← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

• قوله: ٣ - «و لا يكون إلا متتابعا». كون الاعتكاف لا يكون إلا متتابعا هو صريح قول مالك في المدونة، ومعناه أنه لا يجوز أن يقطع بغير ما يجوز من حاجة الإنسان كما سيأتي، فإن كان منذروا؛ فالناذر على ما نذر من المدة كيفما كانت، وإن ابتدأ الاعتكاف من غير نذر؛ كان مطالبا بإكمال أقل مدته، وهي يوم وليلة على المذهب، لكونه يجب بالشروع، فإن قطعه بغير ما يشرع له؛ بطل.

стр. 982

• قوله: ٤ - «ولا يكون إلا في المساجد، كما قال الله سبحانه: «وأنتم عاكفون في المساجد»، فإن كان بلد فيه الجمعة؛ فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة». أخذ هذا من ربط الاعتكاف بالمساجد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المساجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد؛ أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها»، انتهى، قاله الحافظ وغيره، والنبي ﷺ لم يؤثر عنه الاعتكاف إلا في مسجده، ولأن البقاع من غير المساجد متساوية في الفضل، والمساجد خير بقاع الأرض، وهي كذلك متساوية عدا المساجد الثلاثة، قال الحافظ: «واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فأجازه في كل مكان»، انتهى. والرجال والنساء سواء في موضع الاعتكاف عند الجمهور، وقال الحنفية تعتكف المرأة في مصلاها، لأن بيتها خير لها في صلاتها من المسجد، كما في الحديث وهذا حق، ولقوله ﷺ : «خير مساجد النساء بيوتهن … »، لكن الظاهر خلاف ذلك، وإلا لاعتكفت أمهات المؤمنين في بيوتهن، فالمرأة يجوز لها الاعتكاف في المسجد إذا أذن لها زوجها وأمنت الفتنة، وقل أن تؤمن في هذا العصر، وقد روى مالك (٦٩٧) والبخاري (٢٠٣٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أراد رسول الله ﷺ أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه؛ وجد أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فلما رآها سأل عنها، فقال: «آلبر تقولون بهن»؟، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال»، وقوله آلبر تقولون بهن، أي هل تظنون أن الحامل على هذا هو البر؟، وقيل لا اعتكاف إلا في

стр. 983

مسجد نبي، ونصره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، مستندا إلى حديث حذيفة أنه قال لابن مسعود: «لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال في مسجد جماعة»، رواه سعيد بن منصور في سننه. والصواب: ما عليه الجمهور من صحته في كل المساجد للعموم الذي في الآية، وقد جاءت في أعقاب ذكر الصيام، والمسلمون جميعا مخاطبون بالصيام، فيكون الاعتكاف وهو قرين الصوم في الذكر؛ مثله في الإمكان، ولا يمكنهم جميعا أن يعتكفوا في المساجد الثلاثة، مع ما في حديث حذيفة المذكور من الاختلاف، للتردد الذي في متنه وغيره، وقد كتب في المسألة الأخ الدكتوركمال قالمي بحثا جيدا نشر في مجلة الإصلاح العدد الرابع سنة (١٤٢٨) يتبين قارئه قوة مذهب الجمهور ورجحانه، فجزاه الله خيرا، وجزى القائمين على المجلة والكاتبين فيها على خدمتهم للسنة والعلم. والمذهب أن الاعتكاف يصح في مسجد الجمعة، وغير الجمعة، لكن إن كان الاعتكاف في بلد تلزم الجمعةُ فيه المكلفَ، وتأتي عليه في أيام اعتكافه؛ تعين عليه أن يعتكف في مسجد الجمعة، ليتمكن من أدائها مع استمرار اعتكافه، وإلا وجب عليه الخروج لها، ويبطل اعتكافه على المشهور، والظاهر عدم البطلان كما ذكره القرطبي في تفسيره معتبرا إياه ضمن حاجة الإنسان المنصوص عليها، وهو رواية ابن الجهم عن مالك، وقال به ابن العربي.

стр. 984

• قوله: ٥ - «وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف؛ عشرة أيام». ظاهر كلامه واضح، فهذا العدد أفضل مما دونه، لا أنه شرط في صحته عند مالك كما ظنه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٥)، أما ما نقله ابن القاسم عنه في المدونة - كما في الاستذكار - من إنكاره ما دون العشرة؛ فإنه يحمل على أنه يريد الأكمل، لأنه الثابت عن النبي ﷺ ، إذ «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، رواه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، «وكان إذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين» رواه أحمد عن أنس. أما أقلّه في المذهب فيوم وليلة، وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله:

стр. 985

• قوله: ٦ - «ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة؛ لزمه يوم وليلة». ظاهر كلامه أن من نذر يوما؛ لزمه دون ليلته، ووجهه أنه الذي تناوله نذره، مع أنه زمان للصوم الذي هو شرط في صحة الاعتكاف على المذهب، لكن الذي في المدونة (١/ ٢٠٢) خلاف هذا، قال فيها: «أرأيت الرجل إذا قال لله علي أن أعتكف يوما، أيكون ذلك يوما دون ليلته؟، فقال: لا، وذلك أن مالكا قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة»، قال سحنون: «وقاله عبد الله بن عمر، وذكره ابن نافع»، انتهى. أما من نذر ليلة؛ فيلزمه اعتكاف اليوم الذي يأتي بعدها، ووجهه أن ذلك أقله عندهم، مع شرطية الصوم فيه. قال ابن العربي في أحكام القرآن: «وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه؛ فضعيف، فإن العبادة لا تكون مقدرة بشرطها، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة، وتبقى الطهارة،،،»، انتهى. قلت: هذا لو ثبت أن الاعتكاف مشروط بالصيام، وذهب سحنون إلى أن من نذر اعتكاف ليلة؛ فهو لغو، لفقد شرط الصيام، ويرده اعتكاف عمر ليلة قضاء لما نذر في الجاهلية وقد تقدم، وقال الشافعي ﵀ بعدم تحديد المدة، فيصح اعتكاف ساعة، واختاره ابن العربي إذ لا دليل يمنع، وفعل النبي ﷺ على الاستحباب، قال: «وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجدا بمدينة السلام لإقامة ساعة؛ يقول لنا: «انووا الاعتكاف تربحوه»!، انتهى. وقد روى عبد الرزاق (٨٠٠٦) عن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف»، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٩٧٤٠) عن ابن جريج عن يعلى بن أمية أنه كان يقول لصاحبه: «انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة»، وهذا هو

стр. 986

المتيسر اليوم لعامة الناس إن أرادوا ذلك ونووا، واحتسبوا الخير، والتزموا أدب المسجد، وراعوا حرمته، فلا تفرطوا في هذه العبادة الجليلة التي يسرها الله لكم، اذهبوا إلى المسجد متطهرين، وادخلوه ذاكرين، واخرجوا منه ذاكرين مشفقين، تكتب لكم الآثار، وتحط عنكم الأوزار، وصلوا تحيته، واجلسوا حيث انتهى بكم المجلس مستقبلي القبلة، تنتظرون الصلاة، فتكونون في صلاة، ولا ريب أن منزلة من كان في صلاة أعظم من منزلة من اعتكف، لكن من منا يحقق شروط هذه المنزلة المتيسرة؟.

