والدعاء مأخوذ من كلام مالك في المختصر، كما هو في النوادر (ما جاء في صلاة الاستسقاء)، والمشهور أن الإمام يخطب على الأرض، ولا يرقى المنبر، قالوا لأن هذه الحالة يطلب فيها التواضع، وحجة مالك أن ذلك لم يكن من فعل النبي ﷺ ولا الخليفتين بعده.
قال في المدونة: «أخبرنا مالك أنه لم يكن للنبي ﷺ منبر يخرج به إلى صلاة العيدين، ولا لأبي بكر، ولا لعمر، وأول من أحدث له منبر في العيدين عثمان بن عفان منبر من طين، أحدثه له كثير بن الصلت»، والجواب أن التواضع مطلوب في الاستسقاء وغيره، وهو لا يتنافى مع الصعود على المنبر، ويوشك أن يكون من هذا القبيل قول من قال بعدم مشروعية التطيب في الاستسقاء، فليقولوا بعدم الاستياك لأنه من التطيب أيضا، مع أن هذا قياس وقع في مقابلة النص، فيكون فاسد الاعتبار، إذ جاء في حديث ابن عباس عند أبي داود (١١٦٥) الجمع بين التبذل والتواضع والرقي على المنبر قال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا، متواضعا، متضرعا، حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد»، والمتبذل من يترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، وورد ذكر المنبر في حديث عائشة المتقدم، وحمل ابن العربي ذلك على أنه وضع له شيء مرتفع يقف عليه؛ على فرض صحة الحديث الذي فيه ذلك.
وورد عن بعض الصحابة الخطبة من غير منبر كما هو في صحيح البخاري (١٠٢٢): «خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ﵃،
стр. 822
فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر،،، الحديث، ويظهر أن المنبر ليس من السنن في هذه الصلاة، بل فيه سعة، وقد مال الحافظ إلى أن البخاري أراد برواية الأثر المتقدم تفسير المراد من دعاء النبي ﷺ قائما كما في حديث عبد الله بن زيد الذي رواه بعده برقم (١٠٢٣)، وفي المجموعة قال أشهب: «وواسع أن يخرج فيها بالمنبر أو لا يخرج».
ونص المؤلف على أن في الاستسقاء خطبتين، وهو ما عليه الجمهور، وكل الخطب عند مالك كذلك، وذهب صاحب أبي حنيفة أبو يوسف، وقيل ومحمد بن الحسن أيضا، ومنهم ابن مسلمة، وأبو مهدي إلى أن في الاستسقاء خطبة واحدة، (انظر شرح ابن ناجي، وشرح الزرقاني على الموطإ، ونصب الراية للزيلعي)، ومن الأدلة على ذلك قول ابن عباس في وصفها: «ولم يخطب خطبتكم هذه».
قال في نصب الراية: «نفى النوع، ولم ينف الجنس».
قلت: الظاهر أنه لا يريد نفي الخطبتين، لأنهما حيث شرعتا كما في الجمعة؛ فليستا منسوبتين لهم من حيث العدد، ويستبعد أن يكون ابن عباس يعلم أن في الاستسقاء خطبة واحدة ثم لا يصرح بذلك، فالظاهر أنه يعني ما قاله ابن العربي: «وإنما أشار ابن عباس إلى عادة النبي ﷺ في أنه لم يكن أمره كله بتكلف، ولا بتصنع، وإنما كان بحسب ما يقتضيه الحال، وما يحضره من المقال»، نعم قد يتجه الاحتجاج على أن في الاستسقاء خطبة واحدة بحديث عائشة الذي رواه أبو داود وقد تقدم، فإنه يحتمل ذلك احتمالا قويا، وقد احتج به على ذلك المعلق على شرح السنة للبغوي، قال: فإن فيه؛ أنه خطب خطبة واحدة».
стр. 823
• قوله:
٦ - «فإذا فرغ استقبل القبلة، فحول رداءه: يجعل ما على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب ذلك، وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود، ثم يدعو كذلك، ثم ينصرف وينصرفون».
يريد أنه إذا فرغ من الخطبة الثانية التي فيها الموعظة، وأراد أن يشرع في الدعاء؛ فإنه يستقبل القبلة، ويحول رداءه، ويدل عليه ما في حديث عبد الله بن زيد عند الشيخين وهذا لفظ أبي داود (١١٦٦) أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، ثم حول رداءه»، وقيل يحوله في نهاية الخطبة الثانية.
وصفة التحويل أن يجعل ما على اليمين من ردائه على اليسار، وما على اليسار منه على اليمين، ويفعل الناس مثل فعله، لكن هذه الصفة إنما تتأتى في الأردية لا في القمصان والجباب ونحوها مما يعسر فعل ذلك به إلا بتكلف، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث عدة بألفاظ مختلفة، ومعناها واحد: ففي حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجة: «جعل الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر»، وهذا موافق للفظ المؤلف، وفي رواية لحديث عبد الله بن زيد عند أحمد: «وحول رداءه، فقلبه ظهرا لبطن، وتحول الناس معه»، وهذا فيه رد على من قال لا يحول المأمومون أرديتهم، وفي رواية أبي داود لهذا الحديث: «وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن»، والعطاف هو جانب الرداء.
