← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30009

الجواهر من فقه الحنفية

سعد غدبوش

Полный текст (627 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة النَّاشر إنَّ الحمد لله نحمده، ونَستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ بالله مِن شُرورِ أنفُسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، إنَّه من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رسوله ونبيُّه وحبيبُه، اصطفاه من خلقه؛ ليكون بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنِهِ وسراجًا منيرًا، فصلوات ربِّي وسلامهُ عليه، أمَّا بعدُ: فإنَّ من إكرام الله للعبد أن يستخدمَه في طاعته وعبادته، لا سيَّما طاعةَ نشر العلم، ومن أشرف هذه العلوم علم الفقه؛ فنرى أنَّ العالِمَ لا يتصدَّرُ بين الناس حتَّى يتفقَّه في دينه، فمن تعلَّم القرآنَ عَظُمَت قيمتُه، ومن نظر في الفقه نبُلَ مقدارُه. فاليوم - بفضل الله تعالى - نُخرِجُ لطلاب العلم وأهل هذا الفنِّ العنوانَ الثاني من سلسلة "نوادر علوم الفقه" التي شَرُفت "دار السمان" إبانها بإخراجها كنوز تَضمُّ كُتُبَا حازت قَصَبَ السَّبق في نشرها بين الباحثين. ألا وهو: الجواهر وكان سبب تسميته أنَّه ضمَّ درر كتب فقه الحنفية، فكان عقدًا منظومًا بيتائم الفقه، فوقع الحافر على الحافر في الاسم ومسماه، لصاحبه الإمام الشيخ العالم طاهر ابن شيخ الإسلام ابن قاسم بن أحمد الخوارزمي، الملقب بسعيد نمدبوش

стр. 2

الأنصاري، شيخ عصره وزمانه، وهو كتاب مبارك من شتَّى نواحيه، لما حواه من علم ربّانيٍّ، وللزمن الذي افتتح واختتم فيه؛ إذ ذكر أنه بدأه لمّا عاد من الحج، وفرغ من تأليفه في غرَّة رمضان سنة ٧٧١ هـ. الذي على بساطة عبارته وإيجازها كان منهلًا لكثير من أهل المذهب، كما نجد ذلك في "حاشية ابن عابدين" و "مجمع الأنهر" وغيرها من كتب الحنفيَّة. وناهيك عن جلالة محتواه الفقهيِّ الذي لا يتمارى فيها اثنان، افتتح المؤلِّف كتابه حرصًا منه على عقيدة طلاب العلم بمقدِّمة عقديَّة تضمُّ أساسيّات علم العقيدة، ثمَّ أَحسَن التخلُّص من هذه المقدِّمة إلى ما بنى عليه كتابه، فأظهر لطف مدخل ومخرج، جزاه الله عن المسلمين خيرًا. وأما عن السِّلسلةِ فجاءت تاليةً بعد سلسلةِ: "نوادر علوم الحديث"، الَّتي شَرُفت "دارُ السَّمَانِ" بخدمتها والعملُ عليها حتَّى يومِنا هذا، وقد طُبعَ منها عددٌ من العناوين بحمد الله تعالى. أمَّا عَن مَنشَأِ الفكرةِ لهذه السِّلسلة فهو كمَنشَأ سابقتها "نوادر علوم الحديث": أن نَخدِمَ التُّراثَ الإسلاميَّ بما يُفيدُ طالِبَ العلمِ، وأن نَبتعِدَ عن الكتب الَّتي خُدِمَت من النَّاحية العلميَّة أو الفنيَّة. لذلك انطلقنا - بتوفيق الله تعالى - بالبحث عن كُتُبِ الفقه الَّتي لم تُخدَم من قبل أو تُحقَّق وتُنشَر، مُستعينين بالله أن يوفِّقَنا، ويجعلَ ذلك في صحائفِ أعمالنا يوم القيامة. وأخيرًا: الحمدُ لله أن يَسَّرَ لنا نشرَ العنوانِ الثاني من هذه السِّلسلةِ المُبارَكَةِ - إن شاء الله -

стр. 3

بتحقيق عِلمِيٍّ رَصينٍ، وحُلَّةٍ فنيَّةٍ جميلةِ وراقيةٍ، سائلين المولى أن تَلقى القَبول بينَ أهل العلم. وعملًا بحديث الحبيب ﷺ : "مَن لَم يَشكُرِ النَّاسَ لَم يَشكُرِ الله": أتوجَّهُ بخالص الشُّكرِ والتَّقدير إلى فضيلة الشَّيخ الدكتور: محمَّد أيمن الجمّال على ما بذلَه من جُهدٍ عِلمِيٍّ، وما صبَّه من وقتٍ في خدمةِ هذا الكتابِ، حتَّى بدا نورًا يتلألأ لطالبِ العلم في تعليقاتِه وتحقيقاتِه، فجزاه الله خيرَ الجزاء، وأثابَه خير المثوبة … وكما أتوجَّه بالشُّكر إلى الفريق العلميِّ والفنِّيِّ في الدَّار على مُساهَمتِهم في إخراج هذه السِّلسلة، وأخصُّ بالذكر الأخ الحبيب الأستاذ: خلدون عارفي، والأستاذ حسان محمود، والأستاذة هبة داده، الذين اعتنوا بهذا الكتاب من تدقيق لغويٍّ وضبط إملائيٍّ وترجمة للأعلام .... وغيرها. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين. كتبه أحمد بن بشارُ السَّمَّانُ ٢١/ رمضان/ ١٤٤٠ هـ ٢٦/ ٥/ ٢٠١٩ م

стр. 4

مقدمة التحقيق الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. أمّا بعد: بين يدي الكتاب: (المذاهب مناهج وبناء فكريّ) فإنّ لله تعالى أسرارًا في خلقه، يهب من يشاء منهم علمًا وحكمةً وفضلًا، ويجعل من يشاء عقيمًا عن إدراك المعاني، عاقرًا عن إنتاج الأفكار! وقد خصّ الله تعالى أهل الفقه بمزيّة الابتكار، والنظر في الأدلة والنصوص والواقع وبناء الأحكام والفتاوى، وكم من فقيه بلغ رتبة الاجتهاد والنظر والترجيح على مرّ العصور، فلم يَفتْ هذه الأمّةَ نفعُه، بل وصل علمُهُ فكُتِبَ صدقةً جاريةٌ ممّا يُنتَفَعُ به. إنّ أمّة اصطفاها الله تعالى فختمَ بها الأمم؛ وجعلها خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس، وكتب لها بفضلِهِ شهادةً على العالمين: لا يُمكنُ أن تضِلَّ بمجموعها، وإلا لانتفى حفظُ الذكرِ على يدها، ولكانت كغيرها مُحتاجَةً إلى تجديدِ الرسالةِ والعهدِ السماويِّ، فلمَّا انتفى ذلك تيقَّنَّا أن إجماعَها على أمرٍ يفيدُ صوابَهُ، وأنَّ اتفاق العقلاءِ فيها على رأي يعني قربَه مِنَ الحق. وممّا هو معلومٌ لكلّ طالب علمٍ أنّ مذاهبَ الفقه الأربعةَ التي هي محلّ إجماع المسلمين وغاية مرجعيَّتهم في كلّ عصر؛ كانت نَتاجَ مدارسَ فكريّةٍ وأصوليّةٍ،

стр. 5

وليست مجرّدَ اجتهاداتٍ فرديّةٍ، فالمذهبُ تكوّن من مناقشاتٍ علميّةٍ بين مجموعةٍ عاشت في عصر مؤسّسِه، ثمّ مجموعاتٍ أخرى عاشت روحَ المذهب فتشبّعت بعقليّةِ صاحبِه، وآنست أنّها أقرب إلى منهجِ المذهب وفكرِهِ؛ فاقتنعت به حتّى حملته وحملها، فبنى اللاحقون على أقوال السابقين واستنبطوا من عباراتهم فهومًا وصورًا، وأخذوا بأصولهم وفروعهم جملة! حتّى صاروا ينطقون بلسانهم، ويفكرون بعقلهم، مع استقلاليّة في النظر للتوصّلِ إلى الأحكام، فلذا لم يخلُ الأمرُ من تفرّداتٍ في بعضِ المسائلِ ومعارضات، ووجدت بين الأئمّة مخالفاتٌ علميّةٌ ترفّعوا بها عن الخصومة والشقاق. وقد بحث اللاحقون في أقوال السابقينَ منقّحين ومرجّحين ومستدلّين، فصارت المذاهب الأربعة بخدمة أربابها والمنتسبين إليها: مدارس علميّةً منهجيّةً، خدَمَها فحولٌ لهم عقولٌ كبارٌ على مرِّ التاريخ، وانتسب إليها أكابرُ من كلِّ أصقاعِ الأرض على غيرِ تواطئٍ بينهم محتملٍ على تركِ مصادرِ الشريعةِ والتمسكِ بالمذهب! فبطل زعمُ من أرادَ مِنَ الأمّةِ اليومَ نُفَرَةً عن المذهبيّة بحجّة الرجوع إلى مصادرها، وقيل له فكيف ترى أولئك الكبار أصحاب الحجى وأرباب الألباب وأولي النهى أقد ضلّوا حين تركوا ما تدعونا إليه اليوم فانتسبوا إلى إمام مجتهدٍ؟ أم أنّك بلغت مبلغًا فوق ما بلغوا؟ فهممتَ بما لم يهمّوا به بعدَ أن رأوا برهان ربّهم؛ فربط الله على قلوبهم. إنّ الانتسابَ إلى هذه المدارس الفقهيّة يجعل المرء في تيارٍ من الخيرِ عريضٍ، يرى فيه حولَه المحدثين والمفسّرينَ والمتكلّمين والفقهاءَ، ويشهدُ رأيَهم وتأييدَهم فيزدادُ اطمئنانًا وثقةً بحُسنِ منهجِهِ وصحةِ اختيارِه.

