Полный текст (2 782 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
• قوله:
١٩ - «ومن أصبح جنبا ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر، فلم يغتسلا إلا بعد الفجر؛ أجزأهما صوم ذلك اليوم».
لما كان الصوم إنما يجب في النهار، وكان الأكل والشرب وسائر المباحات تجوز في الليل إلى أن يتبين الفجر؛ فإن هذا ينتج جواز أن يصبح المرء جنبا وهو صائم، لأن الجنابة أثر الجماع، وهو كغيره من المفطرات مباح إلى تبين طلوع الفجر، وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا من جماع، ثم يغتسل ويصوم»، رواه مالك (٦٤٥) والشيخان (خ/ ١٩٢٥).
أما إن طهرت الحائض بعد طلوع الفجر؛ فإنها لا تدع الفطر بقية يومها كما تقدم، وقد أنكر مالك قول الأوزاعي الذي فيه أنها إن لم تكن أكلت؛ فلتتم صيام ذلك اليوم فقال: «ولقد احتمل عظيما من أفتى بهذا، وإن كان لرجلا صالحا، ولكنكم كلفتموه فتكلف»، وهو في النوادر (صيام الجنب والحائض).
стр. 947
• قوله:
٢٠ - «ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك».
صوم يومي الفطر والأضحى محرم بالإجماع، لا يصامان في نذر ولا في كفارة، ولو كان تتابعها واجبا، فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر»، وهو في الموطإ (٦٦٩) عن أبي هريرة، والأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر هي أيام التشريق، وقد جاء فيها قول النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله »، رواه مسلم (١١٤١) عن نبيشة وهو متواتر كما قال الألباني، وسميت كذلك؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر للشمس لتيبس، وقيل في تسميتها غير ذلك، وفي الحديث دلالة على أنها لا تصام في الفرض، لكن ورد ما يخصص ذلك عند أهل المذهب؛ وهو أن يصومها المتمتع الذي لم يجد الهدي، لكونه مطالبا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وأعمال الحج تفوت بانقضاء هذه الأيام، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي»، رواه البخاري (١٩٩٨)، ولا يضر هذا الاحتجاج؛ أن يكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله، لأن الذي له الترخيص هو النبي ﷺ ، ولو لم يصح الحديث مرفوعا؛ لأمكن الرجوع بالاستدلال إلى القرآن، لأن أعمال الحج لا تنتهي إلا باليوم الرابع، وقد أمر الله تعالى المتمتع الذي لم يجد الهدي بصوم عشرة أيام، ثلاثة منها في الحج، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فتكون الآية مخصصة لحديث نبيشة الذي تضمن النهي عن صومها، والمذهب أن هذا الحكم خاص باليومين اللذين بعد العيد، أما اليوم الثالث بعده؛ فإنه لما كان يوم اختيار في الرمي
стр. 948
والمبيت؛ كان أمره أخف، فلا يصام في التطوع، ولكنه يصومه من نذره، أو من شرع قبله في صوم واجب التتابع.
واعلم أن الحافظ ﵀ قد قال في الفتح باب صيام أيام التشريق (٤/ ٣٠٩):»،،، فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد؛ نظر لو كان الحديث مرفوعا، فكيف وفي كونه مرفوعا نظر، فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري»، انتهى.
وإنما أثبت كلامه ﵀ لأنه قد يلتبس على قارئه الأمر، فإن الآية خاصة بمن لم يجد الهدي، فيصوم في الحج، وتلك الأيام داخلة فيه، وحديث نبيشة عام فيمن لم يجد الهدي وغيره، فنخصصه بها، فلا يواجهنا اختلاف العلماء في تخصيص المتواتر بالآحاد، ثم إن الحافظ كما ترى قد ذهب وهله في كلامه السابق إلى حديث عائشة، ومراده حديث نبيشة، لأن حديث عائشة هو الذي اختلف في الترخيص الذي فيه هل هو من النبي ﷺ ، أو من غيره، أو هو مما فهمته أم المؤمنين وغيرها من الصحابة من الآية المذكورة، وعلى هذا فلا يكون مرفوعا، أما حديث نبيشة؛ فإنه صريح في الرفع كما لا يخفى، ولأن حديث عائشة داخل في عموم الآية، فلا يصح القول بالتعارض بينه وبينها، وقد نقل المباركفوري في التحفة كلام الحافظ من غير أن يعلق عليه.
стр. 949
• قوله:
٢١ - «ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء فقط، وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض».
تقدم أن من أفطر في رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء، وذلك مخالف لحديث أبي هريرة الصحيح الصريح، وقد بين المؤلف هنا أن عليه القضاء فقط، يعني بذلك أن لا كفارة عليه، سواء أفطر بأكل أو شرب أو جماع، ويظهر أنه رام بقوله فقط؛ الرد على من ذهب إلى وجوب الكفارة عليه إذا نسي فجامع، وهو رواية ابن الماجشون وابن نافع في الواضحة عن مالك قال: «إن من وطئ في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه الكفارة» النوادر (٢/ ٤٧)، وقد استند من قال بذلك إلى حديث الكفارة، فإن الرجل حين قال «هلكت وأهلكت»، لم يستفصله النبي ﷺ : هل فعل ذلك عامدا أو ناسيا؟، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، قال ابن أبي زيد عن ابن الماجشون عقب ما تقدم: «واحتج أن الذي قال للنبي ﷺ : وطئت أهلي، ولم يذكر عمدا، ولا سهوا».
قلت: لم يذكر ذلك صراحة، لكن القرائن المحتفة يتبين بها أن الرجل تعمد ذلك، منها قوله: هلكت، وقوله احترقت، ومنها نتفه شعره، والرواية التي عليها قول المؤلف هي في المدونة، «قال: أرأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟، قال نعم، ولا كفارة عليه».
أما الفطر لأجل المرض؛ فهو منصوص القرآن، وفي كتاب الله إطلاق إباحة الفطر للمريض، فإن كان شديدا يخشى معه على النفس وجب الفطر، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وإن كان المريض بحيث يقدر على الصوم؛ كان الفطر مباحا للإطلاق المذكور، لكن الذي في المذهب وهو قول الجمهور أنه إنما يفطر إذا شق عليه الصوم مع المرض، أو خاف طوله، أو زيادته، أو تأخر برئه، فإن
стр. 950
أفطر لمجرد المرض من غير شيء مما تقدم؛ فعليه القضاء والكفارة في المذهب، وإيجاب الكفارة على هذا ليس بالمرضي.
وفي العتبية قال ابن نافع عن مالك: «رأيت ربيعة أفطر في مرض له، لو كان غيرَه قلت يقوى على الصوم، فإنما ذلك بقدر طاقة الناس».
стр. 951
• قوله:
٢٢ - «ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة؛ فله أن يفطر، وإن لم تنله ضرورة، وعليه القضاء، والصوم أحب إلينا».
يباح الفطر في السفر من غير تقييد بمشقة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقد ذكرت الرخصة مرتين في سياق آيات الصوم، ذكرت مع الآية التي نزلت إبان مرحلة التخيير، وذكرت بعد أن فرض الصوم من غير تخيير، وذلك والله أعلم لدفع احتمال أن يظن أن الترخيص للمسافر نسخ مع ما نسخ من التخيير في الصوم على القول بذلك.
ومن الأدلة ما رواه الشيخان (خ/ ١٩٤٣) و (د/ ٢٤٠٢) عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر»؟، قال: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت»، ورواه مالك (٦٥٧) عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة فذكره، لكن الاستدلال بلفظ هذا الحديث على تخيير المسافر في صوم رمضان فيه شيء، فإن السرد الموالاة والمتابعة، ورمضان لا تخيير فيه في المتابعة، بل هذا شأن التطوع.
وأصرح من هذا في الدلالة ما رواه مسلم (١١٢١) عنه أنه قال: «أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح»؟، فكان الجواب: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، وروى مالك (٦٥٤) والشيخان (م/ ١١١٣) و (د/ ٢٤٠٤) عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ »، والكديد بفتح الكاف اسم موضع ماء، وفي بعض الروايات «عسفان»، وهو قريب من الكديد، وكذلك «كراع الغميم»، بضم الكاف، ولعل من فضل الصوم
стр. 952
للمسافر قد رأى أن الإفطار في الحديث كان للمشقة التي لحقت الناس بالصوم، ويجاب بأنها لم تنل كل المسافرين، ومنهم النبي ﷺ مع الإطلاق الذي في الآية، والمقصود أن المسافر يباح له أن يفطر إذا سافر مسافة تقصر فيها الصلاة، وقد تقدم بيان مسافة القصر في كتاب الصلاة، ولا يشترط في جوز الإفطار حصول المشقة، فإن الشرع اكتفى هنا بالمظنة، ويجب على المسافر إذا أفطر قضاء ما أفطره بالإجماع.