وقول المؤلف: «ولا يقلب ذلك»؛ يعني به لا يجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وإلا فالصفة التي ذكرها هي قلب أيضا، لكن بجعل الباطن ظاهرا، والظاهر باطنا وهو لازم لما تقدم، وهو بذلك يرد على من قال بالقلب من أهل المذهب، وقد عزاه زروق لعياض، وقال به ابن الجلاب، ودليله ما رواه أبو داود (١١٦٤) من حديث عبد الله بن زيد قال:
стр. 824
«استسقى رسول ﷺ ، وعليه خميصة له سوداء، فأراد رسول ﷺ أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت؛ قلبها على عاتقه»، وفي رواية لغير أبي داود بيان للقلب: «فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن»، قال الحافظ: «وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف،،، والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط»، وقد علق العلامة ابن باز إمام الأمة في عصره على كلام الحافظ بقوله: «ليس الأمر كما قال الشارح، بل الأولى والأحوط هو التحويل بجعل ما على الأيمن على الأيسر، وعكسه، لأن الحديث بذلك أصح وأصرح، ولأن فعله أيسر، وأسهل»، انتهى، ويشعر قارئ كلامه ﵀؛ بأنه يرد على الحافظ اختيار صفة القلب وحده، لا الجمع، والحافظ إنما ذكر أن الجمع بينهما أحوط.
والصواب إن شاء الله: أن من عسر عليه الجمع بينهما اكتفى بالتحويل، وأين نحن من الألبسة التي يسهل معها واحد من هذين؟، فإن التحويل إنما يشرع إذا كان على الإمام رداء، وهو عند أهل المذهب من مستحبات الإمامة، والذي يصدق عليه ذلك من ألبستنا البرنس إذا كان موضوعا على الكتفين كما هو العادة عندنا، ولم يعد من الأئمة من يلبسه إلا النزر اليسير منهم، أما إن كان عليه غيره مما يتكلف في تحويله وقلبه، بحيث لا يتمكن من ذلك إلا بعد نزعه كما هو غالب ألبستنا اليوم ومنها الجلابة فضلا عن القميص والمعطف؛ فالظاهر أنه لا يطالب بذلك، وقد نص بعض أهل العلم على أن الرداء مقصود في التحويل المذكور كما هو في شرح زروق وغيره.
وفي العتبية قال ابن القاسم: «كره مالك الصلاة بغير أردية في المساجد، وقال يقول الله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، وفي الواضحة: كره مالك في الجماعة الصلاة بقميص بغير رداء، إلا المصلي في بيته، وإن كان يستحب له أيضا الصلاة في ثوبين»، (النوادر: في لباس الرجل في الصلاة)، وإذا كان هذا شأن المأموم في المسجد، لا يصلي بغير رداء، فكيف بالإمام؟، وكيف بمن يصلون في السراويلات الضيقة التي تصف العورة وصفا فاحشا، فضلا عما فيها من الكتابات والصور، ولله عاقبة الأمور.
стр. 825
ويريد المؤلف بقوله: «ثم ينصرف وينصرفون»، الرد على من قال إنه بعد انتهاء الخطبة والدعاء يعود الإمام فيستقبل الناس من جديد، يذكرهم ويدعو ويؤمنون، ثم ينصرفون، وقد تقدم قول الحافظ الذي جمع به بين النصوص في تقديم الخطبة، وتأخيرها عن الصلاة، وأن الصلاة اكتنفها أمران الخطبة والدعاء، فالله أعلم.
ومن المأثور في أدعية الاستسقاء:
«اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل»، رواه بو داود (١١٦٩) عن جابر بن عبد الله، غيثا؛ مطرا، ومغيثا بضم الميم من الإغاثة، ومريئا بفتح الميم قال في النهاية: مرأني الطعام وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، انتهى، والمقصود أن يكون محمود العاقبة، ومريعا مخصبا، والمراعة الخصب.
«اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت»، رواه أبو داود (١١٧٦) أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ومما جاء في كيفية رفع اليدين في الاستسقاء حديث أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا جعل ظاهر كفَّيْه مما يلي وجهه» رواه أبو يعلى، وهو في الصحيحة.
стр. 826
• قوله:
٧ - «ولا يكبر فيها، ولا في الخسوف غير تكبيرة الإحرام، والخفض والرفع، ولا أذان فيها ولا إقامة».
لعل المؤلف إنما ذكر أن صلاة الاستسقاء ليس فيها تكبير زائد على ما في الصلوات الأخرى غير العيد؛ ليبين الراجح المشهور في المذهب، إن كان قد علم رواية التكبير، أو ليرد على ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من أن هذه الصلاة يكبر فيها كما يكبر في العيد اعتمادا على حديث ابن عباس ﵄ وقد تقدم، إذ فيه: «ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد»، وثمة رواية عن الإمام مالك أنه يكبر فيها كما يكبر في صلاة العيد، قال الترمذي: «وروي عن مالك بن أنس أنه قال: يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين».
وقد نص مالك ﵀ على أن النافلة قبل صلاة الاستسقاء وبعدها سائغة استصحابا للأصل، إذ لم يرد في الأخبار نفي الصلاة كما ورد في العيد، أما الأذان والإقامة فشأن الصلوات المفروضات، فعوملت معاملة ما نص على تركهما فيها كالعيد، على أنه قد جاء النص بترك ذلك في الاستسقاء كما سبق في حديث أبي هريرة عند ابن ماجة، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ترك الأذان والإقامة في الاستسقاء كما في (الفتح ٢/ ٦٦٢).
ومن فوائد الباب قول رسول الله ﷺ : «اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة، ونزول المطر»، رواه الشافعي في الام، وهو في الصحيحة.
стр. 827
٢٠ - باب ما يفعل بالمحتضَر، وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه
المحتضر بفتح الضاد من حضرته الوفاة، والكفن بفتح الفاء لباس الميت، وبسكون الفاء تكفين الميت أي إدراجه في كفنه، والتحنيط جعل الحنوط بفتح الحاء في جسد الميت وثيابه، وقد تعرض المؤلف لما ترجم له على التوالي، وما ذكر هنا هو من المطلوبات الكفائية من الحي نحو الميت المسلم، والمواراة لغير المسلم.