стр. 6

بيدَ أن هذا الانتسابَ لا ينبغي أن تشوبَهُ شائبةُ التعصّبِ؛ فإنكارِ الغيرِ؛ أو الانتقاص منه! بل هو انتسابٌ مدرسيٌّ يوقّر فيه من اختار انتسابًا آخرَ غيرَ انتسابِهِ، لأنّه منتسبٌ إلى أهل الفضل مثلَه، لكنّه يُنكِرُ على من يدعُ الالتزامَ بمدرسةٍ ومنهجٍ منقّحٍ رصينٍ، ليلتحقَ بشذّاذٍ ارتأوا أن يشقّوا بأنفسهم أعسرَ طريقٍ استغرقَ فتحُهُ في أوّل عصورِ الإسلام نحوًا من مائةٍ وخمسينَ سنةً، حتّى تمّ ذلك في الجيل العلميِّ الرابعِ أو الخامسِ من أجيال الأمّة، وما تمّ إلا بتراكمٍ معرفيّ، وتلاقحٍ فكريّ، واتصالٍ زمانيّ و مكانيّ، نفقدُه اليوم أو نكاد! إنّ نظرةً عجلى في كتب التاريخ تعرّف الناظر إلى الانسجام الكبير بين أئمّة المذاهب وبين أتباعهم وتقديرَهم لبعضهم، ومن الظلم لهذه المدارس الفكريّة التي بنيت عليها حضارة الأمّة - حيث كانت هي نظام الحكم - أن نقرأ عنها لماماتٍ من التاريخ تصارع فيها بعض المنتسبين إليها سياسيًّا في بعض البلاد وبعض الأزمنة؛ التي لم تتجاوز عشرات السنين؛ فنسحب ذلك على أصل الانتساب إليها، ونلحق بالمذاهب عار الشقاقِ السياسيّ والحياتيّ بين أفراد من الأمّة حين تعاندوا؛ فنتج تفرّق صفّهم عن تنازعهم السياسيّ والحياتيّ لا عن انتمائهم الفقهيّ المذهبيّ، ففرح بذلك بعض دعاة ترك المذهبيّة والنزوع إلى فرقة الأمة وعدم انضباطها، فحملوا الاختلاف على المذاهب، وجعلوها سببًا فيه. إنّ المذاهب الإسلاميّة حصنُ الأمّة من الانجرار خلفَ غالٍ محرّفٍ أو مبطلٍ منتحل أو جاهل مؤوّلٍ على وجهٍ لا يصحّ تأويلُ النصوصِ إليه! وقد خصّ الله تعالى مذهب أبي حنيفة النعمان بالتطبيق في الأرض دهورًا، فحكمت به الدولة العبّاسيّة قرونًا، ثمّ حكمَت به الدولة العثمانيّة قرونًا، ولم يخل

стр. 7

زمانٌ من الحكم به بعد نشوئه، فأعانَ ذلك على اكتمالِ أبوابه وتمام نظامه، ولن تجد مذهبًا وضعت فيه القوانين واشتغل أهله بالقضاء والسير وإدارة الدول والسياسة الشرعية كما وقع لمذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وعن أئمة أهل السنّة جميعهم. أهميّة دراسة التراث وتحقيقه: في تراثنا الإسلاميّ كنوزٌ من المعارف والعلوم؛ فلا يخلو كتابٌ مخطوطٌ من فوائدَ وفرائدَ تفرّدَ بها عن غيره، فكان لمؤلّفه حجّةٌ في الشروع في تأليفه، وحقّق له غاية ومقصدًا كان يراه مناسبًا وواجبًا، إذ لولا تميّزه عن غيره لكان تكرارًا ونسخًا، ولأدّى ذلك إلى نفرة العقلاء منه، إذ المكرّرُ ممجوجٌ، والمعادُ مهجورٌ، وما كانَ نسخًا لغيرِه أو مثالًا لسواهُ فلن يجدَ في سوق العلم مشتريًا، ولا من الطلابِ والناظرين مهتمًّا، فيكسَدَ سوقُه، ولا ينسخُهُ النُّسَّاخُ، ولا ينتشرُ بينَ الناس، فيذوب كما يذوب الملح في الماء، ولن يُجهد عاقلٌ نفسَهُ في تصنيف مثل هذا السفر، فضلًا عن أن يضيِّعَ عالمٌ واعٍ وقتَهُ في مثل هذا. وفي تراثنا الإسلاميّ كثيرٌ من الكتب التي لا تستغني عن التحقيق مع وفرة غيرها؛ لما تفرّدت به وحوَتْهُ من العلم النافع. وقد هيّأ الله تعالى في هذا الزمان عددًا من دور النشر والطباعة لتهتمّ بهذه الأمور، وتحيي في الأمة انتسابها إلى حضارة عظيمة ضربت جذورها في أعماق التاريخ، فتتّصل كبوة حاضرها بنهضة ماضيها؛ ليستشعر المنتمي إليها انتماءَهُ إلى أمّة حضارتها الفكريّة العلميّة الثقافيّة الفلسفيّة أكبرُ من زِيفِ حضارةِ الغربِ الماديّةِ القائمة على المنفعة الماديّة الحياتيّة دون نظر في واقع تكوّن الإنسان من الجسم

стр. 8

والروح، وأنّ الروح أقوى في العقلاء من الجسد، والمادية الجسديّة باب للحيوانية أو هم أضلّ! وكان مِنَ الدورِ التي اهتمّت بإخراج دُرَرِ التراثِ (دارُ السمَّانِ) التي يُشرِفُ على إدارَتِها تلميذُنا الأريب الأديب أحمد السمّان حفظه الله ونفع به، وكتب أجره في الدارين، فانتدَبَ إلى إخراج (سلسلة نوادر علوم الفقه) لينتفعَ بها المنتسبونَ إلى المذهبِ، ولتغطّيَ جانبًا مُهمًّا في النظرةِ إليهِ، وفهمِ تسلسلِ التأليفِ فيه، وطبيعةِ استنباطِ الأحكامِ مِن أهلِ الاستنباطِ المنتسبينَ إليه؛ فاقترحَ عليّ جملةً من الكتب رأيتُ بعد المطالعة والاستخارة أنّ هذا من أفضل ما يُبدَأ به منها، وفي كثير منها علمٌ وافرٌ وخيرٌ كبير. سبب اختيار الكتاب للتحقيق: انتُدِبْتُ إلى تدريسِ فقهِ المالكيّةِ منذ نحو عشرينَ سنةً فدرّستُ تقريرًا لمذهبهم كتابَ الدرّ الثمين للشيخ مياره المالكيّ، وهو شرحٌ لمنظومةِ ابن عاشر الشهيرة باسم: (المرشِدُ المعينُ على الضروريِّ من علومِ الدين)، وهو من أجمع كتبهِم على اختصارِه، فرأيتُ ناظمَها وقد ابتدأَ كتابَهُ بشيءٍ من العقائد والتصوّفِ والسلوكِ قبل أن يخوضَ في الطالبِ بحارَ الفقه، فاستحسنت ذلك منه؛ وودتُ أنّ لنا مثلَهُ، فلمّا أعثرني الله تعالى بهذا الكتاب الذي بين أيدينا عرفتُ أنّه من فضل الله تعالى واختياره للفقير أن حقّق له مراده؛ لما وجدتُه جامعًا من الاعتقاد والفقه والسلوك، فلَهُ الحمدُ والمنّةُ. وقد جَمع هذا الكتابُ الذي بين أيدينا المباحثَ التي لا يستغني عنها مسلمٌ، وتعلُّمُها فرضُ عين على المكلّفين، كالإيمانِ وأحكامِهِ، وأحكامِ الطهارةِ والصلاةِ