لكن اختلف في الفطر في السفر هل هو عزيمة أو رخصة، وعلى الأخير ما هو الأفضل؟، والمذهب أن من لم تكن له إلى الفطر ضرورة ولا حاجة؛ فالصوم خير له، وعللوا ذلك بأنه قد يتثاقل عن القضاء فيأثم، وفرقوا بينه وبين قصر الصلاة في السفر بأنه إنما كان سنة؛ لأن الذمة معه تبرأ، بخلاف الفطر في السفر فإن الذمة معه تشغل، والشرع متشوف إلى براءة الذمة، وقال مالك في المدونة (١/ ١٨٠): «الصيام في رمضان في السفر؛ أحب إلي لمن قوي عليه».
وقول المؤلف في النوادر يخالف ما اختاره هنا وهو الصوم، ولعل ذلك لاختلاف الحال من كتاب هو متقيد فيه بمشهور المذهب، إلى كتاب هو فيه جامع للروايات، ناقل للأقوال، موازن بينها أحيانا، قال: «وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، كان ابن عمر يفطر في السفر على تشدده، والفطر آخر فعل النبي ﷺ بعد الفتح،،،».
ولأهل المذهب تفريعات كثيرة، وتقييدات جمة في إباحة الفطر للمسافر، وتوسع في إلزامه بالكفارة، يغلب على بعضها الرأي، وقد أوصل الشيخ علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن الصور المرتبطة بالمسافر من حيث تبييته الصوم أو الفطر، وشروعه في السفر قبل الفجر أو بعده، وإفطاره بعد العزم على السفر أو بعد الخروج، أوصلها إلى تسع عشرة، فانظرها إن شئت فيه وفي غيره من شروح الرسالة ومختصر خليل، وبعضها في المنتقى للباجي.
وأذكر هنا بعضها، فمنها أنه إنما يباح له الفطر إذا سافر سفر قصر، وهذا لا نزاع في أصله، ومنها أن لا يكون في سفر معصية، ومنها أن يصل إلى موضع القصر ليلا أو مع الطلوع، وهو في
стр. 953
الموطإ (٦٦٠) قال: «وإذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع عليه الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج؛ فإنه يصوم ذلك اليوم»، انتهى، لكن هذا إن أفطر فليس عليه غير القضاء.
قلت: الظاهر أنه يجوز له أن يفطر ولو لم يشرع في السفر متى عزم عليه وأخذ أهبته، ودليله ما رواه الترمذي (٧٩٩) وحسنه عن محمد ابن كعب قال: «أتيت أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: «سنة»؟، قال: «سنة»، ثم ركب»، وقد رواه أيضا إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي كما في الاستذكار، وقول الصحابي عن الشيء سنة؛ من المرفوع حكما، ومنها ما في الموطإ: «من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه وطلع له الفجر قبل أن يدخل؛ دخل وهو صائم»، انتهى، وقد استند مالك في هذا إلى أثر عن عمر ﵁ رواه من فعله، والظاهر أن من أدركه النهار وهو مسافر فأفطر؛ فهو ممن شملتهم الرخصة، وأن قول مالك بصيامه على الاستحسان، لا على الإلزام، كما أن الظاهر جواز الفطر للمسافر ولو بعد شروعه في الصوم لحديث عبد الله بن عباس في إفطاره ﷺ هو وأصحابه حين بلغ الكديد، وقد تقدم.
فإن قيل: كان الفطر للمشقة لا للسفر وحده؛ فالجواب: أن المشقة لم تلحق النبي ﷺ كما هو واضح من سياق حديث جابر عند مسلم والترمذي (٧١٠) والنسائي، ومثله حديث ابن عباس عند أحمد، لكن مشهور المذهب لزوم الكفارة للمسافر إذا أفطر بعد أن شرع في الصيام من غير عذر، وفرق مالك بين هذا وبين من أراد السفر فأفطر ولم يخرج حتى طلع الفجر فرق بينهما بوجه تراه في المدونة (١/ ١٨٠).
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٢/ ٥٥): «ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها المسافر بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام قد رغبوا عن هدي محمد ﷺ ، وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويجدون أن ذلك سنته وهديه،،،»، انتهى.
стр. 954
• قوله:
٢٣ - «ومن سافر أقل من أربعة برد، فظن أن الفطر مباح له، فأفطر؛ فلا كفارة عليه، وعليه القضاء، وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه، وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب، أو جماع مع القضاء».
سبق الكلام في كتاب الصلاة من هذا الشرح أنه لم يرد في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة عن النبي ﷺ غير حديث مسلم، وفيه ثلاثة فراسخ على أكثر الاحتمالين، والأربعة برد إنما جاءت عن بعض الصحابة ﵃ كابن عباس، وابن عمر، في المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وغرض المؤلف هنا؛ بيان حكم من أفطر متأولا، وكلامه ظاهر في أنه لا فرق بين تأويل وآخر، ويقويه حصره الكفارة في حالة الفطر عمدا، لكن المشهور أن من أفطر متأولا تأولا قريبا؛ فليس عليه غير القضاء، ومن أفطر متأولا تأولا بعيدا؛ فعليه القضاء والكفارة، والفرق بينهما؛ أن السببية في الأول قوية، وفي الثاني ضعيفة، وقد ذكروا لكل من التأويل القريب والبعيد صورا مع الاختلاف في بعضها إلى أي النوعين تنتمي، فمن الأول من سافر دون مسافة القصر فأفطر لاعتقاده أنه يباح له؛ فلا كفارة عليه، ومنه من أفطر ناسيا، ثم تعمد الفطر بعد ذلك ظانا الإباحة، ومنه من أصبح جنبا أو حائضا ولم يغتسل، وظن أن الصوم لا يلزمه فأفطر، ومنه من تسحر في الفجر، فاعتقد عدم اللزوم فأفطر، ومنه من قدم من سفره في رمضان ليلا، فاعتقد أن صبيحة تلك الليلة لا يلزم فيها صوم، وسابعها من رأى هلال شوال نهارا فظن أن الفطر يباح له فأفطر، ومن التأويل البعيد من رأى هلال رمضان فلم تقبل شهادته فأفطر، ومنه من عادته أن تأتيه الحمى في زمان معين، فأفطر في اليوم الذي تأتي فيه قبل حصولها، ومنه من عادتها الحيض في يوم معين، فأفطرت قبل حصول الحيض، ومنه من اغتاب شخصا في رمضان فأفطر، ومعظم ذلك من كلام غير الإمام كما في النوادر (الصائم يفطر متأولا).
стр. 955
أما القضاء؛ فيلزم كل من أفطر في رمضان عامدا أو ناسيا، كما يلزم القضاء المتطوع الذي تعمد الفطر من غير عذر، وقد تقدم ما في هذين الأمرين، وإنما كان على متعمد الفطر القضاء زيادة على الكفارة لأن صومه انخرم، فلم يكمل العدة كما شرع الله، ولا يكفي الاعتماد على حديث المواقع أهله في رمضان، فيقال لم يأمره النبي ﷺ إلا بالكفارة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وذلك لاحتمال أن يكون السائل عالما بالحكم من قبل، ومن الدليل على لزوم القضاء القياس الأولوي على المستقيء، وقد أمره النبي ﷺ بالقضاء في قوله: «من ذرعه قيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء؛ فليقض»، ولأن الأصل في الكفارة أن تكون زائدة على جبر الأصل كما في قتل الخطإ، وسجود السهو، إلا إذا لم يمكن الجبران فتكون في مقابل ما اقترف من الإثم، ومنه مفهوم المخالفة في قول النبي ﷺ فيمن أفطر ناسيا إنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وقد رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح، فيكون غير الناسي مخالفا له، على أنه قد جاء في بعض روايات حديث أبي هريرة الصحيح في خصال الكفارة زيادة «وصم يوما مكانه»، يعني بدلا عن اليوم الذي جامع فيه، وقد بين الحافظ في الفتح (٤/ ٢٢٠) الطرق التي فيها هذه الزيادة، ثم قال: «وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا»، وانظر الروضة الندية (٢/ ١٧).
أما أن النبي ﷺ قال: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض؛ لم يقض عنه صوم الدهر كله، وإن صامه»، رواه الترمذي (٧٢٣)، وابن ماجة (١٦٧٢) عن أبي هريرة، وعلقه البخاري في (باب إذا جامع في رمضان) بصيغة التمريض؛ فليس بمانع مما تقدم لضعفه، ولو كان ثابتا؛ لما دل على عدم القضاء، لأنه خرج مخرج الزجر، ولأن القول بالقضاء لا يعني براءة الذمة من الإثم، كما هو الشأن في القول بالقضاء في الصلاة المتروكة عمدا عند الجمهور، وإنما الذي ينفع في ذلك التوبة، والقضاء من أفرادها.
стр. 956
• قوله:
٢٤ - «والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ ، فذلك أحب إلينا، وله أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة».
تجب الكفارة على من أفطر متعمدا في صوم رمضان خاصة بأكل أو شرب أو جماع أو إنزال المني عمدا مع لزوم القضاء، ولا تجب في قضاء رمضان، ولا في صوم النذر أو غيره من الصوم الواجب، وهي ثلاثة أمور على التخيير: إطعام ستين مسكينا لكل مد، وهو أفضلها في المذهب لما فيه من النفع للمساكين، وقد علل بأنه الذي فعل في الحديث، يعنون حديث الكفارة الآتي.