стр. 828
• قوله:
١ - «ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى».
أي يستحب توجيه من حضرته الوفاة إلى القبلة، بأن يجعل على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، أما الأول فلأنه هو الهيئة التي جاءت أثناء أذكار النوم، وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب مرفوعا: «إذا أويت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك،،، الحديث، وقال في آخره: «فإن مت من ليلتك؛ مت على الفطرة»، ووجه الدليل أن النوم موتة صغرى، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزُّمَر: ٤٢] فلما ربط النبي ﷺ بين هذه الهيئة في النوم، وما ذكر معها من الأمور، ومنها النوم؛ أمكن أن يقال إنها هيئة مستحبة عند الاحتضار، ومما استدل به على ذلك حديث يحي بن عبد الله بن أبي قتادة عند الحاكم والبيهقي؛ أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله ﷺ : «أصاب الفطرة»، سكت عليه الحافظ في التلخيص الحبير (مع الحديث ٧٣٠)، وهو مرسل كما قال الألباني في (الإرواء، الأثر
стр. 829
(٦٨٩)، وبين من حصل له فيه وهم؛ فاعتبره موصولا مثل الحاكم، والذهبي، والزيلعي، والحافظ ابن حجر، ﵏.
قلت: وقلدهم في ذلك أيضا الحافظ الغماري كما في مسالك الدلالة، لكن الجملة الأخيرة فيه يشهد لها ما في حديث البراء الذي تتقدم وهو قوله ﷺ «مت على الفطرة»، فإنها دلت على أن فعل المجموع المأمور به من الوضوء والاضطجاع على الشق الأيمن والدعاء هو الفطرة، والحديث الذي بعده دل على أن من طلب توجيهه إلى القبلة حين الاحتضار أصاب الفطرة، فدل هذا في نظري على صحة هذه اللفظة بهذا البيان في خصوص المعنى، وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يارسول الله، ما الكبائر؟، قال: «هي سبع»، وذكر منها «واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا»، ومداره على أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، كما في التلخيص الحبير للحافظ بن حجر (ح/ ٧٣٠)، وقد حسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٦٩٠)، أما طعن الشوكاني في دلالته بأن المراد «بقوله أحياء؛ الصلاة، وبقوله أمواتا؛ في اللحد، والمحتضر حي غير مصل»، فليس كما ينبغي، لأن حال الاحتضار حال موت لا حياة، بدليل أن الشارع قال: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، وقال: «اقرؤوا على موتاكم يس»، وبهذا يتبين لك ما في قول المحدث الألباني ﵀ في أحكام الجنائز من نفي مشروعية هذا التوجيه من الإجمال، لأن عدم صحة حديث في مسألة بخصوصها، ومن ذلك حديث عبد الله بن أبي قتادة المتقدم؛ لا يعني دائما أن الحكم الذي تضمنه الحديث لا يثبت، وقد علمت وجه ثبوته بدخوله في تلك الظواهر، وقد أمر حذيفة ﵁ أن يوجه إلى القبلة كما في ترجمته في تاريخ دمشق لابن عساكر، وقال الألباني ﵀: «وأما قراءة يس عنده، وتوجيهه نحو القبلة؛ فلم يصح فيه حديث، بل كره ابن المسيب توجيهه إليها، وقال: أليس الميت امرأ مسلما»؟.
قلت: لم يظهر لي وجه اعتراض سعيد بن المسيب ﵀ بما قاله على توجيه المحتضر المسلم إلى القبلة، لأن كونه مسلما ليس مانعا من ذلك بمجرده، بل قد يكون ذلك من دواعي توجيهه، لا من دواعي منع توجيهه، فإن الكافر هو الذي لا تتعلق به أحكام الفروع عمليا، وإن كان يؤاخذ بها، ولو استقام هذا التعليل لتركنا كثيرا مما شرع فعله بالميت المسلم، وقد روي كلامه بألفاظ مختلفة، والمؤكد عندي أنها من تصرف الناقلين، ثم وقفت بعد ذلك على كلام لابن حبيب ﵀ فيه توجيه حسن لكلام ابن المسيب، قال
стр. 830
بعد أن ذكر قول ابن المسيب وهو مخالف لما سبق في اللفظ، وفي مصنف عبد الرزاق لفظ آخر أقرب، قال: «وأراه إنما كره عجلتهم بذلك، قبل نزول حقيقته، فلا أحب أن يوجه إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره، وشخوص بصره،،،» (النوادر في توجيه الميت وتلقينه)، وقد روى عبد الرزاق في المصنف (٦٠٥٨) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أرأيت حروف الميت إلى القبلة حين يحين فوضه على شقه الأيمن؛ أسنة ذلك؟، قال سبحان الله!!، ما علمت من أحد يعقل؛ ترك ذلك من ميته، والله إن الرجل ليحمل فراشه حتى يحرف به إذا لم يُستطع ذلك»، ومعنى حروف الميت؛ صرفه وإمالته، وقوله فوضه؛ القياس فيضه، من فاض يفيض فيضا، يقال فاضت روحه إذا مات.
وفي توجيه المحتضر إلى القبلة روايتان عن مالك:
ففي الواضحة: «لا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن يستطع ذلك».
وفي المجموعة قال ابن القاسم عنه في التوجيه: «ما علمته من الأمر القديم».