стр. 987

• قوله: ٧ - «ومن أفطر فيه متعمدا؛ فليبتدئ اعتكافه». هذا كما قال باعتبار شرطية الصيام في الاعتكاف، فإن عدم الشرط يلزم منه عدم المشروط، وقيد العمد يخرج الناسي، فإنه لا يبطل اعتكافه، وإن لزمه قضاء الصوم لكونه واجبا، وقد تقدم أن الدليل قد قام على عدم بطلان الصوم بالأكل والشرب حالة النسيان، والله المستعان.

стр. 988

• قوله: ٨ - «وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا، ناسيا أو متعمدا». لما كانت المباشرة منهيا عنها حال الاعتكاف؛ فإن من تعمدها يبطل اعتكافه، جماعا كان ذلك أو قبلة، أولمسا بشهوة، لا فرق بين الناسي والعامد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، فيحمل على ما كان بشهوة كما بينه الشوكاني في تفسيره فتح القدير، وفي المذهب خلاف في تقييد المنع بالشهوة، وقد قام الدليل على أن لمس المرأة للحاجة من غير لذة لا شيء فيه، وقد غسلت عائشة -رضي الله تعالى عنها- رأس النبي ﷺ ورَجَّلَتْهُ وهو معتكف، وهو قدوة لأمته، والترجيل المشط والدهن، ويلحق به ما كان مثله من التطيب والتزين والاغتسال.

стр. 989

• قوله: ٩ - «وإن مرض خرج إلى بيته، فإذا صح؛ بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة، وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض، وعلى الحائض في الحيض، فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار؛ رجعا ساعتئذ إلى المسجد». المريض يباح له الفطر، والحائض يحرم عليها الصيام، فإذا مرض المعتكف، فاحتاج إلى الفطر، أو إلى الخروج لسبب آخر شرع له أن يقطع اعتكافه مدة مرضه، فإذا برئ من المرض؛ عاد إلى معتكفه ساعة برئه من غير تأخير، أما المرأة إذا حاضت؛ فإنه يلزمها ترك الاعتكاف؛ لأن الصوم لا يصح منها في تلك الحال، ولأنها ممنوعة من المكث في المسجد، فإذا طهرت؛ عادت إلى اعتكافها من غير تأخير بعد التطهر، لكن حرمة الاعتكاف باقية على المريض وعلى الحائض زمان مبارحتهما للمسجد، فيمنع عليهما المباشرة ونحوها، وإنما جاز لهما الخروج من المسجد للضرورة، وهي تقدر بقدرها، وإذا عادا إلى المسجد؛ فلا يبنيان إلا على يوم صحيح، فإن رجعا ليلا، أو مع طلوع الفجر؛ حسَبا ذلك اليوم لارتباط الاعتكاف بالصوم، فإن عادا نهارا؛ فلا يعتدان بذلك اليوم، لكون الصوم شرطا في الاعتكاف، وقد علمت ما هو الحق في دعوى الشرطية. قال في الموطإ (٦٩٧) عن المرأة تحيض: «إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها؛ إنها ترجع إلى بيتها، فإذا طهرت؛ رجعت إلى المسجد، أية ساعة طهرت، ثم تبني على ما مضى من اعتكافها»، وقال عن المعتكف يمرض: «يقضي ما وجب عليه من عكوف إن صح في رمضان أو غيره، واحتج بقضاء النبي ﷺ الاعتكاف في شوال، وهو مبني على لزوم النفل بالشروع.

стр. 990

• قوله: ١٠ - «ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان». هذا بعض ما جاء في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليُدخل عَلَيَّ رأسَه وهو في المسجد فَأُرَجِّلُهُ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا»، رواه مالك (٦٩٢) والشيخان، (خ/ ٢٠٢٩)، وهذا لأن خروجه لغير ذلك يناقض اعتكافه، ولو كان مأذونا له في الخروج كيفما كان؛ ما سمي معتكفا، وحاجة الإنسان كناية عن البول والغائط، وما لا بد له منه إذا لم يكن معه كالأكل والشرب، ومن ذلك الوضوء والاغتسال، وإذا كان المعتكف لا يدخل بيته؛ فأولى أن لا يدخل بيت غيره، أو يذهب إلى موضع آخر من غير ضرورة، وفي الحديث المتقدم دليل على أن خروج بعض الجسم من المسجد؛ ليس خروجا للجسم، فلا يقع به حنث ممن حلف لا يخرج، وفيه عدم تجاوز القدر الذي يحتاج إليه في المخالفة، فعائشة لم تدخل المسجد؛ لأنها حائض، ولم يخرج النبي ﷺ إلى داره للامتشاط؛ لتمكنه من ذلك من غير خروج، ولو كان الخروج سائغا؛ لما تكلف إخراج رأسه وحده، وقد أمره ربه أن يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]. قال في شرح عمدة الأحكام عن قول عائشة: «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان: «كناية عما يضطر إليه من الحدث، ولا شك أن الخروج له غير مبطل للاعتكاف، لأن الضرورة داعية إليه، والمسجد مانع منه، وكل ما ذكره الفقهاء أنه لا يخرج إليه، أو اختلفوا في جواز الخروج إليه؛ فهذا الحديث يدل على عدم الخروج إليه لعمومه، فإذا ضم إلى ذلك قرينة الحاجة إلى الخروج للكثير منه، أو قيام الداعي الشرعي في بعضه، كعيادة المريض، وصلاة الجنازة وشبهه؛ قويت الدلالة على المنع»، انتهى، يريد ﵀ أنه لو كان الخروج لمثل ما ذكر سائغا؛ لكان كثيرا، فيتنافى مع الاعتكاف، فهذا مما يقوي دلالة

стр. 991

الحديث الفعلي المذكور على أن الترك لذلك على الإلزام. وينبغي لمن رغب في الاعتكاف أن يوكل من يكفيه ذلك، وقد نص بعض أهل المذهب على كراهة اعتكاف غير المكفي، لكونه يعرض نفسه إلى عدم تفرغه لما نذر نفسه له فيبطله. وفي النوادر (٢/ ٩٢) قال ابن نافع قيل: فإن كان ليس له من يأتيه بطعامه، أيذهب ليأتي به؟، فقال: «ولم يعتكف؟، لو أن الناس لم يتكلفوا إلا ما يطيقون»!!، ثم قال: «إن كان قريبا» قيل: «فيشتريه من على باب المسجد؟، قال: «نعم ما قرب أحب إلي». وقالت صفية -رضي الله تعالى عنها-: «كان النبي معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا». وقد جاء في صحيح البخاري (٢٠٣٥): «،،، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة؛ مر رجلان،،، الحديث، وقولها ليقلبني؛ أي ليرجعني إلى بيتي، وفي الحديث جواز زيارة المرأة زوجها في معتكفه، وتحدثها إليه، وتشييعه إياها، لكن ينبغي استحضار شدة قرب بيوت نسائه ﷺ من المسجد، وفيه توقي مواقع الاشتباه، ولو من سيد ولد آدم ﷺ .