стр. 9

والصومِ، وبعض آدابِ السلوك والتصوّف، وهو القدرُ الذي لا يَستغني عنه مكلّفُ؛ فإنّ العملَ مبنيٌّ على ركن الاعتقاد، والفقهَ بلا تصوّفٍ كرَمَاد، فإن اشتدّت به عواصف رياح الأهواء أخذتْهُ إلى حيّز التلاعب بالدين والرغبة في الهوى حتّى يُتّخذ الهوى إلهًا من دونِ اللهِ تعالى! ولا يخفى على منصفٍ أنّ معرفة الأحكام دون تأدّبٍ لا تعني شيئًا في حقّ المرء لنفسه، بل الترقّي في الطاعات والحرص على المكرمات هو ما يبحث عنه العاقل، وهو ما يسعى للتحقّق به عند دراسة الفقه وسائرِ علوم الشرع، إلّا أنّ هذا الباب لا يُكتَب، بل هو بحاجةٍ إلى مربٍّ ناصحٍ، وعالمٍ عاملٍ، ولا يتأتّى ذلك إلا بالصبر على الممارسة والمجاهدةِ على التطبيق؛ وليسَ سبيلُهُ بحالٍ تسويدَ القراطيسِ وإفراغ المحابرِ! فمن رامَ حقيقةَ الفقه ومنفعتَه لدنياه وآخرتِه فليتأدّبْ بآداب أربابِه، وليسلكْ سبيلهم في مجالسةِ أهلِه وتلقّي الأحوالِ عنهم، والتلقّي من أفواههم، فذلك سبيل المصطفى الذي قيل له: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى﴾. ولذا وجب على المتفقّه بعد حُسْنِ الإيمان واليقين أن يتعلّمَ من علومِ التزكيةِ والسلوكِ ما يعينُهُ على الترقّي إلى التلذّذ بالتعبّد، ويسلُكُه في مسالك الذين صار هواهم تبعًا لما جاء به الحبيب ﵌. وهذا ما نجده في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. إلا أنّ المصنّف رحمه الله تعالى تحدّث في باب السلوك في خاتمة كتابه عن بعض تفاصيل أحوال السالكين، وآدابهم وطرقهم في السلوك؛ مستعملًا مصطلحات السادة الصوفيّة، ممّا يعسُرُ فهمُهُ على غير مخالِطِهم، فآثرتُ - لإتمام

стр. 10

الفائدَةِ المرجوّة - أن أعرضَه على القرّاء كما اختار المصنّف، مع إشارات يسيرة إلى بعض المعاني التي قد لا يتبادر إليها فهم القارئ غير المطّلعِ على منهجهم، وإرشاداتٍ سريعةٍ إلى غوامض عبارات المصنّف رحمه الله تعالى. كما أنّه تناول طريقتَه التي كان عليها، التي تسمّى البايزيديَّةَ، وكان أكثر أتباعها يسكنون بمنطقة سينوب في شمال تركيا على البحر الأسود. ومن يرى جمال تلك البلاد يعرف سبب الراحة النفسيّة التي كان يعيشها أهل تلك العصور، وسيمرّ بنا الحديث عن طريقته السلوكيّة إن شاء الله تعالى في ترجمته. وقد تفرّد هذا الكتاب بالنقل عن بعض المصادر التي لم يعرف لها نسخ في زماننا، فصار معرفة ما فيها متوقّفًا على من نقل عنها، فإذا وجدنا في الناقلين ثقة عارفًا بالمذهب فهو أولى بصحّة النقل، فجمع فيه المصنّف أقوال من سبقه من أكثر من مائتي مصنّف في الفقه، انتقى من كلّ واحدٍ منها ما تفرّد به، واختار منه ما امتاز به عما سواه من كتب الفقه. كما أنّ ممّا ميّزَ كتابَهُ هذا أنّه عرضَهُ كما يقول على علماء المذهب المتبحّرينَ فيه بعد إتمامه، كما يقولُ: (ولمّا فرَغتُ من تنميقِه وتعليقِهِ وبذلتُ جهدي في تنقيحه وتهذيبه عرَضتُ على العلماء المتبحّرين والفضلاء المفتين فقبلوه بأحسن قبول) (أعلام الأخيار ٢/ ٣٩٧). مكانة الكتاب بين كتب الفقه الحنفيّ: لقد غلبَ على المصنّفِ النقلُ عن غيرِه، وذكرُ المسائلِ الفرائدِ عمّن تفرّدَ بها، باقتصارٍ في النقل على موضع الفائدة المستفادَة دون إسهابٍ في نقلِ عامّة العبارَة، كما أفاضَ المصنّفُ رحمه الله تعالى رحمه الله تعالى في بعض المباحثِ استفاضةَ عارفٍ عالمٍ،

стр. 11

ففصّلَ المعاني وتناولَ مع شيءٍ من التطويل أحيانًا المباني. ولمّا كان للمصنّف عناية بنقل أقوال الأئمّة من مصادرَ نادرةٍ أحيانًا، فقد كان لكتابه خصوصيّة أدّت إلى العناية به، ولم يكن من منهج المصنّف الموازنة بين أقوال الأئمّة، ولا الترجيح بينها، بل كان مقتصرًا على النقل إلا نادرًا. ويظهر أنّ الكتاب لاقى عناية خاصّة من الفقهاء، وأبرز الأدلّة على تلك العناية: ١ - كثرة النسخ الموجودة منها، حيث وقع لنا بعد يسيرٍ من البحث نحو ستة نسخ، وهذا العدد مقبول جدًّا، وهو يعني توافر غيرها، إذ اكتفينا بها لوضوح خطوطها وقربها من عصر المصنّف، بل لعلّ بعضها كتب في حياته، وفي وجود نسخ منه في مكتبات بلاد الحرمين وفي مصر وبلاد الشام وتركيا وغيرها دليل على اهتمام النسّاخ بها بسبب اهتمام العلماء بها. ٢ - النقل منه من قبل فحول أئمّة المذهب ومحقّقيه كالعينيّ وابن عابدين وغيرهما، مع ذكر أنّهم نقلوا منه، وفي هذا إشارة إلى أنّ ما جمعه المصنّف في هذا الكتاب ليست أصوله موجودةً، إذ لو وجدت لنقلوا منها دونَه. ٣ - جمع المصنّف مادّة الكتاب من أكثر من مائة وعشرين مصنّفًا في الفقه، اندثر بعضها، ولم يطبع كثيرٌ منها، فجمعُ نوادرها وما انفرد به أصحابها في كتاب واحد يعدّ ثروة علميّة حقيقيّة، يمكن أن تغني عن حمل عشرات الكتب التي فيها تلك الفرائد، ويدلّ على مواضعها فيها، فإن عرف الباحث أن هذه المسألة مكتوبة في هذا الكتاب سهل رجوعه إليها. ٤ - لعلّ بعض الكتب التي نقل عنها المصنّف مادة الكتاب قد أحرقت أو أغرقت أو أتلفت أو نقلت إلى مكتبات المحتلّين للعالم الإسلاميّ عبر العصور المتطاولة، فلا يمكن العثور على ما وجد في هذا المصنَّف إلا من خلاله.

стр. 12

وقد أثنى عليه الإمام اللكنويّ في الفوائد البهيّة في تراجم الحنفيّة فقال (ص: ٨٤ - ٨٥): "وَلَهُ (جواهرُ الفقه) كتابٌ لطيفٌ، صَنَّفَهُ في بلادِ الروم، وفَرغَ مِنهُ بغُرَّةِ رمضانَ سنةَ إحدى وسبعينَ وسبعمائةٍ". وقال صاحبُ هديّة العارفينَ (١/ ٤٣١): "صنف (جَوَاهِرَ الفقه) في العبادات، فرغ منها بمصر سنة ٧٧١ هـ). وبالجملة فقد عُرِفَ المصنِّفُ بهذا الكتاب، كما عُرِفَ الكتاب بمصنِّفه! تحقيق اسم الكتاب: ورد اسم هذا الكتاب في عدد من المصادر الأصلية لمعرفة مثله معزوا إلى مصنفه، كما ذكرَهُ كلّ من ترجم للمصنّف، وقد ورد اسمه في بعض كتب الفقه. لكن أهم ما يُعرفُ منه اسم الكتاب ما سماه به مصنّفه، وقد نص المصنف كما في الصفحات الأولى من كتابه على أنّ اسم الكتاب هو (الجواهر). بينما سماه حاجي خليفة في سلّم الوصول واللكنوي وصاحب هدية العارفين: (جواهر الفقه)، وهو الاسم الذي اشتهر به الكتاب في كتب المصنفين، وكذا سماه ابن عابدين وقد نقل عنه في مواضع من حاشيته، وكذلك سمّاه شيخي زاده في مجمع الأنهر، وغيرهم. وقد اخترنا الاسم الذي وضعه مؤلّفه له وهو (الجواهر) كما في النسخ المخطوطة التي بين أيدينا، وذلك لأمور؛ منها: (١) اختيار المصنّف لنفسِهِ أولى من اختيار غيره له. (٢) احتمال وجودِ كتابٍ آخر اسمُهُ (جواهرُ الفقه) هو ما يعزو إليه المتأخرونَ نُقُولَهم.