ويظهر لي أن الرواية المثبتة هي المتأخرة، وأما جعل وجه المحتضر إلى القبلة؛ فلأن هذه هي الهيئة التي يجعل عليها الميت في قبره، وقد قال بذلك بعض السلف كما في المصنف لعبد الرزاق برقم (٦٠٦١) وقيل يوجه مستلقيا، والله أعلم
وأما إغماض عينه إذا مات؛ فلحديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، فصيح ناس من أهله، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله رب العالمين، اللهم افسح له في قبره، ونور له فيه»، رواه مسلم وأبو داود (٣١١٨)، وهذا لفظه، وفي مسلم قوله ﷺ : «إن الروح إذا قبض تبعه البصر»، قال أبو داود بعد رواية الحديث المتقدم: «وتغميض الميت بعد خروج الروح، سمعت محمد بن محمد بن النعمان المقري، قال سمعت أبا ميسرة رجلا عابدا يقول: أغمضت جعفرا المعلم وكان رجلا عابدا في حالة الموت، فرأيته في منامي ليلة مات يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل أن أموت»، انتهى، ومن الحكمة في ذلك اجتناب ما في بقاء عيني الميت مفتوحتين من نكارة المنظر.
стр. 831
• قوله:
٢ - «ويلقن لا إله إلا الله عند الموت».
دليل التلقين قول النبي ﷺ : «لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله»، رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة: د/ ٣١١٧)، والمراد بالموتى من حضرهم الموت، من تسمية الشيء بما يؤول إليه، فهو مجاز، ولا إله إلا الله أفضل ما قاله رسول الله ﷺ ، والنبيون من قبله، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل مرفوعا: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، رواه ومسلم وأبو داود (٣١١٦)، ولذلك كان مطلوبا أن يذكر بها المسلم في غمرات الموت حتى يموت عليها، والظاهر الاكتفاء بشطرها هذا دون شطر الشهادة لنبينا محمد ﷺ بالرسالة، لأن الملقن مسلم موحد وإنما الغرض تذكيره بكلمة التوحيد، ولأن هذه الكلمة بشطرها الأول جاء الحث على قولها في أدبار الصلوات، وكونها تقال عشرًا بعد المغرب والعشاء، وقال رسول الله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله مائة مرة غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»، ولفظ أبي داود كما رأيت فيه لقنوا موتاكم «قول لا إله إلا الله».
وقد رأيت بعض الشراح إذا ذكروا حديث التلقين المتقدم أثبتوا معه شطر الشهادة الثاني، وهو لا وجود له في شيء من الروايات، ومن المثبتين له الشيخان زروق، والخراشي، ومن تتبع أحاديث التلقين ورواياتها أيقن أن المقصود خصوص الشطر الأول، ولا يتسع المقام لبسط ذلك، وإنما توقفت عند هذا الأمر لأن بعض من لا علم عنده شنع علينا بتقولات لا تمت إلى العلم بصلة، ولذا فإني أوصي بعدم الخوض مع الناس في مثل هذه المسألة.
قال المناوي في فيض القدير: «وظاهره أنه لا يلقن الشهادة الثانية، وذلك لأن القصد ذكر التوحيد والصورة أنه مسلم، فلا حاجة إليها، ومن ثم وجب تلقينهما للكافر»، انتهى.
قلت: أما عرض النبي ﷺ لا إله إلا الله على عمه أبي طالب لما احتضر كما في
стр. 832
صحيح البخاري (١٣٦٠) عن سعيد بن المسيب عن أبيه؛ فإما لأن تلك الكلمة عنوان على الشطرين، والقرينة الصارفة كون المعروض عليه كافرا، ولإجماع المسلمين على أن من لم يشهد لمحمد ﷺ بالرسالة ليس بمؤمن، والظاهر أن أبا طالب كان مقرا برسالة النبي ﷺ ، ولم يكن موحدا، وذهب شارح بلوغ المرام إلى ترجيح تلقينه الشطرين، ومن العجب أن يستدل الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٣٣٤) على تلقين الميت شطري الشهادة بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله،،، الحديث، وهذا في الكفار ودخولهم الإسلام لا يتم بغير ذلك، فلا علاقة له بما نحن فيه.
وقد قال بعض أهل العلم: يقال عند الميت لا إله إلا الله، ولا يقال له قل، لأن الشيطان يحضره، وقد يرد عليه المحتضر ما يدعوه إليه من الكفر، فيقول له لا، فيظن به السوء، لكن الظاهر من قوله ﷺ لقنوا موتاكم أن يقال له قل، وورد في المرفوع ما فيه الأمر بالقول فينقطع النزاع، ومما قالوه أيضا أنه إذا لقن وقالها لا تكرر عليه إن لم يتكلم بعدها لحصول المقصود، وهو أنها آخر كلامه، ولما في ذلك من الإثقال عليه، فإن تكلم لقن من جديد، وهذا حق، والله أعلم.
стр. 833
• قوله:
٣ - «وإن قدر على أن يكون طاهرا، وما عليه طاهر؛ فهو أحسن، ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب».
استدامة طهارة الثياب والبدن والمكان الذي يلابسه المرء مما لا يختلف في تشوف الشارع إليه، وفي كون الميت طاهرا إكرام للملائكة الذين يحضرون لقبض روحه، وقد ورد فيما ذكره المصنف ما رواه أبو داود (٣١١٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ لما حضرته الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها».
ومما يستدل به لذلك؛ استياك النبي ﷺ وهو في حال الوفاة كما في حديث عائشة عند البخاري (٤٤٣٨) قالت: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ ، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ ببصره، فأخذت السواك فقضمته، ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانا قط أحسن منه»، وقولها: فأبده؛ هو بالباء الموحدة تحت، المفتوحة، والدال المفتوحة المشددة، أي مد نظره إليه.