стр. 992

• قوله: ١١ - «وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه». لما كان أقل الاعتكاف يوما وليلة في مشهور المذهب؛ كان دخول المعتكف قبل غروب الشمس أو معها واجبا، فإذا لم يفعل؛ فلا يعتد بذلك اليوم وهو قول سحنون، وقيل هو مستحب بناء أن أقل الاعتكاف يوم، وهو قول البغدايين من المالكية، كما صرح به القاضي عبد الوهاب في كتابيه المعونة والتلقين، وجرى عليه خليل في مختصره فقال: «ودخوله قبل الغروب، وصح إن دخل قبل الفجر»، انتهى، لكن أباه الشارح الدردير فقال إن الراجح الوجوب، وفي الموطإ: «يدخل المعتكف المكان الذي يريد أن يعتكف فيه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها حتى يستقبل باعتكافه أول الليلة … ». وفي المسألة أحاديث ظاهرها التعارض، أولها حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، رواه البخاري (٢٠٢٦) ومسلم، وجاء من رواية ابن عمر أيضا، والمراد بالعشر؛ الليالي، فدل على أنه كان يبتدئ اعتكافه من ليلة الواحد والعشرين، وصح أنه كان يعتكف في رمضان عشرة أيام، وهو في البخاري (٢٠٤٤) عن أبي هريرة، فلما جاء في حديث عائشة عند الشيخين (خ/ ٢٠٣٣) أنه ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه»، وهذا لفظ الترمذي (٧٩١)، وظاهره يدل على أنه لم يعتكف إلا تسع ليال؛ حملوا قولها «ثم دخل معتكفه»؛ على أنه وقت الاختلاء بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه، لا وقت بداية اعتكافه.

стр. 993

• قوله: ١٢ - «ولا يعود مريضا، ولا يصلي على جنازة، ولا يخرج لتجارة». هذا قد عرف من قول أم المؤمنين عائشة عن النبي ﷺ : «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»، وقد تقدم، وفي الموطإ (٦١٣) من رواية عمرة بنت عبد الرحمن قالت: إن عائشة كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض، إلا وهي تمشي لا تقف»، وقال مالك: «لا يأتي المعتكف حاجته، ولا يخرج لها، ولا يعين أحدا، إلا أن يخرج لحاجة الإنسان، ولو كان خارجا لحاجة أحد؛ لكان أحق ما يخرج إليه؛ عيادة المريض، والصلاة على الجنائز واتباعها». وقد كره أهل المذهب أن يصلي المعتكف على الجنازة ولو اتصلت صفوفها به وهو في المسجد، أما خارجه فلا يصلي عليها إلا إذا تعينت عليه. فإن قيل: كيف لا يفعل ما هو قربة داخل المسجد وهو غير مناف للاعتكاف؟، فالجواب: أن لأهل المذهب في هذا الأمر اتجاهين؛ أولهما: أن للمعتكف أن يفعل المبار كلها في المسجد، «من قراءة القرآن، والعلم، والتدريس، وكتب الدين، فإنها من أفضل القرب وأجل الرغائب»، وعلى هذا ابن نافع، وأيده ابن العربي، والثاني: أنه لا يفعل ما عدا الصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحو ذلك مما الشأن فيه أن يفعل في المسجد، حتى الاشتغال بالتعليم لا يسوغ، إلا أن يكون تعليما للقرآن الكريم. قال في المدونة: «كره مالك أن يكتب المعتكف العلم في المسجد، وقال عنه ابن وهب: «إلا أن يكون الشيءَ اليسير، والترك أحب إلي، والتجرد للعبادة»، أما قوله «ولا يخرج للتجارة»؛ فهو من باب أولى، لأنه إذا لم يخرج للقربة، فأولى أن لا يخرج للمباحات غير اللازمة.

стр. 994

• قوله: ١٣ - «ولا شرط في الاعتكاف». من العبادات ما لا ينفع فيه الاشتراط باتفاق كالصوم والصلاة، ومنها ما اختلف فيه كالحج والعمرة، وقد جاء النص في الحج، فيكون القول به في الاعتكاف مقايسة، ومعنى كلامه أنه لا ينفع المعتكف أن يشترط في اعتكافه فيما كان مخالفا لأحكامه، كأن يقول أعتكف يومين، فإن بدا لي خرجت، أو إن حصل لي كذا خرجت، أو أعتكف الليالي دون الأيام، أو العكس، أو يقول إذا حصل لي ما يوجب القضاء؛ لا أقضي، كالحيض والمرض، قال مالك في الموطإ: «لم أسمع أحدا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطا، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك من الأعمال»، انتهى، وذكر مالك ﵀ الحج في التنظير لعدم مشروعية الاشتراط في الاعتكاف؛ يدل على عدم قوله في الحج بنفع الاشتراط، وقد ثبت فيه الحديث فيؤخذ به، وهو حديث ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أأشترط؟ قال «نعم» قالت: فكيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني»، رواه أبو داود.

стр. 995

• قوله: ١٤ - «ولا بأس أن يكون إمام المسجد». تقدم اختلاف أهل المذهب في المعتكف: هل له أن يفعل جميع أعمال البر المختصة بالآخرة إذا كان ذلك في المسجد، أم لا يفعل إلا ما شأنه أن يفعل في المسجد، لكن لا يصح اعتماد من قال لا يؤم المعتكف على القول الثاني، لأن الإمامة قد جمعت الوصفين، وهي كونها من أعمال المسجد، ومن القربات، فكان ينبغي على كل من القولين أن تكون مشروعة، ومن العجب أن ينص خليل ﵀ في مختصره على كراهة أن يكون المعتكف إمام مسجد. ولعل المؤلف أراد أن يرد هذا القول فعبر بلا بأس، وأخذ بعضهم من كلامه أن ترك ذلك أحسن، وقد حكي ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما لا في الفرض ولا في النفل!!، ذكره علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، ولعل الدافع لمن قال بذلك أن الإمام يغشاه الناس للحديث معه وسؤاله وغير ذلك، فيشغله عما جرد نفسه له، فأرادوا أن يسدوا الذريعة إليه، ومع هذا فالحق أن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف. قال الشيخ علي الصعيدي: « … أو يستحب أن يكون راتبا في المسجد وهو المعتمد»، قال أبو الحسن معقبا على قول المؤلف السابق: «وانظر هذا مع ما صح أن النبي ﷺ كان يعتكف وهو الإمام».

стр. 996

• قوله: ١٥ - «وله أن يتزوج أو يعقد نكاح غيره». المقصود أن له أن يعقد النكاح لنفسه، أو يفوض من يعقد له النكاح حال اعتكافه، كما أن له أن يعقد نكاح غيره من الرجال أو من النساء، على أن يكون ذلك في المسجد وبما خف من الكلام، ودليل ذلك استصحاب الأصل، لعدم ورود ما يدل على المنع، ولا يصح قياس المعتكف على المحرم بحج أو عمرة، إذ من المعلوم أن المعتكف يجوز له التطيب والتزين وسائر ما يجوز للحلال إلا ما استثني، فإن كل ذلك لا يتنافى من الاعتكاف، وهو ينافي الإحرام فافترقا.