ولأنه ورد مع غيره في بعض أنواع الكفارات، وورد وحده، يعنون فدية الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرضع، وعلل ذلك التقديم أيضا بغلاء سعره، وقلة الطعام في الحجاز، والمراد بما في المدونة من نفي معرفة مالك لغير الإطعام؛ تقديمه على غيره، وإلا فهو أظهر من أن يجهله مالك ﵀، قال فيها: «وكيف الكفارة في قول مالك؟، قال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، ولا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام»، والثاني عتق رقبة مؤمنة، والثالث صيام شهرين متابعين، دل على ذلك ما رواه مالك (٦٦١) ومسلم (١١١١) وأبو داود (٢٣٩٢) عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا،،، الحديث»، وقد أخذوا منه أمورا أولها التخيير في هذه الخصال الثلاثة من الكفارة، وهذا ظاهر من أو العاطفة، والثاني إلزام كل من أفطر عامدا في رمضان من غير عذر بالكفارة، لا فرق بين المجامع والآكل والشارب، والعمدة في ذلك إما إطلاق الإفطار كما في الحديث، والقائل إن كان نقل الحديث بالمعنى؛ لكون الحادثة واحدة؛ فقد اعتبر الجماع فردا من أفراد الإفطار، وإلا فلأن كلا من الآكل
стр. 957
والشارب والمجامع يلتقون على انتهاك حرمة رمضان، وهو ما يعرف عند أهل الأصول بتنقيح المناط، نعم إن قوله في الحديث أفطر؛ لا عموم فيه لأنه في سياق الإثبات، وإنما يكون عاما على اختلاف فيه لو كان في سياق النفي، وقد علمت أن العمدة الإطلاق من الراوي مع ما يدعمه من التنقيح، وقد جاء هذا الحديث من غير الوجه المذكور مستقصى مجودا عند أحمد والشيخين وأصحاب السنن، وفيه قول النبي ﷺ : «هل تجد ما تعتق به رقبة»؟، قال: «لا»، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟، قال: «لا»، قال: «فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا»؟، قال: «لا»، ثم جلس، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا»، فقال: «أعلى أفقر منا»؟، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك»، والعرق بفتح العين والراء الزبيل بفتح الزاي ويقال له الزنبيل وعاء يسع خمسة عشر صاعا، وهي ستون مدا، والظاهر أن القصة واحدة، فيحمل مطلق الإفطار على المقيد وهو الجماع، فيؤخذ من الحديث أن الكفارة إنما هي على المجامع، فإن صح إلحاق المفطر بغير الجماع بالمفطر بالجماع قياسا؛ فذاك، والنفس إليه أميل، والتفصي بعدم القياس في العبادات فيه شيء، كما يؤخذ منه وجوب ترتيب خصال الكفارة فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد عدم استطاعة الذي قبله، لأن النبي ﷺ لم يذكر له الخصلة الثانية ولا الثالثة إلا بعد سؤاله عن قدرته على التي قبلها، وهو قول ابن حبيب، وابن العربي.
وقد روي عن مالك في غير الموطإ النص الذي فيه الترتيب، كما ذكره الأبي في شرحه لصحيح مسلم، ولمن قال بعدم الترتيب متمسك في حديث عبد الله بن معقل في رواية لمسلم في قصة كعب بن عجرة حيث قال: أتجد شاة؟، فسأله عن استطاعته ذلك، مع أن التخيير نص الحديث الصحيح، لكن يقال إن هناك فرقا بين فدية الأذى وكفارة الجماع، فإن التخيير في الأولى نص القرآن والحديث الصحيح معا، أما الثانية فالمعتمد فيها الحديث وحده، مع وضوح الفرق بين سببيهما، فإن حالق الرأس للأذى معذور، ومنتهك حرمة رمضان موزور، والتخيير تخفيف يناسب الخفيف، والترتيب تشديد يناسب الشديد، والله أعلم.
стр. 958
ومما يؤخذ من حديث المواقع أهله ما قاله ابن العربي في المسالك (٤/ ١٩٧).
فإن قلت: «لم تركه النبي ﷺ دون أدب، أو تثريب؟، قلنا: لأنه جاء مستفتيا، والشريعة قد قضت بالمصلحة في ذلك كله، وهي رفع العقوبة والتثريب عن المستفتي، لأنه لو فعل ذلك مع واحد؛ ما جاء غيره بعده، ولانسد باب الاستفتاء، وبقي الخلق في ظلمة الجهالة والمعصية».
قال كاتبه: «لا يلزم من ترك التثريب ترك التنبيه، فلو سألك امرؤ عما يقدم إذا طلعت عليه الشمس أركعتي السنة أم الفريضة لكان مطلوبا أن تبين له قبل ذلك في رفق ما هو أهم مما سألك عنه، وهو أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن طلوع الشمس، إذ قد يأخذ من سكوتك على ذلك أن ليس في الأمر شيء، ولو أن أحدا سألك عن طلاق زوجته وأنت تعلم ما عليه معظم الناس من إخراج زوجاتهم من بيوتهم متى طلقناهن أو خروج الزوجات من تلقاء أنفسهن؛ لكان متعينا عليك أن تنبه على هذا الأمر الذي لم تسأل عنه، وأن تذكر بما في كتاب ربك في هذا الأمر في سورة الطلاق.
стр. 959
• قوله:
٢٥ - «ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر؛ فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته».
المغمى عليه من ذهب عقله ومثله في الحكم المجنون، ويظهر مما قاله المؤلف أن أهل المذهب يعتبرون الإغماء والجنون في بعض صوره بمثابة الحيض والنفاس، فالخلو منها شرط في في صحة الصوم، لا في لزوم قضائه، وهذا هو الذي قاله ابن العربي في المسالك (٤/ ١٤٧)، ويعللون قضاء المغمى الصوم بعدم تكرره بخلاف الصلاة، وفرقوا بينه وبين النائم.
وتفصيل ذلك عندهم أنه لا يخلو أن يغمى عليه قبل الفجر، أو بعده، فإن أغمي عليه قبل الفجر، وأفاق قبل طلوعه أو معه؛ أجزأه صومه، وإن أفاق بعده بقليل؛ لم يجزئه على المشهور، وقال أشهب يجزئه، أما إن أغمي عليه بعد طلوع الفجر فلينظر؛ فإن كان الإغماء أقل اليوم، أو نصفه؛ لم يضر، ما دام أوله قد سلم، وإلا قضى، أما الصلوات فقد تقدم أنه يقضي ما أفاق في وقته، وحجتهم في ذلك؛ قياسه على الحائض في بعض الحالات، ولأن تكليفه متقدم على الإغماء والجنون، وليس جديدا كالصبي يبلغ والكافر يسلم.
والذي يظهر والله أعلم؛ أنه إن نوى الصيام وغاب بعض النهار؛ صح صومه، وإن غاب النهار كله، فهو غير مكلف، لأن القلم مرفوع عنه في تلك الحال، وإن لم ينو وأفاق خلال النهار؛ طولب بالإمساك وبالقضاء، فهذا هو الذي ينقدح في النفس ما لم يأت نص يدفعه، أو إجماع يرده.
стр. 960
• قوله:
٢٦ - «وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه، ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه».
المراد بحفظ الجوارح؛ أن لا يستعملها إلا في المشروع من المباحات، والواجبات، والمندوبات، ويبتعد بها عن المكروهات، والمحرمات، وخص اللسان بالذكر لأن خطره أعظم، والشر الذي يلحق الإنسانَ منه أكبر، ولأن الذي ينبغي فيه؛ أن يصونه عما لا ينفع ولا يعني.
لكن هذا الأمر لا يختص برمضان، وإنما خصه بذلك لما له من مزيد الحرمة على غيره، والذنب يعظم بحسب الزمان والمكان والأشخاص، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، والأصل في اختصاص الصوم بمزيد العناية قول النبي ﷺ : «قال الله : كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث يومئذ، ولا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله؛ فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده؛ لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه؛ فرح بصومه»، وهو في صحيح مسلم (١١٥١) عن أبي هريرة، وبعضه في الموطإ (٦٨٨)، قوله يرفث بضم الفاء وكسرها وماضيه مثلث الفاء؛ من الرفث، وله معان، وهو هنا الكلام الفاحش، وقوله لا يسخب من السخب، وهو بالصاد أيضا الضجة واضطراب الأصوت للخصام، وقيل هو الجهل والسفه، وقوله «فليقل إني امرؤ صائم»، المراد أن يتذكر الصائم ما هو فيه، حتى يصرف نفسه عما تريده من الانتقام، ويخبر غيره بتعاليه عن سفاسف الأمور، ولأنه تارك للمباحات، أفلا يتعين عليه أن يترك المحرمات والمكروهات؟.
ومن الحكمة في تخصيص الشارع رمضان بهذا ونحوه مما هو منهي عنه في غيره؛
стр. 961
دعوة المكلف إلى الرقي درجة أعلى مما هو عليه في غير هذه المناسبة، لأن الصيام يعينه على هذا المرتقى الصعب لما فيه من كسر سَوْرَةِ النفس، بالإعراض عن الشهوات، وهي من وسائل الشيطان ومجاريه إلى نفس الإنسان، وقد قال أبو هريرة ﵁: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، رواه مالك (٦٩٠) موقوفا، وهو مما لا يقال بالرأي، وصفدت غلت، قال ابن عبد البر: «هو عندي مجاز، والمعنى فيه والله أعلم أن الله يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب من المعاصي، ولا يخلص إليهم فيه الشياطين كما كانوا يخلصون إليهم في سائر السَّنَةِ»، انتهى.