أما أنه لا يقربه الجنب؛ فلما ورد أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب، رواه أبو داود (٢٢٧) عن علي ﵁، وفيه عبد الله بن نجي صدوق، وأبوه مقبول كما في التقريب، ولو صح فقد قال بعض أهل العلم يكون المراد بالجنب من يؤخر الاغتسال عن وقته المطلوب تهاونا، وقد ترجم أبو داود راويه بما يدل على هذا، أما العاجز عن الماء أو فاقده؛ فإنه يرفع الجنابة بالصعيد، ولذلك كان الجنب إذا أراد أن ينام مطالبا بالوضوء تخفيفا للجنابة، وروى البزار عن ابن عباس مرفوعا: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب والسكران والمتمضمخ بالخلوق»، المتمضمخ بالخلوق هو المتلطخ، والخلوف
стр. 834
بفتح الخاء الطيب له لونا.
فأما الحائض؛ فقال الغماري في مسالك الدلالة: «في مصنف ابن أبي شيبة ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: «كانوا إذا حضروا الرجل يموت أخرجوا الحيض»، وهذا لا حجة فيه، ومع ذلك فأنت تعلم أن أمر الحيض يخفى إلا على خواص المرأة في العادة، فكيف يكون هذا الأمر مما يكلف الناس فعله عموما؟، ولعله لذلك قال مالك: «ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب»، وأمر الحائض أخف من الجنب، لأنها لا دخل لها في انقطاع الدم، وقد اختلف العلماء في قراءتها القرآن فكيف بتوليها أمر الميت؟.
وقد صح أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل، أو تصاوير، إلا رقما في ثوب، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، والرقم المستثنى قيل ما لا ظل له، والظاهر كون الصورة غير تامة، وإلا فبحيث نكون ممتهنة، وهذا كله في استعمال ما هو موجود أما الإقدام على صنعه فبتناوله النهي والوعيد، ومن المعلوم أن المنهي عن اتخاذه من الصور ما كان من ذوات الأرواح، وفي المرفوع: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة»، رواه رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن أبي طلحة ﵁، لكن من الحرج أن يأذن الشارع في اتخاذ الكلب للزرع والصيد والماشية ثم يقع التكليف بمنعه من دخول البيت مع ما في ذلك من العسر، وروى أبو داود (٢٥٥٥) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس»، وإذا كان هذا خارج البيت ففيها يكون الأمر أولى، فالظاهر تخصيص المنع.
والمطلوب إبعاد ما ذكر مما صح الخبر فيه عن البيت مطلقا، لأن عدم دخول الملائكة البيت مما تقل به بركته وخيره، ووقت الاحتضار فيه زيادة على ما تقدم دخول الملائكة التي تقبض الروح فتتأذى بذلك.
стр. 835
• قوله:
٤ - «وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمرا معمولا به».
روى أحمد وأبو داود (٣١٢١) والنسائي وابن ماجة عن معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ : «اقرؤوا على موتاكم ﴿يس﴾»، والحديث ضعيف لأن فيه مجهولين كما قال النووي في الأذكار، وضعفه الدارقطني في نقل ابن العربي، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما أشار إليه المصنف، وهو يريد به ابن حبيب وقوله هذا في النوادر: «ولا بأس أن يقرأ عنده يس، وإنما كره مالك ذلك أن يكون استنانا».
قال ابن ناجي: «وظاهر كلام الشيخ أن الخلاف إنما هو في القراءة بسورة يس، أما القراءة بغيرها فالاتفاق على أنها غير مشروعة هنا، وهو كذلك».
ومن الذين قووا الحديث الشوكاني، والمذهب كراهة القراءة مطلقا عند الاحتضار، وبعد الموت، وعلى القبر، لا فرق بين هذه الثلاثة، إما لأن الحديث لم يبلغ مالكا، أو لعدم صحته عنده كما هو الواقع.
قال ابن نافع في المجموعة عن مالك، وقال أشهب عنه في العتبية أيضا: «ليس القراءة عنده والإجمار من عمل الناس»، قلت: هذا في إجمار البيت نتل ذكره خليل، أما إجمار الكفن فسيأتي الكلام عليه.
وقال خليل ذاكرا المكروهات: «وقراءة عند موته، كتجمير الدار، وبعده، وعلى قبره»، وتوجيه كلام الإمام بما سبق عن ابن حبيب أو غيره غير مقبول كما هو واضح، وقد جاء من بعده من وسعوا دائرة (الترخيص)، اعتمادا على ما تقدم من التوجيه؛ فقال الشيخ علي الصعيدي العدوي: قال العلماء «ومحل الكراهة عند مالك إذا فعلت على وجه السنية، وأما لو فعلت على وجه التبرك بها، ورجاء بركتها فلا»، أقول: هذا هو الذي يقصده
стр. 836
الناس بالقرآن، فلا ينبغي كراهة ذلك في هذا الزمان، وتصح الإجارة عليها»، انتهى كلام الصعيدي، وقال نحوه الخراشي.