стр. 997

• قوله: ١٦ - «ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه؛ خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره، وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر؛ فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى». لما بيّن وقت دخول المعتكف؛ ذكر هنا وقت خروجه، والحكم فيه مختلف بين من اعتكف شهر رمضان أو بعضه من آخره، وبين غيره، فمن كان اعتكافه في غير شهر رمضان؛ فله أن لا يبيت في المسجد الليلة الأخيرة من اعتكافه، ويخرج بعد غروب الشمس، لأن الليلة لليوم الموالي، وليس هو مما يريد اعتكافه. ورأى اللخمي -رحمه الله تعالى- أن يبيت الليلة الأخيرة في المسجد معتمدا على حديث أبي سعيد الخدري - من رواية مالك - قال: «كان رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من اعتكافه؛ قال: «من اعتكف؛ فليعتكف العشر الأواخر،،، الحديث، رواه مالك (٦٩٩)، والبخاري (٢٠٢٧)، ولا حجة في ذلك كما يعلم بالرجوع إلى شرحي الزرقاني، والحافظ في الفتح. أما من كان اعتكافه في رمضان متصلا بآخره؛ فيستحب له على المذهب المبيت ليلة العيد في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، قالوا: ليصل عبادة بعبادة، يعنون الاعتكاف والصيام بصلاة العيد، وهي رواية ابن وهب عن مالك كما في النوادر قال: «يدخل المعتكف العشر الأواخر معتكفه إذا غربت الشمس من ليلة أحد وعشرين، ويصلي المغرب فيه ويقيم، ويخرج من المسجد إلى المصلى، يؤتى إليه بثيابه»، انتهى، وقال مالك في الموطإ: «بلغني عن بعض أهل الفضل الذين مضوا أنهم لا يرجعون حتى يشهدوا العيد مع الناس»، ونقله أيضا من فعل أبي بكر ابن عبد الرحمن، الذي لم ير غيره يعتكف، وقال

стр. 998

القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة مستدلا للاستحباب: «لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل»، انتهى. ولا أدري مأخذ هذا الاستحباب، فلعله أخذه من حديث أبي سعيد برواية مالك، لكن ليس فيه ذكر ليلة العيد، وروى ابن القاسم أنه يخرج ليلة العيد، وقال القرطبي في التفسير: «استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه قال أحمد،،، إلى أن قال: وقال سحنون: إن ذلك على الوجوب، فإن خرج ليلة الفطر؛ بطل اعتكافه، وهذا يرده ما ذكرنا من انقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف؛ لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر»، انتهى، والله أعلم وأحكم.

стр. 999

٢٥ - باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن، وذكر الجزية،،، الخ الزكاة: هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة، منكر وجوبها ليس بمسلم، ومانعها تؤخذ منه قهرا، وهي حق أوجبه الله تعالى في أموال الأغنياء للفقراء وبقية مصارفها، وقد ذكر المؤلف معها الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين؛ لما بين هذه الأمور من المناسبة. ومعنى الزكاة في اللغة الزيادة والنماء، يستوي في ذلك الحسيات كالنبات والمال، والمعنويات كنمو الإنسان بالفضائل وصالح الأعمال، وسميت صدقة المال زكاة؛ لأنها تعود بالبركة على المال المزكى، فقد قال النبي ﷺ : «ما نقص مال من صدقة»، وفي المقابل جاء أن الزكاة ما خالطت مالا إلا أهلكته. ثم إن ما يخرجه المرء من المال ينميه الله تعالى له بمضاعفة الأجر عليه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، بقدر ما يكون عليه المتصدق من الإخلاص والتثبت، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ومعنى إنفاقهم تثبيتا من أنفسهم؛ قيل على يقين بالثواب عليها، وقيل: يعلمون أن ما أخرجوا خير مما تركوا. وتحصل الزكاة أيضا لنفس المزكي بتطهيرها من رذيلة الشح وقسوة القلب، ومن آثارها سلامة قلوب الفقراء على الأغنياء، فيدعون لهم، ويتمنون المزيد من الخير لهم،

стр. 1000

ومنها دعاء الإمام الذي يتسلم الصدقة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال بعد أخذ الزكاة: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، وفي الحديث الذي رواه الشيخان والترمذي (٦٦١) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحكم فُلُوَّهُ أو فصيله»، والحديث عام في الصدقة الواجبة والتطوع، وفي قوله: «إلا أخذها الرحمن بيمينه»؛ إثبات اليمين لله تعالى. وانظر ما قاله الترمذي في جامعه باب ما جاء في فضل الصدقة، حيث أثبت منهج السلف في الصفات، وتربو معناه تكثر وتزداد، والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، وبكسر الفاء وسكون الواو، وجمعه أفلاء؛ هو المُهْرُ، والفصيل ولد الناقة إذا فصل عنها، جمعه فصلان بضم الفاء وفصال بكسرها، ووجه المناسبة بين تكثير الأجر على الصدقة من حلال، وبين تربية الفلو؛ ما في تربيته وما كان في معناه من الحاجة إلى التعاهد والعناية والرعاية حتى يبلغ المربى مبلغ الكمال، فالصدقة يكثرها الله وينميها كيفما كانت قليلة، والجبل الذي هو منتهى التكثير؛ متفاوت في العظم، وإن اتحد في الاسم. وللزكاة شروط وجوب هي حولان الحول في زكاة العين والأنعام، وكمال الملك، والحرية، وخروج الساعي في الماشية إن وجد على المذهب، وعدم العجز عن تنمية المال. وشروط إجزائها أربعة: النية، وإخراجها بعد وجوبها، وفي تقديمها بيسير الوقت خلاف، ودفعها إلى الإمام العادل إن كان، أو إلى الأصناف الثمانية عند عدمه، ولا يشترط استغراق تلك الأصناف، والإخراج من عين ما وجبت فيه، ومن آدابها إخراجها عن طيب نفس، ومن كسب طيب، ومن خيار المال، ودفعها للمساكين باليمين، وسترها عن أعين

стр. 1001

الناس، وتفريقها في البلد الذي وجبت فيه، وفي إخراجها إلى مسافة القصر خلاف، وأن تعطى للأحوج فالأحوج، وعلى الإمام أو المصدق أن يدعو لصاحبها، ومما جاء في إخراج المرء زكاة ماله بنفسه ما رواه البيهقي وأبو عبيد عن أبي سعيد المقري قال: «جئت عمر بن الخطاب ﵁ بمائتي درهم، قلت: يا أمير المؤمنين هذا زكاة مالي، قال: اذهب بها أنتَ فاقسمها».

стр. 1002

• قوله: ٠١ - «وزكاة العين والحرث والماشية فريضة». أجمع المسلمون على أن الزكاة واجبة في هذه الأنواع الثلاثة، وهي زكاة العين، أي الذهب والفضة، ويقوم مقامهما الآن ما كان بدلا عنهما من الأثمان في هذه الأزمان، وزكاة الحرث، لكن اختلف المسلمون فيما يشمله هذا النوع، وزكاة الماشية، وهي الإبل والبقر والغنم، وفي الموطإ بلاغا في ترجمة ما تجب فيه الزكاة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على دمشق: «إنما الصدقة في العين والحرث والماشية»، ومجموع ما تجب فيه الزكاة بالتفصيل ستة هذه الثلاثة، وزكاة المعدن، وعروض التجارة، وزكاة الفطر، لكن زكاة المعدن والعروض؛ مآلها إلى زكاة العين، وزكاة الفطر على النفوس، لا على الأموال. فائدة: روى مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنّ عثمان بن عفان كان يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤد دَيْنه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة»، وهذا مشعر أنهم كانوا يتحرون وقتا يؤدون فيه الزكاة جميعا كما يفعل معظم الناس اليوم يخرجون زكاة أموالهم في شهر المحرم ليسهل ذلك عليهم، وهذا إذا كان متقدما على الحول فلا بأس إن شاء الله، أما التأخر عنه فلا، والخير إخراج كل أحد زكاة ماله متى حال عليه الحول لأنه الأصل ولما في ذلك من تواصل مد المحتاجين بالمال طول العام.