стр. 13

٣ - النصّ على هذا الاسمِ من قِبَل بعض من كتبَ في ترجمةِ المصنّفِ. تحقيق اسم المصنّف: اختلف من ترجم للمصنّف في اسمه مع اتفاقهم على وجوده وبعض المعلومات حوله، فمن ذلك اتفاقهم على أنّ اسمه هو (طاهر) وقد نصّ المصنّف نفسُهُ أنّه كتب كتابه هذا (الجواهر) غرّة شهر رمضان سنة ٧٧١ للهجرة، فقد كان حيًّا وقتها، ولأنّه نصّ على ذلك لم يختلفوا فيه. وقد اختلف في اسمه، فمنهم من قال: هو طاهر بن إسلام (أو: سلام) بن قاسم بن أحمد، ومنهم من قال هو طاهر بن قاسم بن أحمد. واتفقوا على أنه خوارزميٌّ، وعلى أنّه أنصاريٌّ، وعلى أنّه حنفيٌّ، وقد نصّ هو على ذلك مرارًا في كتابه هذا. وأجمعت على ذلك مصادر ترجمتِه. بيدَ أنّ من أقربِ من ترجَمَ له محمود بن سليمان الروميّ الكفويّ المتوفّى نحو سنة ٩٩٠ هـ في كتابه: (كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار)، وهو يُفسّر لنا سبب الاختلاف في اسمِهِ، وأنّ فيه سقطًا في النسخ سارَ عليه عامّةُ النسّاخ، وهو أنه ابن "شيخ الإسلام" وهو لقبٌ لا اسمٌ عادة، ولم يميّزه بما يتميّز به، ويبدو أنّ كلمة شيخ أصابها شيءٌ في النسخة الأصليّةِ، ولا ترجمةَ للمصنّفِ ترفعُ إبهامَ هذا اللفظِ غير الواضحِ عندَ النسّاخ فحذفوها، وكتبوا "ابن سلام" أو "ابن إسلام"، وكلاهما غير دقيقَيْن، قال الكفويّ في أعلام الأخيار (٢/ ٣٩٧): وقد سمّاه فيه باسم: (الشيخ الفاضل العالم العامل طاهر ابن شيخ الإسلام ابن قاسم بن أحمد الخوارزميّ) وهو أقرب إلى عصره، ولعلّه قرأ مختصره الذي بين أيدينا بنسختِهِ الأصليّة فوجدَ فيه الاسم هكذا، أو لعلّه كان يعرف من يعرفُه لقربِ العهد به.

стр. 14

ومما يدلّ لصحّةِ تسميةِ والدِهِ باسمِ "شيخ الإسلام" أيضًا ما قالَهُ في نقلِهِ اسمَهُ من ترجمتِه من إحدى نُسخ كتاب الجواهر الذي بين أيدينا، فقال: (يقول الفقير الحقير، المقرُّ بالذنب والتقصير، مفارق الوطن وراكب المحن طاهر بنُ شيخِ الإسلامِ ابن قاسمٍ ابن رضيّ الدين الأنصاريّ الحنفيّ الخوارزميّ). ورضيّ الدين هو أحمد. وقد عُرف بلقب (نمدبوش) أي لابِسُ الجلد من اللبّادِ، كما ذَكَرَ ذلكَ مَن ترجَمَ له، قال في هديّةِ العارفينَ (١/ ٤٣١): نمدبوش: أبو سعيدٍ، طاهرُ بن إسلامٍ بن قاسمٍ بن أحمدَ الأنصاريُّ. وقال الزركليُّ في الأعلام (٢٢٢٣): الخُوَارِزْمي (بعد ٧٧١ هـ = بعد ١٣٧٠ م). طاهرُ بنُ قاسمٍ بن أحمدَ الأنصاريِّ الخوارزميِّ، المدعو بـ (سعيد نمدبوش فقيهٌ حنفيٌّ خوارزميُّ الأصل. حجَّ وزارَ الرومَ في عودَتِهِ، ومنها إلى مصرَ فسكَنَها. وألَّفَ (الجواهرَ) مختصرٌ في الفقهِ، فرَغَ من تأليفهِ في غُرَّةِ رمضانَ سنة ٧٧١ هـ، منه نسخٌ كثيرةٌ. وقال في معجم المؤلّفين (٥/ ٣٥): طاهر الأنصاريُّ (كان حيًّا ٧٧١ هـ) (١٣٦٩ م): طاهرُ بنُ سلامٍ بن قاسمٍ بن أحمدَ الأنصاريُّ الخوارزميُّ. وقال حاجي خليفة في سلَّمِ الوصولِ إلى طبقاتِ الفحولِ (٢/ ١٨٣) برقم (٢١١٧): طاهرُ بنُ سلامٍ بن قاسمٍ بن أحمدَ الأنصاريُّ الخَوَارزميُّ الحنفيُّ، له "جواهر الفقه". والذي نرجّحه بعد هذا النظر أن يكونَ اسمُهُ ما اختاره الكفويُّ، وهو: الشيخ الفاضلُ العالم العامل: (طاهرُ ابن شيخ الإسلامِ ابن قاسمٍ بن أحمدَ الخوارزميُّ الأنصاريُّ).

стр. 15

طريقتُهُ في السلوك: كانَ المصنّفُ من أتباع الطريقةِ النقشبنديّةِ البايزيديّةِ، وهي منسوبةٌ إلى العارف بالله أبي يزيدَ البسطاميِّ، طيفورِ بن عيسى بن شروسانَ البِسطامِيِّ، من أهلِ القرنِ الثالثِ الهجريِّ، كانَ يُلقَبُ بـ "سلطان العارفينَ"، واسمُه الفارسيُّ "بايزيد"، وإلى اسمِه الفارسيِّ هذا نسبةُ الطريقةِ، كان جدُّهُ شروسانَ مجوسيًّا فأسلَمَ. ولد سنة ١٨٨ هـ في بسطام في بلاد خراسان. روى عن إسماعيل السديّ، وجعفر الصادق. توفّي سنة ٢٦١ هـ، وقيل سنة ٢٣٤ هـ (سير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٦)، وطبقات الصوفية للسلمي (ص: ٦٧). وقد اتّخذ المصنّفُ الخرقةَ البايزيديةَ من اللّبدِ - وهو جلدٌ غليظٌ جدًّا يحمى من البرد ويدلّ على التقشّف والزهد، وكان يقال له: (نَمَدْبُوشْ)، وهو لابسُ اللبّادِ واشتهَرَ مَن يتّخذُها باسم: (الخرَّم شَاهيّ) (كلمةٌ فارسيّةٌ تعني: يحيا الملك، أو تكون حياتُهُ سرورًا وسعادةً)، وسكنوا ناحيةَ سينوبَ من شمال تركيّا على البحرِ الأسود، وهي مدينةٌ تمتاز بجمال جبالها وأرضها، وطيب هوائها، ونقاء مائها. وتُعرَفُ هذه الطريقةُ أيضًا باسم البسطاميّةِ والطيفوريّةِ. وقد اتُّهِمَ أتباعُ هذه الطريقةِ بشيءٍ من القولِ بوحدةِ الوجودِ، ولم يظهرْ أثرٌ لذلكَ في باب العقائدِ الذي عقدَهُ المصنّفُ في أوّلِ كتابه هذا الذي بين أيدينا، ولا في قسم السلوك الذي في آخر كتابه، بل عباراتُهُ منضبطةٌ بمنهجِ أهل السنّة من الماتريديّةِ والأشاعرةِ، ولم يخرج عنهم فيما قالَه. ولذا قال الإمام الغزاليّ في إحياء علوم الدين (١/ ٣٦): "وأمَّا أبو يزيدَ البِسطاميُّ ﵀ فلا يَصِحُّ عنه ما يُحكَى". كان البسطاميُّ وقّافًا عند حدود الشرع، وله في ذلك قصص منقولة، وقال

стр. 16

أبو يزيد: عملتُ في المجاهدةِ ثلاثينَ سنةً فما وجدتُ شيئًا أشدَّ عليَّ مِنَ العلم ومتابعته، ولولا اختلافُ العلماء لتعبتُ، واختلافُ العلماء رحمةٌ إلا في تجريد التوحيد. (صفة الصفوة ٢/ ٣٤٠) و (الرسالة القشيريّة ١/ ٥٧)، فمَن يقولُ بأنّ الاختلافَ رحمةٌ إلا في تجريدِ التوحيدِ لا يُمكنُ أن يقولَ بوحدةِ الوجودِ وأمثالِها من الضلالاتِ والخرافاتِ! مذهَبُه: تلقّى المصنّفُ المذهبَ الحنفيَّ عن أهلِه كما يذكر الإمام اللكنويُّ، حيث يقول في الفوائد البهيّة (ص: ٨٤): "أخذَ العلمَ عن السيَد جلالِ الدينِ الكرلانيِّ، صاحب الكفاية حاشية الهداية، عن السغناقيّ صاحب الهدايةِ". فقد أخذ العلمَ عن العلامةِ السيّدِ جلالِ الدين الكرلانيِّ الخوارزميِّ، وهو علماء الحنفيّة في زمانِهِ، ويظهر لكلّ من اطّلع على كتابه هذا تعمّقه في معرفة المذهب ومعرفة أربابه ومؤلّفاته، ممّا لا يحصل عادةً لكثيرٍ من المشتغلين فيه، وهذا ما يدلّ على علوّ كعبه في المذهب. كما أنّ اجتهادَهُ في جمع هذا الكتاب في مصر وهي بلدٌ لا يغلب على أهلها الالتزام بمذهب الإمام أبي حنيفةَ دليل على حرصِهِ على نشرِ المذهبِ، وعنايتِهِ به في بلدٍ عزَّ فيهِ المشتغلونَ بالمذهبِ المعتنونَ به دراسةً وتدريسًا. وقد كان على علاقة طيّبةٍ بعددٍ من علماء المذهبِ المتبحّرينَ فيه، ولذا فقد عرَضَ كتابه هذا بعدَ إتمامه عليهم، كما نقلنا قولَهُ: (ولمّا فَرَعْتُ من تنميقه وتعليقِهِ، وبذلتُ جهدي في تنقيحه وتهذيبه؛ عرَضتُ على العلماء المتبحّرين؛ والفضلاء المفتين؛ فقبِلُوهُ بأحسنِ قَبُولٍ) (أعلام الأخيار ٢/ ٣٩٧).