قلت: أين هذا التفصيل في قول مالك؟، ولم لم يفعله الناس في عصره للتبرك؟، أم أنهم كانوا مستغنين عنه؟، ثم إنه في نفسه غير ممكن، إذ كيف يقرأ المسلم القرآن وهو من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى، ثم يقول أنا لا أقصد أن فعلي سنة، وإنما أقصد التبرك، وكيف يتبرك بغير السنة؟، وما ذا بعد السنة غير البدعة؟، وليس الإلحاح هنا على رفض القراءة نفسها، وإنما المراد أن يبتعد عن تحميل أقوال الأئمة ما لم يريدوه كهذا التوجيه لكلام مالك، كما وجه كلامه في إبائه قراءة القرآن جماعة، وهو قوله: «لم يكن من عمل الناس»، ثم يضاف إلى هذا؛ القول بجواز أخذ الأجرة على هذه القراءة، قال زروق: «وما لم يصحبه العمل مما ورد الترغيب فيه فليس بمندوب عند مالك، لأنهم كانوا أحرص على الخير، وأعلم بالسنة، وما تركوه إلا لأمر عندهم فيه»، يريد زروق بيان قاعدة عند مالك وهي اعتماده على العمل، فإذا رأى الناس لم يعملوا بما ورد الترغيب فيه كان موقفه منه ما عرفت، فكيف بقراءة يس التي لم يصح فيها النقل، ولا وجد العمل به؟، فالله الله في دينكم أيها الناس، لكن في تقييد الأخذ بالسنة بعمل الناس شيء، إلا أن يجمعوا على خلافها، وأين هذا من ترك جهة بعينها لها؟، وقد لا يستقسم القول بأنهم أطبقوا على تركها.
стр. 837
• قوله:
٥ - «ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ، وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع، وينهى عن الصراخ والنياحة».
جمود العين مذموم، قال رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع»، رواه الترمذي (٣٤٨٢) والنسائي عن ابن عمرو، وأبو داود (١٥٤٨) عن أبي هريرة، وذكر رسول الله ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه»، وقرأ ابن مسعود عليه ﷺ من سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، قال حسبك، قال: «فالتفت فإذا عينا رسول الله ﷺ تذرفان»، وقد بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه، وقال عن ذلك إنه رحمة، ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، وبكى على عثمان بن مظعون، وبكى على سعد بن عبادة، وبكى على صبي لبنته زينب، ﵍، فقال له سعد ما هذا يا رسول الله؟، فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»، وهو في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، وبكى عند قبر أمه، وأقر أبا بكر وعمر على البكاء على سعد بن معاذ، كما أقر آل عمه جعفر ﵁ على البكاء عليه، ثم نهاهم عن البكاء عليه بعد ثلاث، كما رواه أبو داود عن عبد الله بن جعفر، وبكى أبو بكر على رسول الله ﷺ بعد وفاته، وهو في صحيح البخاري عن عائشة، لكن ورد عنه بعد إقراره البكاء حال احتضار عبد الله بن ثابت قوله: «فإذا وجب فلا تبكين باكية»، رواه مالك (٥٥٤) وأبو داود عن جابر ابن عتيك، ومعنى وجب مات.
والجمع بين ما سبق أن يكون المنهي عنه هو ما كان مصحوبا بصراخ أو نياحة، والمأذون فيه البكاء بدمع العين فحسب من غير تكلف ولا استدعاء، ذلك أن البكاء لا
стр. 838
يقدر المرء على دفعه، لكن بإمكانه كتمانه والحد منه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النجم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾.
[النجم: ٥٩ - ٦٠]
السن تضحك والأحشاء تحترق … وإنما ضحكها زور ومختلق
يا رب باك بعين لا دموع لها … ورب ضاحك سن ما به رمق
وإنما تحدث أهل العلم عن البكاء على الميت وبينوا ما يجوز منه مما لا يجوز؛ لأنه يقع عند الموت ويحصل من الناس ما هو غير مشروع، كالاجتماع عليه، ورفع الصوت به، وتعداد محاسن الميت، والافتخار بخصاله، أو شق الثياب، ونشر الشعر، وضرب الوجه، وكونه مصحوبا بالجزع والتسخط، ولذلك قيد المؤلف المشروع منه بما كان بالدموع، يعني لا برفع صوت.
ويجمع الجائز من البكاء والممنوع منه قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «ألا تسمعون؟، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم»، وقول المؤلف حينئذ يعني وقت الاحتضار، وكأنه يشير إلى أن الجواز مقيد بذلك الوقت، والظاهر من النصوص جواز البكاء قبل الموت وبعده بلا رفع صوت ولا كلام مكروه ولا اجتماع، قاله زروق نقلا عن ابن حبيب.
وقد ورد الوعيد الشديد على الصراخ والنياحة، من ذلك قول النبي ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»، متفق عليه من حديث ابن مسعود، وقوله ليس منا؛ فيه الزجر الشديد عما ذكر بالبراءة من فاعله، والجيوب جمع جيب الفتحة التي يدخل منها الثوب الجسد، والمقصود بشقها؛ إكمال شقها، والمراد ب «دعوى الجاهلية»؛ مناداة الباكي الميت كقوله واسنداه واجبلاه واعضداه، أو يقول يا ويلاه واكرباه، ونحو ذلك، وقد روى مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه أحمد ومسلم.
أما ما ورد من ذلك عن بعض الصحابة الكرام مما يخالف، كقول فاطمة -رضي الله تعالى عنها- بعد
стр. 839
موت أبيها ﷺ : «واكرباه»، وقولها: «يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه»، وهو في صحيح البخاري (٤٤٦٢) عن أنس، وكذا قول أبي بكر ﵁ حين وقف على جثمان النبي ﷺ : «وانبياه، واصفياه، واخليلاه»، فقيل إن ذكر بعض محاسن الميت لا حرج فيه، إذا لم يصحبه تسخط على القدر.
والصواب إن شاء الله: أن هذا مما قد يغلب عليه المرء فلا يتمالك، ومن بدر منه شيء من ذلك على هذا النحو فلا مؤاخذة، وقد أقر النبي ﷺ فاطمة على ذلك حيث قالت: واكرباه، فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم»، وهو في صحيح البخاري عن أنس وقد تقدم، أما أنهما لم يبلغهما الخبر؛ فهذا بعيد مع عموم البلوى بذلك.