стр. 1003

• قوله: ٠٢ - «فأما زكاة الحرث؛ فيوم حصاده». اعلم أن زكاة المال بالنظر إلى الزمن؛ أقسام ثلاثة، أولها: ما لا يتوقف وجوب الزكاة فيه على مرور زمن، وهو المعدن والركاز، والثاني: ما تجب الزكاة فيه بمرور الحول، وهو العين والماشية، والثالث: ما تجب فيه الزكاة بحصاده، وهو النبات، ودليله قول الله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ومعنى الأمر بإخراجها يوم الحصاد؛ أنها تترتب في الذمة ابتداء من ذلك الوقت عند أهل المذهب، والمشهور أن وقت الوجوب الإفراك، بمعنى اليبس والطيب، فما نقص منها بسبب الأكل والعطية ونحوهما؛ ضمنه المزكي، وفيه نظر، أما الإخراج بالفعل؛ فيكون بعد التصفية.

стр. 1004

• قوله: ٠٣ - «والعين والماشية ففي كل حول مرة». دليل ذلك قول النبي ﷺ : «،،، وليس في مال زكاة؛ حتى يحول عليه الحول»، وهو من جملة حديث علي ﵁ عند أبي داود (١٥٧٣) والترمذي وابن ماجة وهو في الموطإ موقوفا على ابن عمر، ولما كان المال المزكى ليس إلا عينا أو حرثا أو ماشية، وقد خرج الحرث بالدليل القرآني المتقدم؛ بقي ما عداه مشترطا في وجوبه مرور الحول، واختلف الزرع عن غيره، لأن يوم الحصاد؛ تكمل فيه دورة النبات، ويجني الزارع ثمرة جهده، ولأن الزرع لا يحتاج إلى تحريك وضرب في الأرض، ولهذا المعنى ألحق به المعدن والركاز، فأما العين والماشية؛ فجعل الشرع الزكاة فيها مرة كل سنة كي يتمكن المالك من تنميتهما، فالحمد لله على ما أغنى وأقنى.

стр. 1005

• قوله: ٠٤ - «ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق، وذلك ستة أقفزة وربع قفيز» لما بين وقت وجوب الزكاة؛ ذكر النصاب الذي إذا بلغه الحرث وجبت فيه الزكاة، ونصاب الحبوب والتمر يقدر بالكيل لا بالوزن، لأن أنواع الحبوب ومثلها التمور وإن تساوت في الكيل؛ فإن أوزانها تختلف، لا ختلاف كثافتها، فلا يتأتى أن يكون الوزن ضابطا للنصاب في جميعها، ومن ثمة فلا ينفعنا أن نعد جدولا بأوزان الحبوب، لأن الجنس الواحد منها كالقمح مثلا تختلف أنواعه بالكبر والصغر والصلابة والليونة، فيختلف من ثمة وزن بعضه عن بعض، وكذلك التمور، ولذلك فالضابط المطرد هو ضابط الكيل، وقد ألمح المؤلف إلى أن الزكاة إنما تجب في الحرث، إذا كان حبا أو تمرا، لأنه هو الذي يوسق، مع كونه قوتا مدخرا، فلا تجب في الخضر، أو لأنه أراد أن يوافق بذلك ما جاء في بعض روايات حديث أبي سعيد الخدري المتفق على أصله: «ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة»، ولفظه هذا عند أحمد ومسلم (٩٧٩). وقد ذكر المؤلف ما يساوي خمسة أوسق بالكيل الذي كان مستعملا في بلده، وهو ستة أقفزة وربع قفيز، لأن العبرة بالمعيار الشرعي لا العرفي، إلا أن لا يكون الشرع قد بين المعيار، وإنما فعل ذلك ليسهل على الناس معرفة النصاب بما يتداولونه من الأوعية، والقفيز يختلف حجمه باختلاف البلدان، وقد قال زهير بن أبي سلمى عن حرب عبس وذبيان: فتغلل لكم ما لاتغل لأهلها … قرى بالعراق من قفيز ودرهم وقد ذكر غير ابن أبي زيد مثل ما ذكره هو مراعين المكاييل المعمول بها في زمنهم، ومنهم أبو عبيد في كتاب الأموال، وعبد الله المنوفي، إذ حرر النصاب بحضرته؛ فوُجد ستة

стр. 1006

أرادب ونصفا ونصف ويبة، وذلك سنة سبع وأربعين وسبعمائة، والإردب والويبة مكيالان كانا مستعملين يومئذ، ومحمد عرفة الدسوقي في القرن الثالث عشر؛ فكان النصاب أربعة أرداب وويبة، فتبيّن أن مكاييلهم كان حجمها يتغير، وذكر الشيخ زروق في شرحه على الرسالة أن قفيز تونس في وقته يساوي الوسق الشرعي. قلت: كان هذا من صنع الموحدين إذ أحدثوا ما يسمى بالقفيز في تونس، قال الأبي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم (٣/ ٤٠٠): «وهو من محاسن ما أسس الموحدون، لأنهم جعلوا القفيز قدر الوسق، تيسيرا لمعرفة قدر النصاب الشرعي»، انتهى، فانظروا كيف سجل التأريخ هذه المأثرة لهذا الحاكم، فليرجع بنا حكامنا إلى الحق يفلحوا ونفلح. والذي تجب فيه الزكاة في المذهب عشرون صنفا من الحبوب وغيرها، وهي القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، والعلس، والقطاني السبعة: البسيلة، والفول، والترمس، والعدس، والحمص، واللوبيا، والجلبان، والتمر، والزبيب، وذوات الزيوت، وهي الزيتون، والقرطم، وحب الفجل الأحمر، والسمسم، ورأى بعضهم وجوب الزكاة في التين لكونه مقتاتا مدخرا، لأن مالكا لم يعرف ادخاره، فلم يوجب فيه الزكاة، أو لأنه وإن كان مقتاتا فذلك ليس في حال الاختيار، وقد اعتبر ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٦٢) قول مالك الذي فيه قصر وجوب الزكاة على ما يقتات في حال الاختيار؛ أظهر قوليه، وعليه فلا زكاة في القطاني عنده، لأنها لا تقتات في تلك الحال. وقد جاء في حديث أبي موسى ومعاذ ﵄ أن النبي ﷺ قال لهما: «لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر»، رواه الدارقطني (٢/ ٩٨) والطبراني والحاكم والبيهقي وقال: «رواته ثقات، وهو متصل»، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني كما في تمام المنة، وسكت عنه الحافظ في بلوغ المرام (ح/ ٦٣٦)، وحكى ابن عدي تضعيف الحديث عن جماعة، ورواه البيهقي بلفظ غير مرفوع، وهو أنهما حين بعثا إلى اليمن لم يأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة،،،»، كما في نصب الراية للزيلعي، وورد من حديث موسى بن طلحة عن عمر ﵁ قال: «إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب»، رواه الدارقطني (٢/ ٩٦)،