стр. 17

سنة وفاته: لم يذكر المترجمون له سنة وفاةِ المصنّف واكتفى أكثرهم بالقول إنّه كان حيًّا في سنةِ ٧٧١ هـ، دون أن يذكروا كم بقيَ بعدها، ويحتمل أن يكون ذلك لجملة من الأسباب من أبرزها: ١ - يبدو أنَّ حياة المصنّف التي كانت في مدينةٍ بعيدة عن مراكزِ العلومِ، وقليلةِ الاتصالِ بالعالمِ الإسلاميِّ ممّا أثّرَ في عدمِ تأريخ زمن وفاته بدقّة. ٢ - يظهر أنّ كتابَهُ لم ينتشر إلا بعد وفاتِه، إذ لو انتشَرَ في حياتِه لاعتنى به المصنّفون والعلماء وتتبّعوه في حياته فعلموا سنة وفاته. ٣ - احتمال كونِه توفّي في خلوة أو رباط للصوفيّة الذين ينتمي إليهم. ٤ - احتمال وصيّته ألا يُعلَمَ الناس بموتِه؛ لئلّا يُشغلَهم عن أعمالهم. أهمّ مصادرِ هذه الترجمةِ: كتابه الذي بين أيدينا (الجواهر)، وكشف الظنون، لحاجي خليفة، والفوائد البهيّة، للكنويّ، والأعلام للزركليّ، والكشاف لطلس، والشقائق النعمانيّة في علماء الدولة العثمانيّة لطاشكبري زادة، وأعلام الأخبار من فقهاء مذهب النعمان المختار للكفويّ الروميّ، وغيرها من كتب التراجم والرجال وفهارس الكتب. وصف النسخ: لهذا المخطوط عشراتُ النسخِ في مكتباتِ دول العالمِ فقد ذَكَرَ في معجمِ تاريخ التراثِ الإسلاميِّ في مكتباتِ العالم (٢/ ١٣٠٥) نحو عشرينَ نسخةً، منها: ١ - قيصري راشد أفندي ٢١٤٧٢ ورقة ١٩٢؛ ٩٨٨ هـ؛ رقم ٢٦٤؛ ٢٦١٢٩. ٢ - أورخان غازي رقم ٤٦٧ ورقة ٦٢، ١٠٣٠ هـ.

стр. 18

٣ - آماسيه رقم: ٤٧٢/ ١ ورقة ١٠٢؛ رقم ١٧٧٤ ورقة ١٠٠؛ ١١٩٦ هـ -. ٤ - أسعد أفندي ٨٧٣ - ٨٧٥؛ ٨٧٧. ٥ - مكتبة الأوقاف العامّة ٣٨١٥؛ ٣٦٧٨. ٦ - محمد عاصم ٧١٨/ ٣ ورقة ٦٩ - ١٨٩؛ ١١٨٩ هـ -. ٧ - أحمد باشا ١٠١ ورقة ١٩٢؛١١١٨ هـ. ٨ - كوبريلي رقم: ١٥٨٥/ ٤ ورقة ٣٢ - ٨٦؛ ١٠٠٠ هـ -. ٩ - أحمد ثالث رقم: ٧٦٣ - ٧٦٥، ١٢١٠. ١٠ - أحمد ثالث قغوشلر ٧٧٤ - ٧٧٧، ٦٠٠. ١١ - أمانت خزينه سي ٧٢١. ١٢ - إزمير ملّي ١٤٠٦؛ ١٢٣٨؛ ٥٥٣؛ ٥٢٢/ ٢. ١٣ - المكتبة القادريّة ٣١٥ ورقة ٢٦٩؛ ٧٧١ هـ. ١٤ - الظاهريّة الفقه الحنفي ١١١٦٩ ورقة ١٥٩؛ ٩٢٢ هـ، رقم ٩٧٧٨؛ ٢٥٧٥؛ ٦٥٣١؛ ٩٥٠٠؛ ١٠٩٣٤. ١٥ - عموجه زاده ٤٥٤/ ٢ ورقة ٨ - ٦٢. ١٦ - رمضان أوغلي ٢١٤/ ١/ ٩٨٨/ ٢/ ١٢٣٥/ ٤٢. ١٧ - آية الله نجفي ١٦٦٩ ورقة ١٨٠؛ رقم ٣٣٨٥ ورقة ٩٨، ١١٣٧ هـ. ١٨ - مدرسة جامع النبي جرجيس بالموصل ٣ ورقة ١٧١. ١٩ - مدرسة الحاج حسين بيك بالموصل، الفقه الحنفي ٦/ ٢ ورقة ٢٠٧، ١٠٩٩ هـ. ٢٠ - جامعة الكويت رقم ٢٠٩/ ١

стр. 19

وقد وجدنا بعد الموازنة بين النسخ والنظر في جودتها وتمامها، أنّ من أفضل النسخ التي يمكن أن نعتمدَ عليها في تحقيقنا بشكل أساسيٍّ ثلاثة نسخ مختارةٍ، ولم نستغنِ عن النسخِ الأخرى، فقد رَجعنا إليها مرارًا. وهذه النسخُ هي: النسخةُ الأولى: نسخةٌ محفوظةٌ في مكتبةِ جامعِ الفاتحِ، تحت رقم (١٥٦٠)، وهي النسخةُ التي اعتمدناها أصلًا في التحقيق، ونرمز لها في الهوامش باسم (الأصل). نسخةٌ جيدةُ الخطّ، عليها تملّكات وأختام من أبرزها: ختم محمد أفندي، وهو الذي وقَفَهُ في الجامعِ على الطلبةِ، ونصُّ ختْمِهِ: (واقفُ هذا الكتابِ محمّد أفندي المقابلة على الطلبة في جامع شِهْزَادَة)، وختمٌ آخرُ، وعليها كتابةٌ باسم (الفقير علي بن سووانة عُفِيَ عنهما)، وفي آخرِها ختمُ مكتَبَةِ السليمانيّةِ؛ التي ضُمَّ إليها جميعُ المخطوطات التي كانت في مكتبةِ جامعِ الفاتحِ. وتقع هذه النسخة في (٢٦٤) لوحةً من الحجم المتوسط، في كلِّ صفحةٍ منها خمسة عشر سطرًا، بعددِ كلماتٍ يقتربُ من تسعٍ في كلِّ سطرٍ منها. كُتِبَتْ بخطٍّ قريبٍ من الرقعة. وقد سمّي الكتاب على صفحتها الأولى باسم: كتاب (الجواهر)، وهو الاسم الذي اعتمدناه لهذا الكتاب. واسم ناسخها هو عبد الرحيم بيري، وقد أتمّ نسخها في القسطنطينيّة في يوم الأحد منتصف صفر، سنة ٩٨٩ هـ.

стр. 20

النسخة الثانية: نسخة مكتبة سيريز وقد رمزنا لها بالرمز (س). وهي نسخةٌ جيدةٌ الخط، تقعُ في مائة وثلاثينَ ورقةً، في كلِّ صفحةٍ منها نحو تسعةَ عشرَ سطرًا، في كلِّ سطرٍ منها نحو اثنتا عشرةَ كلمةً. وعنوان الكتاب كتب مرّتين على غلافها بصيغتين مختلفتين: (جواهر فقه) و (جواهر الفقه). عليها تملّك كتب عليها: (وقف الحاج عليّ بن يوسف)، وكتبت كلمة (وقف) عرضيًّا على صفحتيها الأوليين، لتأكيد كونها وقفًا، وليس عليها سوى ختم مكتبة السليمانيّة، وقد رقمت بالرقم (٤٢١/ ١٠٧١). غير أنّ في أوّل ثلاثةٍ من أوراقها أكلَهُ الأرضةِ، ففيها سقطُ بعضِ الكلمات فحسبْ. خطّها بين الرقعة والفارسيّ، وفيه بعض الغموض في تركيب الحروف، إلّا أنّها قوبلت على غيرها ودقّقت؛ فأعيدت كتابة بعض الكلمات بين الأسطر، وإدراج بعض التعليقات في هوامشها، كما أضيف لها في آخرها ملحقٌ بالكتاب فيه بعضُ المسائل التي لم يذكرها المصنّف، فهي كالتتميمِ لمباحث الكتابِ في أربعِ صفحاتٍ. أتمَّ ناسخُها نسخَها في غرَّةِ محرَّمٍ من سنةِ ٨٩٠ للهجرة، كما يَظهَرُ من خطّهِ عليها، ولم يكتبْ اسمَهُ. النسخةُ الثالثةُ: نسخة مكتبة آيا صوفيا، وهي النسخةُ التي رمزنا لها بالرمز (ص). وعلى هذه النسخةِ ختمُ السلطانِ الغازي محمود خان، وعليها أنّه وقَفَها، وعبارتُهُ: (قد وقفَ هذه النسخةَ الجليلةَ سلطانُنا الأعظمُ، والخاقانُ المعظّمُ، مالكُ البرَّيْنِ والبحرَيْنِ، خادمُ الحرمَين الشريفَينِ، السلطانُ بنُ السلطانِ، السلطانُ الغازي