وعن أبي بردة قال: «وَجِعَ أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا، فلما أفاق قال: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ ، برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة»، رواه الشيخان، والصالقة الرافعة صوتها بالبكاء، وقيل الصلق ضرب الوجه، وليس ببعيد، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة حزنا وأسفا، والشاقة التي تشق ثوبها لذلك.
ويدل كلام أبي موسى بعد إفاقته من غشيته أن المرء ينبغي أن ينهى أهله وغيرهم عما ذكر، فإن كان يعلم من أهله ذلك ولم ينههم كان آثما إن هم فعلوا ذلك به، لأن من لم ينه عن المنكر مع تمكنه من ذلك يأثم، وقد ورد في ذلك قول النبي ﷺ : «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٣١٢٩) عن ابن عمر، وهذا لا ينبغي أن يعارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، فإن المعنى أن أحدا لا يحمل ذنب أحد فيقع التخفيف بذلك عنه، ومقابلها القاعدة التي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، والمقصود أن الأولى تثبت المسؤولية الشخصية على المخالفات والمعاصي، يدل على ذلك سياقها في سورتي الإسراء وفاطر، لكنها مخصوصة بهذا وبغيره، أو لأن الذي يعذب ببكاء أهله إنما يعذب بما ارتكب من ترك النهي عن المنكر الذي علمه من أهله وهو حي، والنهي عن المنكر واجب، وهذا ما يحسن حمل كلام أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عليه، وقال النبي ﷺ : «،،، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وهذا إنما صدر عنه فعله ولم يفعل ما فعله من ائتسى به، وما ذا يقال فيمن علم أن عادة قومه بناء القباب والضرائح على من يظنونهم من أهل العلم أو هم
стр. 840
كذلك، ثم لا يوصي بعدم البناء عليه؟.
وقد قال الشيخ الطاهر بن عاشور عن هذا المعنى في كتابه النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح (ص/ ٤٢) إنه «تأويل بعيد، إذ لا يجب على أحد أن يوصي قومه بأن لا يفعلوا منكرا بعد موته!!، لأن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ورؤيته، وأما الوصايا باجتنابه قبل وقوعه ففضيلة وتنبيه، وليس ذلك بالواجب، فإن أحكام الشريعة تقررت في تكليف الناس فلم يلزم التذكير بها»!!، انتهى.
أما أن تغيير المنكر واجب عند وقوعه ورؤيته فنعم، لكن هذا الذي بكى عليه أهله بكاء غير مشروع، وكان يراهم يفعلون ذلك في حياته ولم ينههم؛ هو معاقب على تقصيره في نهيهم حين رآهم يفعلون، لا على منكر حصل من بعده، فإذا مات ولم يفعلوا ما ذكر فذاك، فوقب لأنه نتيجة تفريطه في تعليم أهله، وأما أن أحكام الشريعة قد تقررت، فلم يجب التذكير بها، فلا يسلم لقائله، إذ التعليم مطلوب، وقد يكون واجبا، ثم يقال إن تقرر أحكام الشريعة يتفاوت في الإلمام به الناس، إذ علمهم بأحكامها غير متساو، بل ولو قدرنا أنهم في منزلة واحدة من العلم بها وهيهات؛ فإن من علم كثيرا ما يواقع المخالفة، فيتعين أمره ونهيه، فمن كان قادرا على ذلك وقصر فعلى نفسه جنى، والاعتماد على ما قاله مؤد إلى عدم لزوم النهي عن المنكر أصلا في كل ما تقرر من أحكام الشريعة وكان بينا، وهذا باطل.
قدم ابن عمر من سفر وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر، وذكر ابن أبي زيد في النوادر في (البناء على القبور وتجصيصها) أنه رثاه فقال:
فإن تك أحزان وفائض دمعة … جرين دما من داخل الجوف مُنقعا
تجرعتها في عاصم واحتسبتها … فأعظَمُ منها ما احتسبنا تجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما … فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
دفعنا بك الأيامَ حتى إذا دنت … تريدك لم نسطع لها عنك مَدفعا
стр. 841
• قوله:
٦ - «وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور، وتستر عورته».
هذا قول مالك -رحمه الله تعالى- في الموطإ (٥٢٢)، قال بعد روايته حديث أم عطية: «وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف، وليس لذلك صفة معلومة، ولكن يغسل فيطهر»، وفي المدونة: «ليس في غسل الميت حد، يغسلون، وينقون»، وعدم التحديد من أصول مذهبه، لكن المراد به هنا أن التحديد بعدد معين من الغسلات، أو بتقديم أعضاء الوضوء ليس حتما لا يكفي الغسل دونه، لكن ذلك لا ينفي فضيلة ما ذكر، بدليل قوله (ويغسل وترا)، وفي حديث أم عطية التفويض فيما زاد من الغسلات على الخمس للغاسل، إذ فيه: «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، على أن يكون وترا، قال ابن حبيب: «والسنة أن يكون الغسل وترا»، وقال النخعي: «غسله وتر، وكفنه وتر، وتجميره وتر»، والتجمير التبخير.
وحديث أم عطية هو الأصل في غسل الميت وهو في الموطإ (٥٢٠) وعند الجماعة د/ ٣١٤٢) قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه»، هذا لفظ الموطإ، والحديث يدل على أن عدد الغسلات يكون وترا، وأن أقلها ثلاث، ثم يفوض للغاسل بحسب ما يراه.
وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود (٣١٤٦) قال: «أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنه»، وينبغي أن يكون في إحداها سدر، أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالصابون، ويكون في الآخرة كافور.