стр. 1007

وسنده ضعيف كما في التعليق المغني، وروى مثله ابن ماجة (١٨١٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قولَه مثل قول عمر، وزاد الذرة، وإسناده واه كما قال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٨٣٨)، وقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٨٩): «وأما أحاديث إنما تجب الزكاة في خمسة»؛ فكلها مدخولة وفي متنها اضطراب»، انتهى، ثم ساقها. وألفاظ هذه الأحاديث كما ترى متفاوتة الدلالة، فقول عمر ﵁: «إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذا الخمسة - مع ضعف سنده - ليس فيه دلالة على المنع من الأخذ من غير الخمسة إذا وضع في الحسبان احتمال كون ذلك مراعى فيه الواقع، والأثر الذي رواه اليهقي وفيه أن معاذا وأبا موسى لم يأخذا إلا من الأربعة ليس مرفوعا، فضلا عن كون غير الأربعة ليس بالضرورة أن تكون حبا مقتاتا في البلد الذي توجها إليه، فيقال إن ما كان مقتاتا في غير ذلك البلد ألحق به. أما المرفوع الذي فيه الحصر وهو أقوى الأدلة فإنه إذا سلم ثبوته احتمل أن يكون الراوي حاكيا لتصرف معاذ وأبي موسى بتنزيله فعلهما منزلة ما أمر به النبي ﷺ ، واتحاد المخرج لا يبعد معه هذا المعنى الذي قد يحمل عليه الحديث رعاية لظواهر القرآن الكريم حتى يجمع بين هذه الآثار وبينه، لكن هذا الحمل بعيد لما يلزم عليه من إبطال حجية الأحاديث بمجرد التوهمات والظنون. أما الذي عليه الأمة فإن من ثبت عنده هذا المنقول رآه مخصصا لعمومات القرآن، فذهب إلى القول بحصر زكاة الحرث في الأربعة، وهو ما قال به بعض الأئمة الأعلام، منهم ابن عمر، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن، وابن سيرين، وأبو عبيد، وابن زنجويه، لكن لا يبعد أن يكون ما في الحديث حصرا إضافيا لكون هذه الأربعة هي التي كانت قوتهم في ذلك البلد، فما كان في معناها مما هو قوت للناس في غيره وجبت فيه. وقد أشار إلى هذا المعنى أبو عبيد في كتاب الأموال (النص ١٤٠٩) وإن لم يكن قصده بهذا القول هو قصدي، فقد قال موجها قول من حصرها في الحنطة والشعير والتمر: « … ، فذهبوا إلى أن رسول الله ﷺ إنما حكم على العرب في صدقاتها بما يعرف من أقواتها، مما هو طعام لها في حاضرتها وباديتها، فلم تكن إلا هذه الأصناف الثلاثة،،،»، انتهى،

стр. 1008

ويحتمل أن يكون المقصود عدم أخذ الجابي من غير تلك الأنواع وترك إخراجها لأصحابها. ولعل المعنى الأول هو الذي راعاه من زاد من السلف على الأربعة أو نقص منها، فنقص منها شريح والشعبي، وزاد ابن عباس السلت والزيتون، وزاد إبراهيم الذرة، وزاد عمر بن عبد العزيز القطاني والسلت، وزاد مكحول القطنية. وقال الزهري: «التوابل بمنزلة الحبوب تزكى»، ذكرهم أبو عبيد في كتاب الأموال: (باب السنة فيما تجب فيه الصدقة مما تخرج الأرض)، وتوسع مالك فرأى الاعتماد على الاقتيات، وقال أحمد تجب الزكاة في كل ما يوسق، فلم يخص مقتاتا من غيره، وقال عبد الملك ابن الماجشون بوجوبها في أصول الثمار دون البقول، وقد اقتربا من قول أبي حنيفة الذي قال بوجوب الزكاة في جميع ما يؤكل قوتا كان أو غيره، والمسألة من المعضلات، وبالله التوفيق والعصمة. قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢/ ٧٥٩) بعد أن سرد أقوال بعض المذاهب: «وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وقال إن الله أوجب الزكاة في المأكول قوتا كان أو غيره،،»، ثم شرع ينصر هذا القول، ويرد ما عداه فانظره فإنه نفيس. واعلم أنه يلزم على القول بعدم وجوب الزكاة في غير الأربعة، وهكذا غيرها مما ذكره من قاس عليها كل بحسب ما عرف من المحاصيل في بيئته؛ أنه متى لم يكن ما ذكر مستنبتا في مكان؛ فلا زكاة في الحرث أصلا، وهذا بعيد من مقاصد الشرع في الزكاة، فإن على رأسها مواساة المحتاجين، والقيام بالمصالح العامة والخاصة المرتبطة بالمصارف الثمانية، والشارع لا يتشوف إلى نوع بعينه مما يقيم الناس به أودهم من الطعام فيرغب في استبقائه ووجوده، فيلزم الناس باستنباته وتنميته، حتى يقال لا يجب في غير ما ذكره، فإن الحكمة من الزكاة بيّنة واضحة، نظيره أن الشارع إنما أوجب الزكاة في الذهب والفضة، فلم يقال بوجوب الزكاة فيما قام مقامها من العملات في هذا العصر؟ فإن قيل: كانا أثمانا للأشياء، فما حل محلهما في ذلك أعطي حكمهما، قلنا: وهذه أموال وأقوات وأطعمة للناس، إذا لم تكن موجودة في زمن أو في موضع ووجدت في آخر

стр. 1009

أعطيت الحكم لقيامها مقامه، ونظيره أن النبي ﷺ فضل الفارس على الراجل في الغنيمة، فهل يقال إنه لا يفرق في قسمة الغنيمة بين مجاهد وآخر في هذا العصر مهما اختلف غَناء هذا عن هذا، ومهما كانت الوسيلة التي يستخدمانها في القتال، لو كان المسلمون قادرين على جهاد الطلب، والحال أنّ الخيل لا تستعمل في القتال؟، إن الزكاة وإن كانت من العبادات التي الشأن فيها ترك القياس، بالنظر إلى بعض أمورها كالمقادير المخرجة حسب الأصناف، ومتى يجب الإخراج من مختلف الأصناف؛ إلا أنها معقولة المعنى من جهة مواساة الفقراء وسد حاجتهم، والقيام بشؤون المصارف الأخرى، ولذلك حصل الخلاف في لزوم النية لها، كما جرى الخلاف في جواز إخراجها قبل وقتها، فالقول بعدم وجوبها في غير تلك الأصناف الأربعة يلزم عليه عدم إخراجها من الحرث في بعض الأزمنة والأمكنة، ولا ريب أن هذا القول عظيم، وقد يقال إن أموال الناس معصومة فلا يجوز الإقدام على أخذ شيء منها إلا بدليل ناهض، وهذا حق، لكننا هنا بصدد شيء قد دل القرآن بظاهره عليه، وأخذ به بعض سلف هذه الأمة، كعمر بن عبد العزيز وغيره، وأيده بعض كبار أهل العلم من أصحاب المذاهب، مع توفره على معنى المواساة الذي هو من مقاصد الشرع في الزكاة، والنص الذي اعتبر مخصصا اختلفت الأمة في ثبوته وفي دلالته.