стр. 21

محمود خان، وقفًا صحيحًا شرعيًّا لمن طالَعَ وأفادَ، وتعلَّمَ واستفاد، أعظمَ الله تعالى أجرَهُ يومَ التنادِ) ووقعَ تحتَها: (المفتِّشُ بأوقافِ الحرمَيْن الشريفَيْن)، وعليها خَتمُ الغازي محمود خان، وأسفلَهَا ختمُ المفتّش. وفي آخرِها مقابلةٌ كُتِبَ فيها: (بلغَ مقابلةٌ، على قدر الوسع والإمكان. والكتابُ كالمكلّفِ لا يرتفعُ عنه القلمُ!). وفيها رسالةٌ ملحقةٌ يظهرُ أنّها للمصنّفِ أيضًا في حِكمَةِ غسل أعضاءِ الوضوءِ، وفيها تفصيلٌ مفيدٌ، فلعلّ الله يعينُ أن تُطَبَعَ فيُنتفَعَ بها. وهذه النسخةُ تقَعُ في (٢٢٠) لوحة مِنَ القطعِ المتوسّطِ، في كلِّ لوحةٍ خمسَةَ عشرَ سطرًا، في كلِّ سطرٍ ما يقرُبُ من عشرِ كلماتٍ. وهي نسخةٌ تامَةٌ، خطُّها أقربُ إلى النسخِ، وإن لم يكن هو، ولا يُعلَمُ من ناسخُها تقبّل الله منه، ولا تاريخُ نسخِها. كما وجدنَا مِن هذا الكتاب عددًا غيرَ قليلٍ من النسخ في كلٍّ من مكتباتِ إسطنبولَ وغيرِها من بلادِ العالمِ الإسلاميِّ، ورجَعنا إلى نُسَخٍ أخَرى رجوعًا يسيرًا لتبيّن بعض المواضعِ المشكلةِ في النسخ المعتمدةِ، ولا داعي لذكرها هنا.

стр. 22

منهجنا في التحقيق: اجتهدنا في هذا الكتاب أن نوصلَ نصّه كما أراده مؤلّفه إلى القارئ الكريم، ولذلك فقد اقتصر عملُنا على بعض الأمور الأساسيّةِ في التحقيقِ، وقد اتّبعنا بعدَ نسخِ الكتابِ ومقابلَتِهِ على النسخِ المعتمدة في التحقيقِ؛ منهجًا في التحقيق يتلخّصُ في الأمور التاليةِ: ١ - اختيار اللفظ الذي نطمئنّ إليه، ويغلب على ظنّنا أنّه الصواب، فإن كان مثبتًا في إحدى النسخ أثبتناه منها، وإلا نظرنا في الأصول التي نقل منها المصنّف، وأثبتنا ما فيها إن كان أقرب إلى الصواب، فإنّ نقلَهُ يعتريه ما يعتري ما في الكتب المطبوعة من الوهم كذلك. ٢ - عزو الأقوال إلى المصنّفين، والتأكّد من نسبة أقوال أئمّتنا ﵃ إليهم مِنْ كتب المذهب ومصادرِهِ الأصليّة، أو من خلال كتب المذاهب الأخرى عند نسبة الكلام إلى الشافعيّ أو مالك ﵄. ٣ - رجعت إلى الكتب المخطوطة الموجودة؛ التي نقل منها المصنّف عبارات كثيرة، فأجتهد في البحث عن مواطن النقول التي لم أجدها في المصادر المطبوعة، وقد تيسّر لي بفضل الله تعالى عددٌ من أهمّ المخطوطات التي استعان بها المصنّف في كتابة هذا الكتاب، ورجعت إليها وطابقتُ ما فيها مع نقل المصنّف عنها، ووجدتُه دقيقًا غالبًا، سوى بعض النقول التي وهم فيها أو عزاها إلى كتابٍ وهي ليست فيه بحرفِها. ٤ - عُنينا بضبط الكلمات المشكلة، وضبطِ أواخر الكلم عمومًا إلا عند عدم الحاجة إلى ذلك مطلقًا، وذلك لكثرةِ المنتسبين إلى مذهبِ الإمام أبي حنيفةَ من غير

стр. 23

العربِ ممّن يعينُهُم الضبطُ على الانتفاع بالكتاب. كما أثبنا علامات الترقيم المناسبة في مواضعها من الكلام، وجعلنا للفقراتِ بداياتٍ وأسطرًا جديدةً، ووضعنا أسماءَ الكتبِ بين معقوفتين صغيرتين، وأثبنا المنقولَ منها بحرفه بين قوسين ليتميّز عن كلام المصنّف. ٥ - أغفِلُ ذكرَ ما لا قيمةَ له من التقديمِ والتأخير بينَ النُّسَخِ، مثل قوله: (سُؤْرُ الآدميِّ وما يؤكَلُ لحمُهُ طاهرٌ، وكذا سُؤْرُ الجُنُب والحائض والنُّفَساءَ والكافرِ). فقد وردت في بعض النسخ: (والكافر والنفساء)، ولا أثر لهذا التقديم والتأخير في أحكام الفقه. ومثل قوله: (وأمَّا الماء المستعمَلُ فكلُّ ماءٍ أُزِيلَ به حَدَثٌ أو استُعمِلَ في البدنِ على وَجْهِ القُربةِ، كذا في الهداية والقُدوريِّ) وردت في بعض النسخ: (القدوريّ والهداية). ٦ - لم أثبتِ الفروقَ الطفيفةَ التي لا أثرَ لها في المعنى مطلقًا، أو التي هي مِن قَبيل التذكيرِ والتأنيثِ للّفظِ الذي لا يحتملُ غيرَهُ - فلعلّ هذا من أثرِ العُجمَةِ أو من عُجمَةِ النسّاخِ -؛ لئلّا أُثقِلَ الهوامشَ بالنقولِ، مثل قولِه: (شعرُ الإنسانِ وعظْمُه طاهرٌ، وقال الشافعيُّ: نجسٌ)، في بعض النسخ: (قال الشافعيُّ) بحذفِ واوِ الاستئنافِ، ولا أثرَ لإثباتِها أو حذفِها. ومثل قوله: (إنْ كانتِ السماءُ تُمطِرُ في حالِ ما أصابَ ذلكَ الماءَ لم يتنجَّس الثوبُ، وإن (كانت) لا تمطر يتنجَّسُ). في النسخ كلها: (وإن (كان) لا تمطِرُ). ٧ - ما يذكره من أسماء الكتب خطأ محضًا؛ فإِنِّي أُثبِتُ الصوابَ؛ وأشيرُ إلى النسخةِ المخالفةِ أو النسخِ المخالفةِ؛ وإن كانَ الأصلَ، كقولِهِ: (كذا في الفتاوى الكبير) وهي الفتاوى الكبرى.

стр. 24

٨ - ضبطنا الآيات القرآنيّة، وعزوناها، ليسهل الرجوع إليها في مواضعها من المصحف، واستخرجنا الحديث النبويّ الشريف من مظانّه، وذكرنا باختصارٍ عزوَهُ دونَ تخريجِ طرقه وروايتِه، وذلك ببيان اسم أهمّ من رواه، مع بيان الكتاب والباب الذي رواه فيهما، ومع ذكر رقم الحديث، ودون البحث عن أطرافه وشواهده؛ لأنّ هذا ليس غرض الكتاب، ولا هو متوقّف عليه في شيء، مع الحرص على إتمام الرواية، أو بيان موضع الشاهد في الحديث، أو ذكر الرواية التي تفيد ما ذهب إليه المصنّف إن لم تكن مذكورة. ٩ - حققنا أسماء الأماكن وتراجم الأعلام على قدر الوسع، فإنّ كتب التراجم ومعاجم البلدان أحيانًا لا تسعف، لتغيّر أسماءِ بعضِ الأماكنِ بين العصور، ولوجود الاسم عينه لأكثر من منطقة في العالم، ولا مرجّح بينها أحيانًا. ١٠ - التعريف بالكتب والمصنّفات التي وردت أسماؤها في هذا الكتاب، وقد بلغت أكثر من مائتي كتاب، مع ذكر نبذة مختصرة جدًّا عنها؛ كي لا نثقل حواشي الكتاب. ١١ - تبيين المسائل التي ذكر المصنّف طرفها، أو ذكر فيها قول الإمام دون المعتمد في المذهب، فعرضنا قول الصاحبين وبيّنّاه من مظانّه في كتب الفقه، كما استدعى تبيين المسائل أحيانًا تسجيل آراء من خالف المصنّف من أئمّتنا أو من اختار غير ما اختاره هو، وخصوصًا بعض التفصيلات في المواضع التي أجملَها والتي قدّرنا أنّ القارئَ يحتاجُها غالبًا. ١٢ - لم أجتهد في بيان مصطلحات الصوفيّةِ في القسمِ الأخيرِ مِنَ الكتابِ، وذلك لأنّ لهذه المصطلحاتِ كتُبَها ولها أربابُها، وليسَ فيما كتبَهُ المصنّفُ من