قلت: ولا مانع من وجود التصفيد مع ذلك، فهنا موضع الفرق بين خبر المعصوم وخبر غيره.
وقال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (١٩٠٣) وأبو داود والترمذي (٧٠٧) عن أبي هريرة، وقول الزور؛ هو القول المائل عن الحق، فيشمل الكذب، وشهادة الزور، والشتم، والاغتياب، والقذف، فأما قوله «والعمل به»؛ فيعني العمل على وفقه، فهنا ثلاث دركات في الزور الجمع بين قول الزور والعمل به، وقوله فقط، والعمل به فقط، وقوله فليس لله حاجة، الله تعالى ليس له حاجة إلى خلقه مطلقا، فلا تضره طاعاتهم، ولا تنفعه معاصيهم، فالمراد بنفي الحاجة هنا؛ نفي القبول الذي يترتب عليه الثواب، فليس المقصود من الصوم خصوص الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، وإنما يريد الشرع منه ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ نظيره أن إراقة الدماء في الضحايا والهدايا من القربات، لكنها ليست مقصودة لذاتها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وأمثلته في القرآن منعددة.
стр. 962
• قوله:
٢٧ - «ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة، ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك عليه في ليله، ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء».
تحريم قربان النساء في نهار رمضان لا خلاف فيه، ويدل عليه ما تقدم من وجوب الكفارة على من فعله، ولمفهوم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والرفث هنا الجماع، أما المباشرة والقبلة؛ فالمنع منهما عند من ذهب إليه مطلقا، وهو المشهور في المذهب كراهة أو تحريما؛ من باب سد الذرائع إلى المحرم، فهل تعطى حكمه؟، والقيد الذي ذكره المؤلف وهو «للذة»؛ يريد به أن الذي يستثنى من الكراهة إنما هو القبلة للوداع والرحمة، بناء على المشهور، وقيل إن القيد يراد به أنه إن لم يكن القصد اللذة؛ فلا كراهة، والظاهر أن حكم المباشرة والقبلة لا يتساوى فيه الناس، فمن اعتاد من نفسه أن ذلك يحرك منه الشهوة؛ فالحزم يقتضي الامتناع، ومن ليس كذلك؛ فلا منع في حقه، وهو قول ابن عباس كما في الموطإ، وقالت عائشة: «يحرم عليه فرجها»، وهو في صحيح البخاري معلقا بالجزم، فإن حصل من الشخص خلاف ما اعتاده، فأنزل؛ فالظاهر أن ليس عليه غير القضاء، قال ابن العربي: «وكيف يكون على من قبل مرة فأمنى؛ الكفارة وهو مأذون له في قبلتها؟، وهل يصح أن يؤذن له في ذلك، ويعترض عليه شرعا، ذلك بعيد نظرا، ولا يجد له أحد في الشريعة مثالا،،،»، انتهى.
ولا يصح أن يحتج بمفهوم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، فيقال إن مفهومه؛ أنه لا تجوز المباشرة في النهار، إذ يقال إن نبي الله ﷺ هو المبين عن الله مراده، وقد ثبت عنه ما يدل على حمل المباشرة المنهي عنها بهذا المفهوم على الجماع، وجواز القبلة ونحوها، جاء ذلك عن أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، فقد روى مالك (٦٤٦) والشيخان (خ/ ١٩٢٩) عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم»، لفظ
стр. 963
البخاري، وفي الصحيحين (خ/ ١٩٢٧) (م/ ١١٠٦) وغيرهما (ت/ ٧٢٩) عن عائشة «أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لأربه»، وروى مالك (٦٥١) نحوه بلاغا، والأرب بفتح الهمزة والراء؛ الحاجة، وبكسرها مع سكون الراء العضو، وهذا تعليل من عائشة -رضي الله تعالى عنها- لتقبيله ومباشرته، فيدل على أنها تفرق في التقبيل بين من يملك نفسه، ومن لا يملك، وهذا أعدل المذاهب.
وروى مسلم (١١٠٨) عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل النبي ﷺ : «أيقبل الصائم»؟، فقال: «سل هذه»، لأم سلمة، فأخبرته أنه يفعل ذلك، فقال له: «يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر»، فقال له: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له»، وهذا يدل أن فعله هذا كغيره محل للقدوة، وقد كان يمكنه ﷺ أن يقول لعمر: يجوز، فعدل عن ذلك إلى إحالته على زوجته وهي أمه ليتأكد، وإنما كان غضبه لبيان أن الأصل في أفعاله القدوة وأن الخصائص لا تثبت بمجرد الظن والاستبعاد، وقال بعض أهل العلم في إحالة النبي ﷺ عمر على أمه لمعرفة الجواب: «أحاله في السؤال على أمه، وكان أهل الجاهلية لا يعرض أحدهم لولد الزوجة، ولا لأخيها؛ أنه يقبلها، ويخالطها، وقدر رسول الله ﷺ في التنزيه عن ذلك أرفع، ولكن أراد أن يبين أن تنزيههم في الجاهلية عن ذلك رعونة ليست من الشريعة»، انظر شرح الأبي (٤/ ٤٢)، وجاء ما يدل على التفريق بين الشيخ والشباب، فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «كنا عند النبي ﷺ ، فجاء شاب فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: «لا»، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ قال: «نعم»، قال: فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله ﷺ : «إن الشيخ يملك نفسه»، وهو في الصحيحة برفم (١٦٠٦).
стр. 964
• قوله:
٢٨ - «ومن التذّ في نهار رمضان بمباشرة، أو قبلة، فأمذى لذلك؛ فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك حتى أمنى؛ فعليه الكفارة».
إذا باشر الصائم زوجته أو قبلها، فلا يخلو: أن لا ينزل منه شيء؛ فلا يلزمه أمر، والثاني أن يمذي؛ فعليه القضاء في المذهب، قالوا لأن المذي خارج بشهوة حصلت عن مباشرة، فأفسد الصوم كالمني، وفيه نظر، وقد أبى ذلك ابن العربي في العارضة، والثالث أن يمني، فعليه القضاء والكفارة، لأن الإمناء أقصى ما يطلب من الجماع، فإذا حصل ممن تعمد دواعيه؛ التحق بالجماع في الحكم، وقد تقدم بعض التفصيل بخصوص ما اعتاده الفاعل في هذه المسألة، والنظر الصحيح يقضي بقياسه على المجامع الذي ورد فيه النص، سواء جامع زوجته، أو زنى، أو استمنى، ومن فرق فلا يستقيم له القول.
стр. 965
• قوله:
٢٩ - «ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن قمت فيه بما تيسر؛ فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به».
هذا نص حديث في الصحيحين (خ/ ٢٠٠٩) عن أبي هريرة، ومعنى كون القيام إيمانا؛ أن يفعله تصديقا بأنه مما شرعه الله، ومعنى كونه احتسابا؛ أن يفعله راجيا الثواب عليه من الله، لا رياء ولا سمعة، فخرج من فعله لمجرد التقليد والمتابعة كما هو شأن كثير من الناس الذين لا يكادون ينتابون المساجد لأداء الصلاة جماعة، وكثيرا ما يتخلفون عن الجمعة، فإذا جاء رمضان؛ كان اهتمامهم بصلاة التراويح؛ أعظم من اهتمامهم بالفرائض، ولو لقي المرء ربه ولم يأت بشيء من النوافل ومنها النراويح غير مستخف به، ولا راغب عنه؛ لكان مرجوا أن لا يعاقب، وإن كان قد بخس نفسه وناله بعض الخسران، فهذا شأن من لم يعرف دينه إلا بالتقليد والوراثة.
وقد ذكر بعضهم أنه رأى مسجدا بمدينة قسنطينة في صلاة التراويح يؤمه نحو خمسة وثلاثين ألفا، ثم حضر العشاء يومين بعد العيد فلم يتجاوز عدد المصلين به الخمسين، ومع أننا نستبشر خيرا بإقبال الناس على بيوت الله تعالى، لأنه لا يسعنا إلا هذا، فإن ذلك لا يمنعنا أن نتأسف لعدم تفريق الناس بين ما يحاسبون عليه، بل إن تركه كفر عند فريق من أهل العلم، وما هم في سعة من أمرهم إن هم تركوه، وليس المراد من قيام رمضان؛ قيام الليل كله، بل إنه إذا صلى العشاء، وصلى مع الإمام ما صلاه؛ صدق عليه ذلك، وإذا صلى ما قدر له، ثم جلس يقرأ القرآن ويذكر الله تعالى كان هذا من القيام، والذنوب التي تكفر إنما هي صغائر الإثم، أما الكبائر؛ فسبيل تكفيرها التوبة منها، وقد تقدم الكلام على ذلك في الجزء الأول.
стр. 966
• قوله:
٣٠ - «والقيام فيه؛ في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته، وهو أحسن لمن قويت نيته وحده».