стр. 842
قال مالك كما في كتاب ابن القرطي: «ومن اغتسل عند الموت؛ لم يكتف بذلك الغسل إن مات»، ومراده ﵀ بذلك الرد على من زعم كفايته إذ فعله بعض الناس قبيل موتهم، ومن ذلك ما روي عن فاطمة عليها رضوان الله؛ أنها تطهرت قبيل وفاتها واغتسلت، وأوصت أن لا تكشف، ويكتفى بذلك في غسلها، وهذا مستبعد، وورد أن عليا ﵁ غسلها مع أسماء بنت عميس، واستبعد بعض أهل العلم حضور أسماء لموضع وجوب التستر على المرأة، وعلي ليس بمحرم لها.
أما ستر عورة الميت؛ فواجب كما تستر عورة الحي، فإن حرمة هذا كحرمة هذا، ومن قال بالفرق فعليه الدليل، وقال ﵊ وعلى آله: «ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»، رواه الشيخان وأبو داود (٤٨٦٣)، عن ابن عمر من حديث، وما أكثر ما رأيت الناس يتهاونون في هذا الأمر، وفي المذهب قولان فيما يجب ستره من جسد الميت، الأول أن الواجب ستر السوأتين، وهو ما فهمه اللخمي من المدونة إذ جاء فيها: «ويجعل على عورة الميت خرقة إذا أرادوا غسله، ويفضي بيده إلى فرجه من يغسله إن احتاج إلى ذلك، ويجعل على يده خرقة إذا أفضى بها إلى فرجه،،،»، وهذا كما ترى لا يدل على ما ذهب إليه اللخمي ﵀، ولذلك رده القاضي عياض، والقول الثاني أنها من السرة إلى الركبة في حق الرجل مع مثله، ومع محرمه، وهذا هو الحق، والزيادة على ذلك للتحفظ وسد الذريعة أولى.
стр. 843
• قوله:
٧ - «ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا».
وقد علّلوا ما ذكره المؤلف بأن تقليم الأظفار وحلق الشعر من الزينة، وهي للحي لا للميت، وهذا التعليل ليس صحيحا، فإن الميت يغسل ويطيب، ويكفن في الأبيض، وتجمر ثيابه، ويجعل فيها الحنوط، وثبت مشط شعر الميتة وضفره، وجعله ثلاثة قرون، كما في الصحيحين وسنن أبي داود والظاهر أن ذلك كان من النساء بعد علمهن بالجواز لأنه الأصل، كما أن الظاهر أن تغسيل الميت للتعبد وللنظافة أيضا، وكل هذا من الزينة، وعلله بعضهم بأنها أجزاء منه وأبعاض، فينبغي أن تدفن معه، فإذا أزيلت ضمت إليه، وهذا لا يتجه، فإذا جاء من الدليل ما يؤخذ منه حكم المنع، وإلا فالأصل ما ذكر، وقد ورد عن بعض السلف فعل شيء من ذلك بالموتى، أو ذهبوا إلى مشروعيته، منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن البصري وهما في مصنف عبد الرزاق في أرقام (٦٢٢٨) و (٦٢٣٤) و (٦٢٣٥)، وفيه أيضا كراهية عطاء وأيوب وابن أبي ليلى له، كما كرهه مالك، قال في المدونة: «وأكره أن يتبع الميت بمجمرة، أو تقلم أظفاره، أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله».
أما عصر البطن فإنه من تمام تطهير الميت وتنظيفه، لكن ينبغي أن يكون برفق، وذلك قبل الشروع في الغسل، حتى لا ينزل بعده ما يلطخ كفنه، وفي مصنف عبد الرزاق (١٦٧٤) عن ابن المسيب قال: التمس علي من النبي ﷺ ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: «بأبي وأمي طيبا حيا، وطيبا ميتا»، وظاهره الإرسال كما ترى، لكن رواه ابن ماجة (١٤٦٧) عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: لما غسل النبي ﷺ ، فذكره نحوه، وصححه الألباني، وذهب بعض أهل العلم إلى إعادة الغسل إذا نزل من الميت شيء، وبعضهم إلى إعادة الوضوء، والظاهر عدم الإعادة، إذ لا وجه لقياس انتقاض وضوء الميت على انتقاض وضوء الحي، فأقصى ما يمكن أن يقال أن يغسل ذلك عن الميت من جديد للتنظيف، والله أعلم.
стр. 844
• قوله:
٨ - «وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن، وليس بواجب».
تقديم أعضاء الوضوء، وكذا تقديم الميامن على المياسر في غسل الميت مما أمر به رسول الله ﷺ كما في الصحيحين، د/ ٣١٤٥) من حديث أم عطية، فإنه قال لهن في تغسيل بنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، ولأن هذه الصفة في غسل الحي، وقد عدوها من الفضائل، فتكون كذلك في غسل الميت لثبوت المشابهة بينهما.
стр. 845
• قوله:
٩ - «ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع».
الميت إذا وضع على جنبه الأيسر كان ذلك هو المناسب حتى يتمكن الغاسل من البدء بغسل جنبه الأيمن، لأن الميامن مقدمة، ثم يقلبه على جنبه الأيسر فيغسله، فإن لم يتيسر ذلك فعل ما أمكن مما ليس فيه تشويه لمنظر الميت، وبناء على هذا اختلف العلماء في الوضع الذي يجعل عليه، فرأى ابن القاسم أن يقلب ظهرا وبطنا ولا يجلس، وقال القاضي عبد الوهاب يجلس الميت، لأنه أمكن في مناولة غسله، وهذا حق لكنه خلاف الأفضل لما فيه من تشويه منظره، والحاجة إلى كثرة المعالجة والتحريك للميت، مما قد يتنافى مع الرفق به وهو مطلوب.
следующие страницы →