стр. 25

العباراتِ غالبًا إشكالٌ فقهيٌّ أو اعتقاديٌّ، وإنّما هي أقربُ إلى العاداتِ التي اختارها أهل كل طريقة ليسير عليها الذين اختاروا أن يكونوا من أتباعهم، ولا يلزمون بها مسلمًا لم يختر أن يكون منهم. * * *

стр. 26

منهج المصنّف في كتابه: جمع المصنّف في كتابه نوادر الفقه وجواهرَه، وكانت طريقتُهُ في الجمع مميّزةً لم يسلكها غيرُهُ من المصنّفين، ومن أبرز ما يميّز تلك الطريقة: - أنه يختار عبارةً من كتاب وعبارة من كتاب آخر لتكتملَ صورةُ الموضوع بالنقولاتِ المتفرّقةِ من الكتبِ، حتّى ينسُجَ منها الموضوعَ كاملًا. - قد يضطرُّ المصنّف في أثناء ذلك إلى تكرارِ بعض العباراتِ من عددٍ من المصادرِ، بيد أن هذا كان نادرًا. - تعرّضَ المصنّفُ لمذهبِ الشافعيّةِ عشرات المرّاتِ في كتابِهِ، وذكر مذهب المالكيّة مرارًا أقلّ منها. - اهتمّ المصنّف بحكاية قول أئمّة المذهب الحنفيّ، وأكثر من نقل بعض الروايات عن الإمام من طرق غير مشهورة، كنقلِهِ روايات الحسن بن زياد عن الإمام أبي حنيفة. - ذكَر المفتى به، إلّا أنّه لم يذكره من قوله بل من منقوله، فكان ينقل أقوال المرجّحين من أئمّتنا، وينقل أقوال المفتين الذين أفتوا بأحد أقوال الأئمّة. - يأتي بالمتماثلات وإن لم تكن في أبوابها، وهذا من باب الشيء بالشيء يذكر: قال: (ويشرب فضْلَ وضُوؤه أو بعضَ وضوؤِه قائمًا أو قاعدًا مستقبلَ القِبْلَةَ، وقال الإمامُ خواهر زاده: يشربُ قائمًا، وماءُ زمزمَ أيضًا يُشْرَبُ قائمًا، كذا ذكر أيضًا في الفتاوى الظهيريّة). يحكي قول الإمام الشافعيّ مع موافقته للمذهب أحيانًا للإشارة إلى مخالفة

стр. 27

الإمام مالك رحمه الله تعالى، كما في قوله: (سُورُ الكلبِ والخنزيرِ نجسٌ، كذا عند الشافعيِّ). - ينقل عن بعض كتب الشافعية قال: ("قن" لا بأسَ بالتوضُّؤ بالماء المشمَّسِ عندَنا، ويكرهُ عند الشافعيِّ، كذا في التَّهذيب)، وهو من كتب فقه الشافعيّة. - نادرًا ما يحكي قول المالكيّة، لكنّه ينقلُهُ عن كتبِ مذهبنا، قال: (والحدُّ الفاصلُ بينهما فقال مالكٌ: إن كان بحالٍ يتَغيَّر طعمُهُ أو لونُهُ أو ريحُهُ فهو قليلٌ، وإن كان لا يَتغيَّر فهو كثيرٌ، كذا في الهداية، وقال الشافعيُّ: إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتين فهو كثيرٌ لا يحمل خَبثًا، والقُلَّتانِ عندَهُ مئتانِ وخمسون مَنًّا، كذا أيضًا في الهداية والنِّهاية). - قد يهِمُ أحيانًا في نقل قول الشافعيّة أو المالكيّة، قال: (وقال مالِكٌ: يَختُمُ الأذانَ بقولِه: لا إلهَ إلّا الله، واللهُ أكبرُ). وهذه الصيغة ليست في شيءٍ من كتب المالكيّة، ولعله وهمٌ من المصنّف رحمه الله تعالى، ينظر: المدونة (١/ ١٥٧)، والتلقين في الفقة المالكيّ (١/ ٤١)، والكافي في فقه أهلِ المدينة (١/ ١٩٧)، والبيان والتحصيل (١/ ٤٣٥)، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٧٣) وغيرها. وكما في المثال التالي: ("تف" قال مالِكٌ ﵀ وسفيانُ الثوريُّ ﵀: الخرقُ قليلُه وكثيرُه لا يَمنعُ المَسحَ بعد أنْ كان يُطلَقُ عليه اسمُ الخُفِّ). وهذا خلاف مذهب مالكٍ رحمه الله تعالى، فإنّه يبيحُ المسحَ على خفٍّ فيه خرق قليلٌ دون الكثير، إلّا أنّ حدّ الكثرة عنده يختلف عن حدّ الكثرة عند غيرِهِ، فحدُّ الكثرة عنده الثلث، وليس مقدّرًا بالأصابع الظاهرة. وقد نقل الحطّاب في

стр. 28

مواهب الجليل قولَ ابنَ رشدٍ، وعلّقَ عليه؛ فقال (١/ ٣٢٠): "فاستقْرَيْنَا من مجموعِ هذهِ الرواياتِ أنَّه يمسَحُ على الخرق اليسيرِ، ولا يمسَحُ على الخرقِ الكبيرِ، وإذا كان كذلكَ بإجماعٍ، وقامت الأدلَّةُ من الكتابِ والسنّةِ على أَنَّ الثَّلُثَ آخرُ حدِّ اليسيرِ وأوّلُ حدِّ الكثيرِ وَجَبَ أن يمسَحَ على ما كانَ الخَرقُ فيه دونَ الثَّلْثِ، ولا يمسَحَ على ما كان الثلث فأكثر. أعني ثلثَ القدَمِ من الخفِّ لا ثُلُثَ جميعِ جميع الخفِّ … ، وتحصيلُها أنه إذا كانَ الخرقُ في الخفِّ الثلثَ فأكثرَ فلا يمسَحُ عليه ظهرتْ منه القدمُ أو لم تظهَرْ، وإِنْ كانَ أقلَّ مِنَ الثلث فإِنَّهُ يمسَحُ عليه ما لم يتّسِع وينفَتِح حتى يظهَرَ منهُ القدمُ، فإِنْ عَرُضَ الخرقُ حتى تظهَرَ منه القدمُ فلا يمسَحُ عليه إلا أن يكونَ يسيرًا كالثقبِ اليسيرِ الذي لا يمكِنُه أن يغسل ما ظهرَ منه من قدمِةَ؛ لأنَّه إذا ظهرَ من ذلكَ ما يُمكِنُهُ الغسلُ لم يصحَّ لهُ المسحُ من أجلِ أنَّهُ لا يجتمِعُ مسحٌ وغسلٌ؛ فعلى هذا يجبُ أن تُخرَّجَ الرواياتُ المشهوراتُ". - كان ينقلُ عباراتِ الأئمّةِ كما هي في كتبهم، لكنّه لا يُشير إلى الموضعِ الذي نَقَلَ منه؛ وذلكَ لتوافُرِ عين العبارة أو قريبًا من معناها في كثيرٍ من كتبِ الفروع، كما قال: (وأما النَّجسُ فهو الناقضُ الحقيقيُّ الذي ذكرناه آنفًا، وهو لا يخلو إمَّا أن يخرجَ من السَّبيلين أو من غيرِهما، فإن خرجَ من السَّبيلين انتقضَ الوضوءُ بنَفْس الخروج قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يشترطُ فيهما السَّيلانُ والتجاوزُ إلى موضع آخَرَ، وإن خرجَ من غيرِ السَّبيلين إن سالَ عن رأسِ الجُرح ووصَل إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التَّطهِير انتقضَ الوضُوءُ، وإن لم يسلْ لم ينتقضِ الوضوءُ، ونُسَخُ الفروع طرًّا ناطقةٌ بهذا). ومن أمثلة ذلك أيضًا، قوله: (أمّا الفريضةُ فمنها الغُسْلُ من التقاءِ الخِتانين إذا