لعل المؤلف إنما نص على أن صلاة التراويح تؤدى في المساجد، لأن الروافض يزعمون أنها بدعة، ويفترون على الله الكذب بأن عمر ﵁ هو الذي ابتدعها وأفكوا، وقد كان المؤلف بالقيروان حيث دولة بني عبيد الشيعية التي عاصرها، والتراويح؛ جمع ترويحة، هي المرة الواحدة من الراحة، كالتسليمة المرة من السلام، والمراد بها الصلاة التي تفعل في ليالي رمضان بخاصة، سميت كذلك لأنهم كانوا يستريحون بعد كل تسليمتين منها، وربما صلى بعضهم أثناء ذلك لنفسه، والظاهر تركه، وقد شدد في كراهتها أحمد، وإنما تشرع صلاة التراويح في ليالي رمضان، أي ابتداء من الليلة التي تسبق اليوم الأول منه، ولا تصلى في الليلة التي يليها يوم الفطر، وقد رأينا بعض الأئمة يصلونها قبل أن يعلموا ثبوت الصيام، كما يصلونها قبل أن يعلموا نهاية رمضان من عدمها، وهذا خلاف الصواب، وقد شرعت فيها الجماعة بفعل النبي ﷺ ، ثم تركها خشية أن تفرض، وكان الناس بعد ذلك يصلون فرادى، ويصلي الواحد معه النفر، ثم صلاها الصحابة في خلافة عمر سنة اثنتي عشرة من الهجرة، حيث جمعهم على قارئ واحد هو أبي بن كعب أَقْرَأُ أصحاب رسول الله ﷺ ، واتفقوا عليها، فمن صلاها في المسجد؛ فقد أحسن، لكن الأصل في النوافل أن تؤدى في البيوت لحديث زيد ابن ثابت أنه قال: «احتجر رسول الله ﷺ في المسجد حجرة فكان رسول الله ﷺ يخرج من الليل فيصلي فيها، قال: فصلوا معه - يعني رجالا - وكانوا يأتونه كل ليلة، حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم، وحصبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضبا فقال: «يا أيها الناس، ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في
стр. 967
بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»، وهو في صحيح البخاري (٧٣١) و (٦١١٣) و (د/ ١٤٤٧)، وهذا لفظه، وقد جاء هذا في سياق صلاة التراويح كما هو عند مالك (٢٤٥) من حديث عائشة والبخاري (١١٢٩) في التهجد، وفي كتاب التراويح عنده مختصرا (٢٠١١)، فيتناولها لأنها سببه، فإن السبب داخل في عموم ما ورد فيه من غير خلاف، وحسبك أن المسجد الذي قيل ذلك عنه؛ مسجده ﷺ ، وفضل الصلاة فيه معروف.
وروى ابن ماجة (١٣٧٨) والترمذي في الشمائل نحوه عن عبد الله بن سعد، وقال في الزوائد إسناده صحيح.
وأخرج عبد الرزاق (٤٨٣٥) وابن أبي شيبة (٦٤٥٥) في مصنفيهما عن الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن ضَمْرة بن حبيب بن صهيب عن رجل من أصحاب محمد ﷺ قال: «تطوُّعُ الرجل في بيتِهِ يزيدُ على تطوُّعِه عندَ الناس، كفضْلِ صلاة الرجل في جماعةٍ على صلاتهِ وحدَه»، وهو في الصحيحة برقم (٣١٤٩)، وهو موقوف لكنه مما لا يقال بالرأي فله حكم الرفع.
فمن قويت عزيمته على الصلاة وحده، وصدقت نيته، فصلى في داره، ولم يترتب على ذلك تعطيل المساجد؛ فقد فعل الأصل، فلا لوم عليه، لكن عليه مع ذلك أن يحرص على صلاة العشاء جماعة في المسجد، وقد كان عمر يفضل صلاة التراويح على انفراد، ويفضلها بعد النوم، قال: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون»، يريد آخر الليل، وهو في صحيح البخاري (٢٠١٠).
وفي المدونة (١/ ١٩٤)، وفي الصفحة التي قبلها: «سألت مالكا عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحب إليك أم في بيته؟، فقال: إن كان يقوى في بيته فهو أحب إلي، وليس كل الناس يقوى على ذلك، وقد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد غير واحد من علمائهم ينصرف ولا يقوم مع الناس، قال مالك: «وأنا أفعل ذلك»، ولا حجة على خلاف هذا ما في حديث: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة»، رواه أبو داود (١٣٧٥) والترمذي عن أبي ذر مرفوعا، وقال حسن صحيح، فإنه لو
стр. 968
سلم ثبوته؛ ما سلمت دلالته على المدعى لما يعلم من سبب وروده، وفي بعض المساجد تصلى التراويح عقب العشاء، ثم يأتي الناس سحرا فيصلون مرة أخرى، ولو أنهم صلى منهم ذلك من لم يصل قبل؛ لكان خيرا حتى يكون في ذلك سعة وتيسير عليهم، ولا أعرف لهذا الفصل بين صلاة الناس عقب العشاء، ثم رجوعهم للصلاة جماعة في آخر الليل سندا، والله أعلم.
ولا بد من التنبيه هنا على أن راتبة العشاء مشروعة قبل صلاة التراويح وأنها لا تدخل فيها، والأصل استصحاب الحال ما لم يأت الناقل وهو غير موجود، فليقلع الذين بعتبرون هذا العمل غريبا عن الجزائر وأنه وافد كما قالوا ذلك عن كثير من الأمور المشروعة التي هجرت بسبب الجهل فإذا أحياها أحد لمزوه بهذه الأوصاف التي اخترعوها ما أنزل الله بها من سلطان، وبلغ الأمر ببعضهم أن أوعزوا إلى الأئمة أن يسارعوا إلى إقامة صلاة التراويح مباشرة عقب الانتهاء من صلاة العشاء، كي يمنعوا من أراد أن يصلي هذه الراتبة، فوقعوا في مخالفة أخرى، وهي وصل الصلاة بالصلاة، وهل تلد الحية إلا حية؟، لقد حاز هؤلاء المسلمون وصفا من أوصاف الكفار الذين قال الله عنهم: «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه»، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 969
• قوله:
٣١ - «وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين».
ذكر المؤلف عددين من أعداد صلاة التراويح هما ثلاث وعشرون، وتسع وثلاثون، والأول في الموطإ عن يزيد بن رومان: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة»، لكنه منقطع كما قال الألباني في الإرواء، وقال الشافعي: «رأيت الناس يقومون في المدينة بتسع وثلاثين، وفي مكة بثلاث وعشرين»، والأخير في المدونة، وفيها أن مالكا نهى أحد الأمراء أن ينقص من هذا العدد الذي هو من الأمر القديم ولم تزل عليه الناس، وقال عنه مالك إنه العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم، رواه عنه محمد بن نصر.
وقد جاء في التراويح وقت الخلافة الراشدة أعداد، وفيما تلاها كذلك، منها إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وثلاث وعشرون، وتسع وثلاثون، وإحدى وأربعون، وهذا رواه ابن القاسم عن مالك أنها تسع وثلاثون والوتر بثلاث.
والذي صح من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- حين سئلت عن صلاة النبي ﷺ أنها قالت: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، وما خالف ظاهر هذا من الروايات عنها؛ ينبغي أن يرد إليه، لأنها رواية حاصرة، وعائشة أعلم الناس بصلاة النبي ﷺ في الليل.
أما عدد ما صلاه المسلمون في التراويح في خلافة عمر بأمره؛ فقد اختلف فيه، فجاء في الموطإ (٢٤٧) عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على
стр. 970
العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر»، وقيل كانوا يصلون ثلاث عشرة ركعة، رواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق وقد عنعن، وهو مدلس، وفي مصنف عبد الرزاق (٧٧٣٠) من طريق داود بن قيس عن محمد بن يوسف عن السائب نحو رواية مالك، غير أن فيها إحدى وعشرين ركعة، وهو ما رواه مالك أيضا عن السائب بن يزيد من طريق يزيد بن خصيفة، لكنه أسقط ركعة الوتر، ذكره الحافظ في الفتح.
وروى مالك في الموطإ (٢٤٩) عن يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة».
فهذه روايات متضاربة في عدد ما صلاه الصحابة ومن تلاهم من السلف بعد تسليم ثبوتها، وقد جمع بعض العلماء بينها بأن ذلك كان باختلاف الأحوال، وبحسب تطويل القراءة وتخفيفها، والجمع إنما يصار إليه بين الروايات المقبولة من كلام وفعل المعصوم.
وقد استدل ابن عبد البر على وهم الإمام مالك فيما رواه من الإحدى عشرة ركعة بالروايات الأخرى التي خالفه رواتها في العدد، فقال في الاستذكار (٢/ ٦٨): «ولا أعلم أحدا قال في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة غير مالك … »، وقال بعد ذكره روايات أخرى: «فهذا كله يشهد بأن الرواية بإحدى عشرة ركعة؛ وهم وغلط، وأن الصحيح ثلاث وعشرون، وإحدى وعشرون ركعة»، انتهى.