стр. 1010

• قوله: ٠٥ - «والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ، وهو أربعة أمداد بمده ﵊». الوسق بفتح الواو وتكسر؛ مفرد أوسق وأوساق، وهو معيار من معايير الكيل، فأما أنه ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد بمد النبي ﷺ ؛ فمما لا خلاف فيه بين الناس، إنما الخلاف بينهم في مقدار الصاع والمد، فقيل خمسة أرطال وثلث من غير فرق بين مد الطعام والماء، وعلى هذا مذهب مالك، وقيل ثمانية أرطال فيهما معا، وهو قول أهل العراق، وفرق قوم بين صاع الماء وصاع الطعام، فجعلوا صاع الماء على قول أهل العراق، وصاع الطعام الذي يرجع إليه في الزكاة على قول أهل الحجاز، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٤٣)، قال أبو عبيد في كتاب الأموال عن مذهب أهل المدينة: «فاجتمعت فيه ثلاث خلال: حديث النبي ﷺ ، وتدبر حديث عمر، واتفاق أهل الحجاز عليه، فأين المذهب عن هذا»؟، انتهى، يعني بالحديث قوله ﷺ : «المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة»، فأما حديث عمر؛ فهو ما رواه (١٦٠٦) عنه من ضربه الجزية مفرقا فيها بين أهل الذهب وأهل الورق، وما فرضه معها من أرزاق المسلمين، وقد ناقش الأثر وقارن بين المعايير الواردة فيه، فأداه إلى ما انتهى إليه من الترجيح. وقد تقدم في باب الطهارة أن حجم المد بالماء يساوي (٦٩، ٠) جزءا من مائة جزء من اللتر على وجه التقريب، ومهما يكن فإن حجم المد بالماء لا يزيد على ٦٩، ٠ ل، ولا يقل عن ٦٣، ٠ ل، فيكون حجم الخمسة أوساق وعاء يسع (٨٢٨) ل، وهذه أحجام الوحدات التي تتوقف معرفة النصاب عليها لمن أراد أن يكون عنده أوعية بقدرها، وهي على وجه التقريب لا التحديد: - حجم المد ٦٩، ٠ ل

стр. 1011

- حجم الصاع ٦٩، ٠ ل× ٤ = ٧٦، ٢ ل - حجم الوسق ٧٦، ٢ ل × ٦٠ = ٦٠، ١٦٥ ل - حجم ٥ أوسق ٦٠، ١٦٥ ل × ٥ = ٨٢٨ ل أما ضابط النصاب بالوزن؛ فيمكن تحديده بالتقريب لكل جنس زكوي بملء هذه الأوعية ثم وزنها، لكن ينبغي التنبه إلى تفاوت أفراد الجنس الواحد بحسب الكثافة، وقد سماها أبو عبيد (الرزانة والخفة)، أما جعل مرجع نصاب الحبوب ما يسعه إناء مملوء قمحا بوزن (٦٤٧) كلغ كما ذكره صاحب صحيح فقه السنة جزاه الله خيرا، فيأباه اختلاف الأجناس بعضها عن بعض بالصلابة والليونة فيختلف وزنها مِنْ ثَمَّ، بل إن أصناف الجنس الواحد يوجد فيها هذا التفاوت، وكون النصاب في الحبوب تقريبًا لا تحديدًا غير مغن هنا في الرد. ولم يذكر المؤلف ﵀ اختلاف القدر الواجب إخراجه من الحرث بالنظر إلى كيفية سقيه، وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، رواه الترمذي (٦٣٩). وفي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه سن فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، ومعنى سن شرع، والنضح الرش، والمراد ما سقي بالسانية أي الإبل كما في جاء في رواية مسلم، وقد كانت هي وسيلتَهم في ذلك، وتدعى النواضح. وقال في النهاية «العثري ما يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة»، والمقصود التفريق بين ما سقي من غير مشقة وكلفة كماء الأمطار والماء الجاري وما يسقى بقليل الماء عند بذره فهذا فيه العشر، وما خالف ذلك ففيه نصف العشر، وما كان فيه من هذا وهذا فعلى حكميهما إن تساويا، وإلا فالحكم للأغلب، وقيل كل على حكمه. وتأمل كيف فرض الشرع إخراج نسب من المال مختلفة لها صلة بما في تنميته من الكلفة كثرة وقلة، فأوجب إخراج ربع العشر في زكاة العين وما رجع إليها وهو زكاة التجارة، وفي الحرث نصف العشر فيما سقي بكلفة، والعشر فيما ليس كذلك، وفرض

стр. 1012

الخمس في الركاز، فتدرجت نسب الزكاة هكذا صعودا: -١/ ٤٠ - ١/ ٢٠ - ١/ ١٠ - ١/ ٥. أما في زكاة الأنعام فالرفق فيها أبين وإن كان متفاوتا حسب كل صنف، لما في تنميتها من الكلفة، لكن القدر المخرج أقيم على الأعداد. ويسأل كثير من الناس عن نفقاتهم على الحرث هل تطرح قبل إخراج الزكاة أم لا؟، والظاهر أن الشرع قد راعى ذلك إذ جعل فيها العشر أو نصف العشر حسب طريقة السقي، فإذا أنفق المرء من ماله فهذا حكمه، وإذا استدان، فالمذهب أن الدين إنما تسقط به زكاة العين وحدها كما سيأتي.

стр. 1013

• قوله: ٠٦ - «ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق؛ فليزك ذلك، وكذلك تجمع أصناف القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر، وكذلك أصناف الزبيب، والأرز والدخن والذرة كل واحد منها صنف، لا يضم إلى الآخر في الزكاة». مشهور المذهب أن الحبوب وهي القمح والشعير والسلت بضم السين؛ يجمع بعضها إلى بعض في الزكاة، فإذا بلغ مجموعها خمسة أوسق؛ وجبت الزكاة، وكذلك تضم أصناف القطنية، وتضم أصناف التمور بعضها إلى بعض، وأصناف الزبيب، ويخرج من كل ما ينوبه، وإذا أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، لا العكس، وعمدتهم في القول بالضم؛ أن منافعها متقاربة بل متحدة، ويمكن انتزاع ذلك من لفظ حديث أبي سعيد المتقدم: «ليس فيما دون خمسة أوساق من حب ولا تمر صدقة»، لكن من علم أن النبي ﷺ أباح بيع القمح بالشعير متفاضلا بقوله «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»؛ صعب عليه القول بالضم في الزكاة، أما أصناف الزبيب وأصناف التمر فإن الاسم يجمعها فلا شك في ضم بعضها إلى بعض.

стр. 1014

• قوله: ٠٧ - «وإذا كان في الحائط أصناف من التمر؛ أدى الزكاة عن الجميع من وسطه». إذا كان التمر الذي وجبت فيه الزكاة صنفين؛ فقد تقدم القول فيه، وهو أنه يؤخذ من كل ما ينوبه، وإن أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، وإن كان صنفا واحدا؛ أخرج منه كيفما كان، ولا يكلف شراء غيره، لأن الأصل أن تخرج الزكاة مما وجبت فيه، فإن كان أصنافا عدة؛ أخرج من الوسط، لما في الإخراج من كل الأصناف من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، فإن أخرج الأعلى؛ فقد تطوع، ومن تطوع خيرا فهو خير له.