стр. 29

غابتِ الحَشَفَةُ، مِن قبل أو دُبُرٍ، على الفاعل والمفعول، أنزل أو لم يُنزل، كذا ذُكِر في نُسَخ الفروع طُرًّا). - نادرًا ما يذكرُ بعض أقوالِ السلفِ، مثاله: "خف" التعوُّذُ في الصلاةِ واجبٌ عند عطاء، ويُخفيه إمامًا كانَ أو منفردًا. - نقل من عدد من الكتب المخطوطة، وقد بحثنا عنها ووجدناها، لكن نقله عنها لم يكن دقيقًا، ومن أمثلة ذلك نقله عن خلاصةِ الفتاوى: ("خف" إذا نام قاعدًا أو مُستويًا أو واضِعًا أَلْيَتَيْهِ على الأرضِ مُستوثقًا مسكنه على الأرض ولم يُسند ظهرَهُ إلى شيءٍ لا ينقض وضوؤه، كذا ذكر أيضًا في تُحفة الفقهاءِ). فالعبارة هنا ليست دقيقة وهي في خلاصة الفتاوى (مخطوط، لوحة ١٦): (وإن نام قاعدًا مستويًا إليتاه على الأرض مستوثقًا مسكنه على الأرض ولم يُسند ظهره إلى شيء لا وضوء عليه). ومثالها أيضًا: ("خف" إن نامَ قاعدًا واضعًا إليتَهُ على عَقِبَيْهِ لا يُنقَضُ وُضُوؤُهُ عندَ أبي يوسفَ، وهو قولُ أبي حنيفةَ. "خف" لو صَلَّى على الدابَّة بجماعةٍ جازَتْ صلاةُ الإمامِ وَمَنْ كَانَ معه على دابَّتِه، ولا يجوزُ اقتداءُ النازلِ بالراكبِ). وهي في خلاصة الفتاوى (مخطوط، لوحة ١٦): (ولو نام قاعدًا أو واضعًا إليته على عقبيه لا وضوء عليه عند أبي يوسف ﵀، وهو قول أبي حنيفة ﵀ ستعالى) والنصّ في خلاصة الفتاوى لوحة ٤٠: (ولا يجوز اقتداء النازل بالراكب، ولو صلّوا على الدابة بجماعةٍ جازت صلاة الإمام ومن كان معه على دابّته ولا يجوز صلاة غيره في ظاهر الرواية).

стр. 30

- يتعرّض للمسألة التي فيها قولٌ للإمام لكنّه لا يشير إلى قوله أحيانًا؛ مثال ذلك قوله: ("نه" قال في "المحيط": مِصرٌ له طريقان؛ أحدُهما: مسيرةُ يوم وليلةٍ، والآخرُ: مسيرةُ ثلاثة أيّامٍ ولياليها: إن أخذَ في الطَّريقِ الذي هو مسيرةُ يومٍ وليلةٍ: لا يَقصُرُ الصلاة، وإن أخذَ في الطريق الذي هو مَسيرة ثلاثةِ أيّامٍ ولياليها قصرَ الصلاةَ). وهذا خلافُ قول الإمامِ، ولم يُشِرْ المصنّف هاهنا لهُ، قال في المحيطِ البرهانيِّ (٢/ ٢٣): "وقال أبو حنيفةَ ﵀: إذا خرَجَ إلى مصرٍ في طريقٍ في ثلاثة أيامٍ، وأمكَنَهُ أن يصِلَ إليه في طريقٍ آخرَ في يومٍ واحدٍ قصَرَ". وأخيرًا فمن خير ما نختم به هذه المقدّمةَ ما ختم به المصنّف كتابه هذا، حيث قال: (والكتاب كالمكلّف لا يرتفع عنه القلم)! وكلّما نظر الإنسان في كتابٍ؛ قال: لو كان هذا لكان أجود وأحسن. هذا جهدٌ أردنا به وجه الله تعالى، وخدمةَ مذهبٍ من مذاهب أهل السنّة المعتمدَة في الفقه، وإظهارَ جهدِ عالمٍ من أتباع تلك المدرسةِ الفقهيّةِ العظيمةِ؛ ليكونَ لنا وله صدَقةً جاريةً وعلمًا ينتفع به، وستستمرُّ هذه السلسةِ بعونِ اللهِ تعالى في تحقيق نفائسَ ودُررٍ من الفقه الحنفيِّ، فينتفعَ بها الطلابُ والباحثون، ويجتهدَ في التعرّفِ إلى أسرارِ ما فيها المدقّقون والغوّاصون. فنسألُ الله تعالى أن يكتبَ له القبولَ في الأرضِ، وأن ينفعَ به الغادي والصادي. وأنت أيّها القارئ الكريم يا طالب العلم؛ لا تنسَ أنّ هذا جهدٌ بشريٌّ معرّضٌ للنقص، مليءٌ بالخطأ، فأشِر إلينا بموضعِه، وراسلِ الدارَ الناشرَةَ ليتمَّ تداركُهُ في قابلِ الطبعات، ويأبى الله العصمةَ إلا لكتابه؛ فأقِلْ عثرتَنا، فالمرءُ مرآةُ أخيه، وإنّما

стр. 31

يتعلَّمُ المرءُ ما بقي محبًّا للعلم راغبًا فيه حريصًا عليه، وما بقي يعدُّ نفسَهُ من أهلِ التلقّي والتعلّم، فمن ظنَّ بنفسه تجاوُزَ ذلكَ لم يبقَ عندَه إلا أن يُكرَّرَ ما قُرِّرَ من قَبْلُ، فلا يزدادُ علمًا ولا فتحًا ولا فهمًا. اللهم فهّمنا وعلّمنا وافتح علينا وبنا ولنا، وضَعْ لنا القبولَ في الأرض والسماءِ. والحمد لله ربِّ العالمين المحقق الدكتور محمد أيمن بن الشيخ أحمد الجمال الحنفي الحموي منتصف شهر رمضان عام ١٤٤٠ هـ إسطنبول * * *

стр. 32

صور المخطوطات

стр. 33

اللوحة الأولى من النسخة (الأصل)

стр. 34

اللوحة الأخيرة من النسخة (الأصل)

стр. 35

اللوحة الأولى من النسخة (ص)

стр. 36

اللوحة الأخيرة من النسخة (ص)

стр. 37

اللوحة الأولى من نسخة (س)

стр. 38

اللوحة الأخيرة من نسخة (س)

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه التوفيق (١) الحمدُ الله الذي هدانا لمعرِفته، وأكرمَنا بتقواهُ وطاعتِه، وشرَّفنا بحمْلِ أمانتِه بعنايَتِه، بعد عجْزِ أَرْضِهِ وسماواتِهِ، وهي أداءُ خمسِ صلواته. والصلاةُ والسلامُ على أكرمِ أحبّائه (٢)، وأعظمِ أُمَنائِهِ مُحمَّدٍ أشرف رسُلِهِ وأنبيائه، وعلى آله وأصحابه المخْصُوصينَ بإحسانه، وعلى آله (٣) الطاهرين من أبنائه (٤)، صلاةً تَتَوالى على ممرِّ الدهورِ ومَكَرِّ الساعاتِ والشهور. أمّا بعدُ: فلا نعمةَ اللهِ تعالى على عبادِه أعظمُ مِن الإيمان والعبادةِ، ولا وسيلةَ إليهِما سِوى تَحصِيل علمِهِما بنور البصيرة (٥)، ولا نِقْمَةَ أعظمُ مِن الكُفرِ والمعصيةِ، ولا داعيَ إليهِما سوى عَمَى القلبِ بظُلمةِ الجهالةِ. فيَجِبُ على كلِّ عاقِلٍ بالِغٍ أن يكتَحِلَ بَصِيْرَته بكُحل العلمِ، الذي لا بدَّ منه حتَّى

стр. 40

يُذهِبَ العَمى الذي بظُلمةِ الجهل، ويَرَى الصراطَ المستقيمَ والنهجَ (١) القويمَ الذي بُعِث النَّبيُّ ﵇ لدعوته (٢) الناسَ إلى سلوكِ هذا المنهجِ، ولا يتأتَّى سلوكُه إلّا بمعرفة الصانعِ وأداءِ ما كُلِّف بِهِ (٣). فيقولُ العبدُ الفقيرُ المُقِرُّ بالذنب والتقصيرِ، مفارِقُ الوَطَنِ، وراكِبُ المِحَنِ، طَاهِرُ بنُ إسلامِ (٤) بن قاسمٍ الأنصاريُّ الخوارزميُّ غفرَ اللهُ ذنوبَهُ، وسَتَرَ يومَ القيامةِ عيوبَه: لمّا لَفَظَنِي رامِي (٥) الغُرْبَةِ مِن ديارِ خوارزمَ إلى هذه التربةِ - بمُقاساةِ مَتاعبِ الشدةِ والكُربة، بعد الرجوعِ (٦) من سَفَرِ الكعبةِ - وهي بلادُ الرُّومِ؛ أردتُ أنْ أجمعَ مختصرًا جامعًا هذا المقصودَ، مُشتملًا على المطلوبِ المعهودِ، لنفْسي ولخُلَّص إخواني من المتَعَبِّدين المنقطعينَ إلى اللهِ تعالى، فشرعتُ بتوفيق اللهِ تعالى في جمعِ هذا المختصرٍ وتأليفِهِ وترتيبِهِ وترصيفِه (٧). وذكرتُ في ابتدائه (٨) مسائلَ معدودةً من أصولِ الدِّين، حتى يحصُلَ للمُكلَّف في معرفةِ صانِعِهِ التحقيقُ واليقينُ.
следующие страницы →