قال كاتبه: توسع المباركفوري ﵀ في التحفة (٢/ ٧٢ - ٧٦) في الكلام على هذه الآثار، ومما ذكره رواية سعيد بن منصور للعدد الذي رواه مالك، وقال السيوطي في رسالته المصابيح في صلاة التراويح عن سند مالك إنه في غاية الصحة، فتبين بهذا أن مالكا لم يتفرد بذكر هذا العدد، وقد تعقب الزرقاني وغيره ابن عبد البر فيما وهم فيه مالكا وردوه.
ورغم رواية مالك بعض هذه الأعداد وحكايته ما عليه العمل القديم في بلده المدينة؛ فإنه اختار لنفسه إحدى عشرة، وهو الذي كان يصليه النبي ﷺ ، وجمع عليه عمر ابن الخطاب الناس، واستنكر تلك الأعداد بقوله: «لا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير؟!!، وهو ما اختاره القاضي أبو بكر بن العربي ﵀، فإنه قال في العارضة (٤/ ١٩): «والصحيح أن يصلي إحدى عشرة ركعة صلاة النبي ﵇ وقيامه، فأما غير ذلك من
стр. 971
الأعداد؛ فلا أصل له، ولا حد فيه، فإن لم يكن بد من الحد؛ فما كان النبي ﵇ يصلي، ما زاد النبي ﵇ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وهذه الصلاة هي قيام الليل، فوجب أن يقتدى فيها بالنبي ﵇»، انتهى، وهذا الذي قاله هو الحق فمن التزم عددا فليكن ما ما في حديث عائشة، ومن لم يلتزم فلا حرج إن شاء الله.
وقال المحدث الألباني ﵀ عن بعض تلك الأعداد المأثورة عن عمر وعلي ﵄: «وأما عمر وعلي؛ فقد روي ذلك عنهما بأسانيد كلها معلولة، كما فصلت القول في ذلك تفصيلا لا أعلم أني سبقت إليه في كتابي صلاة التراويح، وبينت أن الروايات الواردة في ذلك؛ ليست من النوع الذي يقوي بعضه بعضا … »، وبيّن ﵀ أن صلاة الليل ومنها صلاة التراويح ليست من النوافل المطلقة، بل هي من الرواتب المحدد عددها بفعل النبي ﷺ ، نظير ما عليه أهل العلم في رواتب الصلوات المفروضات القبلية والبعدية، فإنهم إنما أخذوا التحديد من فعله، وهو لم يزد في صلاة الليل في رمضان ولا في غيره على ذلك العدد، وهذا كما ترى كلام واضح، ودليل ساطع لا يشك فيه منصف، لكن جمهور أهل العلم يرون أن صلاة الليل من النوافل المطلقة، والصلاة خير موضوع، فمستكثر منه ومستقل، فلا تحد بعدد.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ١٠٢): «وقد أجمع العلماء على أن لا حد ولا شيء مقدرا في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام وقلت ركعاته، ومن شاء أكثر الركوع والسجود»، انتهى.
وقد علمت أن لا إجماع في هذا، وإذا أردت المزيد فارجع إلى تحفة الأحوذي للمباركفوري، وصلاة التراويح للألباني، والخير للناس أن يسكتوا عن هذا الأمر، ومن لم يكن يرى الزيادة على إحدى عشرة ركعة؛ فليصل العشاء، ولينصرف إلى منزله يصلي فيه ما كتب له، ويقال أيضا إن من حد صلاة التراويح بعدد يلتزمه فعليه بإحدى عشرة، ومن صلى من غير أن يلتزم بعدد فله سلف من جمهور هذه الأمة المرحومة.
стр. 972
• قوله:
٣٢ - «وقالت عائشة ﵂: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر».
الذي في الصحيح من حديث عائشة أنه ﷺ لم يزد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، فلعل المؤلف ذكر حديثا آخر لها بالمعنى؛ لأنه صحّ عنها أيضا وعن ابن عباس أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، أما باللفظ الذي فيه النفي والاستثناء فلا أعرفه، غير أن الغماري قال في مسالك الدلالة: «رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم في حديث طويل»، فالله أعلم.
وأختم هذا الفصل ببعض ما أثر عن مالك ﵀ في صلاة التراويح، وقراءة القرآن، عسى أن يتعظ به من يزعمون أنهم يتبعون مالكا، مع أنهم لا يفتأون يبتدعون ويخترعون، وما قصدت به أن أجعل قول هذا الإمام حجة شرعية بمجرده، ولكل مقام مقال:
- قال مالك ﵀: «والوتر آخر الليل أحب إلي لمن يقوى عليه، ولقد كنت أنا أصلي معهم مرة، فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم» المدونة (١/ ١٩٥).
- وقال: «الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء، ولكن الصلاة»!!، المدونة (١/ ١٩٤)، وقد علق عليه الطرطوشي بقوله: «فتأملوا رحمكم الله، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحكى أن الأمر المعمول به إنما هو الصلاة من غير قصص، ولا دعاء»، وهو في كتاب (فتاوى الإمام الشاطبي)، تحقيق محمد أبي الأجفان.
- وقال: «ليس ختم القرآن في رمضان بسنة للقيام»، قلت: ابتلينا بمن يقرأ من أول القرآن أو من وسطه حتى إذا اقتربت ليلة السابع والعشرين انتقل إلى الأجزاء الأخيرة ليكون (ختمه) في تلك الليلة يوهم الناس بذلك.
- وسئل عن الذي يقرأ القرآن ثم يختمه يدعو، فقال: «ما سمعت أنه يدعى عند ختم
стр. 973
القرآن، وما هو من عمل الناس»، فتاوى الإمام الشاطبي، ص (٢٠٧ و ٢٠٨)، والناس يطيلون الدعاء ويتكلفون فيه ويسجعونه ويبكي فيه الناس ما لا يبكون عند سماع القرآن.
- وسئل مالك عن الألحان، فقال: لايعجبني، وأعظم القول فيه، وقال: «إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم»!!، انتهى، المدونة (١/ ١٩٤)، وهذا والله نعيشه أكثر مما كان الأمر عليه في عهد مالك.
- وقال ابن الحاج في كتابه المدخل (٢/ ٣١١): «ولا يزاد في ليلة الختم شيء على ما فعل في أول الشهر، لأنه لم يكن من فعل من مضى، خلاف ما أحدثه بعض الناس اليوم من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع، لما فيه من إضاعة المال، والسرف والخيلاء»!!، وقال مثله النفراوي في شرح الرسالة، ولأن وسائل تعظيم الأوقات المعظمة توقيفي كما لا يخفى.
- ومعظم الناس اليوم مفتونون بالأصوات والنغمات في قراءة القرآن، وتحسين الصوت مطلوب مرغوب، ومراعاة الأحكام لا بد منها، لأن الترتيل مأمور به، لكن لا ينبغي أن يصل الأمر إلى التكلف، أو التطريب والتمطيط الذي يخرج القراءة عن الوضع العربي.
وبعد أن كنا نلاحظ بأسف هذا الالتزام لاستعمال مكبرات الصوت للحاجة ولغيرها، انتقلنا إلى طور آخر في الحرص عليها، وهو تعليقها على صدر الإمام، فتعوقه عن وضع إحدى يديه على الأخرى، وعن القبض في موضعه المشروع، ويشغل بالمحافظة على الجهاز حتى لا يسقط، ويراعي أن لا تقع على الخيط ركبتاه حين يجلس، كل ذلك رعاية لتضخيم الصوت.
- ومما يؤسف له أن نسمع من يدخل اصطلاحات الموسيقى في تلاوة كتاب الله تعالى، فقد ذكروا هذا في مسابقة فرسان القرآن الكريم، وقال بعضهم بضرورة مراعاة هذه المقامات، لتكون التلاوة منسجمة، وزعموا أن القارئ إذا ابتدا بمقام؛ تعين عليه أن يختم به، ووجدنا من يدعو إلى عدم تقليد المشارقة في المقامات هذه، بل يتعين مراعاة مقامات البلد!!، وأدخلوا ذلك أيضا في الأذان، فلا كانت مقامات هؤلاء ولا هؤلاء، ثم قالوا هذا خطنا الذي تميزنا به فكتبوا به بعض طبعات المصحف وإن كان يعسر قراءته على كثير من الناس.
стр. 974
- وسئل مالك عن القراءة في رمضان يقرأ كل رجل من موضع سوى موضع صاحبه، فأنكر ذلك، وقال: لا يعجبني، لم يكن ذلك من عمل الناس، وإنما اتبع هؤلاء فيه ما خف عليهم، ليوافق ذلك ألحان ما يريدون، وأصواتهم،،» المدونة (١/ ١٩٤)، وهو ﵀ يريد اختيارهم لسياقات معينة يقرؤونها لاعتيادهم التطريب بها وتمرنهم عليها، وهو معهود عند بعض الناس في قراءتهم في الصلوات فكأنهم خطباء لا قراء.
- وقال ابن القاسم: وسألته عن الرجل يقوم بالناس بإجارة في رمضان، فقال: لا خير في ذلك، قلت لابن القاسم: «فكيف الإجارة في الفريضة»؟، فقال: «ذلك أشد عندي من ذلك»، المدونة (١/ ١٩٣)، قال كاتبه: «وأشد منه من كان موظفا وصلى ليأخذ الأجرة على الصلاة من الناس، وفي النوادر: «وروى عنه أشهب قال: «ولا بأس بالصلاة خلف من يصلي القيام بالناس بإجارة، إن كان بأس؛ فعليه».