стр. 1015

• قوله: ٠٨ - «ويزكى الزيتون: إذا بلغ حبه خمسة أوسق؛ أخرج من زيته، ويخرج من الجلجلان وحب الفجل من زيته». استدلوا على وجوب زكاة الزيتون بقول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإن الحق المذكور يراد به الزكاة، إذ لا يجب غيرها، وقيل إنه حق آخر كان واجبا قبل فرض الزكاة ثم نسخ. فإن قيل: إن سورة الأنعام مكية والزكاة إنما فرضت في المدينة؛ فالجواب: أنه لا يمتنع أن تكون الزكاة قد فرضت بمكة جملة، ثم فصلت بقية أحكامها من نصاب ومقدار بالمدينة، لكن يرد على هذا الاستدلال أن الرمان ذكر مع الزيتون، والمستدلون لا يقولون بوجوب الزكاة فيه، كيف والضمير في قوله ﴿حَقَّهُ﴾ شامل لهما ولما معهما، واستدلوا أيضا بعموم حديث: «فيما سقت السماء العشر»، ولا يستقيم لهم، لأنهم يُلزَمون القول بتزكية غير الزيتون، مما يدخل في العموم، وقد يتفصون من هذا الإلزام بقولهم خصصنا ذلك العموم بالقياس لأن الزيتون مقتات، لكن نازعهم في ذلك أيضا بعض أهل العلم، ومنهم العز بن عبد السلام. وأشف ما يستدل به لزكاة الزيتون أمران أولهما قول ابن شهاب ﵀: «مضت السنة في زكاة الزيتون؛ أن تؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصر»، وقد رواه عنه جمع منهم سحنون، وابن أبي شيبة، ويحي بن آدم، وقد قيل إنه أصح ما في الباب كما في التلخيص الحبير، لكن قول التابعي من السنة ليس له حكم الرفع، وهو على كل حال يفيد انتشار هذا الأمر في عهد التابعين والعمل به، وقد روي أخذ الزكاة من الزيتون عن ابن عباس ولم يصح عنه، والثاني من جهة القياس، وهو اعتبار زيت الزيتون مقتاتا مدخرا، فتجب فيه

стр. 1016

الزكاة على أصل المذهب، لكن كونه مقتاتا فيه نزاع، وقال ابن وهب لا تجب فيه الزكاة، ولا تجب في كل ما له زيت، قال ابن عبد السلام وهو الصحيح على أصل المذهب، لأنه ليس بمقتات، وقيل هو مصلح للمقتات، فأعطي حكمه كما قالوا ذلك في تعليل دخول الملح في الربويات، لكن الفرق أن الملح داخل فيها بالنص. والمشهور أن الزيتون - ومثله ذوات الزيوت - متى وجبت الزكاة فيها ببلوغها خمسة أوسق حبا؛ أخرج من زيتها بالغا ما بلغ، ولا يخرج من حبها، فالعبرة في النصاب بالحب، أما الإخراج من زيته فلأنه المقصود، وبالقياس على غيره، فإن المساكين إنما يأخذونه مصفى. قلت: والزيتون نفسه مقصود فيظهر أنه إن أخرج من حبه أجزأه مراعاة للأصل، فإن كان ممن يعصره؛ كان الأفضل أن يخرجه زيتا، لما فيه من الإحسان والرفق، أما إن لم يكن ممن يعصره؛ فلا يكلف شراء الزيت لإخراجه.

стр. 1017

• قوله: ٩ - «فإن باع ذلك؛ أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله». إذا باع الزيتون ولم يعصره؛ أخرج من ثمنه، ولا يراعي بلوغ ثمنه نصاب النقد، لأن العبرة فيه بأصله، وقد قيل إنه إذا كان الزيتون مما له زيت؛ أخرج من زيته، وإن كان مما ليس له زيت؛ أخرج من ثمنه إذا باعه، ومثله ما لا يجف من الأعناب والرطب، فإنه يزكى، وإن بيع بأقل مما تجب الزكاة فيه بشيء كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، والخرص الحزر والتقدير، فإن نقص عنها؛ لم تجب فيه الزكاة، ولو كان ثمنه أكثر من النصاب، وقد أشار المؤلف بقوله إن شاء الله، إما إلى ضعف إجزاء الإخراج من ثمن ما له زيت، والأولى أن يحمل على الإشارة إلى قوة الخلاف في المسألة.

стр. 1018

• قوله: ١٠ - «ولا زكاة في الفواكه والخضر». ظواهر القرآن تدل على إخراج الزكاة من جميع ما تنبت الأرض، ومن جميع الأموال، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومثلها آية سورة الأنعام المكية التي فيها إيجاب إخراج الحق يوم الحصاد من الزرع عموما ومن النخل والزيتون والرمان خصوصا، ومن ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، فناط الافتراض بالغنى والفقر، لكن السّنة لم ترد بالأخذ إلا مما علمت مما في حديث أبي موسى ومعاذ من الأصناف الأربعة، مع ما وقفت عليه من الخلاف في ثبوته والنزاع في دلالته، ومع هذا فقد روى الترمذي عن معاذ ﵁ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضراوات، وهي البقول، فقال: «ليس فيها شيء»، لكنه ضعفه، ثم قال: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن ليس في الخضراوات صدقة»، وقد صححه الألباني، وقد قالوا إن هذا الحديث الضعيف يتأيد بما تقدم من قصر الزكاة على تلك الأصناف، كما يقوى بما انضم إليهما من أقوال الصحابة، مع أنه ﷺ لم ينقل عنه أنه أخذ من الخضراوات زكاة وقد كانت موجودة بدليل النهي عن أكل الثّوم والبصل وغيرهما، وهذه سُنّة تَرْكِية، وهي حجة متى قام مقتضيها، وانتفى مانعها، والمقتضي هنا قائم، والمانع مفقود، والدواعي على النقل متوفرة، وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأوله حديث الحصر على معنى أنه ﷺ لم يأذن لمعاذ في أخذها، وليس يلزم منه أن لا يخرج مالكها منها شيئا.

стр. 1019

وقد قال ابن العربي وهو بصدد نصرة مذهب أبي حنيفة: «فإن قيل: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة ولا خيبر»؟، قلنا: كذلك عول علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل لا دليل»، فإن قيل: لو أخذها لنقل، قلنا: وأي حاجة إلى نقله، والقرآن يكفي عنه»؟، انتهى، ولم يحصل لي في هذه المسألة الظن الغالب الذي يتعين العمل به.

стр. 1020

• قوله: ١١ - «ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا؛ ففيها نصف دينار: ربع العشر، فما زاد؛ فبحساب ذلك وإن قل». هذا نصاب العين ويسمى النقد، وهو اثنان: الذهب والفضة، فأما الذهب؛ فنصابها عشرون دينارا، فإذا بلغتها وجبت فيها الزكاة، وما زاد على ذلك ولو قليلا يخرج منه بحسبه، وكذلك الفضة، إذ لا وقص في زكاة العين والحرث، والواجب في زكاة العين ربع العشر، أي دينار من كل أربعين دينارا، وبلغة أهل العصر = (٥، ٢) %. فإذا أريد معرفة ذلك بالوزن لعدم وجود الدنانير المسكوكة الآن؛ فالمرجع إما إلى ما ذكره العلماء من وزن الدينار بالشعير على الصفة المتقدمة في الكلام على المد والصاع، وإما بالرجوع إلى المتاحف لمعرفة أوزان الدنانير المتحدث عنها، فأما الأول؛ فقد قال العلماء إن وزن الدينار يساوي اثنتين وسبعين حبة من الشعير، فيكون وزن العشرين دينارا هو (٧٢×٢٠) = ١٤٤٠ حبة، وأما الثاني؛ فإن من تتبع وزن الدينار في المتاحف؛ وجد وزنه مختلفا بحسب الدول، وفي الدولة الواحدة بحسب العهود، وقد كاد المهتمون بهذا الأمر يجمعون على أن وزنه في عهد عبد الملك بن مروان كان ٢٥، ٤ غ، فيكون وزن العشرين دينارا هو ٨٥ غ.
следующие страницы →