وقد سمعت أن بعضهم جمع في تلك الليلة مالا كثيرا فلما خشي أن يسلبه أحضر معه ضابطا عسكريا أوصبه إلى داره بأمان!!.
- وقيل له الحديث الذي يذكره «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان»، قال: «ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلا»، وهذا معناه أنه لا يرى قنوت النوازل، وهو معلوم من مذهبه كما سبق.
أما القنوت في الوتر فقد جاء عنه فيه ثلاث روايات: نفيه مطلقا، وهو رواية ابن القاسم وهو القول المشهور على قاعدة تقديم روايته على غيره، والرواية الثانية إثباته مطلقا، والثالثة إثباته في النصف الثاني من رمضان.
وقد روى مالك في الموطإ أثرالأعرج قال: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، قال وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف»، والذين أدركهم الأعرج هم من الصحابة ومن كبار التابعين، وهذا الأثر لا يعارض القنوت في غير رمضان لأنه فعل الفرد، وهو لا يعرف كما يعرف فعل الجماعة.
стр. 975
وما كان من الروايات مثبتا بإطلاق أولى أن يؤخذ به لموافقته ما ثبت عن النبي ﷺ من تعليمه الحسن بن علي ﵄ دعاء القنوت في الوتر كما في سنن الترمذي.
وقد روى عنه ابن القاسم في الإمام يقرأ الآية فيها ذكر النار فيتعوذ المأموم، قال: «تركه أحب إلي، فإن فعل فسرا»، وقال عنه أيضا: «ولا بأس في النافلة أن يسأل الله الجنة، ويستعيذه من النار»، وقال عنه ابن نافع: «وإن كان في نافلة فمر بآية فيها استغفار فيستغفر، ويقول ما شاء الله، ولا بأس بذلك»، وقال عنه علي بن زياد: «ولا أرى في الوتر قنوتا إلا في النصف الآخر من رمضان»، النوادر والزيادات (١/ ١٩١ - ١٩٣)
- وقال أبو داود (٧٦٩): حدثنا القعنبي عن مالك قال: «لا بأس بالدعاء في الصلاة: أوله، وأوسطه، وفي آخره، في الفريضة، وغيرها»، وهذا إسناد صحيح، لكن ينبغي الاقتصار على الدعاء المأثور، فإن فيه كفاية، وأن يترك هذا التوسع والتطويل الذي عليه الناس، ولو كان مشروعا لقال النبي ﷺ لحفيده ﵁ كما قال في الدعاء بعد التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أحبه إليه»، ولا يمكن القياس هنا، لأن هذا الدعاء يسر به، ويدعو به المرء لنفسه، إماما كان أو فذا، وذاك دعاء جماعي يسمعه الناس ويؤمنون.
стр. 976
٢٤ - باب في الاعتكاف
العكوف والاعتكاف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما، والقائم به يدعى عاكفا ومعتكفا ومجاورا، وقد جاء لفظ المجاورة في الحديث الصحيح، أما في الشرع فهو ملازمة طاعة مخصوصة، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، قاله القرطبي، والأقرب أن يقال إن الاعتكاف ملازمة المسجد على وجه نخصوص تعبدا لله تعالى.
ومن حكمة مشروعيته: أن يعتزل المرء الحياة العامة بعض الوقت، ويتفرغ لطاعة الله بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن والتفكر، فإن هذا أساس صلاحه، ومرجع كرامته وفضله، والدنيا كما قال النبي ﷺ : «ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه»، رواه البيهقي عن أبي هريرة، ففيه الاستكثار من الجانب الخالص الخيرية فيها، وترك ما عداه إلا ما هو ضروري له في خير بقاع الأرض، وهي المساجد.
وفي مشروعيته إشارة إلى أن الاعتزال إن كان لا بد منه فليكن فيها، وفيه تعويد للنفس على ترك بعض المباحات فترة يختارها المعتكف، فيسهل عليه ترك ما منع منه في سائر الأوقات كما هو ملحوظ في الصوم، وفيه ترك بعض القربات مؤقتا لمزاحمتها قربات أخرى تنافي معنى الاعتكاف، على اختلاف فيها، ومن الحكمة فيه أن يتعود المسلم على التسليم لما في الشرع، غير واجد في نفسه حرجا، إذ يقال له لا تعد مريضا وأنت معتكف، أو لا تدخل منزلك وأنت كذلك، فيحمله هذا على الدوران مع الشرع كيفما كان، ويبتعد عن تحويل العبادة إلى أمر معتاد يفعله بحكم التعود، ولذلك فإن المعتكف إذا ساوى حاله في اعتكافه حاله قبله فلا معنى لفعله، وقد امتنع النبي ﷺ من المضي فيه، وقد كان يعتاده في رمضان حينما رأى أمهات المؤمنين نصبن أخبيتهن في المسجد، لأنه يكون كالذي في داره، انظر الموطأ (٦٩٧)، (خ/ ٢٠٣٣).
قال ابن العربي في (المسالك ٤/ ٢٥٤): «الاعتكاف ملازمة المسجد بالنية، فالنية تقطع قلبه عن الدنيا وعلاقاتها، والمسجد يمنع بدنه عن الاشتغال بأشغالها، لأن المساجد
стр. 977
بيوت الله، أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، ليس فيها عمل في غيره، فلا يجوز له أن يعمل من الدنيا غير ضرورة الآدمية، وهي الطعام والشراب … ، ومنع من الأكل نهارا لأنه أحد أسباب الانقطاع عن الدنيا، ومنع من الخروج عن المسجد إلا لحاجة الإنسان ولتحصيل القوت … ».
стр. 978
• قوله:
١ - «والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف الملازمة»
لما كان الاعتكاف طاعة؛ كان مستحبا، لأن الاستحباب أدنى درجاتها، وهو مشهور المذهب، وإنما يجب على من نذره، أو شرع فيه، فإنه من النوافل التي تجب بالشروع، وقيل إنه سنة، وهذا أقوى؛ لأن النبي ﷺ فعله، وأظهره، وواظب عليه، وقضاه بعد أن تركه لمانع، فاجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة، وقيل مكروه وهذا شنيع، إلا إذا قيد بالمنذور منه ممن يخشى أن لا يفي به، ولعل قائله أخذه من قول مالك، الذي رواه عنه ابن نافع وهو في النوادر والزيادات (٢/ ٨٩) قال: «ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبضه الله سبحانه، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال التي نهى عنه النبي ﷺ ، فقيل له: إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئة أحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وليس الاعتكاف بحرام، وأراهم تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء، قال: ولم أر من أدركت ممن اعتكف؛ إلا أبا بكر بن عبد الرحمن»، انتهى، قال كاتبه: أبو بكر هذا هو أحد الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة.
وقد ذكر اعتكافه في موطئه (٦٩٦) (خروج المعتكف للعيد)، قال الحافظ يعلق على قول مالك السابق: «كأنه أراد صفة مخصوصة»، انتهى، يعني كالاعتكاف الذي تطول مدته.
قال ابن العربي في العارضة (٤/ ٢): «،،، هو سنة وليس ببدعة، ولا يقال فيه مباح، فإنه جهل من أصحابنا الذين يقولون في كتبهم الاعتكاف جائز، وإنما حملهم على ذلك لما رأوا النبي ﵇ نهى عن التبتل وندب إلى النكاح؛ ألحقوا به الاعتكاف، وزعموا أنه مستثنى منه، ونحن لاننازعهم في هذا الأصل الذي لم يفهموه، ولكنا نقول إنه لما استثني كان سنة … »، قلت: لعل هذا من اصطلاحهم في إطلاق لفظ الجائز والمرد منه ما يشمل الواجب والمستحب والمكروه، فيكون المراد الاستحباب، والله أعلم.
стр. 979
• قوله:
٢ - «ولا اعتكاف إلا بصيام».
أي لا يصح الاعتكاف إلا من صائم، سواء كان صومه في رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة، أو تطوع، وقد روى أبو داود (٢٤٧٣) عن عائشة قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة، إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع»، قال الحافظ في بلوغ المرام: «لا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف آخره»، وحسنه الألباني، وقال في الإرواء (ح/ ٩٦٦) بعد أن ساق هذه الزيادة على ما في الصحيحين عند البيهقي: «و إسناده صحيح»، وقال عن إسناد أبي داود؛ جيد على شرط مسلم.
قلت: لكن اللفظ الزائد عند البيهقي هو: «والسنة فيمن اعتكف أن يصوم»، ولفظ أبي داود: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، والأول يحتمل الندب، وهو الأقوى، بخلاف الثاني، فإنه يفيد الشرطية، والظاهر أن أم المؤمنين فهمته من فعل النبي ﷺ ، فيحمل على شرط الكمال، فإن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية، ومعلوم أن اعتكافه كان مع الصوم غالبا، لكنه اعتكف في شوال أيضا، فقول صاحب الروضة الندية: «يظهر أنه ليس من بيان السنة المذكورة»؛ فيه نظر، لما تبين لك من الجمع بين روايتي أبي داود والبيهقي، أما ترجيح ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٨٨) شرطية الصوم في الاعتكاف؛ فلاعتماده على قول أم المؤمنين عائشة، وعلى فعل النبي ﷺ ، وقد علمت ما فيه.
ويدل على عدم وجوب الصوم مع الاعتكاف؛ ما في الصحيحين من حديث ابن عمر عن أبيه ﵄ أنه قال يا رسول الله: «إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام»، فقال له النبي ﷺ : «أوف بنذرك»، فاعتكف ليلة»، متفق عليه (خ/ ٢٠٤٢).
فإن قيل: أمره أن يفي بما نذر، ولم يكن قد نذر الصوم؛ فالجواب: أنه لا يأمر بالوفاء
стр. 980
على الوجه غير المشروع، وعن ابن عباس مرفوعا: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، رواه الدار قطني، ورجح الحافظ وقفه.
ومما اعتمد عليه في القول بلزوم الصوم؛ ما رواه مالك في الموطأ (٦٩٥) قال: «بلغه أن القاسم بن محمد ونافعا مولى عبد الله بن عمر قالا: «لا اعتكاف إلا بصيام، لقول الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام، وعلى ذلك الأمر عندنا أنه لا اعتكاف إلا بصيام»، انتهى، واحتج ابن العربي في العارضة على لزوم الصوم بقول النبي ﷺ لعمر: «اعتكف وصم»، ولو صح؛ لاتجه القول بوجوبه، بيد أنه صرح في كتابه المسالك في شرح موطإ مالك مع بعض التصرف (٤/ ٢٥٤) بقوله: «ليس لأحد من علمائنا على وجوب الصوم في الاعتكاف دليل به احتفال، وأكثر ما عول عليه مالك فيه؛ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فخاطب بذلك الصائمين، وهذا لا حجة فيه، لأنه خطاب خرج عن حال، فلا يلزم أن يكون شرطا في جميع الأحوال»، انتهى.
تأمل كيف أن الشرع اختار للاعتكاف خير البقاع لزوما، وخير الشهور وهو رمضان اختيارا، وخير الحالات وهو الصيام استحبابا، فيتعاضد الحال والزمان والمكان على سمو نفس الإنسان، ونزوعه نحو الكمال، فلا خلاف في أفضلية الاعتكاف مع الصيام، وقد رأيت كيف أن الله تعالى ذكره في أعقابه مرتبطا به، ويذكره الفقهاء متصلا به في تصانيفهم اقتداء بكتاب ربهم، وبسنة نبيهم الذي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
стр. 981
• قوله:
٣ - «و لا يكون إلا متتابعا».
كون الاعتكاف لا يكون إلا متتابعا هو صريح قول مالك في المدونة، ومعناه أنه لا يجوز أن يقطع بغير ما يجوز من حاجة الإنسان كما سيأتي، فإن كان منذروا؛ فالناذر على ما نذر من المدة كيفما كانت، وإن ابتدأ الاعتكاف من غير نذر؛ كان مطالبا بإكمال أقل مدته، وهي يوم وليلة على المذهب، لكونه يجب بالشروع، فإن قطعه بغير ما يشرع له؛ بطل.
стр. 982
• قوله:
٤ - «ولا يكون إلا في المساجد، كما قال الله سبحانه: «وأنتم عاكفون في المساجد»، فإن كان بلد فيه الجمعة؛ فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة».
أخذ هذا من ربط الاعتكاف بالمساجد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجه الدلالة أنه لو صح في غير المساجد لم يختص تحريم المباشرة به، لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد؛ أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها»، انتهى، قاله الحافظ وغيره، والنبي ﷺ لم يؤثر عنه الاعتكاف إلا في مسجده، ولأن البقاع من غير المساجد متساوية في الفضل، والمساجد خير بقاع الأرض، وهي كذلك متساوية عدا المساجد الثلاثة، قال الحافظ: «واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فأجازه في كل مكان»، انتهى.
والرجال والنساء سواء في موضع الاعتكاف عند الجمهور، وقال الحنفية تعتكف المرأة في مصلاها، لأن بيتها خير لها في صلاتها من المسجد، كما في الحديث وهذا حق، ولقوله ﷺ : «خير مساجد النساء بيوتهن … »، لكن الظاهر خلاف ذلك، وإلا لاعتكفت أمهات المؤمنين في بيوتهن، فالمرأة يجوز لها الاعتكاف في المسجد إذا أذن لها زوجها وأمنت الفتنة، وقل أن تؤمن في هذا العصر، وقد روى مالك (٦٩٧) والبخاري (٢٠٣٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أراد رسول الله ﷺ أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه؛ وجد أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فلما رآها سأل عنها، فقال: «آلبر تقولون بهن»؟، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال»، وقوله آلبر تقولون بهن، أي هل تظنون أن الحامل على هذا هو البر؟، وقيل لا اعتكاف إلا في
стр. 983
مسجد نبي، ونصره الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀، مستندا إلى حديث حذيفة أنه قال لابن مسعود: «لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال في مسجد جماعة»، رواه سعيد بن منصور في سننه.
والصواب: ما عليه الجمهور من صحته في كل المساجد للعموم الذي في الآية، وقد جاءت في أعقاب ذكر الصيام، والمسلمون جميعا مخاطبون بالصيام، فيكون الاعتكاف وهو قرين الصوم في الذكر؛ مثله في الإمكان، ولا يمكنهم جميعا أن يعتكفوا في المساجد الثلاثة، مع ما في حديث حذيفة المذكور من الاختلاف، للتردد الذي في متنه وغيره، وقد كتب في المسألة الأخ الدكتوركمال قالمي بحثا جيدا نشر في مجلة الإصلاح العدد الرابع سنة (١٤٢٨) يتبين قارئه قوة مذهب الجمهور ورجحانه، فجزاه الله خيرا، وجزى القائمين على المجلة والكاتبين فيها على خدمتهم للسنة والعلم.
والمذهب أن الاعتكاف يصح في مسجد الجمعة، وغير الجمعة، لكن إن كان الاعتكاف في بلد تلزم الجمعةُ فيه المكلفَ، وتأتي عليه في أيام اعتكافه؛ تعين عليه أن يعتكف في مسجد الجمعة، ليتمكن من أدائها مع استمرار اعتكافه، وإلا وجب عليه الخروج لها، ويبطل اعتكافه على المشهور، والظاهر عدم البطلان كما ذكره القرطبي في تفسيره معتبرا إياه ضمن حاجة الإنسان المنصوص عليها، وهو رواية ابن الجهم عن مالك، وقال به ابن العربي.
стр. 984
• قوله:
٥ - «وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف؛ عشرة أيام».
ظاهر كلامه واضح، فهذا العدد أفضل مما دونه، لا أنه شرط في صحته عند مالك كما ظنه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٥)، أما ما نقله ابن القاسم عنه في المدونة - كما في الاستذكار - من إنكاره ما دون العشرة؛ فإنه يحمل على أنه يريد الأكمل، لأنه الثابت عن النبي ﷺ ، إذ «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده»، رواه الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، «وكان إذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين» رواه أحمد عن أنس. أما أقلّه في المذهب فيوم وليلة، وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله:
стр. 985
• قوله:
٦ - «ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة؛ لزمه يوم وليلة».
ظاهر كلامه أن من نذر يوما؛ لزمه دون ليلته، ووجهه أنه الذي تناوله نذره، مع أنه زمان للصوم الذي هو شرط في صحة الاعتكاف على المذهب، لكن الذي في المدونة (١/ ٢٠٢) خلاف هذا، قال فيها: «أرأيت الرجل إذا قال لله علي أن أعتكف يوما، أيكون ذلك يوما دون ليلته؟، فقال: لا، وذلك أن مالكا قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة»، قال سحنون: «وقاله عبد الله بن عمر، وذكره ابن نافع»، انتهى.
أما من نذر ليلة؛ فيلزمه اعتكاف اليوم الذي يأتي بعدها، ووجهه أن ذلك أقله عندهم، مع شرطية الصوم فيه.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: «وأما تقديره بيوم وليلة لأن الصوم من شرطه؛ فضعيف، فإن العبادة لا تكون مقدرة بشرطها، ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة، وتبقى الطهارة،،،»، انتهى.
قلت: هذا لو ثبت أن الاعتكاف مشروط بالصيام، وذهب سحنون إلى أن من نذر اعتكاف ليلة؛ فهو لغو، لفقد شرط الصيام، ويرده اعتكاف عمر ليلة قضاء لما نذر في الجاهلية وقد تقدم، وقال الشافعي ﵀ بعدم تحديد المدة، فيصح اعتكاف ساعة، واختاره ابن العربي إذ لا دليل يمنع، وفعل النبي ﷺ على الاستحباب، قال: «وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجدا بمدينة السلام لإقامة ساعة؛ يقول لنا: «انووا الاعتكاف تربحوه»!، انتهى.
وقد روى عبد الرزاق (٨٠٠٦) عن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف»، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٩٧٤٠) عن ابن جريج عن يعلى بن أمية أنه كان يقول لصاحبه: «انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة»، وهذا هو
следующие страницы →